٣ - معركة وادي بَرْباط (١) أو وادي لَكّة (٢)
المعركة الحاسمة في فتح الأندلس
أ - الموقف العام:
أولاً: موقف القُوْط:
كان لذريق عند معرفته بالنكبة التي حلّت بقوات ابن أخيه بنج، مشغولاً بالقضاء على اضطرابات خطيرة في مقاطعة الباسك (٣) في منطقة جبال البرانس (٤) التي تفصل بين الأندلس وفرنسا، يحارب بعض الخوارج عليه في الولايات الشمالية للأندلس، وهذا ما تنصّ عليه المصادر العربية المعتمدة، وهو ما أرجِّحه لأنه منطقي معقول. أو أن لذريق كان يصدّ هجوماً فرنسياً على نافار ( Navarre) كما يزعم بعض المستشرقين (٥)، إذ لو كان هذا الزّعم حقاً، لما استطاع لذريق الانسحاب من تلك الجهة بيسر وسرعة، وهي مهددة باعتداء خارجي لا يقل خطراً عن المسلمين، إن لم يكن أكثر خطراً منهم، بموجب التفكير السائد على الملك وحاشيته وقادته حينذاك، إذ كانوا يعتقدون أن المسلمين يقومون بغارة من أجل الغنائم، بينما الفرنسيون يهدفون أن يحتلوا بلادهم إذا انتصروا عليهم، فليس من المعقول ترك الجبهة لهم،
стр. 247
خالية من المقاومة، يسرحون فيها ويمرحون كما يشاءون.
وكان لذريق ملكاً شجاعاً وافر المقدرة والحزم، ولكنه كان طاغية يثير بقسوته وصرامته حوله كثيراً من البغضاء والسّخط (١).
وعلى كل حال، عندما وصلت أنباء طارق إلى لذريق، ترك في الحال ما كان يجابهه في الشمال من مشاكل، وزحف نحو الجنوب، مرسلاً الرسل إلى أتباعه ليوافوه في قُرطبة (٢)، وقد كتب من هناك إلى أفراد أسرة غيطشة ( Witiza) وإلى القوط الآخرين لينضموا إليه في قتال العدو المشترك. وخشية من دخول قرطبة، عسكر أبناء غيطشة وأتباعهم عبر نهر شقندة ( Secunda) (٣) .
وتمت المصالحة بين لذريق وأبناء غيطشة، فعهد لذريق بقيادة ميمنة جيشه إلى شيشبرت ( Sisbert) والميسرة إلى أبة ( Oppa) وهذان الاثنان كما يقول مؤلف كتاب: أخبار مجموعة، هما من أبناء غيطشة (٤)، ويقال أيضاً بأنهما أبناء أخيكا ( Egica) وليس لغيطشة (٥)، وهذا هو الصواب، لأن ابني غيطشة اللذين بقيا في الأندلس - كما ذكرنا - هما أرطباس ( Artavasdes) والمند ( Almundo) ، وأسماء أبناء غيطشة معروفة لدينا، وليس بينهم أسماء مَن توليا الميمنة والميسرة في جيش لذريق، وإذا ما كانوا في سن لا يسمح لهما أن يتوليا الحكم في سنة إحدى وتسعين الهجرية (٧١٠ م)، فإنه من غير
стр. 248
المحتمل أن يكون لذريق قد عهد إليهما بالقيادة في سنة اثنين وتسعين الهجرية (٧١١ م). فلا يبقى إلاّ أن يكون اللذان توليا الميمنة والميسرة في جيش لذريق، هما ابنا أخيكا، وغيطشة هو ابن أخيكا، فيكون قائدا الميمنة والميسرة أخوي غيطشة لا ابنيه، ويكونان عمي أبناء غيطشة، ويكون لذريق قد استعان بأفراد من العائلة المالكة السابقة فى قياداته، لتوحيد الجبهة الداخلية، وإذابة الخلافات المحلية، وحشد جهود القوط كافةً لحرب المسلمين، وقد اعتصم القوط في ساعة الخطر الداهم بالاتحاد، فاستطاع لذريق أن يجمع حوله معظم الأمراء والأشراف والأساقفة، وحشد هؤلاء رجالهم وأتباعهم ومَن يلوذ بهم، واجتمع يومئذ للقوط جيش تقدره بعض الروايات بمائة ألف مقاتل (١)، وأقل تقدير له أربعون ألفاً (٢)، ولا يمكن معرفة تعداده اليوم بالضبط، فهو على كلّ حال بين هذين التعدادين، أي نحو سبعين ألفاً، كما جرى تقديره في بعض المصادر العربية المعتمدة (٣). ويبدو أنّ الجيش القوطي كان يشعر بقوّته، وكان متأكداً من إمكان تغلّبه على المسلمين، إلى درجة أنهم أعدّوا ما يحملون عليه أسرى المسلمين، كما يذكر ابن الكردبوس: "فلما انتهى خبره إلى لذريق، خرج إلى لقائه في مائة ألف فارس، ومعهم العَجَل تحمل الأموال والكِسا، وهو على سرير تحمله ثلاث بغلات مقرونات، وعليه قُبَّة مكلّلة بالدرّ والياقوت، وعلى جسمه حلّة لؤلؤ قد نظمت بخيوط الإبريسم، ومعه أعداد دواب لا تحمل غير الحبال لكتاف الأسرى، إذ لم يَشُكّ في أخذهم" (٤).
стр. 249
ومن الواضح، أنه يمكن أن نستنتج من هذا الوصف لقوات القوط، أن لذريق وهو القائد العام كان مترفاً جداً، ولا يمكن أن يقاتل المترَف كما يقاتل الرجال، لأنه يحرص على ترفه أكثر مما يحرص على الموت. كما أن الجيش القوطي كان على حالة إدارية متميِّزة، يحمل الأموال والكساء، وتحمله الخيول، ولا تنقصه مادة إدارية تؤثر في نشاطه القتالي. كما يمكن استنتاج أن القوط قد أعجبتهم أنفسهم، فضمنوا لهم النصر على المسلمين، والإعجاب بالنفس قبل نشوب القتال، لا يؤدي إلى خيرٍ أبداً. ويبدو أن إعداد الحبال للأسرى قبل المعركة، كان محاولة من لذريق لرفع معنويات القوط، مما يدل على أنّ معنوياتهم قبل الإشتباك لم تكن عالية، ولا نصر لقوات لا تتحلى بالمعنويات العالية.
ثانياً. موقف المسلمين:
لما علم طارق بأخبار حشود القوط الكثيفة لقتال المسلمين، كتب إلى موسى بن نصير يستنجده، فأرسل إليه جيشاً قرابة خمسة آلاف مقاتل، بقيادة طريف بن مالك (١)، حملتهم سفن صنعها المسلمون، ولعل يُلْيَان قدّم التسهيلات لعبور هذا المدد إلى الأندلس، فأصبح تعداد الجيش الإسلامي في الأندلس اثني عشر ألف مقاتل، جلّهم من البربر المسلمين (٢). وفي ذلك يقول صاحب أخبار مجموعة: إنّ طارقاً، "كتب إلى موسى يستمده ويخبره أن قد فتح الله الجزيرة واستولوا عليها وعلى البحيرة، وأنه قد زحف إلى ملك الأندلس بما لا طاقة له به. وكان موسى مذ وجّه طارقاً أخذ في عمل السفن، حتى صارت معه سفن كثيرة، فحمل إليه خمسة آلاف، فتوافى المسلمون بالأندلس عند طارق اثنا عشر ألفاً" (٣).
стр. 250
ويبدو أن نيّة طارق، كانت السير مباشرة إلى قرطبة عاصمة بِيْطِي (١) (بيتِس) ( Baetis) لأنه تقدّم بحذاء الساحل حتى أدرك جزيرة طريف، ومن ثَمَّ اتجه إلى الشمال في سهل قليل الارتفاع، ومرّ بين جبلي (سيليا دل بابا) و (سييرا دل رِتين)، واقترب من بحيرة الخندق (لاخاندا) الواسعة التي تحصر بينها وبين (سييرا دل رتين) سهلاً متسعاً بعض الاتساع حصيناً، لأنّ البحيرة تحميه من ناحية والجبل من ناحية أخرى، واستمر حتى أدرك نُهير البرباط الذي يخترق بحيرة الخندق (لاخاندا)، وكانت بهذا الموضع في تلك الأيام بليدة صغيرة زالت الآن، يسمّيها العرب: بكَّة، ولهذا سمّوا هذا النُّهير: وادي بِكّة، وحرّفه بعضهم إلى لِكَّة أو وادي لِكَّه، ونقله الإسبان خطأ، فسمّوه: وادي لِيتَه (٢).
وهنا عرف طارق من عيونه المنتشرة في كل مكان، أن لذريق سائر إليه بجنده، وأنه وصل إلى قُرطبة واستقر فيها قليلاً لاستكمال حشد جيشه، ثم تقدم جنوبيها، وأقام معسكره عند شَذُوْنَة (٣) ( Sidonia) واستعدّ لقبول المعركة في سهل البرباط، على مقربة من قرية ( Casas Viejas) الحالية (٤).
وفي هذا الموضع الذي وصل إليه طارق، وصل المدد الذي تعداده خمسة آلاف مقاتل إلى طارق، وهو المدد الذي بعث به موسى بن نُصير إلى الأندلس. فقويت بالمدد نفس طارق ونفوس من معه. والغالب أن قسماً كبيراً من المدد كان من الفرسان، لأن المصادر تحدّثنا أنّ قوّة طارق الأولى
стр. 251
كانت كلها من الرّجالة، في حين سنرى للمسلمين قوّة من الخيالة في المعركة الحاسمة (١).
وييدو أن تقدم المسلمين الموفق في الأندلس إلى هذه اللحظة، قد أنعش الآمال في أنفس أعداء لذريق، فانضم منهم إلى المسلمين نفر كبير أعانوهم بالقوة والرأي (٢). وتسامع بذلك نفر من جند لذريق الغاضبين عليه، فبدأت نفوسهم تحدّثهم لانتهاز الفرصة للانقلاب عليه في حالة اشتباكه بالمسلمين، ويقال: إنّ شيشبرت وأبّه أخوي غيطشة، كانا على رأس هذا الفريق الذي عزم على الخيانة، وإنهما انتظرا اللحظة المواتية ليتخليا عن لذريق، ويتركاه يلقى جزاءه على ما فعل بغيطشة (٣).
ويبدو أن لذريق كان يشعر بما يدور حوله، وكان يدرك أن نفراً من جنده يدبر له الخيانة، فأحب قبل أن يلقى المسلمين، أن يتعرّف على ما لديهم من القوّة، فبعث طليعة من فرسانه لتناوشهم، فلم يكد المسلمون يرونها حتى انقضوا عليها انقضاضاً شديداً، فولّت هاربة، وأنبأت لذريق بحال المسلمين وما هم عليه من الحمية والتشوق للقتال، فكاد يسقط في يديه (٤).
ولابد من التوقف قليلاً، لمناقشة التحاق القوط النصارى بالجيش الإسلامي، قبل المعركة الحاسمة، ومعاونتهم للمسلمين وتعاونهم معهم في
стр. 252
تلك المعركة، على جيش لذريق من القوط النصارى، في مثل ذلك الموقف الحرج الخطير للغاية، في بلاد هي بلاد القوط النصارى وليست بلاد الجيش الإسلامي، بحجة عداوتهم للذريق، هذا الالتحاق القوطي بالمسلمين يمكن تصديقه بحجّة أن الملتحقين هم أعداء لذريق، وعدو عدوِّك صديقك كما يقول المثل العربي المشهور، ولكن ليس من المعقول أنّ طارقاً أشركهم في القتال.
ومن الواضح، أثه يمكن أن نستنتج من هذا العرض لموقف المسلمين، أن طارقاً كان كأحد رجاله مأكلاً ومشركاً وسكناً، فلم يكن مترفاً، بل كانت حياته أقرب إلى التقشف منها إلى الترف. وكان حذراً كل الحذر يقظاً كل اليقظة، يعرف عن عدوه حركاته وسكناته، ولا تخفى عليه من أمره خافية. وكان يعدّ لكل أمرٍ عدّته ولكل معضلة حلّها، لا ينام ولا يُنيم. وكان المسلمون في حالة إدارية أقل بكثير من الجيش القوطي، ولكثهم اعتادوا على الحياة القاسية ولم يعرفوا الترف والرخاء، فكانت حالتهم الإدارية غير المتميّزة ليست مشكلة بالنسبة إليهم. ولم يكن المسلمون قد أعجبتهم كثرتهم، فهم يعلمون أن عدوهم متفوق عليهم عَدَداً وعُدَداً، ولكنهم متفوقون على عدوهم بقيادتهم ومعنوياتهم العالية. ولم يهتم المسلمون بالمظاهر الخارجية والدعاية، كما اهتم القوط بهما، فلم يعدوا الحبال لربط الأسرى، ولم يتباهوا بالمظاهر الخلابة، بل كانوا في نفسية متواضعة لا تتبدل في حالتي النصر والاندحار.
لقد كان تعداد جيش طارق اثني عشر ألفاً (١) من المجاهدين الصادقين، وانضم إليهم يليان في قوة صغيرة من صحبه وأتباعه (٢)، وهؤلاء هم الذين شهدوا المعركة الحاسمة مع المسلمين على القوط. أما أعداء لذرليق الذين انضموا إلى المسلمين قُبيل تلك المعركة نكاية بلذريق، فمن الصعب تصديق أن المسلمين أشركوهم بالمعركة الحاسمة معهم على لذريق، لاحتمال وجود
стр. 253
مندسين وعملاء بينهم، يُظهرون غير ما يُبطنون، فلا يمكن الاعتماد على مثل هؤلاء في الحرب، إذ قد ينقلبون على المسلمين في وقت من الأوقات الخطرة في الحرب، أو يثبطون عزائم المسلمين المجاهدين، أو يهربون فيسري الهرب بالعدوى بين المقاتلين، أو ينقلون أسرار المسلمين إلى أعدائهم، ومثل هذه الاحتمالات قائمة بالنسبة للقوط النصارى غير المجربين من المسلمين، ولم يحظوا بالثقة الكاملة بهم. ومن المحتمل أنّ المسلمين استقبلوا أعداء لذريق في مواضع آمنة، واكتفوا بتحييدهم بالنسبة للذريق، ونقلوهم إلى الخلف بعيداً عن الجبهة، انتظاراً لنتيجة المعركة المتوقعة، وهم بعيدون عن أخطار الحرب، آمنون على أنفسهم وعلى أموالهم وأملاكهم، وحسب المسلمين منهم أنهم لم يحاربوا في صفوف لذريق، ولم ينصروه في ميادين القتال، وكان حيادهم نصراً لا ريب فيه للمسلمين.
٤ - خطبة طارق وحرق السُّفن
أ - الخطبة:
أولاً: الرّفض:
كان ممن احتار في أمر خطبة طارق المشهورة، الأمير شكيب ارسلان ﵀، فقال: "تلك الخطبة الطنّانة، التي لو حاول مثلها قِسّ بن ساعدة أو سَحْبان وائل، لم يأت بأفصح ولا بأبلغ منها، ولقد كنتُ أُفكِّر مليّاً في أمر هذه الخطبة وأقول في نفسي .. هذا لغز من ألغاز التاريخ، لا ينحل معناه بالسهولة ... "، وحقيقة هذا اللّغز، لدى أمير البيان، أنّ طارقاً بربري، والخطبة تُعد من روائع الخطب العربية، ولم يستطع التوفيق بين هذين الأمرين المناقضين، وقد حاول ولكنه لم يسترح لمحاولاته، وأخيراً زال عندما جزم الاستاذ عبد الله كنّون بأنّ هذه الخطبة من جملة انطباع البربر بالطابع العربي
стр. 254
البحت (١).
ويرتاب في نسبة هذه الخطبة لطارق الأستاذ عبد الله عنان، فيقول: "على أنه يسوغ لنا أن نرتاب في نسبة هذه الخطبة إلى طارق، فإن معظم المؤرخين المسلمين، ولا سيما المتقدمين منهم، لا يُشير إليها، ولم يذكرها ابن عبد الحكم ولا البلاذري، وهم من أقدم رواة الفتوحات الإسلامية؛ ولم تُشر إليها المصادر الأندلسية الأولى، ولم يُشر إليها ابن خلدون، ونقلها المقري عن مؤرِّخ لم يذكر اسمه، وهي على العموم أكثر ظهوراً في كتب المؤرخين والأدباء المتأخرين. وليس بعيداً أن يكون طارق قد خطب جنده قبل الموقعة، فنحن نعرف أن كثيراً من قادة الغزوات الإسلامية الأولى كانوا يخطبون جندهم في الميدان، ولكن في لغة هذه الخطبة وروعة أسلوبها وعبارتها، ما يحمل على الشك في نسبتها إلى طارق، وهو بربري لم يكن عريقاً في الإسلام والعروبة. والظاهر أنها من إنشاء بعض المتأخرين، صاغها على لسان طارق، مع مراعاة ظروف المكان والزمان" (٢).
كما يرتاب في نسبة هذه الخطبة إلى طارق الدكتور أحمد هيكل، ويبني شكّه على: أن طارقاً بربري حديث عهد بالإسلام والعربية، لأنه لم يرتبط بموسى بن نُصير إلاّ عندما ولى هذا الأخير قيادة المغرب سنة تسع وثمانين الهجرية، وبين هذا التاريخ وتاريخ الفتح في سنة اثنتين وتسعين الهجرية مدّة وجيزة، يُستبعد معها أن يجيد طارق العربية، بحيث تسمح له بإلقاء الخطب ونظم الشعر.
كما أن المصادر الأولى، عربية وأندلسية، قد سكتت عن هذه الخطبة، ولم تُشر إليها، ولا تنص عليها سوى المصادر المتأخرة كثيراً عن الفتح، مثل نفح الطيب.
стр. 255
ثمّ إن أسلوب الخطبة، بما فيه من الصنعة والزُّخرف، لا ينتسب إلى عصر طارق الأدبي، وإنما إلى عصر متأخر جداً عن القرن الأول. ولذلك يرى أن هذه الخطبة هي أقرب إلى خصائص أواخر العصر العباسي وربما إلى ما بعد ذلك.
كما أن ورود هذه العبارة في الخطبة: "وقد اختاركم أمير المؤمنين من الأبطال عرباناً"، مما يزيد من حظ الشك ويقوي الارتياب، لأن الجنود لم يكونوا عرباً، بل كانوا برابرة.
واعتماداً على هذه الأدلة الأربعة، يخلص الدكتور أحمد هيكل، إلى حكم؛ يرجّح فيه أن تكون الخطبة وضعت على لسان طارق من بعض الرواة المتأخرين كثيراً عن الفتح، والمتأثرين كثيراً بأسلوب أواخر العصر العباسي، وربما العصر المملوكي.
ويرى بعد ذلك، أن طارقاً قد يكون خطب جنوده، وقد يكون قد تغنى انتصاراته مفاخراً مباهياً، ولكن المعقول أن يكون فعل ذلك بلغته البربرية، التي كان يجيدها، والذي كان جنوده يفهمونها (١).
ويرتاب في نسبة هذه الخطبة إلى طارق، الدكتور عبد الرحمن علي الحجي، ويبني شكّه على: أن تعرض القليل جداً من مؤرخينا الأندلسيين المتأخرين - دون المتقدمين - للخطبة، قد يشير إلى عدم شيوعها وعدم معرفة المؤرخين لها، وهو أمر يمحو أو يقلل الثقة بواقعيتها. كما لم تذكر المصادر الأندلسية، لا سيما المبكرة منها، هذه الخطبة. ولم تكن الخطبة بما فيها في أسلوب ذلك العصر (القرن الأول الهجري)، وغير متوقع لقائد جيش أن يعتني بهذا النوع من الصياغة. والمعاني التي تناولتها الخطبة لا تتلاءم والروح الإسلامي العالية، التي توفرت لدى الفاتحين، ومقدار حبهم للإسلام وإعلاء كلمته، ورغبتهم في الاستشهاد من أجل ذلك .......
стр. 256
ويلاحظ في الخطبة عديد من الأخطاء، ويلاحظ بها التناقض في المعاني، وبعض ما فيها مخالف لحقائق تاريخية، كاستعمال: (اليونان) التي ربما جاء ذكرها للسّجع، فالمؤرخون الأندلسيون اعتادوا أن يستعملوا في هذه المناسبة القوط أو الرّوم (١)، وكذلك: العلوج والعجم، أو المشركين والكفار (٢)، وليس لدينا نص يحتوي على مثل هذا الاستعمال. ثم: "وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين ... " (٣)، فالذي انتخبهم موسى بن نصير وليس الوليد.
وكان المتوقع أن تحتوي الخطبة على آيات من القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأمين ﷺ ، أو وصايا وأحداث ومعاني إسلامية أخرى، تناسب المقام، كالمعهود (٤)، ثم إن طارقاً وأكثر الجيش كانوا من البربر، مما يجعل من المناسب أن يخاطبهم بلغتهم، إذ من المتوقع ألّ تكون لغتهم العربية قد وصلت إلى مستوى عالٍ (٥). كما أن وضوح تنافي الجُمل الأخيرة من الخطبة: "ولم يعوزكم بطل عاقل "، "واكتفوا إليهم من فتح هذه الجزيرة بقتله ... "، وأسلوب الفتح وحقيقته وأهدافه، فضلاً عن مجانبتها لخططه العسكرية ودقتها التنظيمية ومطالبها الفنية، دليل أن طارقاً لم يقل هذه الخطبة.
ويرى بعد ذلك، أن كل ما تقدم، لا يمنع أن يكون طارق جيد الكلام، وأنه خطب جنده، يحثهم على الجهاد (٦).
ويرتاب الدكتور أحمد بسّام السّاعي في نسبة هذه الخطبة إلى طارق بن
стр. 257
زياد، فيرى: أن أسلوبها ليس أسلوب ذلك العصر - سنة اثنتين وتسعين الهجرية - أي أواخر القرن الأول الهجري، فالسّجع الذي انتظم كثيراً في عباراتها، والذي كان يتتالى على مدى خمس جُمل أحياناً، لم يعرفه العرب في أساليب تلك المدة الزمنية. ثم إن طارق بن زياد، كان أول عهده بالإسلام والعربية عام تسع وثمانين للهجرة، وهو العام الذي استولى فيه موسى بن نصير على المغرب، فاستولى الإسلام على قلوب أهلها، واستولت لغته العربية على ألسنتهم، فهل يُعقل أن يكون قد اكتسب في هذه السنوات الثلاثة اللسان العربي الفصيح والملكة البلاغية الرفيعة التي تؤهله لإلقاء مثل هذه الخطبة التي احتلت تلك المكانة الرفيعة بين خطب فصحاء العرب؟ أما العربان الذي ذكرهم طارق في خطبته: (وقد انتخبكم الوليد من الأبطال عرباناً)، فلم يكونوا في حقيقة الأمر، وتبعاً للمصادر التاريخية الموثقة، عرباناً، بل كان معظم أفراد الجيش الذي جهز منه طارق حملته من برابرة المغرب. وإذاً، فلا بد من الوقوف وقفة شك كبير أمام هذا التنافر بين الواقع التاريخي بجوانبه المتعددة، وواقع الخطبة التي بين أيدينا.
ومما يزيد هذا الشك رسوخاً، تلك الحقيقة التاريخية التي عُرفت عن الجيوش الإسلامية عامة - ولاسيما في تلك القرون الأولى من حملات الإسلام - وهي أن هذه الجيوش لم تكن تغزو للغزو والغنائم التي ينالها الغزاة عامة، بل كانت تغزو في سبيل فكرة وعقيدة.
ثم يقول: " ... ومع ذلك، فنحن لا نملك أن نجزم بأنها ليست لطارق بن زياد حقاً" (١).
وكان بطرس البستاني، قد شكك في نسبة هذه الخطبة إلى طارق، فهو يرى أن طارقاً كان فارسي الأصل متعرِّب لا بربري، حديث العهد بالعربية والإسلام، وأنّه كان حسن الكلام، فما هو تأثير خطبته في جيش من البرابرة
стр. 258
يجهل العربية في مجموعه، ولم يزل على طفولته في الدين الجديد، تعني فئة قليلة من العرب بتعليمه القرآن وفرائض الإسلام كما يتعلمها كل شعب غريب إذا أسلم وكان يجهل العربية. ولا يبعد أن يكون فيه من البرابرة الذين لم يتركوا دينهم القديم، وإنما هم مرتزقة حاربوا مع المسلمين رغبة في الغزو والغنيمة .....
ومما يحمل على الشك في خطبة طارق قوله لجيشه: "وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك من الأبطال عرباناً"، فجمعُ العربان ليس من اللغة الفصحى، ولا يصح أن ينطق به خطيب في صدر الإسلام. ثم كيف يجعلهم عرباً وهم ... من البرابرة، ليس فيهم إلاّ ثلاثمائة من العرب؟ فلا يعقل أن يتوجه بخطبته إلى الفئة القليلة دون السواد الأعظم، والبرابرة أحوج من العرب المسلمين إلى التحضيض والإغراء.
ثم يقول: "فالخطبة كما يتبين لنا مصنوعة .... ، فما ينبغي الركون إليها ولو أثبتها بعض المؤرخين" (١).
تلك هي موجز أمثلة من آراء الرافضين من العرب المسلمين وغير المسلمين أيضاً، ذكرناها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، وهي في نقاطها الجوهرية تضرب على وتر واحد، تكاد تتفق في المعاني وتختلف في الألفاظ.
ثانياً: القبول:
تصدى الأستادْ عبد الله كنّون مفنِّداً بعض أدلة الرافضين، ومجمل ما ذكره: إنّ طارقاً البربري، نشأ في حصن العروبة والإسلام، فأبوه هو الذي أسلم بدليل اسمه: (زياد) ولا شك أنه كان من مسلمة الفتح المغربي الأول، وانتقل إلى المشرق حيث نشأ ولده في كنف موسى بن نُصير. ولا غرابة في نبوغ طارق البربري في العربية، فقد نبغ فيها أمثاله كعِكْرِمة البربري وسلمان
стр. 259
الفارسي. وليس في الخطبة من الصنعة البيانية ما يمنع نسبتها لطارق، لأن بلاغتها في معانيها، والمعاني ليست وقفاً على عربي ولا عجمي.
ثم يضيف: نعم قد تكون الخطبة تعرّضت لبعض التصرف بالزيادة أو النقصان من الرواة، غير أن هذا لا يسوّغ نفي أصل الخطبة، وليس بحجة للتشكيك في نصّها الكامل (١).
ويردّ الدكتور عبد السلام الهرّاس على الدكتور أحمد هيكل فيذكر: أنه لا يشاطر الدكتور هيكل في حكمه الذي بناه على حيثيات لا يعتمد البعض منها إلاّ على افتراضات، والبعض الآخر يعتمد على أساس النص الوارد في: نفح الطيب. فكون طارق مثلاً حديث عهد بالإسلام، لم يتصل بموسى بن نصير إلاّ عند تولية هذا قيادة المغرب سنة تسع وثمانين الهجرية - أمر لا يمكن التسليم به، لأن طارقاً ابن لمسلم وهو زياد، وحفيد لمسلم وهو عبد الله، حسبما ذكره ابن عذاري في نسبه، فله على الأقل أبوان في الإسلام، وهكذا لم يعد هذا القائد البربري حديث عهد بالإسلام، ولم تعد المدّة التي قضاها في الإسلام لا تتعدى ثلاث سنوات. ومالنا لا نفترض - وهو أقرب إلى المعقول - أن أباه - وجدّه هو الذي كان في المشرق - فنشأ الابن والحفيد في بيئة عربية صرف، أتاحت له حذق لغتها والنبوغ فيها، والفوز بثقة بلاط دمشق ليتولى مكانة مرموقة في الدولة الأموية، مما أهّله لقيادة جيش الفتح. ثم إنّ أحداً من القدماء لم يقل بأن طارقاً خطب بالبربرية، أو نفى الخطبة بالعربية. أما كونها لم ترد إلاّ في المصادر المتأخرة كثيراً، كنفح الطيب، فليس الأمر كذلك، إذ وردت في مصادر أقدم بكثير من عصر المقري، فقد أوردها ابن خلِّكان وهو من القرن السابع الهجري، ووردت في تحفة الأنفس لابن هذيل وهو من القرن الثامن الهجري، وأهم من هذا أن صاحب الإمامة والسياسة قد أثبتها وهو من رجال القرن الثالث الهجري، كما وردت قطعة منها في كل
стр. 260
من: (ريحانة الألباب) للمواعيني (توفي ٥٧٥ هـ=١١٦٨ م)، وكتاب: (استفتاح الأندلس)، لعبد الملك بن حبيب (١).
وقد أضاف الشيخ عبد الله كنّون إلى المصادر الخمسة التي ذكرت خطبة طارق في صفحاتها والتي ذكرها الدكتور عبد السلام الهرّاس مصدراً جديداً، فذكر أنه يضيف إلى هذه المصادر مصدراً آخر لا يقل عن: ابن خلكان، تثبتاً وتحرِّياً وثقة، وهو من أهل القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجريين؛ الإمام أبو بكر الطرطوشي، صاحب كتاب: (سراج الملوك). وقد ذكر خطبة طارق غير شاعر بأدنى شك في صحة نسبتها إليه، وأورد طرفاً منها في الباب الحادي والستين من كتابه المذكور، الذي عقده لذكر الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها (٢).
وأضاف الأستاذ عبد العزيز الساوري مصدراً سابعاً إلى المصادر المذكورة، هو كتاب: صلة السِّمط وسمة المرط في شرح سمط الهدى في الفخر المحمّدي، للمؤرخ التونسي محمد بن على بن محمد الشباط المصري التوزري، الذي عاش في القرن السابع الهجري، وتُوفي بمدينة توزر سنة إحدى وثمانين وستمائة الهجرية (١٢٨٢ م). فقد ذكر هذا العالم الحجة خطبة طارق مسلِّماً غير شاعر بأدنى شك في صحة نسبتها إليه (٣).
وأستطيع أن أذكر، بعض ما يمكن أن يعتبر رداً عملياً على الرافضين نسبة خطبة طارق إليه، فمن الواضح أن طارقاً لم يتصل بموسى بن نصير سنة تسع وثمانين الهجرية، بل لابد أن يكون اتصاله به قبل ذلك، فأبو طارق وجدّه
стр. 261
مسلمان، وقد عاش في بيئة إسلامية، ومثل هذه البيئة لها صلة مباشرة قوية بالعربية الفصحى تكلّماً وتعلّماً. وحتى في هذه الأيام، في القرن الخامس عشر الهجري لا نجد بيئة إسلامية شرقاً وغرباً، إلاّ فيها مَنْ يُتقن العربية الفصحى، فإذا أضفنا أن والد طارق وجده مسلمان، في أيام الفتوح والاتصال المباشر بين الأقوام والأمم، تحت ظل الإسلام، فلا نستبعد أن والد طارق وجده انتقلا إلى بلاد العرب، وكان معهما طارق، فأتقن العربية الفصحى. وحتى لو لم ينتقل إلى المشرق، فإن إسلامه يشجعه على قراءة القرآن وتفهم الحديث وأقوال الدعاة العرب المسلمين، فكثير ممن نراهم في الهند وباكستان والاتحاد السوفياتي مثلاً، ممن يتقنون العربية الفصحى، لم ينتقلوا إلى البلاد العربية، بل تعلموا العربية الفصحى في عقر دارهم. وأذكر أنني كنت في زيارة رسمية للباكستان سنة (١٣٨٤ هـ-١٩٦٤ م)، فصلّيت الجمعة في مسجد كراجي الكبير، وكان خطيب الجامع يخطب بالعربية الفصحى، ولم يخطب بالأوردية اللغة المحلية، فقيل للخطيب: (لماذا لا تخطب بلغة قومك؟)، فقال: (لا أخطب بغير لغة القرآن ولغة النبي ﷺ ، فما يدرينا أن طارقاً خطب بالعربية الفصحى في مثل ذلك الموقف العصيب، الذي يكون فيه المرء أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، وهو يوقن بأن النصر من عند الله، فهو بهذه النية يخطب بهذه اللغة تبركاً وتقرباً إلى الله ورسوله.
وقد عملت في الجندية ردحاً طويلاً من الزمن، وخطبت الضباط والجنود في الوحدات الصغرى والوحدات الكبرى بالتدريج، حسب تقدمي رتبةً ومنصباً. وكثيراً ما كانت الوحدة التي أقودها مؤلفة من غير العرب، كالأكراد مثلاً، فكنت ألقي خطابي بالعربي، وأضع مع مَن لا يفهم العربية مَن يترجم لهم كلامي نصّاً وروحاً، وهذا ما فعله طارق حين خطب بالعربية الفصحى في رجاله البربر، فلم ينس أن يجعل بينهم مَن ينقل إليهم كلماته، وليس ذلك صعباً بل هو سهل ميسور.
стр. 262
وكانت الحماسة للإسلام في البربر عظيمة جداً، وأكبر دليل على ذلك إنجازهم الرائع في الفتوح واستقتالهم في ميدان القتال، والاستقتال عادة يكون من أجل العقيدة. والحماسة العربية الفصحى متساوقة مع الحماسة للإسلام، لأن العربية الفصحى لغة الدين الحنيف، فلا يستغرب إقبال البربر على تعلم العربية الفصحى بحرص واندفاع، ليتفهموا القرآن وتعاليم الدين، وطالما رأينا مسلمين من غير العرب، يفهمون العربية ولا يحسنون الكلام بها، ومن الممكن أن يكون مسلموا البربر يومئذ كذلك.
ولا أدري إلى متى يبقى المؤرخون العرب والمسلمون، يثقون بما يقوله الأجانب أكثر من ثقتهم بما يقوله أبناء أُمتهم ودينهم؟
وفي دراستي لطارق بن زياد وفتح الأندلس، وهي هذه الدراسة التي تقرأ في هذا البحث، اكتشفت أن قسماً من مؤرخي الأجانب ادّعوا أنّ يليان شخصية أسطورية لا وجود لها في الواقع، فتابعهم في ذلك بعض مؤرخي العرب والمسلمين. وأخيراً جاء مَنْ يثبت، أن يليان شخصية حقيقية لا مجال للشك ولا للتشكيك فيها، فتابعهم في ذلك بعض مؤرخي العرب أيضاً، ورجع مَنْ بقي منهم على قيد الحياة عن متابعتهم الأولى!!!
ويزعم بعض مؤرخي الغرب من الأجانب، أن قصة اعتداء لذريق، على عفاف ابنة يليان وأثر ذلك في يليان من ناحية التعاون مع موسى بن نُصير وطارق بن زياد في فتح الأندلس، قصة أسطورية لا نصيب لها في الواقع، فتابعهم في ذلك كثير من مؤرخي العرب والمسلمين، مع أن القصة لا يُستغرب حدوثها قديماً وحديثاً، ولا أدري كيف يصدِّق مؤرخو العرب والمسلمين تشكيك المؤرخين الأجانب، ويكذِّبون المصادر العربية الإسلامية المعتمدة دون مسوِّغ منطقي معقول!!
بل لا أدري كيف يتابع قسم من مؤرخي العرب والمسلمين، ويقتبسون مزاعم قسم من المؤرخين الأجانب، وبخاصة ممن ثبت انحرافهم وتحريفهم، وثبتت عداوتهم العربية لغةً والإسلام ديناً، ولا يتابعون
стр. 263
المؤرخين العرب والمسلمين، فيقتبسون حقائقهم الثابتة، وبخاصة ممن ثبتت استقامتهم وعدلهم، وثبت إخلاصهم للعربية لغةً والإسلام ديناً!!
والمؤرخون العرب والمسلمون حقاً، يرصدون مؤتمرات: إعادة كتابة التاريخ، لقسم من البلاد العربية، فلا يُدعى إلى تلك المؤتمرات غير المستشرقين المنحرفين المحرِّفين المعروفين بعداوتهم للعربية لغةً والإسلام ديناً، وغير المستغربين المقلِّدين للمستشرقين، من مؤرخي العرب والمسلمين الذين لا صلة لهم بالعربية لغة والإسلام ديناً، وصلتهم بالمستشرقين المنحرفين المحرِّفين صلة عضوية أنستهم مؤرخي العرب والمسلمين القُدامى والمحدثين.
والتقيت أحدهم في المجمع العلمى العراقي، فسمعته يُباهي بإصدار مؤتمرهم مجلدات في التاريخ، فقلت له: (لقد أضفتم مجلدات جديدة إلى مجلدات كايتاني، فاتقوا الله في العرب والمسلمين يا أبناء العرب والمسلمين).
ومن المذهل حقاً، أن نجد من يشايع المنحرفين من المستشرقين في انحرافهم من مؤرخي العرب والمسلمين، ومن يوافقهم منهم على تحريفهم، يفخرون بالانحراف والتحريف، ما دام قادماً من الأجنبي، وكأن ذلك علامة من علامات التحرر وسِمة من سِمات الانطلاق، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
إنني مع الذين ينسبون هذه الخطبة لطارق، على الذين يرفضون نسبتها إليه، أو يشكون في نسبتها إليه، أو يشككون في نسبتها إليه، لأن الأدلة مع من ينسبون هذه الخطبة لطارق، على الذين يرفضونها. كما أعلم منزلة الذين ينسبون هذه الخطبة لطارق صدقاً واستقامة وعلماً وتثبّتاً، فما ينبغي رفض ما يقولون دون مسوّغ، وبخاصة إذا علمنا أن الذين شكوا في تلك الخطبة أو شكلوا بها ابتداءاً من المؤرخين الأجانب، ثم سرى شكهم وتشكيكهم إلى مؤرخي العرب والمسلمين بحسن نيّة أو بسوء نيّة، فما ينبغي أن نصدّق كل
стр. 264
مستورد من الخارج، وإلاّ خسرنا كل شيء دون أن نربح شيئاً.
إن الاستعمار الفكري من أخطر أنواع الإستعمار، ولم نفعل شيئاً إذا لم نطهِّر عقولنا ونفوسنا معاً منه إلى الأبد.
стр. 265
ثالث اً. في المصادر والمراجع:
(أ) في المصادر:
(١)
نص ابن حبيب
عبد الملك بن حبيب الألبيري (ت ٢٣٨ هـ)
في كتابه استفتاح الأندلس
روى بعض أصول الخطبة المعروفة حالياً، فقال: (فلما بلغ طارقاً دنوُّه منه، قام في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم حضّ الناس على الجهاد، ورغبهم في الشّهادة، ثم قال:
"أيها الناس، أين المفر؟ والبحر من ورائكم، والعدو أمامكم؟ فليس لكم والله إلاّ الصدق والصبر، ألا وإني عامد إلى طاغيتهم بنفسي، لا أقصر حتى أخالطه أو أقتل دونه" (١).
(٢) نص ابن قُتَيبة (ت ٢٧٦ هـ)
في كتابه
الإمامة والسياسة (٢)
فلما بلغ طارقاً دنوُّه (أي لذريق) منهم، قام في أصحابه، فحمد الله، ثم حضّ الناس على الجهاد، ورغّبهم في الشّهادة، وبسط لهم في آمالهم، ثم
стр. 266
قال:
"أيها الناس، أين المفر، البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، فليس ثمّ والله إلاّ الصدق والصبر، فإنهما لا يُغلبان، وهما جندان منصوران، ولا تضرّ معهما قِلَّة، ولا تنفع مع الخور والكسل والفشل والاختلاف والعجب كثرة. أيها الناس، ما فعلت من شيءٍ فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، ثمّ كونوا كهيئة رجل واحد في القتال. ألا وإني عامد إلى طاغيتهم بحيث لا أتهيّبه حتى أُخالطه أو أقتل دونه (١)، فإن قُتلت فلا تهنوا ولا تحزنوا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، وتولوا الدّبر لعدوِّكم، فتبدّدوا بين قتيل وأسير. وإياكم أن ترضوا بالدنيّة، ولا تعطوا بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة، والراحة من المهنة والذلّة، وما قد أُجِّل لكم من ثواب الشهادة، فإنكم إن تفعلوا والله معكم ومعيذكم تبوؤون بالخسران المبين، وسوء الحديث غداً بين مَن عرفكم من المسلمين. وها أنا ذا حامل حتى أغشاه، فاحملوا بحملتي " (٢)، فحمل وحملوا.
(٣)
نص أبي بكر الطرطوشي (ت ٥٢٠ هـ)
في كتابه
سراج الملوك
ذكر هذا العالم الحجة خطبة طارق، مسلِّماً لها، غير شاعر بأدنى شك في صحة نسبتها إليه. وأورد طرفاً منها، وذلك في الباب الحادي والستين من كتابه المذكور، الذي عقده لذكر الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها (٣).
стр. 267
وهذا هو نص الخطبة في هذا الكتاب.
ولما عبر طارق مولى موسى بن نُصير إلى بلاد الأندلس ليفتحها، وموسى إذ ذاك بإفريقية، خرجوا في الجزيرة الخضراء، وتحصنوا في الجبل الذي يسمى اليوم: (جبل طارق)، وهم في ألفٍ وتسعمائة رجل، فطمعت الرّوم فيهم. فاقتتلوا ثلاثة أيام، وكان على الرّوم تدمير، استخلفه لذريق ملك الرّوم، وكان قد كتب إلى لذريق يُعلمه: أنّ قوماً لا ندري أمن الأرض أم من السّماء قد وصلوا إلى بلادنا، وقد لقيتهم، فانهض إليّ بنفسك. فأتاه لذريق في تسعين ألف عنان، فلقيهم طارق وعلى خيله مُغِيث الرُّومي مولى للوليد بن عبد الملك، فاقتتلوا ثلاثة أيام أشد قتال. فرأى طارق ما الناس فيه من الشدة، فقام فحضّهم على الصبر، ورغّبهم في الشهادة، وبسط آمالهم، ثمّ قال: "أين المفر، البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، فليس إلاّ الصبر منكم والنصر من ربكم. وأنا فاعل شيئاً، فافعلوا كفعلي، فوالله لأقصدنّ طاغيتهم، فإمّا أن أقتله، وإما أن أُقتل دونه .. " (١).
стр. 268
(٤)
نص أبي محمد بن إبراهيم (ابن خيرة) المراعيني
الأشبيلي (ت ٥٦٤ هـ)
في كتابه
ريحان الألباب وريعان الشباب
في مراتب الآداب (١)
ولما أجاز طارق البحر، وعظ أصحابه وأمرهم (٢) وقال: إنكم بين عدوين: بين أهل الكفر، وبين البحر، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً. وأحرق سفن الجواز ... (٣) فلما أشرف على جمعهم، قال لأصحابه:
"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. وإنني مصمِّم بنفسي نحو طاغيتهم، حتى يحكم الله بيني وبينه، وقد فرض الله الواحد منكم للعشرة، فاحملوا كما أمركم الله ينصركم: ((إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ)) (٤)، وحمل المسلمون يكبرون الله ... " (٥)، وبعد هذا يقول: (قال عبد الملك بن حبيب: دخل الأندلس من التابعين زهاء عشرين رجلاً).
стр. 269
وقد بذلت غاية الجهد للحصول على نص خطبة طارق كما هي مسجلة في ريحان الألباب الخطي، واتصلت بالسفير المغربي ببغداد، وكتبت عدة رسائل للمسئولين في المغرب، دون جدوى عدا استجابة الدكتور عبد الهادي التازي مشكوراً. وأخيراً بعد انتظار استمر أكثر من سنة أسعفني الأخ الدكتور عبد السلام الهراس بدراسته عن خطبة طارق، فتسلمت هذه الدراسة، بعد أن فُقدت النسخة الأولى التي بعث بها إليّ بالبريد أو حجبت عني عمداً، والله أعلم، فانتفعت بهذه الدراسة كثيراً، وكان المفروض أن أحظى بنص كتاب المراعيني من المغرب إشاعة للعلم ومعاونة العلماء للباحثين، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
стр. 270
(٥)
نص ابن خلكّان (ت ٦٨١ هـ)
في كتابه
وفيّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فلما نزل طارق من الجبل بالجيش الذي معه، كتب تُدْمِير إلى لذريق الملك، أنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري من السماء هم أم من الأرض، فلما بلغ ذلك لذريق، رجع عن مقصده في سبعين ألف فارس، ومعه العَجَل يحمل الأموال والمتاع، وهو على سريره بين دابتين عليه قبّة مكلّلة بالدّر والياقوت والزبرجد. فلما بلغ طارقاً دنوُّه، قام من أصحابه، فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ حثّ المسلمين على الجهاد، ورغبهم في الشهادة، ثمّ قال:
"أيها الناس، أين المفر، والبحر من ورائكم والعدو أمامكم؟ فليس لكم والله إلاّ الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللِّئام. وقد استقبلكم عدوّكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وَزر لكم غير سيوفكم، ولا قوت لكم إلاّ ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم. وإن امتدّت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهبت ريحكم، وتعوّضت القلوب برعبها منكم الجراءة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية (١)، فقد ألقت به إليكم مدينته المحصّنة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم بأنفسكم للموت، وإني لم أحذركم أمراً أنا عنه بنَجْوة، ولا حملتكم على خطّة أرخص
стр. 271
مُبتاع فيها النفوس إلاّ وأنا أبدأ فيها بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقّ قليلاً، استمتعتم بالأرفه الألذَ طويلا، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظّكم فيه بأوفر من حظِّي. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان، الرافلات في الدّر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان. وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك من الأبطال عرباناً (١)، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم لمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظّه معكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، ويكون مغنمها خالصاً لكم من دونه ومن دون المسلمين سواكم، والله تعالى وليُّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين. واعلموا أني أوّل مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره، ولن يعوزكم بطل عاقل تسندون أمركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهَمَّ من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يخذلون" (٢).
стр. 272
(٦)
نصّ ابن الشباط (ت ٦٨١ هـ)
محمد بن علي بن محمد بن الشباط المصري التوزري
في كتابه صلة السّمط وسمة المرط في شرح سمط الهدى
في الفخر المحمّديّ
ذكر هذا العالم الحجة خطبة طارق، مسلِّماً لها غير شاعر بأدنى شكّ في صحّة نسبتها إليه، وأوردها في النصّ الذي عقده لذكر فتح الأندلس في كتابه المذكور.
إلاّ أنه يجب أن أشير مسبقاً، إلى أن هناك اختلافاً يسيراً ما بين نصّ هذا العالم ونصّ ابن قُتَيْبَة في: الإمامة والسياسة، وهو اختلاف بسيط لا يخرج عن دائرة اللغة، وهذا هو النصّ:
( ....... ولما بلغ طارقاً دنوُّه منهم، قام في أصحابه خطيبًا (١)، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ حضّ الناس على الجهاد ورغَّبهم في الشهادة، وبسط من آمالهم، ثم قال:
(أيها الناس، إلى أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو من (٢) أمامكم، وليس والله إلاّ الصدق والصبر، فإنهما لا يُغلبان، وهما جندان منصوران، لا تضرّ معهما قِلّة، ولا تنفع مع الخور والكسل والفشل والاختلاف والعجب كثرة. أيها الناس، ما فعلت من شيءٍ فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، وكونوا كهيئة رجل واحد في القتال. ألا وإني عامدٌ إلى طاغيتهم لا أتهيّبه، حتى أخالطه أو أُقتل دونه، فإن قُتلتُ فلا تهنوا ولا تنازعوا
стр. 273
فتفشلوا وتذهب ريحكم، وتُولّوا الدّبر عدوّكم، فتبدّدوا بين قتيل وأسير، وإياكم أن ترضوا بالدنيّة، ولا تعطوا بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة والرحمة من الذلّة والمهنة، وما قد أجّل لكم من ثواب الشهادة، فإنكم إن تفعلوا والله معيذكم، تبوءون بالخسران المبين وسوء الحديث غداً بين مَن عرفكم من المسلمين. وها أنذا حامل حتى أغشاه، فاحملوا لحملتي)، ثم حمل وحملوا، فلما غشيهم اقتتلوا قتالاً شديداً، فقُتل الطاغية، وهُزم قومه (١).
(٧)
نصّ ابن هُذَيْل (ت ٧٦٣ هـ)
علي بن عبد الرحمن بن هُذَيْل
في كتابه
تحفة الأنفس وشعار أهل الأندلس
نقلاً عن كتاب: محمد عبد الله عِنَان (٢) - دولة الإسلام في الأندلس
"أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدوّ أمامكم، وليس لكم والله إلاّ الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللّئام. وقد استقبلكم عدوّكم بجيوشه وأسلحته، وأقواته وفورة، وأنتم لا وَزَرَ لكم إلاّ سيوفكم، ولا أقوات لكم إلاّ ما تستخلصونه من أيدي عدوِّكم، وإن امتدّت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهبت ريحكم، وتعوّضت القلوب عن رعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن
стр. 274
أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم، بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن، إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم على خطة أرخص متاعاً فيها النفوس، أبدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً، استمتعتم بالأرفه الألذّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظّكم فيه بأوفى من حظّي. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان، الرافلات في الدّر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقبان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عرباناً، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقة منه بارتياحكم للطِعان واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظّه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصة لكم من دونه، ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى وليّ إنجازكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين. أيها الناس، ما فعلت من شيءٍ فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، وإني عامد إلى طاغيتهم بحيث لا أتهيبه حتى أخالطه أو أقتل دونه، فإن قُتلتُ فلا تهنوا ولا تحزنوا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، وتولّوا الدبر لعدوّكم فتبددوا بين قتيل وأسير. وإياكم إياكم أن ترضوا بالدنية، ولا تعطوا بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة والراحة من المهنة والذلّة، وما قد أحلّ لكم من ثواب الشهادة، فإنكم إن تفعلوا، والله معكم ومعيذكم تبوءوا بالخسران المبين، وسوء الحديث غداً بين مَن عرفكم من المسلمين، وها أنا حامل حتى أغشاه، فاحملوا بحملتي " (١).
стр. 275
(٨)
نصّ المقَّرِي (ت ١٠٤١ هـ)
أحمد بن محمد المقّري التِلمِساني
في كتابه
نفح الطيب
من غُصن الأندلس الرّطيب
فلما بلغ طارقاً دنوُّه، قام في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم حثّ المسلمين على الجهاد، ورغّبهم، ثم قال:
"أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدوّ أمامكم، وليس لكم والله إلاّ الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللِّئام. وقد استقبلكم عدوّكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وَزَرَ لكم إلاّ سيوفكم، ولا أقوات إلاّ ما تستخلصونه من أيدي عدوّكم، وإن امتدّت الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمراً ذهبت ريحكم، وتعوّضت القلوب من رُعبها منكم الجراءة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإنّ انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أُحذّركم أمراً أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم على خُطة أرخص متاع فيها النفوس (إلاّ وأنا) (١) أبدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقّ قليلاً، استمتعم بالأرفهِ الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه
стр. 276
بأوفى من حظي. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان، من بنات اليونان، الرافلات في الدّر والمرجان، والحُلَل المنسوجة بالعِقْيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من المؤمنين عُرباناً، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مَغْنَمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم. والله تعالى وليّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً لكم في الدارين، واعلموا أني أوّل مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند مُلْتَقى الجمعين حامل على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي، فإن هلكتُ بعده فقد كفيتكم أمره، ولم يعْوزكم بطلٌ عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكتُ قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهم من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يُخْذلُون" (١).
تلك هي ثمانية مصادر معتمدة، سجلت خطبة طارق، ونسبتها إليه، دون أن تشك في نسبتها أو تشكك في نسبتها إلى طارق، وليس كما ادعى قسم من المستشرقين والمستغربين، أن المقّري في: نفح الطيب، هو وحده الذي سجلها: "أقدم مصدر للخطبة، فيما نعلم، كتاب المقّري المتوفي سنة (١٠٤١ هـ)، أي بعد أكثر من تسعة قرون من تاريخ الخطبة، وهو زمن أخطر من أن يُستهان به" (٢)، إذ تبين لنا أن الذين سجلوها فعلوا ذلك قبل صاحب نفح الطيب بأكثر من تسعمائة سنة ابتداء من سنة (٢٣٨ هـ) كما ورد في هذه الدراسة.
стр. 277
ولا أدّعي أنّني استطعت تسجيل المصادر المعتمدة كافة التي سجلت الخطبة، فهذا ما أتمنى أن يفعله غيري من الباحثين بإذن الله، وقد اعتمدت في تسجيل نصوص الخطبة على باحثين سبقوني، وقد أشرت إلى أسمائهم وأسماء مؤلفاتهم ومقالاتهم ليعود الفضل إلى أصحاب الفضل، وسأعود إلى ذكرهم في الحديث عن المراجع الحديثة التي نسبت الخطبة إلى طارق ودافعت عن هذه النسبة إلى طارق.
وقبل أن أختتم الحديث عن الخطبة في المصادر، أريد أن أركِّز على نقطتين:
وردت كلمة: (عرباناً) في نص: ابن خلكان، ونص ابن الشباط، ونص المقري، وقد وردت في بعض النسخ بالزاي المعجمة (عُزْبان: جمع عَزَب)، وعلى هذا الوجه ينتفي الشك الذي أثاروه، فقالوا: (لم يكونوا عرباناً، بل كانوا برابرة). وحتى لو بقيت كما هي، فلا تدل على النسب العربي بقدر دلالتها على الفخر بهذا النسب، الذي قصده طارق، بنسبه هؤلاء البربر إلى العرب رفعاً لمعنوياتهم وأقدارهم، باعتبار أن العرب يومئذ هم الدعاة والحماة والخلفاء والقادة والمجاهدون والفاتحون، وكل إنسان يحب أن ينتسب إليهم، ليحظى بهذه المكانة الرفيعة.
ومن المدهش حقاً، أن البربر - على الرغم من محاولات الاستعمار الحديث - لا يؤلمهم أن يقال عنهم: إنهم عرب، بل يؤلمهم أن يقال عنهم: إنهم ليسوا عرباً. (١)
وهناك أدلة كثيرة على أن العرب والبربر من أرومة واحدة، يلتقون بأنسابهم وأحسابهم بالعرب الأقدمين، وبأمهم الرءوم: جزيرة العرب. (٢)
وأساليب البلاغة العربية كثيرة، فإذا قال قائد لرجاله: أنتم أسود، تقوية لمعنوياتهم، وحثاً لهم على الثبات، فقد لا يفهم غير العربي مثل هذا التعبير،
стр. 278
لأنه لا يفهم العربية، أما ألاّ يفهم العربي مثل هذا التعبير، فالأمر مختلف جداً. وكذلك بالنسبة لتعبير: (عرباناً) التي وردت في خطبة طارق، فإذا عجز غير العربي عن فهم هذا التعبير كما ينبغي، وفهمه بمعناه اللّفظي لا بمعناه المجازي، فله ما يسوّغ هذا العجز عن الفهم، أما العربي، فلا مسوّغ له بمتابعة من لم يفهم، وهو الذين يجب أن يفهم.
ومع ذلك، فإن الذين لم يفهموا هذا التعبير أو فهموه، قد بالغوا كثيراً في استنتاج أن الخطبة ليست لطارق، استناداً على كلمة: (عرباناً)، فليس من السهل ردّ الحقائق بالظنون.
وإذا كان فتح المسلمين، لبلد من بلاد النصارى، كبلاد الأندلس مثلاً، وبقاؤهم فيه قروناً طويلة - كما هو معروف - حافزاً للمستشرقين من غير المسلمين على تصيُّد ما يستطيعون، به الشك والتشكيك في تاريخ الفتح الأندلسي وتاريخ المسلمين في الأندلس، فما الحافز للمسلمين في تقليد الشاكِّين والمشكِّكين؟؟
ومن غير المعقول أن نطبِّق الأفكار الشائعة في هذا القرن حول التفرقة بين الأقوام، على القرن الهجري الأول، الذي ساد فيه الإخاء الإسلامي، وأصبح التفاضل بين الأفراد بالتقوى لا بالنسب فلا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى، فما أراد طارق بتعبير: (عرباناً) نسباً، بل أراد غير ذلك، وعلى الباحث دراسته كما كان لا كما يريده أن يكون، ليستخلص الواقع ويبتعد عن الخيال.
تلك هي النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية، فهي أن أسس خطاب طارق واحدة في النصوص الثمانية التي سجلتها المصادر المعتمدة الثمانية، ولكنّها تختلف في بعض الكلمات وبعض التعابير بما لا يمسّ بأسس معاني الخطاب، كما تختلف في حجم الخطاب طولاً وقصراً، والظاهر أن قسماً من المؤلفين سجّلوه حرفياً دون أن يختصروا منه شيئاً، وقسماً منهم سجّلوا أبرز ما ورد في الخطاب من
стр. 279
جُمل، وحذفوا ما بقي منه، وبخاصة الجمل ذات المعاني العامة الشائعة التي يكثر ترديدها في الخطب والمواعظ وغيرها، أي أنهم أبقوا من الخطاب ما ورد فيه من معاني خاصة يتميّز بها عن الخطب الأخرى، وحذفوا ما ورد فيه من معان عامة تتكرر في الخطب وفي المواعظ وعلى ألسنة الناس.
إن النصوص المسجلة للخطبة مختصرة ومطوّلة، تتفق بالمعاني الخاصة التي يتميز بها خطاب طارق عن سائر الخطب، ولكنها تختلف في المباني إيجازاً وتفصيلاً، والمعاني أهم من المباني، واتفاق المصادر على المعاني، دليل جديد على أنها لطارق لا لغيره من الناس.
(ب). في المراجع:
لا يمكن ذكر جميع المصادر التي أيّدت نسبة خطبة طارق إليه، فهي كثيرة جداً، فلا بأس من ذكر قسم منها، وبخاصة التي اطلعت عليها وذكرتها في هذا البحث.
فقد جزم الأستاذ عبد الله كنون من جملة انطباع البربر بالطابع العربي البحت، وأيَّد نسبة الخطبة إلى طارق، في كتابه: النبوغ المغربي. (١)
كما أيّد الدكتور عبد السلام الهرّاس نسبة الخطبة إلى طارق، في مقالين اطلعت عليهما (٢)، كما نشر بحثاً في القاهرة لم أطلع عليه، وحماسة الهراس وغيرته مما يُحمد عليه.
كما نشر الأستاذ عبد العزيز الساوري مقالاً، أيّد فيه نسبة الخطبة إلى طارق، وأضاف مصدراً جديداً سجل الخطبة هو كتاب: صلة السمط لابن الشباط (٣).
كما نشر الشيخ محمد أبو زيد طنطاوي بحثاً عنوانه: فتح العرب للأندلس،
стр. 280
أيّد فيه نسبة الخطبة إلى طارق بن زياد (١).
تلك أمثلة على مَن أيّد نسبة خطبة طارق إليه، إما بتدوينها في سير أحداث الفتح، أو في مناقشة الرافضين الاعتراف بنسبة تلك الخطبة إلى طارق، وهي عبارة عن البحوث التي اطلعت عليها، ومن المؤكد أن الدراسات والبحوث التي لم أطلع عليها، أكثر بكثير من البحوث والدرسات التي اطلعت عليها، ومن المفيد أن يتم الاطلاع عليها والتنويه بها.
ويمكن أن نتبين، أن رفض الخطبة ارتفع مده في النصف الأخير من القرن الرابع عشر الهجري والنصف الأول من القرن العشرين الميلادي، حتى تكاثر الرافضون وأصبح الرفض أمرأ مسلّماً به في الدراسات الأندلسية، وانقسم الرافضون إلى قسمين: قسم يصرح برفضه، وقسم يغفل الخطبة إغفالاً كاملاً، فلا يذكرها في دراسته ولا يشير إليها، كأن رفضها حقيقة لا غبار عليها، يخجل الباحث من الاعتراض على الرفض، أو من التطرّق إلى الخطبة من قريب أو بعيد.
وللتاريخ أذكر، أن أول من رفض الرّفض وردّ عليه، هو الأستاذ عبد الله كنون، في كتابه: النبوغ المغربي، ثم توالت الردود في نماذج تطرقنا إلى ما اطّلعنا عليه، واستفدنا منه في هذه الدراسة.
واليوم أصبح هناك مَن لا يخجل من رفض الرفض والرد عليه، بل أصبح هناك مَن يخجل من السكوت عن رفض الرفض والنهوض بأعبائه، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.
وظهرت الدراسات التي تؤكد نسبة خطبة طارق إليه، داحضة حجج الرافضين، وهذه الدراسات هي أول الغيث ثمّ ينهمر بإذن الله، فلا يقتصر على خطبة طارق، بل يشمل كل ما شك فيه المؤلفون الأجانب وعلى رأسهم المستشرقون وشككوا فيه بدون حق ولأسباب بعيدة عن المنهج العلمي قريبة
стр. 281
من التعصب الديني على الإسلام والمسلمين، وعلى الواقع والتاريخ.
ب - حرق السُّفن:
ذكر الشريف الإدريسي في معجمه الجغرافي: (نزهة المشتاق)، عند الكلام على جغرافية الأندلس، أن طارقاً أحرق سفنه بعد العبور بجيشه إلى الأندلس (١)، وقد نقلت بعض المصادر والمراجع المتأخرة هذه الرواية عن الإدريسي فيما يرجّح، وفيما عدا ذلك فإن جميع المصادر العربية والإسلامية، تمرّ عليها بالصمت المطلق. (٢)
وقد يقال، إن في خطاب طارق ما يؤيّد صحّة هذه الرواية، فطارق يستهلّه بقوله: (أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدوّ أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر)، وفي ذلك ما يمكن أن يفسّر أن الجيش الإسلامي الفاتح، قد جُرِّد من السفن التي حملته من سبتة إلى الأندلس. وتفسير أقوال طارق هذه، هو أن السفن ليست ملكاً للفاتحين ولا تحت تصرفهم في جميع الأوقات، وأنها عادت إلى صاحبها يُليان، ولم تبق على الساحل الأندلسي، جاهزة لتأمين انسحاب الفاتحين من الأندلس إلى الساحل الأفريقي.
إن يليان هو الذي قدم السفن لنقل الفاتحين إلى الأندلس في بعثتهم الاستكشافية الأولى بقيادة طريف بن مالك. وهو الذي قدّم السفن إلى الفاتحين بقيادة طارق، وهي ليست ملكاً للمسلمين ليُقدم طارق على حرقها، بل هي ملك صاحبها يليان، فإذا التحقت به بعد إنجاز واجبها في حمل الفاتحين إلى البر الأندلسي، وبعد إكمال إنزال الفاتحين من تلك السفن إلى البر الأندلسي، فلا تبقى سفن على الساحل الأندلسي يركن إليها المسلمون في
стр. 282
انسحابهم من الأندلس إلى الساحل الأفريقي، كما لا يبقى مسوِّغ لإحراق تلك السفن.
كما أن طارقاً ومن معه من مجاهدين، جاءوا إلى الأندلس، للجهاد من أجل عقيدة، وكانوا مستعدين للشهادة من أجل عقيدتهم، فلا مسوِّغ لإحراق السفن من أجل وضعهم وجهاً لوجه أمام الدّفاع عن أرواحهم، فما كانوا بحاجة إلى من يضعهم هذا الموضع الحرج، لأن أرواحهم لم تكن في حال من الأحوال أغلى عليهم من عقيدتهم، وما أنجزوه قبل عبورهم إلى الأندلس وبعد عبورهم إليها خير دليل على استقتالهم من أجل قلوبهم لا من أجل جيوبهم، ومن أجل عقيدتهم لا من أجل أرواحهم.
والواقع أن الإقدام على حرق سفن العبور، يصعب تصديقه ويصعب مجرد التصور أن طارقاً يمكن أن يفعله، فإذا كانت تلك السفن لُيليان، كما هو معروف، فليس من حق طارق إحراقها، وإذا كانت للمسلمين فليس حرقها عملاً عسكرياً سليماً، إذ يخالف مبدأ الاقتصاد بالقوة، أحد مبادئ الحرب المهمة، ولا يتفق مع المنطق والعقل.
لذلك لم تُشر المصادر الأندلسية العربية الأولى، إلى قصة إحراق السفن، والمصادر التي ذكرت تلك القصة نقلتها عن الشريف الإدريسي وكذلك المراجع (١)، ومنها المصادر والمراجع النصرانية، وبخاصة المصادر الإسبانية والمراجع، وقد تأثر بتلك القصة قسم من قادة الأسبان، فقلّدوا تلك القصة عملياً في قسم من عملياتهم العسكرية (٢).
стр. 283
وعلى كل حال، فقصة إحراق طارق للسفن لا سبيل إلى تصديقها، لأنها تناقض حماسة المجاهدين يومئذ الذين لا يحتاجون إلى حوافز جديدة للاستقتال، ولأن السفن لم تكن ملكاً للمسلمين بل ملكاً لغيرهم، ولأن هذه القصة دوّنت لأول مرة في القرن الخامس الهجري، أي بعد فتح الأندلس بأكثر من ثلاثة قرون صُنِّفت خلالها كثير من المصادر الأندلسية المعتمدة، دون أن تشير إلى هذه القصة أو تتطرق إلى ذكرها، كما لم تؤيدها أية رواية إسلامية أخرى قبل رواية الإدريسي لها.
٥ - سير المعركة الحاسمة
معركة وادي بَرْباط أو وادي لَكُّهْ
أ - قوّات الطرفين:
أولاً: المسلمون:
اثنا عشر ألفاً (١)، انضم إليهم يليان في قوة صغيرة من أصحابه وأتباعه (٢). ولا يزال مدى مشاركة يليان في فتح الأندلس موضع اختلاف بين المؤرخين، وهناك أدلّة تشير إلى أن مهمّته كانت مساعدة الفاتحين وإعطاء توجيهات عامة لهم في أثناء العبور، وكان أيضاً عيناً لهم على الأعداء (٣). ولكن بعد هزيمة القوط، ترك يليان الجزيرة الخضراء إلى إسْتِجَة (٤) ( Ecija) وقرر أن يبدي مساعدة أكبر لطارق، بتزويد الفاتحين بأدلاّء من رجاله، لإنجاز افتتاح
стр. 284
الأندلس (١).
وأرى أن يليان لم يرسل جنوده ليقاتلوا، إذ لا يستعين المسلمون بغير المسلمين في القتال، وإنما كانت معاونة يليان وتعاونه للمسلمين في إبداء الرأي والمشورة، وتقديم الأدلاّء، وتأمين العيون لنقل الأخبار من القوط إلى المسلمين، والمعاونة في القضايا الإدارية كتقديم السفن للعبور، أما مباشرة القتال في ساحة القتال، فقد اقتصر على المسلمين حسب - وما يقال عن يليان ورجاله، يقال عن أعداء لذريق من القوط النصارى الذين التحقوا بالمسلمين قبل بدأ القتال في المعركة الحاسمة، فلم يباشروا القتال مع المسلمين أيضاً، للمحاذير التي ذكرناها.
ثانياً. القوط:
اجتمع يومئذ للقوط جيش تعداده مائة ألف مقاتل (٢)، وأقل تقدير له أربعون ألفاً (٣)، ولا يمكن معرفة تعداد جيش القوط اليوم بالضبط، فهو على كل حال يين هذين التعدادين، أي نحو سبعين ألفاً، كما جرى تقديره في بعض المصادر العربية المعتمدة (٤).
على الميمنة ششبرت ابن أخيكا، وعلى الميسرة أبة بن أخيكا، وعلى القلب لذريق، وهو القائد العام والملك.
وقد اعتصم القوط في ساعة الخطر بالاتحاد، فاستطاع لذريق أن يجمع حوله معظم الأمراء والأشراف والأساقفة، وحشد هؤلاء رجالهم وأتباعهم
стр. 285
ومَن يلوذ بهم، كما استعان بأفراد العائلة المالكة السابقة في قياداته، لتوحيد الجبهة الداخلية، وإذابة الخلافات المحلية، وحشد جهود القوط كافة وطاقاتهم المادية والمعنوية لحرب المسلمين.
ب - التوقيت:
تلاقى المسلمون والقوط يوم الأحد لليلتين بَقِيَتا من شهر رمضان، واتصلت الحرب بينهم إلى يوم الأحد لخمس خَلَوْن من شهر شوال بعد تتمة ثمانية أيام (١)، أي كان لقاء الجيشين المتحاربين في الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين الهجرية (١٩ تموز (يوليو) سنة ٧١١ م) واستمر ثمانية أيام فقط إلى اليوم الخامس من شوال سنة اثنتين وتسعين الهجرية (٢٦ تموز (يوليو) ٧١١ م).
أي أنها بدأت وانتهت خلال ثمانية أيام فقط (٢٨ رمضان - ٥ شوال ٩٢ هـ (٢) =١٩ - ٢٦ تموز ٧١١ م) (٣).
ج - ميدان القتال:
كان ميدان القتال في كورة شَذُوْنة ( Sidonia) جنوب غربي إسبانيا (٤) في
سهل (الحدود) الفرنتيرة ( Frontera) جنوب بحيرة الخندق ( Janda) ونهر بَرْباط ( Barbate) المتصلة به. وقد تُعرف أحياناً معركة وادي برباط في الرواية الإسلامية بمعركة وادي بكة أو لِّكُّهْ ( Guadalete) لعله مأخوذ من ( Lago) وهو