← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الحقير (١)، استهانة به، وهؤلاء خصومه من أعداء الخوارج. وكان الرجل في مبدأ حياته بسيطاً عمل سقّاء يبيع الماء في سوق القيروان، مركز الإشعاع الديني، حيث العلماء والفقهاء وأهل الزهد والورع والتقوى. وكان بين هؤلاء مَن يدعو إلى العودة بالإسلام إلى نقائه الأول، ويقف في وجه الإجراءات التي تخلّ بمبدأ: الإخاء والمساواة بين جميع المسلمين، فكانوا كما يبدو يروِّجون عن غير قصد لمبادئ الخوارج، أي لمبادئ الثورة على الدولة (٢). وقد كان ميسرة يسعى إلى تحقيق المساواة في الأعطيات بين العرب والبربر في الجيش الإفريقي، فقصد ميسرة على رأس وفد من المغاربة يبلغ حوالي عشرين رجلاً دمشق للفت نظر هشام بن عبد الملك إلى مطالب المغاربة، فطال مقامهم بباب الخليفة دون جدوى. وتتلخص مطالب المغاربة؛ في أن أمير المغرب عندما يغزو بجنده العربي وبالمغاربة، فإنه يحرم المغاربة من نصيبهم من الغنيمة ويقول: "هذا أخلص لجهادكم"، وإذا حاصر مدينة قال: "تقدَّموا" وأخّر جنده، وأراد ميسرة ومن معه أن يعرفوا: أعن رأي أمير المؤمنين هذا أم لا (٣)؟!. وموضع الشكوى في هذه الرواية هو: تمييز العرب على المغاربة، مما يتضمن عدم تطبيق مبدأ المساواة والإخاء بين المسلمين، مما يعتبره بعضهم خروجاً على مبادئ الإسلام. وعاد ميسرة وجماعته من الشام بعد أن خاب رجاؤهم في إنصاف الخليفة، فخرجوا من المعارضة الصامتة إلى الثورة المسلحة. وبدأت الثورة في طنجة في موطن مدغرة قبيلة ميسرة، حيث أعلن نفسه إماماً وبايعه الناس (٤). وسرعان ما انضمت إلى قبيلته جميع قبائل المنطقة من غمارة ومكناسة وبرغواطة، وكانت دعوة الخوارج منتشرة في قبيلة برغواطة بفضل طريف

стр. 422

رئيسها (١)، ولا نعرف متى اعتنق طريف مذهب الخوارج هل كان قبل نهاية القرن الأول الهجري، أم بعد نهايته في بداية القرن الهجري، ومن المرجح أن يكون في بداية القرن الثاني، لأن نهاية القرن الأول، كان بالنسبة للبربر ومنهم طريف، مليئاً بالأحداث الجسام، وعلى رأسها فتوح الأندلس، وما أعقبها من ترصين الفتوح، وتوطيد أقدام الفاتحين، وترسيخ جذور الفتوح والفاتحين. أما بداية القرن الثاني الهجري، فقد أصبح البربر أكثر تفرغاً، وبدا التناقض بينهم وبين العرب يطفو على السطح، فكان لا بد من أن يملأوا فراغهم بعمل ما، فكان هذا العمل تلك الثورة العارمة للبربر على العرب. وبعد القضاء على ثورة ميسرة ومَن كان معه من الخوارج الصُّفريّة سنة أربع وعشرين ومائة الهجرية (٢) (٧٤١ م)، تفرق أصحابه في البلاد، فلجأ طريف إلى بلاد تامَسْنا على ساحل البحر المحيط بين مصبّي وادي سَلا وأم الربيع حيث تستقر قبيلة برغواطة البربرية، وهناك تزعم بربر المنطقة من برغواطة (٣). وكان طريف من جملة قواد ميسرة ومَن جاء بعده في ثورة الخوارج الصُّفرية بالمغرب (٤)، فلما انتهت تلك الثورة بالإخفاق، حلّ طريف ببلاد تامَسْنا (منطقة مدينة الرباط الحالية، وما حولها)، فقدَّمه البربر على أنفسهم، فوُلِّي أمرهم، وكان على دين الإسلام. وبقي أميراً على البربر في تلك البلاد - ليس على برغواطة حسب - بل على جميع بربر تلك البلاد، حتى تُوفي. وترك أربعة أولاد، فَوَلِيَ الأمر بعده صالح بن طريف، وكان مولده سنة عشر ومائة الهجرية (٧٢٨ م)، فتنبَّأ فيهم، وشرع لهم ديانة، وسمَّى نفسه: صالح المؤمنين، وعهد إلى ابنه إلياس بديانته، وأمره ألاّ يُظهر ذلك إلاّ إذا قوي أمره، وحينئذٍ يدعو إلى مذهبه، ويقتل مَن خالفه من قومه. وخرج صالح إلى

стр. 423

المشرق، وزعم أنه يعود إليهم في دولة السابع من ملوكهم، وزعم أنه هو المهدي الأكبر الذى يخرج في آخر الزمان لقتال الدجّال، وأنه يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوْراً، وتكلم لهم في ذلك بكلام كثير نسبه لموسى ﵇ ولسَطيْح الكاهن (١) وغيره (٢). وقد كان ابتداء أمر صالح خلفاً لوالده طريف سنة أربع وعشرين ومائة الهجرية (٣) (٧٤١ م)، أي في سنة عودة طريف من حرب الخوارج متعاوناً معهم وقائداً مرؤساً لهم في ثورتهم على الدولة، ويبدو أن طويفاً لم تطل مدّته رئيساً على تلك المنطقة من بلاد المغرب، فخلفه ابنه صالح الذي استغل شدّة جهل (٤) البربر في تلك المنطقة النائية، فزعم لهم ما زعم، وصدَّقوا مزاعمه لجهلهم في حينه. لقد كان طريف أبا ملوك برغواطة البربرية، وهو من ولد شمعون بن يعقوب بن إسحاق ﵈ (٥)، ومن الواضح أن طريفاً لم يكن يعرف هذا النسب، ولم ينتسب إليه، وأن أولاده الذين حكموا البربر بصفة دينية منحرفة، هم الذين ادّعوا لأنفسهم هذا النسب، لإعطاء انحرافهم الديني مسحة النّسب إلى الأنبياء، قد يقنع البربر في جهلهم حينذاك، ولكنه لا يقنع البربر الذين كانوا على درجة من العلم بهذا الانحراف، لذلك اقتصر انحراف عَقِب طريف على برغواطة، فنُسب هذا الانحراف إلى قبائل الإقليم، فعرف بـ: زندَقة بَرْغَواطة (٦).

стр. 424

وكان سبب انضمام طريف إلى الخوارج وثورتهم، هو انحراف بعض ولاة الدولة عن العدل ومبادئ الإسلام، فقد تولّى عُبَيْدَ الله بن الحَبْحَاب (١) إفريقية والمغرب كله لهشام بن عبد الملك بن مروان. واستخلف ابن الحبحاب على طنجة ابنه إسماعيل، وجعل معه عمر بن عبد الله المُرادِي (٢). وأساء عمر بن عبد الله المرادي السِّيرة، وتعدى في الصدقات والعُشُر، وأراد تخميس البربر، وزعم أنهم فَيْءٌ للمسلمين، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله، وإنما كان الولاة يُخَمِّسون مَن لم يُجِبْ للإسلام، فكان فعله الذميم هذا سبباً لنقض البلاد ووقوع الفتن العظيمة (٣). فلما سمع البربر بذلك نقضوا الصلح على ابن الحبحاب، وتداعت عليه بأسرها مسلمها وكافرها، وعظم البلاء. وقدّم مَن بطنجة من البربر على أنفسهم مَيْسَرة السقّاء ثم المدغريّ، وكان خارجياً وصُفريّاً وسقّاء، وقصدوا طنجة، فقاتلهم عمر بن عبد الله فقتلوه، واستولوا على طنجة، وبايعوا مَيْسَرة بالخلافة، وخوطب بأمير المؤمنين (٤)، وكثر جمعه بنواحي طنجة من البربر وقوي أمره، وكان ذلك سنة سبع عشرة ومائة الهجرية (٥) (٧٣٥ م). والخوارج الصُّفرية، هم أتباع زياد بن الأصفر، وهم في آرائهم أقل تطرّفاً من الأزارقة وأشدّ من غيرهم (٦). وقد خالفوا الأزارقة في مرتكب الكبيرة،

стр. 425

فالأزارقة اعتبروه مشركاً، ولم يكتفوا بتخليده في النار، بل زادوا أنه يُعد مشركاً. أما الصُّفرية فلم يتّفقوا على إشراكه، وقد اعتنق مذهبهم كثير من الصالحين شرقاً وغرباً (١). وبالنسبة لطريف، فإن ثورة البربر كانت عارمة، لم يتخلف عنها أحد، فما كان بإمكانه أن يتخلف وحده عنها، وقد جرفته روح الجماعة. كما أن شعار الثورة في مقاومة الانحراف لا غبار عليه، فلا يرضى الإسلام أن يُخَمّس البربر المسلمون ولا يرضى المسلمون الصالحون من الفقهاء والمحدثين بهذا التّخميس، كما أن التفرقة بين المسلمين على أساس الجنس لا يقرُّه الإسلام كما هو معروف. أما اتِّهام طريف بانحرافه عن الإسلام (٢)، فقد كذبه مَن اتَّهمه بهذه التهمة في كتابه الذي اتّهمه فيه (٣)، كما لم تأخذ بهذا الاتهام المصادر المعتمدة الأخرى، فقد نسبت زندقة برغواطة إلى صالح ابن طريف لا إلى طريف (٤)، فالتهمة الموجهة إلى طريف ولدت ميِّتة، لم يصدقها أحد، ولم يأخذ بها أحد. ويبدو أن طريفاً، كان قادراً حازماً (٥)، كان كريماً مضيافاً شهماً غيوراً مؤمناً تقياً، ولو لم تكن هذه الصفات الإنسانية فيه، لما ارتضته برغواطة رئيساً عليها، ثم أصبح على قبائل بلاد تامسنا في المغرب الأقصى رئيساً عليهم من الناحيتين الدينية والدنيوية في آن واحد وبلا منازع. وعلى الرغم من أن المصادر المعتمدة، بخلت في الحديث عنه إنساناً

стр. 426

بخلاً لا يناسب ما قدمه للمسلمين من جهود مثمرة، فأخباره في تلك المصادر قليلة جداً، إلاّ أنه يبدو بجلاء أنه كان رجلاً من رجال المسلمين الأبرار، الذين سخّروا مواهبهم لخدمة مصلحة المسلمين العليا، ولم يسخِّروها لخدمة مصلحتهم الشخصية، وحسبه بذلك عملاً من الأعمال الباقية التي لا تُنْسى. القائد كان طريف أحد موالي موسى بن نصير كما ذكرنا، فكان بتماس شديد مع أمير إفريقية والمغرب، وكان موسى دائب الحركة كثير النشاط، يسير من فتح إلى فتح في ولايته، حتى قضى على الفتن الداخلية قضاءً مبرماً، وأشاع الأمن والاطمئنان بين السكان، وفرض هيبة الدولة وسلطانها، وفتح ما لم يُفتح من قبل. ويبدو أن طريفاً، برز من جملة مَن برز في عمليات موسى العسكرية، فلفت إليه الأنظار، ومنهم نظر موسى. وكان موسى بعد أن سيطر على إفريقية والمغرب سيطرة كاملة، يتطلع إلى فتح الأندلس، فقد كان حاضر إفريقية والمغرب ومستقبلهما بالنسبة لتوطيد أركان الفتوح فيهما، مهدّداً من الروم أولاً ومن القوط الغربيين في الأندلس ثانياً، وقد هاجم موسى قواعد الروم في البحر الأبيض المتوسط: صِقِلِّيَة وسَرْدانِيَة، وفتح مَيُوْرَقَة ومَنُوْرَقَة (١)، لغرض حماية فتوح إفريقية والمغرب من الروم، لأن الهجوم أنجع وسائل للدفاع؛ وبقي على موسى فتح الأندلس، لوضع حدّ نهائي لتهديد القوط الغربيين - الذين يحكمون الأندلس - لحاضر ومستقبل فتوح المسلمين في إفريقية والمغرب.

стр. 427

وفاتح موسى الخلافة في دمشق، حول فتح الأندلس، إذ لم يكن بإمكانه أن يُقدم على تنفيذ مثل هذه العملية الكبرى بدون موافقة الخلافة الصريحة، وكان الخليفة يومها الوليد بن عبد الملك ابن مروان الذي كان حريصاً أعظم الحرص على أرواح المسلمين، وكان يرفض بشدّة وحزم وإصرار كل محاولة للتغرير بالمسلمين وتعريضهم للمخاطر دون مسوِّغ، وقد وافق على مضض على اقتراح موسى الخاص بمحاولة فتح الأندلس الذي كان موسى يريد وضعه في ميدان التطبيق العملي، بعكس الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي كان يرى في هذا الفتح نوعاً من التغرير بالمسلمين، فكان الوليد لا يتردد في الإقدام على إلغاء عملية فتح الأندلس برمتها، في حالة تعرّض سرايا الاستطلاع التي مهّدت لخطة الفتح للإخفاق. لذلك بذل موسى غاية جهده في تنفيذ أمر الخليفة أولاً: "أن خُضها بالسرايا، حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تُغرِّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال" (١)، وأن تكون سرية الاستطلاع التي تمهِّد للفتح مختارة المقاتلين بقيادة قائد مختار أيضاً، ينجح في مهمتة القيادية الصعبة، ويُقنع الخليفة بنجاحه أن موسى لا يغرّر بالمسلمين، بل يقودهم إلى النصر. وأي قائد عام، في مكان موسى بن نصير، في حرصه العظيم على فتح الأندلس، يشترط عليه الخليفة، أن يبدأ عملية الفتح بالاستطلاع بالسرايا، فإذا نجحت سرايا الاستطلاع كان له ما يريده من فتوح في الأندلس، وإلاّ فلا فتوح في الأندلس إذا أخفقت سرايا الإستطلاع، وتوضع عملية الفتوح كلها على الرف، فإنه لا بد أن يختار قائداً متميزاً لقيادة سرايا الاستطلاع، ويختار له رجاله أو يسمح له باختيارهم، ليضمن نجاح مهمة الاستطلاع، فيرضي الخليفة، وتبدأ عملية الفتح. وأرى أن موسى، حين اختار طريفاً، لقيادة سرية استطلاعية، يتوقف عليها

стр. 428

مصير الإقدام على فتح الأندلس، لا بد من أن تتيسر فيه مزايا قيادية متميزة، تؤهله لتولي مثل هذه المهمة المصيرية الصعبة، لا لينجح في تحقيق مهمته كما ينبغي حسب، بل ليتفوق في نجاحه، وحينذاك يصبح الخليفة مرحباً بالفتح لا متخوفاً على المسلمين منه. ومفتاح مزايا شخصية طريف القيادية، تتركز في إيمانه العميق، فهو مجاهد صادق. وهو شجاع مقدام، يعتبر الشهادة أُمْنِية من أعزّ أمانيه، وهو متزن غير متهوِّر، لا يخطو خطوة بدون حساب، وهو كذلك ذكي ألمعي الذكاء. وتلك هي أبرز مزاياه القيادية، التي جعلت موسى بن نصير يوليه أهمّ وأخطر منصب قيادي مصيري، فنهض بأعبائه بنجاح عظيم. أما مجمل مزاياه القياديّة الأخرى، فيمكن تعدادها بإيجاز شديد. فقد كان من أولئك القادة الذين يتمتعون بمزية: إصدار قرار صحيح سريع لأخذ المبادرة، ووضع الحلول الناجعة للمعضلات، في الوقت والمكان الجازمين، دون إضاعة الوقت سدى. وكان على جانب عظيم من: الشجاعة الشخصية، فبقي مجاهداً في ساحات الفتوح حتى توقف مَدّ الفتوح، ثم دأب على القتال حتى نهاية أيامه في هذه الحياة. وكان ذا إرادة قوية ثابتة، لا يضعف ولا يهون، ولا ينحرف عن هدفه ولا يتزعزع، ولا يسالم ولا يستسلم. وكان يتحمل المسئولية، ويحبها، ولا يتهرب منها، ولا يتملّص من أعبائها، ولا يلقيها على عواتق الآخرين رغبة بالسلامة والعافية. وكان له نفسية لا تتبدّل، في حالتي النصر والاندحار، واليسر والعسر، والرخاء والشدّة. وكان لذكائه المفرط، يتمتع بمزية: سبق النظر، فكان يتوقع ما يُعدِّه العدو له من خطط للإيقاع بقواته، فيضع الخطط التي تُحبط خطط العدو، وتؤدي به

стр. 429

إلى الهزيمة، وتؤدي برجاله إلى النصر. وكان على معرفة وثيقة بنفسيات وقابليات رجاله، فهو واحد منهم نسباً ومصيراً، وهو معهم في السراء والضراء وحين البأس، فكان يولي الرجل المناسب العمل المناسب، الذي يناسب نفسيته وقابليته، مما يؤدي إلى النجاح أو الامتياز بالنجاح. وكان يثق برجاله، ويثقون به، ويسيرون تحت قيادته إلى الموت دون خوف، ثقة به، لأنه يؤثرهم بالأمن، ويستأثر دونهم بالخطر، ويحرص على أرواحهم أكثر مما يحرص على روحه، ولا يغرّر بهم في حال من الأحوال. وكان يثق برؤسائه، وكان رؤساؤه يثقون به، ولولا ثقة موسى به، لما ولاّه مثل هذا المنصب الخطير. وكان يحب رجاله، وكان رجاله يحبونه، لأنه يتمتع بالمزايا التي تحبِّب الإنسان إلى الناس، كما كان موضع حب رؤسائه، وكان يبادلهم حباً بحب. وكان ذا شخصية قوية نافذة، يؤثِّر في أتباعه بالمُثُل التي يؤمن بها ويحملها، فهو يعمل لهم أكثر مما يعمل لنفسه، ويحب لهم ما يحبه لنفسه، ولا يريد منهم غير ما يريده من نفسه ومن أهله، فهو ينصفهم قبل أن يطالبه أحد بالإنصاف. وكان يتمتع بالقابلية البدنية المتميزة، فهو في ريعان الشباب، حين تولى منصبه القيادي، وقد بقي متمتعاً بالقابلية البدنية حتى في أيامه الأخيرة، والدليل: أنه بقي مقاتلاً رهيباً، لم يتخلّ عن سيفه، في يوم من الأيام. وكان من ذوي الماضي الناصع المجيد، فهو من رؤساء البربر، كان رئيساً قبل أن يتولى القيادة، ثم رئيساً قائداً، فلما تخلّت عنه القيادة، بقي رئيساً لا ينازعه في رئاسته منازع. وكان يطبق مبادئ الحرب بصورة تلقائية، وهذه المبادئ ثابتة في كل زمان ومكان، ولكن الأساليب الحربية هي التي تتبدّل باستمرار. فقد كان يطبق مبدأ: اختيار المقصد وإدامته، وكان قائداً تعرّضياً، لم يتخذ

стр. 430

أسلوب الدفاع في حربه. وكان يطبق مبدأ المباغتة، ولعلّ عبوره في سفن يُليَان، أو سفن التجار الذين يعملون مع يليان، كان الهدف منه مباغتة القوط بالعبور، وهم يظنون أن السفن تعود للتجار الموالين لهم، ولا تعود للمسلمين الفاتحين، إذ من المعلوم، أن موسى بن نصير، كان يمتلك كثيراً من المراكب والسفن التي يستغنى بها عن سفن يليان وأتباعه، ولكن موسى استفاد من سفن يليان لإخفاء العبور، ولمباغتة القوط في الساحل الأندلسي بالعبور وبالإنزال. وكان يطبق مبدأ: تحشيد القوة، ويستغل طاقات رجاله كافة، في تحقيق هدفه في الاستطلاع والفتح. وكان يطبق مبدأ: الاقتصاد في المجهود، فيعرف هدفه، ويستعمل القوة المناسبة لتحقيق هدفه، دون إفراط ولا تفريط. وكان يحرص أعظم الحرص على تطبيق مبدأ: الأمن فلا نعرف أن العدو استطاع مباغتة قواته، وقد استطاع أن يباغت عدوّه في عمليته الاستطلاعية، فحقق هدفه، وغنم غنائم كبيرة نسبياً، وعاد إلى قاعدته سالماً. وكان يطبق مبدأ: المرونة، فكانت خططه قابلة للتطوير والتحوير عند الحاجة، وكانت قابليته على الحركة جيدة للغاية. وكان يضع مبدأ: التعاون، نصب عينيه، فهو ييسِّر التعاون الوثيق بين رجاله أفراداً وصُنوفاً، وهو يتعاون مع يليان ورجاله ويسهّل التعاون بينهم وبين رجاله، وهو يتعاون مع قيادته العليا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وكان يعمل على: إدامة المعنويات، بالعقيدة الراسخة، والقيادة الحصيفة، والانتصارات المتعاقبة، لأنه يعلم حق العلم، أن الرجال الذين يتمتعون بالمعنويات العالية، ينتصرون على الرجال الذين يعيشون بمعنويات منهارة. وكان يهتم: بالأمور الإدارية، فالجندي يمشي على بطنه، والمقاتل لا يصبر طويلاً على الجوع والعطش، ولا على نقص الأمور الإدارية ملبساً

стр. 431

النصر، وكانت بالنسبة لقوة طريف جيدة للغاية، وكان وضع رجاله الإداري أفضل بكثير من وضع غيرهم من الفاتحين شرقاً وغرباً. وكان يساوي نفسه بأصحابه، ويعيش معهم كما يعيشون، ويحاول ألاّ يتميز عليهم بمظهر من مظاهر الدنيا، ولا يرضى أن يتميز أحد من أصحابه على غيره مادياً أو معنوياً. وكان يؤمن بمبدأ: الشورى، فيستشير رجاله، ويشاورهم فيما يعترضه من مشاكل، ويطبق مشورتهم. لقد تقدّم طريف على غيره من البربر المسلمين، بمزاياه القيادية التي لفتت إليه الأنظار، فولاه موسى منصباً قيادياً، في ظروف غير اعتيادية، لينهض بتحقيق هدف مصيري صعب، في أيام يصعب فيها على غير العرب المسلمين الوصول إلى المناصب القيادية، لأنها كانت للعرب المسلمين وحدهم دون سواهم، ولكن طريفاً وطارق بن زياد وحدهما من البربر توليا منصبين قياديين في فتوح الأندلس، وكانا قبل ذلك من أقرب المقربين إلى موسى بن نصير ومن أبرز المقربين إليه من البربر المسلمين. كما تولى طارق منصبه القيادي بمزاياه القيادية أولاً وقبل كل شىء، ولكن قربه من موسى بن نصير، أتاح له فرصة إظهار تلك المزايا للعيان، وربما لو كان بعيداً عن موسى، لما استطاع موسى اكتشاف تلك المزايا القيادية في طارق بسهولة ويسر، ولما أتاح له الفرصة الملائمة لتولي منصبه القيادي الرفيع، فكانت تولية طارق لمزاياه القيادية أولاً، ولقربه من موسى صاحب السلطة في اختيار القادة وتوليتهم ثانياً، كذلك كان الأمر بالنسبة لطريف، فقد شقَّ طريقه إلى منصبه القيادي بمزاياه القيادية أولاً، وبتماسه الشديد بموسى. وعلى كل حال، فقد كان طريف على حسن ظنّ موسى بن نصير به، وعند حسن ظن طارق بن زياد أيضاً، وعند حسن ظن المسلمين الفاتحين في الأندلس، وكان تولّيه منصباً قيادياً مكسباً لا شك فيه للقيادة العامة وللفتح والفاتحين.

стр. 432

طَرِيْف في التاريخ يذكر التاريخ لطريف، أنه كان من أوائل البربر المسلمين، الذين تولوا منصباً قيادياً في فتوح الأندلس، في عهد كانت فيه المناصب القيادية للعرب المسلمين وحدهم دون سواهم. ويذكر له، أنه قاد سرية استطلاعية، إلى بر الأندلس فنجح في تحقيق أهداف القيادة العامة، نجاحاً باهراً. ويذكر له، أنه أول مَن مهّد لوضع خطّة فتح الأندلس، في موضع التنفيذ، فاستطاع المسلمون الفاتحون فتحها، خلال ثلاث سنوات. ويذكر له، أنه كان يميل بطبعه إلى معاناة القتال، فبدأ حياته مجاهداً في ساحات الفتوح، وبقي يمارس هوايته المفضلة في القتال، حتى رحل عن هذه الحياة. ويذكر له، أنه كان رئيساً من رؤساء إحدى القبائل البربرية المسلمة، ولكن نطاق رئاسته توسّع بالتدريج، حتى شمل في رئاسته عدة قبائل بربرية مسلمة، تحل في منطقة مدينة الرباط الحالية الشاسعة المنعزلة. ويذكر له، أن اسمه لا يزال علماً على جزيرة أندلسية، كان أول مَن وضع قدمه في رحابها، وأنزل رجاله في أرجائها، فعرفت باسمه منذ ذلك التاريخ ولا تزال. ﵀ رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنّاته، جزاء ما قدّم للإسلام والمسلمين من جهود مادية ومعنوية في الفتح وفي غير الفتح قائداً وإنساناً.

стр. 433

مغِيْث الرُّومِيّ فاتح قُرْطُبَة (١) نسبه وأيامه الأولى هو مغِيث الروميّ، مولى الوليد بن عبد الملك (٢)، أو مولى عبد الملك بن مروان (٣)، والصواب أنه مولى عبد الملك بن مروان، فهو الذي أدبه (٤)، ولا تناقض بين الرواتين إلاّ من الناحية اللّفظية حسب، فقد كان مغيث مولى عبد الملك، فلما تُوفي وأصبح ابنه الوليد خلفاً له، أصبح مولى الوليد بن عبد الملك. ومغيث رومي (٥) الأصل، وقيل: إنه ليس برومي على الحقيقة، وتصحيح نسبه، أنه مغيث بن الحارث بن الحُوَيْرِث بن جَبَلَة بن الأيْهَم الغَسّاني (٦)،

стр. 434

سُبِيَ من الروم بالمشرق وهو صغير، فأدّبه عبد الملك بن مروان مع ولده الوليد، وأنجب في الولادة، فصار بنو مغيث الذين نجبوا في قرطبة، وسادوا وعظم بيتهم، وتفرعت دَوْحَتهم، وكان منهم عبد الرحمن بن مغيث حاجب عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس (١) وغيره (٢). والمرجح أنه رومي، فقد نُسب إلى الروم وهو على قيد الحياة، وكان مولى لبني أمية، وكان بإمكانه أن يُظهر نسبه إلى جَبَلَة بن الأيْهَم وإلى ملوك الغساسنة في حياته، فلما أصبح أولاده من ذوي السلطة والثراء في الأندلس، أرادوا أن يجمعوا بين الحسب المرموق والنسب العريق، في عهد كان للنسب فيه مكانة كبيرة جداً، وبخاصة للنسب العربي الأصيل إلى إحدى القبائل الأصيلة، في عهد بني أُميّة، فانتسبوا إلى الغساسنة، فسجّل لهم انتسابهم هذا أحد المؤرخين، ثم تناقلها المؤرخون عن بعضهم، الخلف عن السّلف. ووضع نسبه واضح، ولا يبدو أنه المسئول عن وضعه، بل هو من وضع عَقِبه، فهم المسئولون عن هذا الوضع، الذي أرادوا به الفخر ومنافسة أصحاب النسب في نسبهم العريق. ونشأ مغيث في دمشق، وتأدب مع بني عبد الملك، فأفصح في العربية، وصار يقول من الشعر والنثر (٣)، ما يجوز تدوينه، وتدرّب على الركوب، وأخذ نفسه بالإقدام في مضايق الحروب، حتى تخرّج في ذلك تخرُّجاً أهّله للتقدم على الجيش الذي فتح قُرطبة (٤). لقد نشأ مغيث وترعرع وشبّ في أحضان البيت المالك: بيت الخليفة عبد الملك بن مروان، وتعلّم جنباً إلى جنب الوليد بن عبد الملك. وكان

стр. 435

التعليم النظري لاستيعاب العلوم المتيسرة السائدة حينذاك ميسوراً، ليس لبني أميّة ومَن حولهم وحدهم دون غيرهم من الناس، بل كان ميسوراً للناس كافة من الراغبين في تلقي العلم. وربما يكون الفرق الوحيد بين تعليم أبناء الخلفاء ومَن حولهم وبين أبناء غيرهم من سائر المسلمين، هو أن أبناء الخلفاء ومَن حولهم، يتلقون العلم على أساطين العلماء وجهابذة الشيوخ، وغيرهم يتلقى العلم عن هؤلاء الأساطين والجهابذة وعن المتصدِّين للتعليم من العلماء والشيوخ الآخرين. وقد نشأ مغيث في دمشق عاصمة الخلافة، ليتعلم القرآن الكريم وعلومه، والحديث النبوي الشريف وعلومه، والتاريخ والسِّير وأيام العرب قبل الإسلام وبعده، وعلوم اللغة صَرْفاً ونَحواً وبلاغةً وبياناً وشعراً ونثراً، كما تعلم فنون الأدب في مجالي الشعر والنثر، وحفظ نماذج من أقوال الخطباء والأدباء والشعراء، ولم يغفل الحساب والهندسة وتقويم البلدان. وكان الخلفاء بخاصة والعرب بعامة، في تلك الأيام، يعتبرون اللّحن في اللّغة عيباً من أشنع العيوب، "فتأدّب مغيث بدمشق مع بني عبد الملك، فأفصح بالعربية، وصار يقول من الشعر والنثر ما يجوز كتبه" (١). وكما كان الخلفاء يحرصون على تعليم أبنائهم ومَن حولهم العلوم المختلفة والآداب والفنون، كانوا يحرصون أيضاً على تعليم أولادهم العلوم العسكرية العملية والنظرية. وقد تعلم مغيث العلوم العسكرية النظرية، مثل: إقامة المعسكرات، تنظيم المعسكر، اختيار المعسكر، وشروط المعسكر الجيد، فنون التعبية: كإخراج المقدّمات والمؤخرات والمجنبات، وأساليب الحماية، والاستفادة من الأرض، وزرع الربايا والكمائن. ومعالجة المشاكل غير المتوقعة، وتأمين القضايا الإدارية في الميدان، وطرق رفع المعنويات، وكل هذه العلوم تلقّن

стр. 436

من مجاهدين مجرّبين لهم في ميادين الجهاد باع طويل. كما تدرّب على الفنون العسكرية العملية: ركوب الخيل، والرمي بالسهام، والتصويب الدقيق، والضرب بالسيوف، والطعن بالرماح، والسباحة، وتحمل المشاق العسكرية: سيراً على الأقدام مسافات طويلة، والحرمان من الطعام والشراب مدة من الزمن، وتحمل التقلبات الجوية حراً وبرداً ومطراً وثلجاً، "وتدرّب على الركوب، وأخذ نفسه بالإقدام في مضايق الحروب، حتى تخرّج في ذلك تخرجاً أهّله للتقدم على الجيش ... " (١). ولكن مثل هذا التدريب العسكري وحده لا يكفي، لأنه تدريب (فردي)، فلابد من تلقي التدريب الإجمالي، وهو ممارسة الجهاد قائداً أو جندياً في ساحات الجهاد، ليطبق ما تعلمه (فرداً) من فنون عسكرية نظرية وعملية على القتال ضمن المقاتلين تطبيقاً عملياً، إذ لا فائدة من التدريب الفردي، إلاّ إذا طُبّق عملياً في التدريب الإجمالي، وأفضل أنواع هذا التدريب هو ممارسة القتال عملياً. وقد كان أسلوب التدريب على القتال شائعاً في أيام الأمويين بالنسبة لأولاد الخلفاء ومَن حولهم، وبالنسبة لأولاد المسلمين كافة، فكان من نصيب مغيث أن يتدرب في ميادين الجهاد الإفريقي والمغربي والأندلسي، كما سنرى ذلك وشيكاً. الفاتح دخل مغيث الأندلس مع طارق بن زياد (٢)، وكان الوليد بن عبد الملك هو الذي وجّهه إلى الأندلس ................................................

стр. 437

غازياً (١)، ولا نعلم بالضبط متى وجّهه إلى هذا الواجب، وكان عبور طارق إلى الأندلس في يوم الإثنين الخامس من شهر رجب سنة اثنتين وتسعين الهجرية (٢) (٢٧ نيسان - أبريل - سنة ٧١١ م)، فلابد من أن يكون مغيث قد بُعث إلى إفريقية والمغرب قبل هذا التاريخ. وكان موسى بن نصير قد فاتح الوليد بن عبد الملك بفتح الأندلس واستأذنه بفتحها، فكتب إليه الوليد: "أن خضها بالسرايا حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرِّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال" (٣). وبعث موسى في رمضان من سنة إحدى وتسعين الهجرية (٧١٠ م) سرية استطلاعية إلى جنوبي الأندلس، بقيادة طريف الملقب بأبي زُرعَة (٤)، وهو مسلم من البربر (٥)، فمن المحتمل أن الوليد بعثه قبيل الشروع في عمليات فتح الأندلس إلى تلك المنطقة، للإشراف على سير تلك العمليات، ومن المرجح أنه أرسله بعد فتح طنجة التي كانت سنة تسع وثمانين الهجرية (٦)، وقبل عبور طريف إلى الأندلس، أي في أوائل سنة إحدى وتسعين الهجرية. وكان مغيث على خيل طارق بن زياد (٧)، وبعد أن فتح مدينة إسْتَجّة (٨)، فزق جيوشه من هذه المدينة، فبعث مغيثاً إلى قرطبة، وكانت من أعظم مدائنهم، في سبعمائة فارس، لأن المسلمين ركبوا جميعاً خيل القوط، ولم

стр. 438

يبق فيهم راجل، وفَضَلت عنهم الخيل. وكَمن المسلمون بعُدْوَة نهر شَقُنْدَة ( Secunda) في غَيْضَة أرْز شافحة، وأرسلوا الأدلاّء فأمسكوا راعي غنم، فسئل عن قرطبة، فقال: "رحل عنها عظماء أهلها إلى طُلَيْطِلَة، وبقي فيها أميرها في أربعمائة فارس من حُماتهم مع ضعفاء أهلها". وسُئل عن سورها، فأخبر أنه حصين عال فوق أرضها، غير أنه فيه ثُغرة، ووصفها لهم (١). وشقندة هذه، هي حيّ الرّبَض (الضاحية) في جنوبي قرطبة، في الضفة الأخرى من نهر الوادي الكبير (٢) ( Guadalquivir) مقابل قرطبة. وتربّص المسلمون على الضفة اليسرى من نهر الوادي الكبير بالقوط، وأخذوا يستطلعون أخبار القوط، ويجمعون المعلومات عنهم قبل أن يعبروا النهر ويهاجموا البلد. وكان أهل قرطبة كارهين لأمر القوط عامة، لأن القوط كانوا مختصين أنفسهم بالجزء الغربي من البلد، وتركوا جزءه الشرقي لأهل البلد الأصليين، كما كان الرومان قبلهم يفعلون (٣)، وأقاموا سوراً بينهم وبين أهل البلد الأصليين حتى لا يقرب هؤلاء مساكنهم كأنهم منبوذون. وكان البلد حصيناً حوله سور من الحجر الضخم، ولكن الظاهر أنه كان متداعياً في بعض أجزائه، فيه ثغرات يمكن النفوذ منها، وكان الجزء الذي يقابل القنطرة التي تقع على النهر، والتي كانت مهدّمة في حينه من السور وما وراءه من البلد، هو الجزء المخصص لسكان البلد الأصليين من الإيبيريين الرومان، وفيه الكنيسة الجامعة (الكاتدرائية). ولم يصعب على المسلمين الإتصال بنفر من سكان قرطبة المحليين، وبمعونة هؤلاء استطاعوا العبور في ليلة من ليالي آب (أغسطس) (٤) غزيرة المطر، وكان عبور المسلمين نهر الوادي الكبير في

стр. 439

مواجهة باب القنطرة، أو باب الصورة، نسبة إلى تمثال أسد كان قائماً على مقربة من السور، وظل قائماً أيام المسلمين، وجعل مغيث ورجاله يدورون حول السور يلتمسون ثغرة فيه يدخلون منها إلى قرطبة (١). وحاول المسلمون التعلق بالسور، فلم يجدوا مُتَعلّقا، ورجعوا إلى الراعي في دلالتهم على الثغرة التي ذكرها، فأراهم إياها، فإذا بها غير متسهّلة التسنّم، إلاّ أنه كانت في أسفلها شجرة تين مكّنت أفنانها من التعلّق بها، فصعد رجل من أشِدّاء المسلمين في أعلاها، ونزع مغيث عمامته فناوله طرفَها، وأعان بعض الناس بعضاً، حتى كثروا على السّور. وركب مغيث ووقف من خارج، وأمر أصحابه المرتقين للسور بالهجوم على الحرس، ففعلوا وقتلوا نفراً منهم، وكسروا أقفال الباب، وفتحوه. ودخل مغيث ومَنْ معه، وفتحوا المدينة عَنْوَة (٢). وهاجم مغيث ومَن معه من المسلمين قصر الملك (٣)، وقد بلغ الملك دخول المسلمين المدينة، فبادر بالفرار عن البلاط في أصحابه، وهم في زهاء أربعمائة فارس، وكانوا مقيمين مع الحاكم في الجزء الغربي من قرطبة، الذي سيعرف في أيام المسلمين بالمدينة أو القصبة (يسمى اليوم لافيليا = المدينة)، وكان الملك مقيماً وحده في قصر منيف من الضاحية التي ستعرف أيام المسلمين برَبَض الورّاقين، وأسرع الملك إلى حاميته القوطية، فطارده المسلمون، ففز بجنده إلى كنيسة قريبة تسمى كنيسة اشيسكلو ( San Acisclo) (٤) وتحصَّن فيها، فحاصرها المسلمون. واستمر الحصار

стр. 440

نحو ثلاثة أشهر، حتى استطاع المسلمون قطع الماء عن المحصورين، وكان يجري إلى الكنيسة في مجرى تحت الأرض، وقصة اكتشاف مصدر هذا الماء، أن مغيثاً ضاق بطول حصار المدينة، فتقدم إلى رجل أسود من رجاله اسمه رَباح، وكان ذا بأس ونَجْدَة، وأمره بالكُمون في جنان إلى جانب الكنيسة ملتفّة الأشجار، لعلّه يظفر بعلج يقف به على خبر القوم، ففعل وبصر به أهل الكنيسة فأسروه وحبسوه في الكنيسة. ومكث في إسارهم سبعة أيام اطّلع خلالها على مصدر الماء الذي يأتي عبر قناة، ثم فرّ من الكنيسة ليلاً، وأخبر مغيثاً عن موضع الماء ومصدره، فأمر مغيث بطلب قناة الماء في الجهة التي أشار إليها الأسود حتى أصابوها، فقطعوها عن جَرْيتها إلى الكنيسة، وسدّوا منافذها. وأيقن المحصورون في الكنيسة بالهلاك، فدعاهم مغيث إلى الإسلام أو الجزية، فأبوا عليه، فأوقد النار عليهم حتى أحرقهم، فسمّيت: كنيسة الحرقى (١)، ومن المستبعد أن يُقدم المسلمون على حرق الكنيسة، وفيها نحو أربعمائة فارس من القوط، لأن الكنيسة ظلت بعد ذلك في أيام المسلمين زماناً طويلاً، وليس فيها للنار أثر (٢)، ولم يسبق للمسلمين الإقدام على حرق الكنائس على مَن فيها من البشر، ولا مسوِّغ بحرقها بعد انقطاع الماء عنها، لأن استسلام حاميتها بعد انقطاع الماء عنهم أصبح مضموناً، وثباتهم لن يطول إلاّ ريثما ينفذ ماؤهم، وإلاّ ماتوا عطشاً، فلا يُقدم على حرق الكنيسة، في مثل هذا الموقف الراهن الذي تعيشه، بانقطاع الماء عنها، مسلم ولا غير مسلم أيضاً. ويبدو أن قصة حرق الكنيسة لم تحظ بتصديق المصادر المعتمدة، فلم تذكر في مصدر من المصادر الإسلامية (٣)، لأنها متهافتة لا ترقى إلى حقيقة

стр. 441

من حقائق التاريخ. ورغب ملك قرطبة أن يتخلص من الموقف الحرج الخطر الذي حاق برجاله، عند إيقانه أنه هالك إذا بقي معهم، ففرّ عن رجاله وحده بعد أن استغفلهم، ورام اللّحاق بطُلَيْطِلَة. وعلم مغيث بهرب الملك، فبادر الركض خلفه وحده، فلحقه بقرب قرية تُطِيلَة هارباً وحده، وهي قرية قريبة من قرطبة، وكان تحت هذا الهارب فرس أصفر ذريع الخَطْوِ. والتفت الملك ودُهِش لما رأى مغيثاً يطارده مطاردة عنيفة بلا هوادة، فزاد في حثّ فرسه، فقصر به، فسقط عن الفرس، واندقَّت عنقه، فقعد على ترسه مستأسراً، قد هاضته السقطة، فقبض عليه مغيث، وسلبه سلاحه، وحبسه عنده ليقدم به على أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، ولم يؤسر من ملوك الأندلس غيره، لأن بعضهم استأمن، وبعضهم هرب. إلى جِلِّيقِيَّة (١). وفي رواية: أن مغيثاً استنزل أهل الكنيسة، بعد أسره لمليكهم، فضرب أعناقهم جميعاً، فمن أجل ذلك عُرفت بكنيسة الأسرى (٢)، وأنه اختار القصر لنفسه والمدينة لأصحابه (٣). وسكن مغيث قصر الملك الذي أصبح فيما بعد مقام الأمراء والخلفاء، بعد أن عُدّل وأضيفت إليه أجزاء كثيرة. وقد ترك المسلمون كنيسة الأسرى لنصارى قرطبة، فظلت أكبر كنائسهم في عاصمة الأندلس الإسلامية، طالما بقيت المدينة في حوزة المسلمين (٤). ومن الواضح أن المقصود بملك قرطبة، هو حاكم قرطبة، ولكن المصادر العربية تلقبه بلقب الملك، لأنه أكبر مسئول رسمي في المدينة، والواقع أنه كان في الأندلس ملك واحد، وكان على المناطق حكام، يرتبطون بالملك،

стр. 442

ويديرون مناطقهم في السلام، ويدافعون عنها في الحرب، فهو في واقعه إداري قائد. وهكذا انتهت ملحمة فتح قرطبة، استبسل فيها المسلمون وقاتلوا قتال الأبطال، كما أحسن القوط في دفاعهم، وصبروا وصابروا، ولكن بقدر ما بلغ مغيث قائداً تحمَّل القسط الأكبر من الفتح، بقدر ما تخنَّث حاكم القوط وقائدهم وتحمَّل القسط الأكبر من كارثة الهزيمة. فكان مغيث نعمَ القائد، وكان قائد القوط بئس القائد. وقد فتح مغيث قرطبة في شوال من سنة اثنتين وتسعين الهجرية (٧١١ م)، ثم فتح الكنيسة التي تحصّن بها حاكم قرطبة بعد حصار ثلاثة أشهر في محرم من سنة ثلاث وتسعين الهجرية (١) (٧١٢ م). الإنسان كان مغيث أسيراً، أسره الروم وهو صغير (٢)، فأدّبه عبد الملك ابن مروان مع ولده الوليد، فكان مولى عبد الملك ومولى ابنه الوليد من بعده (٣). وهو رومي بالرغم من ادّعاء أولاده بأنه عربي من غسّان، ومن المحتمل أنه كان من الروم الذين عاشوا في شمالي إفريقية، فقد كان خبيراً بإفريقية عارفاً بها (٤). وقد نشأ في بيت عبد الملك وترعرع فيه، إلى جانب أكبر أولاد عبد الملك وولي عهده الوليد بن عبد الملك، فأصبح أحد أفراد العائلة المالكة وجزءاً منهم لا يتجزأ، مصيرهم مصيره، ومستقبلهم مستقبله، ويهمّه أمرهم، ويهمهم أمره، كما أصبح موضع ثقتهم الكاملة.

стр. 443

وكان للخلفاء في مختلف أمصار الدولة، مَن يُطلعهم على حقيقة الأوضاع فيها، إلى جانب الولاة والقادة، فلا يستطيع الولاة والقادة أن يُخفوا على الخلفاء شيئاً يهمّ الخلافة، وكان مغيث أحد هؤلاء الذين يثق بهم الخليفة، ويجب أن يطّلع على أمور الولاة والقادة والرعيّة عن طريقهم، فأوفده الوليد ليرافق الحملة الأندلسية، وينقل إليه أخبار الفتوح كما يجب أن تُنقل، لا كما يحب الولاة والقادة أن تُنقل، والفرق بين النّقلين كبير. ودخل مغيث الأندلس مع طارق (١)، وكان على تماس شديد به، فهو مدير مخابرات الخلافة في الأندلس دون أن يكون واجبه مجهولاً من طارق بن زياد أو من موسى بن نصير، وبعد أن استقر طارق وموسى، في طليطلة، أرسل موسى وفداً إلى دمشق يتألف من مبعوثين هما: مغيث وعلي بن رباح اللّخْمِي وهو من التابعين (٢)، لينقلا إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك أخبار الفتح (٣). ولكن الوليد بن عبد الملك أعاد مغيثاً إلى الأندلس، وأمره أن يبلغ موسى بالخروج من الأندلس والكف عن التوسع في البلاد، وأن يشخص موسى إلى دمشق، فعاد مغيث إلى موسى بما أمره به الوليد. ولم يصرف قدوم مغيث موسى عن المضي في إتمام خطته في الفتح، فلاطف مغيثاً وسأله إمهاله إلى أن ينفّذ عزمه في فتح جِلِّيقِيَّة، وأن يسير معه أياماً، ويكون شريكه في الأجر والغنيمة، ففعل مغيث ومشى مع موسى (٤)، وقد وهب مغيثاً القصر الذي ينسب إلى مغيث في عهد المسلمين، وهو: (بلاط مغيث) بجميع أرضه من أرض الخُمُس (٥)، وهو قصر حاكم قرطبة،

стр. 444

نظير إمهاله بعض الوقت في غزو جلِّيقِيَّة. وقَبِلَ مغيث هذه الشروط، فلما اطمأن موسى إلى ذلك، بادر بالمسير شمالاً لإكمال فتوحه (١). والحديث عن إقناع مغيث بالغنيمة والقصر، لإبقاء موسى على رأس جيشه في الأندلس، من أجل استكمال خطّة الفتح كاملة، ليس من السهل تصديقه ولا قبوله، فهو رشوة لتأجيل تنفيذ أمر الخليفة الواضح الصريح، في استقدام موسى من الأندلس، وقد كان مغيث قويّاً أميناً، لا يتقبّل الرشوة، ولا يرتضي لنفسه مخالفة الخليفة الصريحة الواضحة في حال من الأحوال، والذي يبدو أن الخليفة أمر مغيثاً أن يُشخص موسى إلى دمشق، دون أن يأمره بإشخاصه فوراً، وترك الحرية لمغيث أن ينفِّذ أمره دون تقييده بوقت معين محدود، فكان لمغيث أن يتصرف في أمر موسى بحرية مطلقة. ورأى مغيث أن الموقف العسكري يتطلب بقاء موسى ردحاً من الزمن في الأندلس لاستكمال فتوحاته، واقتنع برأي موسى بضرورة بقائه لغزو منطقة جِلِّيقِيّة التي كانت مركز حشود المقاومة القوطية، حتى لا يتعرض إقليم طليطَلة لتعرض قوطي متوقع، قد يتسع نطاقه ليهدّد فتح المسلمين كله للأندلس إلى الخطر، كما لم يجد مغيث أي محذور لبقاء موسى في قيادته، وهو حاضر، والخليفة غائب، ويرى الحاضر ما لا يرى الغائب، ومغيث ليس متّهماً من الخليفة، وهو موضع ثقته الكاملة به، فلا اعتراض للخليفة على بقاء موسى مدة من الزمن لا تطول، من أجل مصلحة الفتح في الأندلس، ومن أجل حاضر الفتح ومستقبله. كما أن موسى لم يعترض على تنفيذ أمر الخليفة، كما لا يستطيع أن يعترض عليه، فكان لبقاء موسى فائدة للفتح، دون ضرر على العلاقة، لذلك اقتنع مغيث بالسير مع موسى ومرافقته في فتوحه الجديدة، وكانت الغنيمة والقصر جزاء جهوده وجهاده لا جزاء تقاعسه وتراخيه في تنفيذ أمر الخليفة، أو جزاء التخلّي عن هذا التنفيذ.

стр. 445

والغريب أن المستشرقين ركّزوا على هذه الفرية، وبالغوا في شرحها وتوضيحها وتسليط الأضواء عليها، فصوروا مغيثاً في فصل من فصولهم متواطئاً مع موسى على الخليفة، وصوّروه في فصل آخر عدوّاً لدوداً لموسى، يشنِّع على موسى لدى الخليفة، لأنه كان يرى نفسه أحق من موسى بتولي الأندلس (١)، وليس ذلك من خلق التابعين وتابعي التابعين، ولا كان الدسّ والافتراء والحسد والرشوة من أخلاقهم. فإذا لم يكن ذلك مقنعاً للمؤرخ الذي تتبع خلق أولئك الرجال، فالتناقض المكشوف في موقف مغيث - بحسب ادعاءات المستشرقين - لابد من أن يكون مقنعاً، إذ كيف يمكن أن نصدِّق أن مغيثاً يفتري ما يفتري على موسى بحضور الخليفة، ثم يسكت عنه موسى في فضح تقاضيه الرشوة، لقاء تراخيه في تنفيذ الأمر الخليفي؟ وهل من المعقول أن يعفو الخليفة عن التراخي في تنفيذ أمره لقاء رشوة معروفة مكشوفة وليست سِرّاً من الأسرار؟ ثم كيف يكون مغيث مع موسى على الخليفة مرة، ويكون مع الخليفة على موسى مرة أخرى!! وبالطبع استفاد المستشرقون من المصادر العربية الإسلامية، في ترويج هذه الادعاءات وما أراد مؤلفوها ذلك. وبعد أن استكمل موسى خطة فتحه، ومغيث معه، أخذ مغيث يتعجل موسى، وكان الوليد بن عبد الملك معجلاً عليه لا يريد أن يتمهّل إذ أن رسولاً آخر من الوليد، يكنّى: أبا نَصْر، بعثه إلى موسى، عندما استبطأه في القفول، فأتاه وهو بمدينة لُكّ بناحية جلِّيقِيّة (٢). وبادر موسى بالعودة مع أبي نصر من لُكْ، وكان مع أبي نصر رسالة من الوليد إلى موسى يأمره بالخروج من الأندلس، فغادر موسى الأندلس مع طارق بن زياد ومغيث وأبي نصر في شهر ذي الحجة من سنة خمس وتسعين الهجرية (٣) (أيلول - سبتمبر - ٧١٤ م).

стр. 446

ولما قفل موسى بن نصير إلى المشرق وأصحابه، سأل مغيثاً أن يُسلِّم إليه العِلْجَ صاحب قرطبة الذي كان في إساره، فامتنع عليه، وقال: "لا يؤديه للخليفة سواي"، وكان مغيث يُدِلّ بولائه من الوليد بن عبد الملك، فهجم عليه موسى فانتزعه منه، فقيل لموسى: "إن سِرْتَ به حيّاً معك، ادّعاه مغيث، والعلج لا ينكر قوله، ولكن اضرب عنقه"، ففعل، فاضطغنها عليه مغيث، وصار إلْباً مع طارق السّاعي عليه (١). ومن الصعب تصديق، أن موسى يُقدم على قتل العلج بعد أن أصبح بحوزته، حتى لا يدّعيه مغيث لنفسه، لأن علاقة العلج بمغيث أشهر من أن لا تعرف على حقيقتها، فلا مسوِّغ لقتل العلج لتغطية قصة أسره من مغيث، كما أن من الصعب تصديق أن موسى يُقدم على اغتصاب العلج من مغيث، فقد كان مع موسى في رحلته إلى المشرق ما لا يُحصى من الرجال والنفائس (٢)، ما يمكن أن يُعَدّ العلج، إلى جانبها أمراً تافهاً لا يُؤْبَهُ به، ولا مجال أن نجعله مشكلة بين موسى ومغيث، ولا مسوِّغ لذلك. ولما قدم موسى وطارق بن زياد ومغيث وأبو نصر إلى الوليد بن عبد الملك في دمشق، كان قدومهم عليه وهو في آخر شكايته التي تُوفي فيها، إذ بلغوا دمشق سنة ست وتسعين الهجرية (كانون الثاني - يناير - ٧١٥ م)، أي قبل وفاة الوليد بأربعين يوماً (١). وخلف الوليد أخوه سليمان بن عبد الملك الذي كان مستاءً أيضاً من موسى، لأن طارق بن زياد ومغيثاً رمياه بالخيانة، وأخبراه بما صنع بهما من خبر المائدة والعلج صاحب قرطبة، وقالا له: (إنه قد غَلّ جوهراً عظيماً أصابه، لم تحوِ الملوك من بعد فتح فارس مثله)، فلما وافى سليمان وجده ضغيناً عليه، فأغلظ عليه واستقبله بالتأنيب والتوبيخ، فاعتذر

стр. 447

له ببعض العذر (١). وقد كان للخلفاء أساليب خاصة، لمعرفة تفاصيل أعمال ولاتهم وقادتهم وتصرفاتهم، للاطمئنان إلى أن أولئك القادة والولاة، لا يخرجون عن الخطّة العامة التي رسمها لهم الخلفاء، وليحول الخلفاء جهد الإمكان دون خروج الولاة والقادة عليهم عند سنوح الفرصة المناسبة لهم للخروج. ومن تلك الأساليب الخاصة التي يسيطر بها الخلفاء على ولاتهم وقادتهم، وبخاصة أولئك الذين يعملون في الأصقاع النائية عن عاصمة الخلافة، هي إرسال مَن يعتمدون عليه من الرجال، لينقل إليهم بدقّة وسرعة وأمانة كل ما يراه الخلفاء ضرورياً لجعلهم مطمئنين على سير الأمور في مختلف البلاد والأمصار كما يريدون (٢). وكان مغيث أحد هؤلاء الذين كان الوليد بن عبد الملك يعتمد عليهم، وقد وقع بينه وبين طارق، ثم وقع بينه وبين موسى، فرحل معهما إلى دمشق، ثم عاد ظافراً عليها إلى الأندلس. وكان مغيث مشهوراً بحسن الرأي والكيد (٣)، وكان يطمع بولاية الأندلس، فلما عزم سليمان على تولية طارق بن زياد، استشار مغيثاً، فصرفه عن عزمه، وقد بالغ في إذاية موسى عند سليمان (٤). والظاهر أن مغيثاً لم يدّخر وسعاً في تشويه سمعة موسى عند الوليد بن عبد الملك، وعند سليمان بن عبد الملك من بعده، طموحاً لتولي الأندلس من بعد موسى، ولكن كان مغيث صادقاً في اتهامه، إذ حقّق سليمان جميع ما رُمي به موسى عنده، فأغرمه غرماً عظيماً (٥). ولا شك في نزاهة موسى بن نصير، ولكنه كان على جانب عظيم من الجود

стр. 448

والكرم، فأعطى من الغنائم مَن أعطى، ولم يستأثر بما أخذ منها لنفسه ولمصلحته الشخصية حسب (١). لقد كان مغيث مخلصاً لبني أميّة، أميناً على مصلحتهم، ساهراً على جمع المعلومات التي تعمّهم، وكان ضابط مخابرات لهم من الطراز الأول. وقد عاد إلى الأندلس بعد رحيل موسى وطارق برفقته إلى دمشق، وأنجب في الولادة، فصار منهم بنو مغيث الذين نجبوا في قرطبة، وسادوا وعظم بيتهم، وتفرعت دَوْحَتُهم، وكان منهم عبد الرحمن بن مغيث حاجب عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) صاحب الأندلس وغيره (٢)، وقد فتح قرطبة، فدخل بلاط صاحبها واختطّه (٣)، ومعنى ذلك أنه أضاف إليه إضافات جديدة، ثم وهبه موسى بن نصير إلى مغيث مع أرضه (٤) كما ذكرنا ذلك قبل قليل. ووقع بينه وبين طارق بن زياد، ثم وقع بينه وبين موسى بن نصير (٥)، مشاكل ومشادّات، وهذا ما يحدث بالطبع بين القائد ومَنْ معه، وبخاصة في الظروف القتالية الصّعبة. ولمغيث من الشعر ما يجوز كَتْبه، فمن ذلك شعر خاطب به موسى بن نصير ومولاه طارقاً، يكفي منه هنا قوله: أَعَنْتُكُمُ ولكِنْ ما وَفَيْتُمُ ... فسوفَ أَعيثُ في غربٍ وشرق (٦) ويبدو من شعره هذا، أنّه كان عاتباً على موسى وطارق، فنفّس عن نفسه بالشعر الذي منه هذا البيت. وقد تأدّب بدمشق مع بني عبد الملك، فأفصح بالعربية، وصار يقول من

стр. 449

الشعر والنثر ما يجوز كَتْبُه. وعنوان طبقته في النثر، أن موسى بن نصير قال له، وقد عارضه بكلام في محفلٍ من الناس: "كُفَّ لسانك"، فقال: "لساني كالمفصل، ما أكفّه إلاّ حيث يقتل" (١). ومن الصعب تقدير منزلته شاعراً وناثراً، بهذا البيت من الشعر، وهذا المقطع من النثر، ولكنهما دليل على كل حال أنه أفصح بالعربية، وهو الرومي نسباً، العربي لساناً. وكان مشهوراً بحسن الرأي والكيد، فقد ذكروا أنه لما حصل بيده صاحب قرطبة وحريمه، رأى فيهنّ جارية كأنّها بينهنّ بدر بين نجوم، وهي تكثر التعرّض له بجمالها، فوكل بها مَن عرض عليها العذاب إن لم تُقِرَّ بما عزمت عليه في شأن مغيث، وأنه قد فطن من كثرة تعرّضها له بحسنها لما أضمرته له من المكر، فأقرّت أنها أكثرت التعرّض له لتقع في قلبه، إذ حُسْنُها فَتَّان، وقد أعدّت له خرقة مسمومة لتمسح بها ذَكَرَه عند وقاعها، فحمد الله تعالى على ما ألهمه إليه من مكرها، وقال: "لو كان نفس هذه الجارية في صدر أبيها، ما أخذت قرطبة من ليلة" (٢). وأراد سليمان عبد الملك، أن يصرف سلطان الأندلس إلى طارق بن زياد، فاستشار سليمان مغيثاً في تولية طارق، فقال له: "كيف أمره بالأندلس؟ "، فقال مغيث: "لو أمر أهلها بالصلاة إلى أي قبلة شاءها لتبعوه ولم يروا أنهم كفروا"، فعملت هذه المكيدة في نفس سليمان، وبدا له في ولايته. ولقيه طارق بعد ذلك، فقال له: "ليتك وصفت أهل الأندلس بعصياني، ولم تضمر في الطاعة ما أضمرتَ"، فقال مغيث: "ليتك تركتَ لي العِلْجَ فتركتُ لك الأندلس"، وكان طارق قد أراد أن يأخذ منه صاحب قرطبة الذي حصل في يده، فلم يمكنه منه، فأغرى به سيّده موسى بن نصير، وقال له: "يرجع إلى دمشق، وفي يده عظيم من عظماء الأندلس، وليس في أيدينا مثله، فأي فضل

стр. 450

يكون لنا عليه؟ "، فطلبه منه، فامتنع من تسليمه، فهجم موسى على العلج وانتزعه من مغيث، ثم ضرب عنقه (١)، كما ذكرنا. فإذا صحّت هذه الروايات أو لم تصحّ، فإنه كما قيل عنه: كان مشهوراً بالرأي والكَيْد، وأنه كان على جانب كبير من الذكاء والفطنة وحضور البديهة، وأنه كان منتبهاً أشدّ الانتباه إلى ما حوله ومَنْ حوله، وليس من السهولة أن يُؤخذ على حين غُرّة، أو يتغلب عليه أحد، وأنه كان طموحاً يحب التملّك والمال حبّاً جمّاً. لذلك كان أحد مسئولي مخابرات الدولة الكبار المرموقين، الذين يفرض كفايته على الخلفاء، فاستعان به الوليد بن عبد الملك، ثم استعان به سليمان بن عبد الملك (٢)، دون أن يستطيع الاستغناء عنه أو يُسدل عليه ستاراً من ستائر النسيان. حتى الخليفة هشام بن عبد الملك الذي تولى الخلافة سنة خمس ومائة الهجرية (٣) (٧٢٣ م) بعد موت يزيد بن عبد الملك، الذي خلف عمر بن عبد العزيز، الذي خلف سليمان بن عبد الملك، الذي خلف الوليد عبد الملك، الخليفة هشام هذا الذي أخرج أحد قادته إلى إفريقية (٤)، عهد إليه أن يطيع مغيثاً مولى الوليد، لمعرفته بالبلد (٥)، مما يدل على أنه بقي غير مجهول المكانة والمكان لكفاياته المتميّزة، وإخلاصه للبيت الأموي إخلاصاً لا شائبة فيه. ولكن مغيثاً قُتِل في إفريقية (٦)، في منطقة طنجة، وكان مع جيش الدولة في قتال الخارجين من البربر، وكان قتله سنة ثماني عشر ومائة الهجرية (٧) (٧٣٦ م). فإذا كان عبد الملك قد أدّب مغيثاً مع ولده الوليد بن

стр. 451

عبد الملك (١)، فمات الوليد سنة ست وتسعين الهجرية (٢) (٧١٤ م) عن اثنتين وأربعين سنة (٣)، فمعنى ذلك أن الوليد قد ولد سنة أربع وخمسين الهجرية (٦٧٣ م)، ومغيث بعمر الوليد، أكبر منه قليلاً أو أصغر منه قليلاً، لأن عبد الملك بدأ في تأديبهما في سنة واحدة، أي أن مولد مغيث كان سنه أربع وخمسين الهجرية (٦٧٣ م)، ووفاته كانت سنة ثماني عشرة ومائة الهجرية (٧٣٦ م)، أي أن عمره كان أربعاً وستين سنة قمرية، وثلاثة وستين شمسيّة. وقد أنْسَلَ مغيث في قُرطبة بني مغيث (٤)، ولا علم لنا بعددهم ولا بأخبارهم، عدا ما ذكر عن أن عبد الرحمن بن مغيث تولّى منصب الحجابة لعبد الرحمن الداخل (٥) لا أكثر ولا أقل، وأخبار مغيث على العموم إنساناً قليلة للغاية، وبالرغم من قِلّة أخباره، فإنه يبدو أنه كان إنساناً عظيماً. القائد تدرّب مغيث على الركوب، وأخذ نفسه بالإقدام في مضايق الحروب، حتى تخرّج في ذلك تخرُّجاً أهّله للتقدم على الجيش الذي فتح قرطبة، وكان مشهوراً بحسن الرأي والكيد (٦)، وقد وجهه الوليد بن عبد الملك إلى الأندلس غازياً، ففتح قرطبة (٧)، وكان على خيل طارق بن زياد (٨) في الأندلس. تلك عناصر شخصية مغيث القيادية: تدريب لا يقتصر على الفروسية

стр. 452

واستعمال السلاح والقضايا التعبويّة، بل يشمل التدريب العنيف فى تحمل المشاق والصبر على المكاره واجتياز العقبات، ومواجهة المعضلات بحسن الرأي لا بحدّة العاطفة حتى يجد لكل معضلة حلاً مناسباً، وقدرة على إعداد الخطط المرنة السليمة القابلة للتنفيذ المؤدية للنصر. هذه المزايا القيادية، تجتمع في مجاهد، لا يتخلف عن الجهاد، ويعتبره على المسلم فرضاً، رشّحته لقيادة الفرسان، لأنه سريع الحركة، ألمعي الذكاء، فلما نجح في مهمّته قائداً للفرسان، تسنّم قيادة مستقلة، فى جبهة حيوية من جبهات القتال، فأثمرت كفاياته ومزاياه وجهاده فتحاً مبيناً، فكان فتح قرطبة إحدى تلك الثمرات. وظل مجاهداً في ساحات الجهاد الإفريقية والمغربية والأندلسية، حتى آخر لحظة من لحظات حياته، فسقط مضرجاً بدمائه دون أن يسقط السيف من يده. فإذا تجاوزنا مجمل عناصر سماته القيادية، إلى تعداد تفاصيل تلك السمات بإيجاز شديد، وجدنا أنه صاحب قرار صحيح سريع، لأنه ألمعي في عسكريته، ذكي في فطرته، حريص على جمع المعلومات عن عدوه وعن الأرض التي ستكون ميداناً لجهاده. وكان يتحلى بالشجاعة الشخصية النادرة، فهو الذي تربّص بصاحب قرطبة، وهو الذي طارده وحده دون الاستعانة برجاله، وهو الذي أسره وقاده إلى معسكر المسلمين، الواقع أن الأثر الشخصي لشجاعة مغيث النادرة، واضح كل الوضوح، ليس في سير الأحداث لفتح قرطبة فسحب، بل في سائر أعماله في القتال، حتى وهب روحه رخيصة دفاعاً عن تماسك المسلمين ووحدتهم. وصيانة لحاضر الفتوح ومستقبلها. وكان ذا إرادة قوية لا تلين، فإذا أيقن بأنه على صواب، لم يتهاون في وضع الأمور في نصابها، مستسهلاً الصعب، مستهيناً بالخطر. وكان يتحمل المسئولية ويحبها، ولا يتهرب منها أو يتخلى عنها، محاولاً

стр. 453

إلقاءها على عواتق الآخرين. وكان له نفسية متماسكة رصينة، لا تتبدّل في حالتي اليسر والعسر، والنصر الاندحار. وكان يسبق النظر، ويضع نفسه موضع العدو، ويفكِّر بما عساه أن يفعل لو كان مكانه، ثم يُعِدّ لكل ما يتوقعه من نشاطات معادية وخطط، ما يكون مستعداً به سَلَفاً لمعالجة التحديات، فلا يؤخذ على حين غرة، ويكون مستعداً باستمرار لمعالجة ما يتوقعه من أحداث، في المكان والزمان الجازمين. وكان على معرفة دقيقة بنفسيات رجاله وقابلياتهم بخاصة، لأنه على اتصال مباشر مستمر، وبنفسيات وقابليات الفاتحين في الأندلس بعامة، لأنه المسئول الأول عن المخابرات في الأندلس، ومن واجبه أن يعرف نفسيات الفاتحين وقابلياتهم، ليكون قادراً على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وكان يثق برجاله ويثقون به، ويثق برؤسائه ويثقون به، وكان موضع ثقة الخليفة بالذات وموضع اعتماده. وكان يحب رجاله ويحبونه، وكان موضع حب الخليفة وموضع رجائه، فقد كانا معاً صغيرين، وتعلما معاً، وعاشا معاً، وأصبح مصيراهما مصيراً واحداً، كأنهما أخَوَان وليسا بأخوين. وكان يتمتع بشخصية قوية نافذة، يحسب حسابها الكبير قبل الصغير، حتى لكأنّ شخصيته كانت طاغية على شخصية موسى بن نصير وطارق بن زياد (١)، وقد وقع بينه وبين طارق، ثم وقع بينه وبين موسى سيِّد طارق، مما يدل على قوة شخصيته. وكان يتمتع بقابلية بدنية متميّزة، فقد كان في شبابه يوم كان في الأندلس أيام الفتح، وظلّ متمتِّعاً بقابليته البدنية الفائقة حتى آخر يوم من أيامه، حيث

стр. 454

كان يمارس القتال في ميادين الجهاد أقوى ما يكون على تحمل مشاق القتال. وقد نصّت المصادر المعتمدة، على أنه تدرب في فتوّته على مصاعب التدريب العنيف، استعداداً لأيام الجهاد. وكان من ذوي الماضي الناصع المجيد، فقد عاش وتربّى في دار الخلافة، بإشراف الخليفة، مع أبنائه، وكان مولى الوليد بن عبد الملك، وليس ذلك بالقليل. وأضاف إلى ذلك جهاده في الأندلس وفتحه قرطبة، فأصبح الجدّ الأول لآل بيته: بني مغيث، الذين صار لهم شأن في الأندلس وبخاصة في مدينة قرطبة. وكان يعرف مبادئ الحرب ويطبقها بشكل تلقائي، ومن المعروف أن مبادئ الحرب ثابتة في كل زمان ومكان، وهي لا تتبدّل أبداً، أما أساليب الحرب، فهي التي تتبدّل بتبدّل العوامل المختلفة، كتبدّل الأسلحة وتطورها، وتبدّل وسائل النقل، إلى غير ذلك من العوامل المعروفة. فقد كان مغيث ماهراً في اختيار المقصد وإدامته، لذكائه وتيسّر المعلومات الوافية لديه عن عدوّه، فإذا وضع الخطة المناسبة لتحقيق مقصده، سار بخطوات ثابتة على طريق تحقيقه، ولا يتهاون في بذل ما يستطيع من جهد في سبيل جعل مقصده واقعاً، بعد أن كان خطّة فقط. وكان قائداً: تعرّضياً، لم يتّخذ أسلوب الدفاع في جهاد، لأنه يعلم أن المدافع لا ينتصر، والمنتصر هو الذي يتعرّض، ويديم تعرّضه. وكان يطبّق مبدأ: المباغتة، فقد باغت صاحب قرطبة بعبور أسوار المدينة، وباغته بقطع الماء على كنيسته، وباغته بمطاردته وأسره. وكان يحشد قوته، ويستفيد من طاقاتها كافة في تحقيق هدفه، ولا يتخلّى عن قسم منها ليبقى متعطلاً دون جدوى. ولكنه كان: يقتصد بالمجهود، فيحرص على أرواح رجاله حرصه على روحه، ولا يغرِّر بهم أو يعرِّضهم للتهلكة، ويضع القوة المناسبة لتحقيق الهدف المناسب.

стр. 455

وكان يحرص غاية الحرص على أمن رجاله، وقد باغت عدوّه في مواقف كثيرة، ولا نعرف أن عدوه باغت رجاله في موقف واحد، مما يدلّ على حرصه الفائق على تأمين الأمن لرجاله. وكانت خططه مرنة، قابلة للتطوير والتحوير، وليست جامدة لا تُطور ولا تحوّر، وكانت قابلية الحركة في قوّته سريعة نسبيّاً، فقد كان رجاله من الفرسان، وليس فيهم من المشاة. وكان يطبق مبدأ: التعاون، بين رجاله أولاً، وبينهم وبين الأدلاء من جماعة يُلْيَان ثانياً، وبينهم وبين المتعاونين معهم ومعه من سكان البلاد الأصليين ثالثاً، وبينهم وبين القيادة العامة للمسلمين في الأندلس رابعاً وأخيراً. وكان يديم معنويات رجاله، بالعقيدة الراسخة، والقيادة الواعية، والانتصارات المتعاقبة، فكانت معنويات رجاله عالية إلى أبعد الحدود، وهذا ما يعلل لنا إقدامهم وهم في سبعمائة فارس، على فتح قرطبة، التي كانت من أكبر مدن الأندلس، إن لم تكن أكبرها. وكان يهتم غاية الاهتمام بأمور رجاله الإدارية، فلا نعلم أنهم عانوا من نقص في أحد نواحيها، وقد كان مجاهدو الأندلس، من الناحية الإدارية، في بحبوبة يُغبَطون عليها من مجاهدي ساحات الفتوح الأخرى شرقاً وغرباً، ومع ذلك فقد كان من سمات المجاهدين حينذاك التقشف المطلق، لأنهم كانوا معنيين بأرواحهم أكثر بكثير من عنايتهم بأجسادهم، فإذا أصاب أحدهم شيئاً من السَّويق والتّمر ليسدّ بهما رمقه حمد الله وشكره. وكان يساوي نفسه برجاله، ولا يتميّز عليهم بشىء، ويعيش كما يعيشون، في الخيام تارة، وفي العراء تارة أخرى، ويشاركهم في السرّاء والضرّاء وقد يستأثر دونهم بالخطر، ويؤثرهم بالأمن، كما فعل بمطاردة صاحب قرطبة وحده، معرِّضاً نفسه للخطر، دون أن يستعين برجل من رجاله ليعينه في مطاردة صيده السّمين.

стр. 456

وقد كان يطبِّق مبدأ الشّورى، أسوة بالقادة المسلمين، الذين كانوا لا ينفكون يطبّقون هذا المبدأ في الحرب، وقد ظل مستشاراً للمسئولين طيلة حياته، قادة وولاة وخلفاء، حتى قُتل وهو يمارس مهنة المستشار للقائد في أصعب الظروف والأحوال، بإيعاز من الخليفة هشام بن عبد الملك الذي أمر القائد أن يستشيره ويستفيد من خبرته وتجاربه. ولعل أوضح ما كان يتميز به مغيث من سمات، هو هوايته العارمة لجمع الأخبار والمعلومات من شتى مصادرها، واستغلال تلك الأخبار والمعلومات لمصلحة الإسلام والمسلمين، ولمصلحة ولاة أمورهم من خلفاء وقادة وولاة. ولا عجب في ذلك، فقد كان صاحب سر الخليفة "رجل مخابرات" في الأندلس، وكان مجاهداً من الطراز الأول وقائداً فاتحاً. مُغِيْث في التاريخ يذكر التاريخ لمغيث، أنه كان صاحب سرّ الخليفة الوليد بن عبد الملك في الأندلس، وكان المسئول الأول أمام الخليفة عن أمن المسلمين الفاتحين في الأندلس. ويذكر له، أنه شارك مشاركة وثيقة في فتح الأندلس، وأنه فتح مدينة قرطبة، وأنه مجاهد صادق وقائد فاتح. ويذكر له، أنه كان يتمتع بكفاية عالية جداً في جمع الأخبار والمعلومات، وكان يستفيد منها قائداً، ويفيد بها الخلافة أيضاً. ويذكر له، أنه فرض كفايته على الخلفاء بعد الوليد بن عبد الملك، فظل موضع ثقة الخلفاء، حتى قُتل على عهد هشام بن عبد الملك. ويذكر له، أنه حرص على واجباته، مجاهداً وقائداً ومستشاراً، طيلة حياته، وبقي موضع ثقة القادة والولاة والخلفاء في إفريقية والمغرب

стр. 457

والأندلس ودمشق. ويذكر له، أنه قُتل في معركة على الخارجين، فسقط مضرجاً بدمائه دون أن يسقط السيف من يده. رحم الله مغيثاً، القائد الفاتح، المجاهد الصادق، صاحب سرّ الخلفاء وموضع ثقتهم، جزاء ما قدّم من أعمال جليلة، في الفتح وفي بناء الدولة والدفاع عن حاضرها ومستقبلها.

стр. 458

فهرس الجزء الأول الموضوع ...................................................... الصفحة - ترجمة المؤلف ...................................................... ٧ الأندلس وما جاورها وجزر البحر المتوسط قبل الفتح الإسلامي وفي أيامه الأولى ١ الموقع والحدود ................................................ ٥٥ ٢ المدن .......................................................... ٥٨ - جزيرة، الجزيرة الخضراء ....................................... ٥٨ - طليطلة، قرطاجنّة الجزيرة، بنبلونة .............................. ٥٩ - قرطبة، شقندة، شذونة ........................................ ٦٠ - إستجة، قادس، مرسية، شريش ................................ ٦١ - المدور، إشبيلية، مالقة ......................................... ٦٢ - إلبيرة، غرناطة، تدمير، أوريولة ................................ ٦٣ - جيان، جليقية، أسترقة ........................................ ٦٤ - طلبيرة، أكشونبة، قرمونة، رعواق، لبلة ....................... ٦٥ - باجة، ماردة، لقنت .......................................... ٦٦ - قشتالة، سرقسطة، وشقة، لاردة، طركونة .................... ٦٧ - برشلونة، أماية، ليون، بلنسية ................................ ٦٨ - أربونة، قرقشونة، بلانة ...................................... ٦٩ - مولة، بسقرة، إلة، لورقة، يابرة، شنترين ...................... ٧٠ - قلمرية، اشتورش، لشبونة، بطليوس، مدينة وليد .............. ٧١ - المرية، وادي الحجارة، مدينة سالم، دانية ...................... ٧٢ - تطيلة، طرطوشة، شنب ياقب، سلمنكة ...................... ٧٣ - قورية، برغش، قسطلونة، استوريس، أبدة .................... ٧٤ - بياسة، بربطانية، ببشتر ...................................... ٧٥ - بقيرة، برمنش، قبرة، بيانة، قلهرة ............................ ٧٦

стр. 459

- قلعة أيوب، قلعة رباح، جبل طارق، المنكب ......................... ٧٧ - شوذر، مجريط، ميرتلة، منت شون، منت لون، ترجيلة ............... ٧٨ - شنتمرية، شنتبرية، طولوز، شاطبة ................................... ٧٩ - طرش، برذيل، الأرض الكبيرة، المنارة ............................... ٨٠ - بربشتر، أقليش، قونكة، البسيطة، شنتجالة .......................... ٨١ - ليون، طلمنكة، زمورة، كورنية ..................................... ٨٢ - الحمة، أراغون، نبارة، ترول ........................................ ٨٣ - جريقة ............................................................. ٨٤ ٣ الثغور الأندلسية - الثغر الأعلى ....................................................... ٨٥ - الثغر الأوسط ...................................................... ٨٥ - الثغر الأدنى ........................................................ ٨٦ ٤ جبال الأندلس ٥ الأنهار - نهر إبرة، الوادي الكبير ............................................. ٩٠ - نهر تاجة، النهر الأبيض ............................................. ٩١ - المجمل ............................................................. ٩٢ السكان الموارد الاقتصادية ................................................... ١٠١ - المناخ العام ....................................................... ١٠١ - الموارد الزراعية والحيوانية ........................................ ١٠٣ - المعادن و الأحجار الكريمة ....................................... ١٠٦ - المصنوعات الأندلسية والتصدير .................................. ١١١ تاريخ الأندلس قبل الفتح الإسلامي وفي أيامه الأولى ١ في أوربا وإفريقية ................................................ ١١٥ ٢ في إسبانيا ....................................................... ١٢٥ - يليان ........................................................... ١٤٢ - يليان و المسلمون الفاتحون ....................................... ١٤٥

стр. 460

فتح الأندلس - الموقف العام .................................................... ١٥١ - فتح طريف ..................................................... ١٥٥ - فتح طارق بن زياد .............................................. ١٥٦ الفتح المشترك - فتح موسى بن نصير ............................................. ١٥٧ - فتح مغيث الرومي، فتح عبد العزيز بن موسى .................... ١٥٧ - فتح عبد الأعلى، فتح عبد الله ................................... ١٥٨ - فتح السمح ..................................................... ١٥٩ عبرة الفتح - التوقيت ......................................................... ١٦٠ - أسباب النصر ................................................... ١٦٢ حضارة العرب والمسلمين في الأندلس - الجذور ......................................................... ١٦٥ - العرب في أوج مجدهم ........................................... ١٧٥ - مدينة النور والحب .............................................. ١٨٤ - علوم العرب وآدابهم ............................................ ١٩٢ الكارثة ............................................................ ٢٠٦ طارق بن زياد فاتح شطر الأندلس - نسبه وأيامه الأولى .............................................. ٢١٦ - في فتح طنجة ................................................... ٢٢١ جهاده في الأندلس ١ مقدمات الفتح - الأسباب ........................................................ ٢٢٧ - الاستطلاع ..................................................... ٢٣٣ ٢ الفتح - الخطة العامة ................................................... ٢٣٧ - المناوشات التمهيدية ............................................ ٢٤٢ معركة وادي برباط، المعركة الحاسمة في فتح الأندلس
следующие страницы →