← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

العجزة الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فكانوا يسجدون للمسيح في الملأ، ويبصقون عليه في خلواتهم، لأن الكاثوليكيين لم يحسنوا معاملة المسلمين، ولم يكن لهم علم، فكانت أعمالهم وأقوالهم ناشئة عن الجهل المطبق، بعيدة عن التحقيق والعدل. يقول ستانلي لين بول المؤرِّخ اليقظ، بينما كان زيمنس (١) رئيس محاكم المحنة في إسبانيا يصدر أوامره بمنع المسلمين من الاستحمام، واختيار صفة الوسخ التي يتصف بها مستعبدوهم (٢)، كان نصف أهل أوروبة يرفضون

стр. 212

دعاوى الفاتيكان، ويتخذونها سُخرياً، وكان العلماء يضعون العلم الحديث. ذلك ما ذكره جوزف ماك جب في كتابه حضارة العرب في الأندلس، وما ذكره معروف التفصيل في المصادر العربية القديمة والحديثة، ولكنني آثرتُ أن أقتبس ما ذكره هذا المؤلِّف المسيحي وغيره من المؤلفين المسيحيين، لأنّهم مسيحيون يتحدّثون عن جرائم الإسبانيين المسيحيين في التخريب والتدمير واكتساح الحضارة والظلم والقتل والنهب والسلب والتنصير قسراً، خلافاً لما فعله العرب المسلمون بالإسبانيين النصارى أيام الفتح الإسلامي للأندلس، فما أكرهوا أحداً على اعتناق الإسلام، ولا ظلموا أحداً ولا خانوا عهداً، وتركوا أهل إسبانيا النصارى يمارسون عبادتهم بحرية في كنائسهم، وكان بإمكانهم في أيام الفتح ألاّ يتركوا إسبانياً واحداً يصر على التمسك بالمسيحيّة، ولكنهم لم يفعلوا، إذ: ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ)) (١). وهذا هو الفرق العظيم بين المسلمين إذا حكموا وقدروا، وبين غيرهم إذا حكم وَقَدَر، كأنّ الشاعر حَيْصَ بَيْص أرادهم بقوله: حَكَمْنَا فكانَ العفوُ مِنّا سَجِيّةً ... فلما حكمتم بالدم أبطحُ فحسبكُم هذا التفاوت بينَنا ... وكلّ إناء بالذي فيه يَنضح وليس من الممكن اتِّهام الأمريكي جوزف ماك جب بالافتراء على بني جنسه ودينه والانحياز للعرب المسلمين، لذلك آثرت اقتباس أقواله في هذه الدراسة. وحريّ بي أن أنقل تلك العبارة الموجزة القويّة، التي يُجمل فيها الدكتور (لي)، وهو من أحدث الباحثين في هذا الموضوع، مأساة العرب المتنصرين، إذ يقول في مقدمة كتابه: "إنّ تاريخ الموريسكيين (٢) لا يتضمّن فقط مأساة تثير

стр. 213

أبلغ عطف، ولكنه أيضاً خلاصة لجميع الأخطاء والأهواء التي اتّحدت لتنحدر بإسبانيا في خلال قرن، من عظمتها أيام شارل الخامس، إلى ذلّتها في عهد كارلوس الثاني" (١). ويعلّق الناقد الغربيّ الحديث على موقف الإسبانيين من العرب المسلمين بقوله: "ولو نفِّذت هذه العهود (العهود التي قطعت لمسلمي غرناطة) بولاء، لتغيّر مستقبل إسبانيا كلّ التغيير، ولجمع الامتزاج الرفيق بين الأجناس، ولغاض الإسلام مع الزمن (٢)، ولتفوّقت المملكة الإسبانية في فنون السلم والحرب، وتوطّدت قوّتها ورخاؤها. ولكنّ ذلك كان غريباً على روح العصر الذي انقضى، وأفضى التعصب والجشع إلى المطاردة والظلم، وأنزلت الكبرياء القشتالية بالمغلوبين ذلّة مروّعة، فاتّسعت الهوّة بين الأجناس على كرّ الزمن، حتى استعصى الموقف، وأدّى إلى علاجٍ كان من جرائه أن تحطّم رخاء إسبانيا" (٣). وعلى نفسها جنت براقش، فقد كانت الأندلس بالمسلمين أستاذة الدول الأوروبية علماً وحضارةً وفكراً، وصناعة وزراعة وثراء، فأصبحت إسبانيا بدونهم في الدرك الأسفل من دول أوروبا علماً وحضارةً وفكراً، وصناعة وزراعة وثراء، وكانت الأندلس أقوى دولة أوروبية بالمسلمين، فأصبحت من

стр. 214

بعدهم أضعف دولة أوروبية على الإطلاق، وقد خُيِّل للذين طردوا المسلمين وشردوهم وفتكوا بهم في الأندلس أنّهم أحرزوا على الإسلام نصراً حاسماً، ولكنّهم تيقّنوا بعد أن سبق السيف العَذَل، أنهم أحرزوا على أنفسهم لا على الإسلام نصراً حاسماً، وأنّهم خرّبوا بلادهم بأيديهم جهلاً وتعصباً وغروراً. والدرس الذي ينبغي أن نتعلّمه من مأساة الفردوس المفقود، أنّ المسلمين انتصروا بعقيدتهم الراسخة ووحدتهم الصلبة؛ فلمّا تهاونوا بعقيدتهم، وتفرقوا شيعاً، خسروا بلادهم وخسروا أنفسهم وذلّوا. ذلك ما ينبغي أن نتعلّمه من مأساة الفردوس المفقود، ولا ينبغي أنْ ننساه أبداً.

стр. 215

طارق بن زياد فاتح شطر الأنْدلُس (١) نسبه وأيامه الأولى هو طارق بن زياد بن عبد الله بن رَفْهُو بن وَرْفَجُّوم بن بنزغاس بن وَلْهاص ابن يَطُّوْفَت بن نَفْزاو (٢)، فهو بربريّ من نّفْزَة (٣)، وهو مولى لموسى بن نُصَيْر (٤) من سبي البربر (٥)، ويكون اسمه الكامل: طارق بن زياد النَّفْزاويّ البربريّ (٦) من إفْرِيقِيَّة (٧).

стр. 216

وهذا هو الذي نعتمده لطارق بن زياد نسباً وموطناً، لأنه أقرب إلى العقل والمنطق، ومع ذلك لابد من ذكر الاختلاف في نسبه وموطنه، لتعليل أسباب هذا الاختلاف. فقد ذكروا أنّه طارق بن عمرو (١)، لا طارق بن زياد، والمعروف في المصادر المعتمدة التاريخية والأندلسيّة، أنّه: طارق بن زياد، فهو الاسم المشهور به على أوسع نطاق، والمصادر التي ذكرته بأنّه: طارق بن عمرو قليلة جداً، لا تُعدّ شيئاً بالنسبة للمصادر المعتمدة التي ذكرته باسم: طارق بن زياد. كما أن المصادر القليلة التي ذكرته باسم: طارق بن عمرو، ذكرته بعد ذكر اسمه المعروف به والمشهور به وهو: طارق بن زياد، وكان ذكره باسمه الجديد بهذا التعبير "وقيل: طارق بن عمرو" (٢)، ولا يخفى أنّ مثل هذا التعبير بالنسبة للمؤلفين القدامى، يدلّ على عدم الثقة بصحّة المعلومات الواردة بعد تعبير: (قيل)، أو أنّها أقل أهمية من المعلومات الموثَّقة الشّائعة. وذكروا أنّ طارق بن زياد، كان فارسياً هَمَذانِيّاً - (٣) نسبة إلى مدينة هَمَذان الفارسيّة - وهذا غير منطقي ولا معقول أيضاً، ولعلّ الذين نسبوا طارقاً إلى الفُرْس، استهدفوا قسماً من عَقِبهِ الذين كانوا في الأندلس وأصبح لهم شأن يُذكر فيها، للحطّ من منزلتهم الاجتماعية، باعتبار تميّز العنصر العربي على عهد بني أُميّة على العناصر الأعجميّة، وبذلك استهدفوا بهذا الغمز قسماً من عَقِب طارق، ولم يستهدفوا طارقاً بالذات. كما يمكن أن يكون الذين نسبوا طارقاً إلى الفرس، بعد أن أصبح علماً من الأعلام البارزة قدراً وجلالاً، ليفخروا بنسبته إليهم، فكلّ أُمّة من الأمم تحاول أن تنسب إليها أصحاب

стр. 217

الصفحات الناصعة في التاريخ، لتفخر بهم بين الأمم. ومن الواضح أنّ نسبة طارق إلى الفُرس تمّت بعد وفاته، فهو لم يعرف هذا النسب في حياته، وما كان يمكن أن ينسب إليه وهو لا يزال على قيد الحياة. وذكروا أنّه رجل من صَدِف (١)، وقيل: إنّه من موالي صَدِف، وليس بمولى موسى بن نُصَيْر (٢)، وكان بعض عقب طارق بالأندلس ينكرون ولاءه لموسى إنكاراً شديداً (٣). وذكروا أنه طارق بن زياد اللّيْثِيّ (٤)، من بني لَيْث من قُضاعة (٥)، أي أنّه عربيّ من قُضَاعة. ويقال: إنّ طارقاً مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان (٦)، وقد تولّى الوليد الخلافة بعد وفاة أبيه عبد الملك بن مروان. وطارق ليس من الصَّدِف ولا من بني لَيْث العرب، والذين نسبوه إلى بني الصَّدِف، أرادوا أنّه من مواليهم (٧)، كما أن الذين نسبوه إلى بني ليث قصدوا أنّه من مواليهم (٨) أيضاً، لأنهم يعلمون حق العلم أنّه بربريّ وليس عربياً. ومن المحتمل أنّ قسماً من عَقِبه في الأندلس، ادّعوا انتسابهم للعرب، في

стр. 218

وقت كان للعرب فيه مكان مرموق، فأقحم بعض المؤرخين عن قصد أو عن غير قصد هذا الادّعاء، الذي لا سند من الواقع ولا من التاريخ. أما الادّعاء بأنّه مولى للوليد بن عبد الملك، فادّعاء لا أساس له من الصحة، إذ لو كان مولى للخليفة الوليد لولاّه القيادة، ولم يترك توليته للقائد موسى بن نُصَير. ولا نعلم أنّ طارقاً رحل إلى الشرق واتصل بالوليد، ولا نعلم أنّ الوليد قدم المغرب واتّصل بطارق، فلا صلة من ناحية الولاء بين طارق والخليفة الوليد من قريب ولا من بعيد، وليس من المستبعد أنّ بعض عَقِب طارق، أراد أن يرفع درجة ولاء جدّهم طارق، من رتبة مولى موسى بن نُصَيْر أحد ولاة الخليفة وأحد قادته، إلى رتبة مولى الخليفة الوليد بن عبد الملك، وهي أرفع من رتبته الأولى على كلّ حال. وكان من نتائج كلّ تلك الادّعاءات، إنكار بعض عَقِب طارق بالأندلس ولاءه لموسى إنكاراً شديداً. ولو لم يكن طارق مولى لموسى بن نُصَيْر حقاً، لما أنكر (بعض) عَقِبه هذا الولاء، ولم ينكره (جميع) عقبه، ومن الواضح أنّ المُنكِرين ادّعوا انتسابهم للعرب تارة، والولاء للعرب تارة، والولاء للخليفة تارة أخرى، لأنّ هؤلاء المُنْكِرين لم يرتضوا لأنفسهم أن يكونوا موالي للموالي، لأنّ موسى بن نُصَيْر مولى لعبد العزيز بن مروان أخى الخليفة عبد الملك بن مروان، وطارق مولى لموسى نُصَيْر، فعَقِبه يكونون موالي للموالي، وهذا ما لم يستطيعوا تحمّله ولا تقبّله، وبخاصة بعد أن تبدّل حالهم غير الحال، وأصبحوا من ذوي المكانة في الأندلس. نستطيع أن نستنتج، أنّ طارق بن زياد بربري من قبيلة نَفْزاوة إحدى قبائل البتر من البربر، وهو مولى لموسى بن نُصَير، الذي اكتشف كفاياته القياديّة والإدارية، فولاّه أولاً على طَنْجَة (١)، ثم ولاّه على قوّات فتح الأندلس، كما

стр. 219

سيرد تفاصيل ذلك وشيكاً. ولابدّ من أن يكون إسلام طارق وحسن إسلامه، أحدَ المزايا التى حملت مولاه موسى بن نُصَيْر على الثقة به والاعتماد عليه، فهو من أسرة اشتهرت بسبقها إلى اعتناقها الإسلام، إذ أسلم والد طارق أيام عُقْبة بن نافع الفِهْريّ (١)، والتحق هو بعد وفاة والده بخدمة المسلمين، وكان إذ ذاك صغير السنّ، ولكنه كان يتمتّع بقدر كبير من الحماسة والغيرة على الدِّين الإسلاميّ، جعله أشد المقرّبين إلى موسى بن نُصَيْر، ومن الطبقة الأولى من رجال البربر الذين اختصهم بسرِّه وثقته المطلقة، وأشركه مشاركة عملية في رفع راية الإسلام (٢). ويبدو أنّ جدّ طارق، وهو عبد الله، كان مسلماً، بدليل اسمه العربي الإسلاميّ، مما يدلّ على أن طارقاً ولد في بيت إسلامي وترعرع في هذا البيت وشبّ في مجتمع إسلاميّ، ولعلّ تدينه العميق لفت إليه الأنظار، بالإضافة إلى مزاياه وكفاياته الأخرى، وكان قربه من موسى بن نُصَيْر قد أتاح له الفرصة المناسبة لتولّي المناصب الإدارية والقيادية المناسبة، فنجح في الإدارة وفي الفتح معاً.

стр. 220

في فتح طنْجَة بعد أن تمَّ لموسى بن نُصَيْر، إخضاع المغرب الأوسط (١) والمغرب الأقصى (٢)، من صحراء دَرْعَة (٣) إلى السُّوْس الأقصى (٤) إلى بلاد المصامدة (٥)، تطلّع موسى نحو طَنْجَة التي كانت تخضع للأمير الرُّومِي يُلْيَان (جيوليان Julian) منذ أيام عُقْبَة بن نافع. والمقصود بطنجة هنا، هو الولاية التي كانت تتّسع في القديم لمسيرة شهر، وليس المدينة فقط (٦). وقد خرج موسى بن نُصَيْر من .............................

стр. 221

القيروان (١) لفتح طنجة، وجعل على مقدِّمته مولاه طارق بن زياد، فلم يزل يقاتل البربر ويفتح مدائنهم حتى بلغ مدينة طنجة، وهي قصبة بلادهم وأُمّ مدائنهم؛ (٢) فلما دنا موسى من طنجة، بث السَّريا، فانتهت خيله إلى السّوس الأدنى (٣)، فوطئهم وسباهم، وأدّوا إليه الطّاعة، وولّى عليهم والياً أحسن فيهم السَّير (٤). وحاصر موسى طنجة حتى افتتحها (٥) ونزلها، وهو أوّل مَن نزلها واختط فيها للمسلمين (٦)، فأسلم أهلها، وخطّ موسى قيرواناً للمسلمين (٧). وسار موسى إلى مدائن على شطّ البحر، فيها عُمّال لصاحب الأندلس، قد غلبوا عليها وعلى ما حولها، ورأس تلك المدائن مدينة سَبْتَة (٨)، وعليها يُلْيَان (جوليان)، فقاتله موسى، فألفاه في نَجْدَةِ وقوّة وعُدَّة، فلم يُطِقْهُ، فرجع إلى مدينة طنجة وأقام هناك بمن معه. وأخذ في الغارات على من حولهم والتّضييق عليهم، والسُّفن تختلف إليهم بالميرة والإمداد من الأندلس من قِبَل ملكها غَيْطَشَة، فهم يذبّون عن سبتة ذبّاً شديداً، ويحمون بلادهم حماية

стр. 222

تامّة (١). وكانت سبتة مدينة حصينة قريبة من الأندلس (٢)، مما ساعد على ثباتها بوجه المسلمين الفاتحين. وكان بطنجة من البربر بطون البُتْرِ والبرانس ممن لم يكن دخل في الطّاعة (٣)، فوضع موسى على ساحل طنجة حامية للرباط فيها مؤلفة من ألف وسبعمائة رجل عليهم ابنه مروان، ولكنّ مروان انصرف وخلّف على جيشه طارق بن زياد (٤). وبذلك تمّ فتح المغرب الأقصى، إلاّ إقليم سبتة، وانتشر الإسلام في أرجائه انتشاراً سريعاً وواسعاً، وكان ذلك سنة تسع وثمانين الهجرية (٧٠٩ م). وعاد موسى إلى القيروان، بعد أن استعمل على طنجة وأعمالها مولاه طارق بن زياد، وترك معه تسعة عشر ألفاً من البربر بالأسلحة والعُدَّة الكاملة، وكانوا قد أسلموا وحسن إسلامهم، وخلّف موسى عندهم خلقاً يسيراً من العرب، ليعلِّموا البربر القرآن الكريم وفرائض الإسلام (٥). وفي الطريق إلى القيروان، فتح موسى مدينة مَجَّانة (٦) على مسيرة خمسة أيام من القيروان (٧)، على الحدود الجزائرية - التونسيّة الحالية (٨)، وكانت مجَّانة قلعة تحصّن أهلها من موسى حين عودته إلى القيروان (٩)، فاستعاد

стр. 223

موسى فتحها، لأنها سبق أن فتحها بِسْر بن أبي أرْطاة (١). لقد افتتح موسى بلاد المغرب، وغنم منها أموالاً لا تُعدّ ولا تُوصف، وله بها مقامات مشهورة هائلة (٢)، وأسلم أهل المغرب على يديه، وبثّ فيهم الدين والقرآن (٣)، فكان يأمر العرب أن يعلّموا البربر القرآن وأن يفقهوهم في الدين (٤)، فلم يبق في إفريقية مَنْ ينازعه (٥)، غير منطقة سَبْتَة وعلى رأسها يُلْيَان (جوليان). لقد لمع اسم طارق بن زياد، قائداً مرؤوساً لموسى بن نُصَيْر، في مسيرة الجهاد الطويلة، التي بدأت من القيروان، واستمرت غرباً حتى تمّ لها فتح طنجة، وكان طارق على مقدّمة موسى في هذا الفتح المبين، وتولية طارق قيادة المقدّمة، في مسير الاقتراب، وفي المناوشات التي تكلّلت لأوّل مرة بفتح طنجة، دليل على ثقة موسى الكبيرة بطارق، ودليل على كفاية طارق القياديّة. وبعد أن عاد موسى إلى القيروان التي اتخذها مقرّاً له، خَلّف طارقاً على طنجة، والياً على المدينة ومنطقتها الشاسعة المهمّة، وبخاصة في موقعها الحيويّ السَّوْقِيّ، الذي هو بتماس شديد مع يليان في سبتة والذي أثبت جدارته في الدفاع عن حوزة سبتة وما حولها، وقاوم المسلمين مقاومة عنيفة، فاستطاع أن يصدّهم عن فتح بلاده إلى حين. كما أن طارقاً في منطقة طنجة السَّوْقِيّة، هو بتماس شديد مع دولة الأندلس وحماتها الذين كانوا وراء نجاح يليان في دفاعه العنيف ونجاحه في دفاعه الذي تميّز بالحركة التعبويّة، وكل

стр. 224

ذلك دليل قاطع على ثقة موسى بطارق، الذي أصبح والياً على منطقة طنجة، وقائداً لحامية مدينتها بخاصة والمجاهدين من البرير بعامة، ومشرفاً على نشر الإسلام وتعليم القرآن وتعاليم الدين الحنيف، فأثبت أنّه أهل لتلك الثقة، وقادر على النهوض بواجباته الكثيرة بكفاية عالية وحماسة وإيمان وإندفاع. وقد أتاح الاتِّصال المباشر لطارق بموسى بن نُصير، فرصة إظهار مواهبه الإدارية والقيادية، فولاّه موسى منصب الوالي على طنجة، ومنصب القائد على قوّاتها المسلحة. ولكن هذا الاتِّصال المباشر لطارق بموسى باعتبار أنّ طارقاً هو مولى لموسى، ليس السبب لتولية طارق هذين المنصبين الرفيعين، في أخطر منطقة من مناطق الشمال الأفريقي بعد فتحه، إذ لا يمكن إسناد مثل تلك المناصب في أخطر الظروف والأحوال، إلاّ لمن يستحقها كفاية واقتداراً، وإلاّ كانت نتيجة تولية غير ذوي الكفاية والقدرة كارثة محققة أكيدة تصيب الفتح والفاتحين، وتؤدي إلى خسارة المنطقة بكاملها بالإضافة إلى خسائر بالأرواح والممتلكات وتحطّم المعنويات، وهذا ما لا يمكن أن يقع فيه قائد مجرِّب حصيف مثل موسى بن نُصَير، ومن المشكوك فيه أن يقع فيه قائد غير مجرِّب وغير حصيف أيضاً. إنّ الاتصال المباشر لطارق بموسى، أتاح له الفرصة لإظهار كفاياته الإدارية والقيادية، وهذه الكفايات لاتصاله المباشر بالقائد العام لشمالي إفريقية، هي التي جعلت المناصب الإدارية تسعى إليه ولا يسعى إليها. وقد أتاحت المسيرة الطويلة في الجهاد لموسى، أن يكتشف عن كثب كفايات طارق، فولاّه الإدارة والقيادة عن اقتناع. وكان ذلك في حدود سنة تسعين الهجرية (٧٠٩ م)، وأبقى معه عدداً قليلاً من العرب، مهمّتهم نشر تعاليم الإسلام بين البربر (١).

стр. 225

وليس كالاتصال المباشر في ميدان الجهاد، في أحرج الظروف والأحوال، وفي مواجهة المعضلات الإدارية وإيجاد الحلول الناجعة لها، ما يظهر المرء على حقيقته في كفايته ومزاياه واقتداره، وهذا هو ما أبرز طارقاً إدارياً وقائداً.

стр. 226

جهاده في الأندلس ١ - مقدمات الفتح أ - الأسباب: كان فتح الأندلس نتيجة طبيعيّة لتمام فتح المغرب، لأنّ الأندلس هو الجناح الغربي للمغرب (١)، ولأنّ الأندلس كان المجال الحيوي للفتح الإسلاميّ بعد إنجاز فتح المغرب الأفريقيّ، واستقرار الفتح فيه بانتشار الإسلام في ربوعه، وبوجود القوّة الضّاربة بجانب العرب المسلمين والبربر المسلمين. ولم تستعص على موسى بن نُصَيْر غير مدينة سَبْتَة ( Gevta) لمناعتها ووصول الإمدادات إليها من إسبانيا القوطيّة عن طريق البحر، وكان يحكمها من قِبَل القُوط (٢) حاكم اسمه: جوليان، أو كما يسميه الأسبان (خوليان Julian) ويسميه العرب: يُلْيَان (٣)،!! إليان (٤)، أو يوليان (٥). وقد اختلفت المصادر في شخصيّة يليان، فبعضها يذكر أنّه قُوطيّ، وبعضها يزعم أنّه روميّ، وبعضها ينسبه إلى بربر قبيلة غمارة (٦). والواقع أنّ يليان كان حاكماً

стр. 227

عاماً على إقليم موريطانيا الطنجية، وهي تابعة لموريطانيا القيصرية، إحدى الولايات السبع الخاضعة للدولة البيزنطيّة، فلما عجزت الدولة البيزنطيّة عن حمايتها، ولّت سبتة وجهها شطر إسبانيا القوطية (١). وقد بدأ يليان ولايته لهذا الإقليم في سنّ مبكِّرة، وأنّه أقام مدّة طويلة فى أرض المغرب، حتى توثقت علاقته بمن جاوره من قبائل البربر، واستطاع أن يكتسب صداقة البربر له، حتى أصبح يعدّ نفسه واحداً منهم، لذلك اختلط الأمر على الناس، فظنّوه بربرياًّ، ومن هنا كان مرجع الرواية التي تنسبه إلى بربر غمارة. أما علاقته بالدولة القوطية في إسبانيا، فمرجعه أنّه كان يتوجّه بطلب المعونة إلى هذه الدولة، لبعد مدينته عن بيزنطة، واضطراب أمور بيزنطة في تلك الأيام (٢). وكان يليان حليفاً لملك إسبانيا غيطشة ( Witiza) الذي تولّى عرش البلاد في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من سنة (٧٠٠ م) بعد وفاة أبيه إخيكا ( Egica) وقد خُلع غيطشة عن العرش على أثر ثورة قام بها نفرٌ من أنصار لذريق (٣) ( Rodrigo) وأثار اغتصاب لذريق للعرش الإسبانيّ نقمة أنصار غيطشة وأبنائه، فهبُّو على هذا المغتصب الذي انتزع الملك لنفسه من البيت المالك الشّرعيّ، وبدأت حركة استقلاليّة في أطراف البلاد، ظلّت مستمرة حتى دخول المسلمين أرض الأندلس. وفرّ ابن غيطشة المدعو وقلة ( Achila) الذي تولّى العرش بعد أبيه إلى إفريقية، وأقام عند يليان حاكم سبتة الذي كان لا يزال على ولائه للملك غيطشة وأولاده، بينما استبقى لذريق ولدي غيطشة الآخرين وهما: أرطباس

стр. 228

( Artavasdes) والمند ( Almundo) إلى جواره، حتى يستوثق إخلاصهما له، ويقضي بذلك على الثورات المناهضة لحكومته والموالية لبيت غيطشة. وساءت حال البلاد في عهد لذريق، إذ أرهق شعبه بالضرائب الفادحة، لحاجته إلى المال اللاّزم لمواجهة أعدائه. ويبدو أنّه اعتدى على ذخائر الكنائس القوطيّة ونفائسها التي كانت محفوظة في غرفتين مغلقتين في كنيستي (سان بدرو) و (سان بابلو) في طُلَيْطِلَة (١)، فنصحه القساوسة ورجال البلاط بعدم الإقدام على ذلك، فلم يُصغ لنصحهم، ومن هنا جاءت الأسطورة التي رواها مؤرخو العرب، وهي أسطورة بيت الحكمة (٢). وقد حقق قسم من المؤرخين الغربيين شخصية يُلْيَان، وأثبتوا وجودها فعلاً، بعد أن كان قسم من العلماء الغربيين، قد ذهبوا إلى أنّه شخصية أُسطورية خلقها خيال العرب (٣). وقد عرف المسلمون يليان أوّل مرّة عند وصول موسى بن نصير إلى إقليم

стр. 229

طنجة سنة تسع وثمانين الهجريّة (٧٠٩ م)، وكان ملك إسبانيا في ذلك الحين غيطشة، وكان الودّ معقوداً بينه وبين يليان (١). فلما أراد المسلمون فتح سبتة، دافع عنها يليان دفاعاً شديداً واستطاع صدّ المسلمين عن فتحها، كما ذكرنا ذلك. وكان موسى يتوق إلى افتتاح سبتة، وتطهير إفريقية من البقيّة الباقية من الأعداء. وبينما كان يرقب الفرص لتحقيق هذه الأمنية، جاءته رسالة من يليان، يعرض فيها تسليم معقله، ويدعوه إلى فتح إسبانيا. وتختلف الروايات في أمر هذا الاتصال، فيقال إنّ موسى ويليان اتّصلا بالمراسلة، وقيل إنّهما اتّصلا بالمقابلة الشخصية، وأنّ يليان استدعى موسى إلى سبتة، وهناك وقعت المفاوضة بينهما. وقيل أخيراً إنهما اجتمعا في سفينة في البحر (٢). وتقول روايات أخرى: بأنّ يليان سار إلى طارق بن زياد والي طنجة، وأخبره بأنّه مستعد للتعاون مع جيشه للحرب في إسبانيا أرض القوط (٣). ولا تناقض بين تلك الروايات، كما يبدو ذلك لأول وهلة، فالذي حدث هو أن يليان فاوض موسى بن نصير أولاً لأنه القائد العام في إفريقية. فلما عاد إلى القيروان أكمل يليان مفاوضاته مع طارق بن زياد لأنه قائد المنطقة القريب منه والمسئول عني المنطقة والمخوّل من القائد العام موسى بن نصير لإكمال المفاوضات. وقد كان طارق رجلاً سياسياً بحق بعيد النظر، فصادق يليان ليستعين به على إخضاع مَن تحت سلطانه من البربر، وهم كثيرون (٤). ومن الواضح أنّ السّلام الذي رفرفت راياته بين المسلمين ويليان سببه

стр. 230

المباشر: انقطاع المدد من إسبانيا بعد رحيل غيطشة وتولى لذريق، ذلك المدد الذي أعانه على الثبات أمام المسلمين الفاتحين. فلما انقطع المدد لانشغال لذريق عن يليان بالاضطرابات الداخلية، كما سيرد تفصيل ذلك، أصبح يليان ضعيفاً أمام المسلمين الفاتحين، وأصبح ثباته في سبته تجاه تفوّق المسلمين وانتشار الإسلام في البربر انتشاراً واسعاً صعباً للغاية، لذلك فاوض موسى وطارقاً، وقام السّلام بين يليان والمسلمين، وأصبح التعاون بين الجانبين ممكناً وقائماً. وسبب إقدام يليان على عرض تعاونه في فتح الأندلس قائم على أساس أنّ لذريق اعتدى على شرف ابنة يليان، فحقد يليان على لذريق وأقسم على الانتقام منه (١). ويرى أكثر المؤرخين العرب، أنّ السبب الرئيسي لفتح الأندلس، هو قصة ابنة يليان التي اغتصبها الملك لذريق واعتدى على شرفها قسراً ولكن بعض المؤرخين المحدثين وعلى رأسهم قسم من المستشرقين، يرون بأنّ قصة ابنة يليان في بلاط طليطلة محض أسطورة ليس لها أساس من الواقع، وقد شايعهم قسم من المؤرخين العرب والمسلمين (٢). وهناك ما يسوغ التشكيك في هذه القصة من مؤرخي الأجانب والمستشرقين، والهدف من هذا التشكيك واضح ومفهوم، ولكن متابعة المؤرخين العرب والمسلمين للأجانب في هذا

стр. 231

التشكيك في هدفه غير واضح ولا مفهوم، ومن المعروف أنّ مؤرخي الأجانب شككوا في وجود شخصية يليان وذهبوا إلى أنّه شخصية أسطورية خلقها خيال العرب - كما ذكرنا قبل قليل - فتابعهم في هذا التشكيك قسم من مؤرخي العرب والمسلمين تقليداً وعلى غير هدى وبصيرة. حتى إذا حقق قسم من المؤرخين الغربيين شخصية يليان، وأثبتوا وجودها فعلاً، عاد المقلدون إلى متابعة الغربيين من جديد، فكانوا في كلا الحالتين مقلِّدين ينقلون آراء الأجانب بلا تدقيق ولا تمحيص. وقصة ابنة يليان تنتظر مَن يحقّق وقوعها من المؤرخين الغربيين لتصبح حقيقة بالنسبة لبعض مؤرخي العرب والمسلمين المحدثين ولا تبقى أسطورة من الأساطير. ولا أرى أن تلك القصة لا يمكن حدوثها. وبخاصة في تلك الأيام التي اتّسمت بالانحراف الذي أصبح قاعدة في القوط، وبالاستقامة التي أصبحت استثناءاً فيهم، كما أنّ ردّ الفعل الذي أظهره يليان ليس مستغرباً من أب تجاه انتهاك عرض ابنته غصباً، كما أنّ ذكرها في المصادر المعتمدة يوثِّق حدوثها ويؤيّد وقوعها، ولا عبرة بالمصادر التي لم تتطرق إليها اختصاراً أو لأسباب أخرى، إذ لو كانوا لا يصدقونها لأبدوا رأيهم حولها، ولكنهم لم يفعلوا (١). ومثل هذه القصة تكرّرت قديماً في محيط الواقع ولا تزال تتكرر، وأكثرنا سمع أمثالها، فلماذا لا نكذِّبها؟ ونكذِّب قصة ابنة يليان لأن مصادرها المعتمدة عربية إسلامية؟! ولست مع الذين يُشككون في هذه القصة، ولكنني لا أراها السبب الرئيسي لتعاون يليان مع المسلمين، بل السبب الرئيسي هو أنّه كان يتلقى الإمدادات عدداً وعُدداً في إسبانيا في عهد غيطشة (٢)، ولكن عندما جاء لذريق إلى العرش، وبسبب مشاكله الداخلية، توقف عن مساعدة يليان، فاستاء من هذا

стр. 232

التوقّف، وبدأ بالتعاون مع موسى بن نصير وطارق بن زياد على القوط في إسبانيا، خاصة بعدما شعر بقوّة المسلمين المتنامية في المنطقة، وإقبال البربر على الدخول في دين الله أفواجاً. ويمكن أن نلخِّص أسباب فتح الأندلس بثلاثة أسباب رئيسية: الأول: نشر الإسلام وإعلاء كلمة الله في الأرض. إنّ الفاتحين حملوا الإسلام إلى الناس بالفتح، ولم يحملوا الناس بالفتح على الإسلام. والثاني: ترصين الفتح الإسلامي في شمالي إفريقية بعامة، وفي منطقتي طنجة وسبتة بخاصة، وذلك بفتح الأندلس، فكما كانت منطقتا طنجة وسبتة تعتبران الخط الدفاعي الأمامي عن الأندلس، فإن الأندلس تعتبر الخط الدفاعي الأمامي للدفاع عن منطقتي طنجة وسبتة. وقد رأينا كيف قاومت سبتة المسلمين الفاتحين مقاومة عنيفة، وثبتت تجاه محاولاتهم المتكررة لفتحها، بفضل الإمدادات التي كانت تردها بحراً من القوط في إسبانيا، فلما تخلى القوط عن تزويدها بالإمدادت، صالحت المسلمين أو استسلمت لهم على أصحّ تعبير، لأنها عجزت عن مقاومتهم. إنّ وجود قوّات معادية قويّة في الأندلس، خطر على الفاتحين وعلى مصير الفتح، وبخاصة في منطقتي طنجة وسبتة، لذلك بادر المسلمون بالتعرّض بالقوط في الأندلس، وفتح هذه البلاد، والهجوم هو أجدى وسيلة للدفاع. والثالث: هو معاونة يليان للمسلمين وتعاونه معهم في الفتح، وتشجيعهم عليه، وحثِّهم على إنجازه، فقد سهّل يليان على المسلمين الفتح بدون شك، ولكنّهم كانوا يُقْدِمون عليه حتى ولو لم يتعاون معهم يليان ولم يعاونهم، لأن ذلك كان قدرهم في تلك الأيام. ب - الاستطلاع: بدأ موسى بن نُصير استشارته للخلافة في دمشق، وكان الخليفة حينذاك هو الوليد بن عبد الملك بن مروان (٨٦ هـ - ٩٦ هـ) قبل اتصالاته بيليان، أو قبل

стр. 233

اتصالات يليان بموسى. وقد تردّدت الخلافة بادئ الأمر بالموافقة على القيام بمثل هذه العملية الكبيرة، وخوفاً على المسلمين من ركوب البحر، ومن مصاعب القتال بحراً وبرّاً، وهي تعلم أنّ خبرة العرب المسلمين في فنون القتال البحري قليلة جداً، وربما يدور في خلدها وصف عمرو بن العاص للبحر في رسالته إلى عمر بن الخطاب ﵁ التي جاء فيها: "إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير، ليس إلاّ السماء والماء. إن ركد خرق القلوب، وإن تحرّك أزاغ العقول. يزداد فيه اليقين قِلَّةً، والشكّ كثرة. هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق ... ". ولكن موسى بن نُصير، أقنع الخليفة الوليد بن عبد الملك بالأمر، فتمّ الإتفاق على أن يسبق الفتح اختبار مواقع الإنزال بالسرايا الاستطلاعية. وأرسل موسى في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين الهجرية (٧١٠ م) سرية استطلاعية إلى جنوبي الأندلس، مكوّنة من خمسمائة مجاهد، منهم مئة فارس والباقي مشاة، بقيادة طريف بن مالك الملقّب بأبي زُرْعَة، وهو مسلم من البربر (١). وعبر هذا الجيش الزُّقاق، والزُّقاق اسم يطلق أحياناً على المضيق بين الأندلس وشمالي إفريقية (٢)، من سبتة بسفن يُليان أو غيره، ونزل قرب أو في جزيرة بالوما ( Isla de las Palomas) في الجانب الإسباني، وعُرفت هذه الجزيرة فيما بعد باسم هذا القائد. جزيرة طَريف (٣) ( Tarifa) ومن ذلك الموقع، الذي اتخذه طريف قاعدة أمامية متقدِّمة لعلمياته الحربية، قام طريف وسريته

стр. 234

الاستطلاعيّة القتالية، بسلسلة من الغارات السريعة على الساحل الجنوبي الأندلسي بإرشاد يليان، وخفّت قوّة من أنصار يليان وأبناء غيطشة لعون المسلمين، كما قامت تلك القوّة بحراسة موقع إنزال المسلمين في أرض الأندلس، للاستفادة منه في مرحلة العودة من غارتهم إلى قاعدتهم الرئيسية على البر الأفريقي في منطقة طنجة. وكانت نتيجة الغارات الاستطلاعية التي قادها طريف، أنّ المسلمين غنموا مغانم كثيرة وسبياً عديداً، وقوبلوا بالإكرام والترحيب، وشهدوا كثيراً من دلائل خصب الجزيرة وغناها، وعادوا في أمنٍ وسلام، وقصّ قائدهم على موسى نتائج رحلته، فاستبشر بالفتح، وجدّ في أهبة الفتح، كما تشجّع موسى وأخذ يستعدّ لإرسال حملة عظيمة تقوم بالفتح المستدام (١). لقد كانت مهمة سرية طريف، مهمة استطلاعية، هدفها الحصول على المعلومات عن طبيعة الأرض، والسكان وأساليب قتالهم ودرجة ضراوتهم، وتفاصيل قيادتهم، ومبلغ الثقة المتبادلة بين القيادة والسكان ومبلغ حرص القيادة والسكّان على الدفاع عن أرضهم، وكان لقيام طريف بعدة غارات في المنطقة دون أن يلاقي أيّة مقاومة (٢) نتيجة مهمّة واحدة، هي عدم حرص القيادة والسكان على الدفاع عن أرضهم، وهي نتيجة على درجة عالية من الأهمية بالنسبة لخطط الفتح وبالنسبة للمسلمين الفاتحين. ولكن مهمّة سرية طريف الاستطلاعية، لم تقتصر على هذه الناحية فحسب، بل تتعدّاها إلى استطلاع حقيقة نوايا يليان ومن يشايعه تجاه السُّلطة القائمة في الأندلس والمتمثلة بالملك لذريق، وحقيقة نواياه ومَنْ يشايعه تجاه المسلمين الفاتحين، وقد أثبتت مهمة سرية طريف الإستطلاعية، أنّ يليان

стр. 235

ومَن يشايعه يحقدون على لذريق ولا يتأخرون عن التشبث بكل وسيلة ممكنة للقضاء عليه، وأنهم من أجل التنفيس عن حقدهم عمليّاً، يضعون كل طاقاتهم المادية والمعنوية للتعاون مع المسلمين في ميدان القتال ومعاونتهم. وكان التأكد من تلك النوايا، ضرورياً لاستكمال الإعداد للفتح، وقد تأكد لموسى وطارق، أنّ يليان ومَن يشايعه صادقون في معاونتهم وتعاونهم مع المسلمين الفاتحين، وأن عرضهم التعاون والمعاونة ليس خدعة، بل حقيقة لا غبار عليها. وقد وصفت المصادر العربية هذه العملية، فذكرت أنّ موسى بن نُصير كتب إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بالذي دعاه إليه يُليان من أمر الأندلس، ويستأذنه في اقتحامها، فكتب إليه الوليد: أن خضها بالسرايا، حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرِّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال. وراجعه، أنه ليس ببحر زخّار، إثما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه. فكتب إليه: وإن كان، فلابد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه. فبعث موسى عند ذاك رجلاً عن مواليه اسمه طريف، يُكنى أبا زُرعة، في أربعمائة رجل معه مائة فرس، سار بهم في أربعة مراكب، فنزل في جزيرة تقابل جزيرة الأندلس المعروفة بالخضراء، التي هي اليوم معبر سفائنهم ودار صناعتهم، ويقال لها اليوم: جزيرة طريف، لنزوله بها (١). وهذا هو مثال لحرص المسئولين يومئذ، قادةً وخلفاء، على أرواح المسلمين، وقد أدّى طريف ومَن معه واجبهم الاستطلاعي المزدوج على أتم ما يرام. ...

стр. 236

٢ - الفتح أ - الخطّة العامَّة: جهّز موسى بن نُصَيْر جيشاً تعداده سبعة آلاف جندي من البربر، ليس فيهم من العرب المسلمين إلاّ القليل (١)، وينتمي البربر في هذا الجيش إلى قبيلة مصْمُودة وغيرها من القبائل البربرية مثل جرادة، ومطغرة، ومكناسة، ومَدْيُونَة (٢)، وضم الجيش سبعمائة مقاتل من السودان (٣)، ويمكن أن يكون هؤلاء السودان من المتطوعة الذين اعتنقوا الإسلام، فكان لهم دور كبير في مساعدة طارق في الفتح، لأن قتالهم كان قتال المجاهدين الصادقين لا قتال المجنّدين المرتزقة الذين جلبوا إلى ميدان القتال قسراً. وعبر طارق بجيشه البحر تباعاً من سبتة في سفن يليان التجارية (٤)، وكان عبوره من سبتة بسبب رغبة طارق في إيجاد مكان ملائم للإنزال على الشاطئ الإسباني في منطقة الجزيرة الخضراء التي تقابل سبتة، ولكنّ طارقاً تخلّى عن الإنزال في هذا المكان عندما وجد جماعة من القوط حاولت منع إنزال قواته، فأبحر منه ليلاً إلى مكانٍ وعرٍ من الشاطئ وقد حاول تسهيل عملية الإنزال

стр. 237

(الابرار) باستخدام المجاذيف والبراذع الخاصة بالخيول، التي ألقيت على الصخور لتلافي خطرها، وبهذه الطريقة تمكن طارق من الإنزال المفاجئ من غير أن يراه أحد من العدو على الشاطئ (١). وقد نُفِّذت عملية الإنزال في الليل، واستغرق الإنزال أكثر من ليلة واحدة، بسبب قلة المراكب، التي كانت دائبة على نقل الرجال بين الشاطئين، إلى أن تمّ إنزال جيش طارق بسلام على أرض إسبانيا. ويقول بعض المؤرخين، إنّ طارقاً كان آخر مَن عبر إلى إسبانيا (٢)، ويقول آخرون: إنه أبحر في اللّيل مع أوّل جماعة، وإنه أخفى نفسه في الجبل حتى الليلة التالية، حيث أرسل المراكب مرة أخرى لتعود ببقية رجاله (٣)، وعلى ذلك فيكون طارق قاد فعلاً المجموعة الأولى من قوّاته إلى الشاطئ الإسباني، ولكن ما إن هبطت هذه المجموعة بسلام، حتى عاد بالمراكب إلى سبتة، لكي يشرف على نقل بقية رجاله بنفسه، ومن ثمّ أبحر مع المجموعة الأخيرة من الرجال. وتمّ الإنزال على صخرة تسمى: جبل كالبي ( Mons Calpe) التي اتخذت اسم طارق منذ ذلك اليوم، فأصبحت تسمى بجبل طارق، وجرى الإنزال يوم الاثنين الخامس من شهر رجب من سنة اثنتين وتسعين الهجرية (٤) (٢٧ نيسان - أبريل سنة ٧١١ م). وهكذا يكون القائد الحق، يُشرف على إنزال الوجبة الأولى، لأن إنزالها يكون من أخطر الوجبات، ولأنها تكوِّن رأس الجسر للقوات التي يجري إنزالها بالتعاقب، فيشرف القائد على إنزال سائر الوجبات، حتى يكون مع وجبة الإنزال الأخيرة، ليطمئن أن قواته أكملت عبورها، وجرى إنزالها في المكان المناسب، ويتأكد من عدم تخلّف فرد من أفراد قواته عن العبور لسبب

стр. 238

من الأسباب. ولكن، لماذا استعان طارق بسفن يليان التجارية؟ "كان يليان يحتمل أصحاب طارق في مراكب التجار التي تختلف إلى الأندلس، ولا يشعر أهل الأندلس بذلك، ويظنّون أنّ المراكب تختلف بالتجار" (١)، وهذا يدلّ على أنّ طارقاً استعان بسفن يليان التجارية، لأنه أراد أن يحيط عملية الإنزال بالسرية التامة، وذلك باستعماله مراكب تجارية لا تعود للمسلمين، لا لأن المسلمين لا يمتلكون السُّفن الكافية. ومن الواضح، أن المسلمين حينذاك، كانوا يمتلكون سفنهم الخاصة بهم، فقد كان اهتمام المسلمين بصناعة السفن مبكّراً، إذ أدركوا حاجتهم إليها، فأقاموا عدّة دور لصناعة السفن، مثل دار الصناعة في تونس التي أقامها حسَّان بن النعمان الغسَّاني (٢)، بل إنّ معركة بحرية كاملة خاضها المسلمون على شواطئ تونس سنة ثلاث وثلاثين الهجرية أو أربع وثلاثين الهجرية، هي معركة ذات السواري، استخدموا فيها أسطولهم المكون من مائتي سفينة (٣). وكان قد مضى على فتح الشمال الأفريقي عقود من السنين قبل فتح الأندلس، وكانت شواطئه الطويلة الممتدة على البحر الأبيض المتوسط (بحر الرّوم) والأطلسي، تجعل المسلمين بحاجة إلى السفن، وهو أمر لا يتم بالإعارة والاستئجار. وقد سبق للمسلمين نشاط بحري حربي انطلق من شمالي إفريقية، ففي سنة ست وأربعين الهجرية، وجّه معاوية بن خُدَيج (٤) والي إفريقية أسطولاً عدّته مئتا سفينة لفتح جزيرة

стр. 239

صِقِلِّية (١). وفي سنة ست وثمانين الهجرية، وجه موسى بن نُصير حملة على صِقِلِّيّة محمولة على مراكب صُنعت فى تونس (٢). وكل ذلك يؤكد أن للمسلمين دور صناعتهم، ولكن استعانة طارق في عبور قوّاته بسفن يليان، كان لتأمين مباغتة القوط الكاملة، لا عن حاجة للسفن، وبعد انكشاف حركة إنزال المسلمين الأولى، نُقل المدد إلى طارق بالسفن الإسلامية: "وكان موسى منذ وجّه طارق لوجهه، قد أخذ في عمل السفن، حتى صار عنده منها عدّة كثيرة، فحمل إلى طارق فيها خمسة آلاف من المسلمين مدداً" (٣). وجرى تجمع جيش طارق بعد إكمال إنزاله في الطرف الإسباني، على جبل صخري، عُرف فيما بعد باسم جبل طارق ( Gibraltar) كما عرف به المضيق باسم مضيق جبل طارق، وبكلّ اللغات، وهذا ذكرى لطارق وعملية إنزال جيشه، وتخليداً لبطولته. ومنذ بدأ إنزال جيش طارق على الساحل الأندلسي، بدأ رجال طارق بتحصين موضع الإنزال، الذي أصبح منطقة التجمع لجيشه في جبل طارق، كما تشير إلى ذلك بعض الروايات (٥)، "فلما حصلوا في الجبل، بنوا سوراً على أنفسهم يسمى سور العرب ... إلخ" (٦) فشكك بعض المؤرخين الغربيين وتابعهم في هذا التشكيك بعض المؤرخين العرب والمسلمين تقليداً، فقالوا من جملة ما قالوا: "ومن غير المحتمل، أن يكون طارق قد حصّن منطقة جيشه في جبل طارق، كما تشير إلى ذلك بعض الروايات، لأن هدفه الأول لم

стр. 240

يكن البقاء على الصخرة، بل فتح المناطق المجاورة للجزيرة الخضراء، والسيطرة على الجانب الإسباني من المضيق، لحماية تجهيزاته ومواصلاتها في شمال إفريقية"، وهذا هو مجمل ما جاء في تشكيكهم أو اعتراضهم على ما ورد في المصادر العربية المعتمدة حول التحصين. ومن الواضح، أن المؤرخين الغربيين الذين اعترضوا عى ما سجلته المصادر العربية، حول تحصين منطقة تجمع جيش طارق فى جبل طارق، وشايعهم على اعتراضهم قسم من المؤرخين العرب والمسلمين، لم يفهموا المعنى الدقيق للتحصين الذي سجلته المصادر العربية المعتمدة، فحفر الخنادق في المواضع الممكن حفرها هو تحصين، فإذا كانت الأرض صخرية كما هو الحال في منطقة جبل طارق، فإن التحصين يتم بإقامة جدار من الصخور المتيسرة والأحجار، يحتمي وراءه المقاتلون من سهام العدو المصوبة نحوهم ليلاً أو نهاراً، وإقامة الجدار للحماية بالصخور والأحجار هو تحصين أيضاً، وهو ما قصدته المصادر العربية المعتمدة، لا إقامة الحصون المشيدة، كما فهمها بعض المؤرخين الغربيين ومن شايعهم من المؤرخين العرب والمسلمين. والمدنيّون الذين لم ينتسبوا للسلك العسكري في يوم من الأيام، معذورون في سوء فهمهم لتعبير: التحصين (١)، كما ينبغي. إن من واجب كل مقاتل، أن يحصن موقعه، حتى ولو بقي فيه ساعة من نهار أو ليل، ومن واجب القائد ورجاله ألاّ يغفلوا عن تحصين مواقعهم، استعداداً لأسوأ الاحتمالات، وذلك للدفاع تجاه تعرّض معادٍ محتمل، فهذا

стр. 241

هو دأب القائد الجيّد والمقاتلين الجيّدين. وهكذا أصبح لجيش طارق رأس جسر على برّ الأندلس، ومنطقة تجمع في جبل طارق، أصبحت بعد تحصينها قاعدة أمامية متقدمة، يستند عليها ذلك الجيش، في انطلاقه نحو أهدافه لفتح الأندلس، تحقيقاً لخطة الفتح المرسومة. ب - المناوشات التمهيدية: لم يكد طارق يكمل تحصين تجمع جنده في جبل طارق، حتى أصبحت تلك المنطقة قاعدة أمامية متقدمة أمِينَة للمسلمين، صالحة للانطلاق منها للفتح. وحين فرغ من تحصين قاعدته الأمامية المتقدمة، أرسل أحد قادته المرؤوسين، وهو عبد الرحمن بن أبي عامر المعافِري على رأس فرقة مختارة من رجاله، سارت بحذاء الساحل شمالاً بغرب، فاستولت على مدينة من مدن الأندلس اسمها: قَرْطاجَنَّة الجزيرة (١) (قرطاية Carteya Torre de Cartagena) ، ثم انحدرت نحو الجنوب واستولت على بلدة الجزيرة الخضراء (٢) ( Algeciras) في مقابل جبل طارق، وهناك وقعت مناوشات مع قوات القوط، انتصر فيها المسلمون. ويذكر صاحب تحفة الأنفس، أنّ قتالاً جرى عند أو قرب جبل طارق، "فاقتتلوا ثلاثة أيام، وكان على القوط تُدْمير، استخلفه لذريق ملك القوط، وكان قد كتب إلى لذريق ليعلمه بأن قوماً لا يُدرى أهم من

стр. 242

أهل الأرض أم من أهل السماء، قد وطئوا إلى بلادنا، وقد لقيتهم، فلتنهض إلىّ بنفسك" (١). وتُدمير هو تيودومير القوطي، عامل لذريق على تلك المنطقة من الأندلس وقائدها، وكانت بإمرته قوّات محلية تابعة لعامل لذريق وبقيادته، فكان الاصطدام الأول بين المسلمين وقوات القوط، اصطداماً على نطاق الجيش المحلي أو القوات المحلية لمنطقة جنوبي الأندلس، ولم يكن اصطداماً على نطاق القوة الضاربة للملك القوطي. وبذلك أصبح مضيق جبل طارق كله بيد المسلمين، فعهد طارق إلى يليان ومن معه من الجند، حرارته هذا الموضع وحمايته من كل هجوم متوقع، وأمن المسلمون من أن يعبر عدوّ إلى مواقعهم عند جبل طارق، فيهدد تلك المواقع وطريق مواصلاتهم التي تربطهم بقواعدهم في إفريقية (٢). وسارع لذريق بإرسال ما تيسَّر له من قوات خفيفة بقيادة ابن أخيه بنج (٣) ( Banj) وهو (بالإسبانية Sancho أو Bancho) ولكن طارقاً قضى على تلك القوات، ولم ينج من جندها إلاّ واحد اسمه: بِلْياسن ( Williesindo-Beliasin) أسرع إلى معسكر لذريق في أقصى الشمال عند بّنْبُلُونَة (٤)، وأخبره نزول المسلمين البلاد، فسارع لذريق نحو الجنوب، حتى دخل قُرْطُبَة (٥)، ثمّ أخذ يستعد للحركة جنوباً للقاء المسلمين (٦). ومن الواضح أنّ بلياسن حمل إلى

стр. 243

لذريق أخبار إبادة قوات ابن أخيه بنج الخفيفة، وأن الذي حمل إليه أخبار إنزال العرب في الأندلس هو (تدمير). وأقصد بالقوات الخفيفة، القوات التي تتحرك بسرعة على ظهور الخيل، ومن المحتمل أنّ تلك القوات جُمِّعت من القوات القوطية المحلية، وقد أصبحت خيولهم غنائم للمسلمين (١). والذي يبدو، أنّ قرار لذريق السريع، بعد علمه بإنزال المسلمين في جبل طارق، وفتحهم جنوبي إسبانيا بالكامل تقريباً، وتوقعه أن ينطلقوا شمالاً لاستكمال الفتح، هو أنه أمر ابن أخيه بنج، أن يلتقي بالمسلمين على عجل، ويحاول إيقاف تقدمهم في الأندلس أولاً، وإجلاءهم عن الساحل الذي فتحوه، ليعودوا من حيث أتوا إلى قواعدهم الأمامية في سبتة وطنجة. ولتحقيق النصر على المسلمين، عمد بنج إلى حشد قواته المحلية الخفيفة من الخيالة، وأسرع نحو الجنوب لمواجهة المسلمين الفاتحين، دون أن يعرف أنّ المسلمين كانوا في مواضع حصينة لا يسهل التغلب عليها، وفي معنويات عالية تساعدهم على التغلب بسهولة وسرعة على عدوِّهم، ولهم قيادة واعية تحسب لكل شيءٍ حسابه وتضع الحلول المناسبة لما قد يصادفها من معضلات، ولهم جنود من المجاهدين الذين يتوخون إحدى الحُسنيين: النصر أو الشهادة، ولديهم مخابرات نشطة ترصد لهم تحركات العدو وسكناته، وتجعلهم يجاهدون وهم في النور لا في الظلام. وكان نتيجة المعركة التصادفية التي خاضها بنج على رأس قواته المرتجلة، نكبة قاصمة للظهر عليه وعلى قواته، فلم ينج منهم إلاّ واحد نجا بأعجوبة، ليحمل أنباء الكارثة التي حلّت ببنج وقواته إلى الملك لذريق. والسبب في عدم إرسال لذريق قوات كافية من القوات التي بإمرته، هو بُعد تلك القوات عن مسرح العمليات، حيث كانت في أقصى الشمال، ومسرح

стр. 244

العمليات في أقصى الجنوب، وتنَقُّل القوات من الشمال إلى الجنوب يحتاج إلى وقت طويل، يؤدي إلى ترصين مواضع المسلمين وتقويتها، في وقت يكون فيه القوط بحاجة ماسة إلى السرعة، للتغلب على المسلمين الفاتحين قبل أن يرسِّخوا أقدامهم في الأندلس، لذلك كان قرار لذريق السريع، هو تكليف ابن أخيه بقيادة قوات خفيفة، للتغلب على الفاتحين بسرعة قبل فوات الأوان، فأخطأ لذريق في إصداره مثل هذا القرار السريع، لأنه لم يكن على علم يقيني بأن المسلمين جاءوا إلى الأندلس فاتحين ليبقوا فيها، ولم يأتوا إليها بغارة للمغانم ثم يرحلوا عنها. كما أخطأ بنج بعدم إطلاعه على واقع المسلمين الفاتحين مادياً ومعنوياً، وبعدم كفاية قواته عَدَداً وعُدَداً للنهوض بواجبها كما ينبغي، في تحقيق النصر على المسلمين الفاتحين. وقد كان لمرحلة: المناوشات، من مراحل فتح الأندلس، نتائج عظيمة على الطرفين المتحاربين: المسلمين والقوط. فقد ارتفعت معنويات المسلمين، نتيجة لانتصاراتهم على القوط، ولقيادتهم الواعية القادرة. كما أصبح للمسلمين قاعدة متقدمة أمامية محصّنة ومحروسة، يمكن الاعتماد عليها والانطلاق منها للفتح. كما ازدادت معلومات المسلمين الفاتحين عن قيادة القوط وقواتهم، وطبيعة بلادهم، ونقاط ضعفهم وقوتهم، فاستغلوا هذه المعلومات المفيدة للغاية في الجهاد. وهذه النتائج الثلاث مجتمعة، أدّت إلى إصرار المسلمين قيادة وجنوداً على استكمال الفتح، حتى يشمل الأندلس بحدودها الطبيعية المعروفة، ويتعداها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. أما بالنسبة للقوط، فقد انهارت معنوياتهم، نتيجة لهزائمهم المتوالية أمام المسلمين، ولقيادتهم الضعيفة العاجزة، ولخسارة جزء من بلادهم لعجزهم عن حمايتها والدفاع عنها. كما ارتبكت المعلومات عن المسلمين لدى القوط، فمنهم من يظن أنّ الفاتحين سيرحلون عن بلاد الأندلس، ومنهم من يظن أنهم جاءوا ليبقوا لا ليرحلوا، ومنهم وهم الأكثرية من اختلطت عليهم

стр. 245

الأمور، فشُغل بالجدل عن الاستعداد للقتال وعن مباشرة القتال. وكان لهذه النتائج على الطرفين، تأثير حاسم في الفتح، كما سنجد ذلك في مراحل الفتوح المقبلة.

стр. 246

٣ - معركة وادي بَرْباط (١) أو وادي لَكّة (٢) المعركة الحاسمة في فتح الأندلس أ - الموقف العام: أولاً: موقف القُوْط: كان لذريق عند معرفته بالنكبة التي حلّت بقوات ابن أخيه بنج، مشغولاً بالقضاء على اضطرابات خطيرة في مقاطعة الباسك (٣) في منطقة جبال البرانس (٤) التي تفصل بين الأندلس وفرنسا، يحارب بعض الخوارج عليه في الولايات الشمالية للأندلس، وهذا ما تنصّ عليه المصادر العربية المعتمدة، وهو ما أرجِّحه لأنه منطقي معقول. أو أن لذريق كان يصدّ هجوماً فرنسياً على نافار ( Navarre) كما يزعم بعض المستشرقين (٥)، إذ لو كان هذا الزّعم حقاً، لما استطاع لذريق الانسحاب من تلك الجهة بيسر وسرعة، وهي مهددة باعتداء خارجي لا يقل خطراً عن المسلمين، إن لم يكن أكثر خطراً منهم، بموجب التفكير السائد على الملك وحاشيته وقادته حينذاك، إذ كانوا يعتقدون أن المسلمين يقومون بغارة من أجل الغنائم، بينما الفرنسيون يهدفون أن يحتلوا بلادهم إذا انتصروا عليهم، فليس من المعقول ترك الجبهة لهم،

стр. 247

خالية من المقاومة، يسرحون فيها ويمرحون كما يشاءون. وكان لذريق ملكاً شجاعاً وافر المقدرة والحزم، ولكنه كان طاغية يثير بقسوته وصرامته حوله كثيراً من البغضاء والسّخط (١). وعلى كل حال، عندما وصلت أنباء طارق إلى لذريق، ترك في الحال ما كان يجابهه في الشمال من مشاكل، وزحف نحو الجنوب، مرسلاً الرسل إلى أتباعه ليوافوه في قُرطبة (٢)، وقد كتب من هناك إلى أفراد أسرة غيطشة ( Witiza) وإلى القوط الآخرين لينضموا إليه في قتال العدو المشترك. وخشية من دخول قرطبة، عسكر أبناء غيطشة وأتباعهم عبر نهر شقندة ( Secunda) (٣) . وتمت المصالحة بين لذريق وأبناء غيطشة، فعهد لذريق بقيادة ميمنة جيشه إلى شيشبرت ( Sisbert) والميسرة إلى أبة ( Oppa) وهذان الاثنان كما يقول مؤلف كتاب: أخبار مجموعة، هما من أبناء غيطشة (٤)، ويقال أيضاً بأنهما أبناء أخيكا ( Egica) وليس لغيطشة (٥)، وهذا هو الصواب، لأن ابني غيطشة اللذين بقيا في الأندلس - كما ذكرنا - هما أرطباس ( Artavasdes) والمند ( Almundo) ، وأسماء أبناء غيطشة معروفة لدينا، وليس بينهم أسماء مَن توليا الميمنة والميسرة في جيش لذريق، وإذا ما كانوا في سن لا يسمح لهما أن يتوليا الحكم في سنة إحدى وتسعين الهجرية (٧١٠ م)، فإنه من غير

стр. 248

المحتمل أن يكون لذريق قد عهد إليهما بالقيادة في سنة اثنين وتسعين الهجرية (٧١١ م). فلا يبقى إلاّ أن يكون اللذان توليا الميمنة والميسرة في جيش لذريق، هما ابنا أخيكا، وغيطشة هو ابن أخيكا، فيكون قائدا الميمنة والميسرة أخوي غيطشة لا ابنيه، ويكونان عمي أبناء غيطشة، ويكون لذريق قد استعان بأفراد من العائلة المالكة السابقة فى قياداته، لتوحيد الجبهة الداخلية، وإذابة الخلافات المحلية، وحشد جهود القوط كافةً لحرب المسلمين، وقد اعتصم القوط في ساعة الخطر الداهم بالاتحاد، فاستطاع لذريق أن يجمع حوله معظم الأمراء والأشراف والأساقفة، وحشد هؤلاء رجالهم وأتباعهم ومَن يلوذ بهم، واجتمع يومئذ للقوط جيش تقدره بعض الروايات بمائة ألف مقاتل (١)، وأقل تقدير له أربعون ألفاً (٢)، ولا يمكن معرفة تعداده اليوم بالضبط، فهو على كلّ حال بين هذين التعدادين، أي نحو سبعين ألفاً، كما جرى تقديره في بعض المصادر العربية المعتمدة (٣). ويبدو أنّ الجيش القوطي كان يشعر بقوّته، وكان متأكداً من إمكان تغلّبه على المسلمين، إلى درجة أنهم أعدّوا ما يحملون عليه أسرى المسلمين، كما يذكر ابن الكردبوس: "فلما انتهى خبره إلى لذريق، خرج إلى لقائه في مائة ألف فارس، ومعهم العَجَل تحمل الأموال والكِسا، وهو على سرير تحمله ثلاث بغلات مقرونات، وعليه قُبَّة مكلّلة بالدرّ والياقوت، وعلى جسمه حلّة لؤلؤ قد نظمت بخيوط الإبريسم، ومعه أعداد دواب لا تحمل غير الحبال لكتاف الأسرى، إذ لم يَشُكّ في أخذهم" (٤).

стр. 249

ومن الواضح، أنه يمكن أن نستنتج من هذا الوصف لقوات القوط، أن لذريق وهو القائد العام كان مترفاً جداً، ولا يمكن أن يقاتل المترَف كما يقاتل الرجال، لأنه يحرص على ترفه أكثر مما يحرص على الموت. كما أن الجيش القوطي كان على حالة إدارية متميِّزة، يحمل الأموال والكساء، وتحمله الخيول، ولا تنقصه مادة إدارية تؤثر في نشاطه القتالي. كما يمكن استنتاج أن القوط قد أعجبتهم أنفسهم، فضمنوا لهم النصر على المسلمين، والإعجاب بالنفس قبل نشوب القتال، لا يؤدي إلى خيرٍ أبداً. ويبدو أن إعداد الحبال للأسرى قبل المعركة، كان محاولة من لذريق لرفع معنويات القوط، مما يدل على أنّ معنوياتهم قبل الإشتباك لم تكن عالية، ولا نصر لقوات لا تتحلى بالمعنويات العالية. ثانياً. موقف المسلمين: لما علم طارق بأخبار حشود القوط الكثيفة لقتال المسلمين، كتب إلى موسى بن نصير يستنجده، فأرسل إليه جيشاً قرابة خمسة آلاف مقاتل، بقيادة طريف بن مالك (١)، حملتهم سفن صنعها المسلمون، ولعل يُلْيَان قدّم التسهيلات لعبور هذا المدد إلى الأندلس، فأصبح تعداد الجيش الإسلامي في الأندلس اثني عشر ألف مقاتل، جلّهم من البربر المسلمين (٢). وفي ذلك يقول صاحب أخبار مجموعة: إنّ طارقاً، "كتب إلى موسى يستمده ويخبره أن قد فتح الله الجزيرة واستولوا عليها وعلى البحيرة، وأنه قد زحف إلى ملك الأندلس بما لا طاقة له به. وكان موسى مذ وجّه طارقاً أخذ في عمل السفن، حتى صارت معه سفن كثيرة، فحمل إليه خمسة آلاف، فتوافى المسلمون بالأندلس عند طارق اثنا عشر ألفاً" (٣).

стр. 250

ويبدو أن نيّة طارق، كانت السير مباشرة إلى قرطبة عاصمة بِيْطِي (١) (بيتِس) ( Baetis) لأنه تقدّم بحذاء الساحل حتى أدرك جزيرة طريف، ومن ثَمَّ اتجه إلى الشمال في سهل قليل الارتفاع، ومرّ بين جبلي (سيليا دل بابا) و (سييرا دل رِتين)، واقترب من بحيرة الخندق (لاخاندا) الواسعة التي تحصر بينها وبين (سييرا دل رتين) سهلاً متسعاً بعض الاتساع حصيناً، لأنّ البحيرة تحميه من ناحية والجبل من ناحية أخرى، واستمر حتى أدرك نُهير البرباط الذي يخترق بحيرة الخندق (لاخاندا)، وكانت بهذا الموضع في تلك الأيام بليدة صغيرة زالت الآن، يسمّيها العرب: بكَّة، ولهذا سمّوا هذا النُّهير: وادي بِكّة، وحرّفه بعضهم إلى لِكَّة أو وادي لِكَّه، ونقله الإسبان خطأ، فسمّوه: وادي لِيتَه (٢). وهنا عرف طارق من عيونه المنتشرة في كل مكان، أن لذريق سائر إليه بجنده، وأنه وصل إلى قُرطبة واستقر فيها قليلاً لاستكمال حشد جيشه، ثم تقدم جنوبيها، وأقام معسكره عند شَذُوْنَة (٣) ( Sidonia) واستعدّ لقبول المعركة في سهل البرباط، على مقربة من قرية ( Casas Viejas) الحالية (٤). وفي هذا الموضع الذي وصل إليه طارق، وصل المدد الذي تعداده خمسة آلاف مقاتل إلى طارق، وهو المدد الذي بعث به موسى بن نُصير إلى الأندلس. فقويت بالمدد نفس طارق ونفوس من معه. والغالب أن قسماً كبيراً من المدد كان من الفرسان، لأن المصادر تحدّثنا أنّ قوّة طارق الأولى
следующие страницы →