سليمان لو كان قد أنزل بموسى هذه المساءات لما ترك أولاده ولاة على إفريقية والأندلس، ولأن موسى كان أثيراً على نفس يزيد بن المُهلَّب الذي كان مقرّباً جداً من سليمان بن عبد الملك وصاحب الأمر في دولته (١)، ولأن عمر بن عبد العزيز كان من أقرب المقرّبين إلى سليمان، ومن المستحيل أن يرضى عمر بن عبد العزيز عن مثل تلك التصرفات، دون أن يقول كلمة الحق، لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، ولأن سيرة سليمان الذي وصفه المؤرخون، بأنه مفتاح الخير، أطلق الأسارى، وخلّى أهل السجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز (٢)، لا تستقيم مع اتهامه بالتنكيل بموسى، وهو
стр. 352
شيخ كبير، له ماضٍ ناصع مجيد في خدمة العرب والمسلمين. وأرى أن من المستبعد أن يعاقب سليمان تابعياً جليلاً هو موسى بن نصير، ويعاقب مَن معه من أمثال طارق بن زياد، لأنهما أسسا ملكاً وقضيا حياتهما مجاهِدَين في سبيل الله، لمجرّد قالة ظالمة أو وشاية كاذبة. وحتى مقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير، لم يكن لسليمان يد فيها، لأن سليمان غضب لمقتل عبد العزيز، وأرسل إلى الأندلس عاملاً من قبله للتحقيق في مقتل عبد العزيز، والقبض على قتلته، وإرسالهم إليه (١).
لقد كان موقف سليمان من موسى ومَن معه سليماً، وحقائق التاريخ تعلو دائماً على المبالغات المدسوسة عن قصد أو عن غير قصد.
ولكن، لماذا عزل الوليد بن عبد الملك موسى عن إفريقية والأندلس، وأقرّ سليمان هذا العزل؟.
لماذا استدعى الوليد موسى وطارقاً من ساحات القتال على عجل، ولم يمهلهما حتى يحققا كل أهدافهما في الفتح؟. (٢)
ب - أسباب استدعاء موسى وطارق:
كان للخلفاء أساليب خاصة، لمعرفة تفاصيل أعمال ولاتهم وقادتهم وتصرفاتهم، للاطمئنان إلى أنّ أولئك القادة والولاة، لا يخرجون عن الخطة التي رسمها لهم الخليفة، وليحول الخلفاء - جهد الإمكان - دون خروج
стр. 353
الولاة والقادة عليهم، عند سنوح الفرصة المناسبة لهم.
من تلك الأساليب الخاصة التي يسيطر بها الخلفاء على ولاتهم وقادتهم، وبخاصة في الأصقاع النائية عن عاصمة الخلافة، هي إرسال من يعتمدون عليهم من الرجال، لينقلوا إليهم بدقة وسرعة وأمانة، كل ما يرونه ضرورياً، لجعل الخلفاء مطمئنين من سير الأمور، في مختلف البلاد والأمصار، كما يريدون.
وكان مُغيث الرومي أحد من كان يعتمد عليه الوليد بن عبد الملك، لأن عبد الملك بن مروان كان قد أدّبه مع ولده الوليد، وقد نشأ بدمشق، ودخل الأندلس مع طارق فاتحها. وقد وقع بينه وبين طارق، ثم وقع بينه وبين موسى، فرحل معهما إلى دمشق، ثم عاد ظافراً عليهما إلى الأندلس. وكان مغيث مشهوراً بحسن الرأي والكّيْد (١). وكان يطمع بولاية الأندلس، فلما عزم سليمان على تولية طارق بن زياد الأندلس استشار مغيثاً، فعرفه عن عزمه، وقد بالغ في إيذاء موسى عند سليمان (٢).
ويُروى لمغيث شعر خاطب به موسى وطارقاً، منه قوله:
أعَنْتُكُمُ ولكن ما وفيتُم ... فسوف أعيث في غربٍ وشرق
وعارض يوماً في محفل من الناس موسى بن نصير، فقال له موسى: "كُفَّ لسانك"، فقال مغيث: "لساني كالمِفْصَل (٣)، ما أكفه إلاّ حيثُ يقتل" (٤).
والظاهر أن مغيثاً لم يدّخر وسعاً في تشويه سمعة موسى عند الوليد، وعند سليمان من بعده، طموحاً في تولي الأندلس من بعد موسى، ولكن كان مغيث صادقاً في اتهامه، إذ حقّق سليمان جميع ما رُمي به موسى عنده، فأغرمه غرماً
стр. 354
عظيماً (١)، ومن هذا يتضح أن مغيثاً رمى موسى بعدم الأمانة في التصرّف بالغنائم.
فهل كان اتهام موسى بنزاهته حقاً؟ الواقع أن مغيثاً ليس وحده من اتهم موسى بالغلول أو بعدم تطبيق تعاليم الإسلام في الغنائم نصّاً وروحاً، فقد ذكروا أن سليمان بينما كان يقلّب هدايا موسى التي جاء بها من الأندلس وإفريقية إلى دمشق، إذ انبعث رجل من أصحاب موسى يقال له: عيسى بن عبد الله الطويل من أهل المدينة المنورة، وكان على الغنائم، فقال: "يا أمير المؤمنين! إن الله أغناك بالحلال عن الحرام، وإني صاحب هذه المقاسم، وإن موسى لم يخرج خُمساً من جميع ما أتاك"، فغضب سليمان، وقام عن سريره، فدخل منزله، ثم خرج فقال للناس: "نعم، قد أغناني الله بالحلال عن الحرام"، وأمر بإدخال ذلك بيت المال (٢).
ولكن ذلك لا يكفي لإثبات التهمة الموجّهة إلى نزاهة موسى، وهو الذي عُرف بالتديّن، وكان ورعاً تقياً لله (٣). ولو ثبت عليه لما توسّط له عمر بن عبد العزيز عند سليمان، فعفا عن موسى (٤)، وعمر بن عبد العزيز معروف بالتزامه بتعاليم الشرع الحنيف.
ولا شك في نزاهة موسى، فقد أغناه الله هو الآخر بالحلال عن الحرام، فلماذا يتردى إلى مهاوي الخيانة في أمانته، وقد فتحت عليه أبواب الخير؟ لقد كان كريماً سخيّاً، فأعطى من الغنائم مَن أعطى، ولم يستأثر بما أخذ من الغنائم لنفسه ولمصلحته الشخصية حسب.
فما هي أسباب استدعاء موسى من الأندلس إلى دمشق وعزله؟.
стр. 355
يبدو أن الوليد، ومن بعده سليمان، اعتقدا أن موسى غرّر بالمسلمين، وأنه عرّضهم للمهالك، بتغلغله عميقاً في الأندلس، كما أنهما خشيا من طموح موسى في التغلغل إلى بلاد أبعد من الأندلس، فيقود المسلمين إلى روميّة (١)، وأن موسى: "أجمع أن يأتي المشرق من ناحية القُسطنطينيّة، ويتجاوز إلى الشّام دروبه ودروب الأندلس، ويخوض إليه ما بينهما من أمم الأعاجم النصرانية، مجاهداً فيهم، مستلحماً لهم، إلى أن يلحق بدار الخلافة"، فنُمِي هذا الخبر إلى الوليد، فاشتدّ قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب، ورأى أن ما همّ به موسى غَرَرٌ بالمسلمين، فبعث إليه بالتوبيخ والانصراف، وأسرّ إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع، وكتب له بذلك عهده، ففتّ ذلك في عزم موسى، وقفل عن الأندلس بعد أن أنزل الرابطة والحامية بثغورها، وأنزل ابنه عبد العزيز لسدِّها وجهاد عدوِّها (٢). والظاهر أن الخلفاء لم يكونوا مطمئنين على أمن المسلمين في الأندلس حتى بعد الوليد وسليمان، فقد فكّر عمر بن عبد العزيز في إقفال المسلمين من الأندلس وإخلائها، إذ خشي تغلب العدو عليهم (٣)، فإذا كان هذا ما يعتقده عمر بن عبد العزيز الذي تولى الخلافة سنة تسع وتسعين الهجرية (٤)، فلماذا نلوم الوليد وقد استدعى موسى سنة خمس وتسعين الهجرية (٥)، والفتح كان في أوّله، والأندلس جد بعيد عن دار الخلافة؟.
وإذا كان عمر بن عبد العزيز، قد خشي على المسلمين في الأندلس، بعد استقرار الفتح فيها، فكيف لا يخشى الوليد ومن بعده سليمان، على المسلمين في الأندلس، من طموح موسى في التغلغل بهم بعيداً بعيداً إلى
стр. 356
روميّة وإلى القسطنطينية؟.
لقد كان طموح موسى في التوسع بالفتح، سبباً واضحاً لاستدعائه إلى دمشق، وهذا السبب - فيما أرى - من الأسباب الجوهرية لاستدعائه.
وهناك سبب آخر، لا يقل خطورة عن السبب السابق، هو اتهام موسى بالخلع، فقد ذكروا أن الوليد بن عبد الملك لما بلغه سير موسى إلى الأندلس، ووُصفت له، ظنّ أنه يريد أن يخلع، ويقيم فيها، ويمتنع بها، وقيل له ذلك. وأبطأت كتب موسى عليه، لاشتغاله بما هناك من العدو، وتوطئته للفتح (١)، مما زاد في شكوك الوليد بنيات موسى بمحاولته الاستقلال أو التحرر من سلطان الخلافة. ولعل الذين أدخلوا هذه الشكوك في روع الوليد، لم ينسوا أن يذكروا له سيطرته التامة هو وأولاده ومواليه على إفريقية والأندلس، مما ضاعف تلك الشكوك، وجعلها بعيدة عن الحدس، قريبة من التصديق.
ولعل اتِّهام موسى بالخلع، هو الذي يفسر لنا، لماذا لم تختلف نظرة سليمان عن سلفه الوليد إلى موسى مع ما بين الخلف والسلف من تناقض كثير - كما هو معروف - ذلك لأن أصحاب السلطان، إذا اختلفوا في كل شيء، فإنهم يتفقون على شيء واحد، هو عدم التغاضي عن كل مَن يريد التحرّر من ربقتهم والاستقلال عنهم، سواء كان إتهامه حقاً بذلك أم كان باطلاً. كما أنهم كانوا ولا يزالون يدخلون في حسابهم أسوأ الاحتمالات، لمقاومة الذين يخرجون عليهم أو الذين يتهمونهم بالخروج عليهم زوراً وبهتاناً، ويكفي أن يأخذوا المتهم أخذاً في حالات الظن وفي حالات اليقين.
سأل سليمان مغيثاً عن طارق بن زياد، وقد أراد أن يوليه الأندلس خلفاً لموسى، فقال: "كيف أمر طارق بالأندلس؟ " فقال مغيث: "لو أمر أهلها بالصلاة إلى أي قبلة شاءها، لتبعوه ولم يروا أنهم كفروا"، فعملت هذه المكيدة في نفس سليمان، وبدا له في ولايته (٢)، وهذا يدل بوضوح، على
стр. 357
السياسة التي كان يتبعها سليمان في تولية الولاة، إذ يستبعد عن الولاية كل مَن يخشى خطره من بعيد أو قريب.
وكان يزيد بن المُهَلّب بن أبي صُفْرَة، من أقرب المقربين إلى سليمان بن عبد الملك، وكان لموسى يد على المهلب بن أبي صفرة (١)، وقد سأل يزيد يوماً موسى: "أريد أن أسألك، فاصْغ إليّ"، فقال موسى: "سل عمّا بدا لك"، فقال: "لم أزل أسمع عنك، أنّك من أعقل الناس، وأعرفهم بمكايد الحروب، ومُداراة الدنيا، فقل لي: كيف حصلت في يدي هذا الرجل (يعني: سليمان بن عبد الملك) بعد ما ملكت الأندلس، وألقيت بينك وبين هؤلاء البحر الزَخَّار (٢)، وتيقنت بُعدَ المرام واستصعابه واستخلصت بلاداً أنت اخترعتها، واستكملت رجالاً لا يعرفون غير خيرك وشرِّك، وحصل في يدك من الذّخائر والأموال والمعاقل والرجال ما لو أظهرت به الامتناع ما ألقيت عنقك في يد مَن لا يرحمك. ثم إنك علمت أن سليمان وليّ عهد، وأنه المُوالي بعد أخيه، وقد أشرف على الهلاك لا محالة (٣)، وبعد ذلك خالفته وألقيت بيدك إلى التّهلكة، وأحقدت مالكك ومملوكك "يعني سليمان وطارقاً"، وما رضا هذا الرجل إلاّ بعيد، ولكن لا آلو جهداً (٤) "، فقال موسى: "يا ابن الكرام! ليس هذا وقت تعديد، أما سمعت: إذا جاء الحَيْنُ (٥)، غطّى على العين؟! "، فقال يزيد: "ما قصدتُ بما قلت لك تعديداً وتبكيتاً، وإنّما قصدت تلقيح العقل، وتنبيه الرأي، وأن أرى ما عندك! "، فقال موسى: "أما رأيت الهُدْهُد يرى الماء تحت الأرض عن بُعد، ويقع في
стр. 358
الفخّ وهو بمرأى عينه؟! " (١).
وسهر يزيد بن المهلب عند موسى ليلة، فقال له: "يا أبا عبد الرحمن! في كم تعد مواليك وأهل بيتك؟ "، فقال موسى: "في كثير"، فقال يزيد: "يكونون ألفاً؟ " فقال موسى: "وألفاً وألفاً إلى منقطع النفس! "، فقال يزيد: "وأنت على ما وصفتَ، وألقيت بيدك إلى التهلكة؟! أفلا أقمت في قرار عزِّك وموضع سلطان، وامتنعت بما قدمت به؟ فإن أُعطيت الرضى، وإلاّ كنت على عزِّك وسلطانك"، فقال له: "والله لو أردتُ ذلك، لما نالوا من أطرافي طرفاً، ولكني آثرت الله ورسوله، ولم نَرَ الخروج من الطاعة والجماعة" (٢).
تلك هي أسباب استدعاء موسى وطارق من الأندلس إلى دمشق وعزلهما، وهذا لا يمنع من وجود أسباب تافهة أخرى، أخذها على موسى وطارق كل من الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك. فما علاقة طارق بمجمل تلك الأسباب؟.
لقد اتهم موسى بنزاهته، فقيل: إنه لم يخرج خمساً من جميع مغانمه، ولم يُتّهم طارق بمثل هذه التهمة من أحد، وليس هناك أي نص في المصادر يتهمه بنزاهته. وقد كان موسى مسئوله المباشر، وكان مولى موسى، وكان في جيش طارق قبل عبور موسى إلى الأندلس، مَن يرفع عنه أمره إلى موسى، فلا يخفى من أمر طارق على موسى شيء، ولا نعلم أن موسى حاسب طارقاً على نزاهته أو شكّ في نزاهته.
وحين قدم طارق إلى دمشق مع موسى، لم يُحاسب من الخليفة ولا من غير الخليفة على نزاهته، ولم يتطرّق الشك حوله من ناحية نزاهته إلى أحد من المسئولين أو إلى أحدٍ من غير المسئولين.
أما السبب الثاني، وهو اتهام موسى بالتغرير بالمسلمين، من وجهة نظر الوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان بن عبد الملك، فإن طارقاً يُشارك في هذه
стр. 359
التهمة أيضاً، إن لم تكن تهمته في التغرير أجسم من تهمهّ موسى بها وأضخم، فقد تغلغل في الأندلس بالعمق، وعرّض جناحيه: الأيمن والأيسر لخطر التعرّض القوطي عليهما، كما عرّض خطوط مواصلاته للخطر أيضاً، مما حدا بموسى إلى العبور للأندلس، لمعالجة الموقف الخطير الذي أصبحت قوات المسلمين تتعرض له في حينه، فعالج موسى الموقف، ورصّن وضع قوات المسلمين، وأبعد عنها الخطر الوشيك الداهم.
ولا يمكن تبرئة طارق من تهمة التغرير بالمسلمين، وسترد مناقشة ذلك في الحديث عن سماته القيادية.
أما اتهام موسى بالخلاعة، وهو السبب الثالث، فاتهام باطل من أساسه، وقد احترق به طارق كما احترق به موسى، باعتباره أحد موالي موسى، ولم تكن تلك التهمة في الواقع إلاّ في خَلَد الخليفة ومَن يشايعه في ظنونه وأوهامه.
والحق، أن موسى أصبحت له شعبية طاغية في إفريقية والمغرب والأندلس بخاصة، وفي سائر بلاد المسلمين بعامة، لفتوحاته العظيمة، وانتصاراته الباهرة، ولفضله وإحسانه على الناس مادياً ومعنوياً.
كما أصبحت لطارق شعبية طاغية في الأندلس وبين البربر بخاصة، وفي إفريقية وسائر بلاد المسلمين بعامة، لفتوحاته العظيمة، وانتصاراته الباهرة، ولشجاعته الفذّة، وإقدامه النادر.
والشعبية الطاغية، إذا تحلّى بها قائد من القادة، فإن ذلك لا يُريح المسئول الأعلى، ويجعله يخشى ذلك القائد، ويظن به الظنون، ومن تلك الظنون اتهامه بالخلع، حتى ولو كان بعيداً عن التفكير بذلك، كما كان الحال بالنسبة لموسى وطارق.
وشعبية موسى الطاغية، وشعبية طارق الطاغية، هي التي أدّت إلى سحبهما عن الأندلس إلى دمشق، وحرمانهما من قيادتهما المنتصرة الموفقة، وحرمان الفتح من جهودهما المثمرة، حيث خافت الخلافة منهما على
стр. 360
الخلافة، وخشيت الخلافة من إقدامهما على الخلع، وهما في بلاد قصيّة عن عاصمة الخلافة، بعيدة عن مراكز قوتها، بين رجالهما الذين يدينون لهما وحدهما الولاء، لأنهم لا يعرفون غيرهما، وهم يعيشون برخاء ونعمة بفضلهما.
ولكن الخلع لم يخطر على بال موسى، كما لم يخطر على بال طارق، فاحترق موسى بنيران تهمة هو بريء منها، واحترق طارق بنيران موسى بدون ذنب يستحق عليه العقاب.
وأياً كانت أسباب حنق الوليد وسليمان على موسى ومولاه طارق، فإن فاتحي الأندلس لم يلقيا الجزاء الحق، بل غمط حقهما وفضلهما، وأبدت الخلافة بهذا الجحود والنكران، أنها لم تقدِّر البطولة في هذا الموطن قدرها (١). ولعلّ عذر الوليد ومن بعده سليمان، أن موسى كان يمثل خطراً شديداً على الخلافة بعد امتداد سلطانه إلى أعماق إفريقية والمغرب، وأوروبا، وسيطرته على تلك الأصقاع النائية سيطرة شخصية وبأولاده ومواليه وأتباعه، وسيطرته في الأندلس كانت بطارق، مما فسح المجال لتقولات خصوم موسى وحاسديه عليه وعلى أعوانه البارزين - وعلى رأسهم طارق -.
ومن الواضح، أن موسى - في حقيقة أمره - كان بعيداً كل البعد عن الاختلاس، ولكنه كان كريماً جداً، ولم يكن تغلغله في تلك الأصقاع النائية التي جعل الخلفاء يظنون أنه غرّر بالمسلمين وعرّضهم للأخطار، إلاّ عن رغبته الأكيدة في الفتح ونشر رايات الإسلام، مع تمكّنه وثقته الكاملة بقابليته وقابليّة رجاله على تحمل أعباء هذا الفتح العظيم وتبعاته، فكان المسلمون في أمنٍ ودعة لا في خطر وشِدّة - كما حسب الخلفاء وتصوّروا -. كما أن موسى لم يفكر أبداً بالخلع والاستقلال عن الخلافة، فقد كان إيمانه العميق بتعاليم الإسلام وتمسكه والتزامه بها، وشدّة ضبطه وابتعاده عن شقّ عصا الطّاعة،
стр. 361
والانزلاق في مهاوي الفتن والفرقة، كل ذلك يجعله بعيداً غاية البعد عن اتهام خصومه وحاسديه له بالخلع أو الاستقلال الذاتي، خاصة وأنه كان في ذلك الوقت كان قد بلغ الثمانين من عمره، وهي سن لا تشجع مَن بلغها على المغامرة، وتجعل من صاحبها إنساناً ذا تجربة وخبرة، بعيد النظر، مقدِّراً لعواقب الأمور.
لقد ذهب موسى ومعه طارق، ضحية الدسّ والحسد، فخسر العرب المسلمون بتنحيتهما بطلين من ألمع أبطالهم، وفاتحَيْن من أعظم فاتحيهم، ورجلَيْن من أنبغ رجالاتهم، وقائدَيْن من أبرز قادتهم، وكانت تنحيتهما نكسة قاصمة للفتح الإسلامي في الأندلس وأوروبا (١).
وقد بقي في الأندلس، جيوب من القوط، لم يتم القضاء عليها نهائياً، ولو بقي موسى وطارق لقضيا عليها قضاءً مبرماً. وهذه الجيوب من بقايا القوط، هي التي نمت وانتعشت واستردت الأندلس من المسلمين بعد حين، كما هو معروف.
ولو بقي موسى وطارق في الأندلس، لأصبح فتح الأندلس فتحاً مستداماً، كفتوح البلاد والأمصار الأخرى.
ولكن هل خسر العرب والمسلمون موسى وطارقاً وحدهما نتيجة للدس والحسد؟؟!!
стр. 362
٢ - الرّجل
كان طارق مع موسى بن نصير في رحلته الطويلة من الأندلس إلى دمشق، وقد احترق طارق بنار موسى كما ذكرنا، فسحب من قيادته في الأندلس، وأصبح مع موسى رجلاً بلا غد، له رصيد في الفتح وتاريخ، ولكن السّلطة تخلّت عنه إلى الأبد.
وقد توفي موسى سنة سبع وتسعين الهجرية (١) (٧١٨ م) وهو في الحج برفقة الخليفة سليمان بن عبد الملك (٢)، وكانت وفاة موسى بوادي القُرى (٣)، ولم يعد من حجه إلى دمشق.
ولا ندري هل كان طارق مع موسى في رحلة حجه، أم بقي في دمشق؟ كما لا ندري أبقي في دمشق بعد رحيل موسى عن هذه الدنيا، أم رحل طارق إلى إفريقية أو الأندلس؟.
وعلى كل، فكان لطارق عَقِب لهم ذكر في الأندلس، وكانوا ينكرون ولاء طارق لموسى إنكاراً شديداً (٤)، ويذكر قسم منهم أنه من قبيلة صَدِف العربية من حضرموت، ويذكر قسم آخر، أنه من موالي قبيلة صَدِف وليس بمولى موسى بن نصير. كما يذكر قسم منهم، أن طارقاً من بني ليث من قُضَاعة (٥)،
стр. 363
كما ذكرنا ذلك في الحديث على: نسبه وأيامه الأولى، فلا ندري هل عاد طارق إلى الأندلس بعد موت موسى، أم رحل إليها عقبه، أو رحل إليها قسم منهم، ومتى؟
ومن المرجح أن عقبه هم الذين رحلوا إلى الأندلس، لأن طارقاً لو رحل إليها، لذكر رحيله المؤرخون، ولما سكتوا عنه.
ومن الواضح، أن طارقاً نَفْزاوِيّ من البربر ومن إفريقية، كما ذكرنا ذلك من قبل، ولم يدّعي أنه عربي، ولكن من جاء بعده من ولده ادّعى ذلك.
وقد ولد مسلماً، إذ كان أبواه وجده مسلمين، فهو من أسرة اشتهرت بسبقها إلى اعتناق الإسلام، إذ أسلم والد طارق أيام عُقبة بن نافع، والتحق طارق بعد وفاة والده بخدمة المسلمين، وكان إذ ذاك صغير السن، ولكنه كان يتمتع بقدر كبير من الحماسة والغيرة على الدين الإسلامي، جعله من أشد المقربين إلى موسى بن نصير (١). ولا نعلم بالضبط متى تم اتصال طارق بموسى ولا بمكانه، ولكننا نعلم أنه ولاّه مقدمته في فتح مدينة طنجة، فلما فتحت هذه المدينة ولاّه موسى على إدارة وقيادة هذه المدينة، وكان ذلك في حدود سنة تسعين الهجرية (٧٠٨ م) وأبقى معه عدداً قليلاً من العرب لنشر الإسلام بين البربر (٢).
وقد ظهر اسم طارق لأول مرة، بعد خروج موسى من القيروان لفتح مدينة طنجة، فولاّه موسى مقدمته، مما يدل على تبادل الثقة بين موسى وطارق، ولا تكون هذه الثقة إلاّ نتيجة لتجربة عملية طويلة، نجح فيها طارق بالنسبة لموسى، فحصل على ثقة موسى الكاملة به، فولاّه قيادة مقدّمته، فهل كانت
стр. 364
هذه التجربة التي نجح فيها طارق في إفريقية والمغرب حسب، وقد مكث موسى فيها سنوات قليلة، أم أن هذه التجربة سبقت قدوم موسى إفريقية والمغرب، واستمرت بعد ذلك في إفريقية والمغرب؟؟
والجواب على ذلك صعب، لأن المصادر المعتمدة لا تيسر الجواب الواضح، إذ لا نصوص تدلّ عليه أو تشير إليه، فمثل هذه الثقة لا تتكوّن بسهولة وسرعة، فمن المحتمل أنّ طارقاً اتصل بموسى في مصر قبل توليه، إفريقية والمغرب، وليس ذلك ببعيد الاحتمال، ولكن لا دليل عليه من النصوص المتيسرة في المصادر المعتمدة.
على كل حال، نجح طارق إدارياً في ولايته على طنجة، فقد أصبح موثوقاً به من البربر بخاصة، ومن أهل المدينة بعامة، وأصبح موضع حبّهم وولائهم، وقد تخطت شعبية طارق حدود ولايته إلى ما جاورها من الولايات، فكان سبباً من أسباب استمالة يُليان إلى المسلمين، مهما تكن الأسباب الأخرى، فاتصل يُليان بطارق، وكان طارق صلة ارتباط يُليان بموسى بن نصير، وسبباً من أسباب تسليم سَبْتَة للمسلمين سلماً بدون قتال، ومعاونة يُليان وتعاونه مع المسلمين في فتح الأندلس، كما ذكرنا ذلك.
ولا مجال للشك، فى أن اتصال يُليان بطارق وموسى، وتسليم سبتة للمسلمين سلماً، بعد أن استعصى عليهم فتحها بالقتال، وتعاون يُليان مع المسلمين ومعاونته لهم في فتح الأندلس، كان حسنة من حسنات طارق، تُعرف له وتُذكر بالشكر والعرفان.
كما كان التفاف البربر حول قيادته في طنجة أولاً، وفي الأندلس ثانياً، دليلاً على تمتعه بالخلق الكريم.
ولا أحد يدري أين ولد طارق؟ ولا أيامه الأولى قبل اتصاله بموسى بن نصير؟ ولا أيامه بعد رحيل موسى عن هذه الدنيا إلى جوار الله؟ كما لا يعرف أحد عن عدد أولاده ولا أسمائهم، ومتى جرى رحيل بعضهم أو رحيلهم إلى الأندلس، ولا يدري أحد هل رحل أولاد طارق إلى الأندلس، أم رحل
стр. 365
أعقابهم، كل ذلك غير معروف! كما لا يدري أحد متى مات وأين مات، وكم كان عمره يوم توفي؟.
وقد ذكرنا نص خطبة طارق في رجاله، قبل أن يخوضوا المعركة الحاسمة، معركة وادي لَكُّهْ، وتروى لطارق كذلك أبيات من الشعر، لا بأس من ذكرها هنا، وهي:
ركبنا سَفِيناً بالمجاز مُقَيَّراً ... عسى أن يكون الله مِنّا قد اشترى
نُفُوساً وأمولاً وأهلاً بجَنَّةٍ ... إذا ما اشْتَهَيْنَا الشَّيء منها تَيَسَّرا
ولسنا نُبالي كيف سَالت نُفُوسُنا ... إذا نحن أدركنا الذي كان أَجْدَرا
وهذه الأبيات مما يُكتب لمراعاة قائلها ومكانته، لا لعلوّ طبقتها (١). وهي ليست من الشعر البليغ، ولكنها من النظم الموزون المقفّى، وهي إن دلّت على شىء، فإنما تدل على إيمان طارق العميق بالإسلام، ومبلغ حبّه للجهاد في سبيل الله واستعداده للتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله بالمال والنفس والأهل. ومن الواضح أن هذه الحماسة الدينية لطارق، كانت وراء اندفاعه الشديد في طريق الفتح.
وهذه الأبيات، في معانيها مقتبسة من قوله تعالى: ((*إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّاً فِي الْتَّوْرَاةِ وَالْلإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ*)) (٢).
"وكان طارق حسن الكلام، ينظم ما يجوز كتبه" (٣)، إنه كان بليغ العبارة في نثره، قوي الأسلوب، متين التراكيب، كما يشهد على ذلك خطابه التاريخي، وإنه كان ينظم الشعر، ومهما قيل في ضعف شعره وقلّته، فإن نثره
стр. 366
وشعره يدلاّن على معايشة العرب معايشة طويلة، فلا يُستبعد أن يكون قد رحل إلى مصر أو بلاد الشام أو كان مع موسى في البصرة يوم كان هناك، ولكن لا دليل يثبت تلك المعايشة إلاّ نثره ونظمه، وقد تكون تلك المعايشة تمت في إفريقية مثلاً (تونس) في أحد حواضرها كالقيروان، التي كانت يومذاك تعج بالعرب الفاتحين وأبنائهم وذويهم ومواليهم.
ومن ثقة موسى به قائداً وإنساناً، وثقة البربر به ومحبتهم له واعتمادهم عليه: "لو أمر أهلها بالصلاة إلى أيّ قبلة شاءها لتبعوه، ولم يروا أنهم كفروا" (١)، وعدم اتهامه بنزاهته، يمكن أن نستنتج، أنه كان مسلماً حقاً، قوي الإيمان، راسخ العقيدة، مجاهداً صادقاً، قوياً أميناً، نزيهاً لم يتلوث بمال حرام، ولم يخلف درهماً ولا ديناراً ولا عقاراً، دمث الأخلاق، حليماً كريماً سخياً، محباً للناس محبوباً منهم، شهماً غيوراً.
ولا أعرف قائداً فاتحاً، له في تاريخ الفتوح ما لطارق في تاريخ الفتوح، بخل عليه التاريخ إنساناً كما بخل على طارق الإنسان، فاقتصر تاريخه على مجده في الفتح، وهو مجد عظيم، دون أن يشمل تاريخه إنساناً، وقد عوّض عليه مجده في الفتح ما فاته إنساناً، وحسبه ما فتح عوضاً مجزياً.
стр. 367
القائد
١ - سماته القيادية عامة:
يتميز طارق على مَن سبقه من قادة الفتح الإسلامي، وعلى مَن عاصره منهم، بأنه أول قائد غير عربي تولّى منصب القيادة، في دولة تختار قادتها من العرب المسلمين، ولا تُولي القيادة مسلماً غير عربي، بل ينبغي أن يكون القائد عربياً مسلماً.
كما تولى طارق القيادة، وهو غير عربي، على قادة من العرب، وعملوا بإمرته وتحت لوائه دون تردد ولا تذمّر.
لقد كان طارق من البربر، تولى قيادة جيش المسلمين لفتح الأندلس، على عهد الوليد بن عبد الملك، أحد خلفاء بني أمية وأكثرهم فتحاً، وكانت الدولة الأموية تلتزم العرب وتتعصب لهم، فلا تُولي القيادة إلاّ من عربياً أصيلاً. ولم يسبق أن تولّى منصب القيادة منذ جاء الإسلام وبدأ الفتح الإسلامي، إلى أيام طارق، إلاّ عربي مسلم أصيل.
بل لم يتسنّم طارق هذا المنصب الرفيع في القيادة حسب، بالرغم من نسبه إلى غير العرب، فقد أصبح أيضا قائداً على عدد من القادة العرب المسلمين في الأندلس، كانوا مع المدد البالغ تعداده خمسة آلاف مجاهد، الذين أمدّ بهم موسى بن نصير طارقاً (١) فعمل هؤلاء القادة العرب بقيادة طارق، وساروا بإمرته، وخضعوا لسلطته، ونفّذوا أوامره ووصاياه دون تردد.
بل لم يكن العربي المسلم، ليتولى منصب القيادة، في عهد الدولة
الأموية، إلاّ إذا كان عربياً أصيلاً لا من قوارير، ذا حَسَب ونسب، رئيساً على قبيلته، أو من بين أفراد عائلة ذلك الرئيس. ولكن ليس كل رئيس قبيلة يتولى منصب قيادتها وقيادة غيرها من القبائل والشعوب الإسلامية الأخرى، ولا كل
стр. 368
فرد من أفراد عائلة رئيس القبيلة يتولى منصب القيادة، فهذا المنصب يتولاّه رئيس القبيلة أو أحد أفراد عائلته، إذا اتّسم بسمات قيادية معينة تؤهله للقيادة، أما الذي لا يتسم بتلك السمات، فلا يتولى القيادة، ويتولاها من يتسم بها من أفراد عائلة رئيس القبيلة، لأن القائد الذي لا كفاية له، يقود رجاله إلى الموت والهزيمة، ولا يقودهم إلى السلامة والنّصر، ولا أحد يُولّي مَن لا كفاية له، ولا أحد يتولى القيادة بلا كفاية، وبخاصة في أيام الحرب وفي ميادين القتال.
لقد كانت القيادة، في تلك الأيام، يتولاها: العربي المسلم أولاً، والعربي الأصيل ذو الحسب والنسب ثانياً، وذو الكفاية العالية في القيادة ثالثاً وأخيراً.
كان خالد بن الوليد - مثلاً - من بني مخزوم، وهم بطن من عشرة أبطن من قريش، انتهى إليها الشّرف قبل الإسلام (٢)، فكان في بني مخزوم القُبَّة وأعِنَّة الخيل، أما القُبَّة فكانوا يضربونها يجمعون فيها ما يجهزون به الجيش، وأما الأعنة فهي قيادة الفرسان في الحروب (٢)، وكان أبوه الوليد ذا مكانة مرموقة بين سادات قريش، فهو عدلها يكسو الكعبة عاماً، وتكسوها قريش بأجمعها عاماً آخر (٣)، لشرفه ورجاحة عقله واتزانه، لذلك تيسرت تلك الشروط لخالد في أنه عربي أصيل ذو كفاية قيادية عالية، فتولى القيادة، لأنه تميز على آل بيته وأهله بالكفاية القيادية العالية، فتولاها دونهم، ولم يتسنّمها غيره من إخوته وذوي قرباه.
وما يُقال عن خالد، يقال عن غيره من القادة، فكلهم من العرب المسلمين، ذوي الحسب والنسب والكفاية القيادية المتميزة؛ حتى جاء طارق، فكان قائداً من غير العرب، فما الذي حمله إلى القيادة حَمْلاً ولم يكن
стр. 369
عربياً أصيلاً؟ ما الذي جعل القيادة تسعى إليه، وهو من البربر؟
لا بد وأن تكون لديه مزايا قيادية فذّة، مهّدت له الطريق لتولي القيادة، وتغلبت على العقبات التي كانت تحول بينه وبين أمثاله من غير العرب، لتولي القيادة في تلك الأيام من عهد بني أمية في التاريخ الإسلامي العريق.
فما هي مجمل تلك المزايا ؟
لم يأخذ موسى حشوداً من العرب المسلمين معه إلى إفريقية والمغرب، فقد سار من مصر مصحوباً ببعض المتطوِّعين من رجال القبائل العربية هناك (١)، واعتمد في فتوحه على العرب والبربر الموجودين في إفريقية والمغرب، ولم يكن تعداد العرب المسلمين بالنسبة إلى تعداد البربر المسلمين الذين يتزايدون يوماً بعد يوم شيئاً مذكوراً، فكان العرب المسلمون أقلية، والبربر المسلمون أكثرية، ولا مجال لموسى إلاّ في التعاون مع البربر المسلمين، فاستعان بهم فتمكن من توسيع نطاق فتوحاته، لتشمل من القيروان إلى المحيط الأطلسي (٢).
وبعد أن أخضع موسى القبائل البربرية في إفريقية، قرر أن يبذل جهوداً فعالة لافتتاح المغرب، فأرسل ثلاث حملات: قاد الأولى بنفسه (٣)، وقاد الحملتين الثانية والثالثة قائدان مرءوسان من قادته (٤)، فنجح موسى في محاولاته الثلاث نجاحاً باهراً، أرضى بها كلاً من عبد العزيز بن مروان والي مصر ومسئوله المباشر، والخليفة في دمشق، اللذين أبديا إعجابهما بحملاته الناجحة وكثرة ما حمله إليهما من غنائم (٥).
стр. 370
وفي الحملة الناحجة التي قادها موسى، من هذه الحملات الثلاث، زحف موسى مصحوباً بطارق على مقدّمته إلى طنجة، ففتحها، ثم توغل جنوباً ففتح مناطق واسعة جداً، وكالن توغله ناجحاً للغاية. وقد امتازت تلك الحملات التي قام بها موسى وقائداه، بضراوة شديدة، ولكن ما أن يعتنق البربر الإسلام، إلاّ ويُقرّ الفاتحون زعماءهم في الرئاسة، مقابل مساهمة كل قبيلة بربرية بعدد كافٍ من المجاهدين والانضمام إلى جيش المسلمين، فاستطاع موسى أن يجند أعداداً هائلة من مختلف قبائل البربر، مثل: كُتَامَة، وهَوَّارة، وزَنَاتة، ومَصْمُودَة (١)، فوحد موسى هؤلاء المجاهدين الجُدد من البربر، ووضعهم جميعاً في حامية طنجة بقيادة طارق الذي عينه حاكماً على هذه المدينة في حدود سنة تسعين الهجرية (٧٠٨ م)؟ ولم يُبْقِ مع طارق إلاّ القليل من العرب المسلمين، الذين كانت مهمتهم نشر تعاليم الإسلام بين البربر (٢)، وغادر الجيش الإسلامي بقيادة موسى إلى القيروان، حيث استقر موسى ومَن معه هناك، وبقي طارق وجيشه البربري في طنجة قائداً ووالياً.
ومنذ ذلك الوقت، تمت سيطرة موسى بن نصير على الشمال الإفريقي، أي سيطرة الدولة الإسلامية، على تلك المناطق النائية، بعد سبعين سنة من الاقتتال بين الفاتحين المسلمين وبين البربر، هي المنطقة الكائنة بين بَرْقة (٣) على الحدود الليبية المصرية والمحيط الأطلسي. وما كان موسى ليستطيع
стр. 371
تحقيق هذه السيطرة الكاملة، لولا تطبيق روح الإسلام في السير على سياسة التعاون والاندماج بين العرب المسلمين والبربر المسلمين، وكان بإمكان أسلاف موسى أن يحققوا النصر في تلك الأصقاع النائية بوقت أقصر لو اتبعوا منذ البداية سياسة أبي المهاجر (١) دِينَار الإيجابية في هذا المجال (٢).
ومن الواضح، أن أول مزية من مزايا قيادة طارق، التي أهّلته لتولي منصبه القيادي، هي أنه بربري، فقد كان السواد الأعظم من جيشه والأغلبية المطلقة من البربر المسلمين، وكان العرب المسلمون في طنجة أقلية مطلقة أيضاً، يقتصر واجب رجالها على الدعوة إلى الله، فهم من الدعاة لا من القادة، فرأى موسى أن يولي طارقاً على قومه البربر المسلمين، فهو منهم وإليهم، يعرف آمالهم وآمالهم، ويستطيع التفاهم معهم وحل مشاكلهم ومعالجة معضلاتهم بسهولة ويسر، وهو أقدر على قيادتهم وإدارتهم من عربي مسلم غريب عنهم، كما أنه قادر على التأثير في نفوس البربر، لأنه ليس غريباً عنهم، ويتقبّلون التعامل معه أكثر مما يتقبلون التعامل مع قائد أو إداري غريب عليهم، يشعرون أنه سيِّدهم وهم تَبَع له وهو مفروض عليهم، بعكس شعورهم بالنسبة لقائد أو إداري من البربر، يشعرون أنهم أنداد له، وهو ليس مفروضاً عليهم، بل من أبنائهم.
ولكن مزيته البربرية وحدها لا تكفي لتولي القيادة، فيبدو أنه كان مؤمناً صادقاً، حَسُنَ إسلامُه، وأصبح ولاؤه للإسلام وتعاليمه، وبذلك رضي الدعاة العرب أن يعملوا معه وبإمرته وإدارته وتوجيهه، ولولا ذلك لرفضه البربر المسلمون والدعاة العرب في مثل تلك الأيام في أيام الفتح والجهاد والدعوة إلى الله.
وقد ولاه موسى على مقدمته في حركته لفتح طنجة، وقد كان موسى من
стр. 372
ألمع قادة الفتح الإسلامي، ولا يمكن أن يولي على مقدمته إلاّ مَن كانت له سمات قيادية متميزة، لأن المقدمة مسئولة عن أمن سائر الجيش، ومسئولة عن الحصول على المعلومات عن العدو والأرض، وهي التي تُيَسِّر تقدم الجيش إلى الأمام بسهولة وانطلاق، ومسئولة عن منع العدو من الحصول على المعلومات عن جيش المسلمين، لئلا يستفيد من تلك المعلومات في ضربه وعرقلة تقدمه في المكان والزمان الجازمين، وهي مسئولة عن تطهير الطريق ليتقدم الجيش بسرعة واندفاع، ولا يمكن أن ينهض بهذه المسئوليات إلا قائد متميز.
والذي يبدو، أن موسى، جرّب طارقاً، في مسيرته الطويلة الشاقة، من القيروان إلى المحيط الأطلسي، فأثبت طارق أنه جدير بالثقة، فولاّه موسى على مقدمته أولاً، فكانت أول الغيث، ثم انهمرت عليه المناصب بعد ذلك.
وقد كان موسى على صلة وثيقة بطارق، لأن طارقاً هو مولى موسى، ومن مواليه المقربين، ولكن موسى لم يُقدِم على تولية طارق القيادة، لأن طارقاً مولاه، فليس هناك مَن يولي القيادة في أيام الحرب مَن لا يستحقها، حتى ولو كان ابنه أو شقيقه، ولا يُولي في مثل تلك الظروف غير ذوي الكفاية القيادية العالية من القادرين على تحمل أعباء القتال وقيادة الرجال، لأن مَن يُولِّي منصباً قيادياً في أيام الحرب لمن لا تتوفر فيه الكفاية والمزايا القيادية المطلوبة، تكون العاقبة الوخيمة هزائم واندحاراً وخسائر فادحة عليه، وعلى جيشه وعلى القائد الذي تولى القيادة اعتباطاً وعلى الأمة والبلاد، ولا يمكن أن يقع في مثل هذا الخطأ الشنيع قائد متميز مثل موسى ولا أي قائد آخر.
إن مفتاح مزايا قيادة طارق، هو أنه كان المثال الشخصي لرجاله في الشجاعة والإقدام، فهو لا يكتفي بإصدار الأوامر لرجاله، بل هو أول من يبدأ بتنفيذها على نفسه، بشكل يكون فيه أسوة حسنة للذين يعملون معه، إن استطاعوا.
ولم يكن طارق من القادة الذين يقودون رجالهم من الخلف: يُصدر أوامره
стр. 373
إليهم، ويطالبهم بتنفيذها، ثم يقبع في الخلف آمناً مطمئناً بعيداً عن الخطر. إنه من القادة الذين يقودون رجالهم من الأمام: يصدر أوامره إلى رجاله، ويقول لهم اتبعوني، وافعلوا ما تروني أفعل، ثم يكون القدوة لرجاله في الشجاعة والإقدام، والتضحية والفداء.
كان يُتْعِب نفسه، أكثر مما يتعب رجاله، فكان لا ينام ويُنِيم.
ولكي تتضح سمات طارق القيادية، لا بد من ضرب الأمثال، لكي نستنتج منها تلك السمات بوضوح وجلاء.
وحين أصبح المسئول عن فتح الأندلس، أعدّ خطة الفتح المفصّلة، وبدأ بتنفيذ مراحلها في رمضان من سنة إحدى وتسعين الهجرية (آب - أيلول = أغسطس - سبتمبر ٧١٠ م)، وذلك بإرسال حملة استطلاعية بقيادة أبي زَرْعة طَريف بن مالك المعافري، مؤلفة من أربعمائة راجل ومائة فارس.
ونجحت مهمة طريف الاستطلاعية نجاحاً باهراً، فقرر طارق أن يقود الحملة المقبلة، تنفيذاً لمراحل خطة الفتح.
لقد كان طارق قائداً يبدأ أعماله بالاستطلاع المفصّل، ليكون على بيِّنةٍ من أمره، ولا يخطو خطوة إلاّ بعد جمع المعلومات الضرورية بالاستطلاع، فلا يضع خطوته إلاّ في موضع أمين، واضح المعالم غير مجهول التفاصيل، فهو يعمل دائماً بالنور، ولا يعمل أبداً في الظلام، وتلك سمة مهمة من سمات القائد الحصيف.
وفي عملية عبور جيش طارق من مدينة سَبْتة إلى بر الأندلس، برزت ثلاث سمات من سمات قيادته: الأولى: استئثاره بالخطر لحماية رجاله وإيثارهم بالأمن، والثانية: حرصه الشديد على أرواح رجاله، والثالثة: المبالغة في بذل جهده للاطمئنان على سلامة العملية في الإنزال، والتأكد من إكمال عبور رجاله كافة كما ينبغي دون تخلف بعضهم عن العبور، وإنجاز عملية العبور بدون خسائر تذكر مادياً ومعنوياً.
فقد أبحر طارق من سبتة على رأس الوجبة الأولى من رجاله ليلاً، وجرى
стр. 374
إنزال رجاله في مكان وَعْرٍ من الشاطئ الأندلسي، وسهل عملية الإنزال باستخدام المجاذيف وبراذع الخيل التي أُلقيت على الصخور لتلافي خطرها على رجاله، فتمكن طارق من إنزال هذه الوجبة من رجاله على الشاطئ بصورة مفاجئة دون أن يراه أحد من العدو (١).
ولما اطمأن طارق إلى سلامة هذه الدّفعة من رجاله، عاد بالسفن الفارغة إلى البر الإفريقي في سبتة، وحمل الدفعة الثانية من رجاله على السفن، وعاد بهم إلى البر الأندلسي، حيث جرى إنزالهم، حتى قال بعض المؤرخين: إن طارق كان آخر من عبر الأندلس (٢)، وهذا صحيح، فقد عبر مع الدفعة الأولى، ثم عبر مع الدفعة الثانية، وبذلك اطمأن إلى عبور آخر رجل من رجاله بسلام، فقد أبحر طارق مع أول جماعة، وأخفى نفسه في الجبل حتى الليلة التالية، حيث أرسل المراكب مرة أخرى لكي تعود ببقية رجاله (٣)، وما أخفى طارق نفسه في الجبل، بل عاد ليرافق الجماعة الثانية من رجاله، فقد قاد فعلاً المجموعة الأولى إلى الشاطئ الأندلسي، ولكن ما أن هبطت تلك المجموعة بسلام، حتى عاد بالمراكب إلى سبتة لكي يُشرف على بقية العملية، ومن ثم أبحر مع المجموعة الأخيرة من الرجال (٤).
وكان تعداد رجال طارق الذين جرى إنزالهم في هذه المرحلة سبعة آلاف رجل، وهم الذين عبروا المضيق مع طارق. وتضم المجموعة الأخرى خمسة آلاف رجل، وهم الذين أرسلوا فيما بعد مَدداً لطارق من قبل موسى بن نصير (٥)، وضمت الحملة سبعمائة رجل من السُّودان (٦). وهذا يُظهر لنا، أن
стр. 375
طارقاً من أولئك القادة الذين يقدمون على إنجاز ما يُكلَّفون به من مهمات عسكرية بكل عزم وبدون تردد، دون خلق المعاذير أو اختلاقها للتملص من تحمّل المسئولية، والتهرّب من الأخطار المتوقعة. ومن الواضح، أن تقبل طارق مهمة العبور للفتح، بقوّة لا تزيد عن سبعة آلاف رجل فقط، لفتح بلاد واسعة، لها ملك ونظام راسخ وجيش عريق، يمكن أن يعد من طارق حباً للمسئولية، كما أن الإقدام على تنفيذ الأوامر الصادرة إليه من مرجعه بدون تردد وبشجاعة، دليل على تمتع طارق بحب المسئولية. وهي سمة من سمات القادة الكبار، وتمتعه بالشجاعة، وبالضبط المتين، والشجاعة والتحلي بالضبط المتين من سمات القادة الكبار أيضاً.
وبهذه المناسبة، فإن القادة العسكريين، من ناحية تحمل المسئولية، صنفان: صنف يتحمل المسئولية، ولا يتردد في تنفيذ الأوامر الصادرة إليه، حتى إذا كان التنفيذ صعباً جداً، فهو يبدأ بالتنفيذ، ثم يطالب بمعاونته ما وجد إلى ذلك سبيلاً. وصنف يتهرب من المسئولية ويتملص منها، حباً بالعافية والسلامة، فيختلق المعاذير أو يخلقها، فإذا اضطر إلى تنفيذ ما عُهِدَ إليه نفّذه متذمراً. والصنف الأول الذي يتحمل المسئولية من القادة، هم الذين يُفلحون في أداء واجباتهم، ويقودون إلى النصر. أما الصنف الذي يخاف المسئولية من القادة، فهم الذين لا يُفلحون أبداً في أداء واجباتهم، ولا يقودون رجالهم إلاّ إلى الهزيمة.
وظهرت سمة جديدة من سمات قيادة طارق، في تحصين مواضع إنزال قواته في جبل طارق (١)، فمن واجب المقاتل أن يحصّن موقعه فوراً وبدون تأخير بعد احتلاله مباشرة، ليستعين بموقعه المحصن على الثبات أولاً، وليحمي نفسه من رصد العدو وسهامه المصوبة إليه: "فلما حصلوا في الجبل، بنَوْا سوراً على أنفسهم يسمى: سور
стр. 376
العرب ... إلخ ... " (١). والحرص على بناء هذا السمور لحماية جيش طارق، دليل على تمتّعه بمزية: الأمن، وهو مبدأ من مبادئ الحرب، يستحثّ القائد على أمن قواته من نظر العدو ورصده ومن أسلحته المصوبة إليه، كما أن التحصين يساعد على الثبات.
وظهرت سمة: رفع المعنويات في قيادة طارق، في معركته الخاطفة على بَنْج (٢) ( Banj) ، حيث قضى طارق على قوات بَنج، ولم يَنج من جندها إلاّ واحد اسمه: بِلْيَاسِن، أسرع إلى معسكر لذريق في أقصى شمالي الأندلس (٣)، وأخبره بنزول المسلمين البلاد، وإبادة قوات بنج إبادة كاملة.
ومن الواضح جداً، أن انتصار المسلمين الساحق، على قوات القوط، وإبادتها عن بكرة أبيها، أدى فيما أدى، إلى رفع معنويات الفاتحين، وإنهيار معنويات القوط، وارتفاع المعنويات عامل من عوامل النصر، وائهيارها عامل من عوامل الهزيمة.
وبالرغم من ثقة طارق بنفسه، وثقته برجاله، وارتفاع معنويات المسلمين، إلاّ أن طارقاً حين علم باقتراب لذريق وقواته المتفوقة الضاربة من مواضع المسلمين، كتب إلى موسى يستنجده فأرسل إليه جيشاً قرابة خمسة آلاف مقاتل، بقيادة طريف بن مالك (٤)، فقويت بالمدد نفس طارق ونفوس مَن معه.
وتكرّر استنجاد طارق بموسى، بعد تغلغله بالعمق في الأندلس، فأصبحت ميمنة المسلمين وميسرتهم مهددة بالعدو، كما أصبحت خطوط مواصلاتهم بقواعدها المتقدمة والأمامية مهددة بالعدو أيضاً، فكتب طارق إلى موسى: "إن الأمم قد تداعت علينا من كل ناحية، فالغوث ...
стр. 377
الغوث" (١) فعبر موسى إلى الأندلس، باستدعاء طارق إياه (٢).
وهذا يظهر مزيتين مهمتين من مزايا طارق القيادية، هما: تقديره الصائب للموقف العسكري، ومطالبته بالمدد في الوقت الذي يحتاج إلى المدد، دون أن يغتر بالمعنويات العالية التي يتحلى بها ويتحلى بها رجاله، وبالانتصارات المتوالية على العدو القوطي. والمزية الثانية، هي حرصه العظيم على أمن رجاله، فلا يفسح المجال لتعرضهم إلى التهلكة دون مسوِّغ. وهاتان المزيتان من أهم المزايا التي يتصف بها القادة العظام في التاريخ. فإن تقدير الموقف الصائب في الزمان والمكان المناسبين يدل على تمتع القائد بالذكاء الألمعي، وبمزية سبق النظر، فيتوقع الأحداث قبل وقوعها، ويُعدّلها ما يمكن أن تُعالج به علاجاً ناجعاً. أما الحرص على أمن قوات القائد، فهو الذي يحفظ لها معنوياتها من الانهيار، ويجعلها تثق بالقائد وتنفذ أوامره طوعاً عن طيبة خاطر، مهما يعترض سبيلها من مصاعب ومعضلات.
وقد ظهرت مزيّة: الشجاعة، في طارق، في مواقف كثيرة، فضرب بشجاعته لرجاله أروع الأمثال، وكان أسوة حسنة لهم، حتى كانت خسائر رجاله في معركة لَكُّهْ، وهي المعركة الحاسمة بين المسلمين بقيادة طارق، وبين القوط بقيادة لذريق، ثلاثة آلاف شهيد، من مجموع جيش طارق الذي كان اثنى عشر ألف مقاتل، أي أن خمسة وعشرين بالمائة من جيش المسلمين استشهدوا في هذه المعركة الحاسمة، فقد قسم طارق الغنائم بعد انتصاره على القوط في هذه المعركة على تسعة آلاف من المسلمين (٣)، أي أن هؤلاء هم الذين سَلِموا، واستُشهد الباقون.
ويقول طارق في خطبته على رجاله قبل الاشتباك بالقوط في تلك المعركة الحاسمة: " .... ألا وإني عامد إلى طاغيتهم بنفسي، لا أقصِّر حتى أُخالطه
стр. 378
أو أُقتل دونه" (١)، و: "ما فعلت من شيءٍ فافعلوا مثله، إن حملتُ فاحملوا، وإن وقفت فقفوا .... ألا وإني عامد إلى طاغيتهم بحيث لا أتهيّبه حتى أُخالطه أو أُقتل دونه" (٢)، فهو لا يريد من رجاله شيئاً أكثر من أن يفعلوا ما يفعله ويقتفوا آثاره في الشجاعة والإقدام. ومن الواضح، أن تأثير طارق في رجاله كان عظيماً، فقد كان قدوتهم في الشجاعة، وخير دليل على شجاعتهم ما أنجزوه في الفتوح، وما أحرزوه من انتصارات، وما بذلوه من تضحيات.
ومن الأمثلة التي تدل على شجاعة طارق النادرة، أن العِلْج صاحب إِسْتَجَّة خرج إلى النهر وحده لبعض حاجاته، فصادفه طارف هناك، وكان طارق قد أتى لمثل ذلك، وطارق لا يعرفه. ووثب طارق على العلج صاحب إِسْتَجَّة في الماء، وأخذه أخذاً وقاده إلى معسكر المسلمين، فلما كاشفه اعترف له بأنه أمير المدينة، فصالحه طارق على ما أحبّ، وضرب عليه الجزية، وخلّى سبيله. وكان طارق يحاصر المدينة، فاستسلمت للمسلمين، ووفّى العلج أمير المدينة بما عاهد عليه طارقاً (٣)، ولا يمكن أن يبتعد قائد عن جيشه، ويخرج وحده بعيداً عن رجاله، فيصاول رجلاً من الأعداء ويأسره، ثم يظهر أن الأسير أمير المدينة المحاصرة وبيده الحل والعقد ومصير المدينة، فيفتدي نفسه بتسليم المدينة للفاتحين، بعد أن قاومت مقاومة شديدة مدة طويلة. وطارق في مزيّة الشجاعة، يشابه خالد بن الوليد في هذه المزية، فقد كان خالد أيضاً يترصّد قائد أعدائه، فإذا استمكنه هاجمه هجوماً مباشراً، حتى يقتله أو يأسره؛ وقَتْلُ القائد في تلك الأيام، يؤدي غالباً إلى انهيار معنويات
стр. 379
رجاله، فلا يبقى أمامهم غير الاستسلام.
ولعل مما يدل دلالة واضحة، على تمتع طارق بالذكاء الخارق، والكياسة، وحسن التدبير والسياسة، والمقدرة على استقطاب ثقة الناس به من رجاله ومن أعدائه، ما فعله طارق مع يُليان صاحب سبتة، فقد استعصت هذه المدينة على الفاتحين، ونجحت في صدهم عن أسوارها خائبين. وقد تطرقنا بما فيه الكفاية عن أسباب ثبات سبتة أمام الفاتحين، وأسباب استسلام يُليان للمسلمين وتسليم سبتة لهم صلحاً بدون قتال، وتوطيد صلته المباشرة بالمسلمين في التعاون معهم ومعاونتهم في الفتح. ولكن صلة يُليان المباشرة بطارق واتصاله به - لأن طارقاً كان على طنجة التي على حدود سبتة - وهو السبب المهم في استسلام يليان للمسلمين وتسليم سبتة لهم سلماً بدون قتال.
تلك هي سمات قيادة طارق البارزة: ذكاء خارق، وكياسة واتِّزان وحصافة، وحسن التدبير وحسن السياسة، والقابليّة على استقطاب الثقة به إنساناً وقائداً، ونسبه البربري الذي آثر عليه نسبه إلى الإسلام، وإيمانه العميق الراسخ بتعاليم الذين الحنيف، وتجربة عملية ناجحة في القيادة، يقود رجاله من الأمام، ويكون قدوة حسنة لهم بالأعمال لا بالأقوال، يستأثر دون رجاله بالخطر ويؤثرهم بالاطمئنان، يبذل جهداً في جهاده أكثر مما يبذله أيّ رجل من رجاله، حريص غاية الحرص على أرواح رجاله، يتحلى بالضبط المتين، ويتحمل المسئولية كاملة ويحبها، يبذل قصارى جهده لرفع معنويات رجاله، ويهتم بأمن جيشه كل الاهتمام، يسبق النظر فيُعدّ لكل ما يُحتمل وقوعه من علاج، لا يجتاحه الغرور ولا يستخذي للأماني، يقدِّر الموقف العسكري تقديراً واقعياً صائباً، يتميز بالشجاعة النادرة والإقدام.
تلك هي مجمل سمات قيادة طارق، التي أهّلته بحق لتولي منصب القيادة، على عهد بني أميّة، وعلى قادة من العرب، رضوا بقيادته، وتعاونوا معه، وعاونوه في ميادين ................................................
стр. 380
القتال (١).
وهي سمات تؤهِّل مَن يتحلّى بها، أن يتولى المناصب القيادية، إذا استطاع أن يبرز تلك السمات عملياً، أمام الذين بيدهم تولية القادة.
ولعل من المفيد تطبيق مزايا قيادة طارق، على مزايا القادة المعروفة في كتب الدراسات العسكرية المعتمدة، زيادةً في الإيضاح، لا زيادة في التّعريف.
٢ - طارق ومزايا القيادة العامة:
أ - لقد كان طارق: ذا قرار سريع صحيح، حاضر البديهة، يعالج المواقف الحربية المتبدلة بسرعة وبشكل غير متوقّع، بإصدار القرار السريع الصائب المناسب، في الوقت المناسب، دون أن يضيِّع الوقت سدى، فتضيع الفرصة السّانحة التي لا تعود من جديد. فقد أقلع طارق على رأس الجماعة الأولى من رجاله، وكان إقلاعه من سَبْتَة، بسبب رغبة طارق في إيجاد مكان ملائم للإنزال على الشاطئ الأندلسي، وربما كان المكان الذي قصده أولاً منطقة الجزيرة الخضراء التي تقابل سبتة، ولكن طارقاً قرر التخلي عن الإنزال في هذا المكان القريب، لأنه وجد جماعة من القوط، فيه حاولت منعه من الإنزال، فأبحر منه ليلاً إلى مكان وعْرٍ من الشاطئ. وقد حاول تسهيل عملية الإنزال، باستخدام المجاذيف وبراذع الخيل التي ألقيت على الصخور لتلافي خطرها، وبهذه الطريقة تمكن طارق من الإنزال
стр. 381
المفاجئ، من غير أن يراه أحد على الشاطئ (١)، فتم إنزال جماعته الأولى بسلام دون خسائر تذكر، وكوّن بإنزالها رأس الجسر الواجب إقامته لتأمين عبور المسلمين وإنزالهم على البر الأندلسي بسلام ودون خسائر تذكر.
ومن هذه العملية الصغيرة، المتمثلة في عبور الوجبة الأولى من رجال طارق إلى الأندلس، يبدو قراران سريعان صحيحان: الأول: قراره تبديل مكان الإنزال من الجزيرة الخضراء إلى جبل طارق، للتخلص من مقاومة القوط للإنزال. والثاني: في استخدام المجاذيف وبراذع الخيل على الصخور لتلافي خطرها على رجاله.
ويمكن استنتاج قراراته السريعة الصحيحة، في كل عملياته الحربية التي استمرت أربع سنوات في الأندلس، وهي كثيرة جداً لا تحصى، فلا عملية بدون قرار سريع صحيح، وإلاّ كانت الهزيمة، ولا نعرف هزيمة لطارق في حياته العسكرية، مما يدل على أنه كان ذا قرار سريع صحيح على الدوام، ولعل تولية طارق مقدمة موسى في فتح طنجة، ومقدمة موسى بعد عبوره إلى الأندلس، خير دليل على تمتعه بالقرار السريع الصحيح، لحاجة قائد المقدمة إلى مثل هذا القرار.
ب - وكان طارق يتحلى بالشجاعة الشخصية، وكل عملياته في فتح الأندلس، تدل على أنه كان شجاعاً مقداماً، من الطراز الأول شجاعة وإقداماً، وقد ذكرنا أمثلة على شجاعته النادرة قبل قليل، ولعل هذه الشجاعة هي التي لفتت نظر موسى بن نصير وغيره من المسئولين، ولفتت إليه أنظار رجاله من العرب والبربر، فكان أسوة حسنة لهم في الشجاعة والإقدام.
ج - وكان طارق يتحلى: بالإرادة القوية الثابتة، فإقدامه على العبور إلى الأندلس لفتحها، على رأس سبعة آلاف مقاتل فقط، دليل واضح على قوة إرادته وثباتها. وإقدامه على خوض المعركة الحاسمة على رأس اثني عشر
стр. 382
ألف مقاتل فقط، لمصادلة القوط، وهم أضعاف أضعاف قوته، بقيادة ملك القوط لذريق وحشد من قادته، على أرض الأندلس التي يعرفها القوط لأنها أرضهم، ويجهلها المسلمون لأنها ليست بلادهم، دليل واضح جلي على قوة إرادة طارق وثباتها. وتغلغل طارق بالعمق في الأندلس، وهو في نحو تسعة آلاف مقاتل، دليل واضح على قوة إرادة طارق وثباتها.
إن تمتع طارق، بمزية: الإرادة القوية الثابتة، قد لا تحتاج إلى دليل.
د - وكان طارق يتمتع بمزية: تحمل المسئولية، وكان لا يتحملها حسب، بل يحبّها، فهو يتحمل المسئولية ويحبها، ولعل قبوله بمهمة فتح الأندلس، بقوة لا تزيد على سبعة آلاف مقاتل، خير دليل على تحمله للمسئولية وحبها، وعدم التملّص منها، والتهرب من عواقبها.
هـ - وكان طارق يتحلى بمزية تمتعه: بنفسية لا تتبدّل، في حالتي النصر والهزيمة، والسراء والضراء، واليسر والعسر.
لقد كان أحد رجال البربر، فقدّمه جدُّه إلى مصاف القادة المرءوسين، ثم أصبح والياً على منطقة طنجة الواسعة، وقائداً على حاميتها من البربر.
واستمر نجمه في الصعود، فتولى قيادة مستقلة، لها ارتباط مباشر بموسى بن نصير، وفي الأندلس، أصبح قائداً فاتحاً، تخضع البلاد المفتوحة من الأندلس لسلطته المباشرة. وعبر موسى إلى الأندلس، فأصبح طارق من جديد قائداً مرءوساً، ثم بدأ نجمه بالهبوط، حتى سُحب من قيادته بأمر الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان، وأصبح رجلاً بلا غد، لا يعرف مستقبله ولا مصيره. وحل في الشام، بعد أن قطع المسافة الطويلة الشاسعة بين الأندلس ودمشق، برفقة مولاه موسى بن نصير، فما عرف أحد من المؤرخين وغيرهم، أن نفسية طارق تبدلت في حالتي العز والذل، والسلطة وبلا سلطة، والقيادة وبدون قيادة، بل بقي نفسياً صابراً محتسباً، لم يغتر بمظاهر السلطان، ولا استكان لمظاهر الخذلان، لأنه لم يكن يعمل لنفسه في جهاده وجهوده، بل كان يعمل لله من أجل مصلحة الإسلام والمسلمين
стр. 383
العليا، وليس لمصلحته الشخصية مكان ولا مكانة حثى يفرح إذا ربحت، ويحزن إذا خسرت، وهذا هو سر صبره الجميل، وبقاء نفسيته ثابتة لا تتبدل.
و- وكان طارق يتمتع بمزية: سبق النظر، وهذه المزية تجعل القائد يتوقع ما سيقوم به العدو قبل وقوع الأمر بوقت كافٍ، ويتخذ التدابير الضرورية لإحباط ما يقوم به العدو. أي أن سبق النظر، هي عملية اكتشاف نيات العدو المقبلة، واتخاذ الاجراءات الكفيلة بإحباط النشاط المعادي في الزمان والمكان المناسبين.
وقد ظهرت مزية سبق النظر في طارق، بصورة جلية وواضحة في استنجاد طارق بموسى، حين علم باقتراب لذريق وقواته المتفوقة من مواضع المسلمين، قبل اشتباك المسلمين بالقوط في معركة لَكُّهْ، وهي المعركة الأندلسية الحاسمة، فأرسل موسى إلى طارق خمسة آلاف مقاتل مدداً، وبهذا المدد قويت نفس طارق ونفوس مَن معه وبهذه النجدة التي انضمت إلى جيش طارق، استطاع طارق إحراز النصر على القوط.
وتكرر استنجاد طارق بموسى بعد تغلغله بالعمق في الأندلس، فعرّض ميمنة المسلمين وميسرتهم وخطوط مواصلاتهم لخطر معادٍ عظيم. وقد سبق طارق النظر، فاستنجد بموسى، فبادر موسى إلى نجدته بنفسه، وعبر إلى الأندلس، وقضى على الخطر الداهم الذي كان يتهدد المسلمين قبل عبوره، وقضى بالتعاون مع طارق على المقاومات القوطية التي أخذت تشتدّ شيئاً فشيئاً بالتدريج.
وما كان بإمكان طارق أن ينتصر على القوط في المعركة الحاسمة، لو لم يسبق النظر فيستنجد بموسى، فيصله المدد، فيقوى المسلمون به مادياً ومعنوياً، ويحرزون النصر المؤزر على القوط.
وما كان بإمكان طارق، أن ينجو بجيشه المعرّض جناحاه وخطوط مواصلاته إلى تعرض مُعَادٍ، لو لم يسبق النظر، فيستنجد بموسى، فيعبر موسى بنفسه على رأس قوات ضاربة، يُزيل بها الخطر المحدق بجيش
стр. 384
طارق، ويقضي بالتعاون مع طارق على مراكز المقاومة القوطية أو على أخطر مراكزها في جبال الأندلس على أصحّ تعبير.
ز- وكان يتمتع بمزية: معرفة النفسيات والقابليات لرجاله، فأكثرهم من البربر، عاش معهم، وعاشوا معه. أما العرب الذين كانوا في جيشه، فقد كان أكثرهم معه في طنجة يعمل في مجال الدعوة، فلما عبر إلى الأندلس، استمروا على عملهم في مجال الدعوة، وتحملوا أعباء الجهاد بالإضافة إلى واجبهم الأصلي، فكانوا كالمجاهدين الآخرين، إن لم يتفوقوا عليهم في طلب الشهادة والاستقتال في سبيل الله. وبهذه المناسبة، فقد كان علماء السّلف الصالح، وهم الدعاة إلى الله، لا يتخلفون عن تحمل أعباء الجيش بأمانة وإخلاص، وكانوا حين يذكرون: أن الجهاد فرض، لا يكتفون بهذا الكلام، بل يطبقونه عملياً على أنفسهم، وليس سراً أن نسبة القراء من شهداء معركة اليمامة بين المسلمين بقيادة خالد ابن الوليد وبين بني حَنِيفَة المرتدين بقيادة مُسَيْلَمة الكذّاب، كانت أعلى من نسبة شهداء المسلمين الآخرين، فقد شهد المعركة من المسلمين نحو ثلاثة عشر ألف مقاتل (١)، فاستشهد من المسلمين ألف ومائتا شهيد (٢)، منهم خمسمائة من القراء (٣) وحدهم، أي أن خمسة وأربعين بالمائة من الشهداء كان من القراء، وهم علماء المسلمين، بينما كان تعدادهم بالنسبة للمسلمين الآخرين قليلاً (٤)، وهكذا كان علماء المسلمين يُقرنون الأقوال بالأفعال، بل كانوا يقولون قليلاً، ويفعلون كثيراً، وهذا هو سر استجابة الناس لهم وإقبالهم عليهم.
стр. 385
وبالإضافة إلى معرفة طارق لرجاله في أيام السلم، فقد تضاعف معرفته بهم في أيام الحرب، فليس كأيام الحرب تربط المقاتلين وتعمق تعارفهم وتكشفهم على حقيقتهم، إذ يستمر الاتصال المباشر بينهم ليلاً ونهاراً في تعاون وثيق، فتنكشف نفسياتهم وقابلياتهم، ويُعرف الشجاع من الجبان، والصادق من الكاذب، والمستقيم من المنحرف، لأن التعامل بين المقاتلين يزداد، والميدان يُظهر الشجاع من الجبان.
وقد كان طارق، بما عُرف عنه، من اتصال وثيق بالبربر والعرب، الذين معه، على معرفة بنفسيات رجاله وقابليتهم، لا تكاد تخفى عليه من أمرهم خافية، فيستخدم الرجل المناسب للواجب المناسب استناداً على نفسيته وقابليته، ولا يكلف رجلاً يجهل طوايا نفسه وخبايا قابليته، إلاّ بعد اختياره، لمعرفة الواجب الذي يستطيع النهوض به، رغبة لا رهبة، وطوعاً لا كرهاً، وباقتدار لا بعجز، لذلك استطاع طارق أن يحقق النصر بقواته القليلة، على القوط بقواتهم المتفوقة، لأنه يستخدم الرجل المناسب للواجب المناسب بموجب نفسيته وقابليته لا يموجب عوامل أخرى.
ح - وكان يتحلى بمزية: الثقة المتبادلة، فقد كان رجلاً مستقيماً صادقاً أميناً، مجاهداً حقاً، شجاعاً مقداماً، ألفاً مألوفاً، يطبق أوامره على نفسه، كما يطبقها على رجاله، إن لم يكن يحرص على تطبيقها أكثر من حرص أي رجل من رجاله. وقد كان يردد دائماً: اعملوا ما أعمل، فلا يطالب أحداً من رجاله أن يعمل غير ما يعمل هو شخصياً، إذ يبدأ بالعمل أولاً، ثم يطالب الآخرين أن يقتفوا آثاره في عمله لا في قوله، فإذا كان الهجوم، كان أول المهاجمين، أمام رجال الصّوْلة في الهجوم، مستهدفاً قائد العدو بالذات، غير مكترث بما حول ذلك القائد من حُماة وحماية.
لقد كان في مزاياه يستحق أن يثق به رجاله، فأولوه ثقتهم الكاملة، ويستحق أن يثق به رئيسه المباشر، وهو موسى بن نصير، ورئيسه الأعلى، وهو الخليفة في دمشق، فأولوه ثقتهم الكاملة، وجعلوه قائداً من قادة الفتح،
стр. 386
وكلفوه بمهمة فتح الأندلس، وكان ذلك المنصب القيادي وتلك المهمة في الفتح، بالنسبة لطارق باعتباره من البربر لا من العرب، وبالنسبة للنظام الحاكم يومذاك، من الغرائب المستحدثة التي لا سابقة لها، ولكن مزايا طارق جعلته موضع ثقة رؤسائه، كما جعلته موضع ثقة مرءوسيه.
وكان طارق، يبادل رجاله ثقة بثقة، والثقة المتبادلة هي العمود الفقري لكل نصر، وانتصارات طارق وفتوحاته دليل على ثقته برجاله، ودليل على أنهم كانوا يستحقون تلك الثقة.
ط - وكان يتحلى بمزية: المحبة المتبادلة، فقد كانت مزاياه تجعله محبوباً من رجاله، كما أنه كان يبادلهم حباً بحب، كما كان يبادلهم ثقة بثقة.
كما كان طارق محبوباً من رؤسائه أيضاً، ولولا ذلك لنحّوه من منصبه القيادي، وولّوا مكانه مَن يُحبّون.
ولعل أحسن دليل على حب رجال طارق لطارق، ما وصف به مُغيث الرّومي طارقاً. فقد ذكروا أن سليمان بن عبد الملك أراد أن يولي طارقاً على الأندلس، فاستشار سليمان مُغيثاً في تولية طارق، وقال له: (كيف أمره بالأندلس؟)، فقال: "لو أمر أهلها بالصلاة إلى قِبْلَة شاءها لتبعوه ولم يروا أنهم كفروا" (١).
لقد كان طارق يحب رجاله، ويحب رؤساءه، وكان رؤساؤه ورجاله يبادلونه حباً بحب، مما جعل التعاون بين القيادة والرجال تعاوناً وثيقاً، لأنه نابع من القلب، وليس بسبب إغراء ووعيد وضغط وإكراه.
ي - وكان يتمتع بمزية: الشخصية القوية النافذة، فما كان لمثله، أن يخترق الحدود والقيود، المؤدِّية إلى منصب القيادة، لو لم يكن ذا شخصية قوية نافذة.
وقد كان موسى بن نصير الذي ولى طارقاً القيادة، مُلْتَزَماً من عبد العزيز بن
стр. 387
مروان الذي كان على مصر، وكان موسى معنياً بإقناع الخليفة وعبد العزيز بن مروان بقابليته قائداً، وأنه قادر على فتح مناطق شاسعة، وتزويد الخلافة ومصر بالغنائم، محاولاً تخفيف الانطباع السَّيء الذي كوّنه عنه الخليفة بسبب العمل الذي اتُّهم به في البصرة. لذلك كان موسى معنيّاً باختيار القادة القادرين من ذوي الكفاية العالية، ومنهم طارق، لتحقيق ما يصبو إليه من فتوح ومغانم، ولا يكون القائد القادر إلاّ ذا شخصية قوية نافذة، لأنها إحدى مزايا كفاية القائد العالية، أما القائد الإمَّعة المتردد الذي يخالف المسئولية، فلا مكان له بين قادة الفتح في تلك الأيام.
ك - وكان طارق يتمتع بمزية: القابلية البدنية، ولا نصوص تشير إلى ذلك في المصادر المعتمدة، ولكن يمكن استنتاج أن طارقاً كان يتحلى بهذه المزية، من سير أعمال طارق في ميادين القتال.
فقد ولاّه موسى على مقدمته في مسيرة فتح طنجة، وولاّه على مقدمته أيضاً بعد عبور موسى إلى الأندلس، ولا يُولى قيادة المقدمة إلاّ قائد يتّسم بالنشاط وسرعة الحركة والتنقل من مكان إلى آخر على عجل، ولا يكون ذلك كما ينبغي إلاّ لقائد ذي قابلية بدنية متميزة.
كما أن تولية طارق على جيش من جيوش المسلمين، متوجِّه لفتح الأندلس، بما في ذلك من مصاعب ومشاق، دليل على أنه كان يتمتع بقابلية بدنية متميزة.
وتحمل أعباء الحرب، من حركة مستمرة، وتنقل مستمر، وقتال بما فيه من صولات وجولات، في مختلف فصول السنة بما فيها من حرّ وبرد وأمطار، لا ينهض بأعبائها إلا من كان ذا قابلية بدنية متميزة. وإقدام طارق على ممارسة القتال في مقدمة الصفوف الأولى، ومهاجمة قادة القوط قبل غيرهم، وانقضاض طارق على أمير إسْتَجَّة وهو في ماء النهر، وأخذه أخذاً بالقوة، وحمله قسراً إلى معسكر المسلمين، أدلّة واضحة على تمتع طارق بمزية القابلية البدنية المتميزة.
стр. 388
وأكاد أتبين بوضوح، أن قابليته البدنية الخارقة، كانت من أسباب إقدام موسى على توليته منصب القيادة المرموقة.
ل - الماضي الناصع المجيد، من سمات القائد الناجح المنتصر، ولا شىء عن ماضي طارق في المصادر المعتمدة التي بين أيدينا. فقد برز طارق لأول مرة سنة تسعين الهجرية (٧٠٨ م) حين تولى مهمة قيادة مقدمة موسى في سيرته لفتح طنجة، ثم ولاّه على طنجة بعد فتحها وجعله قائداً لحاميتها من البربر، ولم يبق مع طارق إلاّ القليل من العرب الذين كانت مهمتهم نشر تعاليم الإسلام بين البربر (١). ومن الواضح أن ماضيه المجيد مرتكز على سجاياه إنساناً وقائداً، فقد تقدم بتلك السّجايا لا بحسبه ونسبه: فهو قائد عصامي بحق. ولا يبدو أنه كان من أشراف البربر أو رؤسائهم وملوكهم، فقد كان مع موسى أبناء كسيلة وملك السوس الأقصى، فولّى طارقاً القيادة دونهم، فلو كان موسى يُولي ذوي الحسب والنسب من البربر، لولى هؤلاء دون طارق، ويبدو أن سجايا طارق ومزاياه قدّمته، حين أخرت سادة البربر وأشرافها.
إن طارقاً كان أول جَد لعقبه في الأندلس، فكان موضع فخرهم واعتزازهم، كما كان موضع فخر المسلمين وتاريخهم.
والإسلام كان أباه، وحَسَبه بالإسلام فخراً وماضياً مجيداً، وحاضراً حميداً.
٣ - في تطبيق مبادئ الحرب (٢):
стр. 389
أ - اختيار المقصد وإدامته (١):
كان مقصد طارق في عملية الإنزال، ثم الانطلاق شمالاً في الجزيرة الأندلسية، واضحاً جلياً هو: فتح الأندلس، والبقاء فيها، أسوةً بالبلاد التي فتحها المسلمون قبل الأندلس. وقد كان هذا المقصد، من اختيار موسى، وكان على طارق مهمة وضعه في حيز التنفيذ العملي، وإدامة تحقيقه بمراحل متعاقبة، تبدأ بحشد القوة الكافية للإنزال، وإعداد وسائط نقل الجيش الإسلامي من البر الإفريقي إلى البر الأندلسي، وإجراء عملية العبور، وإنزال الجيش الإسلامي إلى البر الأندلسي، وإتخاذ رأس جسر من القوة الإسلامية النازلة، وتأمين حماية رأس الجسر وتطويره ليصبح قاعدة أمامية متقدمة للمسلمين، وتحصين تلك القاعدة وحمايتها، والانطلاق منها انسياحاً في البلاد للفتح ..... إلخ ....... كما جرى عملياً في الفتح.
ومن الواضح، أن الفتح هو المقصد الذي جرى اختياره، ولكن إدامة هذا المقصد يجري بمراحل، لكل مرحلة من مراحله مقصد واضح أيضاً، كالرافد يصب في النهر الكبير، والرافد يمثّل مقصد كل مرحلة، والنهر الكبير يمثل المقصد الرئيس وهو: الفتح، وتلك الروافد، تديم النهر الكبير، الذي هو المقصد الرئيس، وهو الفتح، لهذا فإن مقاصد مراحل عملية الفتح بمجموعها تتفق مع المقصد الرئيس وتديمه ولا تتناقض معه وتضعفه في حال من الأحوال.
لقد كان طارق يعرف حق المعرفة مقصده، وقد بذل قصارى جهده
стр. 390
لتحقيقه، وسهر بدأب وعزم على إدامته، بما عُرف عنه من أمانة وإخلاص.
ب - التّعَرض (١):
كان طارق قائداً تعَرضياً في كل عملياته القتالية التي خاضها في الأندلس، ولا نعلم أنه خاض معركة دفاعية واحدة في الأندلس، منذ حلّ فيها إلى أن غادرها.
وكان في اتخاذه مبدأ: التّعَرض، مسلكاً له في قيادة رجاله، موفقاً ناجحاً، فقد انتصر على القوط، ولم يُهزم في أية معركة خاضها، وأجبر القوط على الرغم من تفوقهم العَدَدِي والعُدَدِي على المسلمين، على اتخاذ مسلك الدفاع، فلم يُفلحوا حتى في مسلك الدفاع الذي اتخذوه، ودأبوا على الانسحاب من مواضعهم الدفاعية إلى مواضع دفاعية جديدة، لأنهم لم يستطيعوا الثبات أبداً أمام تيار زخم تعرض المسلمين.
ج - المباغتة (٢):
المباغتة، هي إحداث موقف لا يكون العدو مستعداً له، والكتمان من أهم الوسائل التي تؤدي إلى المباغتة.
لقد طبق طارق مبدأ المباغتة، في كثير من عملياته العسكرية، فقد عبر من سبتة، وفيها كثير من عيون القوط وعملائهم، ولم يعبر من ميناء إسلامي