← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من التعصب الديني على الإسلام والمسلمين، وعلى الواقع والتاريخ. ب - حرق السُّفن: ذكر الشريف الإدريسي في معجمه الجغرافي: (نزهة المشتاق)، عند الكلام على جغرافية الأندلس، أن طارقاً أحرق سفنه بعد العبور بجيشه إلى الأندلس (١)، وقد نقلت بعض المصادر والمراجع المتأخرة هذه الرواية عن الإدريسي فيما يرجّح، وفيما عدا ذلك فإن جميع المصادر العربية والإسلامية، تمرّ عليها بالصمت المطلق. (٢) وقد يقال، إن في خطاب طارق ما يؤيّد صحّة هذه الرواية، فطارق يستهلّه بقوله: (أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدوّ أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر)، وفي ذلك ما يمكن أن يفسّر أن الجيش الإسلامي الفاتح، قد جُرِّد من السفن التي حملته من سبتة إلى الأندلس. وتفسير أقوال طارق هذه، هو أن السفن ليست ملكاً للفاتحين ولا تحت تصرفهم في جميع الأوقات، وأنها عادت إلى صاحبها يُليان، ولم تبق على الساحل الأندلسي، جاهزة لتأمين انسحاب الفاتحين من الأندلس إلى الساحل الأفريقي. إن يليان هو الذي قدم السفن لنقل الفاتحين إلى الأندلس في بعثتهم الاستكشافية الأولى بقيادة طريف بن مالك. وهو الذي قدّم السفن إلى الفاتحين بقيادة طارق، وهي ليست ملكاً للمسلمين ليُقدم طارق على حرقها، بل هي ملك صاحبها يليان، فإذا التحقت به بعد إنجاز واجبها في حمل الفاتحين إلى البر الأندلسي، وبعد إكمال إنزال الفاتحين من تلك السفن إلى البر الأندلسي، فلا تبقى سفن على الساحل الأندلسي يركن إليها المسلمون في

стр. 282

انسحابهم من الأندلس إلى الساحل الأفريقي، كما لا يبقى مسوِّغ لإحراق تلك السفن. كما أن طارقاً ومن معه من مجاهدين، جاءوا إلى الأندلس، للجهاد من أجل عقيدة، وكانوا مستعدين للشهادة من أجل عقيدتهم، فلا مسوِّغ لإحراق السفن من أجل وضعهم وجهاً لوجه أمام الدّفاع عن أرواحهم، فما كانوا بحاجة إلى من يضعهم هذا الموضع الحرج، لأن أرواحهم لم تكن في حال من الأحوال أغلى عليهم من عقيدتهم، وما أنجزوه قبل عبورهم إلى الأندلس وبعد عبورهم إليها خير دليل على استقتالهم من أجل قلوبهم لا من أجل جيوبهم، ومن أجل عقيدتهم لا من أجل أرواحهم. والواقع أن الإقدام على حرق سفن العبور، يصعب تصديقه ويصعب مجرد التصور أن طارقاً يمكن أن يفعله، فإذا كانت تلك السفن لُيليان، كما هو معروف، فليس من حق طارق إحراقها، وإذا كانت للمسلمين فليس حرقها عملاً عسكرياً سليماً، إذ يخالف مبدأ الاقتصاد بالقوة، أحد مبادئ الحرب المهمة، ولا يتفق مع المنطق والعقل. لذلك لم تُشر المصادر الأندلسية العربية الأولى، إلى قصة إحراق السفن، والمصادر التي ذكرت تلك القصة نقلتها عن الشريف الإدريسي وكذلك المراجع (١)، ومنها المصادر والمراجع النصرانية، وبخاصة المصادر الإسبانية والمراجع، وقد تأثر بتلك القصة قسم من قادة الأسبان، فقلّدوا تلك القصة عملياً في قسم من عملياتهم العسكرية (٢).

стр. 283

وعلى كل حال، فقصة إحراق طارق للسفن لا سبيل إلى تصديقها، لأنها تناقض حماسة المجاهدين يومئذ الذين لا يحتاجون إلى حوافز جديدة للاستقتال، ولأن السفن لم تكن ملكاً للمسلمين بل ملكاً لغيرهم، ولأن هذه القصة دوّنت لأول مرة في القرن الخامس الهجري، أي بعد فتح الأندلس بأكثر من ثلاثة قرون صُنِّفت خلالها كثير من المصادر الأندلسية المعتمدة، دون أن تشير إلى هذه القصة أو تتطرق إلى ذكرها، كما لم تؤيدها أية رواية إسلامية أخرى قبل رواية الإدريسي لها. ٥ - سير المعركة الحاسمة معركة وادي بَرْباط أو وادي لَكُّهْ أ - قوّات الطرفين: أولاً: المسلمون: اثنا عشر ألفاً (١)، انضم إليهم يليان في قوة صغيرة من أصحابه وأتباعه (٢). ولا يزال مدى مشاركة يليان في فتح الأندلس موضع اختلاف بين المؤرخين، وهناك أدلّة تشير إلى أن مهمّته كانت مساعدة الفاتحين وإعطاء توجيهات عامة لهم في أثناء العبور، وكان أيضاً عيناً لهم على الأعداء (٣). ولكن بعد هزيمة القوط، ترك يليان الجزيرة الخضراء إلى إسْتِجَة (٤) ( Ecija) وقرر أن يبدي مساعدة أكبر لطارق، بتزويد الفاتحين بأدلاّء من رجاله، لإنجاز افتتاح

стр. 284

الأندلس (١). وأرى أن يليان لم يرسل جنوده ليقاتلوا، إذ لا يستعين المسلمون بغير المسلمين في القتال، وإنما كانت معاونة يليان وتعاونه للمسلمين في إبداء الرأي والمشورة، وتقديم الأدلاّء، وتأمين العيون لنقل الأخبار من القوط إلى المسلمين، والمعاونة في القضايا الإدارية كتقديم السفن للعبور، أما مباشرة القتال في ساحة القتال، فقد اقتصر على المسلمين حسب - وما يقال عن يليان ورجاله، يقال عن أعداء لذريق من القوط النصارى الذين التحقوا بالمسلمين قبل بدأ القتال في المعركة الحاسمة، فلم يباشروا القتال مع المسلمين أيضاً، للمحاذير التي ذكرناها. ثانياً. القوط: اجتمع يومئذ للقوط جيش تعداده مائة ألف مقاتل (٢)، وأقل تقدير له أربعون ألفاً (٣)، ولا يمكن معرفة تعداد جيش القوط اليوم بالضبط، فهو على كل حال يين هذين التعدادين، أي نحو سبعين ألفاً، كما جرى تقديره في بعض المصادر العربية المعتمدة (٤). على الميمنة ششبرت ابن أخيكا، وعلى الميسرة أبة بن أخيكا، وعلى القلب لذريق، وهو القائد العام والملك. وقد اعتصم القوط في ساعة الخطر بالاتحاد، فاستطاع لذريق أن يجمع حوله معظم الأمراء والأشراف والأساقفة، وحشد هؤلاء رجالهم وأتباعهم

стр. 285

ومَن يلوذ بهم، كما استعان بأفراد العائلة المالكة السابقة في قياداته، لتوحيد الجبهة الداخلية، وإذابة الخلافات المحلية، وحشد جهود القوط كافة وطاقاتهم المادية والمعنوية لحرب المسلمين. ب - التوقيت: تلاقى المسلمون والقوط يوم الأحد لليلتين بَقِيَتا من شهر رمضان، واتصلت الحرب بينهم إلى يوم الأحد لخمس خَلَوْن من شهر شوال بعد تتمة ثمانية أيام (١)، أي كان لقاء الجيشين المتحاربين في الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين الهجرية (١٩ تموز (يوليو) سنة ٧١١ م) واستمر ثمانية أيام فقط إلى اليوم الخامس من شوال سنة اثنتين وتسعين الهجرية (٢٦ تموز (يوليو) ٧١١ م). أي أنها بدأت وانتهت خلال ثمانية أيام فقط (٢٨ رمضان - ٥ شوال ٩٢ هـ (٢) =١٩ - ٢٦ تموز ٧١١ م) (٣). ج - ميدان القتال: كان ميدان القتال في كورة شَذُوْنة ( Sidonia) جنوب غربي إسبانيا (٤) في سهل (الحدود) الفرنتيرة ( Frontera) جنوب بحيرة الخندق ( Janda) ونهر بَرْباط ( Barbate) المتصلة به. وقد تُعرف أحياناً معركة وادي برباط في الرواية الإسلامية بمعركة وادي بكة أو لِّكُّهْ ( Guadalete) لعله مأخوذ من ( Lago) وهو

стр. 286

البحيرة، أي: بحيرة الخندق (١)، فأصبحت البحيرة علماً على المكان (٢). أما وادي لَكُّهْ ( Guadalete) المعروف في الجغرافية الإسبانية الحديثة، فيقع إلى الشمال منه، ويصب في خليج مدينة قادس (٣) ( Cadiz) ويصب نهر برباط في المحيط الأطلسي عند طَرَف الأَغَر ( Trafalgar) (٤) . وغير بعيد أن يكون اسم وادي لَكُّهْ في الرواية الإسلامية، لم يُقصد به وادي بَرْباط - ولو أحياناً - بل قُصد به أصلاً وادي لَكّهْ ( Guadalete) كما هو معروف اليوم، الذي يصب في المحيط عند قادس، ويقترب أحد فروعه من ميدان المعركة الواسع أو كان شاملاً له، وجَعْل هذا الوادي: وادي لَكُّهْ ضمن شَذُوْنَة ( Sidonia) (٥) التي كانت مدينتها شَذُونة ميداناً لمعركة البرباط: (وبها كانت الهزيمة على لذويق) (٦)، يزيل اللّبس. وعلى ذلك فلا وجود لاشتباه أو خلط أو تغليب في تسمية الرواية الإسلامية لوادي لَكُّهْ، وعندها تنصرف التسميات المتعلقة بهذه المعركة إلى مسمياتها الأصلية (٧). وهناك دراسات حديثة عديدة بشأن: ميدان القتال، الذي حدثت فيه المعركة الحاسمة بين لذريق وطارق، فيرى أحد المستشرقين حدوث معركتين: الأولى وقعت قرب مدينة شَذونة، بين جبل رتين ( Serra del Retin) وبحيرة الخندق ( Lago de la Janda) وحدثت الثانية عندما هرب لذريق نحو

стр. 287

الشمال، وحارب المسلمين قرب ( Segayuela) (١) ، ويتفق معه مستشرق آخر (٢)، بينما يعارض مستشرق ثالث ما ذهب إليه هذان المستشرقان (٣)، ويؤيده مستشرق رابع الذي يتفق مع المؤرخين العرب على أنه كانت هناك معركة واحدة كبيرة فقط بين المسلمين والقوط، وهي التي حدثت قرب ضفاف نهر وادي لَكُّهْ في كورة شَذونَة، وأن لذريق هزم وقتل قرب هذا النهر (٤). وقد ذهب بعض المؤرخين المستشرقين، بعيداً في تحديدهم لميدان القتال، فيفترض أحدهم أن المعركة حدثت قرب نهر ( Sangonera) الذي يسمى أيضاً بوادي الطين، وهو ( Guadalentin) أو ( Gudatin) وهو فرع من نهر شقورة ( Seguar) في محافظة مُرْسِيَة (٥) شرقي إسبانيا (٦). وعلى كل حال، فإن دراسات المستشرقين الحديثة، لم تأت بجديد، وأقربها للصواب هي التي اتفقت مع المؤرخين العرب في مصادرهم المعتمدة، التي ذكرت أن ميدان القتال جرى على وادي برباط على مقربة من شذونة (٧). أما التي اختلفت مع تلك المصادر، فلم تأت بشىء يُطمئنّ إليه، وتاهت في غمرات التيه دون أن تأتي بجديد.

стр. 288

د - سير القتال: فرّق نهر بَرْباط بين الجيشين المتحاربين مدى أيام ثلاثة، شُغلت بالمناوشات البسيطة بين الجيشين، وقد كان جيش القوط في الضفة الشمالية من النهر، وكان طارق في الضفة الجنوبية منه. وفي اليوم الرابع التحم الجيشان، ونشبت بينها معركة عارمة. وظهر لذريق في وسط الميدان في حلل ملوكية، فوق عرش تجرّه الخيول المطهّمة، وهو منظر أثار سخرية جيبون (١) ولاذع تهكّمه، إذ يقول عنه: "ولقد يخجل ألاريك (مؤسس دولة القوط) عند رؤية خلفه لذريق، متوّجاً باللآلى، متَّشِحاً بالحرير والذهب، مضطجعاً في هودج من العاج" (٢). وأظهر البربر المسلمون من غُمارة قدرة عظيمة على القتال، فقد كانوا من المختارين من بين أفراد تلك القبيلة المعروفين بالإقدام والشجاعة، ومن المدرّبين على التّعابي العسكرية أحسن تدريب. وكان طارق قد قدّم نفراً من السُّودان (٣) أمام جيشه، ليتلقوا بما عُرف عنهم من الصبر والثبات الصدمة

стр. 289

الأولى من الجيش القوطي، التي تكون عادة صدمة مدبّرة تؤثر في المعنويات للمتقاتلين، فترتفع معنويات المنتصر، وتنهار معنويات المنكسر. وأظهر فرسان القوط قدرة قتالية عظيمة في أوائل المعركة، وثبتوا لضغط العرب والبربر والسُّودان المسلمين ثباتاً عظيماً، وكبّدوا المسلمين خسائر بالأرواح كبيرة. وكان قوّاد الفرسان من القوط، أعداء لذريق، غاضبين عليه وناقمين منه، وكان يليان ورجاله نشطين طوال المعركة في تخذيل الناس عن لذريق وصرفهم عنه، وكانوا يؤكِّدون للذين حول لذريق أن المسلمين لم يُقبلوا إلى هذه البلاد للفتح والاستقرار، بل للقضاء على لذريق والظّفر بالغنائم، وأنهم إن خذلوا لذريق اليوم صفت لهم بعد ذلك. ولم يلبث أثر هذا الكلام أن ظهر بين رجال لذريق، وكان كثير منهم كارهاً له ناقماً عليه، فلم يلبث فرسانه وهم خيرة جنده، أن خرجوا من المعركة وتركوه لمصيره (١). واستمرت المعركة هائلة مضطرمة بين الجانبين أربعة أيام، ثم انهزم القوط وقُتل منهم خلق عظيم، أقامت عظامهم بعد ذلك بدهر طويل ملبّسة بالأرض. (٢)

стр. 290

ويقال: إن انتصار طارق كان بسبب تعرّض لذريق للخيانة، وتذكر الحوليات اللآتينية، أن المسلمين عبروا إلى الأندلس، وهزموا الجيش القوطي بسبب خيانة أولاد غيطشة (١). وتشير بعض المصادر العربية أيضاً إلى أن مباحثات جرت في طنجة قُبيل الفتح بين طارق بن زياد وأحد أولاد غيطشة (٢). بينما يقول آخرون إن هذه المباحثات جرت قُبيل بدء المعركة بوقت قصير، عندما أصبح طارق فعلاً في إسبانيا، فعرض أولاد غيطشة، أن يتخلوا عن لذريق، ويؤيّدوا طارقاً برجالهم، شريطة أن يضمن لهم كل ممتلكات والدهم التي تبلغ ثلاثة آلاف ضيعة، وهي التي سُميت فيما بعد بصفايا الملوك، وذلك بعد أن يُخضع إسبانيا جميعها للمسلمين (٣). وقد أورد مؤرخون عرب آخرون، تفسيرات أكثر احتمالاً وواقعية، بشأن هذه المسألة، ولا تعرض مصادرهم لأية مباحثات بين طارق وأولاد غيطشة. ويقتصر الأمر على أن أولاد غيطشة وبعض نبلاء القوط، قرّروا التخلي عن لذريق في ساحة المعركة. لأنهم اعتقدوا أن المسلمين لا ينوون الاستقرار في البلاد، بل إنهم جاءوا من أجل الغنائم، وبعد أن يندحر لذريق، فإن العرش سيعود إلى أصحابه الشرعيين، أي أولاد غيطشة (٤). وقد كان الجيش القوطي نفسه مؤلفاً في معظمه من العبيد المجندين (٥)، وهم من المرتزقة المضطرين على القتال اضطراراً، إذ لا ناقة لهم في الحرب ولا جمل، فهم يقاتلون بقدر خشيتهم لأسيادهم، وبقدر ما تدرّ عليهم مهنتهم من مكاسب مادية، قد لا تُسمن ولا تغني من جوع في أغلب الأحيان.

стр. 291

ويبدو أنه لم يكن هناك أي أمل في أن يتمكن هذا الجيش القوطي من مقاومة الهجوم الإسلامي، وأن دور أسرة غيطشة في ترجيح كفة المسلمين، قد تعرّض إلى كثير من المبالغة (١). وكانت صفوف الجيش القوطي تتألف من أتباع آل غيطشة وأتباع حلفائهم من الزعماء والأمراء الناقمين على لذريق، والذين تظاهروا بالإخلاص في وقت الخطر، وكلهم يتحيّن الفرصة للإيقاع بالملك المغتصِب لذريق (٢)، فكانت الخيانة تمزق جيش القوط شرّ ممزّق. واستمال يليان والأسقف أوباس وهما في صف المسلمين كثيراً من جند القوط، وبثّا بدعايتهما في الصفوف الموالية للذريق كثيراً من عوامل الشقاق والتفرقة، فأخذ كل أمير يسعى في سلامة نفسه (٣). وكان ذلك كافياً ليوقع الفوضى في جيش لذريق، فاضطرب نظامه ولاذ مَن بقي منه بالفرار وأسياف المسلمين في أقفيتهم، وقد قتل من القوط في تلك الأيام عدد عظيم، ولم يعثر للذريق على أثر. وتذهب المصادر العربية إلى أنه أراد أن يعبر وادي البرباط على عجل، فغرق فيه، ولم يعثر المسلمون إلاّ على خفّه (٤). وتقول بعض الروايات النصرانية، إنه بقي في ميدان القتال حتى قُتل مدافعاً عن عرشه وأُمّته، وتقول بعضها: إنه فرّ عقب الهزيمة على ظهر جواده، ولكنه غرق في مياه النهر. وتميل الروايات الإسلامية إلى تأييد غرقه، وتقول: إن ملك القوط مات غريقاً، وإنهم عثروا على جواده وسرجه الذهبي، ولم يعثروا على إنسان بجثته. وتزعم بعض الروايات النصرانية، أن لذريق استطاع أن يلوذ بالفرار، ولكنه قُتل بعد ذلك، أو انه فرّ إلى بعض الأديار في البرتغال

стр. 292

وترهّب، وعاش متنكراً حيناً من الدهر. وينفرد صاحب كتاب: الإمامة والسياسة، بين المشارقة برواية أخرى، وهي: أن طارقاً ظفر بجثة لذريق، فاحتزّ رأسه، وبعث به إلى موسى بن نُصير، وبعث به موسى بن نصير إلى الخليفة في دمشق، ويتابعه في ذلك مؤلف أندلسي هو صاحب كتاب: تحفة الأنفس (١)، هذا إلى روايات كثيرة. والمرجح من هذه الروايات كلها، أن لذريق فقد حياته في الموقعة التي فقد فيها ملكه، وأنه مات قتيلاً أو غريقاً على الأثر (٢). تلك مجمل ما جاء في المصادر والمراجع، حول أهم أسباب انتصار طارق على لذريق، آثرت ذكرها باختصار غير مُخِلّ، مع الإشارة إلى مصادرها ومراجعها، لكي أناقش آراءها، وأُبدي ما أراه حولها. والمتتبِّع لسير القتال في هذه المعركة الحاسمة، يجد أن القتال كان ضارياً بين الجانبين المتحاربين: المسلمين من جهة، والقوط من جهة أخرى. فثبات البربر من غُمارة، وإظهارهم القدرة العظيمة على القتال، دليل على أن زخم القوط في المعركة كان شديداً، ولا يقاتل بهذه الشدّة رجال تنخر بين صفوفهم الإشاعات الضارّة، ويتآمرون على السُّلطة القائمة المتمثلة بِلِذريق ملكاً وقائداً عاماً. وقد أظهر فرسان القوط في اليوم الرابع من المعركة، - بعد أن حمي الوطيس - قدرة قتالية عظيمة، وثبتوا لضغط المسلمين الشديد، ولا يمكن أن يُظهر مثل هذه القدرة متآمر أو مقاتل تعصف بإرادته القتالية الإشاعات

стр. 293

الضّارة. كما أن تصدّي السُّودان المسلمين البطولي العزوم للقوط، يدلّ على أنّ القوط كانوا يقاتلون في المعركة كما يقاتل الرجال. وكان تعداد جيش المسلمين في هذه المعركة - كما ذكرنا - اثنى عشر ألف مجاهد، استشُهد منهم في المعركة ثلاث آلاف مجاهد، أي أنّ خمسة وعشرين بالمائة من جيش المسلمين استُشهدوا في هذه المعركة، وهي نسبة عالية جداً، إن دلت على شىءٍ فإنما تدل على شدّة مقاومة القوط في المعركة، وأنهم قاموا بواجبهم في القتال. فقد قسم طارق الغنائم بعد هذه المعركة على تسعة آلاف من المسلمين (١)، أي أن هؤلاء هم الذين سلموا، وقُتل الباقون. أما التركيز على إشاعة أن المسلمين جاءوا من أجل الغنائم إلى الأندلس وليس من أجل الفتح، فهم قدموا ليرحلوا ولم يأتوا ليبقوا، فمن الصعب تصديقها، لأن ورثة غيطشة اشترطوا أن يستعيدوا قراهم وضياعهم بعد الفتح، فلماذا يشترطون مثل هذا الشرط على المسلمين، إذا كان المسلمون سيعودون بالغنائم إلى قواعدهم في الساحل الأفريقي، ويعود العرش وملك الأندلس إلى ورثة غيطشة الشرعيين؟! ثم إن المسلمين قدموا إفريقية من أمد طويل، بدأ قبل سبعين سنة (أي سنة ٢٢ هـ) ولم يرحلوا عنها، بل توسّعوا في فتوحهم بالتدريج، فلماذا يرحلون عن الأندلس بعد فتحها؟ ومن الواضح أن أخبار المسلمين في شمالي إفريقية، كانت معروفة لدى حكّام الأندلس بخاصة، وأهل الأندلس بعامة، فهم لا يمكن أن يتقبلوا بسهولة الإشاعة التي تزعم: أن المسلمين جاءوا ليرحلوا لا ليبقوا. ومع ذلك، فيمكن أن يعتذر بمثل هذه الإشاعة الهارب، عن جريمة هربه من المعركة، مع الادِّعاء بأنّ هربه كان نكاية بالملك لذريق وانتصاراً لآل

стр. 294

غيطشة والناقمين عليه من النبلاء، وإرضاءً للمسلمين المنتصرين. وإذا كان قادة فرسان القوط، قد خرجوا من المعركة بمن معهم من الفرسان - وهم خيرة جند لذريق - وتركوه لمصيره، فمن أين غنم المسلمون الخيل؟ لقد غنم المسلمون خيلاً كثيرة، حتى لم يبق منهم راجل، فمن أين غنم المسلمون هذا العدد الضخم من الخيول، إذا كان الفرسان القوط قد انسحبوا من المعركة بالتواطئ مع المسلمين؟ وهل يمكن أن يغنم المسلمون خيول مَن تواطأوا معهم على نصرتهم؟ وقد قتل في المعركة شيشبرت أخو غيطشة، وكان أبرز قادة فرسان القوط، فكيف قُتل وهو قد تخلى عن لذريق طمعاً في الغنيمة والسّلامة؟! ومع ذلك، فلا يمكن إنكار أن آل غيطشة ومَن يشايعهم من النبلاء، كانوا ناقمين على لذريق الذي اغتصب عرش غيطشة، فهم يطمعون أن يستعيدوا عرشهم بزوال لذريق، وبرحيل المسلمين عن الأندلس، وكان رحيل المسلمين عن الأندلس من الأماني التي يتعللون بها ولا يعتقدونها. وقد ورد نص في: أخبار مجموعة، يفيد هذا الاتجاه ويشير إليه: " ..... ومعهم يليان - أي مع المسلمين - في جماعة من أهل البلد، يدلّهم على العورات، ويتجسس لهم الأخبار، فأقبل إليهم رُذريق (لذريق)، ومعه خيار أعاجم الأندلس وأبناء ملوكها، فلما بلغتهم عدّة المسلمين وبصائرهم، تلاقوا بينهم - أي أولاد الملوك - فقال بعضهم لبعض: هذا ابن الخبيثة قد غلب على سلطاننا، وليس من أهله، وإنما كان من سفالنا، وهؤلاء قوم لا حاجة لهم بإيطان بلدنا، إنما يريدون أن يملوا أيديهم، ثم يخرجون عنّا، فانهزم بنا بابن الخبيثة إذا لقينا القوم، فأجمعوا لذلك. وكان رُذريق قد ولّى شيشبرت ميمنته وأبة ميسرته، وهما أبناء غيطشة (١)، الذي كان ملكاً قبله، وهما رأس مَن أدار عليه الانهزام" (٢)، فالاتفاق على الهزيمة لم تكن مع

стр. 295

طارق، بل كانت بينهم لا يعرف عنها طارق شيئاً، لذلك اقتتل الطرفان المتحاربان اقتتالاً شديداً (١)، حتى ظنّوا أنه الفناء (٢)، فلم تكن بالغرب مقتلة أعظم منها (٣)، واستمرت المعركة ثمانية أيام، ولا يمكن أن تستمر معركة من المعارك ثمانية أيام، وهي مدّة طويلة جداً بمقاييس ذلك الزمن، إلاّ إذا كانت المعركة ضارية إلى أقصى الحدود، وإلاّ إذا كان الجانبان المتحاربان قد بذلا جهوداً قتالية جبارة في المعركة: "فالتقيا يوم الأحد، وصدق المسلمون القتال، وحملوا حملة رجل واحد على المشركين، فخذلهم الله وزلزل أقدامهم، وتبعهم المسلمون بالقتل والأسر، ولم يعرف لملكهم لذريق خبر، ولا بانَ له أثر، فقيل: إنه ترجّل وأراد أن يستتر في شاطئ الوادي، فصادف غديراً فغرق فيه فمات" (٤). في حين تذكر بعض المصادر، أن لذريق فرّ من الميدان، والتقى بالمسلمين في معركة أخرى، شمالي الأندلس، فقتل فيها (٥)، لكن هذا الرأي ضعيف لا تدعمه الأدلة والمصادر المعتمدة الأخرى. يمكن أن نستنتج، بعد عرض ما جاء في المصادر والمراجع العربية وغير العربيّة، ومناقشة ما جاء فيها من معلومات، أنّ المعركة الحاسمة بين المسلمين بقيادة طارق، والقوط بقيادة لذريق، قد بذل خلالها الجانبان المتحاربان أقصى جهودهما المادية والمعنوية لإحراز النصر، وقد شُغل الجانبان بالمناوشات الاستطلاعية لمدة ثلاثة أيام، وفى اليوم الرابع حمي الوطيس بين الجانبين، واستمرت المعركة شديدة عارمة أربعة أيام، تكبّدت

стр. 296

خلالها الجانبان خسائر فادحة بالأرواح، مما يدل على ثباتهما الرّاسخ العنيد في القتال. وقد ثبت قلب القوط ثباتاً أفضل من ثبات الميمنة والميسرة، ويبدو أن قائدي الميمنة والميسرة اللذين كانا مع لذريق في الظاهر وعليه في الباطن، آثرا الانسحاب في اليوم الرابع من الاصطدام العنيف بين الجانبين، وفي اليوم السابع من حصول التماس المباشر بينهما، فأصبح قلب القوط يقاتل وحده، مما جعل المسلمين يكتسحونه بسهولة، لأن قواتهم ركزت عليه، وكانت من قبل تقاتله وتقاتل الميمنة والميسرة. وقد استطاع آل غيطشة تنفيذ مؤامرتهم على لذريق، بعد أن كبد المسلمون ميمنة القوط وميسرتهم خسائر فادحة، بحيث أوشكت الميمنة والميسرة على الانهيار تحت ضغط قوات المسلمين، إذ لم يكن بالامكان تنفيذ مؤامرتهم قبل أن يكبد المسلمون الميمنة والميسرة خسائر فادحة بالأرواح، لأن لذريق وهو في قوته لا يمكن أن يسكت على المتآمرين، إذ يقابل تآمرهم بالقوة، ويصفي المتآمرين جسدياً قبل أن ينجحوا في تصفيته. ولا أرى، أن آل غيطشة كان لهم صلة بطارق، ولا علم لطارق بمؤامرتهم، إذ لم يثبت أنهم اتصلوا به قبل المعركة أو في أثنائها، فقد كتموا نواياهم، ولم يظهروها لأحد، وإلاّ سهل على لذريق اكتشافها في الوقت المناسب، وسهل عليه وضع حد نهائي لها قبل فوات الأوان. وحين وجد لذريق أن المسلمين، قد أجهزوا على القلب الذي يقوده، لم يكن أمامه إلاّ الهرب تحت ضغط مطاردة عنيفة، فغرق في وادي الوحل أو قتل، والنتيجة واحدة هي أنه لم يبق بعد تلك المعركة الحاسمة على قيد الحياة. وهكذا خسر لذريق، في هذه المعركة جيشه، كما خسر روحه. وقد طارد المسلمون فلول القوط بعد انسحابهم من ميدان المعركة مطاردة عنيفة. فأبادوا من لم يستسلم من القوط، وبذلك جرت معارك محلية بين المسلمين وبين القوط، هي معارك استثمار الفوز، في جنوبي مدينة شَذُوْنَة

стр. 297

وشماليها، فسُمِّيت هذه المعركة الحاسمة بعدّة أسماء مختلفة، هي أسماء تلك المعركة الحاسمة وأسماء تلك المعارك المحليّة: معارك المطاردة، مثل معركة البحيرة، ومعركة وادي بكّه، ومعركة وادي لكه، ومعركة وادي البرباط، ومعركة شريش (١)، ومعركة السّواني، ومعركة السّواقي (٢)، فهي معركة شَذُوْنَة بأسرها التي تقع في جنوبي غربي الأندلس (٣). ولا مجال لتصديق، أن لذريق هرب بعد هذه المعركة نحو الشمال، واصطدم بالمسلمين بموقعة جديدة (٤)، لأن لذريق خسر قوّاته الضاربة في معركة وادي لكّه، ولم تكن لديه قوات احتياطية ليقاتل بها المسلمين، كما أن مطاردة المسلمين بعد المعركة كانت شديدة، بحيث لم يفسحوا المجال لنجاة الهاربين من ساحة القتال وتجمعهم بقيادة واحدة مسئولة، لتجديد القتال مع المسلمين من جديد. وجرى القتال بالنسبة للقوط، بالنظام الخماسي للقتال: المقدمة، والمؤخرة، والميمنة والميسرة، والقلب، وهو نظام أصلح لإجراء الحركة المرنة بسهولة ويسر، وأكفل للثبات بوجه الهجمات، وأمنع لمباغتة العدو. أما المسلمون، وكان أكثرهم من البربر، فقاتلوا بأسلوب: الكر والفر. قال ابن خلدون: "إن الكر والفر هو قتال البربر من أهل المغرب " (٥)، ولا يزال البربر يقاتلون بهذا الأسلوب حتى اليوم، في قتالهم غير النظامي،

стр. 298

المرتبط بقياداتهم غير النظامية. أما الذين ارتبطوا بالجيوش الحديثة، فقد أصبحت أساليبهم القتالية أساليب حديثة، أسوة بغيرهم كما هو معروف. وأسلوب الكر والفر، هو أن يهجم المقاتلون بكل قوتهم على العدو: النّشّابة منهم، والذين يقاتلون بالسيوف ويطعنون بالرماح، مشاةً وفرساناً، فإن ثبت لهم العدو أو أحسّوا بالضعف نكصوا، ثم أعادوا تنظيمهم وكرّوا، وهكذا يكرّون ويفرّون حتى يكتب لهم النصر أو الاندحار (١). واستطاع المسلمون إحراز النصر على القوط، بالرغم من تمتع القوط بمزايا عسكرية يتفوقون بها على المسلمين، منها أن تعداد القوط كان ثمانية أضعاف تعداد المسلمين، ومنها أن غالبية جيش القوط كانوا من الفرسان، وكان غالبية جيش المسلمين من المشاة، والفرسان يتفوقون على المشاة بسرعة الحركة وبالتأثير الحاسم في القتال، وكان القوط في حالة إدارية: إعاشةً وكساءً وغطاءً، متميزة على المسلمين الذين كانوا في حالة إدارية متواضعة. كما أن قيادة القوط لم تكن واهنة كما يتوهم قسم من المؤرخين، فقد كان لذريق يهتمّ بالمظاهر الخلاّبة، ولكنه كان طموحاً شجاعاً، كما أنه قائد ميداني، دأب على قيادة رجاله بنفسه، ولم يتخل عن قيادتهم لغيره من قادته المرءوسين. فكان يقود رجاله في حرب الخارجين عليه من الأسبان في الشمال، قبل إنزال المسلمين إلى برّ الأندلس، وقاتل المسلمين بنفسه، كما أنه لم يكن من العائلة المالكة في أسبانيا، فحملته قيادته وثقة الشعب به إلى القضاء على الملك غيطشة وتولى الملك خلفاً له بقيادته لا بنسبه وحسبه، فليس لذريق قائداً متخلّفاً، بل كان قائداً لامعاً بحق، فكانت قيادة القوط قيادة قادرة ذات كفاية عالية، كما كانت قيادة المسلمين كذلك متمثلة بطارق بن زياد. إن انتصار المسلمين على القوط، ليس بسبب تعرض لذريق للخيانة، كما

стр. 299

تردّد ذلك بعض المصادر عن حسن نيّة أو عن سوء نيّة، بقصد إخفاء سبب النصر الحق، فقد انتصر المسلمون بعقيدتهم الراسخة، فكانوا يتميزون على القوط بمعنوياتهم العالية المتميزة، وهذه المعنويات العالية هي التي تجعل الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله. وليس معنى ذلك، أن الجيش القوطي خلا من الخيانة، فقد ظهرت الخيانة بعد اندحار القوط لا حين كانوا أقوياء، وبعد الاندحار تكثر الادّعاءات ويكثر الأدعياء. وقد كان البربر قبل إسلامهم مستعبَدين للروم وللأسبان، فتبدل حالهم بالإسلام من حال إلى حال. وكان سر انتصار المسلمين في معاركهم الحاسمة: في غزوة بدر الكبرى، والقادسية، واليرموك، ونهاوند، هو سر انتصارهم في معركة وادي برباط أو وادي لَكُّهْ، فبالإسلام انتصروا، وقد رفعت تعاليم هذا الدين معنويات المجاهدين قادةً وجنوداً، وبعثت فيهم إرادة القتال التي لا تُقهر. وكان هذا السر وراء فتوحاتهم شرقاً وغرباً، فقضت على الفرُس، وهزمت الرُّوم، وسارت رايات النصر من بلد إلى بلد، فأصبحت بلاد المسلمين لا تغيب عنها الشمس أبداً. وبالإضافة إلى أن هذا الدين رفع المعنويات وبعث إرادة القتال، فقد أعطى الفرصة لظهور القادة المتميزين والجنود المتميزين أيضاً، لتستكمل حلقات عوامل النصر المعنوية والمادية المعروفة، وهي: المعنويات العالية، والقيادة المتميزة، والجنود المتميزين. وكانت تلك الحلقات متوفرة في المسلمين الفاتحين، فقد كان طارق قائداً متميزاً حقاً، برزت سماته القيادية طيلة أيام المعركة الحاسمة، كما برزت في إصراره الشديد على المطاردة المتّصلة التي لا هوادة فيها. كما كان جنود طارق جنوداً متميزين حقّاً، برزت سماتهم القتالية في إدامة التماس بالقوط، وإدامة قتالهم ليلاً ونهاراً بلا كلل ولا ملل، بدون إعطاء فرصة للقوط للاستراحة من عناء القتال، ودون أن يكترثوا

стр. 300

بتصاعد أعداد الشهداء الذين تساقطوا في ميدان القتال، فقد استشهد واحد من كل أربعة، ولابد أن يكون الجرحى أضعاف الشهداء فانتصروا على القوط بالشهداء المقبلِين، وانهزم القوط بالقتلى المدبِرين، وهذا هو الفرق بين الجيش الذي يتحلى بالمعنويات العالية المرتكزة على العقيدة الراسخة، والجيش الذي لا يتحلى بالمعنويات العالية. وكما فتحت معركة القادسية الحاسمة أبواب العراق للمسلمين الفاتحين، وفتحت معركة اليرموك الحاسمة أبواب بلاد الشام لهم، وفتحت معركة نَهاوَند أبواب بلاد فارس، وفتحت معركة بابليون الحاسمة أبواب مصر للفاتحين، فقد فتحت معركة وادي لَكُّهْ الحاسمة أبواب الأندلس للمسلمين الفاتحين، فكانت معارك الفتح التي تلتها معارك ثانوية، لأنها معارك: استثمار الفوز، كما يطلق على أمثال تلك المعارك الثانوية التي تجرى بعد المعركة الحاسمة، معارك: استثمار الفوز، في المصطلحات العسكرية الحديثة، لأن الفاتحين يقاتلون فيها جيوشاً محليّة، تتّسم بصغر حجمها، وقلّة تدريبها، وجمع كثير من جنودها على عجل قسراً وبدون استعداد كافٍ ولا تدريب مناسب، وبضعف قيادتها المحلية، وبانهيار معنويات رجالها. وليس معنى ذلك، أن المقاومة في معارك استثمار الفوز، مقاومة واهنة باستمرار، بل قد تشتد المقاومة أحياناً، كما سنلمس ذلك في معارك فتح الأندلس، التي تلت معركة الفتح الحاسمة، ولكن النصر يكون مضموناً، مهما اشتدت المقاومة وتأخر الفتح أياماً معدودات، ولن يكون ذلك شيئاً مذكوراً إلى جانب النصر المحقق المضمون. وقد فتح طارق شطر الأندلس، وفتح موسى بن نُصير شطر الأندلس، ولكن ينبغي أن يعزى فضل الفتح كله لطارق، لأنه المنتصر في المعركة الحاسمة لفتح الأندلس، وما فتحه طارق، وما فتحه موسى، بعد تلك المعركة الحاسمة، كان من نتائج معارك استثمار الفوز، التي تثمر باستمرار النصر المحقق المضمون.

стр. 301

٦ - فتوح طارق قبل عبور موسى بن نُصَيْر إلى الأندلس أ - الموقف العام بعد المعركة الحاسمة: لم تكد أخبار انتصار المسلمين على جيش لذريق في معركة حاسمة على أرض الأندلس، تصل إلى المسلمين في شمالي أفريقية، حتى أقبل المسلمون نحو طارق من كل وجه، وخرقوا البحر على كل ما قدروا عليه من مركب وقُشْر (١)، فلحقوا بطارق (٢). وفاض البربر على الأندلس، وأخذوا يستقرّون في النواحي المفتوحة. وتضخّم تعداد جيش طارق إلى حدّ يصعب معه تقديره، بعد هذه المعركة الحاسمة، وأسلم الآراء هو القول: بأن جيش المسلمين تضخم تضخّماً عظيماً. ورأى طارق، أنه لن يستطيع التقدم للفتح بمثل هذه الجحافل الضخمة من المجاهدين دفعة واحدة، لصعوبة السيطرة على أرتالها المتزايدة، ولصعوبة تعسكرها في مكان واحد في وقت واحد، ولمشاكل تأمين أرزاقها ومياهها وعلف حيواناتها من مكان واحد في وقت واحد، فآثر أن يفرقهم إلى أرتال صغيرة بقيادات مسئولة، للنهوض بواجبات معينة في الفتح (٣). وكان من نتائج انتصار المسلمين على القوط في المعركة الحاسمة، ظهور اضطراب في شئون الأندلس كلها، التي لا تزال تحت سيطرة القوط: "وارتفع أهل الأندلس عند ذلك إلى الحصون والقلاع، وتهاربوا من السهل، ولحقوا

стр. 302

بالجبال" (١). وحسب حزب غيطشة، أن الفرصة قد سنحت لهم، لإعلان واحد منهم ملكاً مكان الطاغية المهزوم (٢)، وفعلاً بذل وَقِلَة (أخيلا) جهداً كبيراً لكي يستصدر من مجلس طليطلة قراراً، باعتباره ملكاً على الأندلس، خلفاً للملك لذريق، ولكن الأمر لم يستقر له، لأن الشائعات كانت تملأ الجو بأن لذريق لم يُقتل ولا يزال حياً يرزق. وعمل حزب غيطشة من جهة أخرى، على تشجيع طارق، للاستمرار في التقدم فاتحاً، حتى يتمّ لهم القضاء على لذريق وأنصاره نهائياً، وما كان طارق بحاجة إلى تشجيع أحد للنهوض بالفتح، فقد سار قدماً في تطبيق خطته العامة لفتح الأندلس. أما يليان، فقد ثبت بقواته في ناحية الجزيرة الخضراء (٣). ذلك هو الموقف العام بالنسبة للمسلمين من جهة، وبالنسبة للقوط من جهة أخرى، قبل أن يستثمر المسلمون انتصارهم على القوط في المعركة الحاسمة، لتحقيق أهدافهم في الفتح. ب - فتوح المدن الثانوية: كانت المعركة الحاسمة، وما جرى بعدها من مطاردة طارق للقوط الهاربين، حول مدينة شَذُوْنَة، دون أن يفتح المسلمون هذه المدينة. ويبدو أن أهلها ومَن لاذ بها من القوط الهاربين وحامية المدينة من الجيش القوطي المحلي، قد قرروا الدفاع عن المدينة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وبدأ

стр. 303

طارق يجني ثمار جهاده وانتصاره في وادي لَكُّةْ، فبدأ بحصار شذونة ( Sidonia) وفتحها عَنْوَة بعد حصار. ومضى إلى ميدنة المَدُور (١) ( Almodovar) وهي مدينة مَوْرور ( Moron) (٢) فافتتحها أيضاً. ثم عطف طارق على مدينة قَرْمُوْنَة (٣) ( Carmona) ففتحها أيضاً. واتجه طارق نحو مدينة إِشْبِيْلِيِة (٤) ( Sevilla, Seville) فتم له فتحها صلحاً، إذ صالحه أهلها على الجِزْيَة. وزحف طارق إلى مدينة إِسْتَجّة (٥)، فعسكر حول المدينة، وضرب حولها الحصار. وقد أبدت حامية المدينة، مقاومة مستميتة للدفاع عنها، وكانت المدينة تمثل المركز الأول للمقاومة، إذ كانت فلول القوط قد تجمعت هناك (٦). وبعد معركة قاسية، حقق المسلمون نصراً آخر على الرغم من مقتل وجرح العديد من رجالهم (٧)، وغنموا في هذه المعركة العديد من الخيول

стр. 304

التي كانوا في حاجة ماسة إليها، وتفرق من بقي من فلول القوط إلى المدن الأندلسية الأخرى. ومن الطريف، أن طارقاً ظفر بالعِلْج صاحب إسْتَجَّة، فقد كان مُغترّاً سيئ التدبير، فخرج إلى النهر وحده لبعض حاجاته، فصادف طارقاً هناك قد أتى لمثل ذلك، وطارق لا يعرفه. ووثب عليه طارق في الماء، فأخذه وجاء به إلى معسكر المسلمين، فلما كاشفه اعترف له بأنه أمير المدينة، فصالحه طارق على ما أحبّ، وضرب عليه الجزية، وخلّى سبيله، ولعلّه عاون في استسلام المدينة للمسلمين، فقد كانت في موقع حصين، يساعدها على الدفاع المدبّر، كما كان فيها حماة من القوط الهاربين ومن أهل المدينة بأعداد لا يستهان بها، ساعدهم على الدفاع المديد، ولكن المسلمين فتحوها أخيراً بعد أن تكبدوا خسائر لا يستهان بها من الشهداء والجرحى. وازدادت خشية القوط من المسلمين، وبشكل خاص عندما تبين لهم أن هيمنة طارق أصبحت مؤثرة وفعّالة في مناطق عديدة من بلاد الأندلس. وقد كان بعضهم يعتقد أول الأمر، أن هدف طارق، هو الحصول على الغنائم والعودة إلى الشمال الأفريقي، كما فعل طريف بن مالك من قبله، ولكنهم حين رأوا تقدمه السريع، هجروا مناطق السهول من البلاد، ولجأوا إلى الجبال وبقية المدن الحصينة الأخرى (١). وأصبحت حالة القوط ممزّقة بعد موت لذريق (٢)، نتيجة من نتائج انتصار المسلمين الحاسم، وعمد دوق ( Duke) كل منطقة إلى الاستقلال بناحيته، وضرب الخوف والارتباك أطنابها في صفوف القوط، فاتخذت البلاد المهمّة مثل قُرْطُبَة وطَلَيْطُلَة وماردة والبيرة لها حكاماً ...............................................................

стр. 305

مستقلِّين (١). والواقع أن لهذه المدن، ولغيرها، في أيام لذريق وأسلافه من ملوك الأندلس، حكاماً مستقلين، ولكنهم كانوا يرتبطون بالملك ويخضعون لأوامره وتوجيهاته، فلما قضى المسلمون على لذريق، كما قضوا على معظم جيشه الذي هو جيش المملكة المسئول عن حمايتها والدفاع عنها، وليس جيشاً محلياً مسئولاً عن حماية منطقة معينة والدفاع عنها، لم يبق في الأندلس ملك يجمع شمل الحكام تحت سيطرته ورايته، ولم يبق جيش للملك يفرض سيطرته على الحكام وعلى مناطقهم، ويعين الملك على فرض سيطرته، ويسيطر على أرجاء البلاد كافة ويجمع شملها ويوحِّد كلمتها، فأصبح حكام المدن الأندلسية والمناطق الأندلسية بطبيعة الحال حُكاماً مستقلين، كل واحد منهم هو المسؤول الأول عن حماية مدينته أو منطقته والدفاع عنها، إذ لم يبق من يدافع عنهم بعد القضاء على الملك وجيشه، بفضل انتصار المسلمين على القوط في معركة وادي لَكُّهْ الحاسمة، وليس كما يحاول إظهاره بعض المؤرخين الأجانب، بأنه أثر من آثار يليان وحزب غيطشة في القوط، لا أثر من آثار انتصار المسلمين على القوط. واستبان لطارق كثرة مَن معه من المجاهدين، وصعوبة الاستفادة منهم جميعاً في حملة واحدة، وضعف مقاومة القوط المندحرين، فاستمع إلى نصيحة يليان بأن يفرِّق جنده في بعوث جانبية قائلاً له: "قد فتحت الأندلس، فخذ من أصحابي أدلاّء، ففرِّق معهم جيوشك، وسر معهم إلى مدينة طُلَيْطُلَة" ففرق جيوشه من إِسْتِجَّة (٢). ووجه طارق من إِسْتِجَّة سرايا جنده إلى عدّة جهات، فبعث جيشاً بقيادة مُغِيث الرُّومي مولى الخليفة الوليد بن عبد الملك لفتح مدينة قُرْطُبَة ( Cordoba) في سبعمائة فارس، فاستطاع مغيث فتح المدينة دون مشقة كبيرة بفضل

стр. 306

شجاعته وصدق المجاهدين المسلمين (١). وأرسل جيشاً إلى مدينة مالَقَة (٢) ( Malaga) وآخر إلى كورة إَلُبِيرَة (٣) ( Elvira) حيث افتتح مدينتها غَرْناطة (٤) ( Granada) وكذلك إلى كورة تُدْمير (٥) ( Tudmir) وكانت قاعدتها أُورْيُولة (٦) ( Orihuela) التي حلّت مدينة مُرْسِيَة (٧) ( Murcia) محلّها قاعدة لكُوْرَة مُرْسِيَة بدلاً من تُدْمير (٨). وقد حدثت معارك عديدة في هذه المناطق، فاستطاع المسلمون فتح عدة مدن فيها (٩)، يقول الرازي: "ففرّق طارق جيوشه من إِسْتِجَّة، فبعث مغيثاً الرومي مولى الوليد بن عبد الملك إلى قُرْطُبَة - وكانت من أعظم مدائنهم - في سبعمائة فارس، لأن المسلمين ركبوا جميعاً خيل العجم، ولم يبق فيهم راجل، وفَضَلت عنهم الخيلُ، وبعث جيشاً آخر إلى مَالَقَة، وآخر إلى غَرْناطة

стр. 307

مدينة إِلْبِيْرَة، وسار هو في معظم الجيش إلى كورة جَيَّان يريد طُلَيْطلة" (١). ثم ينقل المَقَّري عق الرازي ما يتعلق بفتح تُدْمير، فيقول: "وأما مَن وُجِّه إلى مَالَقَة ففتحوها، ولجأ علوجها إلى جبال هناك ممتنعة، ثم لحق ذلك الجيش بالجيش المتوجه إلى إِلْبِيْرَة، فحاصروا مدينتها غَرْناطة، فافتتحوها عَنْوَة" (٢)، "ومضى الجيش إلى تُدْمِير، وتُدْمِير: اسم العِلْج صاحبها، سُميت به، واسم قصبتها: أُورْيُولَة، ولها شأن في المَنَعَة، وكان ملكها عِلْجاً داهية" (٣). وهذا يعني، أن سرية مَالَقَة التحقت بعد فتح مَالَقَة بسرية إِلْبيْرَة، وافتتحا تُدْمِير سويّة، فتكون على هذا عدد السرايا التي أرسلها طارق ثلاثاً، بدلاً من أربع (٤). وقد اعترض بعض المؤرخين المحدثين، على عملية طارق في فتح جنوب شرقي الأندلس وكبار مدائنه مثل مالَقَة وغرْناطة، وأُورْيُولَة، وادّعوا أن ذلك غير صحيح، لأن المسلمين لم يفتحوا هذه النواحي إلاّ في ولاية عبد العزيز بن موسى بن نُصير (٥). وذكروا: أنه لا يستبعد أن يكون طارق قد بعث سرايا صغيرة إلى هذه النواحي وغيرها لمجرد الاستطلاع لا للفتح، وكان الجند عنده قد كثروا، ففرّق أعداداً منهم في جماعات من رجال يليان يدلونهم على الطريق (٦).

стр. 308

وهذا الاعتراض خطأ بلا شك، لأن المصادر المعتمدة تؤكد أن طارقاً بعث السرايا لهذا الفتح، كما أن طارقاً لا يمكن أن يتقدم شمالاً بإتجاه طُلَيْطلَة ويترك جناحه الأيمن ومؤخرته في خطر التعرض المعادي، لوجود بلدان تخضع للقوط وتعادي المسلمين، وبدون تطهير تلك المناطق، تبقى خطوط مواصلاته معرّضة للتهديد المعادي المباشر، وهذا ما لا يسكت عنه قائد حصيف قادر مثل طارق ولا يمكن أن يغض الطرف عنه في أي حال من الأحوال. وكان فتح عبد العزيز بن موسى بن نُصير لهذه المناطق ليس فتحاً جديداً، بل إن مدنها انتقضت على المسلمين، فأعاد عبد العزيز فتحها من جديد. وهناك روايات تنص على أن طارقاً هو الذي قاد جيش قُرطبة وفتحها (١)، ويبدو أن الرواية الأولى أصحّ، لأن هدف طارق في فتح قرطبة كان ثانوياً بالنسبة إلى هدفه في فتح طليطلة عاصمة البلاد ومركز مقاومتها، كما سيرد ذلك وشيكاً. ج - فتح قُرْطُبة: عهد طارق إلى مغيث الرومي بقيادة الحملة المتوجهة إلى قرطبة. ويقال بأن مغيثاً هذا، كان أسيراً رومياً من الشرق، وإنه كان مولى للخليفة الوليد بن عبد الملك أو لأبيه عبد الملك بن مروان (٢). ولكن الأكثر احتمالاً، هو أن مغيثاً كان رومياً من شمالي إفريقية، ويؤيد هذا الرأي اطلاع مغيث ومعرفته الواسعة بهذه المنطقة وبالأندلس أيضاً (٣). وقد تقدم مغيث على رأس سرية

стр. 309

مؤلفة من سبعمائة فارس من إِسْتِجَّة إلى قرطبة، بينما زحف طارق ببقية رجاله إلى طليطلة. وصل مُغيث إلى ضواحي قرطبة، وعسكر في شَقُندَة ( Seconda) قرب ضفاف نهر الوادي الكبير، فوجد أن حاكم المدينة القوطي لا يزال موجوداً هناك، ترافقه حامية مكوّنة من نحو أربعمائة أو خمسمائة رجل، أما بقية سكان المدينة، فقد غادروها إلى طليطلة. وأفلح مغيث في اقتحام المدينة بسبب تهدم أسوارها، فانسحب حاكمها مع حاميته، وتحصنوا في كنيسة تقع خارج الأسوار تدعى: سان أسيكلو ( San Acisclo) حيث ضرب عليهم الحصار لمدة ثلاثة أشهر. وعندما أيقن هؤلاء بعدم قدرتهم على الاستمرار في المقاومة، حاول حاكم المدينة وقائد حاميتها الهرب إلى طليطلة، ولكنه وقع في أسر المسلمين، وأبيدت الحامية بأجمعها. وبعد ذلك اتخذ مغيث قصر المدينة سكناً له، بينما سكن رجاله في المدينة (١). وكان من عوامل انتصار المسلمين على القوط، أنهم استطاعوا قطع الماء عن المحصورين، وكان يجري إلى الكنيسة في مجرى تحت الأرض، فلم يفطن إليه المسلمون أولاً، حتى اكتشفه رجل من السود ممن كان مع المسلمين (٢)، ولكن المحصورين صبروا صبراً طويلاً رغم قطع الماء عنهم، حتى استسلموا أخيراً، وأسر حاكم المدينة وقائدها (٣) وأبيد رجاله (٤). د - فتح طُلَيْطُلَة (٥):

стр. 310

سار طارق بمعظم جنوده (١) إلى كورة جَيَّان (٢) في طريقه إلى عاصمة القوط: طُلَيْطُلَة ( Toledo) وقد اتّبع طريقه الطريق الروماني القديم الذي يمرّ بمدينة جَيَّان ( Jaen) والذي يدعى: طريق هانيبال (٣) ( Anibal) مخترقاً هضاب الأندلس وجبال سيرا مورينا (جبل الشارات)، وكان القوط قد فرّوا من طُلَيْطُلَة نحو الشمال بأموالهم وآثار قديسيهم، ولم يبق من سكانها غير عدد قليل من يهود ونصارى. وفتح طارق المدينة، وأبقى على من بقي من سكانها، وترك لأهلها عدّة كنائس، وترك لأحبارها حرية إقامة الشعائر الدينية، وأباح للنصارى من القوط والرومان اتباع شرائعهم وتقاليدهم، واختار لحكمها وإدارتها أوباس مطرانها السابق وأخا الملك وتيزا (٤). وسار طارق من طليطلة لملاحقة الهاربين، مخلفاً وراءه حامية من المسلمين للدفاع عن المدينة، واتخذ طريق وادي الحجارة، فعبر السلسلة الجبلية المسماة: ( Cerro de san juan del Viso) عند ممر سمي على اسمه بفج طارق (٥). وعندئذ وصل إلى مدينة خلف الجبل تسمى: مدينة المائدة (٦)، وهذه المدينة هي قلعة هنارس ( Alcala Hanares) التي تقع شمال شرقي مدينة

стр. 311

مَدْريد (١). واسم المائدة، مشتق من مائدة عَثر عليها طارق، وهي كما يُروى تعود إلى سليمان بن داوود ﵉ (٢). ولكن ابن حيّان ينكر هذا الادِّعاء، ويذكر أن هذه المائدة صنعت من الذهب والفضة ومن معادن نفيسة أخرى، بتبرعات ومساهمة أغنياء القوط لكنيسة طليطلة، واستُخدمت من قبل القساوسة لحمل الأناجيل أيام الأعياد، وزينة توضع فوق مذابح الكنيسة (٣). والاحتمال الغالب أنها كانت مذبحاً لكنيسة طليطلة أكثر من كونها مائدة حقيقية، حملت إلى هذا المكان القصي الحصين من قِبَل الهاربين من القساوسة ورجال الدين المسيحي (٤)، وكان أسقف طليطلة نفسه سَنْدَرِد ( Sindered) من بين الذين تمكنوا من الهرب في أثناء الفتح، ونجح فعلاً في الوصول إلى إيطاليا (٥). وبعد افتتاح قلعة هنارس غنم طارق هذه المائدة مع التحف الثمينة الأخرى (٦).

стр. 312

وكان الصيف قد انقضى، وأقبل شهر تشرين الأول (أكتوبر) سنة ثلاث وتسعين الهجرية (تشرين الأول ٧١١ م) ومعه برد الخريف، ففضّل طارق وأصحابه العودة إلى طليطلة لكي يقضوا الشتاء فيها (١)، وكانت الغنائم قد أثقلت جيش طارق إلى حدّ عظيم. ومع هذا، فهناك روايات أخرى، تشير إلى أنه استمر في فتوحه، فوصل إلى جلِّيقِيّة (٢) ( Galicia) وأَسْتُرْقَة (٣) ( Astorga) وما يجاورهما من مناطق (٤)، الأمر الذي يصعب تصديقه، خاصة إذا أخذنا بنظر الإعتبار، إطلالة الشتاء، ووعورة المنطقة (٥). وتغلغل طارق عميقاً في أنحاء الأندلس، بشكل لا يتناسب مع ما لديه من قوّات مقاتلة (٦). وفي ذلك يقول ابن حَيّان - فيما ينقله

стр. 313

المَقَّري في نفح الطيب -: "ومضى خلف من فرّ من أهل طليطلة، فسلك إلى وادي الحجارة ( Guadalajar) ثم استقبل الجبل فقطعه في فجّ سمي به بعد، فبلغ مدينة المائدة خلف الجبل، ....... ، ثم مضى إلى المدينة التي تحصنوا بها خلف الجبل، فأصاب بها حُلِيّاً ومالاً، ورجع ولم يتجاوزها إلى طليطلة، سنة ثلاث وتسعين. وقيل: إنه لم يرجع، بل اقتحم أرض جلِّيقِيّة واخترقها حتى انتهى إلى مدينة أسْتُرْقَة، فدوّخ الجبهة، وانصرفَ إلى طليطلة، والله أعلم" (١)، فقد عاد من مدينة المائدة، لأن الشتاء كان قد اقترب، وكان الإجهاد قد نال من المسلمين، وثقلوا بالغنائم، والأرجح أنه قام بحملاته نحو هذين البلدين القاصيين بعد ذلك بزمن ليس بالقصير (٢)، وقد استغرقت عمليات الفتح التي قام بها طارق، قبل لقائه بموسى بن نُصير وإنجازاته أقل من سنة، ربما بعدّة شهور (٣). بقي عليّ أن أشير إلى تعاون المسلمين ويهود الأندلس، فهناك إشارات كثيرة في المصادر الإسلامية إلى هذا التعاون في أثناء فتح الأندلس، وتروي هذه المصادر أن المسلمين كرّروا ما فعلوه في قُرطبة وطليطلة على بقية المدن الأندلسية المفتوحة الأخرى، فحين يتم لهم فتح مدينة من المدن، يعمدون إلى ضم سكانها من يهود إلى المسلمين المدافعين عنها، حاميةً لها، بعد حركة المسلمين إلى فتح جديد (٤). ومن الناحية الأخرى، فإن المصادر اللاتينية لا تشير إلى أيّ نوع من تعاون المسلمين مع يهود الأندلس، وبصورة خاصة حولية سنة (٧٥٤ م) وحولية بلدة

стр. 314

قرطبة، وحولية الفونسو الثالث. ولكن لذريق الطليطلي ( Rodericus Toletanus. Roderic of Toledo) ولوقا دي توي ( Lucasde Tuy) = (Lucas of Tuy) قد ذكروا بأن يهود الأندلس ساعدوا المسلمين في الفتح (١). ولا يمكن تجاهل روايات المصادر الإسلامية إلى هذا التعاون، ومع هذا فإنه من غير الممكن تجاهل أن قصة هذا التعاون قد بولغ فيها كثيراً (٢)، ولم يُفهم القصد منها تماماً كما ينبغي. ومن المحتمل أن يهود الأندلس حاولوا مساعدة المسلمين حينما أصبح هؤلاء فعلاً في الأندلس منتصرين، وذلك نتيجة للاضطهاد الذي لاقاه يهود الأندلس على يد ملوك القوط (٣)، ولكن من المستحيل أن يكون هناك أي اتفاق سابق أو مؤامرة - كما يحاول أن يبرهن بعض المؤرخين الإسبان (٤) - بين المسلمين ويهود الأندلس لتسليم البلاد إلى المسلمين، إذ لم يكن بمقدورهم أن يفعلوا ذلك لضعفهم وتفككهم وانهيار معنوياتهم وشعورهم بمركب النقص، فهم كانوا بحاجة إلى مساعدتهم وإلى من يساعدهم، ولم يكونوا قادرين على مساعدة أحد بالقوة، لافتقارهم إلى القوة. ومن المفيد في هذا المجال، أن نلاحظ، أن هذه الاتهامات قد رفضت من قبل مؤرخي يهود، باعتبارها أساطير معادية للسامية ( Anti-Semitic Logends) (٥) .

стр. 315

والواقع هو أن يهود الأندلس، قبل الفتح الإسلامي للأندلس، كانوا مضطهدين من ملوك القوط ومن القوط أنفسهم، فلما انتصر المسلمون على القوط، عرض يهود خدماتهم على المسلمين، الذين رفعوا عنهم الظلم وعاملوهم بالحسنى معاملة إنسانية، كدأبهم مع المظلومين بعامة وأهل الكتاب منهم بخاصة، فعاونوا حاميات المدن الأندلسية المفتوحة من المسلمين، بإنذارهم المبكر بنوايا القوط وتحركاتهم، والمسلمون وحدهم يدافعون عن المدن المفتوحة، بالاستعانة بالعيون والأرصاد والجواسيس من يهود الأندلس، باعتبارهم من أهل تلك المدن، وأعرف الناس بمداخلها ومخارجها ومواطن ضعفها وقوتها، ولم يتطرق مصدر من المصادر الإسلامية إلى أن يهود الأندلس دافعوا عن المدن المفتوحة مع المسلمين بالسلاح، ولم تتطرق تلك المصادر إلى أن يهود الأندلس قاتلوا القوط مع المسلمين. ولقد عاون يهود الأندلس المسلمين الفاتحين، لأن المسلمين كانوا أعداء القوط، وعدوّ عدوي صديقي - كما يقول المثل العربي المشهور - ولكن هذا السبب ليس كافياً بالنسبة للعقلية اليهودية المعروفة، والسبب المهم هو أن المسلمين هم المنتصرون، والقوط هم المغلوبون، فهم دائماً مع المنتصر على المغلوب، ومع القوي على الضعيف، لأنهم يستفيدون من المنتصر لحمايتهم وتوقع الانتفاع منه في مصالحهم المادية والمعنوية. ثم إن المسلمين الفاتحين أصبحت بيدهم مقاليد الأمور في المدن المفتوحة، وهم حكام الأندلس اليوم وغداً. أما القوط، فقد كانوا حكام الأمس، ولا فائدة ترتجى منهم اليوم أو غداً، ويهود مع من بيده مقاليد الأمور، الحاكم الذي يستطيع أن يفيد ويضر، لا مع من لا يستطيع أن يفيد ويضر، وليس له من الأمر أي شىء. وقد ذاع عدل المسلمين ومعاملتهم الناس بالحسنى، بينما جرّب يهود الأندلس القوط، فلم يجدوا منهم إلاّ الظلم والاضطهاد، فعاونوا أصحاب العدل على أصحاب الظلم، وأصحاب الرحمة على أصحاب الاضطهاد.

стр. 316

ولكن يهود الأندلس كانوا مع المسلمين في الأندلس، ما داموا أقوياء متحدين، فلما ضعفوا وتفرقوا، وأصبحوا دويلات بعد أن كانوا دولة واحدة، وقوي الإسبان واشتد ساعدهم، وأخذوا يعملون على استعادة بلادهم من المسلمين بالسياسة والحيلة والتآمر تارة، وبالقوة تارة أخرى، أصبح يهود الأندلس مع الأسبان على المسلمين، فلما استولى الإسبانيون على إسبانيا، وانحسر حكم المسلمين عن الأندلس، لقي يهود إسبانيا من الإسبان جزاء سِنِمار، واضطُهد مَن بقي منهم في إسبانيا اضطهاداً ذكّرهم باضطهاد القوط لهم قبل الفتح الإسلامي، وحينذاك فقط، قال قائلهم: كانت أسعد أيام يهود الأندلس، طيلة تاريخهم في الأندلس، هي أيام الحكم الإسلامي في الأندلس، ففي تلك الأيام وحدها عرفنا الحرية والعدل والرخاء والتسامح، ولم نكن نعرف هذه القيم قبل المسلمين، ولا عرفناها بعدهم! إن يهود الأندلس، كبقية يهود العالم، في كل زمان ومكان، يعملون من أجل مصالحهم فقط، لا من أجل أشخاصٍ معينين أو أمم معينة، أو مبادئ وقيم معينة، فهم يعاونون مصالحهم، ويتعاونون مع مصالحهم، وهم يعينون من ينفعهم في مصالحهم، ويتعاونون معه، فمصلحتهم أولاً وقبل كل شيء، والتعاون والمعاونة من أجل تلك المصالح الذاتية. ذلك هو مظهر تعاونهم سراً، في نقل الأخبار ونشر الإشاعات وخلق الفتن والتجسس، لهم الغُنْم دوماً دون الغُرْم، والمنفعة دون الضرر، ولهم مصالحهم وعلى غيرهم تحمل المسئولية. ٧ - فتوحات طارق بعد عبور موسى بن نُصَيْر إلى الأندلس أ - بين موسى وطارق: كان رد الفعل لانتصار حملة طارق عظيماً في شمالي إفريقية، فبعد

стр. 317

سماعهم أخبار النصر الذي أحرزه طارق على لذريق، اتجه البربر نحو الأندلس من كل صوب، واجتازوا المضيق بكل ما وقعت عليه أيديهم من قوارب ومراكب، وبعد وصولهم استوطنوا المناطق السهلة من البلاد التي هجرها سكانها الأصليون، الذين اضطروا إلى اللجوء نحو القلاع والحصون، أو هربوا إلى المناطق الجبلية (١). وبعد أن فتح المسلمون عاصمة البلاد وكسروا قوات لذريق وقضوا على كل أمل للقوط في العودة إلى الحكم، تقدم أبناء غيطشة إلى طارق يطلبون إليه الوفاء لهم بما وعدهم من الكرامة وحسن الجزاء، ويبدو أنهم كانوا يطمعون أن ينسحب المسلمون من الأندلس ليعود أبناء غيطشة إلى الحكم من جديد، فلما تبين لهم أن طارقاً ومن معه جاءوا ليبقوا لا ليرحلوا، وأنهم جاءوا لنشر الإسلام بالدعوة إلى الله، سُقط في أيديهم، ووجدوا أن لا مندوحة لهم عن القناعة بما يمنحهم المسلمون إيّاه، فمنحهم طارق ضياع أبيهم - وكان عددها كبيراً - وأمضاها لهم. ويبدو أنهم طمعوا بالمزيد، فلم يجبهم طارق إلى ما سألوا، لأن ذلك يخالف ما وعدهم به، وهو منحهم ضياع أبيهم بلا زيادة ولا نقصان، فاستأذنوا طارقاً في المسير إلى موسى بن نُصير في إفريقية، وسألوه الكتابة إليه بشأنهم معه، وما أعطاهم من عهد، ففعل. ولما بلغوا موسى، أقرّ طارقاً على ما فعل. ويبدو أنهم ألحّوا على موسى بالزيادة، فأحالهم على الخليفة نفسه (٢)، فأقرّ عهد موسى وطارق (٣). وكان طارق على صلة بقائده موسى بن نُصير: يفتح الفتوحات باسمه وبتعليماته وأوامره ووصاياه، ويخبره عن كل شيءٍ أولاً بأوّل منذ بداية الفتح، ويستشيره بكل ما يحتاج إلى المشورة، "اتصل الخبر بموسى بكتاب طارق إليه، فكتب به، موسى إلى ...........................................

стр. 318

الوليد" (١). وبعد سنة من عبور طارق، وتفرّق جيشه وتوزيعه على المناطق والمدن التي فتحت، خاف طارق أن يُغلب، وأن يستغل القوط قلة جيشه، فأرسل إلى موسى يستنجده (٢). والأمثلة على اتصال طارق بموسى في المصادر الإسلامية كثيرة جداً، مما يدل على أن الانسجام والتعاون والوفاق كانت سائدة بين موسى وطارق. وبلغت فتوحات طارق أسماع موسى، فغضب موسى لعصيان طارق لأوامره، فقد أمره موسى ألاّ يتعدى قرطبة على قول، أو موضع هزيمة لذريق في وادي لَكُّهْ على قول آخر (٣)، فسارع موسى إلى عبور المجاز ودخول الأندلس. وهناك مَنْ ينصّ، على عبور موسى بن نُصير إلى الأندلس كان بسبب استدعاء طارق إياه (٤)، فقد كتب طارق إلى موسى: " إن الأمم قد تداعت علينا من كل ناحية، فالغوث ... الغوث ... "، فلما أتاه الكتاب، نادى في الناس وعسكر، فاستخلف عبد الله بن موسى بن نصير على إفريقية وطنجة والسّوس (٥)، وكتب ساعة قدم عليه كتاب طارق إلى مروان بن موسى أنه يأمره بالمسيرة، فسار مروان بمن معه، حتى أجاز إلى طارق قبل دخول أبيه موسى. وخرج موسى بن نصير والناس معه، حتى أتى المجاز، فأجاز بمن

стр. 319

زحف معه في جموعه (١). هذان السببان مقبولان غاية القبول، من الناحية العسكرية العلمية البحت، فقد شعر موسى أن المسلمين قد استرسلوا بالفتح، أكثر مما ينبغي، بالنسبة للقوات المتيسرة لديهم، وأن خطوط مواصلاتهم في شبه الجزيرة الواسعة الأرجاء في خطر داهم، فقد بَقيت مدن الشرق والغرب الأندلسية لم تفتح بعد، وكان لابد من فتحها، وإلاّ تعرض المسلمون الفاتحون لخطر عزل قواتهم عن بعضها، والقضاء عليها وهي متفرقة ضعيفة في كل مكان تحل فيه، وقطع خطوط مواصلاتها الواهنة لامتدادها بعيداً عن قواعدها، ولأن أجنحتها مكشوفة لوجود مدن معادية غير مفتوحة قريبة منها وتستطيع التأثير فيها بسهولة وسرعة، ولأن قوات المسلمين كانت قليلة جداً، بالنسبة إلى طول خطوط مواصلاتها وإلى سعة البلاد وكثافة سكانها. وفعلاً حدث ما توقعه طارق وموسى، فقد أصبحت قسم من قوات المسلمين منعزلة أو شبه منعزلة، بعيدة عن إمكان دعمها بقوات إسلامية كافية عند الحاجة، وأصبح موقف المسلمين بصورة عامة في الأندلس خطيراً للغاية، مما جعل طارقاً يستغيث بموسى، فلا يرى موسى حلاًّ مُرضيًا إلاّ أن يعبر إلى الأندلس بنفسه مع قوات إسلامية كافية، لمعالجة الأمور هناك، فحشد لحملته هذه كل قواته المتيسرة: عشرة آلاف من العرب، وثمانية آلاف من البربر، في سفن صنعها خصيصاً لذلك، يحفِّزه شغف بالفتح رغماً من شيخوخته، ونزل بولاية الجزيرة، حيث استقبله الكونت يُليان، وذلك في شهر رمضان من سنة ثلاث وتسعين الهجرية (٢) حزيران - تموز ٧١٢ م).

стр. 320

وأكاد أتبين بوضوح، أن موسى كان يعرف حرص الخليفة الوليد بن عبد الملك على أرواح المسلمين حرصاً لا مزيد عليه. وأنه كان يمانع من ركوب البحر ومن فتح الأندلس حرصاً على أرواح المسلمين، وأنه وافق على ركوب البحر وفتح الأندلس أخيراً بعد إلحاح موسى بن نصير عليه وتزيين أمر الفتح له وتهوين أمر ركوب البحر عليه، على أن تبقى مسئولية العملية كلها على عاتق موسى وحده دون سواه، إذا لحق بالمسلمين ضرر، وغُرِّر بهم، فقد كتب موسى إلى الوليد بن عبد الملك يستأذنه في فتح الأندلس، فأجابه الوليد: "أنْ خضها بالسرايا، حتى ترى وتختبر بشأنها، ولا تُغرِّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال"، فلما راجعه موسى، أنه ليس ببحر زخّار، إنما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه، أجابه الوليد: "وإن كان، فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه" (١)، وهكذا بقي موسى مع موافقة الوليد، المسئول الأول عن عملية العبور والفتح، ولن يتساهل معه الوليد إذا لحق بالمسلمين خسائر بالأرواح دون مسوِّغ منطقي مقبول. لقد كان نزول موسى إلى الأندلس لسبب حربي واضح، وهو تدعيم الفتح وترصينهُ، وحتى يحول دون وقوع كارثة أكيدة بالمسلمين، من جرّاء تغلغل طارق في الأندلس تغلغلاً لا يتناسب مع ما لديه من رجال. وقد يرد على البال - وبخاصة بالنسبة للمدنيين - أن أعداد المسلمين تكاثروا في الأندلس بعد انتصاراتهم المتوالية، فقد زحف البربر بأعداد ضخمة إلى برّ الأندلس، واستوطنوا سهولها التي نزح عنها سكانها الأصليون، ولكن تعداد المسلمين الإجمالي في الأندلس، ليس هو المهم، بل المهم هو تعداد المقاتلين منهم، المدربين على القتال، والمجرِّبين في
следующие страницы →