← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ولكن يهود الأندلس كانوا مع المسلمين في الأندلس، ما داموا أقوياء متحدين، فلما ضعفوا وتفرقوا، وأصبحوا دويلات بعد أن كانوا دولة واحدة، وقوي الإسبان واشتد ساعدهم، وأخذوا يعملون على استعادة بلادهم من المسلمين بالسياسة والحيلة والتآمر تارة، وبالقوة تارة أخرى، أصبح يهود الأندلس مع الأسبان على المسلمين، فلما استولى الإسبانيون على إسبانيا، وانحسر حكم المسلمين عن الأندلس، لقي يهود إسبانيا من الإسبان جزاء سِنِمار، واضطُهد مَن بقي منهم في إسبانيا اضطهاداً ذكّرهم باضطهاد القوط لهم قبل الفتح الإسلامي، وحينذاك فقط، قال قائلهم: كانت أسعد أيام يهود الأندلس، طيلة تاريخهم في الأندلس، هي أيام الحكم الإسلامي في الأندلس، ففي تلك الأيام وحدها عرفنا الحرية والعدل والرخاء والتسامح، ولم نكن نعرف هذه القيم قبل المسلمين، ولا عرفناها بعدهم! إن يهود الأندلس، كبقية يهود العالم، في كل زمان ومكان، يعملون من أجل مصالحهم فقط، لا من أجل أشخاصٍ معينين أو أمم معينة، أو مبادئ وقيم معينة، فهم يعاونون مصالحهم، ويتعاونون مع مصالحهم، وهم يعينون من ينفعهم في مصالحهم، ويتعاونون معه، فمصلحتهم أولاً وقبل كل شيء، والتعاون والمعاونة من أجل تلك المصالح الذاتية. ذلك هو مظهر تعاونهم سراً، في نقل الأخبار ونشر الإشاعات وخلق الفتن والتجسس، لهم الغُنْم دوماً دون الغُرْم، والمنفعة دون الضرر، ولهم مصالحهم وعلى غيرهم تحمل المسئولية. ٧ - فتوحات طارق بعد عبور موسى بن نُصَيْر إلى الأندلس أ - بين موسى وطارق: كان رد الفعل لانتصار حملة طارق عظيماً في شمالي إفريقية، فبعد

стр. 317

سماعهم أخبار النصر الذي أحرزه طارق على لذريق، اتجه البربر نحو الأندلس من كل صوب، واجتازوا المضيق بكل ما وقعت عليه أيديهم من قوارب ومراكب، وبعد وصولهم استوطنوا المناطق السهلة من البلاد التي هجرها سكانها الأصليون، الذين اضطروا إلى اللجوء نحو القلاع والحصون، أو هربوا إلى المناطق الجبلية (١). وبعد أن فتح المسلمون عاصمة البلاد وكسروا قوات لذريق وقضوا على كل أمل للقوط في العودة إلى الحكم، تقدم أبناء غيطشة إلى طارق يطلبون إليه الوفاء لهم بما وعدهم من الكرامة وحسن الجزاء، ويبدو أنهم كانوا يطمعون أن ينسحب المسلمون من الأندلس ليعود أبناء غيطشة إلى الحكم من جديد، فلما تبين لهم أن طارقاً ومن معه جاءوا ليبقوا لا ليرحلوا، وأنهم جاءوا لنشر الإسلام بالدعوة إلى الله، سُقط في أيديهم، ووجدوا أن لا مندوحة لهم عن القناعة بما يمنحهم المسلمون إيّاه، فمنحهم طارق ضياع أبيهم - وكان عددها كبيراً - وأمضاها لهم. ويبدو أنهم طمعوا بالمزيد، فلم يجبهم طارق إلى ما سألوا، لأن ذلك يخالف ما وعدهم به، وهو منحهم ضياع أبيهم بلا زيادة ولا نقصان، فاستأذنوا طارقاً في المسير إلى موسى بن نُصير في إفريقية، وسألوه الكتابة إليه بشأنهم معه، وما أعطاهم من عهد، ففعل. ولما بلغوا موسى، أقرّ طارقاً على ما فعل. ويبدو أنهم ألحّوا على موسى بالزيادة، فأحالهم على الخليفة نفسه (٢)، فأقرّ عهد موسى وطارق (٣). وكان طارق على صلة بقائده موسى بن نُصير: يفتح الفتوحات باسمه وبتعليماته وأوامره ووصاياه، ويخبره عن كل شيءٍ أولاً بأوّل منذ بداية الفتح، ويستشيره بكل ما يحتاج إلى المشورة، "اتصل الخبر بموسى بكتاب طارق إليه، فكتب به، موسى إلى ...........................................

стр. 318

الوليد" (١). وبعد سنة من عبور طارق، وتفرّق جيشه وتوزيعه على المناطق والمدن التي فتحت، خاف طارق أن يُغلب، وأن يستغل القوط قلة جيشه، فأرسل إلى موسى يستنجده (٢). والأمثلة على اتصال طارق بموسى في المصادر الإسلامية كثيرة جداً، مما يدل على أن الانسجام والتعاون والوفاق كانت سائدة بين موسى وطارق. وبلغت فتوحات طارق أسماع موسى، فغضب موسى لعصيان طارق لأوامره، فقد أمره موسى ألاّ يتعدى قرطبة على قول، أو موضع هزيمة لذريق في وادي لَكُّهْ على قول آخر (٣)، فسارع موسى إلى عبور المجاز ودخول الأندلس. وهناك مَنْ ينصّ، على عبور موسى بن نُصير إلى الأندلس كان بسبب استدعاء طارق إياه (٤)، فقد كتب طارق إلى موسى: " إن الأمم قد تداعت علينا من كل ناحية، فالغوث ... الغوث ... "، فلما أتاه الكتاب، نادى في الناس وعسكر، فاستخلف عبد الله بن موسى بن نصير على إفريقية وطنجة والسّوس (٥)، وكتب ساعة قدم عليه كتاب طارق إلى مروان بن موسى أنه يأمره بالمسيرة، فسار مروان بمن معه، حتى أجاز إلى طارق قبل دخول أبيه موسى. وخرج موسى بن نصير والناس معه، حتى أتى المجاز، فأجاز بمن

стр. 319

زحف معه في جموعه (١). هذان السببان مقبولان غاية القبول، من الناحية العسكرية العلمية البحت، فقد شعر موسى أن المسلمين قد استرسلوا بالفتح، أكثر مما ينبغي، بالنسبة للقوات المتيسرة لديهم، وأن خطوط مواصلاتهم في شبه الجزيرة الواسعة الأرجاء في خطر داهم، فقد بَقيت مدن الشرق والغرب الأندلسية لم تفتح بعد، وكان لابد من فتحها، وإلاّ تعرض المسلمون الفاتحون لخطر عزل قواتهم عن بعضها، والقضاء عليها وهي متفرقة ضعيفة في كل مكان تحل فيه، وقطع خطوط مواصلاتها الواهنة لامتدادها بعيداً عن قواعدها، ولأن أجنحتها مكشوفة لوجود مدن معادية غير مفتوحة قريبة منها وتستطيع التأثير فيها بسهولة وسرعة، ولأن قوات المسلمين كانت قليلة جداً، بالنسبة إلى طول خطوط مواصلاتها وإلى سعة البلاد وكثافة سكانها. وفعلاً حدث ما توقعه طارق وموسى، فقد أصبحت قسم من قوات المسلمين منعزلة أو شبه منعزلة، بعيدة عن إمكان دعمها بقوات إسلامية كافية عند الحاجة، وأصبح موقف المسلمين بصورة عامة في الأندلس خطيراً للغاية، مما جعل طارقاً يستغيث بموسى، فلا يرى موسى حلاًّ مُرضيًا إلاّ أن يعبر إلى الأندلس بنفسه مع قوات إسلامية كافية، لمعالجة الأمور هناك، فحشد لحملته هذه كل قواته المتيسرة: عشرة آلاف من العرب، وثمانية آلاف من البربر، في سفن صنعها خصيصاً لذلك، يحفِّزه شغف بالفتح رغماً من شيخوخته، ونزل بولاية الجزيرة، حيث استقبله الكونت يُليان، وذلك في شهر رمضان من سنة ثلاث وتسعين الهجرية (٢) حزيران - تموز ٧١٢ م).

стр. 320

وأكاد أتبين بوضوح، أن موسى كان يعرف حرص الخليفة الوليد بن عبد الملك على أرواح المسلمين حرصاً لا مزيد عليه. وأنه كان يمانع من ركوب البحر ومن فتح الأندلس حرصاً على أرواح المسلمين، وأنه وافق على ركوب البحر وفتح الأندلس أخيراً بعد إلحاح موسى بن نصير عليه وتزيين أمر الفتح له وتهوين أمر ركوب البحر عليه، على أن تبقى مسئولية العملية كلها على عاتق موسى وحده دون سواه، إذا لحق بالمسلمين ضرر، وغُرِّر بهم، فقد كتب موسى إلى الوليد بن عبد الملك يستأذنه في فتح الأندلس، فأجابه الوليد: "أنْ خضها بالسرايا، حتى ترى وتختبر بشأنها، ولا تُغرِّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال"، فلما راجعه موسى، أنه ليس ببحر زخّار، إنما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه، أجابه الوليد: "وإن كان، فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه" (١)، وهكذا بقي موسى مع موافقة الوليد، المسئول الأول عن عملية العبور والفتح، ولن يتساهل معه الوليد إذا لحق بالمسلمين خسائر بالأرواح دون مسوِّغ منطقي مقبول. لقد كان نزول موسى إلى الأندلس لسبب حربي واضح، وهو تدعيم الفتح وترصينهُ، وحتى يحول دون وقوع كارثة أكيدة بالمسلمين، من جرّاء تغلغل طارق في الأندلس تغلغلاً لا يتناسب مع ما لديه من رجال. وقد يرد على البال - وبخاصة بالنسبة للمدنيين - أن أعداد المسلمين تكاثروا في الأندلس بعد انتصاراتهم المتوالية، فقد زحف البربر بأعداد ضخمة إلى برّ الأندلس، واستوطنوا سهولها التي نزح عنها سكانها الأصليون، ولكن تعداد المسلمين الإجمالي في الأندلس، ليس هو المهم، بل المهم هو تعداد المقاتلين منهم، المدربين على القتال، والمجرِّبين في

стр. 321

الميدان، فقد اختار موسى قوات طارق قبل إبحارها معه إلى الأندلس، واختار له جنود المدد وقيادتهم حين طلب طارق المدد، أما الذين جاءوا للارتزاق والسكنى من غير المدربين والمجرِّبين، فلا قيمة قتالية لهم في ميادين القتال. أما ما تردد في مصادر التاريخ الإسلامي، من أن موسى ما كاد يسمع بأخبار الفتح، حتى أكل الحسد قلبه، وقرر أن ينال هو الآخر نصيبه من شرف الفتح (١)، وأنه أساء معاملة طارق وضربه بالسوط (٢)، فمغالى به، إذ لا يُعقل أن يصدر ذلك عن تابعي جليل وقائد فاتح عرف بالعقل والإتزان والمروءة كموسى بن نصير. ثم إن طارقاً كان مولى لموسى، يعمل بأوامره، وينفذها نصاً وروحاً، وكان يكتب إليه أخبار الفتح مفصلاً، فلو أن موسى حسد طارقاً أو أساء الظن به، لاستطاع إزاحته عن طريقه، وذلك بعزله أو استدعائه، إلى القيروان، فليس من المعقول أن يستطيع طارق مخالفة أوامر مولاه موسى في شيءٍ. ولعل أوضح دليل، على مبلغ التزام طارق بطاعة موسى، وأنّه كان مثالاً للطاعة والنظام، أنه بعث بأولاد غيطشة إلى مولاه موسى، عندما قدموا إليه في طليطلة وقالوا له: "أنت أمير نفسك، أم على رأسك أمير؟ "، فقال طارق: "بل على رأس أمير، وفوق ذلك الأمير أمير عظيم" (٣)، وهذا يدل على منتهى الضبط وتقدير المسئولية والالتزام بسلسلة المراجع. وأوضح دليل، على أن قدوم موسى إلى الأندلس، كان لمعاونة طارق لا لتأديبه، وأنه قدم الأندلس لأغراض عسكرية بحت، هو أن موسى لم يذهب للقاء طارق بعد نزوله أرض الأندلس، وإنما انصرف إلى فتح كبار البلاد

стр. 322

الجنوبية والغربية التي خلّفها طارق دون فتح، وذلك لحماية جناح طارق الأيسر من جهة، ولتدعيم قواعد الفتح المتقدمة في الأندلس، ولتثبيت قوات العدو بإشغالها في جبهات عديدة بقوات المسلمين الضاربة، فلما تم له ذلك سار إلى طارق ولقيه في طَلَبِيرَة (١) على مقربة من طُليطلة، ويقال: إن الملاقاة بين طارق وموسى حدث في مكان يدعى المعرض ( Almaraz) بين نهري تاجُهْ ( Tajo) والتيتار ( Tietar) قرب طَلَبيرَة غربي طُليطلة (٢). وحين التقيا قال موسى لطارق: "يا طارق! إنه لن يجازيكَ الوليد بن عبد الملك على بلائك، بأكثر من أن يمنحك الأندلس، فاستبحه هنيئاً مريئاً"، فقال طارق: "أيها الأمير! والله لا أرجع عن قصدي هذا، ما لم أنتهِ إلى البحر المحيط، أخوض فيه بفرسي"، ولم يزل طارق يفتح وموسى معه، إلى أن بلغ إلى جِلّيقيّة، وهي على ساحل البحر المحيط (٣).

стр. 323

.........................................................................

стр. 324

ولم يلبث طارق وموسى أن تعاونا تعاوناً وثيقاً، فترك موسى طارقاً على قيادته، وسار كل منهما في اتجاه، متعاونين متساندين، وهذا واضح من قول ابن حيّان: "قالوا: ثم إن موسى اصطلح مع طارق، وأظهر الرضى عنه، وأقرّه على مقدّمته، وأمره بالتقدم أمامه في أصحابه، وسار موسى خلفه في جيوشه" (١). لقد تحمل جيش طارق من الأعباء ما يزيد على طاقته، لدرجة أجهد الجند وعرّضهم للأخطار، فقد اقتحم هذا الجيش الأندلس، وصادم القوط في مواقع موضعية وموقعة حاسمة، وتوغّل في قلب البلاد، واستولى على حاضرتها قبل أن يستفيق القوط من الصدمة، كل ذلك جرى في وقت قصير. ثم إن المقاومة القوطية بدأت تتكون وتترعرع وتشتد بالتدريج في نواحي البلاد، وبخاصة في جهة غربي الأندلس، حيث تصلح المناطق الجبلية المهجورة في إقليم استرامادور لأن تكون أوكاراً لرجال المقاومة القوطية، وهذا يفسِّر لنا خط سير الحملة التي قادها موسى بن نصير (٢)، فحمي الجناح الأيسر المكشوف لقوات طارق، وحرم المقاومة القوطية من فوصة التعرّض بخطوط مواصلات المسلمين، التي تربط قواتهم الأمامية بقواعدها المتقدمة في الأندلس. وهذا ما يفسر لنا أهم سبب من أسباب توقف طارق في طُليطلة وعدم تغلغله في الفتح، فقد حرص موسى - وهو على حق - على توقف

стр. 325

طارق عن الانطلاق شمالاً أو شرقاً أو غرباً للفتح، خوفاً من محاولة القوط قطع مواصلات قوات طارق، وحتى لا يتعرض جناحا قوات طارق الأيمن والأيسر لخطر تعرض المقاومة القوطية المحتملة، مما يسبب لها خسائر فادحة بالأرواح. والواقع، أن موسى كان يعمل مع طارق من أول نزوله الأندلس، بتعاون وثيق، وأن خروج طارق للقاء موسى عند طَلَبِيرَة لم يكن لمجرّد اللقاء، بل لغرض آخر حربي سنعرفه، وقد أتم الرجلان الفتح على أحسن ما يكون القادة تعاوناً. (١) ب - فتوح موسى قبل لقاء طارق: نزل موسى في جبل الفتح (جبل طارق)، ثم دخل الجزيرة الخضراء وأقام فيها أياماً للراحة والتأهب، فلما عزم السير، جمع حوله رايات العرب ووجوه الكتائب، وعددها يزيد على عشرين راية، فأجمعوا السير إلى إِشْبِيلِية وغزو ما بقي من غربي الأندلس حتى أكْشُوْنبة (٢). وزحف موسى إلى شَذُوْنة، ومنها سار إلى قَرْمُوْنَة ورَعْواق (٣) ( Guadaira Alca) ففتحها، وبهذا أمِّنت خطوط مواصلات المسلمين من الجزيرة الخضراء إلى قرطبة، إذ أصبحت سلسلة مدائن الجزيرة وشَذونة ورعواق وقَرْمُونة وإسْتجّة وقرطبة في يد المسلمين، وأصبح بإمكان موسى أن يتجه نحو الغرب

стр. 326

ليفتح إشْبِيلِية كبيرة مدائن شبه الجزيرة بعد طُليطلة إذ ذاك. واتجه موسى بقواته إلى إِشْبيلِية، ففتحها المسلمون بعد بضعة أشهر من الحصار، ويبدو أن سكانها فتحوا أبوابها للمسلمين بعد أن طال الحصار واشتد القتال. وأما حاميتها القوطية، فانسحبت إلى لَبْلَة (١) على مصب وادي آنة، ومنها إلى أَكْشُونِبَة ثم إلى بَاجَة (٢)، وهناك استقرّت تنتظر الحوادث. وسار موسى على رأس قواته قاصداً مارِدَة (٣)، متبعاً طريقاً رومانياً قديماً كان يصل البلدتين، واستولى في طريقه على بلدة تسمى لَقَنْت (٤) سلّم له أهلها دون مقاومة، فسموا لذلك: موالي موسى (٥). ولما أدرك موسى ماردة، وجدها أحصن وأقوى مما ظنّها، فقد كان الهاربون من فلول القوط قد تجمعوا فيها، لأنها بلد بعيد صعب المنال وعر المسالك، فأقام موسى محاصراً البلد بقية الصيف والشتاء التالي، ولم يسلّم البلد إلاّ في الأول من شهر شوال سنة أربع وتسعين الهجرية (٣٠ حزيران -

стр. 327

يونيو ٧١٣ م) بعد قتال طويل، هلك فيه نفر كبير من حامية البلدة بسبب كمائن أخفاها موسى في مقاطع الصخر أمام مخارج البلد، وقد استُشهد أثناء محاولات نقب السور نفر من المسلمين، سقطت عليهم دبابة كانوا قد اختفوا تحتها لينقبوا طبقة من السور مبنية من شيء يشبه التُرابة (١) الصلبة. ولم يسلِّم أهل البلد إلاّ بعد أن عاهدهم موسى على: (أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليقِيَّة للمسلمين، وأموال الكنائس وحليِّها لها)، وهي شروط سيكون لها أثر في تحديد العلاقة بين المسلمين والقوط فيما بعد (٢). وأقام موسى في ماردة أكثر من شهر، يرتِّب أحواله، وينظِّم أمورها، ويريح رجاله، ويكمل نواقصهم في السلاح والتجهيزات ووسائط النقل من الحيوانات، استعداداً لاستئناف الفتوح. ج - لقاء القائدين: من الواضح أن موسى أحسّ أن عناصر المقاومة القوطية في ناحية ماردة، كانت أقوى مما لقي المسلمون في أماكن أندلسية أخرى، وعرف أن فلول القوط وأنصار لذريق بخاصة، كانوا يتجمعون في تلك المناطق الجبلية الوعرة

стр. 328

ظنّاً منهم أنّ المسلمين إذا وصلوا إليها، فإن طبيعتها الجبلية الوعرة ستساعد المقاومة القوطيّة على الدفاع الرصين، حيث يمكن التسرب منها إلى نواحي قَشْتَالة (١) واسترامادور إذا أخفقوا في الدفاع، وفعلاً لاقى موسى عقبات في طريقه من ماردة إلى طُليطلة، فخفّ طارق للقاء موسى بالظاهر، ونجدته بالواقع، حتى يخفف الضغط على قوات موسى من جهة، وليجبر المقاومة القوطية على مجابهة قوات موسى وقوات طارق في آن واحد، ويضطرّها على الانسحاب. والذي أخّر طارق عن الخروج للقاء موسى، منذ عبوره إلى الأندلس، حتى هذه الأيام، يمكن تفسيره بأن موسى، رأى أن مقام طارق بطليطلة يؤمِّنه من عمل يقوم به قوطها، فلما فرغ من أمر ماردة، وأراد السير نحو طليطلة، أحسّ أن الطريق طويل محفوف بالمخاطر، لأن فلول القوط كانت تتجالب (٢) وتتجمّع في تلك النواحي. فلما رأت موسى يأخذ في الطريق وجدت الفرصة سانحة لاعتراضه ومنازلته في معركة لها ما بعدها، وكان هذا هو السبب الذي حفّز طارقاً إلى المسير للقاء موسى. ولا يعقل سكوت طارق عن الذهاب إلى مولاه موسى طيلة أشهر الشتاء رغم وجوده على مقربة منه، إلاّ بأنّ موسى لم يطلب إلى طارق المجيء إليه إلاّ في تلك الأيام، حينما أحسّ ببعض ما كان يدبّر حوله في هذه المناطق الجبلية الوعرة. والوقع أن حشود القوط تربصت بالمسلمين في تلك المنطقة، ولبثوا يتحينون الفرصة للانقضاض على جيوش المسلمين. ولم يكن موسى ليستطيع السير من ماردة إلى طليطلة وهؤلاء في طريقه، فكان لابد له من القضاء عليهم، ولهذا استدعى طارقاً ليلقاه في منتصف الطريق بين ماردة وطليطلة، فسار طارق نحو مائة وخمسين ميلاً، وانتظر مولاه في وادي الأرّوكامبو ( Arrocampo) في مكان يسمى المعرض ( Almaraz) بين التاجة ونهر

стр. 329

التيتار ( Tietar) قرب طلبيرة غربي طليطلة. (١) أما موسى فسار في طريق ماردة سلمنجة بحذاء نهر أُطلق عليه اسمه، وهو نهر موسى ( Valmuza) (٢) . وإذا كان حدث شيء بين القائدين، فلا يعدو أن يكون مناقشة بعض القضايا، أو استفهامه من طارق خطته وإبداء الملاحظات عنها، "وعلى توغله بالمسلمين، وتغريره بهم" (٣)، حيث اندفع بهذه السرعة إلى قلب البلاد. وحين: "خرج إليه طارق وتلقّاه، فتعتّب عليه موسى وقال له: ما دعاك إلى الإيغال والتّقحّم في البلاد بغير أمري؟ " (٤). فاعتذر له طارق بخطته العسكرية أمام الظروف المحيطة والضرورة الداعية لأسلوبه القتالي (٥). وقد تمكن طارق من حسم القضية مع سيِّده، وأظهر نواياه الحسنة، وعرض على موسى كل ما أصابه من غنائم وكنوز في فتوحاته (٦). ويبدو أنه كان موفقاً أيضاً في

стр. 330

إقناع موسى بوجهة نظره في الفتح، وبضرورة استقرار المسلمين الدائم في البلاد المفتوحة، وهذا الأمر واضح جداً من التفاهم المتبادل، والتعاون المشترك الذي ساد بين القائدين خلال فتوحاتهما المشتركة (١): "ثم إن موسى اصطلح مع طارق، وأظهر الرضى عنه، وأقرّه على مقدمته، وأمره بالتقدم أمامه في أصحابه، وسار موسى خلفه في جيوشه" (٢)، كما ذكرنا ذلك. لقد كان عبور موسى إلى الأندلس لسبب حربي واضح، وكان باستدعاء طارق له، فجاء منقذاً لا منتقماً. كما كان توجه طارق للقاء موسى لسبب حربي واضح أيضاً، لأن قوات موسى أصبحت مهددة بحشود المقاومة القوطية. فقدم إلى موسى بمبادرة منه أو بطلب من موسى، وما حدث في سير الحوادث هو الدليل القاطع على سبب اللقاء بين القائدين. فقد انقضَّت حشود المقاومة القوطية التي كانت في تلك المنطقة الجبلية الوعرة على جيش موسى في ناحية يسميها مؤرخو المسلمون: السَّواقي، وهي ( .... de los Cornejos) على مقربة من تمامس ( Tamames) (٣) فردّ المسلمون على القوط بهجوم مقابل وثبتوا للقوط حتى أفْنَوْهم عن آخرهم (٤). ويبدو أن اشتباك المسلمين بالقوط في معركة السَّواقي، شجع نفراً من بقايا القوط وأنصارهم في طليطلة على نقض طاعة المسلمين، فانتهزوا فرصة خروج طارق وجنده منها، ووثبوا بها، فاضطرّ موسى إلى فتحها من جديد،

стр. 331

ودخولها دخول المنتصر (١). أليس هذا الذي حدث في معركة السَّواقي، وفتح طليطلة ثانية، دليلاً قاطعاً، على أن المسلمين بقيادة طارق بعد تغلغلهم العميق في البلاد، أصبحوا في خطر جسيم، لانكشاف جناحيهم: الأيمن والأيسر، ولتهديد خطوط مواصلاتهم الطويلة الواهنة، فكان عبور موسى هو لدرء هذا الخطر الجسيم، كما أن بقاء طارق في طليطلة دون فتح جديد، ودون لقاء موسى، بالرغم من مضي مدة طويلة من الزمن على عبور موسى، هو لتثبيت حشود المقاومة القوطية في أماكنها دون التعرض بقوات موسى وقوات طارق لأطول مدة ممكنة. كما أن حركة طارق للقاء موسى في طريقه إلى طليطلة، وهو طريق جبلي وعر فيه حشود المقاومة القوطية المتربِّصة بالمسلمين، كان لمعاونة موسى على اجتياز الطريق المحفوف بالمخاطر سالماً آمناً، أو ضمان إحراز النصر على القوط إذا اشتبكوا بالمسلمين، لأن اشتباكهم بقوات موسى وقوات طارق أصعب عليهم من اشتباكهم بقوات موسى وحدها. إن كل ما حدث يدلّ على أن القائدين كانا يعملان لمصلحة المسلمين العليا، لا لمصلحتهما الشخصية الضيقة، فلا مجال لتصديق ما زعمه بعضهم من حدوث مشادات بينهما، قد تصدق على إطفاء ما يعتلج في صدور الصبيان من حزازات، دون أن يخطر أمثالها ببال قائدين عظيمين. وبالإمكان ذكر أدلّة جديدة، على أن موقف طارق والمسلمين في الأندلس، نظراً لاندفاعهم السريع في عمق البلاد، كان موقفاً خطيراً للغاية وواهناً إلى أبعد الحدود، وهو السبب في استنجاد طارق بموسى، وعبور موسى بنفسه إلى الأندلس، لمعالجة الموقف الراهن وملافاة أخطاره، ولو أن الأمر أصبح لا يحتاج إلى أدلة جديدة، ولكن استكمال البحث بالدرجة الأولى، هو الذي يحملني على ذكرها بإيجاز، ثم لتكون أدلة جديدة تضاف

стр. 332

إلى الأدلّة السابقة. فقد ذكرنا أن طارقاً فتح مدينة شَذُوْنة عَنْوَة بعد معركته الحاسمة مع القوط، كما فتح مدينة قَرْمُوْنَة وإِشْبِيلِيَة وإِسْتِجَّة وطُليطلة. وفتحت سراياه قُرطُبَة ومالَقَة وإِلْبِيرة وكورة تُدْمِير وغَرْناطة وأُورْيُولَة. وذكرنا في فتوح موسى قبل لقائه بطارق، أنه فتح شَذُونَة وقَرْمُونة ورعواق وإشبِيليِة ومارِدة ولَقَنْت. ومعنى ذلك، أنّ كثيراً من المدن التي فتحها طارق لأول مرّة، استعادها القوط، مما يهدّد أجنحة قوات طارق، ويهدد خطوط مواصلاته، فاضطر موسى أن يستعيد فتحها من جديد، لتأمين جناحي طارق الأيمن والأيسر وخطوط مواصلاته، ولتفتيت المقاومة القوطية أينما وجدت. وحتى طُليطلة، بعد أن غادرها طارق بوقت قليل، لكى يلاقي موسى وهو في طريقه إليها، استعادها القوط، فاضطر موسى أن يستعيد فتحها من جديد. لقد عزّز عبور موسى موقف المسلمين بقيادة طارق في الأندلس، وأزاح عنهم ما كان يخشونه من أخطار، وأمن خطوط مواصلات المسلمين، وحمى أجنحتهم حماية كاملة، وفتّت قوات القوط، وبدّد حشودهم في الجبال الوعرة، وجعل آمالهم في استعادة ما فتحه المسلمون إلى حوزتهم سراباً، وأظهر لهم بالقوة تارة وبالسياسة تارة أخرى، أن الخيار الوحيد المفتوح أمامهم، هو الاستسلام للمسلمين، والتعاون معهم في إدارة البلاد، ومعاونتهم في تعميرها، فقد جاء المسلمون ليبقوا لا ليرحلوا. ومضى موسى وطارق إلى طليطلة، ليقضيا فصل الشتاء معاً هناك، وليرتاح المسلمون ويكملوا استعدادتهم لفتح جديد. د - الفتح المشترك بين القائدين: كان هدف موسى وطارق ..............................................

стр. 333

السَّوْقِي (١)، هو فتح شمالي الأندلس، وقد بدأ بانتهاء فصل الشتاء وحلول فصل الصيف، أي حوالي شهر جمادى الثانية من سنة خمس وتسعين الهجرية (آذار - مارس ٧١٤ م) وزحف الجيش الإسلامي، على مقدِّمته طارق، وسار موسى خلفه على جيوشه، نحو مدينة سَرَقُسْطَة (٢) ( Zaragoza) : " المدينة البيضاء" (٣)، ففتحا المدينة دون قتال شديد على ما يبدو، فأقاما هناك سوية ينظمان أحوالها، وأنشأ فيها مسجداً خططه التابعي الجليل حَنَش بن عبد الله الصَّنعاني (٤). وأوغلا في البلاد، لا يمرّان بموضع إلاّ فُتح عليهما، وكانت

стр. 334

الغنائم جسيمة، ولم يعارضهما أحد إلاّ بطلب صلح، وموسى يجيء على أثر طارق في كل ذلك، ويُكمل ابتداءه، ويوثِّق الناس على ما عاهدوه عليه (١). وكانت طلائع المسلمين لم تكد تشرف على سَرقُسطة حتى رعب أسقفها بنسيو ( Bencio) ومَنْ معه من الرُّهبان، فجمعوا كتبهم المقدّسة وقرّروا الهجرة من البلد، والفرار بهذه الذخائر، فلم يلبث موسى أن أرسل إليهم رسولاً يؤمنهم ويعطيهم عهده، فسكنت مخاوفهم، وعدلوا عن مغادرة المدينة (٢)، وفتحت المدينة البيضاء: سرقسطة أبوابها للمسلمين سنة خمس وتسعين الهجرية. ولم يكد المسلمون يستقرون في سَرَقُسْطَة بعد فتحها، حتى توجه طارق وموسى إلى مناطق حول تلك المدينة وفتحا تلك المناطق، كما فتحا مدناً

стр. 335

أخرى في تلك الناحية: وشْقَة (١) ( Huesca) ولارِدَة (٢) ( Lerida) وطَرَّكُوْنَة (٣) ( Tarragona) وبَرْشَلُونة (٤) ( Barcelona) وأحب موسى سيره نحو البرت، ولكن جنده روِّعوا لما شاهدوه من قفر تلك النواحي وقلّة عمرانها، ثم إن أهلها كانوا يتكلمون اللغة الباسكية (لغة الباسك)، فوقعت من جند موسى موقعاً غريباً، وظنوا أنهم لا يتكلمون (٦)، وزهد المسلمون في هذه البلاد التي يسكنها قوم كالبهائم (٧). وحين أوغل موسى وجاوز سرقسطة، اشتدّ ذلك على الناس وقالوا: (أين تذهب بنا؟! حسبنا ما في أيدينا!) وكان موسى قد قال حين دخل إفريقية وذكر عُقْبَة بن نافع: (لقد كان غرّر بنفسه حين وغل في بلاد العدو، والعدو عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه، أما كان معه رجل رشيد؟!)، فسمعه حَنش بن عبد الله الصَّنعاني في حينه، فلما بلغ موسى ذلك المبلغ من التغلغل عمقاً في الفتح، قام حنش فأخذ بعنانه، ثم قال: "أيها الأمير! إني سمعتك وأنت تذكر عقبة بن نافع تقول: لقد غرّر بنفسه وبمن

стр. 336

معه، أما كان معه رجل رشيد؟! وأنا رشيدك اليوم! أين تذهب؟ تريد أن تخرج من الدنيا؟! أو تلتمس أكثر مما آتاك الله ، وأعرض مما فتح الله عليك، ودوّخ لك؟! إني سمعت من الناس ما لم تسمع، وقد ملأوا أيديهم وأحبوا الدّعة)، فضحك موسى ثم قال: "أرشدك الله، وكثر في المسلمين أمثالك"، ثم انصرف قافلاً إلى الأندلس، وهو يقول: (أما والله، لو انقادوا إليّ، لقدتهم إلى رومِيّة (روما)، ثم يفتحها الله على يديّ إن شاء الله" (١). ولكن موسى ومعه طارق، استطاعا أن يعيدا إلى رجالهما نشاطهم وحماستهم للفتح، وبينما كانا يعدّان العدّة لفتح جلِّيْقِيَّة (٢) إذ أتاه مُغيث الرّومي (٣) رسول الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروَان، يأمره بالخروج من الأندلس، والكفّ عن التوسع في البلاد، وأن يشخص إلى دمشق، فساءه ذلك، وقطع به عن إرادته، إذ لم يكن في الأندلس بلد لم يدخله المسلمون غير جِلِّيْقِيَّة، فكان شديد الحرص على اقتحامها (٤). وكان موسى قد أوفد علي بن رَباح (٥)، وكان رجلاً صالحاً في نحو الثمانين من عمره، وهو من

стр. 337

التابعين (١) مع مغيث الرّومي مولى الوليد بن عبد الملك، رسولين إلى الخليفة ينهيان إليه أخبار الفتوح، يوم كان موسى في طُليطلة بعد أن استعاد فتحها من جديد، وذلك سنة أربع وتسعين الهجرية، فعاد مغيث إلى موسى بما أمره به الوليد. ولكن قدوم مُغيث، لم يصرف موسى عن المضي في إتمام هذه الفتوح التي صاحبها التوفيق إلى هذه الساعة، فبذل جهده للبقاء في الأندلس بعض الوقت، ريثما يتم فتح جلِّيْقِيّة، ولاطف مغيثاً من أجل ذلك، وسأله إمهاله إلى أن ينفِّذ عزمه في فتح جَلِّيْقِيّة، والمسير معه أياماً، ويكون شريكه في الأجر والغنيمة، ففعل مغيث ومشى معه (٢). وقد وهب مغيثاً القصر الذي ينسب إلى مغيث في عهد المسلمين، وهو: (بلاط مغيث) بجميع أرضه من أرض الخمس (٣)، نظير إمهاله بعض الوقت ومصاحبته في غزوة جلِّيْقِيّة. وقبِل مغيث هذه الشروط، فلما اطمأن موسى إلى ذلك، بادر بالسير شمالاً لفتح قَشْتَالة (٤) القديمة Old Castille) أو ( Castilla la Vieja تأميناً للحدود الشمالية

стр. 338

لإقليم طُليطلة (١). والحديث عن إقناع مغيث بالغنيمة والقصر، لإبقاء موسى على رأس جيشه، ليستكمل تحقيق أهدافه في الفتح، ليس من السهل تصديقه ولا قبوله، فهو رشوة لتأجيل تنفيذ أمر الخليفة الواضح الصّريح، وقد كان مغيث قوياً أميناً لا يتقبل الرشوة ولا يرتضى لنفسه مخالفة أوامر الخليفة الصريحة الواضحة، والذي يبدو أن الخليفة أمر مغيثاً أن يُشخص موسى معه إلى دمشق، دون أن يأمره بإشخاصه فوراً، فكان لمغيث أن يتصرف في أمر موسى بحرية مطلقة، فرأى أن الموقف العسكري يتطلب بقاء موسى ردحاً من الزمن في الأندلس، لاستكمال فتوحاته، واقتنع برأي موسى بضرورة بقائه لغزو منطقة جلِّيْقِيَّة، حتى لا يتعرض إقليم طليطلة لتعرض قوطي، كما لم يجد مغيث محذوراً من بقاء موسى في قيادته، فلا اعتراض له على أمر الخليفة، كما لا يستطيع أن يعترض، فكان لبقاء موسى فائدة للفتح دون ضرر على الخلافة، لذلك اقتنع مغيث بالسير مع موسى ومرافقته في فتحه، فكانت الغنيمة والقصر جزاء جهاده لا جزاء تراخيه في تنفيذ أمر الخليفة أو جزاء التخلي عن التنفيذ. والغريب أن المستشرقين ركّزوا على هذه الفرية، وبالغوا في شرحها وتوضيحها وتسليط الأضواء عليها، فصوّروا في هذا الفصل مغيثاً متواطئاً مع موسى على الخليفة، ثم صوّروه في الفصل الثاني عدواً لدوداً لموسى، يُشنّع على موسى لدى الخليفة لأنه كان يرى نفسه أحق من موسى بتولي الأندلس، وليس ذلك من خلق التابعين وتابعي التابعين، ولا كان الدسّ والافتراء والكذب والحسد والرشوة من أخلاقهم، فإذا لم يكن مقنعاً، للمؤرخ الذي تتبع خلق أولئك الرجال، فالتناقض المكشوف في موقف مغيث - بحسب ادعاءات المستشرقين - لابد أن يكون مقنعاً، إذ كيف يمكن أن نصدق أن مغيثاً يفتري ما يفتري على موسى بحضور الخليفة، ثم يسكت عنه موسى في

стр. 339

تقاضيه الرشوة لقاء تراخيه في تنفيذ الأمر الخليفي؟ وهل من المعقول أن يعفو الخليفة عن المتراخي في تنفيذ أمره لقاء رشوة معروفة وليست سِرّاً. وبالطبع استفاد المستشرقون من المصادر الإسلامية في ترويج هذه الادعاءات، وما ذلك أراد مؤلفوها. وسنرى سبب استدعاء موسى إلى دمشق وشيكاً، حيث لا نجد محلاّ لمثل هذه التخرّصات. وكان يتفرّع من سَرْقُسْطة طريقان رومانيان يتجهان من الشرق إلى الغرب: الأول يذهب بحذاء نهر إبْرُهْ (١) ( Ebro) - ( الإبرو) حتى هارو ( Haro) ومن هناك يتبع بروفيسكا ( Barivlesca) ثم أمَايَة (٢)، ثم لِيُون (٣) وأسترقة. والثاني ينفصل من الطريق الأول عند بدايته، ويتجه نحو قَلُوْنية وبَلَنْسِيَة (٤)، ويلتقي بالطريق الممتد من ماردة إلى أسترقة في مدينة بنافنتي، وكان لابد لموسى من السير في كل من هذين الطريقين. فقسم جيشه قسمين: قسم بقيادته، والآخر بقيادة طارق. واختار موسى الطريق الثاني، وعهد إلى طارق بالسير في الطريق الأول، أدنى سفوح جبال كَنْتبرية، وشرع طارق بمهاجمة البشكنس (٥) غربي نهر إبره، فلم يجد صاحب الناحية فُرْتُون ( Fortunius) بداً من الدخول في طاعة المسلمين، بل اعتنق الإسلام، ومنه تسلسل بنو

стр. 340

قَسِيّ (١) أصحاب الثغر الأعلى (٢)، الذين لهم ذكر كثير في تاريخ الأندلس (٣)، ثم تابع طارقٌ سيره، واستولى على أمايَة واسترقة اللتين ذكرهما قسم من المؤرخين خطأ في حملة طارق التي كانت سنة اثنتين وتسعين الهجرية (٤) (٧١١ م) كما فتح مدينة ليون (٥) في هذه السنة أيضاً. وسار موسى نفسه على الضفة الشرقية لنهر إبره في إقليم قَشْتالة (٦)، فأطاعه معظم من مرّ بهم من رؤساء هذه المناطق. وقد لقي مقاومة عند قرية تسميها بعض المراجع بارو أو بازو في مقاطعة بلد الوليد الحالية (فاليا دوليد Valladolid) ولم يلبث أن تغلّب عليهم، ثم سار متابعاً فتوحه. وبدلاً من أن يعرِّج على استرقة ليلتقي فيها بجيش طارق، انحرف إلى الشمال واخترق باب تارنا ( Tarna) وسار متابعاً مجرى نهر النالون ( Nalon) ثم حطّ رحاله عند قلعة لُكْ ( Lucus Asturum الرومانية و Maria de Lugo اليوم) غير بعيد عن أَبِيط ( Oviedo) وما زال بها حتى فتحها. وسار موسى حتى بلغ خيخون ( Gijon)

стр. 341

وأقرّ بها حامية، وجعلها حصناً لما فتحه من البلاد في هذه النواحي البعيدة، ثم بعث سرية من فرسانه أدركت البحر عند صخرة بلاي ( Peka de Pelayo) على البحر الأخضر (١)، فطاعت الأعاجم، ولاذوا بالسلم وبذل الجزية، وسكنت العرب المفاوز، وكان العرب والبربر كلما مرّ قوم منهم بموضع استحسنوه، حطّو به ونزلوه قاطنين (٢). وهكذا وصلت جيوش موسى حتى البحر المحيط، فاطمأن إلى أنه فتح شبه الجزيرة كلها، لذلك شعر أنه لم يّعُد هناك أي معنى للاسترسال في الفتح، وكان موسى يخلِّف في كل مدينة وقلعة يفتحها حامية من المسلمين، فتفرّق جنده، وطال السّير بمن بقي منهم معه، ونال منهم الجهد، فمالت نفوسهم إلى العودة، لذلك اكتفى موسى بوصوله إلى خيخون، وأزمع العودة، وهو يعلم أن أعداداً كبيرة من القوط قد تراجعوا أمامه، واجتمعوا في نواحي أشتوريش وجِلِّيقيّة، وأنهم يكوِّنون الخميرة الأولى لاستعادة الأندلس من المسلمين في المستقبل - كما حدث ذلك فعلاً - ولو لم ينشغل العرب عن البقية الباقية من القوط بعد ذلك بحروب ومنازعات قبلية فيما بينهم، لاستطاعوا القضاء عليهم بسهولة ويسر، ولكن العرب شُغلوا بأمور أنفسهم، فاستطاعت هذه الحفنة القوطية أن تطمئن في هذه النواحي القاصية القاحلة، وأن تنمو بالتدريج وتقوى وتشتد، لتنتهز في المسلمين كل فرصة تسنح، ولتستعيد ما تستطيع استعادته مرحلياً من الأندلس كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. ومن الواضح جداً، أن موسى ترك جبهة القتال مُكرهاً لا بمحض إرادته، فقد كان الخليفة يريد عودته إلى دمشق، وكان مغيث يتربص به ليتولى العودة معه، فلما انتهى موسى في فتوحه إلى هذا الحد القصي في نظر الخليفة

стр. 342

ومغيث، كان لابد له أن يعود، لا إلى طليطلة أو قرطبة فقط، بل إلى دمشق رأساً، فقد كان مغيث الرومي رسول الخليفة يتعجله، وكان الوليد بن عبد الملك معجلاً عليه لا يريد أن يتمهل، إذ أن رسولاً آخر من الوليد، يكنى: أبا نَصْر، بعثه إلى موسى، عندما استبطأه في القفول، فأتاه وهو في مدينة لُكْ بناحية جلِّيقية (١).

стр. 343

وهناك بعض المؤرخين، يذكرون أن موسى بن نُصير، بعد أن افتتح سرقسطة، بعث سراياه إلى قطالونة، ففتحت بَرْشَلونَة (١)، ومن هناك اخترقت جبال البرتات (البرانس) وتوغلت في بلاد غالة (٢)، فاستولت على أُرْبُونة (٣) ( Narbonne) وصخرة إينيون ( Avignon) وحصن لودون على وادي ردونة، وهو وادي نهر الرُّون (٤). ولا نستبعد أن تكون بعض قوات موسى قد افتتحت برشلونة ولاردة وجزء من إقليم قطالونية، وأنها قد وصلت إلى جبال البرتات واجتازتها إلى قَرْقَشُونة (٥)، فهو نفس الطريق الذي اتبعه السَّمح بن مالك (٦) بعد ذلك بسنوات، ولكن فتح موسى هذا لم يكن فتحاً مُسْتَداما، إتما كان فتحاً وقتياً بقوات استطلاعية خفيفة، استطاعت جمع المعلومات عن تلك

стр. 344

المنطقة من بلاد فرنسة، تمهيداً لفتحها فيما بعد (١).

стр. 345

الإنسان ١ - عودة القائدين إلى دمشق أ - العودة: بادر موسى بالعودة من لُكْ بجلِّيقية مع أبي نصر الرسول الثاني للوليد بن عبد الملك، وكان مع أبي نصر رسَالة من الوليد إلى موسى، يوبِّخ الوليد بها موسى، ويأمره بالخروج من الأندلس، وألزم رسوله إزعاجه (١)، فأخذ موسى في طريق العودة أواخر سنة خمس وتسعين الهجرية (منتصف صيف ٧١٤ م) (٢). وفي طريقه من لُكْ، التقى بطارق الذي كان عائداً من حملة له على أراغون ( Aragon) في الثغر الأعلى (٣)، فسار الاثنان معاً إلى طليطلة. أما غالبية جنودهما، ففضلوا البقاء في المدن والأرياف المفتوحة، حيث استقروا وأقاموا منازلهم (٤). ومرّ موسى بطليطلة وقرطبة في طريقه إلى إشبيلية، حيث عَيّن هناك ابنه عبد العزيز (٥) والياً على الأندلس، وترك معه مساعدين من أمثال حبيب بن أبي عُبَيْدة الفِهْري (٦) وكثيراً من القادة المسلمين الآخرين مع رجال

стр. 346

قبائلهم، ليدافعوا عن البلد ويحموه (١). وقد اختار موسى إشبيلية عاصمة للبلاد، وذلك بسبب قربها من البحر والمضيق، كما جعلها أيضاً قاعدة بحرية للمسلمين في الأندلس (٢). وركب موسى البحر، ومعه طارق ومغيث الرومي وأبو نصر وكبار الجند، في شهر ذي الحجة من سنة خمس وتسعين الهجرية (أيلول- سبتمبر ٧١٤ م)، ومعهم يُليان، وقد أبحر موسى ومَن معه من إشبيلية، وهو متلهِّف على الجهاد الذي فاته، آسف على ما لحقه من إزعاج، وكان يؤمل أن يخترق ما بقي عليه من بلاد إفرنجة (فرنسا)، ويقتحم الأرض الكبيرة حتى يصل بالناس إلى الشام، مؤمِّلاً أن يتخذ مُخْتَرَقَه (٣) بتلك الأرض طريقاً مُهْيعاً (٤)، يسلكه أهل الأندلس في مسيرهم ومجيئهم من المشرق وإليه على البر لا يركبون بحراً (٥). وتذهب بعض المصادر العربية، إلى أن موسى استصحب معه ثلاثين ألف رأس من الأسرى (٦)، وفي ذلك مبالغة واضحة، فهذا العدد الضخم من الأسرى، يحتاج إلى وسائط نقل هائلة لنقلهم برّاً وبحراً من الأندلس إلى دمشق، ويحتاج إلى تدابير إدارية من الصعب جداً تحقيقها، والغالب أن عدداً قليلاً من الأسرى رافق موسى في رحلته هذه، وأما الباقون منهم، فقد تُركوا

стр. 347

في المزارع يزرعونها ويديمونها، وفي الأعمال الإدارية الأخرى يديرونها ويدبّرون أمرها. ولكنه استصحب معه مائة رجل من أشراف الناس: من قريش ومن الأنصار، ومن سائر العرب ومواليها. وأخرج معه من وجوه البربر مائة رجل: منهم أبناء كسيلة، وملك السّوس الأقصى، وملك قلعة أوساف، وملك ميورقة ومنورقة، ومعه الغنائم من الذهب والفضة والجوهر، محمولة على ثلاثين ومائة عجلة (١)، فكان مع موسى أربعمائة رجل (٢)، بل هناك رواية أن موسى دخل دمشق ومعه ثلاثون من خيرة أسرى القوط، ألبسهم أفخر الثياب، وسار بهم في موكبه، ليدلّ على عظم الفتح الذي تم على يديه (٣). واستخلف موسى ابنه عبد الله على إفريقية، وابنه مروان على طنجة والسّوس (٤)، فمرّ بطريق عودته بالقيروان (٥)، ثم قدم مصر سنة خمس وتسعين الهجرية (كانون الأول - ديسمبر ٧١٤ م)، فأقام هناك ثلاثة أيام، يأتيه أهل مصر في كل يوم، فلم يبق شريف إلاّ وقد أوصل إليه موسى صلة ومعروفاً كثيراً، وأهدى لولد عبد العزيز بن مروان فأكثر لهم، وجاءهم بنفسه فسلم عليهم، ثم سار متوجهاً حتى أتى فلسطين (٦). ولما قدم موسى ومعه طارق إلى الوليد بن عبد الملك في دمشق، كان قدومه عليه وهو في آخر شكايته التي تُوفي فيه، إذ بلغا دمشق سنة ست وتسعين الهجرية (كانون الثاني - يناير ٧١٥ م) أي قبل وفاة الوليد بأربعين

стр. 348

يوماً (١)، وتوفي الوليد في الخامس عشر من جمادى الثانية من سنة ست وتسعين الهجرية (٢٥ شباط - فبراير ٧١٥ م)، فخلفه في الحكم أخوه سليمان بن عبد الملك الذي كان مستاء أيضاً من موسى، فتروي المصادر أنه حينما اقترب موسى من بلاد الشام، كتب إلى موسى، يأمره بتأخير وصوله إلى دمشق، حتى يموت الوليد، وبذلك يتسنى لسليمان الحصول على الكنوز التي جلبها موسى معه، وينال فخر الفتح لنفسه. ولكن موسى أهمل طلب سليمان، وتقدم إلى دمشق (٢). وكان سليمان بعث إلى موسى مَن لقيه في الطريق قبل قدومه على الوليد، يأمره بالتريث في مسيره، وألاّ يعجل، فإن الوليد بآخر رمقه، فقرأ موسى الكتاب، وقال: "خنت والله وغدرت وما وفيت! والله لا تربّصتُ ولا تأخّرت ولا تعجّلت! ولكني أسير بمسيري، فإن وافيته حيّاً لم أتخلّف عنه، وإن عجلت منيّته فأمره إلى الله"، فرجع الرسول إلى سليمان، فأعلمه (٣). وقد أبى موسى أن يتجاوب مع سليمان، لأن دِينه منعه من هذا التجاوب، فقدم على الوليد وهو حي، فسلم له الأخماس والمغانم والتّحف والذخائر، فلم يمكث الوليد إلا يسيراً بعد قدوم موسى حتى توفي، واستُخلف سليمان، فحقد عليه وأهانه (٤). وقيل: إن موسى وصل إلى دمشق بعد وفاة الوليد، فقدم على سليمان حين ..............................................................

стр. 349

استُخلف (١). والصواب، هو أن موسى وطارقاً وصلا إلى دمشق قبل موت الوليد، وكان الوليد مريضاً، فمثُلَ موسى بحضرة الوليد، ولكن الوليد لم يقابله مقابلة حسنة بسبب تماديه في سياسته في أثناء فتح الأندلس، وتباطئه في إطاعة أوامر الخلافة (٢)، وكان مع موسى وطارق كميات هائلة من الغنائم والأسرى والهدايا الثمينة من الذهب والفضة واللؤلؤ، كما حملا أيضاً (المائدة) المشهورة وكثيراً من الكنوز الأندلسية الأخرى. ولكن الظّاهر أن قلب الوليد كان متغيِّراً على موسى تغيّراً لا سبيل إلى إصلاحه، لذلك لم يُحسن الوليد لقاء موسى، ثم لم يلبث الوليد أن لقي ربه وخلفه أخوه سليمان، وهو أشدّ غضباً من أخيه على موسى، ولهذا كان طبيعياً ألاّ ينتظر موسى خيراً كثيراً من سليمان، وأن يُدرك أن أيام مجده وعزِّه قد مضت مع أمس الدابر (٣). بيد أننا نستبعد صحة ما يبالغ به قسم من المؤرخين من أفاعيل سليمان بموسى، فمن المستبعد ما يقال: إن سليمان كان يقيم موسى في الشمس حتى يكاد يغمى عليه من شدة التعب والجهد والحر (٤)، وأن سليمان حبسه وأمر بتقصي حسابه (٥)، فأغرمه غرماً عظيماً كشفه فيه، حتى اضطر إلى أن سأل العرب معونته، فيقال: إن لَخْماً (٦) حملت عنه من أعطيتها تسعين ألفاً ذهباً، وقيل: حمّله سليمان غرم مائتي ألف، فأدى مائة ألف وعجز، فاستجار بيزيد

стр. 350

بن المُهلَّب (١)، فاستوهبه من سليمان، فوهبه إياه، إلاّ أنه عزل ابنه عبد الله عن إفريقية (٢)، وأن سليمان ألزم موسى أن يطوف بالقبائل محروساً يستجديها مالاً يفتدي به نفسه، حتى لقد كان يستجدي الدرهم والدرهمين، فيفرح بذلك موسى، ويدفعه إلى الموكلين به، فيخفّفون عنه العذاب (٣)، لأن

стр. 351

سليمان لو كان قد أنزل بموسى هذه المساءات لما ترك أولاده ولاة على إفريقية والأندلس، ولأن موسى كان أثيراً على نفس يزيد بن المُهلَّب الذي كان مقرّباً جداً من سليمان بن عبد الملك وصاحب الأمر في دولته (١)، ولأن عمر بن عبد العزيز كان من أقرب المقرّبين إلى سليمان، ومن المستحيل أن يرضى عمر بن عبد العزيز عن مثل تلك التصرفات، دون أن يقول كلمة الحق، لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، ولأن سيرة سليمان الذي وصفه المؤرخون، بأنه مفتاح الخير، أطلق الأسارى، وخلّى أهل السجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز (٢)، لا تستقيم مع اتهامه بالتنكيل بموسى، وهو

стр. 352

شيخ كبير، له ماضٍ ناصع مجيد في خدمة العرب والمسلمين. وأرى أن من المستبعد أن يعاقب سليمان تابعياً جليلاً هو موسى بن نصير، ويعاقب مَن معه من أمثال طارق بن زياد، لأنهما أسسا ملكاً وقضيا حياتهما مجاهِدَين في سبيل الله، لمجرّد قالة ظالمة أو وشاية كاذبة. وحتى مقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير، لم يكن لسليمان يد فيها، لأن سليمان غضب لمقتل عبد العزيز، وأرسل إلى الأندلس عاملاً من قبله للتحقيق في مقتل عبد العزيز، والقبض على قتلته، وإرسالهم إليه (١). لقد كان موقف سليمان من موسى ومَن معه سليماً، وحقائق التاريخ تعلو دائماً على المبالغات المدسوسة عن قصد أو عن غير قصد. ولكن، لماذا عزل الوليد بن عبد الملك موسى عن إفريقية والأندلس، وأقرّ سليمان هذا العزل؟. لماذا استدعى الوليد موسى وطارقاً من ساحات القتال على عجل، ولم يمهلهما حتى يحققا كل أهدافهما في الفتح؟. (٢) ب - أسباب استدعاء موسى وطارق: كان للخلفاء أساليب خاصة، لمعرفة تفاصيل أعمال ولاتهم وقادتهم وتصرفاتهم، للاطمئنان إلى أنّ أولئك القادة والولاة، لا يخرجون عن الخطة التي رسمها لهم الخليفة، وليحول الخلفاء - جهد الإمكان - دون خروج

стр. 353

الولاة والقادة عليهم، عند سنوح الفرصة المناسبة لهم. من تلك الأساليب الخاصة التي يسيطر بها الخلفاء على ولاتهم وقادتهم، وبخاصة في الأصقاع النائية عن عاصمة الخلافة، هي إرسال من يعتمدون عليهم من الرجال، لينقلوا إليهم بدقة وسرعة وأمانة، كل ما يرونه ضرورياً، لجعل الخلفاء مطمئنين من سير الأمور، في مختلف البلاد والأمصار، كما يريدون. وكان مُغيث الرومي أحد من كان يعتمد عليه الوليد بن عبد الملك، لأن عبد الملك بن مروان كان قد أدّبه مع ولده الوليد، وقد نشأ بدمشق، ودخل الأندلس مع طارق فاتحها. وقد وقع بينه وبين طارق، ثم وقع بينه وبين موسى، فرحل معهما إلى دمشق، ثم عاد ظافراً عليهما إلى الأندلس. وكان مغيث مشهوراً بحسن الرأي والكّيْد (١). وكان يطمع بولاية الأندلس، فلما عزم سليمان على تولية طارق بن زياد الأندلس استشار مغيثاً، فعرفه عن عزمه، وقد بالغ في إيذاء موسى عند سليمان (٢). ويُروى لمغيث شعر خاطب به موسى وطارقاً، منه قوله: أعَنْتُكُمُ ولكن ما وفيتُم ... فسوف أعيث في غربٍ وشرق وعارض يوماً في محفل من الناس موسى بن نصير، فقال له موسى: "كُفَّ لسانك"، فقال مغيث: "لساني كالمِفْصَل (٣)، ما أكفه إلاّ حيثُ يقتل" (٤). والظاهر أن مغيثاً لم يدّخر وسعاً في تشويه سمعة موسى عند الوليد، وعند سليمان من بعده، طموحاً في تولي الأندلس من بعد موسى، ولكن كان مغيث صادقاً في اتهامه، إذ حقّق سليمان جميع ما رُمي به موسى عنده، فأغرمه غرماً

стр. 354

عظيماً (١)، ومن هذا يتضح أن مغيثاً رمى موسى بعدم الأمانة في التصرّف بالغنائم. فهل كان اتهام موسى بنزاهته حقاً؟ الواقع أن مغيثاً ليس وحده من اتهم موسى بالغلول أو بعدم تطبيق تعاليم الإسلام في الغنائم نصّاً وروحاً، فقد ذكروا أن سليمان بينما كان يقلّب هدايا موسى التي جاء بها من الأندلس وإفريقية إلى دمشق، إذ انبعث رجل من أصحاب موسى يقال له: عيسى بن عبد الله الطويل من أهل المدينة المنورة، وكان على الغنائم، فقال: "يا أمير المؤمنين! إن الله أغناك بالحلال عن الحرام، وإني صاحب هذه المقاسم، وإن موسى لم يخرج خُمساً من جميع ما أتاك"، فغضب سليمان، وقام عن سريره، فدخل منزله، ثم خرج فقال للناس: "نعم، قد أغناني الله بالحلال عن الحرام"، وأمر بإدخال ذلك بيت المال (٢). ولكن ذلك لا يكفي لإثبات التهمة الموجّهة إلى نزاهة موسى، وهو الذي عُرف بالتديّن، وكان ورعاً تقياً لله (٣). ولو ثبت عليه لما توسّط له عمر بن عبد العزيز عند سليمان، فعفا عن موسى (٤)، وعمر بن عبد العزيز معروف بالتزامه بتعاليم الشرع الحنيف. ولا شك في نزاهة موسى، فقد أغناه الله هو الآخر بالحلال عن الحرام، فلماذا يتردى إلى مهاوي الخيانة في أمانته، وقد فتحت عليه أبواب الخير؟ لقد كان كريماً سخيّاً، فأعطى من الغنائم مَن أعطى، ولم يستأثر بما أخذ من الغنائم لنفسه ولمصلحته الشخصية حسب. فما هي أسباب استدعاء موسى من الأندلس إلى دمشق وعزله؟.

стр. 355

يبدو أن الوليد، ومن بعده سليمان، اعتقدا أن موسى غرّر بالمسلمين، وأنه عرّضهم للمهالك، بتغلغله عميقاً في الأندلس، كما أنهما خشيا من طموح موسى في التغلغل إلى بلاد أبعد من الأندلس، فيقود المسلمين إلى روميّة (١)، وأن موسى: "أجمع أن يأتي المشرق من ناحية القُسطنطينيّة، ويتجاوز إلى الشّام دروبه ودروب الأندلس، ويخوض إليه ما بينهما من أمم الأعاجم النصرانية، مجاهداً فيهم، مستلحماً لهم، إلى أن يلحق بدار الخلافة"، فنُمِي هذا الخبر إلى الوليد، فاشتدّ قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب، ورأى أن ما همّ به موسى غَرَرٌ بالمسلمين، فبعث إليه بالتوبيخ والانصراف، وأسرّ إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع، وكتب له بذلك عهده، ففتّ ذلك في عزم موسى، وقفل عن الأندلس بعد أن أنزل الرابطة والحامية بثغورها، وأنزل ابنه عبد العزيز لسدِّها وجهاد عدوِّها (٢). والظاهر أن الخلفاء لم يكونوا مطمئنين على أمن المسلمين في الأندلس حتى بعد الوليد وسليمان، فقد فكّر عمر بن عبد العزيز في إقفال المسلمين من الأندلس وإخلائها، إذ خشي تغلب العدو عليهم (٣)، فإذا كان هذا ما يعتقده عمر بن عبد العزيز الذي تولى الخلافة سنة تسع وتسعين الهجرية (٤)، فلماذا نلوم الوليد وقد استدعى موسى سنة خمس وتسعين الهجرية (٥)، والفتح كان في أوّله، والأندلس جد بعيد عن دار الخلافة؟. وإذا كان عمر بن عبد العزيز، قد خشي على المسلمين في الأندلس، بعد استقرار الفتح فيها، فكيف لا يخشى الوليد ومن بعده سليمان، على المسلمين في الأندلس، من طموح موسى في التغلغل بهم بعيداً بعيداً إلى
следующие страницы →