← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وكلفوه بمهمة فتح الأندلس، وكان ذلك المنصب القيادي وتلك المهمة في الفتح، بالنسبة لطارق باعتباره من البربر لا من العرب، وبالنسبة للنظام الحاكم يومذاك، من الغرائب المستحدثة التي لا سابقة لها، ولكن مزايا طارق جعلته موضع ثقة رؤسائه، كما جعلته موضع ثقة مرءوسيه. وكان طارق، يبادل رجاله ثقة بثقة، والثقة المتبادلة هي العمود الفقري لكل نصر، وانتصارات طارق وفتوحاته دليل على ثقته برجاله، ودليل على أنهم كانوا يستحقون تلك الثقة. ط - وكان يتحلى بمزية: المحبة المتبادلة، فقد كانت مزاياه تجعله محبوباً من رجاله، كما أنه كان يبادلهم حباً بحب، كما كان يبادلهم ثقة بثقة. كما كان طارق محبوباً من رؤسائه أيضاً، ولولا ذلك لنحّوه من منصبه القيادي، وولّوا مكانه مَن يُحبّون. ولعل أحسن دليل على حب رجال طارق لطارق، ما وصف به مُغيث الرّومي طارقاً. فقد ذكروا أن سليمان بن عبد الملك أراد أن يولي طارقاً على الأندلس، فاستشار سليمان مُغيثاً في تولية طارق، وقال له: (كيف أمره بالأندلس؟)، فقال: "لو أمر أهلها بالصلاة إلى قِبْلَة شاءها لتبعوه ولم يروا أنهم كفروا" (١). لقد كان طارق يحب رجاله، ويحب رؤساءه، وكان رؤساؤه ورجاله يبادلونه حباً بحب، مما جعل التعاون بين القيادة والرجال تعاوناً وثيقاً، لأنه نابع من القلب، وليس بسبب إغراء ووعيد وضغط وإكراه. ي - وكان يتمتع بمزية: الشخصية القوية النافذة، فما كان لمثله، أن يخترق الحدود والقيود، المؤدِّية إلى منصب القيادة، لو لم يكن ذا شخصية قوية نافذة. وقد كان موسى بن نصير الذي ولى طارقاً القيادة، مُلْتَزَماً من عبد العزيز بن

стр. 387

مروان الذي كان على مصر، وكان موسى معنياً بإقناع الخليفة وعبد العزيز بن مروان بقابليته قائداً، وأنه قادر على فتح مناطق شاسعة، وتزويد الخلافة ومصر بالغنائم، محاولاً تخفيف الانطباع السَّيء الذي كوّنه عنه الخليفة بسبب العمل الذي اتُّهم به في البصرة. لذلك كان موسى معنيّاً باختيار القادة القادرين من ذوي الكفاية العالية، ومنهم طارق، لتحقيق ما يصبو إليه من فتوح ومغانم، ولا يكون القائد القادر إلاّ ذا شخصية قوية نافذة، لأنها إحدى مزايا كفاية القائد العالية، أما القائد الإمَّعة المتردد الذي يخالف المسئولية، فلا مكان له بين قادة الفتح في تلك الأيام. ك - وكان طارق يتمتع بمزية: القابلية البدنية، ولا نصوص تشير إلى ذلك في المصادر المعتمدة، ولكن يمكن استنتاج أن طارقاً كان يتحلى بهذه المزية، من سير أعمال طارق في ميادين القتال. فقد ولاّه موسى على مقدمته في مسيرة فتح طنجة، وولاّه على مقدمته أيضاً بعد عبور موسى إلى الأندلس، ولا يُولى قيادة المقدمة إلاّ قائد يتّسم بالنشاط وسرعة الحركة والتنقل من مكان إلى آخر على عجل، ولا يكون ذلك كما ينبغي إلاّ لقائد ذي قابلية بدنية متميزة. كما أن تولية طارق على جيش من جيوش المسلمين، متوجِّه لفتح الأندلس، بما في ذلك من مصاعب ومشاق، دليل على أنه كان يتمتع بقابلية بدنية متميزة. وتحمل أعباء الحرب، من حركة مستمرة، وتنقل مستمر، وقتال بما فيه من صولات وجولات، في مختلف فصول السنة بما فيها من حرّ وبرد وأمطار، لا ينهض بأعبائها إلا من كان ذا قابلية بدنية متميزة. وإقدام طارق على ممارسة القتال في مقدمة الصفوف الأولى، ومهاجمة قادة القوط قبل غيرهم، وانقضاض طارق على أمير إسْتَجَّة وهو في ماء النهر، وأخذه أخذاً بالقوة، وحمله قسراً إلى معسكر المسلمين، أدلّة واضحة على تمتع طارق بمزية القابلية البدنية المتميزة.

стр. 388

وأكاد أتبين بوضوح، أن قابليته البدنية الخارقة، كانت من أسباب إقدام موسى على توليته منصب القيادة المرموقة. ل - الماضي الناصع المجيد، من سمات القائد الناجح المنتصر، ولا شىء عن ماضي طارق في المصادر المعتمدة التي بين أيدينا. فقد برز طارق لأول مرة سنة تسعين الهجرية (٧٠٨ م) حين تولى مهمة قيادة مقدمة موسى في سيرته لفتح طنجة، ثم ولاّه على طنجة بعد فتحها وجعله قائداً لحاميتها من البربر، ولم يبق مع طارق إلاّ القليل من العرب الذين كانت مهمتهم نشر تعاليم الإسلام بين البربر (١). ومن الواضح أن ماضيه المجيد مرتكز على سجاياه إنساناً وقائداً، فقد تقدم بتلك السّجايا لا بحسبه ونسبه: فهو قائد عصامي بحق. ولا يبدو أنه كان من أشراف البربر أو رؤسائهم وملوكهم، فقد كان مع موسى أبناء كسيلة وملك السوس الأقصى، فولّى طارقاً القيادة دونهم، فلو كان موسى يُولي ذوي الحسب والنسب من البربر، لولى هؤلاء دون طارق، ويبدو أن سجايا طارق ومزاياه قدّمته، حين أخرت سادة البربر وأشرافها. إن طارقاً كان أول جَد لعقبه في الأندلس، فكان موضع فخرهم واعتزازهم، كما كان موضع فخر المسلمين وتاريخهم. والإسلام كان أباه، وحَسَبه بالإسلام فخراً وماضياً مجيداً، وحاضراً حميداً. ٣ - في تطبيق مبادئ الحرب (٢):

стр. 389

أ - اختيار المقصد وإدامته (١): كان مقصد طارق في عملية الإنزال، ثم الانطلاق شمالاً في الجزيرة الأندلسية، واضحاً جلياً هو: فتح الأندلس، والبقاء فيها، أسوةً بالبلاد التي فتحها المسلمون قبل الأندلس. وقد كان هذا المقصد، من اختيار موسى، وكان على طارق مهمة وضعه في حيز التنفيذ العملي، وإدامة تحقيقه بمراحل متعاقبة، تبدأ بحشد القوة الكافية للإنزال، وإعداد وسائط نقل الجيش الإسلامي من البر الإفريقي إلى البر الأندلسي، وإجراء عملية العبور، وإنزال الجيش الإسلامي إلى البر الأندلسي، وإتخاذ رأس جسر من القوة الإسلامية النازلة، وتأمين حماية رأس الجسر وتطويره ليصبح قاعدة أمامية متقدمة للمسلمين، وتحصين تلك القاعدة وحمايتها، والانطلاق منها انسياحاً في البلاد للفتح ..... إلخ ....... كما جرى عملياً في الفتح. ومن الواضح، أن الفتح هو المقصد الذي جرى اختياره، ولكن إدامة هذا المقصد يجري بمراحل، لكل مرحلة من مراحله مقصد واضح أيضاً، كالرافد يصب في النهر الكبير، والرافد يمثّل مقصد كل مرحلة، والنهر الكبير يمثل المقصد الرئيس وهو: الفتح، وتلك الروافد، تديم النهر الكبير، الذي هو المقصد الرئيس، وهو الفتح، لهذا فإن مقاصد مراحل عملية الفتح بمجموعها تتفق مع المقصد الرئيس وتديمه ولا تتناقض معه وتضعفه في حال من الأحوال. لقد كان طارق يعرف حق المعرفة مقصده، وقد بذل قصارى جهده

стр. 390

لتحقيقه، وسهر بدأب وعزم على إدامته، بما عُرف عنه من أمانة وإخلاص. ب - التّعَرض (١): كان طارق قائداً تعَرضياً في كل عملياته القتالية التي خاضها في الأندلس، ولا نعلم أنه خاض معركة دفاعية واحدة في الأندلس، منذ حلّ فيها إلى أن غادرها. وكان في اتخاذه مبدأ: التّعَرض، مسلكاً له في قيادة رجاله، موفقاً ناجحاً، فقد انتصر على القوط، ولم يُهزم في أية معركة خاضها، وأجبر القوط على الرغم من تفوقهم العَدَدِي والعُدَدِي على المسلمين، على اتخاذ مسلك الدفاع، فلم يُفلحوا حتى في مسلك الدفاع الذي اتخذوه، ودأبوا على الانسحاب من مواضعهم الدفاعية إلى مواضع دفاعية جديدة، لأنهم لم يستطيعوا الثبات أبداً أمام تيار زخم تعرض المسلمين. ج - المباغتة (٢): المباغتة، هي إحداث موقف لا يكون العدو مستعداً له، والكتمان من أهم الوسائل التي تؤدي إلى المباغتة. لقد طبق طارق مبدأ المباغتة، في كثير من عملياته العسكرية، فقد عبر من سبتة، وفيها كثير من عيون القوط وعملائهم، ولم يعبر من ميناء إسلامي

стр. 391

معروف مثل طنجة، لأن القوط كانوا يتوقعون عبور المسلمين من طنجة، باعتبار أن المسلمين طهّروا المنطقة من عيون القوط وعملائهم، ولم يكونوا يتوقعون عبور المسلمين من سبتة، لأنها كانت تعجّ بالرَّتَل الخامس (١) من عملاء القوط وعيونهم، فاستطاع طارق كتمان حركة عبوره، فباغت القوط بهذا العبور. كما جرى عبور المسلمين ليلاً، فكان الظلام الدامس، حجاباً ساتراً للمراكب والقوارب التي استخدمها المسلمون في العبور. وحين وجد طارق، أن الجزيرة الخضراء، لا تخلو من مقاومة قوطية، وقد تعرقل إنزال قواته على البر الأندلسي، وتكبّدها خسائر في الأرواح، مما قد يؤدي إلى إخفاق عملية الإنزال دون مسوِّغ منطقي معقول، أقدم طارق فوراً على توجيه رجاله بوسائل نقلهم البحري إلى منطقة جبل طارق، وأجرى إنزال قواته هناك بدون أية مقاومة قوطية تذكر، لأن تلك المنطقة كانت خالية تماماً من القوط، وكان القوط يفكرون أنّ المسلمين لا ينزلون قواتهم في تلك المنطقة الوعرة، لصعوبة الإنزال عليها، لأنها صخرية شديدة الوعورة، تعرقل الإنزال، وتؤذي النازلين عليها من الرجال. وتطبيق طارق لمبدأ المباغتة كثير جداً، نكتفي بالأمثلة التي أوردناها، خشية أن يطول الحديث. د - تحشيد القوّة (٢): عبر طارق على رأس سبعة آلاف مجاهد، وقبل المعركة الحاسمة التي خاضها على القوط بقيادة لذريق، أمدّه موسى بخمسة آلاف مجاهد، فخاض المعركة الحاسمة باثني عشر ألف مجاهد. ولما أكمل طارق فتح طليطلة،

стр. 392

أصبحت قوات المسلمين في خطر محدق، لتزايد وطأة المقاومة القوطية، ولانكشاف جناحيها الأيمن والأيسر، ولتعرض خطوط مواصلاتها للانقطاع؛ فقدم موسى على رأس قوات ضاربة من المسلمين، لترصين موقف قوات طارق في الأندلس، واستئناف الفتح، وهكذا اهتم طارق بتطبيق مبدأ: الحشد، بما يناسب ظروفه الراهنة (١). وإذا نوقش أسلوب تطبيق طارق، لمبدأ: تحشيد القوة، على الطريقة العسكرية الحديثة، من عسكري مختص بمثل هذه البحوث والدراسات، فربما يتورّط بإصدار استنتاجات خاطئة، وبخاصة إذا نوقش أسلوب طارق لهذا المبدأ، اعتماداً على الناحية المادية من التحشّد حسب، إذ أن حشد سبعة آلاف مجاهد للعبور من أجل تحقيق الفتح، وحشد اثنى عشر ألف مجاهد للمعركة الحاسمة التي خاضها طارق على القوط بقيادة لذريق، إذ ما جدوى حشد سبعة آلاف مجاهد لمواجهة مملكة وشعب وبلاد شاسعة؟ وما جدوى حشد اثني عشر ألف مجاهد لمواجهة مائة ألف قوطي أو ثمانين ألف قوطي؟ وكيف يمكن أن ينتصر واحد في الهجوم على سبعة في الدفاع عن بلده؟ والمعروف أن المهاجم ينبغي أن يكون خمسة أمثال المدافع على الأقل، ليمكن أن يكون الهجوم ناجحاً! لقد كان تفوق القوط على المسلمين (مادياً) فواقاً ساحقاً، فكان المسلمون مقصرين في تطبيق مبدأ، تحشيد القوة، من الناحية المادية، ولكن المسلمين كانوا متفوقين على القوط (معنوياً) فواقاً ساحقاً. وكان نابليون يقول: (إن الجيش يتألف من ٧٥% معنوياً، ومن ٢٥% مادياً)، وآخر ما استقرت عليه آراء الخبراء العسكريين العالميين، بعد تطور الأسلحة وظهور الأسلحة النوويّة، هو: إن الجيش يتألف من ٥٠% مادياً

стр. 393

و ٥٠% معنوياً)، فلا يزال للمعنويات وزن مرموق حتى في العصر الحديث، الذي يمكن أن نطلق عليه: العصر المادي، لأن اهتمام الناس عامة بالناحية الروحية المتمثلة بالدين، في هذا العصر، أقل بكثير من اهتمامهم بهذه الناحية في القرون الخالية. وقد كان اهتمام المسلمين بالدين الحنيف عظيماً، في القرن الأول الهجري، الذي كان خير القرون بلا مراء، من ناحية التمسك بالدين والاهتمام به: "خير الناس قَرْني، ثم الذين يلُونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيءُ أقوام تسبق شهادةُ أحدهم يمينَهُ، ويمينُه شهادته" (١) - كما قال ﵊ واهتمام المسلمين بالدين، رَفَعَ معنوياتهم، لأن أحدهم كان يحرص على الموت، كما كان يحرص غيرهم على الحياة، وكان كل فرد منهم يتمنى أن يموت قبل صاحبه لينال الشهادة، وكان كل فرد من غيرهم يتمنى أن يموت صاحبه قبله، كما قال خالد بن الوليد لأحد قادة الرّوم في معركة اليرموك الحاسمة، لذلك كانت معنويات المسلمين عالية جداً في ذلك القرن، وهذه المعنويات اكتسحت أمامهم تفوق عدوهم المادي عليهم، وقادتهم إلى النصر. إن تطبيق المقاييس المادية الشائعة في هذا العصر كثيراً، على أسلوب تطبيق طارق وأمثاله من القادة المسلمين مبدأ: تحشيد القوة، لا يخلو من محاذير يؤدي إلى استنتاجات خاطئة. ومن المهم في هذا المجال، ألاّ ننسى القرن الذي حارب فيه طارق، والمعنويات العالية التي كان يتحلى بها المسلمون المجاهدون يومذاك، وأثر المعنويات العالية في إحراز النصر. وصدق الله العظيم: ((* كَمْ مِنْ فِئَةً قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ*)) (٢).

стр. 394

ولعل انتصار المسلمين شرقاً وغرباً، بالرغم من تفوق عدوهم عليهم مادياً، في القرن الأول الهجري، خير دليل على أن المقاييس المادية وحدها، لا تصلح في التطبيق على المسلمين، في ذلك القرن بالذات، للحكم لهم أو عليهم في تطبيق مبدأ تحشيد القوّة. وإلاّ فكيف نعلل انتصارهم في الأندلس، على الكثرة الكثيرة، في القرن الأول الهجري؟ فلما أصبحوا كثرة كثيرة بعد قرون من فتح الأندلس واستيطانهم في ربوعها، هُزموا وخسروا ما فتحه أجدادهم، وطُرد مَن طُرد منهم، وشُرِّد مَن شُرِّد، وقُتل من قتل، ونُصِّر مَن نُصِّر منهم قسراً؟ إن انتصارات المسلمين في القرن الأول الهجري، قرن الفتوح والانتصارات، كان انتصار عقيدة بلا مراء. هـ - الاقتصاد في المجهود (١): إذا كان بالإمكان حدوث اختلاف بين الباحثين، حول تطبيق طارق مبدأ: تحشيد القوّة، فليس بالإمكان حدوث مثل هذا الاختلاف في تطبيق طارق مبدأ: الاقتصاد في المجهود، إذ أن تطبيقه كان مثالياً حقاً، وكيف لا يكون كذلك، وقد تم الإنزال بسبعة آلاف مجاهد، وتم بهذه القوة الصغيرة نسبياً بالنسبة للقوات القوطية المتفوقة مراحل: تأسيس رأس جسر للمسلمين في البر الأندلسي، وتكوين قاعدة أمامية متقدمة للمسلمين في منطقة جبل طارق وحمايتها، والانطلاق شمالاً، وفتح المنطقة الشاسعة بين جبل طارق ووادي لَكّة، كل ذلك جرى بسبعة آلاف مجاهد حسب. وجاء المدد من موسى إلى طارق قبل خوض المسلمين معركة وادي لَكّهْ، وهي المعركة الأندلسية الحاسمة، وكان المدد خمسة آلاف مجاهد فقط،

стр. 395

فخاض طارق المعركة الحاسمة باثني عشر ألف مجاهد، وانتصر على القوط انتصاراً حاسماً، بعد أن تكبّد المسلمون ثلاثة آلاف شهيد. وانطلق جيش طارق شمالاً، من وادي لكّهْ، حتى تم فتح طُليطلة وعدد كبير من المدن الأندلسية الكبرى، بقوات إسلامية لا تزيد عن تسعة آلاف مجاهد. وتحقيق هذه الانتصارات المتعاقبة للمسلمين والفتوح، بمثل قواته القليلة في عَدَدها وعُدَدها، الكثيرة بمعنوياتها ومَددها، يمكن اعتباره مثالاً رفيعاً لتطبيق مبدأ: الاقتصاد في المجهود، ينبغي أن يكون أسوة حسنة في هذا المجال. و- الأمن (١): أمّن طارق حماية قواته في مراحل عملياته للفتح كافة، وبذل غاية جهده لمنع العدو من الحصول على المعلومات عن قواته، واستطاع الحصول على المعلومات الضرورية عن القوط عَدَداً وعُدَداً وتنظيماً وقيادة، مستفيداً من شتى المصادر لجمع تلك المعلومات، وبذلك طبق مبدأ: الأمن. وهناك أمثلة كثيرة على تطبيق مبدأ: الأمن، عملياً، في عمليات طارق العسكرية، تحقيقاً لمقصده الرئيس في فتح الأندلس، فعملية طُريف بن مالك المعافري الاستطلاعية إلى برّ الأندلس، هي في جوهرها لجمع المعلومات المفصلة عن القوط، وطبيعة أرض الأندلس؟ وكان طارق يبدأ أعماله العسكرية بالاستطلاع، ليكون على بيّنة من أمره، ولا يخطو خطوة إلاّ بعد جمع المعلومات الضرورية بالاستطلاع، فلا يضع خطوته إلاّ في موضع أمين، فهو دائماً يعمل في النور لا في الظلام. وقد ولاّه موسى على مقدمته في عملية فتح طنجة، وولاّه على مقدمته بعد

стр. 396

عبوره إلى الأندلس، ومعنى ذلك أن طارقاً خبير جداً: بجمع المعلومات عن العدو، وبحرمان العدو من جمع المعلومات عن قوات المسلمين، وبحماية قوات المسلمين من مباغتة العدو لها بالمكان أو الزمان أو الأسلوب. إن تعداد الأمثلة العملية، على تطبيق مبدأ: الأمن، في عمليات طارق الحربية، قد يطول بدون جدوى، إذ أن تطبيقه لهذا المبدأ، لا يحتاج إلى دليل، ويكفي أن نتذكر أنه استطاع مباغتة القوط في كثير من المواقف، دون أن يستطيع القوط مباغتته. ز - المرونة (١): كانت قوات طارق، تتحرك إلى أهدافها، بكفاية وسرعة، بل كانت سرعتها في بعض الأحيان تخرج عن حدودها، فتُصبح اندفاعاً لا حركة سريعة، كما جرى في حركة قوات طارق بعد المعركة الحاسمة، حتى تم لها فتح طُليطلة، حيث كان اندفاعها سريعاً، وكان سببه: الحرص على تشتيت تجمعات القوط، لكي لا تُصبح قوات ضاربة مؤثرة من جهة، ومطاردة فلول القوط لإجبارها على الإستسلام من جهة ثانية. وكانت عملية طارق متفتحة مرنة، فإذا أعدّ خطة من الخطط، فرأى الموقف الراهن يقتضي تبديلها أو تحويرها، لم يتأخر أبداً عن التبديل أو التحوير، لتلائم خطته الموقف الراهن الجديد، ولا يبقى مصرّاً على خطته

стр. 397

الأولى، لسبب أو لآخر، دون مسوِّغ مقبول. فقد أبحر طارق من سبتة، بسبب رغبته في إيجاد مكان ملائم للإنزال في منطقة الجزيرة الخضراء على الساحل الأندلسي، ولكن طارقاً تخلى عن الإنزال في ذلك المكان، حين وجد جماعة من القوط حاولت منعه من الإنزال، فأبحر منه ليلاً إلى مكان وعر على الشاطئ، وهو جبل طارق، وتمكن من الإنزال المفاجئ في المكان الجديد، دون أن يراه أحد على الشاطئ (١). وهكذا استبدل طارق خطة جديدة بخطته الأولى، فنجح في إنزال رجاله بدون مقاومة معادية تذكر، ونجح في مباغتة العدو بهذا الإنزال. والأمثلة على تبديل خطط طارق أو تحويرها، يغني عنها المثال السابق، للدلالة على تمتع عقلية طارق بالمرونة المطلوبة. ح - إدامة المعنويات (٢): كانت الثقة والمحبة متبادلتين بين طارق ورجاله، ليس بالنسبة لرجاله من البربر، بل بالنسبة لرجاله من العرب أيضا قادةً وجنوداً، فقد كانت لطارق مزايا إنساناً وقائداً، تجعله موضع ثقة رجاله ومحبتهم، كما كان يبادلهم ثقة بثقة ومحبة بمحبة، لذلك كان التعاون بين القيادة والرجال وثيقاً. وكانت عوامل رفع المعنويات لجيش المسلمين عامة، متيسِّرة إلى أبعد الحدود في القرن الهجري الأول، وهي: العقيدة الراسخة أولاً، والقيادة ذات الكفاية العالية ثانياً، والانتصارات الباهرة ثالثاً وأخيراً. لقد كان المسلمون متمسِّكين بالإسلام، وأثر الإسلام في رفع المعنويات

стр. 398

معروفة، ومنه: الحياة المستمرة للشهداء والأجر العظيم للمجاهدين. وكان المسلمون يومئذ يقودهم: أكثرهم تديناً، وأعظمهم كفاية، وأفضلهم سجايا، وأحمدهم سيرة، لذلك كانت الثقة بين الرئيس والمرءوس متبادلة، والتعاون بين القادة والجنود وثيقاً. وكانت الانتصارات باهرة، بفضل العقيدة المنشئة البنّاءة والقيادة الرصيفة القادرة. لذلك كانت عوامل تيسّر المعنويات العالية بين جيوش المسلمين واضحة للعيان، وهي التي يسّرت النصر منذ إنزال قواته على البر الأندلسي، إلى قبل المعركة الحاسمة بسبعة آلاف مجاهد فقط، ويسّرت له النصر على لذريق ومَن معه في المعركة الحاسمة، وكانوا في نحو مائة ألف مقاتل إلى ثمانين ألف مقاتل بجيش من المسلمين تعداده اثنا عشر ألفاً، ويسّرت له فتح المنطقة الأندلسية الممتدة من منطقة وادي لَكّهْ إلى طليطلة بقواته التي تبلغ تسعة آلاف مجاهد، وكان لمعنويات المسلمين وإدامتها أثر حاسم في إحراز هذه الانتصارات (١). ط - الأمور الإدارية (٢): مهما تكن خطة العمليات دقيقة مرنة معقولة، فلا تؤتي ثمراتها المرتقبة إذا تعذر تنفيذها من الوجهة الإدارية، بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك بالقول: إن نجاح كل خطة من خطط العمليات مرهون بنجاح خطتها الإدارية والواقع أن القوط كانوا متفوقين إدارياً على المسلمين، فأرزاقهم وكساؤهم ومساكنهم متيسرة بشكل أفضل مما هي متيسرة لدى المسلمين، لأن القوط يقاتلون في بلادهم، والمسلمون يقاتلون بعيداً عن بلادهم. وكانت وسائط تنقل القوط أفضل مما كان بحوزة المسلمين منها، وبخاصة

стр. 399

قبل خوض المسلمين معركة الأندلس الحاسمة في وادي لَكُّهْ، فاستعان المسلمون بمراكب يُليان للعبور، وغنم المسلمون خيول القوط، فأصبحوا فرساناً بعد المعركة الحاسمة، وكان أكثرهم قبلها من المشاة. كما استغنى المسلمون في عبور المدد الذي بعث به موسى إلى طارق، عن سفن يُليان، وعبروا بالسفن التي صنعها لهم موسى في مصانع السفن بتونس. وكان كل مجاهد يتسلم أسلحته الخاصة به التي تعود إليه ملكيتها، كما كان يتجهز بالملابس الخاصة به أيضاً. ومع ذلك كان لدى كل قائد مستودع للسلاح والتجهيزات، يُسلِّح بها مَن لا يستطيع أن يسلح نفسه، ويجهّز بها مَن لا يستطيع أن يجهِّز نفسه بما يحتاج من تجهيزات، وغالباً ما يكون هؤلاء من فقراء المسلمين المعدمين، الذين لم يسلِّحهم ويجهِّزهم أغنياء المسلمين، فقد كان الأغنياء يجاهدون بأموالهم كما يجاهدون بأنفسهم، ومن الجهاد بالأموال تسليح الغُزاة وتجهيزهم وحملهم أيضاً. وكانت مشكلة الغذاء بالنسبة للمسلمين غير معقّدة، فقد كانوا يكتفون بأبسط الغذاء كالتمر والسَّوِيْق (١)، فإذا غنموا ما يؤكل نعموا به، وإلاّ صبروا. أما السّكن، فكانت الخيمة كافية لهم، فهي مسكنهم في الصحراء وفي التنقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى، فإذا وجدوا سكناً مريحاً آووا إليه، وإذا لم يجدوا كانت الخيام هي المأوى. وكان في جيش المسلمين عامة مَن يداوي الجرحى ويسهر على شفائهم، وبخاصة من نساء المجاهدين. وكان هناك مَن يداوي حيوانات المجاهدين من البياطرة، الذين مارسوا معالجة الحيوانات مدة من الزمن وراثياً مع آبائهم وأجدادهم، أو بالتعلّم من الذين يمتهنون البيطرة. لقد كانت الأمور الإدارية، بصورة عامة، في جيش المسلمين، أقل كفاية وإتقاناً، مما هي عليه في جيش القوط، ولكنها لم تكن مهملة في جيش

стр. 400

المسلمين. ولعل طبيعة المسلمين زُهداً وتقشفاً، في أيام الفتوح، هي التي سهلت عليهم تحمل نواقص الأمور الإدارية، وزادت من صبرهم عليها، إذ لم يكونوا قد اعتادوا ترف العيش وتعودوا عليه. ي - التّعاون (١): كان التعاون وثيقاً بين طارق ورجاله في عمليات الفتح، منذ بدايتها إلى أن سُحب طارق من جبهة القتال في الأندلس إلى دمشق، فقد كان طارق كما ذكرنا يثق برجاله ويثقون به، وكان يحبهم ويحبونه، وكان يتمتع بمزايا قيادية تجعله قريباً من قلوب رجاله أثيراً عليهم، لذلك كان التعاون وثيقاً بين القيادة ورجالها، لأنه ينطلق من أسس رصينة، ولا ينطلق من خوف أو رغبة، ولا من سلطة أو رهبة. وكان التعاون وثيقاً أيضاً، بين طارق ومسئوله المباشر موسى بن نصير، فقد لَبَّى موسى كل مطالب طارق، فبادر إلى إرسال المدد إليه فوراً بعد طلبه، فوصل المدد إلى طارق في المكان والزمان المناسبين، أي في ساحة القتال، قبل الاشتباك في المعركة الحاسمة - معركة وادي لَكُّهْ. ولما استنجد طارق بموسى ثانية بعد فتح طليطلة وتعرّضت قوات المسلمين إلى خطر محدق، من جرّاء تغلغلها بالعمق فى الأندلس، بادر موسى بالعبور على رأس المدد، وبذل قصارى جهده للقضاء على مواطن الخطر الذي كان محدقاً بقوات طارق في الأندلس، ولم يتأخر موسى عن معاونة طارق والتعاون معه، تحقيقاً للفتح. كما صنّع موسى السفن محلياً، فأنشأ مصنعاً حربياً لصنع السفن، واستطاع أن يحمل المدد على سفنه لا على سفن يُليان، كما جرى في عبور جيش طارق إلى البر الأندلسي، في بداية الفتح. ولم يقتصر طارق، على وضع مبدأ: التعاون، في حيِّز التطبيق العملي،

стр. 401

بينه وبين رجاله، وبينه وبين رئيسه المباشر موسى بن نصير، بل وضع هذا المبدأ في حيِّز التطبيق العملي، بينه وبين يُليان ومَن معه، فاستفاد من سفنهم في العبور، وسخّرهم عيوناً وأرصاداً ومصدراً لاستقطاب المعلومات الضرورية عن القوط وعن طبيعة الأرض في الأندلس، واستفاد منهم أدلاّء في مسيرته عبر الأندلس. كما كان طارق يستشير يُليان ويتقبَّل آراءه، وبخاصة بعد نجاح يُليان في اجتياز تجربة إخلاصه لطارق، وثبات إخلاصه، وقناعة طارق بذلك: " .. فهربوا إلى طليطلة - يريد القوط - وغلقوا مدائن الأندلس. وأقبل يُليان إلى طارق، فقال له: قد فرغت بالأندلس، وهؤلاء أدلاّء من أصحابي، فرِّق معهم جيوشك، وخذ أنت إلى طليطلة، ففرّق جيوشه من إسْتِجَّة .. " (١) فقبل طارق نصيحة يُليان، وأرسل جيوشه إلى مَالَقَة وإلْبِيرَة ومُرْسِيَة وقُرْطُبَة (٢). كما تعاون طارق مع يهود الأندلس، الذين كانوا متذمِّرين من القوط وملكهم تذمراً شديداً، فأنصفهم المسلمون بما عرف عنهم من عدل وتسامح، وأزاحوا عنهم ما كانوا يعانونه من اضطهاد الملك والقوط، فاستفاد منهم طارق عيوناً وأرصاداً، ينقلون له الأخبار عن القوط ونواياهم، ويكشفون له ما يبيِّته القوط للمسلمين، وقد تطرقنا إلى ذلك، وكان يهود الأندلس متطوعين في نقل تلك المعلومات عن القوط للمسلمين، ولم يثبت لديّ أنهم عاونوا في القتال، بل اقتصر تعاونهم على جمع المعلومات عن القوط، ونقلها للمسلمين نكاية بالقوط وتقرّباً من المسلمين. لقد طبق طارق مبدأ: التعاون، تطبيقاً سليماً. ٤ - نقطة الضعف:

стр. 402

تغلغل طارق بقواته القليلة نسبياً تغلغلاً بالعمق في الأندلس، امتد من جبل طارق حتى طُليطلة، فعرَّض بحق تلك القوات إلى خطر عظيم، لأنه كشف جناحيها: الأيمن والأيسر، وعرّض خطوط مواصلاتها للانقطاع، فأصبح خطر القوط يهدّد قوات طارق، ليس من أمام، باعتبار أن العدو في الجبهة أمام المسلمين، بل من يمين الجيش الإسلامي، ومن يساره، ومن خلفه، وأصبح مهدداً بقطع خطوط مواصلاته، التي تربطه بقاعدة المسلمين الأمامية المتقدمة في جبل طارق، وقاعدة المسلمين الأمامية فى سَبْتَة وطنجة، وقاعدة المسلمين الرئيسة في القيروان. لذلك قرّر موسى بن نصير، أن يتولى تلافي الأمر بنفسه، بالعبور على رأس قوات المدد، وبذل قصارى جهده بما عرف به من سمات قيادية متميزة، للقضاء قضاءً مبرماً على مواطن الخطر التي كانت محدقةً بقوات طارق في الأندلس، وحماية جناحيهما الأيمن والأيسر حماية كافية، وتأمين خطوط مواصلاتها بقاعدتها الأمامية المتقدمة، وبقواعدها الأمامية على البر الأفريقي القريب من الشواطئ الأندلسية وبقاعدة المسلمين الرئيسة في إفريقية والمغرب في القيروان. وأسرع موسى بإنزال قواته على البر الأندلسي في منطقة جبل طارق، ثم دخل الجزيرة الخضراء وأقام فيها أياماً للراحة. وكان مجرد وصول موسى على رأس قواته إلى البر الأندلسي، قد أثّر في معنويات المقاومة القوطية، وجعلها تحسب حساب هذه القوات الإسلامية الجديدة، وتتريث في التعرض بقوات طارق، ريثما ينكشف الموقف وتتضح الأمور. وزحف موسى إلى شَذُوْنَة، فاستعاد فتحها، وكان طارق قد فتحها بعد المعركة الحاسمة مباشرة، ويبدو أن القوط استعادوها من المسلمين. وتحرك موسى من شذونة إلى قَرْمُوْنَة ورعواق، ففتحها أيضاً، وبذلك أُمِّنت خطوط مواصلات المسلمين من الجزيرة الخضراء وجبل طارق إلى

стр. 403

قُرطبة، وكان طارق قد فتح قرمونة، ويبدو أن المقاومة القوطية استعادتها من المسلمين، ففتحها موسى ثانية. ومن الواضح، أن سقوط شذونة وقرمونة بعد فتحها من طارق لأول مرة، عرّض خطوط مواصلات طارق للانقطاع، مما يكبِّدها خسائر فادحة بالأرواح ويجبرها على الاستسلام، فكان من أول ثمرات عبور موسى إلى البر الأندلسي، استعادة فتح هاتين المدينتين من جديد، تأميناً لخطوط مواصلات قوات طارق في الأمام، وترصيناً لموقفها في الثبات، وقضاء على مراكز المقاومة القوطية في مؤخّرة قوات المسلمين. واتجه موسى نحو الغرب، ليفتح مدينة إشبيلية كبيرة مدائن الأندلس بعد طليطلة إذ ذاك، ففتحها موسى بعد بضعة أشهر من الحصار، وكان طارق قد فتح هذه المدينة لأول مرة، ويبدو أن القوط استعادوها من المسلمين، فاستعادها موسى إلى المسلمين بعد قتال مرير. وسار موسى على رأس قواته إلى مارِدَة، وكان الهاربون من فلول القوط قد تجمعوا فيها، لأنها بلد بعيد صعب المنال وعر المسالك، فبقي موسى محاصراً البلد بقية الصيف والشتاء التالي، ولم يسلِّم البلد إلاّ بعد عشرة أشهر من الحصار الصعب المديد، مما يدل على صلابة عود المقاومة القوطية في هذا البلد المنيع. وكان الطريق بين ماردة إلى طليطلة جبلياً وعراً، وكان ملغوماً بالمقاومة القوطية المتنامية، فتوجه موسى إلى طليطلة، وتوجه طارق من طليطلة باتجاه ماردة، فالتقى القائدان في وسط الطريق بين طليطلة وماردة، بعد مقاومة شديدة وقتال متواصل، فقد كانت المقاومة القوطية قد اتخذت من المواقع الجبلية جيوباً للمقاومة، وساعدت وعورة المنطقة على نجاح هذه المقاومة، ولكن قوات طارق وموسى كبّدوا المقاومة القوطية خسائر فادحة، دون أن يستطيعوا استئصال شأفتها من الجذور. وكانت المعركة التي شهدها موسى وطارق في طريق ماردة طليطلة معركة

стр. 404

قاسية، أُطلق عليها معركة: السّواقي، ثبت المسلمون لهجوم القوط ثباتاً راسخاً، وصبروا على مقاومة الهجوم صبراً جميلاً، ثم ردّوا على هجوم القوط بهجوم مقابل، فانتصر المسلمون على القوط. ويبدو أن اشتباك المسلمين بالقوط في معركة السواقي، شجع نفراً من بقايا القوط وأنصارهم في طليطلة على نقض طاعة المسلمين، فانتهزوا فرصة خروج طارق وجنده منها، ووثبوا بها، وسيطروا على مقاليدها، فاضطر موسى على استعادة فتحها من جديد، ودخولها دخول المنتصر. وحين كان موسى محاصراً ماردة انتقضت إشبيلية من جديد، فوجه موسى ابنه إلى اشبيلية ففتحها للمرة الثالثة، ثم نهض إلى لَبْلَة (١)، وباجَة، ففتحهما أيضاً. وقد سار عبد العزيز بن موسى بعد ذلك على رأس جيشه لاستكمال فتح الأندلس غرباً: البرتغال حالياً، فكانت له فتوح في غربي الأندلس (٢)، وبذلك أبعد موسى الخطر الذي يهدد جناح قوات طارق الأيسر، بفتوح عبد العزيز بن موسى. كما بعث موسى ابنه عبد الأعلى (٣) إلى جنوبي الأندلس وجنوب شرقي الأندلس، وكان ذلك بعد إستعادة فتح إشبيلية للمرة الثانية، فاستطاع عبد الأعلى أن يستعيد فتح مالَقَة وإلبيرة، وكان التعاون بين الأخوين في الفتح وثيقاً. وكما أبعد موسى الخطر الذي يهدد جناح قوات طارق الأيسر بفتوح

стр. 405

عبد العزيز بن موسى أبعد موسى الخطر الذي يهدد جناح قوات طارق الأيمن بفتوح عبد الأعلى بن موسى، وبهذه الجهود المكثفة التي بذلها موسى بمعاونة طارق الذي ثبت في طليطلة بالرغم من إحاطة القوط به إحاطة السّوار بالمعصم، وبمعاونة ولدي موسى اللذين فتحا غرباً وشرقاً، فأمّنا جناحي طارق المكشوفين: الأيمن والأيسر، كما أصبحت خطوط مواصلات قوات طارق آمنة أيضاً، وأصبح المسلمون الفاتحون في الأندلس بعيدين عن الخطر، قريبين من الأمن، وبذلك استطاع موسى بمعاونة طارق، الانطلاق شمالاً لاستكمال الفتح. أليس هذا الذي حدث في معركة السّواقي، بين فلول القوط وقوات موسى بن نصير بمعاونة طارق، وفتح موسى ثانية المدن الأندلسية التي فتحها طارق قبله ثم انتقضت، وفتح موسى طليطلة ثانية بعد انتقاضها منتهزة فرصة مغادرتها من طارق بوقت قليل، دليلاً قاطعاً على أن المسلمين بقيادة طارق قد تغلغلوا في الأندلس بالعمق أكثر مما ينبغي، وأنهم بعد تغلغلهم الذي لا يتناسب مع حجم قواتهم، أصبحوا في خطر محدق جسيم، فكان عبور موسى هو لدرء هذا الخطر المحدق الجسيم؟. ثم أليس بقاء طارق في طليطلة دون التحرك لفتح جديد، ودون التوجه للقاء موسى، بالرغم من مرور مدة طويلة من الزمن على عبور موسى إلى الأندلس، هو لتثبيت حشود المقاومة القوطية في أماكنها، دون التعرض بقوات موسى وقوات طارق لأطول مدة ممكنة، بل لحماية طليطلة بالذات من هجمات المقاومة القوطية واحتمال استعادتها من المسلمين؟ ثم أليس حركة طارق للقاء موسى في طريقه إلى طليطلة، وهو طريق جبلي وعر، فيه حشود المقاومة القوطية المتربصة بالمسلمين، كان لمعاونة قوات موسى، على اجتياز هذا الطريق المحفوف بالمخاطر بأمن وسلامة، أو ضمان إحراز النصر على القوط إذا اشتبكوا بالمسلمين، لأن اشتباكهم بقوات موسى وقوات طارق، أصعب عليهم بكثير من اشتباكهم بقوات موسى وحدها؟.

стр. 406

لقد كان تغلغل طارق بقواته القليلة نسبياً، بالعمق في الأندلس، هو نقطة الضعف، في قيادة طارق، فقد كان تغلغل قواته عمقاً لا يتناسب مع حجمها في حال من الأحوال. ولا يمكن أن تخفى نقطة الضعف هذه على طارق، بما عرف عنه من سجايا قيادية عملية لا تتكرر إلاّ نادراً. ويمكن تعليل أسباب وقوع طارق في هذا الخلل الذي كان يمكن أن يأتي على فتوحه ويكبّد قواته خسائر فادحة مادياً ومعنوياً، بأنه لم يكن يعمل وحده في الأندلس، ولا كان فتحها يهمه وحده، فقد كان موسى بن نصير مسئوله المباشر إنساناً وقائداً، مطلعاً على موقف طارق إطلاعاً مفصلاً، فكان لا يتهاون في إمداد قواته بالرجال، ويحرص على مصير قوات طارق حرص طارق عليها. كما كان مصير فتوح طارق لا تهمّ طارق وحده، بل تهمّ موسى بالدرجة التي تهمّ طارقاً، إن لم يكن يهمّ موسى أكثر مما يهمّ طارقاً - وبخاصة وأن الخليفة يحاسب موسى على مصير قوات طارق ومصير فتوحه، لو لحق بقوات طارق وفتوحه ضرر من جرّاء إهمال موسى في المدد أو تقصيره، لذلك بادر موسى إلى قيادة المدد بنفسه رغم شيخوخته، مبالغة في حرصه على معاونة طارق والتعاون معه، وقطع الخطر الذي تعانيه قواته، والعمل على إكمال الفتوح إلى نهايتها المرجوة، التي يتمناها موسى كما يتمناها طارق. ومن الواضح جداً، أن موسى، كان بإمكانه أن يولّي أحد أبنائه قيادة المدد، أو يولّي هذا المدد أحد قادته المرءوسين، وكان أولاد موسى قادرين على تحمل أعباء قيادة المدد عن أبيهم الشيخ، وكان قادة موسى المرءوسون مجرَّبين في الفتوح والمعارك وقادرين على تحمل أعباء قيادة المدد أيضاً، ولكن موسى قرر أن يتحمل مسئوليته كاملة، بعد أن وجد مبلغ ما يحيق بقوات طارق من أخطار جسيمة، فزجّ نفسه في معارك واضحة المخاطر، ولكن حرصه على مصير المسلمين والفتح غطّى على ما توقعه من مشقات وأخطار، فآثر سلامة المسلمين وراحتهم على سلامته وراحته.

стр. 407

لقد كان طارق، يستند على ركن ركين في قيادته، فقد كانت الثّقة متبادلة إلى أبعد الحدود، بين طارق وموسى رئيسه المباشر في القيادة، لذلك كان يُقْدم على النهوض بواجبه قائداً، حتى إذا كان النهوض به لا يخلو من الأخطار كان يعلم علم اليقين، أن هناك مَن يشاركه في تحمل تلك الأخطار مشاركة تُبدِّدها تبديداً، وتجعلها أثراً بعد عَيْن. ولو أن الثقة لم تكن متبادلة بين طارق وموسى، لاختلف الأمر اختلافاً جذرياً، ولما أقدم طارق على مجازفة عسكرية دون مسوِّغ، ولكنه كان يعلم أن موسى لا يمكن أن يتخلى عنه، وأن المدد سيجعل من المجازفة نصراً لامعاً. وكان هناك ما يسوِّغ لطارق واندفاعه في العمق الأندلسي، من الناحية العسكرية الفنية البحت، فبعد خروج طارق من المعركة الحاسمة، معركة وادي لكّه، منتصراً على القوط بقيادة ملكهم لذريق انتصاراً حاسماً، كان عليه أن يطارد فلول القوط بتماس شديد، وألاّ يفسح لهم المجال للتجمع تحت لواء واحد بقيادة واحدة من جديد، لذلك طارد فلولهم حول ساحة المعركة الحاسمة، وكبّدهم خسائر فادحة بالأرواح في مطاردته التي نهضت بها سراياه نهوضاً موفقاً. وقد لجأ قسم من القوط إلى مدينة شذونة القريبة جداً من ساحة المعركة الحاسمة، فاقتضى الموقف العسكري، أن يفتح طارق هذه المدينة، ليُطهرها من فلول القوط الذين احتموا بها. وكان فلول القوط قد انسحبوا إلى إستِجّة، فطاردهم طارق إلى هذه المدينة، وفتحها وبدّد. فلول القوط التي لجأت إليها. وبعد فتح إستجة، انسحب القسم الأكبر من فلول القوط إلى طُليطلة، باعتبارها أكبر مدنهم وعاصمة ملكهم: للدفاع عنها، والاحتماء بها، والتعاون مع حاميتها المحلية في صدّ المسلمين عن فتحها. كما انسحب بعض فلول القوط، إلى المدن المجاووة لمدينة إستجة، بأعداد أقل من الأعداد التي أخذت طريقها إلى طليطلة، فكان على طارق أن يطارد تلك

стр. 408

الفلول في معاقلها الجديدة، وعلى رأسها مدينة طليطلة، فتوجه على رأس القسم الأكبر من رجاله إلى طليطلة، وفرق السريا إلى المدن المجاورة لإستجة، عاملاً بنصيحة يُليان، لأنها تحقق هدفه الحيوي في مطاردة فلول القوط أينما وُجدوا وحيثما اتجهوا، كما تُحقق هدفه فى الفتح؛ وهكذا فرض الموقف الراهن نفسه على طارق، فازداد تغلغله في عمق البلاد، وتوسعت جبهته، وكان هذا التغلغل والتوسع في الجبهة لا مفرّ منه، بالنظر للموقف العسكري الراهن، على الرغم من خطره الداهم على قوات المسلمين. لقد اضطر طارق على اتخاذ هذا المسلك اضطراراً، وهو يعلم حق العلم محاذيره. ومن الواضح أن طارقاً، بعد انتصاره على القوط في المعركة الحاسمة، وكانت قوات القوط متفوقة على قوات المسلمين تفوقاً ساحقاً في تلك المعركة - كما ظهر لنا من دراسة المعركة - وهو يرى طارق انسحاب فلول القوط بأعداد ضخمة من ساحة المعركة في اتجاهات مختلفة، على غير هدى وبصيرة غالباً، وعلى هدى وبصيرة نادراً، فكان الموقف الراهن، يقضي عليه أن يطارد الفلول القوطية، مستفيداً من حالة انهيارها المادي والمعنوي، نتيجة لقتل ملكها أولاً، ولهزيمتها ميدانياً ثانياً، إذ لا يمكن أن يستمر هذا الانهيار طويلاً، فمن الواجب استغلاله بأقصى ما يمكن دي مطاردة سريعة مدبرة، خوفاً من أن يستعيد القوط تماسكهم المادي والمعنوي، ويتجاوزوا مدة الانهيار الذي يعانونه، والذي لا يمكن إدامته وتعميق آثاره، إلاّ بالمطاردة الفورية، وهذا ما طبقه طارق عملياً، فقاده إلى التغلغل عمقاً، وإلى توسيع جبهة المسلمين، بدون أن يزداد تعداد المسلمين في حينه. والواقع أن طارق كان أمامه مسلكان لا ثالث لهما: أن يكتفي بانتصاره في المعركة الحاسمة، ويتخذ موضعاً دفاعياً مناسباً، ريثما تصل إليه الإمدادات، ثم يستأنف مسيرته لاستكمال ما بدأه من فتوح. ومحذور هذا المسلك، أن يستعيد فلول القوط رشدهم، الذي فقدوه من جراء هزيمتهم وقتل ملكهم، وجسامة خسائرهم بالأرواح والأموال،

стр. 409

وحينذاك يمكن أن يهاجموا قوات طارق في مواضعها الدفاعية، ويمكن أن يستعيدوا ما فقدوه من مدن أندلسية من المسلمين، وبخاصة وأن التفوق العَدَدي والعُدَدي مع القوط على المسلمين. وحتى في حالة وصول المدد إلى المسلمين، وهم بهذه الحالة، من تجمع القوط واستعادة معنوياتهم، فإن انتصار المسلمين عليهم يكون أصعب بكثير من حالتهم في تفرقهم وانهيار معنوياتهم، مما يجعل اتخاذ هذا المسلك من طارق، غير مأمون العواقب، ولا مضمون النتائج. والمسلك الثاني الذي كان أمام طارق، هو مطاردة فلول القوط بسرعة وبتماس شديد، وهذا هو المسلك الذي اتخذه طارق، وطبَّقه عملياً في مسيرة الفتح. لقد كان أمام طارق مسلكان صعبان، أحلاهما مُرّ، فاختار المسلك الذي يناسب المجاهدين الصادقين في القرن الأول الهجري، خير القرون، وقرن الفتوح الإسلامية المجيدة. وما كان بإمكانه أن يختار المسلك الأول، مسلك الدفاع، لأنه كان قائداً تعرضياً لا قائداً دفاعياً، ولا تنطبق مقاييس طارق على مقاييس القادة في العصر الحديث، فقد كانت أسبقية المقاييس بالنسبة لطارق وقادة الفتح الإسلامي قاطبة، للمقياس الروحي، فأصبحت أسبقية المقاييس اليوم، للمقياس المادي، وشتّان ما بين المقياسين. ولكل عصر مقاييسه المعتبرة، ولكل زمان دولة ورجال. ٥ - مجمل السِّمات: أ - سِماته الخاصة: ذكاء خارق، وكياسة واتِّزان وحصافة، وحسن التدبير وحسن السياسة، والقابلية على استقطاب الثِّقة به إنساناً وقائداً، ونسبه البربري الذي آثر عليه نسبه إلى الإسلام، فهو طارق ابن الإسلام بحق لا طارق ابن البربر نسباً،

стр. 410

وإيمانه الرّاسخ العميق بتعاليم الدين الحنيف، وتجربة عملية ناجحة في القيادة، يقود رجاله من الأمام ويكون قدوة حسنة لهم بالأعمال لا بالأقوال، يستأثر دون رجاله بالخطر، ويؤثرهم بالاطمئنان، يبذل جهداً في جهاده أكثر من أيّ رجل من رجاله، حريص غاية الحرص على أرواح رجاله، يتحلى بالضبط المتين، ويتحمل المسئولية كاملة ويحبّها، يبذل قصارى جهده في رفع معنويات رجاله، يهتم بأمن جيشه كل الاهتمام، يسبق النظر، ويُعِد لكل ما يحتمل وقوعه ما يناسب من حلول، لا يجتاحه الغرور في حالة النصر ولا يستخذي في حالة الاندحار، يُقدِّر الموقف العسكري تقديراً واقعياً صائباً، يتميّز بالشجاعة النادرة والإقدام. ب - سِماته العامة: كان ذا قرار سريع صحيح، يتميز بالشجاعة الشخصية، وكان ذا إرادة قوية ثابتة، له نفسية رصينة لا تتبدّل في حالتي النصر والهزيمة، يتحمل المسئولية ويحبّها ولا يتهرب منها ويلقيها على كواهل الآخرين، يتمتع بمزية سبق النظر، وعلى معرفة مفصلة بنفسيات رجاله وقابلياتهم، يثق برجاله ويثقون به، يثق برؤسائه ويثقون به، يحب رجاله ويحبونه، وكان ذا شخصية قوية نافذة، يتمتع بالقابلية البدنية المتميزة، وله ماضٍ ناصع مجيد في ميدان الجهاد. وكان يعرف مبادئ الحرب بالفطرة، ويطبقها عل عملياته العسكرية تطبيقاً ناجحاً، ومن المعلوم أن مبادئ الحرب لا تتغير، ولكن أساليب الحرب هي التي تتغير. ج - تلك هي سمات طارق الخاصة والعامة، التي قدَّمَتْه لتسنّم منصب القيادة، ثم جعلت منه قائداً لامعاً من أبرز قادة الفتح الإسلامي، لا يُذكرون إلاّ ويذكر معهم. وسمات قيادة طارق، تشابه إلى حدّ بعيد سمات قيادة خالد بن الوليد، فإذا كان خالد بطل فتوح المشرق، فطارق بطل فتوح المغرب. وإذا كان خالد

стр. 411

بطل العرب المسلمين، فطارق بطل البربر المسلمين. وإذا كان خالد من بني مخزوم من قريش، فإن طارقاً لم يكن من بني مخزوم ولا من قريش، وإذا كان لنسب خالد أثر في تسنّمه القيادة، فلا أثر لنسب طارق في تسنمه القيادة، وهو بحق القائد العصامي الذي بنى مجده بمزاياه وكفاياته، وهو الجَدّ الأول لعَقِبِه وعَقِب عقِبه يعتزّون بالانتساب إليه، ويفخرون بسجاياه وفتوحه. تلك هي مجمل سماته الخاصة والعامة، لعلّها تفيد الذين يؤثرون الإيجاز على الإطناب، ولعلّها تفيد الذين لا يتسع وقتهم لدراسة الشروح والتفصيلات.

стр. 412

طارق في التاريخ يذكر التاريخ لطارق، أنه فتح شطر الأندلس، وكان أول قائد بدأ بفتح الأندلس فتحاً مستداماً. ويذكر له، أنه شارك موسى بن نصير في فتح ولاية طنجة الواسعة الأرجاء من المغرب. ويذكر له، أنه فتح مدينة سبتة المغربية سِلْماً، بعد أن استعصى فتحها على الفاتحين عَنْوَة. ويذكر له، أنه كان إدارياً لامعاً، برز في إدارته الحازمة على ولاية طنجة المغربية. ويذكر له، أثه كان سياسياً حصيفاً، استمال يُليان بالحسنى، حيث عجز السيف عن استمالته. ويذكر له، أنه أول قائد غير عربي، تسنّم منصباً قيادياً كبيراً، بمجهوده وجهاده ومزاياه، لا بنسبه وحسبه وكفايته حسب. ويذكر له، أنه كان قائداً لامعاً، من ألمع قادة الفتح الإسلامي، في القرن الأول الهجري، قرن الفتوح والانتصارات. ويذكر له، أنه أول من نشر العربية لغةً، والإسلام ديناً، في الفردوس العربي المفقود. ويذكر له، أنه كان من أشجع الشجعان، لا يُبالي أَوَقَع الموت عليه، أو وقع هو على الموت. ويذكر له، أنه في سماته القيادية يشابه خالد بن الوليد، فهو خالد فتوح المغرب، كما كان خالد بن الوليد قائد فتوح المشرق، وكان طارق بطل غير العرب المسلمين، كما كان خالد بطل العرب المسلمين. ويذكر له، أنه في مزاياه القيادية، يشابه المثنّى بن حارثة الشّيباني، فهو

стр. 413

بطل فتوح الأندلس، كما كان المثنى بطل فتوح العراق. ويذكر له، أنه غنم مغانم جسيمة في الأندلس، ولكنه لم يخلّف أرضاً ولا داراً، ولم يُورث درهماً ولا ديناراً. ويذكر له، أنه كان محبوباً من البربر، تتوجه حشودهم بأمره إلى الجهاد، بدون سؤال ولا جواب. ويذكر له، أنه لمع سنوات معدودات فاتحاً، ثم سطع حتى بهر الناس شرقاً وغرباً، ولكنه انطفأ فجأة، فاندثر إنساناً، وبقيت فتوحه لا تندثر أبداً. ويذكر له، أنّ بقدر حديث المؤرخين عنه قائداً، بقدر إغفال الحديث عنه إنساناً، فطارق القائد معروف جداً، وطارق الإنسان مجهول جداً. ويذكر له، أن فتوحه الأندلسية، قوبلت بالعقوق، وقضى أيامه بعد رحيله من الأندلس إلى دمشق، مغموراً مجهول المكانة والمكان. ويذكر له، أنه احترق بنار مولاه موسى، فتحمَّل ما تحمَّله موسى ثابتاً صابراً محتسباً، دون أن يقترف ما يستحق عليه العقاب. ويذكر له، أنه لم يحاسب كما حوسب غيره في تصرفه بالأموال، بل كانت جريمته الأولى والأخيرة، أنه ذو شعبية طاغية في المغرب والأندلس، فيخشى على السُّلطة من شعبيته وعواقبها، ويُخشى من الناس أن يستغلّوه في مصاولة السُّلطة، ويُخشى من استجابته للناس، فيضع السُّلطة في اختبار عسير. ويذكر له، أن الخروج على السُّلطة، كان يدور في خَلَد حاسديه من الطامعين في ولاية الأندلس، ولا يدور في خلده طرفة عَيْن، لأنه كان أكبر من المناصب، تسعى إليه ولا يسعى إليها، ويعتبرها تكليفاً لا تشريفاً. ويذكر له، أن السُّلطة أقصته عن القيادة، اعتماداً على ما سمعته عنه لا على ما تحققته منه، فذهب ضحيّة الوشاية والافتراء، لا ضحية الواقع واليقين، وخسر الفتح بإقصائه قائداً لا يتكرر إلاّ نادراً، وكانت الخسارة بإقصائه قائداً وإنساناً لا تعوّض.

стр. 414

رحم الله القائد الفاتح، البطل المجاهد، الإداري الحازم، السياسي البارع، التقي، الذكي الألمعي، طارق بن زياد فاتح شطر الأندلس.

стр. 415

طَريف بن مالك فاتح جزيرة طريف (١) والجزيرة الخضراء (٢) نسبه وأيامه الأولى هو طَريف بن مالك من البربر، يكنى: أبا زُرْعَة (٣)، وهو طريف البربري مولى موسى بن نصير (٤)، الذي تُنسب إليه جزيرة طريف (٥). وطريف ينتسب إلى قبيلة بَرغَواطة البربرية (٦) من البرانس، ومن المعلوم أن البربر قسمان: البرانس، والبتر، وكانت قبيلة بَرَغْواطة تسكن الإقليم المواجه للبحر المحيط شمال وادي أمّ ربيع (٧)، حول منطقة مدينة الرباط الحالية.

стр. 416

وسنجد أن طريفاً ليس من قبيلة برغواطة حسب، بل هو رئيسها، وكان له دور كبير في تلك القبيلة، من ناحيتي: العقيدة، والقتال، أي في توجيهها الفكري، وفي قيادتها في ميادين القتال. وتذهب بعض المصادر، إلى أنه كان من أهل اليمن، فهو أبو زُرعَة طريف بن مالك المَعَافِري (١)، الاسم طبق الكنية (٢)، والمعافر باليمن والأندلس ومصر (٣)، والأصل من اليمن لأنهم من سبأ. وهو طريف بن مالك النّخَعِي (٤)، والنّخعُ بن عامر من سبأ (٥) أيضاً، وسَبَأ من اليمن. ومن الواضح، أن طريفاً ليس عربياً، فهو ليس من المعافر ولا من النخع، وهو بعد ذلك ليس من اليمن، بل هو بربري من المغرب، ظهر أثره في البربر على عهد موسى بن نصير، وظل أثره فيهم بعد عهد موسى بن نصير، ولم يبرح المغرب في العهدين، وظل مع البربر واحداً منهم حتى توفاه الله. ويبدو أن والد طريف، وهو مالك، كان مسلماً، بدليل اسمه العربي الإسلامي، مما يدل على أن طريفاً ولد وشب وترعرع في بيت إسلامي، ولعلّ تدينه لفت إليه الأنظار، بالإضافة إلى مزاياه وكفاياته الأخرى، وكان قربه من موسى بن نصير قد أتاح له الفرصة السانحة لتولي منصباً قيادياً، فنجح في منصبه القيادي نجاحاً ظاهراً. وقد كان من أقرب المقرّبين إلى موسى بن نصير من البربر: طارق بن زياد، وطريف بن مالك، فاستعان بهما في قيادة البربر، وبخاصة في مهمة فتح الأندلس. وأخبار طريف في أيامه الأولى نادرة جداً، وقد برز لأول مرة في توليته

стр. 417

قيادة على جماعة من البربر، لتحقيق استطلاع في الأندلس، وربما بقي طريف مجهولاً لو لم يتَسنّم هذا المنصب القيادي، الذي سترد أخباره وشيكاً. الفاتح بدأ موسى بن نصير استشارته للخلافة في دمشق، وكان الخليفة القائم حينذاك هو الوليد بن عبد الملك بن مروان (٨٦ هـ- ٩٦ هـ)، بعد اتصالاته بيُلْيَان (١) صاحب مدينة سَبْتَة أو قبل اتصالاته بيليان. وقد تردّدت الخلافة بادئ الأمر في الموافقة على القيام بمثل هذه العملية الكبيرة: فتح الأندلس، خوفاً على المسلمين من ركوب البحر، ومن صعوبة القتال بحراً وبرّاً، وهي تعلم أن خبرة المسلمين والعرب منهم بخاصة في فنون القتال البحري قليلة جداً. فقد كتب موسى بن نصير إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، يخبره بالذي دعاه إليه يليان (من فتح الأندلس) من أمر الأندلس، ويستأذنه في اقتحامها. وكتب إليه الوليد: "أن خُضْها بالسرايا، حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال". وراجعه موسى: "أنه ليس ببحرٍ زَخّار، وإنما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه"، فكتب إليه: "وإن كان، فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه" (٢). وأرسل موسى في شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين الهجرية (آب: أغسطس - أيلول: سبتمبر ٧١٠ م) سرية استطلاعية إلى جنوبي الأندلس، مؤلفة من خمسمائة مجاهد، منهم مئة فارس، والباقي من المشاة، بقيادة أبي

стр. 418

زُرْعَة طريف بن مالك، وهو مسلم من البربر (١). وعبر هذا الجيش الزّقاق، والزّقاق اسم يطلق أحياناً على المضيق بين الأندلس وشمالي إفريقية (٢)، من سبتة، بسفن يليان أو غيره، ونزل في جزيرة بالوما ( Isla de las Plomas) في الجانب الإسباني، وعُرفت هذه الجزيرة فيما بعد باسم هذا القائد: جزيرة طريف (٣) ( Tarifa) ومن ذلك الموقع، الذي اتخذه طريف وسريته الاستطلاعية القتالية قاعدة أمامية متقدمة، قام طريف وسريته بسلسلة من الغارات السريعة على الساحل الأندلسي الجنوبي بإرشاد يليان وصحبه، وأغار على الجزيرة الخضراء، فأصاب غنيمة كبيرة، ورجع سالماً في رمضان أيضاً سنة إحدى وتسعين الهجرية، فلما رأى الناس ذلك تسرّعوا إلى الغزو (٤)، وتشجعوا على فتح الأندلس. وخفت قوة من أنصار يليان وأبناء غيطشة لعون المسلمين، كما قامت تلك القوة بحراسة موقع إنزال المسلمين في جنوبي الأندلس، وكانت نتيجة الغارة الاستطلاعية التي قادها طريف، أن المسلمين غنموا مغانم كثيرة وسبياً عديداً، وقوبلوا بالإكرام والترحيب، وشهدوا كثيراً من دلائل خصب الجزيرة وغناها، وعادوا في أمنٍ وسلام. وقصّ قائدهم طريف على موسى نتائج رحلته، فاستبشر بالفتح، وجدّ في أهبة الفتح، كما تشجع موسى وأخذ يستعد لإرسال حملة عظيمة تقوم بالفتح المستدام (٥). لقد كانت مهمة سرية طريف، مهمة استطلاعية، هدفها الحصول على

стр. 419

المعلومات عن طبيعة الأرض والسكان وأساليب قتالهم ودرجة ضراوتهم، وتفاصيل قيادتهم، ومبلغ الثقة المتبادلة بين القيادة والسكان، ومبلغ حرص السكان والقيادة على الدفاع عن أرضهم (١)، وكان لقيام طريف بعدّة غارات في المنطقة دون أن يلاقي أيّة مقاومة (٢)، نتيجة مهمة واحدة، هي: عدم حرص القيادة والسكان على الدفاع عن أرضهم كما ينبغي، وهي نتيجة على درجة عالية من الأهمية بالنسبة لخطط الفتح، وبالنسبة للمسلمين الفاتحين. ولكن مهمة سرية طريف الاستطلاعية، لم تقتصر على هذه الناحية من جمع المعلومات عن أهل الأندلس وطبيعة أرضهم حسب، بل تتعدّاها إلى استطلاع حقيقة نوايا يليان ومَن معه تجاه السلطة القائمة في الأندلس، والمتمثلة بالملك لذريق ونظامه، وحقيقة نواياه ومَن معه تجاه المسلمين الفاتحين. وقد أثبتت سرية طريف الاستطلاعية، أن يليان ورجاله يحقدون على لذريق، ولا يتأخرون عن التشبث بكل وسيلة ممكنة للقضاء عليه، وأنهم من أجل التنفيس عن حقدهم عملياً، يضعون كل طاقاتهم المادية والمعنوية للتعاون مع المسلمين في ميدان القتال ومعاونتهم، وكان التأكد من تلك النوايا ضرورياً لاستكمال الإعداد للفتح، وقد تأكد لموسى بن نصير وطارق بن زياد، أن يليان ومَن يشايعه صادقون في معاونتهم وتعاونهم مع المسلمين الفاتحين، وأن غرضهم هو التعاون والمعاونة وليس خدعة بل حقيقة لا غبار عليها. وهذا مثال على مبلغ حرص المسئولين يومئذ، خلفاء وقادة، على أرواح

стр. 420

المسلمين، وقد أدّى طريف ورجاله واجبهم الاستطلاعي المزدوج على أتم ما يرام، وكان استطلاعه تمهيداً لوضع خطة فتح الأندلس موضع التنفيذ العمليّ في ميادين القتال (١). الإنسان لم نَعُد نسمع عن طريف، بعد هذه السريّة الاستطلاعيَّة الموفقة التي قادها مستطلعاً أحوال الأندلس سكاناً وأرضاً للمسلمين، وبدأ عملياً تطبيق خطة فتح الأندلس، ومهّد لهذا الفتح تمهيداً موفقاً. ولكنه ظهر مرة أخرى من جديد، على مسرح الحوادث في المغرب، ولعب دوراً خطيراً في الثورة التي قادها مَيْسَرة البربري المَدْغَرِي (٢) في المغرب الأقصى (٣)، وكانت أول حركة خارجية قام بها المغرب على المسلمين، وكان ذلك سنة سبع عشرة ومائة الهجرية (٤) (٧٣٥ م). وقائد الثورة ميسرة المدغري، نسبة إلى قبيلة مَدْغَرة، وهي من القبائل البترية من البربر، يُلقبه بعض المؤرخين بـ: الفقير (٥)، وربما كان هذا لقبه بين أتباعه نسبة إلى فقره وزهده، بينما يلقبه آخرون بـ:

стр. 421

الحقير (١)، استهانة به، وهؤلاء خصومه من أعداء الخوارج. وكان الرجل في مبدأ حياته بسيطاً عمل سقّاء يبيع الماء في سوق القيروان، مركز الإشعاع الديني، حيث العلماء والفقهاء وأهل الزهد والورع والتقوى. وكان بين هؤلاء مَن يدعو إلى العودة بالإسلام إلى نقائه الأول، ويقف في وجه الإجراءات التي تخلّ بمبدأ: الإخاء والمساواة بين جميع المسلمين، فكانوا كما يبدو يروِّجون عن غير قصد لمبادئ الخوارج، أي لمبادئ الثورة على الدولة (٢). وقد كان ميسرة يسعى إلى تحقيق المساواة في الأعطيات بين العرب والبربر في الجيش الإفريقي، فقصد ميسرة على رأس وفد من المغاربة يبلغ حوالي عشرين رجلاً دمشق للفت نظر هشام بن عبد الملك إلى مطالب المغاربة، فطال مقامهم بباب الخليفة دون جدوى. وتتلخص مطالب المغاربة؛ في أن أمير المغرب عندما يغزو بجنده العربي وبالمغاربة، فإنه يحرم المغاربة من نصيبهم من الغنيمة ويقول: "هذا أخلص لجهادكم"، وإذا حاصر مدينة قال: "تقدَّموا" وأخّر جنده، وأراد ميسرة ومن معه أن يعرفوا: أعن رأي أمير المؤمنين هذا أم لا (٣)؟!. وموضع الشكوى في هذه الرواية هو: تمييز العرب على المغاربة، مما يتضمن عدم تطبيق مبدأ المساواة والإخاء بين المسلمين، مما يعتبره بعضهم خروجاً على مبادئ الإسلام. وعاد ميسرة وجماعته من الشام بعد أن خاب رجاؤهم في إنصاف الخليفة، فخرجوا من المعارضة الصامتة إلى الثورة المسلحة. وبدأت الثورة في طنجة في موطن مدغرة قبيلة ميسرة، حيث أعلن نفسه إماماً وبايعه الناس (٤). وسرعان ما انضمت إلى قبيلته جميع قبائل المنطقة من غمارة ومكناسة وبرغواطة، وكانت دعوة الخوارج منتشرة في قبيلة برغواطة بفضل طريف

стр. 422

رئيسها (١)، ولا نعرف متى اعتنق طريف مذهب الخوارج هل كان قبل نهاية القرن الأول الهجري، أم بعد نهايته في بداية القرن الهجري، ومن المرجح أن يكون في بداية القرن الثاني، لأن نهاية القرن الأول، كان بالنسبة للبربر ومنهم طريف، مليئاً بالأحداث الجسام، وعلى رأسها فتوح الأندلس، وما أعقبها من ترصين الفتوح، وتوطيد أقدام الفاتحين، وترسيخ جذور الفتوح والفاتحين. أما بداية القرن الثاني الهجري، فقد أصبح البربر أكثر تفرغاً، وبدا التناقض بينهم وبين العرب يطفو على السطح، فكان لا بد من أن يملأوا فراغهم بعمل ما، فكان هذا العمل تلك الثورة العارمة للبربر على العرب. وبعد القضاء على ثورة ميسرة ومَن كان معه من الخوارج الصُّفريّة سنة أربع وعشرين ومائة الهجرية (٢) (٧٤١ م)، تفرق أصحابه في البلاد، فلجأ طريف إلى بلاد تامَسْنا على ساحل البحر المحيط بين مصبّي وادي سَلا وأم الربيع حيث تستقر قبيلة برغواطة البربرية، وهناك تزعم بربر المنطقة من برغواطة (٣). وكان طريف من جملة قواد ميسرة ومَن جاء بعده في ثورة الخوارج الصُّفرية بالمغرب (٤)، فلما انتهت تلك الثورة بالإخفاق، حلّ طريف ببلاد تامَسْنا (منطقة مدينة الرباط الحالية، وما حولها)، فقدَّمه البربر على أنفسهم، فوُلِّي أمرهم، وكان على دين الإسلام. وبقي أميراً على البربر في تلك البلاد - ليس على برغواطة حسب - بل على جميع بربر تلك البلاد، حتى تُوفي. وترك أربعة أولاد، فَوَلِيَ الأمر بعده صالح بن طريف، وكان مولده سنة عشر ومائة الهجرية (٧٢٨ م)، فتنبَّأ فيهم، وشرع لهم ديانة، وسمَّى نفسه: صالح المؤمنين، وعهد إلى ابنه إلياس بديانته، وأمره ألاّ يُظهر ذلك إلاّ إذا قوي أمره، وحينئذٍ يدعو إلى مذهبه، ويقتل مَن خالفه من قومه. وخرج صالح إلى

стр. 423

المشرق، وزعم أنه يعود إليهم في دولة السابع من ملوكهم، وزعم أنه هو المهدي الأكبر الذى يخرج في آخر الزمان لقتال الدجّال، وأنه يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوْراً، وتكلم لهم في ذلك بكلام كثير نسبه لموسى ﵇ ولسَطيْح الكاهن (١) وغيره (٢). وقد كان ابتداء أمر صالح خلفاً لوالده طريف سنة أربع وعشرين ومائة الهجرية (٣) (٧٤١ م)، أي في سنة عودة طريف من حرب الخوارج متعاوناً معهم وقائداً مرؤساً لهم في ثورتهم على الدولة، ويبدو أن طويفاً لم تطل مدّته رئيساً على تلك المنطقة من بلاد المغرب، فخلفه ابنه صالح الذي استغل شدّة جهل (٤) البربر في تلك المنطقة النائية، فزعم لهم ما زعم، وصدَّقوا مزاعمه لجهلهم في حينه. لقد كان طريف أبا ملوك برغواطة البربرية، وهو من ولد شمعون بن يعقوب بن إسحاق ﵈ (٥)، ومن الواضح أن طريفاً لم يكن يعرف هذا النسب، ولم ينتسب إليه، وأن أولاده الذين حكموا البربر بصفة دينية منحرفة، هم الذين ادّعوا لأنفسهم هذا النسب، لإعطاء انحرافهم الديني مسحة النّسب إلى الأنبياء، قد يقنع البربر في جهلهم حينذاك، ولكنه لا يقنع البربر الذين كانوا على درجة من العلم بهذا الانحراف، لذلك اقتصر انحراف عَقِب طريف على برغواطة، فنُسب هذا الانحراف إلى قبائل الإقليم، فعرف بـ: زندَقة بَرْغَواطة (٦).

стр. 424

وكان سبب انضمام طريف إلى الخوارج وثورتهم، هو انحراف بعض ولاة الدولة عن العدل ومبادئ الإسلام، فقد تولّى عُبَيْدَ الله بن الحَبْحَاب (١) إفريقية والمغرب كله لهشام بن عبد الملك بن مروان. واستخلف ابن الحبحاب على طنجة ابنه إسماعيل، وجعل معه عمر بن عبد الله المُرادِي (٢). وأساء عمر بن عبد الله المرادي السِّيرة، وتعدى في الصدقات والعُشُر، وأراد تخميس البربر، وزعم أنهم فَيْءٌ للمسلمين، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله، وإنما كان الولاة يُخَمِّسون مَن لم يُجِبْ للإسلام، فكان فعله الذميم هذا سبباً لنقض البلاد ووقوع الفتن العظيمة (٣). فلما سمع البربر بذلك نقضوا الصلح على ابن الحبحاب، وتداعت عليه بأسرها مسلمها وكافرها، وعظم البلاء. وقدّم مَن بطنجة من البربر على أنفسهم مَيْسَرة السقّاء ثم المدغريّ، وكان خارجياً وصُفريّاً وسقّاء، وقصدوا طنجة، فقاتلهم عمر بن عبد الله فقتلوه، واستولوا على طنجة، وبايعوا مَيْسَرة بالخلافة، وخوطب بأمير المؤمنين (٤)، وكثر جمعه بنواحي طنجة من البربر وقوي أمره، وكان ذلك سنة سبع عشرة ومائة الهجرية (٥) (٧٣٥ م). والخوارج الصُّفرية، هم أتباع زياد بن الأصفر، وهم في آرائهم أقل تطرّفاً من الأزارقة وأشدّ من غيرهم (٦). وقد خالفوا الأزارقة في مرتكب الكبيرة،

стр. 425

فالأزارقة اعتبروه مشركاً، ولم يكتفوا بتخليده في النار، بل زادوا أنه يُعد مشركاً. أما الصُّفرية فلم يتّفقوا على إشراكه، وقد اعتنق مذهبهم كثير من الصالحين شرقاً وغرباً (١). وبالنسبة لطريف، فإن ثورة البربر كانت عارمة، لم يتخلف عنها أحد، فما كان بإمكانه أن يتخلف وحده عنها، وقد جرفته روح الجماعة. كما أن شعار الثورة في مقاومة الانحراف لا غبار عليه، فلا يرضى الإسلام أن يُخَمّس البربر المسلمون ولا يرضى المسلمون الصالحون من الفقهاء والمحدثين بهذا التّخميس، كما أن التفرقة بين المسلمين على أساس الجنس لا يقرُّه الإسلام كما هو معروف. أما اتِّهام طريف بانحرافه عن الإسلام (٢)، فقد كذبه مَن اتَّهمه بهذه التهمة في كتابه الذي اتّهمه فيه (٣)، كما لم تأخذ بهذا الاتهام المصادر المعتمدة الأخرى، فقد نسبت زندقة برغواطة إلى صالح ابن طريف لا إلى طريف (٤)، فالتهمة الموجهة إلى طريف ولدت ميِّتة، لم يصدقها أحد، ولم يأخذ بها أحد. ويبدو أن طريفاً، كان قادراً حازماً (٥)، كان كريماً مضيافاً شهماً غيوراً مؤمناً تقياً، ولو لم تكن هذه الصفات الإنسانية فيه، لما ارتضته برغواطة رئيساً عليها، ثم أصبح على قبائل بلاد تامسنا في المغرب الأقصى رئيساً عليهم من الناحيتين الدينية والدنيوية في آن واحد وبلا منازع. وعلى الرغم من أن المصادر المعتمدة، بخلت في الحديث عنه إنساناً
следующие страницы →