← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

العاشر، برهان ساطع على ما كان للعرب من العلم والحكمة. وخذ مثلاً انكلترا، فإن سكانها كانوا إذ ذاك مليونين أو ثلاثة. وكانت العناية بترقية الزراعة أساساً لعمران الأندلس. والناس الذين لم يروا أسبانيا قط، يرون فيها رأياً مبهماً غامضاً، أغلبه مأخوذ من الروايات ورقوق الخَيَالة: أنها أرض خصب، خضرة نضيرة وازدهار دائم، وغناء وعشق لا ينتهيان. والأندلس، هي الناحية التي استوطنها العرب، إذ لم يهتموا كثيراً بالناحية الشمالية - لها صيت ذائع في ابتهاج القلوب وقرّة العيون والهوى العذري والورد وآلات الطرب، وهذه شهرة لا تستحقها. وأنا أحب الإسبانيين، فيمن أحبه من الأقوام الذين سحت في بلادهم، ولكن الطرب ليس من شمائلهم، وليست الأندلس أرض عشق وأزهار وغناء، وإسبانيا اليوم في بؤس وشقاء، مصابة بداء القسيسين، تحكم حكماً مرذولا، ترى في أرياضها في أكثر أيام السنة زربيّة محترقة رقيقة من النبات، والفلاحون المجهودون بكل مشقة يحصلون معيشة ضنكاً من الأرض، ومتى زالت منها الملكية والكنيسة واستبداد الجيش، يجدد فيها نظام السقي وتصير فردوساً مرة أخرى. أما اليوم، فهي محرومة من رأس المال والأعمال، ولا ريب أنها كانت فردوساً في القرن العاشر، حتى نتجت مثل ذلك النمو في السكان، وكان لأهلها ذكاء، فساعدوا به الطبيعة، وكانت الأنهار الصناعية والجداول، توزّع الماء وتروي الأرض، حيث الفلاح الإسباني المسكين اليوم، يرى المطر ينزل في رءوس الجبال، وتسيل به الأودية، وتجري رأساً إلى البحر. والقيعان الواسعة العقيمة اليوم، كانت في زمن العرب حدائق غلباً، كانت تؤتي غلاّت ذهبية، وحتى سفوح الجبال، قد سًطِّحت وألحقت بالأرض الزراعية. وفي كثير من البقاع، كانت الأرض تعطي أربع غلاّت مختلفة في سنة واحدة. وكانت الأقوات كثيرة ورخيصة جداً، وأضاف العرب جميع الوسائل الشرقية إلى الوسائل الرومانية في إسبانيا، فكان الآس يفوح بريحه العطرية، مقرونة بريح الورد والأترج،

стр. 177

والنخل باسقات في سطورها، تواجه القبة الزرقاء، وكانت جنّات، جنّات لا يوجد مثلها اليوم إلاّ في قليل من البلدان، وعلى هذا الأساس، قام هناك نظام تجاري صناعي في غاية الإتقان. ولا أريد أن أذكر تفاصيل هذا الأمر، وإنما أريد أن أذكّر بالسيوف الفولاذيّة التي تصنع في طليطلة، والأدوات الجلدية التي كانت تصنع في قرطبة التي كانت فيها أفضل الطرق في الدنيا، وكيف كان الأسطول التجاري المغربي يطوف البحار في طلب النوادر والتحف الرفاهية لمئات الألوف من الناس، وكان العرب رومانسيين جداً. فإنهم جلبوا العلماء والمهرة في الصناعة والنحّاسين وتجار الجواري الراقصات، وتجار الحرير، وتجار الجواهر من جميع أرجاء الأرض. ولم يكن الخراج مجحفاً، وكان في الغالب يتألف من عُشر الغلاّت وعُشر ما يخرج من المعادن ومكاسب الصناع والتجار. ولكن كان الدخل مدهشاً، وكان دخل خليفة ذلك الوقت وهو عبد الرحمن الثالث - على ما قيل أكثر من (٠٠٠. ٠٠٠. ٣٠) دولار سنوياً. ولا ننسى أن النقود كانت لها قيمة في ذلك الزمان، بحيث يمكن أن يُشترى بها أضعاف ما يُشترى بها الآن. وسنرى وصف هذه الثروة أوضح في الفصل التالي. وكانت الثروة متساوية عند الأعيان والتجار، وقد قرأنا أن وزير عبد الرحمن الثالث أهدى إلى ملكه هدية وهي ضيعة، غاباتها تحتوي على عشرين ألف شجرة، وستين جارية حسناء، ومائة من الجياد الصافنات، والبغال الفارهات، وثمانمائة لأْمَة (١) من أجود العتاد، وما يساوي مليون دولار من الذهب وغيره من النفائس. وقد قدَّر المؤلفون العرب الذين يختلفون عن جهلة أوروبا الرهبانيين جدّ الاختلاف هذه الهدية بـ (٠٠٠، ٠٠٠، ٥) دولار، وسنرى في الفصل الآتي أكثر مما رأينا، فهناك نرى من الترف الذي أوجدته تلك المدنية شيئاً يدهش العقول، وعلى ما كانت عليه ملوك العرب من البذخ والترف، فإنهم لم يهملوا المقاصد الخيرية والمصالح

стр. 178

العامة، بل أنفقوا عليها من خزائنهم الواسعة إنفاقاً لم بفعل مثله من ملوك النصارى إلاّ قليل، وسأعقد فصلاً أذكر فيه أعمال ملوك العرب في العلم والأدب والفلسفة. هنا أشير إلى أن الملوك الذين أنشأوا مدنية الأندلس (من سنة ٧٥٦ م إلى سنة ٩٦١ م) كانوا رحماء كرماء ومحبين أوفياء للعلم وأهله، وكانوا أكثر الناس سخاء وجوداً في مناصرة الشريعة والتعليم، وهم أنفسهم في كثير من الأحيان لم يكونوا قاصرين في الأدب. فالخليفة الحكم الثاني الذي كان ملوك النصارى في زمانه لا يقدرون أن يكتبوا أسماءهم إلاّ قليل منهم كانت خزائن كتبه تحتوي على نصف مليون كتاب، ويروى أنه كان ملماً بما تضمنته. وكان الخلفاء ينفقون على كثير من المدارس من مالهم الخاص، وكان سخاؤهم بأموالهم الخاصة للمصالح العامة مثل سخائهم لها من بيت المال، وكانوا يرقبون الطرق المعبدة والجسور المتينة التي عملها الرومان بعناية تامة، فيصلحون ما فسد منها، فكان للبلاد نظام للمواصلات يليق بصناعتها وتجارتها. وعجلات السيارات الثقيلة اليوم، كانت تسير في طليطلة وقرطبة على الجسور العظيمة التي بناها الروم وجدّدها العرب، وجدّدوا القنوات وأنشئوا قنوات جديدة لضمانة الماء الكافي، لا للسقي فقط، بل لتوزيعه في المدن على البيوت. وكان للبريد سرب من الخيل السريعة تبرده في جميع الطرق المهمة في المملكة. ولأجل أن نقدّر هذه الأشياء حق قدرها، ينبغي أن نتذكر دائماً الاختلاف بين هذه البلاد وبقية أقطار أوروبا، فأمهات المدن الأوروبية لم توجد فيها قنوات لصرف المياه القذرة حتى بعد مضي ستمائة سنة من ذلك التاريخ، فكانت المياه المنتنة النجسة تجري في طول شوارع باريس ولندن غير المبلطة، أو تجتمع فيتكون منها حياض، حتى بعدما عملت النهضة في أوروبا عملها قروناً طويلة. أما في مدن العرب، فكانت الشوارع مبلطة منوّرة، قد سوّيت فيها مجاري المياه أحسن تسوية في أواسط القرن العاشر. قال سكوت: بعض القنوات التي كانت تحت الشوارع لصرف المياه القذرة في بلنسية، تقدر أن تسع سيارة. وأصغر قناة منهن تقدر

стр. 179

أن تسع حماراً. وكانت الشوارع مجهزة أحسن تجهيز بالشرطة، وهذا النظام الصحي السامي، كانت تعضده النظافة العامة التي يراها الأمريكيون في هذا العصر شيئاً واجباً. ولكنها كانت في ذلك الزمان في نظر الأوروبيين أعجوبة من أعاجيب الرقي التام، فكان في قرطبة وحدها تسعمائة حمام عام، وكانت الحمامات الخاصة كثيرة في كل مكان، أما في بقية بلاد أوروبا، فلم يكن فيها ولا حمام واحد. وكان أشراف أوروبا رؤساء الإقطاع منهمكين في الرذائل إلى حدّ يحجم الإنسان عن وصفه. ولم يكن لبس الكتّان النظيف معروفاً في أوروبا، حتى أخذت (مودة) لبس طراز الكتان من المسلمين، ولم تكن الزّرابي أيضاً تصنع هناك، وكان الحشيش يغطي أرض قصور الأمراء ومصطبات الخطابة في المدارس، وكان الناس والكلاب ينجسون المحلات إلى حد يعجز عنه الوصف. ولم يكن لأحد منهم منديل في جيبه. وفي ذلك الوقت، لم تكن الحدائق تخطر ببال أحد من أهل الممالك النصرانية، ولكن في إسبانيا العربية كان الناس في جميع الطبقات يبذلون الجهود والأموال في تجميل حدائقهم العطرة البهية. وكانت الفسقيات تترقرق مياهها صعداً في صحون الدور والقصور والأماكن العامة. ولا يزال في صحن الجامع الكبير في قرطبة حوضان جميلان من المرمر يزينان الصحن، حيث كان كل مصَلٍّ يتوضأ قبل أن يدخل المسجد، ووصفها سكوت في هذا الزمان (١/ ٦٧٥) فقال: "هذان الحوضان اللذان كانا من قبل متوضأ للمسلمين الغيورين من جميع الآفاق، والآن يمدان بالماء سكان قرطبة النصارى ذوي المناظر القذرة المنفرة والأخلاق الوحشية والجهل العظيم بمزايا الشعب الطاهر العاقل المهذب الذي تنتمي إليه هذه الذكريات الفاخرة من الفن والصناعة. هذان الحوضان يشهدان شهادة مرضية بأنّ لا دوام للمدنية العليا، وأنّ الإنسان يميل بطبعه إلى التقهقر والعودة إلى أحوال الهمجية. وتشهد به لسلطة القسيسين من المقدرة على فعل الشر، وأن سياستهم التي لن تجد لها تبديلاً، أُسست على قاعدة احتقار مواهب عبيدهم العقلية". وهذه العدد التي أعدّها الخلفاء

стр. 180

بفرط ذكائهم، ظهر أثرها في زيادة خارقة للعادة، على حين كانت جميع بلاد أوروبا لا يتضاعف سكانها إلاّ بعد مضي أربعة أو خمسة قرون. ولم تنحصر عنايتهم الأبوية في حفظ الصحة والحياة فقط، فمع كثرة النفوس المفرطة، كانوا لا يرون أحداً يصاب بمصيبة إلاّ نفَّسوا عنه الكرب وواسوه، وهذا فيما لم يمكن اتقاؤه منها. وكان يساعدهم على اتقاء النكبات اتخاذهم نظاماً حسناً في استخدام البطالين في إصلاح الطرق، والأشغال العامة. وكان عبد الرحمن الثاني قد أعلن أن كل مَن يريد العمل يمنحه. ودوائر العدل التي خلفتها محاكم التفتيش وغرف التعذيب - كما أثبت المحققون - كانت منزهة عن كل ريبة أو فساد، وكانت المعارف والتعليم - كما سترى في فصل آخر - أحسن مما كانت في ممالك الرومان، ولم يكن يضاهيها إلاّ ما بلغه اليونان من المعارف العالية في أرقى أيامهم، والخلفاء أنفسهم شيَّدوا المارستانات ودور الأيتام، كما يفعل ملوك اليونان - ومنذ زال ملكهم زالت هذه المؤسسات من أوروبا - وكان الأعيان والتجار لا يألون جهداً في اقتفاء آثار الخلفاء في العمل بهدي القرآن في مثل هذه الخيرات. وكان الخلفاء أنفسهم يعودون المرضى ويبحثون من المكروبين لينفسوا كربهم. والنساء الّلائي نزلن إلى دركة الخدم في بلاد أوروبا عملاً بما روته التوراة في قصة حواء من المحال، ولكراهية القسيسين السابقين للزواج وإيثارهم العزوبة، كنّ على خلاف ذلك عند العرب مكرمات مالكات حريتهنّ. وللكرم إن لم نقل البذخ والسرف اللذين حلاّ محل التقشف والتعصب في دمشق، انتقلا إلى الأندلس، فكانا كافيين لحفظ مركز المرأة والعشرة الخشنة التي يعاشر بها المسلمون المرأة كما هو مشهور عندنا، لم توجد في الأندلس إلاّ في أواخر أيامهم. والنساء في القصر الملكي بقرطبة، كنّ يساعدن الخلفاء في تدبير الأمور، وإن مالت طباعهن إلى غير ذلك، ولم يكن من الصعب عليهن الاتصال بالأدباء والشعراء وأصحاب الفنون الصناعية. وكان طلب العلم مباحاً لهن بكل حرية، وكثير منهن كان لهن ولع بالعلوم الرائجة في ذلك

стр. 181

الزمان من فلك وفلسفة وطب وغيرها. وكانت النساء يتبرقعن خارج بيوتهن، ولكنهنّ كنّ مكرمات وفي منازلهن كنّ مشرفات ومحترمات. ولا حاجة بي إلى أن أتكلم عن ظرف العرب وشهامتهم، لأنهم هم الذين طبعوا الشعب الإسباني طبعاً لا يُمحى أبداً على الاحترام الشخصي واللطف الذي لا يزال من خواصه المستميلة حتى في الصناع والفلاحين. وهناك مزيّة أخرى يمتاز بها العرب، وهي التسامح الديني، وفي أول الأمر كان هناك بلا شك شهداء - يعني مقتولين لمخالفتهم عن الدين - ولكن لا مناسبة بين تلك المذبحة التي عملها الإسبانيون أخيراً في ذرية العرب. وأما بعد استقرار المملكة العربية في الأندلس، فإذا استثنينا معاملتهم لطوائف الثوار من النصارى، كأهل طليطلة الذين كانوا دائماً ينتظرون الخلاص من ناحية الشمال، فقد كان أهل الأديان جميعاً يعاملون بالحسنى، وكانت على يهود والنصارى فريضة مالية قليلة تخصهم، وكانوا يتمتعون بحماية حقوقهم، فكثر عددهم، وعظم بذلك الخرج الذي يؤخذ منهم، فكان الخلفاء لا يشجعون على دعوتهم إلى الدين مخافة نقصان الجزية، ورخصوا لنصارى طليطلة في المحافظة على كنيستهم الكبرى. وأخيراً اشتريت منهم بثمن غالٍ جداً، ورخصوا لهم بأن يبنوا عدداً من الكنائس. وكانت لهم في طليطلة ست كنائس، وكانوا مستمسكين بالعلاقات الودية مع جيرانهم، حتى أثار فيهم القسيسون الضغينة الدينية. وأما ما يخص يهود الذين كانوا يتمتعون بعصرهم الذهبي حينئذٍ، وارتقوا إلى أعلى درجة في العلوم، ونالوا أعلى المناصب في دولة العرب، فأتكلم عليهم في فصل آخر، وهذه النبذة العامة في ذكر مدنية العرب، ستزداد وضوحاً وتفصيلاً عند الكلام على وصف حياة قرطبة وغرناطة. ولابد أن القارئ علم مما ذكرناه آنفاً تفوق المدنية التي يزعمون أنها وثنية تفوقاً خارقاً للعادة، ولابد أنه رأى أثرها في أوروبا المتوحشة، وهذا صحيح لا يمتري فيه أحد من المؤرخين. والمؤرخون لا يقابلون بين العرب والنصارى، لأنهم لو فعلوا ذلك لكانوا كالذي يقيس أهل بوستن -

стр. 182

مدينة في أمريكا - بقبائل الاسكيمو، وذلك عجب عجيب. قال ستانلي لين بول في شأن النصارى الذين كانوا قد استولوا على شمال إسبانيا في حينه: "كانت غزوات النصارى لعنة عظيمة على مَن يكون لهم فريسة. وكانوا خشنين جاهلين أميين لا يقدر على القراءة منهم إلاّ قليل جداً. ولم يكن لهم من الأخلاق إلاّ مثل ما لهم من المعارف - يعني لم يكن لهم منها شىء - وأما تعصبهم وقسوتهم، فهو ما يمكن أن تتوقعه من الهمج البرابرة". ثم قابل بعد ذلك بين الممثلين لنظام الفروسية في القرون الوسطى - يعني أشراف إسبانيا - وبين العرب (ص ١٨٩)، فقال: "اتصف النصارى في شمالي إسبانيا بأقصى ما يمكن من مضادة أقرانهم العرب. جاء العرب تلك البلاد، وهم عشائر بدو جفاة، ثم رقّت طباعهم إلى أن صاروا شعباً عالي الكعب في التمدن، يستلذون الشعر واللّطائف الأدبية. وقد وقفوا جهودهم لخدمة العلم واستقراء مسائله، وفوق ذلك كله قد عزموا على التمتع بلذات الحياة إلى أقصى حد ممكن. وأذواقهم العقلية كانت لطيفة فوق العادة وظريفة، فالموسيقى والخطابة ودرس المسائل العلمية بتعطش لا مزيد عليه، يظهر أنها كانت طبيعة غريزية لهذا الشعب الزاهر. وكانت لهم سجيّة معرفة النقد والولع بالمجاز والاستعارات الجميلة وتقديرها على النحو الذي ننسبه اليوم إلى الأمة الفرنسية. أما نصارى الشمال فكانوا بضدّ ذلك على أقصى ما يتصور، فكانوا جفاة غير مهذبين. ولم تكن آداب نظام الفروسية التي أدخلها المصنِّفون في تاريخهم، لتخطر لهم ببال. وفقرهم الشديد جعلهم خدماً لكل مَن يريد استخدامهم، وكانوا يبيعون شجاعتهم لكل مَن يدفع لهم أغلى ثمن لها، فكانوا يحاربون لتحصيل القوت". ثم أرانا - يعني سكوت - أن "سِد" (١)، الذي لا يزال حتى اليوم زينة لكتب

стр. 183

الأدب، وزهرة من أزهار الفروسية النصرانية، كان خائناً قاسياً غدّاراً ناقضاً للعهود لا إيمان له ولا ذمة، يبيع سيفه وعواطفه من كلا الفريقين: المسلمين والنصارى. ومِس شارلوت ينج التي كانت لها الشجاعة الكافية أن تقول الحق في شأن العرب والنصارى منذ خمسين سنة، لم تجد ما تسلي به دينها إلاّ شيئاً واحداً وهو قولها: "قد بلغ الإسلام أعلى درجات الإلهام في زمان مدنية العرب في الأندلس، ولكنه انقرض بعد ذلك. وأما النصرانية فإن لها آمالاً في المستقبل غير محدودة". وفي هذا خطأ مضاعف، فالإسلام هو الذي ألهم العرب مدنيتهم ولكنه لم يمت، والمدنية المستمرة التي جاءت في العصور الأخيرة ليست من النصرانية في شيء. والحقيقة أن مدنيتنا الحاضرة لا علاقة لها بالنصرانية، ولكن المدنية التي دخلت أوروبا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، كانت لها صلة كبيرة بالعرب، أي أن مصدرها كان منهم، فالنور الذي أشرق في إسبانيا لم يكن بدّ من أن ينبثق إلى أوروبا، فالإسبانيون الذين استولوا بالتدريج على النصف الشمالي من إسبانيا، عندما أخلد العرب إلى أرض الترف والبذخ، وانحصروا في القسم الجنوبي - الأندلس - لم يبقوا جامدين لا شعور لهم بثقافة جيرانهم - يعني أنهم أخذوا يقتبسونها، وكان السيّاح أو المسافرون من النصارى الذين يزورون مدن العرب يعودون إلى أوطانهم فيقصّون من أخبار العرب وعلومهم وحضارتهم الجميلة ما يهزّ النفوس ويشوقها إلى تلك الحضارة الفذّة. ٣ - مدينة النور والحب: مدريد (مجريط) التي كانت في القرون الوسطى قرية مظلمة، هي واقعة تقريباً في وسط إسبانيا، وفي شمالها بالضبط سلسلة جبال وادي الرملة المتدثِّرة بالثلوج، حتى حين مررت بها في الشهر السادس (جون = حزيران)،

стр. 184

وكان الجوّ حاراً. ولما انطفأت نار الغيرة وحبّ الفتح في قلوب العرب، تركوا هذه الناحية الشمالية ذات البرد القارس لبقايا المملكة النصرانية، فانضم إليهم الغوغاء المجازفون من فرنسة، وبمرور الزمن تألّفت منهم أمة صغيرة ذات بأس وضراوة على القتال. أما كيف قاتلت هذه الأمة الصغيرة إلى أن استولت على إسبانيا كلها واستردتها تارة أخرى، فهو حقيقة صفحة عظيمة في تاريخ العمليات العسكرية، ويحق للإسبانيين أن يفتخروا به من حيث هو استيلاء على الأرض، ومن سوء الحظ قد قضى هذا الاستيلاء على المدنية قضاءً مبرماً. ولست بصدد ذكر العمليات العسكرية هنا، والذي أريد بيانه، أنه في سنة ١٠٨٥ استرد الإسبانيون أقصى مدينة في الشمال من أيدي العرب وهي طليطلة قاعدة ملك الإسبانيين القديمة. وهذه المدينة اليوم في حالة تدل على ما جناه الإسبانيون على المدنية في قضائهم على العرب. ولهذه المدينة موقع فريد لا تشاركها فيه مدينة أخرى، فهي مبنية على كوم من الصخور مرتفع عن الأرض، والنهر محيط بها من ثلاث جهات. وفي القرن العاشر كان يعيش في تلك المدينة (٢٠٠٠٠٠) نسمة في غبطة وسعادة. وسيوف طليطلة مشهورة عند كل مؤرخ وخبري، لأن قيونها كانوا أمهر القيون في العالم. وعند الكلام على قرطبة يمكن أن تجمع شيئاً من أخبار طليطلة المدينة العربية العظيمة. واليوم بعد مرور ثمانية قرون من استرداد طليطلة، ترى سكانها نحو (٣٠٠٠٠) ألفاً من الكسالى، يدبون دبيباً في شوارعها المهجورة الهامدة، ويعيشون على كرم الزائرين. ولما ركب الإسبانيون ودخلوها، يتقدمهم رئيس أساقفتهم، حين رفست المدنية تحت الأقدام وتلاشت، شيَّدوا فيها كنيسة فخمة فيما بعد، ولكن من جهة أخرى انحطت المدينة إلى حال أنها صارت قرية كبيرة، فكأنما بنيت الكنيسة لخراب المدينة. والجسر العظيم الذي على النهر متين جداً ومفيد كثيراً، فلذلك لم يقدروا على تدميره. وباب المدينة العجيب، باب الشمس، قد أبقوا عليه، فهو يظهر اليوم تذكاراً محزناً

стр. 185

لماضٍ مجيد، ينظر إلى الخراب، ويندب مجده البائد. وأما سائر المدينة القديمة العجيبة، فكأنها لم تغن بالأمس. ولو بحثت بجد واجتهاد عن بقايا تلك العظمة الغابرة، لوجدتها تلاشت وصارت كأمس الدابر. وتدور مبهوتاً في شارعها الرئيسي، وهو زقاق ضيِّق حيث كان ربع مليون من النفوس يعيشون في نعيم. تطلب مكاناً طيباً تستريح فيه، فيكون خاتمة تطوافك أنك تجد نفسك في حجرة قذرة، تتغذى بين سائقي البغال والفلاحين. وانتحى مجد العرب نحو الجنوب إلى إشبيلية وقرطبة وغرناطة ومالقة وبلنسية، وكانت طليطلة لذلك المجد كالطليعة. وكان الجنوب الشامس وطناً طبيعياً للعرب. ومن العجب أن لا نجد إلاّ قليلاً ممن يعرفون أنّ قرطبة كانت تضاهي في عظمتها ومجدها بابل وروما وبغداد، هذا مع أن عهدها ليس ببعيد. ومنظر قرطبة اليوم منظر محزن. ولا أريد اليوم بهذا النوح والعويل الدائم أن أهيج أو أحاول أن أهيج سخط الناس على الدين الذي ألهم الإسبانيين أن يبيدوا هذه المدينة العظيمة. وأنا أشدّ تأسفاً وتحسّراً على خسارة النوع البشري منى على جناية أولئك الجناة. لو أن الممالك النصرانية عملت وترقت بالعمل الصالح الذي عمله اليونان في الشرق، والرومان في إيطاليا، وفرنسا وانكلترا في شمال إفريقية، ولعمل هؤلاء العرب في طليطلة وإشبيلية وغرناطة، كيف كنا نكون اليوم؟ لو عمّت أفكار قرطبة وعلومها وتهذيبها جميع أوروبا لبلغت أوج المدنيّة وتقدم العلم فيها تقدماً عظيماً في القرن الثالث عشر، ولكانت أمريكا وسائر بقاع الأرض قد اكتُشِفَت قبل تاريخ اكتشافها، واستعمرت بحكمة وإتقان أكثر وأسبق مما وقع لها، وكان النوع البشري اليوم متمتعاً بثروة ورفاهية ورقي وحرية وسمو فكر مثلما سيكون حوالي سنة ٢٥٠٠ م. فهل كانت قرطبة إلى هذا الحد عجيبة؟ نعم، كانت كذلك بالنسبة إلى القرن العاشر وبالنسبة إلى أي عصر آخر ما عدا زماننا هذا، وكان بإمكانها أن تعلَّمنا دروساً كثيرة من فنون المعيشة. لم يبق من آثار قرطبة الوسطى إلاّ أثر واحد، وهو جامعها الذي لا يزال

стр. 186

حتى اليوم جميع أطفال قرطبة يسمونه مسجداً. ولولاه ما تجشَّم أحد عناء السفر لمشاهدة قرطبة - ولو كانت على بعد خمسة أميال منه - ولكن الناس من جميع أنحاء الدنيا يسافرون إليها ليشاهدوه. وهو أعظم معبد في الدنيا بعد كنيسة القديس بطرس، وهو آية لا نظير لها من الهندسة والبناء، وظاهر هذا المسجد لا يستولى على اللّب. ولم يكن العرب الذين كانوا يفضلون الإقامة داخل البيوت أكثر من خارجها يهتمون نسبياً بالمظاهر كثيراً، وأما في الداخل، فهناك العجائب. إذا دخلت الجامع من أي باب من أبوابه التسعة عشر، يخيل إليك أنك تائه في غابة من أشجار المرمر، ففيه ثمانية وستون سارية رقيقة من المرمر والرخام واليسب، وفيه غير ذلك ألف واثنتا عشرة سارية، وفيه تسعة عشر رواقاً، ينتهي كل منها بباب من الأبواب التسعة عشر. وله سقف خشبي منخفض نسبياً زخرف أحسن زخرفة بالأرجوان والذهب. وفي الأعياد الكبيرة توقد مائتان وثمانون ثريا من الفضة والنحاس، يحترق فيها الزيت المعطر، وتتلألأ فيها آلاف كثيرة من المصابيح، فتلقي أنوارها على ذلك المشهد: وأكبر ثريا منها كان محيطها ثمانية وثلاثون قدماً، يحمل ألفاً وأربعمائة وأربعاً وخمسين مصباحاً، ولها مرآة تعكس النور، فيزيد شعاعه تسعة أضعاف. وفيها (٦٠٠٠) طبق من الفضة، مسمرة بالذهب ومرصعة باللؤلؤ. وكان الجامع قد شُيِّد مع مضافاته في القرن الثامن والتاسع والعاشر. والمحراب الذي هو أقدس محل في مسجد العرب، كان فيه حنيتان، وكان أعظم زخرفاً من سائر المسجد. وآخر المحراب يشبه صدفة من رخام، وله مدخل يتلألأ كالذهب الخالص أو الديباج بفسيفسائه الجميلة. وأحيل القارئ على كتب زخرفة البناء أو كتب الاستدلال ليرى عجائب هذا الجامع العظيم. وكان بناؤوه من النصارى المنتمين إلى الكنيسة اليونانية، وكانت بينهم وبين العرب مودة، فجلبوهم لبنائه. وهو أثر لمدنية زاهرة لا يضاهيها اليوم شيء في الدنيا كلها. وكان عبد الرحمن الأول مؤسس هذه الدولة، قد جعل مدينة قرطبة على مثال مدينة دمشق التي قضى فيها أوائل

стр. 187

عمره. وهو الذي ابتدأ بناء الجامع، وأتمه الخلفاء الذين جاءوا بعده، وبلغت نفقاته على ما حدّث به مؤرخوا العرب (٣٠٠٠٠٠٠٠٠) دولار. وإنما كان هذا آخر عمله في حياته، وقد شيّد غير ذلك هو وخلفاؤه ورجال دولته قصوراً فخمة ومساجد كثيرة كانت تزيد المدينة كل سنة جلالة وبهاء. قدّر سكوت سكان قرطبة في أزهى أيامها بمليون، وآخرون قدّرهم بنصف مليون، ولكن مؤرخي العرب حدثونا بأنه كان فيها عشرة آلاف قصر، عشرة منها للملك، و (١١٣٠٠٠٠) دار و (٧٠٠) مسجد و (٩٠٠) حماماً عمومياً و (٤٣٠٠) سوق و (٥٠٠٠) طاحونة على شاطئ النهر، والآن بعد تقدمنا كله، فقرطبة بلدة منحطّة حقيرة، سكانها نحو مائة ألف، من ذوي المناظر الكريهة الأموات، وإن كانوا يعدّون من الأحياء. وكان للمدينة القديمة شوارع مساحتها عشرة أميال، كلها مضاءة ومبلّطة تبليطاً حسناً، وإلى الآن لا نزال نطأ تبليط العرب في كثير منها، ومجاري مياهها كانت منظمة جيداً، ولا تزال مئات من الدور باقية، فيمكنك أن تتصور معيشة أهل البيت العربي: تدخل من باب حديدي ضخم جميل، ثم تمرّ في دهليز قصير مظلم، فتصل إلى صحن الدار، وهذا الصحن هو وسط البيت، فترى هناك أزهاراً ورياحين وبسطاً من الحرير والفسيفساء المتلألئة والنقوش العربية الجميلة، وتجد في كل صحن تقريباً فسقيّة من المرمر، كل ذلك يجعل المنزل مقاماً بهيجاً تحلو فيه السكنى ويطيب فيه العيش. وقد جلبوا الماء من أميال من نهر (سيرا)، ثم وزّعوه على المنازل في أنابيب من الآنك. وكانت النظافة عند المسلمين فرضاً مقدساً، حتى أن النصارى حين استولوا عليهم دمّروا الحمامات. وعندنا وصف دقيق، لقصر بناه عبد الرحمن، على ثلاثة أميال من قرطبة. وإذا ذكرنا أن القياس ملكي، فسنعرف شيئاً من معيشة أهل قرطبة في القرن العاشر. بُني القصر لتكريم امرأة، وهي محظيته الزهراء، فجعل لها تمثالا جميلا من المرمر نصبه على باب القصر، وكان يشتغل في بناء هذا القصر

стр. 188

عشرة آلاف رجل وثلاثون ألف دابة، وبقوا يعملون فيه سنين، وينبغي لنا أن نفرض أن هذا القصر بهر مؤرخي العرب في ذلك الزمان، فلم يقدروا أن يرووا تفاصيله على الحقيقة، لأن وضعهم كان لا يُعتمد عليه تقريباً. فقد زعموا أن له تسعة عشر ألف سارية جُلبت من اليونان وإيطاليا وإفريقية وغيرها. والإيوان الأوسط كانت سواريه من المرمر والحجر الشفاف، وكانت رؤوسها مرصّعة باللؤلؤ والياقوت، وكان جريدة سقفه من الذهب والفضة، وكانت جدرانه وقبّته من العقيق اليماني، وكان له ثمانية أبواب من الأبنوس والعاج مرصعة بالجواهر، وكان في القصر ثلاثمائة حمام فاخر مستجمع لشروط النِّعمة. وكانت الحدائق واسعة جداً، حتى الحيتان كانت في حياضها، وكانت كلها من (السّمك الذّهبي) كان قوتها اليومي اثنى عشر ألف رغيف من الخبز. وكان عدد الخدام الذكور (١٣٧٥٠) وعدد الإناث (٦٣١٤) وعدد الخصيان والوصفان (٣٣٥٠). وقد أُخبرنا بما كان يُستهلك ثمَّ من الطعام يومياً، بحيث لا تخفى علينا منه أوقيّة واحدة. وكان طعاماً فاخراً هنيئاً مريئاً، وكان هناك غير من ذكرنا العساكر والموسيقيون والشعراء والراقصون ورجال الدولة والأدباء لغرض الشعر والاشتغال بالموسيقى، بل حتى المباحثات العلمية والفلسفية. كان لهما الاعتبار التام هناك، وكان الإعجاب بهما لا يقصر عن الإعجاب بقدّ جارية حسناء أو عينين كحلاوين لخريدة محظية ييضاء في غلالة حريرية سوداء من غواني الحريم. وكان عدد حرس الخليفه الخاص اثني عشر ألفاً من خيرة الجنود، يلبسون أفخر الحرير، ولهم مناطق مذهبة، وأجفان سيوفهم كذلك كانت مذهبة، ومقابضها مرصعة بالجواهر والأحجار الكريمة، وكان هذا القصر عاشر عشرة من القصور الملكية. وحوله كانت مساكن جميلة لخاصة الخليفة ورجال دولته المقربين وأرباب المناصب العالية. وكذلك كانت مدينة الزهراء مدينة تسبي الألباب، وتسحر العقول بجمالها، وإن سألت عن حالها اليوم، فهي في حالة لا تستطيع أن تشبع قليلاً من المعز. وكعل شيء كان هناك ملكياً، والموسيقي

стр. 189

والمغني الخاص لعبد الرحمن الثاني كان أديباً من أعاجيب الزمان؛ وكان مرتبه (٤٠٠٠٠) دينار من الذهب في كل سنة، وهو أكثر من مرتب رئيس الولايات المتحدة. وهذا النعيم الذي لم يمض عليه إلاّ أقل من خمسمائة سنة، لم يحفظ منه الإسبانيون مثقال ذرّة. وكان يصبّ في خزائن الملك كل سنة، نهر مفعم من الذهب، فيفيض منها على الأشراف والأمراء والأدباء والعلماء وكبار التجار وغيرهم. وكانت القصور الفخمة ممتدّة على شاطئ الوادي الكبير مسافة عشرة أميال، وكانت أسواقها أغنى أسواق الدنيا، فلم يسمع سامع بشيء من التوابل أو العطور أو المنسوجات الفاخرة أو الكتب الخطية النادرة أو البُسط والزّرابي البديعة أو آلات اللهو في أي ناحية من أرجاء الدنيا، إلاّ وقد جلبت إلى تلك الأسواق. وحال أمريكا اليوم بالنسبة إلى الدنيا القديمة، هي حال الأندلس في ذلك الزمان بالنسبة إلى غيرها من البلاد، ولكن الأندلس كانت أعظم من وجهة المدنيّة. وكانت الحدائق العامة المعدّة للتنزه نزهة للأبصار، وستعلم شيئاً من ولوع العرب بالحدائق والجنّات، إذا رأيت الحديقة المعروفة بالقصر في إشبيلية، وكان العرب يتوخون الجمال في كل شعبة من شُعب المعيشة. والعرب أنفسهم كانوا صنّاعاً ماهرين في الأدوات المعدنية والجلدية، وأحسن المنسوجات الحريرية والكتانية. وكانوا يصنعون الفسيفساء العجيبة، وينقشون النقوش الجميلة على الأواني المنزلية. وكانت لهم مهارة عظيمة في دهن الأواني الخزفية، وكانوا حاملي لواء زخرفة داخل البيوت والقصور وزينتها، وبلغوا في ذلك درجة عالية لم يعرفها أحد في الدنيا غيرهم، وكانت لهم معادن كافية من الرخام والمرمر، ومع ذلك كانوا يجلبون المرمر من اليونان وإيطاليا وإفريقية. وكانت سفنهم تجلب المقادير العظيمة من خشب السدر والعاج والأبنوس وأحسن التوابل والطيب الذي يمدهم به الشرق، وكانوا يجلبون من هناك الذهب والفضة والمجوهرات والمحار والحجر الشفّاف وحجر اللآزورد وجلود السلاحف وكل مادة معروفة من مواد الزينة.

стр. 190

وكانت خزائنهم المالية عظيمة بالنسبة إلى عصرهم، إلى حدّ أنهم كانوا يسيطرون على الدنيا كلّها من الوجهة المالية، وقد عرفوا كيف ينفقون أموالهم على فنون المعيشة، إلى حدّ لم يصل إليه إلاّ قليل من الأمم. وقصور الأشراف وأصحاب المناصب والأدباء، كانت تقارب في الفخامة والسعه قصور الخلفاء، وحتى منازل أرباب الحوانيت كان لها جمال ورفاهية محتها أعاصير النكبة التي أنزلها الإسبانيون بالأندلس. وعلاوة على ذلك، مئات من الحمامات المحشاة أطرافها بالمرمر والفسيفساء، والحدائق العامة البديعة التي كانت ممتدة على شاطئ الوادي الكبير، كانت نعمة ورفاهية للناس جميعاً من الخليفة إلى أدنى الطبقات. وفي كل أمر من تفاصيل معيشتهم، أبدَوْا سلامة ذوق لا يمكننا نحن أن نأتي بها. والعشرون ضاحية التي كانت حول المدينة، لم تكن أسماؤها: (بوت فيل Potts Ville) و (نيوتن Newton) ، بل كانت أسماؤها هكذا: وادي الفردوس، والوادي الجميل، وحديقة العجائب، وهكذا. ولقد صدقوا، فإنها كانت كذلك، وكانت مبثوثة بينها المنازل البيض المشرفات، وحولها غابات الأترج والنخيل والسرو الواسعة وروضات الأزهار الفضَّة الباقية طول السنة، تجري من تحتها الأنهار والجداول فالبحيرات والعيون، والمخابئ، والمغارات، وصفوف الأشجار، وكل فكرة عند الفلاحين المتخصصين في الغرس والزراعة، وقد استعملت هناك مما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين. وإذا عبرت النهر على الجسر العجيب الذي يبلغ طوله (١٢٠٠) قدم وارتفاعه فوق الماء (٩٠) قدماً، تجد ضاحية حفت بالحدائق البهيجة والروضات الجميلة، تسحر الألباب ببهائها، ولو لم يكن هناك سواها، لكانت المثل الأعلى في المدن. وإذا انقضى العمل في كلّ يوم، كانت قرطبة ترى معترك ضحك وغناء وذنوب يفوح عطرها، ومباحثات عقلية دقيقة وموسيقى شجيّة بجميع الآلات التي كانت معروفة لذلك العهد. وكان العباد والزهاد في قرطبة كثيراً، لأنها كانت تحوي أعظم المعابد العلميّة والدينية وفطاحل العلماء في الدنيا، وقد

стр. 191

سنّ أحد الخلفاء - وكان ديِّناً - قانوناً يقضي ببناء مسجد في كل اثني عشر بيتاً، ونفذ قانونه، إلاّ أن الظرف والّلطف كان هو الغالب. وأكثر الناس كانوا يلتزمون بالعبادات الإسلامية التي ينص عليها الإسلام، ولكن لم يكونوا متعمقين في أصولها النسكية التقشفيّة. فلا دمشق ولا بغداد وحتى إنطاكية في أوج مجدها، لم تكن مركزاً للسرور مثل ما كانت قرطبة، في حين كانت أوروبا متدثرة بالخرافات الموحشة، ولم تكن في الدنيا قط بلاد أسعد ولا أجمل ولا أنعم عيشة من الأندلس في القرون الثلاثة: العاشر والحادي عشر والثاني عشر للميلاد. وأعظم مزية يمكننا أن نمدح بها عرب الأندلس، هو أن نذكر أنّ شغفهم بالشهوات واستهتارهم بالّلذات، كان متّحداً على نسبة سواء مع ولوعهم بالتمتع بالعلوم العقلية والمعارف الدقيقة المحقّقة التي كانت منتشرة بصورة أوسع مما كانت عليه في روما أو أثينا. ولم يكِن في الدّنيا كلها، ولا هو كائن اليوم، بلد يكرم فيه العلماء والأدباء ويُكافَؤون بالجوائز مثل ما كان في الأندلس. ولم يكن في الدنيا بلد غير الأندلس، يحوي خزائن الكتب العجيبة والمدارس والكليّات العامرة، وجمعاً عظيماً من خيرة الكتّاب البلغاء، وذوقاً عاماً في المباحث العقلية مثل ما كان في الأندلس، والحلقات أو الدوائر الصغيرة من الرجال والنساء المهذبين الذين كانوا في إيطاليا يبحثون في الفنون والآداب في بدء النهضة، إنما كانت تقليداً ضئيلاً للعرب. ٤ - علوم العرب وآدابهم: هناك حقيقة محزنة ودليل يملأ النفس غمّاً وأسىً، يدلّ على أنّ الفكر البشري لا يزال ناقصاً وبعيداً عن الترقّي الحقيقي، وذلك أن الذين يعرفون كيف يعيشون في كل عصر قليل، وبعد مضي ملايين السنين على وجود الإنسان، وستة آلاف سنة على حدوث المدنيّة والشعور بالوجود، ونحن الآن نختصم في ما هو المثل الأعلى للمعيشة، وأكثر الناس لا يعرفون كيف

стр. 192

يستعملون نعمها استعمالاً موزوناً. وتبعة ذلك معظمها يعود إلى النصرانية، ولكن الطبقة العليا من اليونان والمثقفين والمفكرين وصلوا إلى قريب من المثل الأعلى. وعندهم أنّ الحكمة كلّ الحكمة أن نعرف كيف نعيش، ذلك إنما يكون بترقية الجسم والعقل والأخلاق بعناية سواء وحماسة سواء. لا يفضّل واحد من هذه الثلاثة على قسيميه بشيء، وحتى أثينا كانت فيها معركة مستمرة لا نهاية لها بين الفلاسفة الإشراقيين أتباع زينو، أعداء الاستهتار الّلد وخصومهم السايبراتيين أنصار الاستهتار بالشهوات وزعمائه، حتى أبو قراط نفسه لم يكن يعطي للجسم حقه خلافاً لما يعتقده فيه عامة الناس. ولا نقول: إنّ العرب وصلوا إلى درجة الكمال، لكن مثلهم الأعلى كان معقولاً وممتازاَّ، والنصارى الذين يطعنون فيهم ينقبون في تواريخهم الواسعة، وفي الأكثر في التواريخ الخسيسة التي ألّفها أعداؤهم الإسبانيون غير الموثوق بهم، حتى إذا ظفروا على سبيل الندور بشيءٍ من القسوة أو الخيانة أو الفجور، أخذوه فرحين. وأطالوا في شرحه، بقصد التشّفي والتّشنيع. وكلّ مدنية تشعّ على ثلاثين مليوناً من النفوس السعيدة المغتبطة، لابد أن يوجد فيها أمثال تلك الهفوات النادرة، ولكن إنما يستغلها ويتجاهل الأخلاق الحسنة التي كانت غالبة عليهم، المؤلفون المخادعون الذين يُضلِّون مَن يقرأ كتبهم، بذكر أعمال استثنائية وقعت على سبيل الشذوذ والندور. لقد قرأت جميع التآليف التي أُلّفت في سيرة العرب مستندة على ما كتبه المعاصرون لهم، فرأيت يقيناً لا ريب فيه، أن أخلاقهم كانت سامية. ومن فضائلهم أنّهم تجاهلوا الزهد والتقشف، وتمتعوا في حياتهم بجميع اللذات التي يقضي بها الاستعمال الحكيم للنساء والشعر والموسيقى. وأما غيرتهم على شرفهم وشهامتهم، فهناك ألف قول وألف عمل يجليها لك في أكبر التآليف التي أُلّفت في تاريخهم، وقد ظهرت آثارها في شهامتهم المعروفة في الحروب. وليس ظهورها بأقلّ من ذلك في تمسامحهم مع السكّان والزوّار من النصارى ما داموا مستقيمين في سلوكهم، وفي معاملتهم ليهود بمقتضى

стр. 193

الأخوة التامة، وكرمهم الذي هو كنار على عَلَم على المرضى واليتامى والأرامل والفقراء، وكانوا يلتزمون بأوامر القرآن الإنسانية في الإحسان إلى المرضى والمحتاجين. وقد التزموا بتلك الأوامر تديناً وكرماً أكثر من التزام النصارى بمواعظ عيسى في مجلس وعظه بالجبل. وإذا درست التواريخ حقّ دراستها، ترى أنما يتبجّح به النصارى من كونهم متمسكين بأعمال الخير والأخوّة التي جاء بها الوحي، تراه يتضاءل ويتلاشى أمام ما عمله العرب المسلمون من ذلك. كان عصر ملوك الرواقيين أتباع زينو في روما عصراً عظيماً في الخيرات والمبرّات، وكان عصر المسلمين في الأندلس عصراً عظيماً في الإحسان والبر وأعظم منهما عصرنا هذا الحالي. وأما نصيب النصارى من عمل الخير والإحسان إلى المحتاجين من النوع البشري في سجلات التاريخ في القرون التسعة عشر الأخيرة فضئيل ناقص إلى حد يجعله مسخرة للساخرين. والحاصل أن الطاعنين في العرب لا يستطيعون أن يغمزوهم إلاّ بالانهماك في الشهوات، ولكن ذلك العيب المزعوم، سيكون مزية فخر إذا علمنا أنّ العرب كانوا يزنون مطالب النفس والعقل كليهما بقسطاس مستقيم، وجيلنا الحاضر على ما ورثه من تجارب ستة آلاف سنة من سير حكامها وروايات أديانها، حتى اجتمع له في ذلك ما لم يجتمع لجيل قبله، منقسم إلى فريقين - ما عدا البؤساء الكومستوكيين (١) -: فريق يجدّون في تهذيب النفس وترقية العلوم العقلية والفنون العالية، ويحتقرون الشهوات ويواجهونها بوجه عبوس. والفريق الثاني قوم ذوو دماء حارة، انهمكوا في الخمر والفسق، وأطلقوا لأنفسهم العنان، وأعطوها أقصى ما تريد من

стр. 194

شهواتها، حتى صاروا كالأنعام بل أهم أضلّ سبيلا. وكلا الفريقين معجب بنفسه، وكلّ حزب بما لديهم فرحون، وكلّ منهما يعيب الآخر ويرميه بالمثالب، وكلاهما في ضلال مبين. ومن المزايا التي اختص بها العرب، أنّهم يرون أنّ السعادة وكمال النعمة إنما هي المعيشة التي كانت تكفل حفظ النفس والعقل في التهذيب على السواء. وكانت الدرجة العليا التي أدركوها في الشعر ناشئة عن ذلك الرقيّ الموزون. وكل الطبقات من أصحاب الحوانيت إلى الخلفاء كانوا ينشئون وينشدون الشعر. وكثيراً ما ترى جماعة من الرجال والنساء في ليالي الصيف في حديقة غنّاء، تعبق روائح رياحينها في ساحات البيوت الجميلة، جالسين يتباحثون في الأشعار، ويتنازعون بلطف في المساجلة في منتوجات أفكارهم. وكان ولعهم بالموسيقى ودرسهم لها يساوي شغفهم بالعلوم والآداب، وكانت الأندلس حقيقة في تلك الأيام أرض غِناء وغرام وأزهار ونوافح طيب. ولكن هذا الشغف بالموسيقى كان مزدوجاً مع شوق أعظم منه إلى استقراء العلوم العقلية إلى حدّ كدنا نعجز عن فهمه. فأين يوجد في عالمنا شخص يداني زرياب القرطبي (١) الموسيقي الشهير الذي كان مرتبه (٠٠٠ , ٤٠) دينار ذهباً في كلّ سنة، وكان يعرف عشرة آلاف صوت من نغمات الغناء. وأنا لا أدري، هل ذلك فوق مقدرة المغنين في عصرنا أم لا؟؟ ولكن أعلم أنّ ما عندهم هو جزء مما كان عند زرياب، وكان عالماً بالعلوم العالية في ذلك الزمان، كالجغرافية والطب والفلسفة مثلما كان عالماً بالموسيقى، فاخترع عطوراً جديدة وأدهاناً لتجميل الّلون، وجلب الأغذية والعقاقير، ووضع طرازاً صحياً للملابس، وأصلح النظام السياسي، وأوجد في الناس تهذيباً

стр. 195

في الوجهة الاجتماعية، وكانت نوادره وحكمه تروى حكماً وأمثالاً في جميع بلاد الأندلس. وأين يوجد حتى في هذا العصر الحديث، ملك مثل الحَكَم الثاني، الذي كان له شغف في العلوم، حتى إنّه كان له رجال يجمعون الكتب من جميع النواحي في إسبانيا وأوروبا، حتى صارت خزائنه الخاصة تحتوي على أقلّ تقدير (٠٠٠، ٤٠٠) وبعض المؤلفين يقولون (٠٠٠، ٩٠٠) كتاب خطّي، وقد أضافوا إلى الأشعار العربية والفارسية تراجم أشعار اليونانيين. وترجموا إلى العربية كتب أرسطو وأفلاطون وأقليدس وسائر كتب المتقدمين. وألّفوا كتباً كباراً تبهر العقول في الطب والجغرافية والفلسفة والفلك والكيمياء والتاريخ. ومؤرخو ذلك العصر يريدوننا أن نعتقد أنّ الحَكَم كان عالماً بمضامين الخمسمائة ألف كتاب التي كانت تشتمل عليها خزائنه. وكانت تآليفه محلّ الإعجاب في جميع العالم، ولم يكن مستبداً أرستوقراطياً من الوجهة العقلية، وأنشأ في قرطبة عشرات المدارس غير ما كان بها من قبل، وأمر أخاه (وزير المعارف) أن يسهّل على جميع الناس اكتساب العلوم. والمؤلفون الذين يتجاهلون الحَكَم الثاني ويخوضون فيما وقع من عبد الرحمن الأول من القسوة على سبيل الندور والقلّة ويفيضون في قسوة عبد الرحمن الثالث، يخدعون قرّاء كتبهم. وهذه الغيرة على بث العلم كانت عامّة في ملوك العرب، ونظام التعليم عندهم يذكر بما كان من ذلك فى روما الوثنيّة، ويبشّر بنظام التعليم في هذا الزمان. وكان ذلك وادياً خصيباً في صحراء الجهل الكبرى التي امتدت من القرن الرابع إلى القرن التاسع عشر، لأنّ النصارى الإسبانيين أخربوا مدارس الأمة، كما فعل أسلافهم النصارى. وسكوت الذي هو أقوى برهاناً وأكثر تفصيلاً، أخبرنا مراراً أن المعارف كانت منتشرة في جميع الطبقات: "كان في كلّ قرية مدارس كافية لحاجة أهلها، وكان التعليم فيها قائماً على أفضل التسهيلات وأنفعها، كل الأطفال الذين قعد بهم العدم عن التعليم، كانت

стр. 196

الحكومة تعتني بهم وتؤسس لهم مدأرس مجانية على نفقتها (الفصل الثالث - ص:٤٩٧) ". وعلى هذا نقول: إنّه تعذّر أن يوجد فلاّح أندلسيّ لا يعرف القراءة والكتابة، فى حين كان ملوك بقية أوروبا لا يقدرون أن يكتبوا أسماءهم في توقيعاتهم، وكذلك أشراف الروم من أعلى الطبقات لم يكونوا يقتدرون على القراءة والكتابة، وتسع وتسعون في كلّ مائة من أهل الممالك النصرانية كانوا أميين تماماً، وكانوا على غاية من الجهل لا يمكن تصورها، أضف إلى ذلك أنّ المعارف عند العرب كان معناه أوسع بكثير جداً مما كان في روما الملكيّة، وكان لهم من الغيرة على العلوم مثل ما كان لهم من الغيرة على الشعر. وكانوا يعتنون بالتعليم العالي ويعضدونه أكثر من التعليم الابتدائي، فقد كان في قرطبة ثمانمائة مدرسة، وكان التلاميذ يأتون من أقاصي الأرض ليتعلّموا فيها، وكانت للفقراء منهم دور إقامة أعدّتها الحكومة مجاناً لهم، ولهم في فيها أرزاق من بيت مال الدولة تقوم بحاجتهم من طعام وشراب ولباس، وكانوا يعطون زيادة على ذلك شيئاً من الدراهم معلوماً لكل واحد منهم، ولم يكن هناك اختصاص في التعليم إلاّ لمن يريد التخلّص من بعض التبعات. وقد قال اسكوت: "إنّ الجامعات والكليات الأندلسية كانت متسامحة ترحب باليهود والنصارى والمسلمين على حد سواء". وللعرب مثل سائر: "افترق العالم فريقين: فريق لهم علم بلا دين، وفريق لهم دين بلا علم" (١). مَن ذا الذي لم يقرأ يوماً من الأيام، في مدرسة العمر العجيبة، تأسيس الجامعات الأولى الذي ألهمته النصرانية - بزعمهم - في القرنين الثاني عشر والثالث عشر؟ وإني سائل والعجب آخذ مني كل مأخذ: كم واحداً ممن قرأ كتابي هذا، قرأ قط أنّ إسبانيا المحمديّة كانت قبل ذلك بثلاثة قرون، كانت

стр. 197

متعطشة حرى - ولا حرارة المحموم للعلم - للعلم الحقيقي - لا لترهات مكاتب القرون الوسطى القشريّة، وكان العلم هناك بلا شك - عند العرب - مائة مرّة أكثر انتشاراً، وكان هو الملهم الحقيقي لحركة المدارس والجامعات التي قامت في القرون الوسطى؟ فانظر كيف يكتب التاريخ إلى اليوم منيعاً فيه هوى الدين يعني النصراني. ولم تكن حريّة الفكر في الأندلس، التي أقلّ ما يقال فيها إنّها كانت حالها أعلى وأجلّ بكثير منها في الممالك النصرانية، لم تكن هي وحدها تغذي حبّ العلوم والولوع به، بل كان يثيره إجلال العلماء الذي زال من الدنيا بزوال دولة الأندلس، ولم يرجع بعد إلى الدّنيا، ولم يكن الخلفاء يقتصرون على إكرام أكابر العلماء بالجوائز والصلات العِظام من المال، بل كانوا يتخذونهم أصدقاء خاصة وأصفياء ويولّونهم أجل المناصب في الدولة والقصر. وكان لملوك العرب رأي صائب، ينبغي أن يكون قدوة لجميع المدنيات؛ وهو أنّ الرجال اللائقين بتدبير المملكة وإدارة شئونها ليس البلغاء في الأقوال أو المَكَرة ذوي الكيد والدسائس، بل رجال العلم الذين برهنوا على كفاياتهم بسمو أفكارهم وثقوب أذهانهم. ولم يكن العلماء في الأندلس يعيشون في المعامل المظلمة، ونظر الناس واعتبارهم منصرف إلى الأشراف والأجناد ورجال السياسة. بل كان العلماء من أكثر النّاس مالاً ونعمة، وكان النّاس لهم أشدّ حسداً، ولم يكونوا يحسدونهم على قصورهم الملكية وكثرة خدمهم وحشمهم، بل على علمهم. وهذا يدلنا على أنّ الأمّة كلها كانت محتفلة بالعلم والأدب عارفة قدرهما. ولم تكن النساء محرومات من المشاركة في ذلك، وتجد في تأليف سكوت كثيراً من فضليات الأديبات منهنّ. وترى أنّ النساء كن يساجلن الرجال في المحافل العامة، حيث كان الحائزون قصب السبق في النّظم والنثر ينالون جوائز عظيمة. ولا ينبغي للإنسان أن يغلو ويتجاوز الوسط إلى الطرف الآخر، فيزعم أنّ العلم في الأندلس كان قاصراً على زخرف العقول والتطفّل الظريف، وأن

стр. 198

الماهر في نسج الألفاظ، كان أسعد الناس حظاً بعيش الترف والكسل! كلا، فإنّ نشاط العلماء في أعمالهم كان مدهشاً، فقد وصلت إلينا أمثلة رائعة من بدايات علومهم التي تفوق نهايات غيرهم. وجريدة أعمال المشهورين من علمائهم بلغت من العظمة إلى حد يكاد المرء ألاّ يصدِّقها، ولكن سكوت أخبرنا بأن كتّاب العرب - مع سعة خيالهم وإبداعهم في الوصف وتأنّقهم فيه - صادقون فيما يذكرونه من الحوادث. وقد نسبوا إلى ابن الطفيل ألفاً ومائة كتاب في الفلسفة والتاريخ والطب، وأنّ ابن حزم ألّف أربعمائة وخمسين مجلداً في الفلسفة والقانون (الفقه)، وكانت لهم معلومات عدّة تزيد مجلدات إحداهن على خمسين مجلداً. وعدد المؤرخين منهم يزيد على ألف على ما قيل، فللّه كم ضاع من علم وأدب كان طعمة للنيران التي أوقدتها أيدي الرهبان حين: "طرد الإسبانيون الكفار من أوروبا"، كما يزعم المدرسون. وكان قسم من تلك الكتب في علم الكلام، فلا تستحق أن تعتبر هنا. وكان علماء المسلمين قد جاءوا الأندلس من كل رجا من أرجاء الدنيا. وأحياناً كان يتسرب إليها المتعصبون من أهل إفريقية، فيؤيدون السلفيين الجامدين، وينشأ غمام مظلم في سماء الوجهة العقلية الإسبانية بتافه قول من قال: "إنّ الضعف الوحيد الذي كان في أهل الأندلس إنما أتاهم من قبل دينهم". ومن الواضح أنّ أكثر علمائهم اختصاصاً بأمور الدين هم الفلاسفة، وإنّهم صرحوا جهرة بذم علم الجدل الكلامي حتى الإسلامي منه. وكانوا يعرفون جميع ضروب الفلسفة: هنديّة كانت أم يونانية، إلاّ أنّ أرسطو كان هو المعلّم الأكبر في نظرهم. ولما تكلم الشاعر الكاثوليكي دانتي في القرن الثالث عشر على الفلسفة لم يذكر ولا رجلاً واحداً نصرانياً، إلاّ ذكر بعده ابن سينا وابن رشد، وساوى بينهما وبين المعلم الأكبر في الشرف، حين سمَّى الجميع "آل بيت الفلسفة"، وذلك يدلنا على أنّ الفضل في النهضة الفكرية في أوروبا يرجع إلى العرب الذين أحيوا فلسفة اليونان بعد دروسها، قبل النهضة الأخيرة الأوروبية بأربعة قرون.

стр. 199

وكان أرسطو يكره الهراء الذي يسمى فلسفة إفلاطون في الإلاهيات وما وراء الطبيعة، وكان أرسطو أفضل من عرفت العرب من الحكماء المتقدمين، وأعظم تحقيقاً للمسائل العلمية. وإنه ليزيدنا إعجاباً بهذه الأمة - أمّة الشعراء وعشاق الجمال، أنهم قدَّسوا أرسطو حتى كادوا يؤلهونه. وما بلغ عمر ابن سينا ستة عشر سنة، حتى صار من كبار العلماء، وصار وزيراً عظيماً وهو ابن ثلاثين. وأفيروس واسمه الحقيقي: ابن رشد، هو الذي ألّف الشرح الشهير لكتاب أرسطو. وذكره دانتي (١) في كتابه: الكوميديا الإلهية، وهو الذي أثنى عليه حتى الراهب سافونارولا ( Savonarolla) وقال فيه: "رجل كانت له عبقرية ربانية، وكان مكباً على الدرس ومنهمكاً فيه، حتّى إنّه لم يترك الدرس إلا ليلتين في حياته: ليلة عرسه، وليلة وفاة والده". وكان ابن رشد، وهو من فلاسفة العرب، طبيب الأمير ورئيس قضاة قرطبة، وقد خدم فلاسفة العرب العلم والفلسفة سواء، وكان على ذلك المتخصصون في العلوم هم الذين خدموا العالم أعظم خدمة، ولا سيما الرياضيات والفلك والكيمياء والطب. والفصول الطوال الثمانية والعشرون التي يحتوي عليها كتاب اسكوت ليست إلاّ إشارة مختصرة لأعمال العرب العظيمة، ولا ينصفهم بأعمالهم إلاّ مجلّد ضخم. وكان علم الهيأة من أجلّ علومهم التي هذّبوها، وكان علماء الفلك في بغدادهم الوارثين لعلوم بابل والإسكندرية، وانتقل ذلك إلى الأندلس. وكانت بيوت العبادة - المساجد - تستعمل مراصد لمراقبة حركات الأجرام السماويّة، كما كان في بابل، فكانوا يرصدون النجوم على رؤوس المنائر. ولعل الكلدانيين علماء الفلك منهم، قد اكتشفوا كلّ ما يمكن اكتشافه بالعين المجردة، ولكن علماء الفلك من عرب الأندلس، كانت لهم آلات ذات دقّة

стр. 200

وإحكام، مركّبة على رؤوس المنائر. ولم يكن عندهم (تلسكوب) طبعاً، وإن كانوا هم الذين وضعوا أساس علم النور والمرئيات، وروجر بيكن ( Roger Bacon ١٢١٤-١٢٩٢) الفيلسوف العالم الإنكليزي، مدين لهم بأكثر مما يتصوّر المعجبون به من الكاثوليكيين. وكانت عندهم عشرة أنواع من الاسطرلاب، وعدّة آلات أخرى عدا ما عندهم من الكرات الأرضية والسماويّة، وقد اكتشفوا أنّ (الصّاعقة)، وتسمى في غير إسبانيا من بلاد أوروبا: (النجم الثاقب) كتلة كثيفة تدخل جوّ الأرض. ولهم رأي صائب في ارتفاع الهواء وقلّة كثافته ووضعوا جداول لحركات النجوم، ووضعوا أوّل استنباط مدقّق لطول السنة، وأدركوا الشذوذ الواقع في مدار الأوض، ووضعوا رقوماً لتعاقب الاعتدالين. والكيمياء الأولى لفظ عربيّ، وكذلك الجبر. وهناك ألفاظ أخرى عربية تذكرنا بما للمسلمين علينا من فضل في الوجهة العلمية. لقد استنبط العرب المسلمون قواعد الكيمياء. ولو أنّ مدنيتهم أُبقي عليها، واستمرّ تقدّم ثقافتهم، لكنا اليوم نعيش في عالم أعجب وأرقى مما نحن فيه. والعرب هم الذين اخترعوا البارود لا أهل الصين كما يتوهّم العامّة، ولست أعني أنّ اختراع البارود نعمة، وإنما ذكرته آيةً على خصب عقول العرب، وأنّه من ثمرات علومهم، وهم أوّل من صنع البندقيات، وصُنعت المدافع في غرناطة في القرن الثالث عشر. ولا شك أنّ الكيمياء القديمة هو الصورة الابتدائية للكيمياء الحديثة. ولقد كان فيها ضياع عظيم للأوقات في تتبع الأوهام، ولكن من الواضح أنّ العلم لا بدّ له أن يجتاز ذلك الطور قبل أن يصل إلى تحليل المركبات المادية وردِّها إلى عناصرها الأولى. ولهم فضل عظيم في السبق إلى خدمة الطبيعيات لمهارتهم في الرياضيات، ورسموا جداول للثقل النوعيّ أو الجاذبية الأرضية. وقدّروا تخميناً دقّة الجاذبيّة الشعرية - نسبة إلى الشعرة لدقتها - وهم المخترعون الحقيقيون لبيت الإبرة - المسماة عند العامّة بالبوصلة -. وأمّا أهل الصين فإنّما

стр. 201

أوصلوا إلى العرب علم مناسبات الإبرة المغناطيسية، والعرب هم الذين ركّبوها في دائرتها، وأتحفوا الملاّح بهذه الآلة التي لا ثمن لها عنده. واخترعوا الساعة الكبيرة ذات (البندول) والعجلة. وأتقنوا الميزان، وهم الذين أبدلونا الرقوم العربية بالرقوم الروميّة الثقيلة المتعبة، وهم الذين استنبطوا قواعد علم النور والمرئيات التي هذّبها فيما بعد روجر بيكن، ووضعوا قواعد الكهرباء التي بنى عليها جربرت ( Gerbert) مباحثه. وحتى علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) قد اشتغلوا في أساسه، ووقفوا على السنّة الكونيّة في التفتّت، ودرسوا طبيعة الصخور. وأما علم المعادن، فقد خدمه حكماء العرب في القرن العاشر. قال الدكتور وود ورد ( Woodward) في كتابه (تاريخ علم طبقات الأرض ( History of Geology) : " ومن الّذين ألّفوا في صورة المعادن وتركيبها الطبيب ابن سينا، على حين كان العرب هم قادة العلوم في الغرب". وقال الأستاذ فوربز ( Forbes) في كتابه: تاريخ علم الهيأة ( History of Astronomy) " وابن رزفلة من أهل طليطلة أضاف تحسيناً عظيماً إلى الجداول الشمسية". وقال الأستاذ ميال ( Miall) في كتابه: تاريخ علم الحياة ( History of Biology) : " عند الكلام في العلوم على وجه عام، لقد تقدمت العلوم بسرعة تحت حكم الخلفاء". وقال السير ادوارد ثورب ( Sir Edward Thorbe) في كتابه: تاريخ الكيمياء ( History of Chemistrys) : " لقد تقدم علم الكيمياء الحديثة تقدماً معتبراً"، والحقيقة أنك لا تجد علماً من العلوم إلاّ والفضل الأكبر فيه للمسلمين من أهل المغرب وأهل الأندلس. وأعظم من ذلك كله أنّ لهم الفضل علينا في إحياء العلوم وبثّ روحها وعزمهم العظيم على أن يجدوا قواعد صحاحاً لسنن الطبيعة الحقيقية، وإن كانت منعت من التقدم بضعة قرون بسبب ضغط الكنيسة، ولكن لم يمكن محوها من ذهن الإنسان. وسجية الإنسانية الكاملة التي كانت متمكنة من العرب المسلمين، حملتهم على أن يعنوا عناية خاصة بعلم الطب، وكان علم الكيمياء عندهم في أوّل

стр. 202

الأمر إنما هو علم إضافي لتكميل علم الطب، أي علم العقاقير. ووجد العرب المسلمون في هذه الوجهة أمامهم عقبة كئوداً بسبب المتعصبين في التصدي لتشريح أموات البشر، ولكن لا نشك في أن كبار مدرسي الطب العرب شرّحوا الحيوان، بل لا نستبعد أنهم شرحوا أجساد الأناسيّ خفية. وعلى كلّ حال فخدمة الأطباء العملية، كانت قد ارتفعت هناك إلى مستوى عالٍ، وكانت بقيّة أوروبا في الحضيض الأسفل. وكان أكثر العلماء كيفما كان علمهم ماهرين في الطب، ويروى أن دور الأطباء، حتى أكابر الأغنياء منهم، كانت مفتوحة في كلّ وقت للفقراء، وهم الذين أدخلوا كثيراً من العقاقير إلى أوروبا. ولم يكونوا في خدمة التاريخ، أقلّ حماسة منهم في خدمة العلوم والفلسفة والشعر. وتقدم علم تخطيط البلدان (الجغرافية) عندهم تقدّماً أساسياً، لأن العرب كانوا ملاّحين شجعاناً حذّاقاً في الملاحة في وقتهم. فكانت رحلهم واسعة على قدر طموحهم وولعهم الشديد بحبّ الاستطلاع والتنقيب. وليس فضلهم في خدمة علم النبات بأقلّ مما سبق، لأنّ الخلفاء بعثوا العلماء لمراقبة الأعشاب والبقول عن كثب في جميع نواحي إسبانيا. وكانت حدائقهم فنيّة على مقتضى علم النبات تحتوي على طرائف الشرق والغرب. وكانت عندهم أيضاً طرائف أنواع الحيوان، لدرس علم الحيوان، ولهم ملاحظات وتنبيهات في التاريخ الطبيعي تختلف عن القصص الجاف الذي يرويه أهل البلدان الأخرى. وهذه الأخبار - وإن كانت مختصرة جداً - فهي كافية في دلالة القارئ على أنّ العرب المسلمين هم الذين وضعوا فاتحة هذه المدنيّة الجديدة في أهم نواحيها. والحق أقول: إنّ هلاك ثقافتهم الذي يبدئ ويعيد المقررون في تقريره ببلاغة، ويسمونه: "طرد الكفار"، قد أوقف رقيّ النوع البشري مدّة من الزمان. ومهما كان فلم يكن إطفاء أنوار علومهم كلّها، ولهم أوّلاً، ثم لليونانيين الأقدمين بواسطتهم، يرجع الفضل في إيجاد طلائع العلم من

стр. 203

النصارى كجربرت وروجر بيكن وألبرت الكبير ( Albert The Great) ١١٩٣-١٢٨٠ م، وكروسست ( Robert Grosseteste) ١١٧٥ -١٢٥٣ فهم الذين علّموهم. فاقرأ مثلاً سيرة جربرت، تجده قد ولد في جنوبيّ فرنسة، وتعلّم في برشلونة ثمّ في جامعة قرطبة، فكلّ ذرّة من علمه المعتبر جاءت من العرب المسلمين. فتح جربرت مدرسة في إيطاليا، فقامت قيامة الرهبان وأثاروا الرعاع عليه، فأحرقوا مدرسته وكسروا أدواته وشتتوا شمل تلاميذه. والحكّام الماديون، لم يسعهم إلاّ أن يكرموا عالمهم النصراني الذي ليس لهم غيره، فبمساعدتهم صار أسقفاً، ومن مساخر التاريخ أنّه صار بعدُ بابا وسمّي: (سيلفستر الثاني) وكان ذلك في أسفل عصور البابويّة، وبعد أربع سنين مات، وهناك تهمة قويّة أنه مات مسموماً، فلعنت الكنيسة ذكراه، ثم هي اليوم تفتخر به. لكنّ روح علوم العرب المسلمين الحقيقية لم يمكن قتلها، فثقب نور مدنيتهم المشرقة ضباب الخرافة والجهل، ونتج شيءٌ من الحياء ومكارم الأخلاق، وحرّك رغبة أوروبا في العلوم العقلية. وفي القرن الحادي عشر (التالي لعصر قرطبة الذهبي) أخذت أوروبا تخرج من بربريتها، ومعظم أسبابه التقدم السياسيّ الذي نشأ عنه التقدم الاقتصادي، فصارت القرى مدناً، والمدن الصغيرة أمصاراً، والعامة أحرزوا قسطاً من العلم، والأشراف طمحوا إلى المعالي. ولما حصلت اليقظة الفكريّة في الممالك النصرانية، كان لزاماً أن تؤثر فيهم المدنية الأندلسية الزاهرة آثارها. وليس هناك موضع، أسفت على ضيق المجال فيه طبقاً لبرنامجي، مثل ما أسفت عليه في هذا الكتاب، لأن تاريخ العرب المسلمين العلمي عظيم، وخدمتهم للنوع الإنسانيّ عظيمة جداً ومهمة. وقد غمط أكثر المؤرخين حقّهم، ولعبت أيدي المؤلفين المتعصبين لدينهم - يقصد النصارى - دوراً عظيماً، ومكروا مكراً كبّاراً في إخفاء فضلهم، فوجب عليّ أن أقف وقتي

стр. 204

أؤلِّف على الأقل ستة كتب على الأقل، مثل هذا في الإشادة بآثارهم. ذلك ما قاله مؤلف نصراني هو العالم الشهير المصنف الكبير جوزف ماكاب ( Joseph Maccab) الذي ولد سنة ١٨٦٧ م وألّف (٢٥٠) كتاباً من أهم الكتب في الفكر الحديث، فبجّله الأمريكيون حتى جعلوه أكبر عالم في الدنيا. ولست أجهل أنّ المعلومات الواردة في كتابه متيسرة في المصادر الأندلسية، ولكنني آثرت أن أنقلها عن كاتب غير عربي ولا مسلم، حتى لا يتهم بالتحيّز والانحياز، وإنما الأعمال بالنيات، ولكل امرءٍ ما نوى.

стр. 205

الكارثة ولما ضعف أمر العرب المسلمين في الأندلس، بسبب تفرّقهم واختلافهم وتنازعهم، غزاهم الإسبانيون، وأخرجوهم من الأندلس مدينة بعد مدينة. ولا أريد أن استصغر من شأن الغزاة الإسبان وأعمالهم، ولكن إذا حلّلناها نرى أنّها لا تشتمل على شيءٍ من الخوارق، إذ أُعلنت الحروب الصليبية - أي الغزوات الدينية - وكانت من الفظاعة والقسوة مثل الحروب الصليبية التي غزا فيها البابا أنسنت الثالث الألبجينيين (١)؛ فالصلبان التي يزيّن الأمراء والجنود صدورهم بها من الإنكليز والفرنسيين والقشتاليين، كانت هي الإذن في إطلاق العنان للنفوس الأمارة بالسوء في النهب والسلب والأعمال الوحشية (٢).

стр. 206

تقدّم الصليبيون، وهم مزيج من كلّ جنس إلى قرطبة وإشبيلية في القرن الثالث عشر الميلادي، ومن ذلك العهد أخذت قرطبة التي كانت في علياء المجد، تتقلّص وتتضاءل حتى صارت قرطبة التاسع عشر الميلادي قرية حقيرة. ودمّر هؤلاء الصليبيون كلّ آية من آيات العرب المسلمين في الأندلس وإن دقّت، كما دمّروا ذكريات فنونهم، حتى سوَّوْا كلّ ذلك بالتراب. نعم، بقيت هناك منارة صغيرة ولكنّها فخيمة، تسمى: (جيرالدا)، لتخبر العالم ماذا خسره في الأندلس. وقد عمد أولئك الهمج إلى الآلات العلميّة فحطموها وجعلوها رميماً، لأنّهم كما قال سكوت: "كانوا يعتقدون اعتقاداً جازماً، أنّ تلك الآلات خطرة، ويظنّون أنّها آلات جهنّمية لأعمال السحر واستخدام العفاريت". وأخرجوا الكتب، وكانت لا تحصى كثرةً، وجعلوها أكواماً في الأزقّة، وأوقدوا فيها النيران. وأسلمت القصور المشيدة الجميلة والحدائق البهيجة لأيدي الخراب والضياع. ولما رأى الملك الإسباني أنّه ليس له قصر ملكيّ في المدينة التي كانت أكثر المدن مساكن عالية وقصوراً فخيمة، أفاق مِن سِنته، وبعث في طلب الصنّاع المتفننين والعَمَلة من العرب المسلمين، فبنوا له: "الكزر" القصر الذي نزوره اليوم، وحجارته مثل المقصورة المسماة "مقصورة السفراء"، تخبرنا أن العرب المسلمين كانوا يعرفون كيف يعيشون. استراح الإسبانيون قرنين كاملين إلى جوار العرب المسلمين، وبقي الشعبان عائشين في سلم وأمان كالأخوين، وكان الإسبانى بطبعه يحبّ أن يعيش مع جيرانه في سلام، ويعظّم الشعب الذي كان يراه بالغاً ذروة العبقرية. ولكنّ القسيسين الذين بلغوا في العصبية الحضيض الأسفل، كانوا يضادون ذلك الميل، فما زالوا يفتلون للحكام في الذروة والغارب، ويحرضونهم على عدم التسامح في المدن النصرانية الجديدة مع القوم الذين كانوا هم بناتها وهم مزيِّنوها، وأخيراً نجحوا في مطلبهم، وهو أنّ كلّ مسلم يوجد في بلدانهم

стр. 207

يُخَيَّر بين أمرين: إما التّعميد والتنصر، وإمّا الجلاء (١)، فاختار العرب المسلمون الجلاء فراراً بدينهم وشعبهم، ليعيشوا في جوّ أمانٍ واطمئنان، فنشأت منهم مملكة في غرناطة عدد نفوسها ثلاثة ملايين نسمة، وكان ذلك في القرن الخامس عشر الميلادي، وهو من مخازي الأمم النصرانية، فالبلاد التي نشاهدها اليوم في غاية الفقر والخراب، كانت هي فردوس أوروبة في أيام العرب المسلمين. وقد جلب العرب المسلمون مياهاً كثيرة من الجبال وأعالي الأنهار، بسبب علمهم ونشاطهم اللذين ليس لهما نظير، فوصلت الفلاحة والغرس بذلك إلى أوج رقيهما. قال اسكوت: "لقد فاقت في علوّ قدرها وأهميتها في نتاجها العملية، جهود جميع الأمم المتقدمة والمتأخرة"، ومقابلة زراعة العرب المسلمين بما كانت عليه أوروبا من البؤس والعدم على وجه العموم، تجعل لها أعظم وقع في النفس. والنتيجة أنّ الأقوات كانت كثيرة ورخيصة في الأندلس، وكانت أنواعاً مختلفة، وصارت غرناطة مثل قرطبة غنيّة وجميلة جداً، وكانت جنّات الكرم والتوت الواسعة تؤتي أهلها أحسن الخمور وأجود الحرير. وكانت الفُرَض (٢) التي وراء الجبال على المحيط، تمدّهم بجميع الطُّرف ومواد النعمة والرفاهية النادرة التي كانت توجد في قرطبة، وكانت الصناعات العربية الإسلامية أيضاً في أوج ارتقائها، وكانت هناك مقادير

стр. 208

عظيمة من الجواهر تجعل فيها من الزينة والزخرفة ما لا يأتي عليه الوصف، وكان ذلك الزخرف في الأسلحة البديعة والحلل الفاخرة والأثاث النفيس. ومن حسن الحظ، بقي قصر الحمراء الملكيّ ليرينا الجلالة والتأنّق والإبداع في فنون العرب المسلمين الأندلسيين، وحتى هذه الدرّة، أصابها ما أصابها على يد الإسبانيين، وكانت سائرة في طريق الخراب، لولا أنّ بقية أوروبا وأمريكا أجبروهم على أن يستبقوا شيئاً من الحياء. وحتى في هذا اليوم يجد فيها الإنسان لفظ: "أرض عبقر" حين يخرج من دهليزها المظلم إلى عرصة الأسود، فيرى سواري المرمر الدقيقة كأغصان البان، ويتملّى بالنظر إلى سطور الأساطين المستقيمة وسقوفها المصبوغة بالألوان الزاهية، إذا نظرت إليها خلتها زرابي أعجمية مرقّشة، أو رياض أزهار بهيجة، قد اشتبكت فيها أشجار الصناعة العجيبة. ولها طنوف مشرفة، قد أُفرغت في قوالب بديعة، يحار الواصف في وصفها. أمّا جدرانها ففيها من الترقيش العربيّ والتشجير والزخرف والأمثال والحِكَم المسطورة بأجمل شكل يذهل العقول ويروّع الناظرين. ولكن ينبغي لنا أن نتصورها في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، حين كانت الثياب التي تُرى فيها كلّها من الحرير الخالص، وحين كانت جدرانها تتلألأ بالألوان اللازورديّة والأرجوان والذهب، وحين كان الآس والأترج والورد، ومباخر الفضة يحترق فيها عود الطيب تفعم جوّها بالروائح الطيبة. وكانت على الجبل المجاور لها وسهوله الواسعة الأرجاء عشرات الألوف من القصور الفخام التي لا تقل جمالاً وإبداعاً في الذوق عن الحمراء، إلاّ أنها أقلّ تلألؤاً بالذهب والفضة والجواهر. قال سكوت: "ماذا عوّضنا الغازي الصليبي القشتالي الهمجي عن تلك القصور؟ وأيّ فائدة يجنيها النوع البشري من وراء تخريبها؟! فليجب عن هذا السؤال أولئك الذين يمجدون طرد (الكفار) من أوروبة" وكان الإسبان قد حشدوا جنداً عظيماً. أما العرب المسلمون فقد نقص عددهم من ثلاثين مليوناً إلى ثلاثة ملايين. ولم يكن ملك الإسبان

стр. 209

فرديناند (١) وملكتها إيزابيلا (٢) عديمي شهامة وعظمة كشهامة العرب المسلمين وعظمتهم فقط، بل لم يكن لهما شيء من المروءة العامة والحياء. أغار هذا الملك على أموال العرب المسلمين، فنهبها وتركهم يموتون جوعاً، وبذلك قهرهم وألجأهم إلى التسليم. حتى المسيحية الليدي تشارلتون بونج، رقّ قلبها لما أصاب العرب المسلمين، فقالت في ص: (١٩٠) من كتابها تذكر العهود والمواثيق التي أعطاها الإسبانيون للعرب المسلمين والشروط التي اشترطها العرب المسلمون عليهم ما نصّه: "تكون غرناطة حرماً آمناً لكلّ من يلتجئ إليها من المسلمين من جميع الأقطار، ويكون لأبي عبد الملك (الملك) ضيعة في أرض البشرَّات (البوجارا)، وأنّ جميع السكان حتى الذين أسلموا من النصارى يكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم وبيوتهم وسلاحهم

стр. 210

وخيلهم، ولا يُسَلِّمون إلاّ أسلحتهم النارية، وأن يتمسكوا بشريعتهم وعاداتهم ولغتهم ولباسهم، وأن تكون مساجدهم مصونة من أيّ استعمال في غير عبادتهم. وأن دعاويهم تفصل على أيدي قضاتهم المحكمين من قِبَل الحكّام الإسبانيين، وأنّهم يؤدون لملك قشتالة من الخراج مثل ما كانوا يدفعونه لملوكهم لا غير، وأنهم يعفون من دفع الخراج مدة ثلاث سنين، ليستجمعوا ويستردوا ما فقدوا من أموالهم بسبب الحرب والحصار" (١). ثم أخذت المؤلفة النصرانيّة المسكينة تتململ في سائر ما بقي من صفحات كتابها، من أجل غدر الملك والملكة الإسبانيين ونقض عهودهما التي أعطياها العرب المسلمين، إذ لم تشعر الملكة الناسكة بوجوب معاملة العرب المسلمين بمقتضى الشرف، بل لم تشعر إلاّ بشيءٍ واحد، وهو أنّه يجب أن تؤسس: "مملكة نصرانية"، كاد الناس يتميّزون من الغيظ كيف يتولّى عليهم حاكم محمّدي كافر! أخذ من المسلمين أحد مساجدهم، وجعل كنيسة: "وكان ذلك نقضاً للعهود" كما قالت المؤلفة النصرانية، ونفى المسلمين وعوملوا بأقسى معاملة بربريّة. ولم ينجح القسيسون في تنصير العرب المسلمين، مع أنّهم أحرقوا مصاحفهم وكتبهم كلّها علانية، وجُعل أمر المسلمين من الوجهة الدينية إلى رئيس أساقفة طليطلة "المقدس" زيمنس. وباختصار فقد نقض كلّ سطر من سطور المعاهدة، وغدر الإسبانيون وأهانوا عهودهم، فهاجر قسم عظيم من المسلمين تاركين وراءهم كل ما يملكونه، ورحلوا إلى إفريقيّة، ولكنّ القسم الأعظم بقوا هناك ينافقون بإظهار النصرانية، ومَن لم يقبل النفاق منهم صاروا عبيداً للنصارى الغادرين. ثم جاءت المحنة: "محاكم التفتيش" فحرم عليهم كلّ شيءٍ من أمور دينهم، حتى الاغتسال في حماماتهم، ونهبت مئات من بيوتهم وطردوا من البلاد التي مدّنوها وعمروها، ولم يبق منهم هناك إلاّ

стр. 211

العجزة الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فكانوا يسجدون للمسيح في الملأ، ويبصقون عليه في خلواتهم، لأن الكاثوليكيين لم يحسنوا معاملة المسلمين، ولم يكن لهم علم، فكانت أعمالهم وأقوالهم ناشئة عن الجهل المطبق، بعيدة عن التحقيق والعدل. يقول ستانلي لين بول المؤرِّخ اليقظ، بينما كان زيمنس (١) رئيس محاكم المحنة في إسبانيا يصدر أوامره بمنع المسلمين من الاستحمام، واختيار صفة الوسخ التي يتصف بها مستعبدوهم (٢)، كان نصف أهل أوروبة يرفضون

стр. 212

دعاوى الفاتيكان، ويتخذونها سُخرياً، وكان العلماء يضعون العلم الحديث. ذلك ما ذكره جوزف ماك جب في كتابه حضارة العرب في الأندلس، وما ذكره معروف التفصيل في المصادر العربية القديمة والحديثة، ولكنني آثرتُ أن أقتبس ما ذكره هذا المؤلِّف المسيحي وغيره من المؤلفين المسيحيين، لأنّهم مسيحيون يتحدّثون عن جرائم الإسبانيين المسيحيين في التخريب والتدمير واكتساح الحضارة والظلم والقتل والنهب والسلب والتنصير قسراً، خلافاً لما فعله العرب المسلمون بالإسبانيين النصارى أيام الفتح الإسلامي للأندلس، فما أكرهوا أحداً على اعتناق الإسلام، ولا ظلموا أحداً ولا خانوا عهداً، وتركوا أهل إسبانيا النصارى يمارسون عبادتهم بحرية في كنائسهم، وكان بإمكانهم في أيام الفتح ألاّ يتركوا إسبانياً واحداً يصر على التمسك بالمسيحيّة، ولكنهم لم يفعلوا، إذ: ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ)) (١). وهذا هو الفرق العظيم بين المسلمين إذا حكموا وقدروا، وبين غيرهم إذا حكم وَقَدَر، كأنّ الشاعر حَيْصَ بَيْص أرادهم بقوله: حَكَمْنَا فكانَ العفوُ مِنّا سَجِيّةً ... فلما حكمتم بالدم أبطحُ فحسبكُم هذا التفاوت بينَنا ... وكلّ إناء بالذي فيه يَنضح وليس من الممكن اتِّهام الأمريكي جوزف ماك جب بالافتراء على بني جنسه ودينه والانحياز للعرب المسلمين، لذلك آثرت اقتباس أقواله في هذه الدراسة. وحريّ بي أن أنقل تلك العبارة الموجزة القويّة، التي يُجمل فيها الدكتور (لي)، وهو من أحدث الباحثين في هذا الموضوع، مأساة العرب المتنصرين، إذ يقول في مقدمة كتابه: "إنّ تاريخ الموريسكيين (٢) لا يتضمّن فقط مأساة تثير

стр. 213

أبلغ عطف، ولكنه أيضاً خلاصة لجميع الأخطاء والأهواء التي اتّحدت لتنحدر بإسبانيا في خلال قرن، من عظمتها أيام شارل الخامس، إلى ذلّتها في عهد كارلوس الثاني" (١). ويعلّق الناقد الغربيّ الحديث على موقف الإسبانيين من العرب المسلمين بقوله: "ولو نفِّذت هذه العهود (العهود التي قطعت لمسلمي غرناطة) بولاء، لتغيّر مستقبل إسبانيا كلّ التغيير، ولجمع الامتزاج الرفيق بين الأجناس، ولغاض الإسلام مع الزمن (٢)، ولتفوّقت المملكة الإسبانية في فنون السلم والحرب، وتوطّدت قوّتها ورخاؤها. ولكنّ ذلك كان غريباً على روح العصر الذي انقضى، وأفضى التعصب والجشع إلى المطاردة والظلم، وأنزلت الكبرياء القشتالية بالمغلوبين ذلّة مروّعة، فاتّسعت الهوّة بين الأجناس على كرّ الزمن، حتى استعصى الموقف، وأدّى إلى علاجٍ كان من جرائه أن تحطّم رخاء إسبانيا" (٣). وعلى نفسها جنت براقش، فقد كانت الأندلس بالمسلمين أستاذة الدول الأوروبية علماً وحضارةً وفكراً، وصناعة وزراعة وثراء، فأصبحت إسبانيا بدونهم في الدرك الأسفل من دول أوروبا علماً وحضارةً وفكراً، وصناعة وزراعة وثراء، وكانت الأندلس أقوى دولة أوروبية بالمسلمين، فأصبحت من

стр. 214

بعدهم أضعف دولة أوروبية على الإطلاق، وقد خُيِّل للذين طردوا المسلمين وشردوهم وفتكوا بهم في الأندلس أنّهم أحرزوا على الإسلام نصراً حاسماً، ولكنّهم تيقّنوا بعد أن سبق السيف العَذَل، أنهم أحرزوا على أنفسهم لا على الإسلام نصراً حاسماً، وأنّهم خرّبوا بلادهم بأيديهم جهلاً وتعصباً وغروراً. والدرس الذي ينبغي أن نتعلّمه من مأساة الفردوس المفقود، أنّ المسلمين انتصروا بعقيدتهم الراسخة ووحدتهم الصلبة؛ فلمّا تهاونوا بعقيدتهم، وتفرقوا شيعاً، خسروا بلادهم وخسروا أنفسهم وذلّوا. ذلك ما ينبغي أن نتعلّمه من مأساة الفردوس المفقود، ولا ينبغي أنْ ننساه أبداً.

стр. 215

طارق بن زياد فاتح شطر الأنْدلُس (١) نسبه وأيامه الأولى هو طارق بن زياد بن عبد الله بن رَفْهُو بن وَرْفَجُّوم بن بنزغاس بن وَلْهاص ابن يَطُّوْفَت بن نَفْزاو (٢)، فهو بربريّ من نّفْزَة (٣)، وهو مولى لموسى بن نُصَيْر (٤) من سبي البربر (٥)، ويكون اسمه الكامل: طارق بن زياد النَّفْزاويّ البربريّ (٦) من إفْرِيقِيَّة (٧).
следующие страницы →