← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقد كان يطبِّق مبدأ الشّورى، أسوة بالقادة المسلمين، الذين كانوا لا ينفكون يطبّقون هذا المبدأ في الحرب، وقد ظل مستشاراً للمسئولين طيلة حياته، قادة وولاة وخلفاء، حتى قُتل وهو يمارس مهنة المستشار للقائد في أصعب الظروف والأحوال، بإيعاز من الخليفة هشام بن عبد الملك الذي أمر القائد أن يستشيره ويستفيد من خبرته وتجاربه. ولعل أوضح ما كان يتميز به مغيث من سمات، هو هوايته العارمة لجمع الأخبار والمعلومات من شتى مصادرها، واستغلال تلك الأخبار والمعلومات لمصلحة الإسلام والمسلمين، ولمصلحة ولاة أمورهم من خلفاء وقادة وولاة. ولا عجب في ذلك، فقد كان صاحب سر الخليفة "رجل مخابرات" في الأندلس، وكان مجاهداً من الطراز الأول وقائداً فاتحاً. مُغِيْث في التاريخ يذكر التاريخ لمغيث، أنه كان صاحب سرّ الخليفة الوليد بن عبد الملك في الأندلس، وكان المسئول الأول أمام الخليفة عن أمن المسلمين الفاتحين في الأندلس. ويذكر له، أنه شارك مشاركة وثيقة في فتح الأندلس، وأنه فتح مدينة قرطبة، وأنه مجاهد صادق وقائد فاتح. ويذكر له، أنه كان يتمتع بكفاية عالية جداً في جمع الأخبار والمعلومات، وكان يستفيد منها قائداً، ويفيد بها الخلافة أيضاً. ويذكر له، أنه فرض كفايته على الخلفاء بعد الوليد بن عبد الملك، فظل موضع ثقة الخلفاء، حتى قُتل على عهد هشام بن عبد الملك. ويذكر له، أنه حرص على واجباته، مجاهداً وقائداً ومستشاراً، طيلة حياته، وبقي موضع ثقة القادة والولاة والخلفاء في إفريقية والمغرب

стр. 457

والأندلس ودمشق. ويذكر له، أنه قُتل في معركة على الخارجين، فسقط مضرجاً بدمائه دون أن يسقط السيف من يده. رحم الله مغيثاً، القائد الفاتح، المجاهد الصادق، صاحب سرّ الخلفاء وموضع ثقتهم، جزاء ما قدّم من أعمال جليلة، في الفتح وفي بناء الدولة والدفاع عن حاضرها ومستقبلها.

стр. 458

فهرس الجزء الأول الموضوع ...................................................... الصفحة - ترجمة المؤلف ...................................................... ٧ الأندلس وما جاورها وجزر البحر المتوسط قبل الفتح الإسلامي وفي أيامه الأولى ١ الموقع والحدود ................................................ ٥٥ ٢ المدن .......................................................... ٥٨ - جزيرة، الجزيرة الخضراء ....................................... ٥٨ - طليطلة، قرطاجنّة الجزيرة، بنبلونة .............................. ٥٩ - قرطبة، شقندة، شذونة ........................................ ٦٠ - إستجة، قادس، مرسية، شريش ................................ ٦١ - المدور، إشبيلية، مالقة ......................................... ٦٢ - إلبيرة، غرناطة، تدمير، أوريولة ................................ ٦٣ - جيان، جليقية، أسترقة ........................................ ٦٤ - طلبيرة، أكشونبة، قرمونة، رعواق، لبلة ....................... ٦٥ - باجة، ماردة، لقنت .......................................... ٦٦ - قشتالة، سرقسطة، وشقة، لاردة، طركونة .................... ٦٧ - برشلونة، أماية، ليون، بلنسية ................................ ٦٨ - أربونة، قرقشونة، بلانة ...................................... ٦٩ - مولة، بسقرة، إلة، لورقة، يابرة، شنترين ...................... ٧٠ - قلمرية، اشتورش، لشبونة، بطليوس، مدينة وليد .............. ٧١ - المرية، وادي الحجارة، مدينة سالم، دانية ...................... ٧٢ - تطيلة، طرطوشة، شنب ياقب، سلمنكة ...................... ٧٣ - قورية، برغش، قسطلونة، استوريس، أبدة .................... ٧٤ - بياسة، بربطانية، ببشتر ...................................... ٧٥ - بقيرة، برمنش، قبرة، بيانة، قلهرة ............................ ٧٦

стр. 459

- قلعة أيوب، قلعة رباح، جبل طارق، المنكب ......................... ٧٧ - شوذر، مجريط، ميرتلة، منت شون، منت لون، ترجيلة ............... ٧٨ - شنتمرية، شنتبرية، طولوز، شاطبة ................................... ٧٩ - طرش، برذيل، الأرض الكبيرة، المنارة ............................... ٨٠ - بربشتر، أقليش، قونكة، البسيطة، شنتجالة .......................... ٨١ - ليون، طلمنكة، زمورة، كورنية ..................................... ٨٢ - الحمة، أراغون، نبارة، ترول ........................................ ٨٣ - جريقة ............................................................. ٨٤ ٣ الثغور الأندلسية - الثغر الأعلى ....................................................... ٨٥ - الثغر الأوسط ...................................................... ٨٥ - الثغر الأدنى ........................................................ ٨٦ ٤ جبال الأندلس ٥ الأنهار - نهر إبرة، الوادي الكبير ............................................. ٩٠ - نهر تاجة، النهر الأبيض ............................................. ٩١ - المجمل ............................................................. ٩٢ السكان الموارد الاقتصادية ................................................... ١٠١ - المناخ العام ....................................................... ١٠١ - الموارد الزراعية والحيوانية ........................................ ١٠٣ - المعادن و الأحجار الكريمة ....................................... ١٠٦ - المصنوعات الأندلسية والتصدير .................................. ١١١ تاريخ الأندلس قبل الفتح الإسلامي وفي أيامه الأولى ١ في أوربا وإفريقية ................................................ ١١٥ ٢ في إسبانيا ....................................................... ١٢٥ - يليان ........................................................... ١٤٢ - يليان و المسلمون الفاتحون ....................................... ١٤٥

стр. 460

فتح الأندلس - الموقف العام .................................................... ١٥١ - فتح طريف ..................................................... ١٥٥ - فتح طارق بن زياد .............................................. ١٥٦ الفتح المشترك - فتح موسى بن نصير ............................................. ١٥٧ - فتح مغيث الرومي، فتح عبد العزيز بن موسى .................... ١٥٧ - فتح عبد الأعلى، فتح عبد الله ................................... ١٥٨ - فتح السمح ..................................................... ١٥٩ عبرة الفتح - التوقيت ......................................................... ١٦٠ - أسباب النصر ................................................... ١٦٢ حضارة العرب والمسلمين في الأندلس - الجذور ......................................................... ١٦٥ - العرب في أوج مجدهم ........................................... ١٧٥ - مدينة النور والحب .............................................. ١٨٤ - علوم العرب وآدابهم ............................................ ١٩٢ الكارثة ............................................................ ٢٠٦ طارق بن زياد فاتح شطر الأندلس - نسبه وأيامه الأولى .............................................. ٢١٦ - في فتح طنجة ................................................... ٢٢١ جهاده في الأندلس ١ مقدمات الفتح - الأسباب ........................................................ ٢٢٧ - الاستطلاع ..................................................... ٢٣٣ ٢ الفتح - الخطة العامة ................................................... ٢٣٧ - المناوشات التمهيدية ............................................ ٢٤٢ معركة وادي برباط، المعركة الحاسمة في فتح الأندلس

стр. 461

- الموقف العام .................................................... ٢٤٧ (أ) الخطبة، الرفض ................................................ ٢٥٤ - القبول ......................................................... ٢٥٩ خطبة طارق من المصادر والمراجع - نص ابن حبيب ................................................ ٢٦٦ - نص ابن قتيبة .................................................. ٢٦٦ - نص الطرطوشي ............................................... ٢٦٧ - نص الاشبيلي ................................................. ٢٦٩ - نص ابن خلكان ............................................... ٢٧١ - نص ابن الشباط ............................................... ٢٧٣ - نص ابن هذيل ................................................ ٢٧٤ - نص المقري ................................................... ٢٧٦ (ب) حرق السفن ............................................... ٢٨٢ سير المعركة الحاسمة (أ) قوات الطرفين ............................................... ٢٨٤ (ب) التوقيت ................................................... ٢٨٦ (ج) ميدان القتال ............................................... ٢٨٦ (د) سير القتال .................................................. ٢٨٩ فتوح طارق قبل عبور موسى إلى الأندلس (أ) الموقف العام ................................................. ٣٠٢ (ب) فتوح المدن الثانوية ......................................... ٣٠٣ (ج) فتح قرطبة ................................................. ٣٠٩ (د) فتح طليطلة ................................................ ٣١٠ فتوح طارق بعد عبور موسى (أ) بين موسى وطارق .......................................... ٣١٧ (ب) فتوح موسى قبل لقاء طارق .............................. ٣٢٦ (ج) لقاء القائدين .............................................. ٣٢٨ (د) الفتح المشترك ............................................. ٣٣٣ الإنسان ....................................................... - عودة القائدين إلى دمشق .................................... ٣٤٦ - أسباب استدعاء موسى وطارق .............................. ٣٥٣ الرجل ........................................................ ٣٦٣ القائد ......................................................... ٣٦٨ - سماته القيادية عامة .......................................... ٣٦٨ - طارق ومزايا القيادة العامة .................................. ٣٨١ - في تطبيق مبادئ الحرب ..................................... ٣٨٩

стр. 462

- نقطة الضعف ................................................... ٤٠٢ مجمل السمات (أ) سماته الخاصة .................................................. ٤١٠ (ب) سماته العامة .................................................. ٤١١ طارق في التاريخ .................................................. ٤١٣ طريف بن مالك ................................................... ٤١٦ - نسبه وأيامه الأولى .............................................. ٤١٦ - الفاتح .......................................................... ٤١٨ - الإنسان ........................................................ ٤٢١ - القائد .......................................................... ٤٢٧ - طريف في التاريخ ............................................... ٤٣٣ مغيث الرومي ..................................................... ٤٣٤ - نسبه وأيامه الأولى .............................................. ٤٣٤ - الفاتح .......................................................... ٤٣٧ - الإنسان ........................................................ ٤٤٣ - القائد .......................................................... ٤٥٢ - مغيث في التاريخ ............................................... ٤٥٧

стр. 463

قَادَةُ فَتْحِ الأَنْدَلُس اللِّوَاءُ الرُّكن محمُود شيت خطّابْ ﵀ المُجَلدُ الثَاني مُؤَسَسَة عُلُوم القُرْآن بيروت مَنَار للنّشر والتَوْزِيع دمشق

стр. 464

جمَيع الحقوق محفوظة الطّبعَة الاولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

стр. 465

السَّمْح بن مالك الخَوْلانِيّ فاتح شطر جنوبيّ فرنسة نسبه وأيامه الأولى هو السَّمْح بن مالك الخَوْلانِيّ، نسبة إلى قبيلة خَوْلان. وخولان هو فَكْل بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرَّة بن أُدَد بن زيد بن يَشْجُب بن عَرِيْب بن زيد بن كَهْلان بن سَبأ (١). ولا نعلم عن أيامه الأولى شيئاً، وأوّل ذكر ورد له في بعض المصادر، هي: أنّ الخلفاء كانوا إذا جاءتهم جبايات الأمصار والآفاق، يأتيهم مع كلّ جباية عشرة رجال، من وجوه النّاس وأجنادها، فلا يدخل بيت المال من الجباية دينارٌ ولا درهمٌ، حتى يحلف الوفد بالله الذي لا إله إلاّ هو، ما فيها دينار ولا درهم إلاّ أُخِذَ بِحَقِّه، وأنّه فضل أعطيات أهل البلد من المقاتلة والذريّة، بعد أن أخذ كلّ ذي حقٍّ حقّه. وأتى وفد إفريقيَّة بخراجها، وذلك أنّها لم تكن يومئذٍ ثغراً، فكان ما فضل بعد أعطيات الأجناد وفرائض الناس ينقل إلى الخليفة، فلما وفدوا إلى الخليفة بخراج إفريقية في زمان سليمان بن عبد الملك أُمروا بأن يحلفوا، فحلف الثمانية، ونكل إسماعيل بن عُبيد الله مولى بني مخزوم (٢)، ونكل بنكوله السَّمح بن مالك الخولاني، فأعجب ذلك عمر بن عبد العزيز من فعلهما، ثمّ ضمَّهما إلى نفسه، فاختبر منهما صلاحاً وفضلاً؛ فلما ولي عمر بن عبد العزيز، ولّى إسماعيل إفريقيّة، وولّى السَّمح بن مالك الأندلس (٣)، وهذا يدل على أنّه كان يعمل في إفريقيّة على عهد

стр. 466

سليمان بن عبد الملك، وأئه كان بارزاً بين العاملين هناك، فيكون أحد أفراد الوفد الذين يحملون الخراج من إفريقية إلى عاصمة الخلافة في دمشق، ممثلاً لوالي إفريقية ومَن معه من الأجناد وأهل البلاد. الفاتح في شهر رمضان من سنة مائة الهجرية (نيسان - مايس = أبريل - مايوم ٧١٩ م)، ولّى عمر بن عبد العزيز على الأندلس السَّمح بن مالك الخولاني (١). ولمّا تولّى السَّمح الأندلس، نشطت حركة الفتوح عبر جبال البرتات (٢) نشاطاً عظيماً، لأنّ السَّمح كان رجلاً عميق الإيمان، جمّ النّشاط، فلم يكد يستقرّ في الأندلس، حتى نهض الفتح فيما وراء جبال البرتات، فتوغل في بلاد غالة (٣) (فرنسة)، وبالتحديد في جنوبيّ فرنسة. وعبر السَّمح على رأس جيشه جبال البَرْتات، ففتح مدينة أَرْبُوْنَة (٤) سنة مائة الهجرية (٧١٩ م) بعد حصار استمر ثمانية وعشرين يوماً، وكان فتحها عَنّوَة، ثم حصّنها وشحنها بالميرة نظراً لأهمية موقع هذه المدينة الجغرافي (٥)، ولا يزال في هذه المدينة شارع باسم

стр. 467

السَّمْح (١). وموقع أَرْبُوْنَة هو على ارتفاع عشرة أمتار فقط عن سطح البحر، وعلى مسافة أربعة عشر كيلو متراً منه إلى الشرق، ونهر الأود يمرّ بالقرب منها، والسهول التي بينها وبين البحر كونتها الرواسب التي أبقاها هذا النهر، ومناخ المدينة شبيه بمناخ المدن العربية، أي أنّها لطيفة الشتاء نادرة الثلج، حارة القَيْظ، لولا نسمات لطاف تهبّ عليها أحياناً من جهة البحر، فتخفِّف من حرارتها. وأكثر حاصلات أربونة من الكَرَم، وفيها جميع أشجار البلاد الحارة كالتين والزيتون والصُبَّيرة. ويمر بأربونة جدول اسمه: روبين ( La Robine) مشتق من قناة الجنوب المستمدة من نهر الأود. وأربونة من أقدم المدن، عثروا فيها على آثار الآدميين من العصر الحجريّ، وعلى قبور مما قبل التاريخ (٢). وهناك روايات تدلّ على أنّ موسى بن نُصَيْر (٣) أرسل سراياه، ففتحوا أربونة من جملة ما فتحوه (٤) وذلك سنة خمسٍ وتسعين الهجرية (٧١٤ م)، ولكن فتح موسى هذا لم يكن فتحاً مستداماً، إنّما كان فتحاً وقتيّاً بقوّات استطلاعية خفيفة، استطاعوا جمع المعلومات المفصّلة عن تلك المنطقة الحيوية من بلاد فرنسة، تمهيداً لفتحها مِن السَّمح بعد خمس سنين فقط. ويجدر بنا قبل أن نمضي في تتبّع غزوات السَّمح لأنحاء فرنسة، أن نقول كلمة موجزة في مملكة الفرنج. كان الفرنج شعب من القبائل الجرمانية، استقرّت منذ أواخر القرن الخامس للميلاد، بين نهر الرّين والبحر في إقليم فلاندز وما إليه - البلجيك الحديثة - ثم على ضفاف الرّين الوسطى والموز.

стр. 468

وفي نهاية القرن الخامس الميلادي كان زعيم هذه القبائل أمير شجاع يدعى كلوفيس، بدأ حكمه في مدينة تورني، وفي سنة (٤٨٦ م) غزا شمالي فرنسة وانتزعه من يد الحاكم الروماني. ثم استولى على معظم جنوبي فرنسة، واعتنق النصرانية وجعل باريس عاصمة له. وتابع أبناء كلوفيس سياسته. فوسّعوا مملكتهم إلى شطر ألمانيا وإيطاليا. ولكن السلطة المركزية ضعفت بالتدريج، فأصبح لكل منطقة أمير. وكان أمير منطقة أكويتانا في جنوبي فرنسة هو الدوق أودو قوياً مسيطراً، وفي أيامه اخترق السّمح جنوبي فرنسة (١). وبعد أن انتهى السَّمح من أمر أربونة التي افتتحها عَنْوَة، وشحنها وشحن المدن المجاورة لها بالمجاهدين، واستكمل فتح ولاية سبتمانيا القوطيّة، توغّل في غالة حتى وصل إلى طَلُّوْزَة (٢) ( Toulouse) ، وكانت يومئذ عاصمة أكويتانا، وفي محاولة لفتح هذه المدينة بالقوّة، أحاطها المسلمون بالخنادق وبقيّة آلات الحصار. وكان أودو ( Eudo) دوق أكويتانا أحد أحفاد أسرة كلوفيس، أقوى أمراء الفرنج في جنوبي فرنسة وأشدّهم بأساً، وكان أثناء الاضطراب الذي ساد مملكة الفرنج، قد استقلّ بأكويتانا وبسط حكمه على القسم الأكبر جنوبي فرنسة، من الّلوار إلى البرنية، والتفّ حوله القُوْط والبُشْكَنْس، وأخذ يطمح إلى انتزاع حكم الفرنج أو ملك أسرته، ولكنّه اضطرّ إلى مقاومة المسلمين، وشُغل عن تحقيق طموحه. وكان السَّمح قد فتح ولاية سبتمانيا القوطيّة، وأقام فيها حكومة إسلامية، ووزّع الأرض بين المسلمين الفاتحين والسكّان الأصليين، وفرض الجزية

стр. 469

على النصارى، وترك لهم حريّة الاحتكام إلى شرائعهم. وفي زحفه نحو الشرق لفتح أكويتانا، قاومه البشكنس والقوط سكان تلك الأنحاء مقاومة عنيفة، ولكنّه تغلّب عليهم. وقصد طولّوز، وكان الدوق أودو قد حشد في تلك الأنحاء جيشاً ضخماً، فسار على رأس جيشه لردّ المسلمين. وعلم السَّمح بذلك، فارتدّ عن مهاجمة طولّوز، ليلقى جيش الدوق أودو، رغم تفوّق جيش الفرنج على جيش المسلمين بالعَدَد (١)، حتى وصف مؤرخو العرب كثرة جيش الفرنج بقولهم: "إنّ العِثْيَرْ (٢) المتطاير من زحف أقدامهم، كان يغطي عين الشمس من كثرتهم"، فتلا السَّمح لرجاله الآية الكريمة: ((*إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ*)) (٣). ولمّا تلاقى الجمعان، خُيِّل أنّ الجبال تلاقى بعضها ببعض، وكانت المعركة من أهول ما يتصوّره العقل، وكان السَّمح يظهر في كلّ مكان، وسيفه يقطر دماً وهو يرفع معنويات رجاله بقوله وبفعله، وكان كالفحل الهائج لا يردّ رأسه شيء، أو كالأسد الزائر يحمل على العدو فلا يقف أحد في وجهه (٤).

стр. 470

واشتد القتال بين الجانبين، وصبر المسلمون صبراً كريماً، حتى قُتلوا عن آخرهم - كما يقول ابن حيّان - وكانت جنود الفرنج قد تكاثرت على المسلمين وعليه، وأحاطت بالمسلمين (١)، فاستُشهد يوم التروية (٢) سنة اثنتين ومائة الهجرية (٣)، أو أنّه استُشهد يوم عَرَفة (يوم الحج) من سنة اثنتين ومائة الهجرية (١٠ حزيران - يونيو سنة ٧٢١ م) (٤). ولم تستطع فلول الجيش الإسلامي العودة، إلاّ بفضل ما أبداه أحد كبار الجند - وهو عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي (٥) - من الجهد، فقد أقامه العسكر رئيساً عليهم، فبذل الهمّة في جمع شتاتهم والتقهقر بهم، حتى عاد إلى الأندلس (٦). وسقط القائد المجاهد مضرّجاً بدمائه، فخسر روحه وربح الشهادة، وأصبح في عِداد القادة الشهداء. الإنسان

стр. 471

السَّمح بن مالك الخَوْلاني، ثمّ الحَيَّاوِي، أمير الأندلس (١)، وقد ذكرنا نسبته إلى خَوْلان، والحياوي نسبة إلى الحَيا، بطن من خَوْلان (٢). ولا نعلم شيئاً عن أولاده وعائلته، فليس لهم ذكر في المصادر التي تتحدّث عنه وتذكره، وقد ذُكر أحد أحفاده وهو إسحاق بن قاسم بن سَمُرَة بن ثابت بن نَهْشَل بن مالك بن السَّمحْ بن مالك الخَوْلانِيّ، سكن قُرْطُبَة، أصله من الجزيرة، وكان معلِّماً، مما يدلّ على بقاء عقب السَّمح في الأندلس. ولكن تعريفه بأنّ أصله من الجزيرة غامض، فهذا التعبير في المصادر الأندلسية يختلف عنه في المصادر المشرقية، فقد يعني في المصادر المشرقية أنّه من جزيرة العرب أو من الجزيرة التي هي بين نهري الفرات ودجلة، أو من جزيرة ابن عمر، بينما قد يعني في المصادر الأندلسيّة أنّه من الجزيرة الخضراء، أو من جزيرة طَريف، ولا يمكن معرفة تلك الجزيرة إلاّ بالنص عليها. وقد تتبعت وصف ابن حزم الأندلسي في كتابه: جمهرة أنساب العرب، تعبير: "أصله من الجزيرة"، فقد ورد تعبير الجزيرة، عشرين مرّة في هذا الكتاب، وهو يريد بهذا التعبير الجزيرة التي بين نهري الفرات ودجلة، وتُعرف بـ: الجزيرة، ووصفها وحدودها معروفة في كتاب البلدانيين العرب، وهي الجزيرة التي بين النهرين. ومعنى ذلك، أنّ أصل السَّمح من الجزيرة التي تقع بين النهرين: الفرات ودجلة. وقد ذكرنا المناسبة التي عرف بها عمر بن عبد العزيز السّمح، فلمّا تولى عمر الخلافة، ولّى السَّمح على الأندلس، وقد ذكرنا تاريخ توليته. ولمّا ولّى عمر بن عبد العزيز السَّمح على الأندلس، أمره أن يحمل الناس على طريق الحق، ولا يعدل بهم عن منهج الرِّفق، وأن يُخَمِّس ما غلب عليه من أرضها وعقارها، ويكتب إليه بصفة الأندلس وأنهارها، وكان رأي عمر بن

стр. 472

عبد العزيز نَقْل المسلمين من الأندلس، وإخراجهم عنها، لانقطاعهم عن المسلمين واتِّصالهم بأعدائهم، فقيل له: "إنّ الناس قد كثروا بها، وانتشروا في أقطارها، فأَضْرَب عن ذلك! " فقدم السَّمح الأندلس، وامتثل ما أمره به عمر ﵁، من القيام بالحقّ، واتِّباع العدل والصدق، فانفرد السَّمح بولايتها، وعزلها عمر عن ولاية إفريقيَّة، اعتناءً بأهلها وَتَهمُّماً بشأنها. وكان المسلمون إذ فتحو قُرْطُبَة، وجدوا فيها آثار قنطرة فوق نهرها، على حنايا وثائق الأركان من تأسيس الأمم الغابرة، قد هدمها مدود النهر على مرّ الأزمان، فلمّا اتّصل خبرها بعمر بن عبد العزيز، أمر السَّمح بابتنائها، فصُنعت على أتمّ وأعظم مما بُنِيَ عليه جسر، من حجارة سور المدينة. وفي سنة إحدى ومائة الهجرية، ورد كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على السَّمح بالأندلس، يأمره ببناء القنطرة بصخر السُّور، وبناء السور باللّبن، ويأمره بإخراج خمس قرطبة، فخرج من الخمس البطحاء المعروفة بالرَّبَض، فأمر عمر أن يتّخذ بها مقبرة للمسلمين، فتمّ ذلك (١). وكانت قنطرة قرطبة من بنيان الأعاجم قبل فتوح المسلمين بنحو مائتي سنة، ولكن الزمن أثّر فيها حتى سقطت حناياها، ومحيت أعاليها، وبقيت أرجلها وأسافلها، وعليها بنى السَّمح قنطرته الجديدة، وهي إحدى عجائب الدنيا، طولها ثمانمائة ذراع، وعرضها عشرون باعاً، وارتفاعها ستون ذراعاً، وعدد حناياها ثماني عشرة حَنِيَّة، وعدد أبراجها تسعة عشر برجاً (٢). ومن الواضح أن تنفيذ خطة تجديد بناء هذه القنطرة، دليل على كفاية السَّمح الإداريّة والتنفيذيّة أيضاً. لقد كان عمر بن عبد العزيز، يفكِّر في إقفال المسلمين من الأندلس، إذ خشي تغلب العدو ................................................

стр. 473

عليهم (١)، ولانقطاعهم من وراء البحر عن المسلمين (٢)، فقيل له: إنّ المسلمين قد تكاثروا بها واستقروا، فعدل عن مشروعه، "قالوا وليت الله تعالى أبقاه حتى يفعل، فإنّ مصيرهم مع الكفار إلى بوار، إلاّ أن يستنقذهم الله برحمته" (٣)، ويبدو أنّ هذه الأمنية سُجِّلت بعدما حدث ما حدث في الأندلس، وخسرها المسلمون، وخسروا كثيراً من أرواحهم وأملاكهم، وما هو أغلى من الأرواح والأملاك، ولكن عقلاء المسلمين حالوا في حينه بينه وبين تنفيذ رغبته في إقفال المسلمين من الأندلس، لأنّ المسلمين كانوا قد تكاثروا فيها، وأصبح من الصعب إقفالهم، ولكن هذه الفكرة تدل بوضوح على بعد نظر عمر ابن عبد العزيز وصدق توقّعه للحوادث والأحداث قبل وقوعهما. وقد قرّر عمر بن عبد العزيز بعد اختيار السَّمح لولاية الأندلس، أن تكون ولاية مستقلة عن إفريقيّة والمغرب، تابعة للخلافة مباشرة، ومرتبطة بها، لما رآه من أهميتها واتِّساع رقعتها وشئونها، وكانت إلى ذلك الحين تابعة لعامل إفريقيّة والمغرب وإليه تعيين ولاتها. وقدم السَّمح الأندلس في شهر رمضان من سنة مائة الهجرية، مزوّداً بتوجيه عمر في أن يتّبع الرفق والعدل، وأن يُقيم كلمة الحق والدين. وكان السَّمح وافر الخبرة والحكمة والعقل، فقبض على زمام الأمور بحزم وهمّة، وبادر بقمع المنازعات والفتن، وإصلاح الإدارة والجيش، وخمّس جميع أراضي الأندلس التي فُتحت عَنْوَة، أي أنّه مسحها وقرّر عليها الخراج بنسبة الخُمس. وقد وصف ما فعله المسلمون في مسألة الأرض الأندلسية، أحد مؤرخي الغرب الأجانب فقال: "وقد ترك الفاتحون للإسبان الذين أسلموا أو خضعوا

стр. 474

- سواء أكانوا جنداً أم نبلاء - حقوقهم في ملكيّة أملاكهم كلّها أو بعضها، مع فرض ضريبة عقارية عليهم مشابهة للخراج هي (الجزية) على الأراضي المنزرعة والأشجار المثمرة، واتّبعت هذه القاعدة نحو بعض الأديار - كما حدث في الامتياز الذي مُنح لمدينة قُلُمْرِيَة - وأُبيح لهؤلاء الملاّك فوق ذلك حريّة التّصرف في أملاكهم، وهو حقّ، كان وفقاً للقوانين الرومانية القديمة مقيّداً أيّام القوط. وأما ما زاد على الخمس التي استولى عليها الفاتحون، فقد وُزِّع بين الرؤساء والجند، وبين القبائل التي يتألّف منها الجيش. "وقد روعي في توزيع الأراضي، أن تخصّص الولايات الشمالية، وهي جلِّيْقِيَّة ولِيُوْن والأسترياس للبربر، وأن تخصّص الولايات الجنوبية، أعني الأندلس، للقبائل العربية. وكان يُفرض على العمال الملازمين ( Siervos) من القوط، الذين يشتغلون بزرع الأرض، أن يدفعوا للسيد أو القبيلة المالكة ثلثي أو ثلاثة أخماس المحصول. وكان من أثر ذلك، أن تحسنت أحوال المزارعين، كما أدّى في نفس الوقت إلى تقسيم الملكية وتمزيق الملكيّات الكبيرة. كذلك تحسّن حال العبيد، لأنّ المسلمين كانوا يعاملونهم بأفضل مما كان الإسبان والرُّومان والقُوْط، لأنّه كان يكفي أن يدخل العبد في الإسلام ليغدو حرّاً" (١). لقد اهتم عمر بن عبد العزيز بضبط أموال الأندلس وتنظيم أمر خراجه، وهو أمر لم يُعنَ به واحد ممن سبقه من الخلفاء، فبالإضافة إلى توجيهاته لعامله السَّمح حول ذلك. انتدب مولى من ثقاته يسمى جابراً، وبعثه لتعزيز السَّمح في مهمّته (٢). والبطحاء المعروفة بالرّبَض، وهي التي خرجت من الخمس، لا تعني إلاّ خمس إقليم قرطبة (٣)، وما يقال عن قرطبة يقال عن

стр. 475

غيرها من أقاليم ومدن الأندلس التي خُمِّست هي الأخرى. ولم يكد السَّمح يمضي في تنظيم شئون البلاد المالية، حتى اجتمع له مبلغ كبير من المال، وكانت قنطرة قرطبة الرومانية التي كانت مقامة على نهر الوادي الكبير للاتصال بنواحي جنوبي الأندلس قد تهدَّمت، ولم يعد الناس يستطيعون العبور إلاّ في السُّفن، وكان المسلمون بأمسّ الحاجة إلى قنطرة متينة يستطيعون العبور عليها، فوجد السَّمح أنّ بناء هذه القنطرة هو من أهمّ ما ينبغي أن ينفق فيه هذا المال المتجمِّع، فكتب إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز يستأذنه في ذلك، فأذن له، فقام السَّمح: "ببنائها، فصنعت على أتمّ وأعظم ما عُقد عليه جسر في معمورة الأرض، من حجارة سور المدينة، وكانت القنطرة القديمة موصولة الرّقبة بباب المدينة القبلي بها، وقد تصدّعت هذه القنطرة في أيام الإمام عبد الرحمن الداخل" (١). ويبدو أن السَّمح كان ماضياً في تنظيم البلد وإحصاء أمواله، ولكن الظروف لم تمهله، لأنّ خلافة عمر بن عبد العزيز لم تطل، وهو لم يُوَلَّ إلاّ بعد أن انقضى منها نحو العام، وكان عليه إلى جانب هذا العمل الإداري أن ينشط للفتوح في أوقاتها، وكان عظيم الرغبة في الجهاد (٢)، وقد أبدى في جميع أعماله حزماً ورفقاً وعدلاً، فالتفّ الزعماء حوله، وخبت الفتنة، وهدأت الخواطر، واستقرَّ النِّظام والأمن (٣). وبالرغم من أنّ ولايته على الأندلس، كانت سنتين وثمانية أشهر (٤)، وقيل: كانت سنتين وأربعة أشهر، وقيل: ثلاث سنين (٥)، وهي مدّة قليلة جداً، إلاّ أنّ إصلاحاته الإدارية والمالية واضحة للعيان، فكان عند حسن ظنّ

стр. 476

عمر بن عبد العزيز الذي اختاره لولاية الأندلس، وعند حسن ظنّ المسلمين في الأندلس بخاصة، والمسلمين في كلّ مكان بعامة، إذ كانت فيه أمانة وديانة (١)، وكان على جانب عظيم من القابلية الإداريّة والتنظيميّة والتنفيذيّة. القائد لعل مفتاح المزايا القياديّة لشخصيّة السَّمح، تبدو واضحة في أنّه كان أحد المجاهدين الصادقين، الذين كانوا يتمنّون على الله تعالى، أن يهبهم الشّهادة، لتكون خاتمة أعمالهم في هذه الحياة، فوهب روحه رخيصة في سبيل الله، لا فرق لديه أن يقع على الموت أو يقع الموت عليه، ما دام ذلك لإعلاء كلمة الله ونشر الإسلام، والنهوض بفريضة الجهاد لضمان حاضر الفتح الإسلامي ومستقبله بمجاهدة الأعداء الذين يحاولون التعرّض بحدوده الشمالية، ويحرضون على استعادة الأندلس إلى حكّامه القوط من جديد. وحين وجد أنّ الفرنج متفوقون على قوّاته عَدَداً، لم يكترث بهذا التفوّق كما ينبغي، بل قَبِلَ المواجهة ولم يحاول التملّص منها، في محاولة لاستكمال استعداداته، ثم مواجهة الفرنج بعد ذلك، لضمان النّصر على الفرنج، ومن ثَمّ استئناف التقدّم شرقاً في فرنسة للفتح. وخطّة الإنسحاب من ميدان المعركة قبل حصول المواجهة بين الجانبين، لا يجهلها السَّمح ولا يجهلها غيره، ولكنّه لم يطبِّقها ولم يأخذ بها، لأنّ المسلمين يوم ذاك لم يكونوا ينتصرون على أعدائهم لتفوّقهم على الأعداء في عَدَدهم، بل العكس هو الواقع، فقد كان العدو غالباً هو المتفوّق على المسلمين عَدَداً، ولكن المسلمين كانوا ينتصرون بإيمانهم العميق الذي يدفعهم إلى الاستقتال طلباً للشّهادة، أي أنّ المسلمين كانوا دائماً يتفوقون على أعدائهم بمعنوياتهم العالية، فتنتصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة بإذن

стр. 477

الله، وانتصار المسلمين انتصار عقيدة بلا مراء. إنّ الفتح الإسلامي، في سعة رقعته، وسرعة تحقيقه، خلال القرن الأول الهجري، الذي هو خير القرون، خير دليل على انتصار العقيدة الراسخة في معارك الجهاد، وكان السَّمح أحد قادة الفتح الإسلامي، الذي كان حافزه الأول والأخير، إيمانه الراسخ، وحرصه على خدمة الإسلام والمسلمين، ورغبته في الشهادة، فليس من العدل والإنصاف في شيءٍ تقريباً، أن نحاسبه بالمقاييس الماديّة الشائعة في العسكرية الحديثة، بعد أن أصبحت المادة كلّ شيءٍ تقريباً؛ وحتى رفع المعنويات تكون بوسائل ماديّة؛ والسَّمح قد عاش في قرن كانت فيه المقاييس المادية ثانوية بالنسبة للمقاييس المعنوية، وهو القرن الأول الهجري، يوم كان الإسلام في مَدِّه العارم، يكتسح كلّ شيء، ولا يقف أمامه شيء. ليس من العدل والإنصاف أن نقول: ما دام السَّمح قد علم بحشود الفرنج المتفوقة، فكان عليه أن ينسحب من ميدان المعركة، إلى منطقة إسلاميّة آمنة، حيث يكمل استعداداته للقتال، ثمّ يستأنف الفتح، ويكون احتمال انتصاره حينئذٍ على الفرنج كبيراً. لأنّ محاسبة أمثال السَّمح، بمثل هذا المنطق المادي ليس عدلاً ولا إنصافاً، فقد كان بوادٍ، وكانت المادة بوادٍ آخر. ولو كان للناحية المادية اعتبار، كالاعتبار الذي لها في هذه العصور، في غياب العقيدة الراسخة، لما كان فتح إسلاميّ، ولما أصبح ذلك الفتح فتحاً مستداماً، لأنه ليس فتح سيف حسب، بل فتح عقيدة قبل أن يكون فتح سيف، فلا عجب من انحسار ما استولى عليه الرومان والروم والفُرس واليونان والأمم الأخرى، وبقاء الفتح الإسلامي ثابتاً رصيناً، لأنّ ما استولت عليه الأمم احتلال واغتصاب، وما استولى عليه المسلمون فتح، وشتّان بين الاحتلال والاغتصاب الزائلين وبين الفتح الباقي. إنّ المقاييس الماديّة كانت غائبة في أيام الفتح، وكانت المقاييس الروحية هي السائدة، وعلى هذا الأساس يمكن محاسبة السَّمح لا على أساس

стр. 478

المقاييس المادية حسب. وإدراك السَّمح أنّ الفرنج متفوقون عليه، ومع ذلك لم يَهُن ولم تتزعزع معنوياته، دليل على أنه كان قائداً بصيراً بالأمور، لا تخفى عليه منها خافية، فلم يُؤْت من قِبَل غفلته، بل أُتِيَ من قِبَل حرصه على الشهادة وحرص رجاله عليها، فحقّق الله لهم وله أمنيتهم، فكان لهم إحدى الحُسْنَيين: النّصر أو الشهادة. وما كان لمثل عمر بن عبد العزيز ﵁، وهو مَن هو عدلاً واستقامة، أن يولّي السَّمح أخطر منطقة من مناطق المسلمين وبلادهم، وهي الأندلس، لو لم يجد فيه الكفاية المتميِّزة في الإدارة والقيادة، فقد كان الوالي يومئذ إدارياً وقائداً، بل كانت سِمة القيادة فيه تعلو على سِمة الإدارة، وكان عمر وأمثاله من الخلفاء، يحرصون غاية الحرص على أن يضعوا الرجل المناسب في الواجب المناسب. كما أنّ فصل الأندلس عن ولاية إفريقيّة والمغرب، وجعل الأندلس مستقلّة عن ولاية إفريقيّة والمغرب بعد تولية السَّمح من عمر بن عبد العزيز، دليل على ثقة عمر بكفاية السَّمح في الإدارة والقيادة، وإلاّ لما فصل الأندلس وجعلها مرتبطة بالخلافة مباشرة، ولأبقاها كما كانت عليه من قبل، تابعة لولاية إفريقيّة والمغرب. لقد كان السَّمح من القادة القادرين على إصدار القرار الصحيح السريع، وقراره في مواجهة الفرنج المتفوِّقين على المسلمين، بالنسبة للتفكير السائد في حينه، وبالنسبة لتفكير السَّمح، كان قراراً صحيحاً، أمّا بالنسبة للتفكير السائد اليوم، وبالنسبة لفكر العسكريين المحدثين، فقد كان قراراً غير صحيح، ولابد من الرجوع إلى الفكر السائد في حينه، للحكم على صحّة قرار السَّمح أو عدم صحته. وكان يتمتّع بشجاعة شخصية نادرة، ولولا شجاعته لما واجه الفرنج المتفوقين على المسلمين عَدَداً، وقاتلهم قتال الأبطال. وكان ذا إرادة قويّة ثابتة، إذا عزم على أمر، واعتقد أنّ تنفيذه صواب،

стр. 479

مضى في تنفيذه قوياً ثابتاً. وكان يتحمّل المسؤولية، ويحب تحمّلها، ولا يتملص منها، أو يلقيها على عواتق الآخرين، خوفاً على نفسه من العواقب. وكان ذا نفسية لا تتبدّل، لأنّه مؤمن قويّ الإيمان، فهو بخيرٍ أبداً، إذا أصابه الخير شكر، وإذأ أصابه الضرّ صبر. وكان يتمتّع بمزيّة سبق النظر، فقد حصّن أربونة وحماها بالرجال، فثبتت طويلاً أمام الغزاة، ولولا ذلك لاستسلمت للغزاة. وكان يعرف نفسيات رجاله وقابلياتهم، فيُحمِّل كلّ رجل منهم ما يستطيع حمله، ويضع الرجل المناسب في الواجب المناسب، استناداً إلى نفسيّته وقابلياته. وكان يثق برجاله ويثقون به، ويثق بقيادته العليا وتثق به، فقد كان يعمل لغيره أكثر مما يعمل لنفسه، ويخدم مصلحة الإسلام والمسلمين أكثر من خدمة مصالحه الشّخصيّة. وكان يحبّ رجاله، ويبادلونه حبّاً بحبّ، ويحبّ قيادته العليا، وتبادله حبّاً بحبّ، وكانت مزاياه الإنسانية تجعله آلفاً مألوفاً. وكان يتمتّع بشخصية قويّة نافذة، يصدح بالحق بحضور الخليفة سليمان بن عبد الملك، فلفت إليه نظر عمر بن عبد العزيز - كما ذكرنا - وهذا موقف من مواقفه الكثيرة التي تدلّ على متانة شخصيته ورصانتها وقوّتها. وحركته الدائبة بلا كلل ولا ملل إدارياً وقائداً، وإنجازه الإداري وفي الفتح، دليل على تمتّعه بالقابلية البدنيّة المتميِّزة. وكان ذا ماض ناصع مجيد، يتميّز بالطهر والعفاف والنزاهة المطلقة والنظافة المثالية، بالإضافة إلى أنّه كان عربياً معروف النسب، غير مجهول المكان والمكانة. وكان يستشير رجاله ويشاورهم، ولا يقطع بأمر مصيري يهمّهم بدون استشارتهم والعمل بما يرونه. وكان يستشير الخلافة، كما فعل في قضية

стр. 480

قنطرة قرطبة، فقد عرض أمرها على عمر بن عبد العزيز، وتلقّى توجيهاته حولها، ونفّذ تلك التوجيهات. وكان لا يميِّز نفسه عن رجاله بشىءٍ ماديّ أو معنوي، ولا يتميّز عليهم في المظهر أو المَخْبَر، بل يساوي نفسه بهم، فكأنّه فرد منهم، لا يستطيع مَنْ لا يعرفه حين يراه معهم أن يعرف أنّه القائد وأنّهم الجنود، لأنّه كان يساوي نفسه برجاله في كلّ شيء، منطلقاً من إيمانه المطلق بمبدأ: المساواة. وكان يطبِّق مبادئ الحرب بشكل عفويّ في معاركه، وهذه المبادئ ثابتة في كلّ زمان ومكان. فقد كان يطبِّق مبدأ: اختيار المقصد وإدامته، فهو يعرف ما يريد، ويُعدّ الخطّة المناسبة لتحقيق ما يريد، ويضع تلك الخطة في موضع التنفيذ، ولا يزال دائباً وراء مقصده، حتى يحقِّقه كاملاً غير منقوص. وكان قائداً تعرّضياً، لم يتّخذ خطة الدفاع، حتى في حالة تفوّق الفرنج على المسلمين الذين بقيادته، ولا نعلم أنّه سلك مسلكاً غير مسلك التعرّض، في جهاده من أجل إعلاء كلمة الله. وكان يحاول مباغتة العدو في المكان أو الزمان أو الأسلوب، ولا نعلم أنّ عدوّه استطاع مباغتة القوّات التي تعمل بقيادته في يوم من الأيام. وكان يحشد رجاله للنهوض بواجباته فى الجهاد، ويستغلّ كلّ الطّاقات الماديّة والمعنوية المتيسِّرة للحشد. وكان يحرص غاية الحرص على أمن قوّاته، ويتّخذ التدابير اللاّزمة لحمايتها في المعسكر والحركة وفي أثناء القتال، وبعد القتال وفي صفحات القتال كافة. وكانت خططه مرنة، يمكن تبديلها وتعديلها وتحويرها وتطويرها حسب الظروف، كما أنّ قابليته على الحركة نسبياً جيدة، لتطبيق خططه العسكريّة. وكان يؤمِّن التعاون بينه وبين رجاله أفراداً وجماعات وصنوفاً، كما كان يؤمِّن التعاون بينه وبين قيادته العليا، وكان التعاون بين الجميع وثيقاً.

стр. 481

وكان يديم معنويات رجاله، بالعقيدة الراسخة، والقيادة المتميِّزة، والانتصارات المتعاقبة، وكان السَّمح كتلة من المعنويات العالية، فتنتقل المعنويات منه إلى رجاله، فقد كان يملأ - بحقّ - الأعين قدراً وجلالاً، يرفع المعنويات ويديمها. وكان يهتمّ في الأمور الإداريّة الخاصة برجاله، ويبدو أنّ وضعهم الإداري كان جيداً، بل هو أفضل من الوضع الإداري لأمثالهم من المجاهدين في مختلف الأقطار والأمصار شرقاً وغرباً، لأنّ الأمور الإدارية كانت متيسرة في الأندلس حينذاك. لقد كان السَّمح قائداً جيداً، ولو بقي مدة أطول من الزمن، لحقق للمسلمين فتوحات جديدة في أرجاء فرنسة. السّمح في التاريخ يذكر التاريخ للسَّمح، أنّه كان على جانب عظيم من التقوى والورع، لذلك لم يكن يخشى في الحقّ لومة لائم، ويصرّح بالحقّ ولو كان مرّاً. ويذكر له، أنّه كان إدارياً حازماً، سار على طريق تخميس أرض الأندلس خطوات واسعة مثمرة، ولو طال عمره، لأكمل تخميسها كما ينبغي. ويذكر له، أنّ له آثاراً في البناء والتشييد، في قنطرة قُرطبة وسورها، وفي تحصين أربونة وغيرهما من المدن الأندلسية والفرنجيّة. ويذكر له، أنّه فتح أربونة وما حولها من المدن والقرى، وحصّنها وحشدها بالرجال، لحمايتها من هجمات الفرنج. ويذكر له أنّه بذل روحه رخيصة من أجل عقيدته وأبناء عقيدته، ولم يبذل عقيدته وأبناء عقيدته من أجل روحه، فمات شهيداً في ساحات الجهاد، وسقط مضرّجاً بدمائه، دون أن يسقط سيفه من يمينه. ويذكر له أنّه رحل عن الدنيا، دون أن يترك خلفه درهماً ولا ديناراً، ولا

стр. 482

أرضاً ولا عقاراً. ويذكر له أنّه كان والياً قائداً، ولكنّه كان يؤثر أن يكون غازياً، على أن يبقى والياً، وأن يعيش في ظلال السيوف، على أن يعيش في ظلال القصور. رحم الله رحمة واسعة، الإداري الحازم، القائد الفاتح، التقيّ النّقيّ، البطل الشهيد، السَّمح بن مالك الخَوْلانِيّ.

стр. 483

عبد العزيز بن موسى بن نُصَيْر اللَّخْمِيّ (١) فاتح شطر الأندلس نسبه وأيّامه الأولى هو عبد العزيز بن موسى بن نُصَيْر بن عبد الرحمن بن زيد (٢) من بني لَخْم (٣)، ويقال: إنّه مولى لَخْم (٤)، وقيل: إنّه من أراشَة من بَلِيّ (٤)، وقيل من بَكْر بن وائل (٦)، ويذكر أولاده أنّه من بكر بن وائل، وغيرهم يقول: إنّه مولى (٧). وادِّعاء أولاده وأحفاده، بأنّه من بَكر بن وائِل، بعد أن استقروا وملكوا وتأثّلوا، في وقت كان فيه الفخر بالنّسب سِمة العصر، عصر بني أميّة، قد يؤخذ مأخذ الدعاوة لهم بالنّسب المُفَضّل لا بمأخذ تقرير الواقع. كما أنّ

стр. 484

ادِّعاء مَن كان عليهم لا معهم بأنهم موالي، كان نتيجة لتعالي أولاد عبد العزيز بالنسب المفتعل، فهو رد فعل تلقائيّ لهذا التعالي الموهوم، فلا يُؤخذ به ولا يُصَدَّق، لأنّ دوافعه عاطفيّة لا واقعيّة. إنّه عربيّ (١) من بني لَخْم، أبوه موسى بن نُصَيْر الَّلخْمِيّ (٢) فاتح الأندلس المشهور، وكان والياً على إفريقيّة والمغرب من أواخر سنة خمس وثمانين الهجرية (٧٠٤ م) أو أوائل سنة ست وثمانين الهجريّة (٧٠٥)، كما شغل عدة مناصب إدارية وقياديّة قبل ذلك، تدلّ على أنّه كان قريباً من بني أُميّة ومَن يعمل معهم في الإدارة والقيادة. ولم يكن جَدُّه نُصَير، بعيداً عن مراكز السّلطة في الإدارة والقيادة أيضاً، وأصله من سبايا بلدة عَيْن التّمر (٣) الذين سباهم خالد بن الوليد سنة اثنتي عشرة الهجرية (٦٣٣ م)، فقد وجد خالد أربعين غلاماً يتعلّمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسره عنهم وقال: "وما أنتم؟! "، فقالوا: "رُهُن! "، منهم نُصَير أبو موسى بن نُصَير، فقسّمهم خالد في أهل البلاد (٤)، فأصل عبد العزيز من عين التّمر (٥). وقد أعتق نُصيراً بعضُ بني أُميَّة، فرجع إلى الشَّام (٦)، ثم أصبح من حرس معاوية بن أبي سفيان (٧) ﵁، ثمّ أصبح على حرس معاوية (٨)، وعلى جيوشه (٩)، وكانت منزلته عند معاوية

стр. 485

مكينة. ولما خرج معاوية لقتال عليّ بن أبي طالب ﵁، لم يخرج معه نُصير، قال له معاوية ﵁: "ما منعك من الخروج معي، ولي عندك يد لم تكافئني عليها؟ "، فقال: "لم يمكنِّي أن أشكرك بكفري مَنْ هو أولى بشكري منك! "، فقال: "ومَنْ هو؟ "، فقال: "الله "، فأطرق معاوية مليّاً، ثمّ قال: "أستغفر الله"، ورضي عنه (١). ولا نعلم متى وُلِد، فالمصادر المتيسرة سكتت عن تاريخ مولده، كما سكتت عن أيامه الأولى، ولكنّنا نستطيع أن نستنتج: كيف نشأ وترعرع واستوى على عوده شاباً يشقّ طريقه في الحياة، بالمقارنة مع لِداته في عصره، الذين عاشوا في بيئة مشابهة من الناحية الاجتماعية لبيئته العامّة في مجتمعه العربي الإسلامي، ولبيئته الخاصة في أسرته القريبة من بني أُميّة ذوي الجاه والسّلطة، التي يتولّى فيها أبوه موسى المراكز الإدارية والقيادية المرموقة، والذي كان يتولّى فيها جَدُّه نُصَير المراكز الإدارية والقيادية أيضاً، فهو وأمثاله يُربّون تربية تفيد عقولهم بالعلم وتفيد أبدانهم بالتدريب العسكري، ويخالطون العلماء والقادة والإداريين عن كثب، فيتلقّون منهم عصارة تجاربهم في الحياة، ويتعلّمون منهم كيف يواجهون المعضلات وكيف يجدون الحلول الناجعة لها، فإذا أصبحوا كفاية وعُمْراً قادرين على العطاء، أُعطيت لهم الفُرص لإبداء كفايتهم في ميدان الإدارة أو في ميدان القيادة، أو في الميدانيين معاً، فأما الزَّبَد فيذهب جُفاءً، وأمّا ما ينفع النّاس فيمكث في الأرض، فما كلّ مَن عمل في الإدارة لمع في الإدارة، ولا كلّ مَن عمل في القيادة أصبح قائداً فاتحاً. لقد نشأ عبد العزيز وترعرع وشبَّ في ظروف ملائمة كلّ الملائمة لاستكمال مزاياه الشخصيّة، فأبوه وجدّه من المقربين للبيت الأموي المالك، وظروف والده الإداريَّة والقياديّة بخاصة لا تخلو من مشاكل صعبة، تُعين

стр. 486

على التّعلم النظري والتدريب العملي. وكان التّعليم النّظريّ، لاستيعاب العلوم المتيسّرة السّائدة حينذاك، ميسوراً لأبناء الإداريين والقادة الكبار ولغيرهم من الناس، إذ كان العلماء وقتذاك يعتبرون التّعليم والتّعلم من أجلّ العبادات. لذلك نشأ عبد العزيز ليتعلّم علوم القرآن الكريم والحديث النّبويّ الشَّريف، ويدرس التاريخ والسِّيَر وأيام العرب قبل الإسلام وبعده، ويُتقن علوم الّلغة، ويتلقى فنون الأدب شعراً ونثراً، ويتعلّم الحساب والهندسة وتقويم البلدان. كما أنّ التدريب العملي بالممارسة، كان ميسوراً له في القضايا السياسية والإدارية والعسكرية، فهو إلى جانب والده الذي كان على المغرب وإفريقية إدارياً وقائداً، وعلى الأندلس إدارياً وفاتحاً، يسمع ويرى كيف تُعطى القرارات الخطيرة وكيف تُعالج المشاكل الصّعبة. كما تدرّب عملياً على الفنون العسكرية: ركوب الخيل، والرّمي بالسِّهام، والضّرب بالسيوف، والطّعن بالرِّماح، والسباحة، وتحمّل المشاق سيراً وجوعاً وعطشاً، وهو ما نُطلق عليه في المصطلحات العسكرية الحديثة: التدريب العنيف. ولكنّ هذا التدريب العملي عسكرياً لا يكفي وحده، لأنّه تدريب فَرْدِيّ، فلا بدَّ من تلقِّي التدريب الإجمالي، وهو ممارسة الجهاد جندياً وقائداً في ساحات القتال، ليطبِّق ما تعلّمه من تدريب فرديّ، على القتال بصورة عمليّة، وهذا ما نطلق عليه اليوم تعبير: تطعيم المعركة، إذ لا فائدة من التدريب الفردي إلاّ إذا طُبِّق عملياً في التدريب الإجمالي، وأفضل أنواع التدريب الإجمالي هو القتال الفِعْلِي. وكما تدرّب على الفنون العسكريّة العملية، تدرّب كذلك على الفنون العسكريّة النّظرية: أساليب القتال، والقضايا التّعبويّة، واختيار المعسكرات، وطرق الدِّفاع والهجوم، والانسحاب والمطاردة، ومعالجة الأمور العسكرية في الميدان، والقضايا الإداريّة. ويبدو لي أنّ هذه الفنون العسكرية النظريّة لم

стр. 487

تكن مكتوبة يومذاك في صفحات أو كتاب كما نعرفه اليوم، كما كانت معروفة بالتجربة العمليّة، يتلقّاها أصحاب الرغبة فيها من الفتيان، من أصحاب الخبرة فيها من المجاهدين والفرسان؛ وكما كان كثير من الآداب والعلوم والفنون، تُحفظ عن ظهر قلب ويلقِّنها العالِمون بها للمتعلمين، كذلك كانت علوم العسكرية وآدابها وفنونها تحفظ عن ظهر قلب، ويلقِّنها العالِمون بها الممارسون لها والمجرِّبون، للمتعلِّمين في المجال النظري والعملي، وبهذا الشكل كانت تسير أمور التّعليم والتدريب العسكريّين في القرن الأول الهجريّ، قبل تدوين العسكريّة العربيّة الإسلاميّة من بعد ذلك كما هو معروف. وقد طبّق عبد العزيز الفنون العسكريّة النظريّة عمليّاً في ميدان الجهاد، وبذلك جمع التدريب الفنّي النظري والعملي، ووضع معلوماته العسكريّة النظريّة في حيِّز التنفيذ. ولعلّ مما زاد في فرصه تعليماً وتدريباً، هو تلقّي علومه وتدريباته في كنف والده القائد الإداريّ الّلامع موسى بن نصير، وبخاصة بعد تولّي موسى إفريقيّة والمغرب في أواخر سنة خمس وثمانين الهجريّة، أو في أوائل سنة ست وثمانين الهجرية، حيث شهد فتوح موسى في المغرب، فلما عبر موسى إلى الأندلس في رمضان من سنة ثلاث وتسعين الهجريّة (١) (٧١٢ م)، ازدادت فُرص عبد العزيز التعليميّة والتدريبية عملياً في الفتوحات، حتى إذا نضج وأصبح قادراً على تولّي مهام القيادة، ولاّه أبوه موسى منصباً قيادياً، فأضاف بقيادته فتحاً جديداً على فتوح طارق بن زياد وفتوح والده موسى بن نُصير.

стр. 488

وظلّ عبد العزيز في كنف والده موسى الذي كان قائداً عاماً في الأندلس وإفريقيّة والمغرب، وكان عبد العزيز في تلك المدّة قائداً مرءوساً لوالده موسى، فلمّا استُدعي موسى وطارق بن زياد من الأندلس إلى دمشق، خلّف موسى ابنه عبد العزيز على الأندلس (١) وكان ذلك في ذي الحجّة من سنة خمس وتسعين الهجرية (٢) (٧١٤ م)، فأصبح والياً على الأندلس وقائداً عاماً على قوّات المسلمين فيها. ولم نجد لعبد العزيز نشاطاً في القيادة أو الإدارة أيام كان مع أبيه في إفريقيّة والمغرب، وظهر نشاطه في القيادة أولاً بعد العبور إلى الأندلس مع أبيه، ثم ظهر نشاطه في القيادة والإدارة معاً بعد رحيل والده موسى عن الأندلس، مما يدلّنا على أنّه كان في إفريقيّة والمغرب صغيراً على المناصب القياديّة والإدارية، فأصبح في أيام عبوره إلى الأندلس في عُمْر يناسب تولّي المناصب الإدارية والقيادية، فمن المحتمل أن يكون عمره سنة ثلاث وتسعين الهجرية قد جاوز العشرين على الأقل. لقد تهيّأ لعبد العزيز: العلم المكتسب، والتجربة العمليّة، فآتت ثمراتها في مناصبه التي تولاّها قائداً وإدارياً. الفاتح ١ - فتح إشْبِيْلِيّة (٣) ثانية: رافق عبد العزيز أباه موسى بن نُصَير في عبوره إلى الأندلس، وكان معه في فتوحه الأندلسيّة، فلما كان موسى محاصِراً مدينة

стр. 489

مَارِدَة (١)، ثار عجم (٢) إشبِيليّة وارتدّوا وقاموا على مَن فيها من المسلمين. وتجالب فلّهم من مدينة لَبْلَة (٣) وبَاجَة، وقتلوا من المسلمين نحو ثمانين رجلاً (٤). وأتى فلّ المسلمين موسى من إشبيليَة وهو بماردة، فلمّا أن فتح ماردة وجّه ابنه عبد العزيز في جيش إلى إشبيلية، ففتحها وقتل أهلها. ونهض عبد العزيز إلى لَبْلَة وباجة ففتحهما أيضاً، واستقامت الأمور وعلا الإسلام (٥)، ثمّ انصرف عبد العزيز إلى إشبيلية (٦). وقد استعاد عبد العزيز فتح إشبيلية ثانية سنة أربع وتسعين الهجرية (٧) (٧١٣ م)، وكان طارق قد فتحها لأول مرّة صلحاً، إذ صالحه أهلها على الجزية، وذلك سنة اثنتين وتسعين الهجرية (٧١١ م)، ولكنها انتقضت

стр. 490

فاستعاد فتحها موسى بن نصير سنة ثلاث وتسعين الهجريّة (٧١٢ م)، ثم استعاد فتحها من جديد عبد العزيز بن موسى بن نصير سنة أربع وتسعين الهجريّة (٧١٣ م) كما ذكرنا ذلك قبل قليل. وانتقاض القوط في إشبيلية وغيرها، وشدّة مقاومتهم في كثير من المدن والمواضع، دليل واضح على أن المسلمين الفاتحين لاقوا صعوبات عظيمة في فتح الأندلس، وليس كما يزعم بعض المؤرخين الغربيين بخاصة، أنّ فتحها كان نزهة من النزهات، لا مشقّة فيها ولا صعوبة، وكانت مغانم بدون مغارم!! ٢ - فتح جنوب وجنوب شرقي الأندلس: وجّه موسى بن نصير ابنيه عبد العزيز وعبد الأعلى إلى جنوبي وجنوب شرقى الأندلس، وكان هذا على الأغلب بعد استعادة فتح إشبيلية ولَبْلَة وباجَة، لأنّ أسبقيّة أهداف موسى في عبوره إلى الأندلس، هي القضاء على مراكز المقاومة الرئيسية للقوط، خشية أن تنجح في قطع خطوط مواصلات قوّات طارق بن زياد، التي تغلغلت بالعمق، فأصبحت خطوط مواصلاتها مهددة بالقطع، وكانت مراكز المقاومة القوطية الرئيسية في إشبيلية وماردة. فلمّا نجح موسى في تحقيق هذا الهدف، ونجح في استعادة فتح إشبيلية ولَبْلَة وبَاجَة، أصبح معنياً بتأمين جناح قوّات طارق بن زياد وقوّاته الأيمن، فوجّه لتحقيق هذا الهدف ولديه: عبد العزيز وعبد الأعلى. ولم يوجّهها لتحقيق هذا الهدف قبل ذلك، كما تصوّر بعض المؤرخين الأجانب، وتابعهم بعض مؤرخي العرب والمسلمين، لأنّ موسى كان محتاجاً لقواته كافة للقضاء على المقاومة القوطية في إشبيلية ومارِدَة، وقد وجدنا ما عاناه موسى في استعادة فتح ماردة من عناء ووقت (١)، مما سوّغ له الاحتفاظ بكامل قوّاته، وبأولاده الذين هم من أخلص معاونيه ومن أقرب من

стр. 491

يشدّ أزره في الملمّات. فلما حقّق هذا الهدف، استطاع أن يوجِّه ابنه عبد العزيز أولاً، لاستعادة فتح إشبيلية ولَبْلَة وباجة، وهي من معارك استثمار الفوز، ثم وجّه عبد العزيز وعبد الأعلى وَلَديْه لتحقيق هدفه الثاني، وهو تأمين جناحه الأيمن وجناح قوّات طارق بن زياد الأيمن أيضاً. واستطاع عبد الأعلى بالتعاون مع أخيه عبد العزيز، أن يستعيد فتح مالقة (١) ( Malaga) وإِلْبِيْرَة (٢) ( Elvira) ثم توجّه عبد العزيز إلى المنطقة الجنوبية الشرقية من البلاد، قد التقى بالقرب من أُورْيُوْلَة (٣) ( Orihuela) بالدوق تُدْمِيْر ( Theodemir) حاكم هذه المقاطعة، وكان هذا الرجل ذا خبرة عظيمة وتقدير صائب للأمور، قاوم مدة هجوم المسلمين بقيادة طارق بن زياد، ولكنّه أخفق في صدّ المسلمين، ففتحوا مقاطعته وكبدوه خسائر فادحة بالأرواح والممتلكات، فتوصّل أخيراً إلى عقد معاهدة صلح بينه وبين المسلمين في شهر رجب من سنة أربع وتسعين الهجرية (٤) (نيسان - أبريل - ٧١٣ م)، وبموجب هذه المعاهدة، التي ذكر تفاصيلها المؤرخون العرب والمسلمون وغيرهم، حصل تدمير على شروط مناسبة جداً للصلح، فقد اعتُرف به حاكماً على سبعة مدن تقع ضمن منطقته، وهي: أُورْيُوْلَة، وبَلانَة (٥) ( Villena) ، ولَقَنْت (٦) Alicante)) ،..............................................

стр. 492

ومُوْلَة (١) ( Mula) ، وبسْقَرة (٢) ( Bigastro) وإلة (٣) ( Ello) ، ولُوْرَقَة (٤) ( Lorca) ، كما احتفظ بإدارته الداخلية لهذه المدن، على شرط أن يدفع جزية سنوية تقدّر بدينار ذهبي واحد، لكلّ فرد من أفراد منطقته، أما العبيد فتؤخذ عنهم نصف هذه الكمية. وقد وافق تدمير على تقديم كميات معيّنة من القمح والشعير، والخل والعسل والزيت على كلّ فرد حرّ من أفراد منطقته ونصفها على العبيد، كما وافق ألاّ يقوم أحد من رعيته بتجاهل هذه المعاهدة أو الإخلال بشروطها، وألاّ يأووا للمسلمين آبِقاً (٢)، ولا عدوّاً، ولا يكتموا عنهم خبراً يتعلق بأعدائهم، وبالمقابل فإنّهم لن يُقتلوا، ولن يُسْبَوا، أو يجردوا من ممتلكاتهم، أو يُفرّق بينهم وبين أولادهم ونسائهم، ويُسمح لهم بممارسة شعائرهم الدّينية بحريّة، ولن تُحرق كنائسهم (٦). وبعد استقرار الأمور في المنطقة الجنوبية الشرقيّة من شبه جزيرة الأندلس، عاد عبد العزيز إلى إشبيلية. وقد توقف قسم من المؤرخين الأجانب عند معاهدة عبد العزيز وتدمير، وناقشوا تلك المعاهدة مناقشة مَن لا يعرف حقيقة تعاليم الإسلام في القتال، وهي: الإسلام، أو الجِزية، أو القتال. وهذه التعاليم تقضي، بأنّه إذا أراد المسلمون غزو بلد من البلدان، وجب

стр. 493

عليهم أولاً وقبل كلّ شيء، أن يدعو أهله إلى الإسلام، فإن أسلموا كانوا هم وسائر المسلمين سواء، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم؛ وإن لم يُسلموا دَعَوْهم أن يسلِّموا بلادهم للمسلمين، يحكمونها، ويبقى أهل البلاد على دينهم إن شاءوا، على أن يدفعوا الجزية للمسلمين، فإن قبلوا ذلك كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وكانوا في ذمّة المسلمين يحمونهم ويدافعون عنهم؛ وإن لم يقبلوا الإسلام، ولا الدخول تحت حكمه ودفع الجزية، أُعلنت عليهم الحرب وقوتلوا (١). تلك هي المبادئ التي تسيطر على تعاليم الإسلام في الفتح: الإسلام، الجزية، القتال، باتِّفاق الفقهاء، وبالتطبيق العملي في الفتوح الإسلامية في معارك الفتوح كافة. ولكن الذين توقفوا عند هذه المعاهدة من المؤرخين الأجانب، فزعموا: "أنّ هذا النوع من المعاهدات المتساهلة، ربما يشير إلى أنّ سياسة موسى بن نُصير، كانت تهدف إلى خلق نوع من التعاون مع سكّان البلاد في إدارتها بعد الفتح، وهذه السياسة ستمكنه من أن يضع حامية صغيرة في كلّ مدينة مهمة، ويترك إدارة شئونها الداخليّة كما كانت من قبل دون تدخّل في النظام الإداري للبلاد، وربما كان الدافع إلى ذلك، هو ظروف موسى وقلة مَن معه من رجال القبائل العرب الذين كان عددهم لا يكفي للهيمنة على كلّ الأندلس وإدارتها!! " ... الخ ... ومن المؤسف حقاً، أنّ قسماً من المؤرخين العرب والمسلمين تابعوا هذه الأفكار الأجنبية، وما فعله عبد العزيز، كما لم يفعل موسى وسائر قادة الفتح الإسلامي، غير تطبيق تعاليم القتال في الإسلام نصّاً وروحاً، فدفع تدمير الجزية، كما دفع غيره الجزية شرقاً وغرباً، فبقي وبقوا في قيادة أنظمتهم، وأصبحوا من أهل الذِمّة، ولأهل الذمّة رعاية في الإسلام، تتسم بالتسامح

стр. 494

والتواصل لا يعرفها دين من الأديان الأخرى، وهي من صلب تعاليم الإسلام. ٣ - فتوح البرتغال: في الوقت الذي كان موسى بن نُصَيْر وطارق بن زياد، يقومان بفتوحاتهما في شمالي الأندلس، كان عبد العزيز يقوم بفتح وسط البرتغال. فقد عاد عبد العزيز كما ذكرنا، إلى إشبيلية، ومن ثم إلى مارِدَة، حيث ولاّه أبوه القيادة العامة للبلاد المفتوحة، ومن باجَة زحف إلى يَابُرَة (١) ( Evora) وشَنْتَرِيْن (٢) ( Santaren) وقُلُمْرِيَّة (٣) ( Caimbra) ، وظلّ متجهاً إلى أقصى الغرب، بقصد ملاقاة الفرق الإسلامية في أَسْتُرْقَة (٤) ( Astorga) . وقد قام عبد العزيز بهذا الفتح قبل رحيل أبيه موسى من الأندلس إلى دمشق: "فلم يبق في الأندلس بلدة دخلها المسلمون بأسيافهم، وتصيّرت ملكاً لهم، إلاّ قسّم موسى بن نُصير بينهم أراضيها، إلاّ ثلاثة بلاد، وهي: شَنْتَرِيْن وقُلُمْرِيَّة في الغرب، وشَيَّة (٥) في الشرق، وسائر البلاد خُمِّسَت وقُسِّمت بمحضر

стр. 495

التابعين الذين كانوا؟ مع موسى بن نُصير" (١)، ومعنى هذا عبد العزيز افتتح شَنْتَرِيْن وَقُلُمْرِيَّة صلحاً، وذلك أثناء وجود أبيه في الأندلس، وبذلك فتح ما بقي من مدائن الأندلس (٢). ومن الواضح، أنّ طارقاً وموسى، لم يفتحا جميع أنحاء شبه الجزيرة الأندلسيّة، فبقيت مناطق لم تصل إليها جيوش الإسلام بعد. وقد تجمّعت في بعض الأقاليم غير المفتوحة، وفي الجيوب الجبليّة النائية الوعرة، مراكز للمقاومة القوطية ضدّ المسلمين، فاقتضى الأمر إخماد تلك المقاومات وإتمام فتح الأندلس (٣). ولم يكن موسى، ليترك ابنه عبد العزيز - وهو القائد الذي عرف بشجاعته ومهارته - عاطلاً في أيامه. ولو مضى عبد العزيز مع قوّات أبيه في فتوحه شمالاً، لظهر له أثر واضح في الفتح كما ظهر لغيره مثل طارق بن زياد، وذلك في الصفحة الأخيرة من فتوحات موسى بن نُصير. كما أنّ وجود عبد العزيز في باجَة القريبة من تلك المناطق غير المفتوحة، لابدّ أن يغريه بفتحها. والأهم من كلِّ ذلك، أنّ الموقف العسكري الذي كان موسى يحسب حسابه بكلّ دقّة، يحتِّم عليه أن يحمي جناح تقدّمه الأيسر، فقد كان هذا الجناح مكشوفاً أيام طارق بن زياد، وأصبح مكشوفاً بعد تغلغل موسى في فتوحه شمالاً، وإلاّ تعرّض جناحه الأيسر لتهديد المقاومة القوطيّة، وتعرضت خطوط مواصلاته الطويلة إلى تهديد العدو القوطيّ الرابض في غربي الأندلس (البرتغال)، فلم يكن باستطاعة موسى أن يتقدّم شمالاً في فتوحه، ما لم يؤمِّن جناحه الأيسر، بالقضاء على مراكز المقاومة القوطيّة، وذلك بفتح تلك المراكز، التي هي المدن البرتغالية، ولم يكن هناك أولى بفتحها من عبد
следующие страницы →