← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يشدّ أزره في الملمّات. فلما حقّق هذا الهدف، استطاع أن يوجِّه ابنه عبد العزيز أولاً، لاستعادة فتح إشبيلية ولَبْلَة وباجة، وهي من معارك استثمار الفوز، ثم وجّه عبد العزيز وعبد الأعلى وَلَديْه لتحقيق هدفه الثاني، وهو تأمين جناحه الأيمن وجناح قوّات طارق بن زياد الأيمن أيضاً. واستطاع عبد الأعلى بالتعاون مع أخيه عبد العزيز، أن يستعيد فتح مالقة (١) ( Malaga) وإِلْبِيْرَة (٢) ( Elvira) ثم توجّه عبد العزيز إلى المنطقة الجنوبية الشرقية من البلاد، قد التقى بالقرب من أُورْيُوْلَة (٣) ( Orihuela) بالدوق تُدْمِيْر ( Theodemir) حاكم هذه المقاطعة، وكان هذا الرجل ذا خبرة عظيمة وتقدير صائب للأمور، قاوم مدة هجوم المسلمين بقيادة طارق بن زياد، ولكنّه أخفق في صدّ المسلمين، ففتحوا مقاطعته وكبدوه خسائر فادحة بالأرواح والممتلكات، فتوصّل أخيراً إلى عقد معاهدة صلح بينه وبين المسلمين في شهر رجب من سنة أربع وتسعين الهجرية (٤) (نيسان - أبريل - ٧١٣ م)، وبموجب هذه المعاهدة، التي ذكر تفاصيلها المؤرخون العرب والمسلمون وغيرهم، حصل تدمير على شروط مناسبة جداً للصلح، فقد اعتُرف به حاكماً على سبعة مدن تقع ضمن منطقته، وهي: أُورْيُوْلَة، وبَلانَة (٥) ( Villena) ، ولَقَنْت (٦) Alicante)) ،..............................................

стр. 492

ومُوْلَة (١) ( Mula) ، وبسْقَرة (٢) ( Bigastro) وإلة (٣) ( Ello) ، ولُوْرَقَة (٤) ( Lorca) ، كما احتفظ بإدارته الداخلية لهذه المدن، على شرط أن يدفع جزية سنوية تقدّر بدينار ذهبي واحد، لكلّ فرد من أفراد منطقته، أما العبيد فتؤخذ عنهم نصف هذه الكمية. وقد وافق تدمير على تقديم كميات معيّنة من القمح والشعير، والخل والعسل والزيت على كلّ فرد حرّ من أفراد منطقته ونصفها على العبيد، كما وافق ألاّ يقوم أحد من رعيته بتجاهل هذه المعاهدة أو الإخلال بشروطها، وألاّ يأووا للمسلمين آبِقاً (٢)، ولا عدوّاً، ولا يكتموا عنهم خبراً يتعلق بأعدائهم، وبالمقابل فإنّهم لن يُقتلوا، ولن يُسْبَوا، أو يجردوا من ممتلكاتهم، أو يُفرّق بينهم وبين أولادهم ونسائهم، ويُسمح لهم بممارسة شعائرهم الدّينية بحريّة، ولن تُحرق كنائسهم (٦). وبعد استقرار الأمور في المنطقة الجنوبية الشرقيّة من شبه جزيرة الأندلس، عاد عبد العزيز إلى إشبيلية. وقد توقف قسم من المؤرخين الأجانب عند معاهدة عبد العزيز وتدمير، وناقشوا تلك المعاهدة مناقشة مَن لا يعرف حقيقة تعاليم الإسلام في القتال، وهي: الإسلام، أو الجِزية، أو القتال. وهذه التعاليم تقضي، بأنّه إذا أراد المسلمون غزو بلد من البلدان، وجب

стр. 493

عليهم أولاً وقبل كلّ شيء، أن يدعو أهله إلى الإسلام، فإن أسلموا كانوا هم وسائر المسلمين سواء، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم؛ وإن لم يُسلموا دَعَوْهم أن يسلِّموا بلادهم للمسلمين، يحكمونها، ويبقى أهل البلاد على دينهم إن شاءوا، على أن يدفعوا الجزية للمسلمين، فإن قبلوا ذلك كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وكانوا في ذمّة المسلمين يحمونهم ويدافعون عنهم؛ وإن لم يقبلوا الإسلام، ولا الدخول تحت حكمه ودفع الجزية، أُعلنت عليهم الحرب وقوتلوا (١). تلك هي المبادئ التي تسيطر على تعاليم الإسلام في الفتح: الإسلام، الجزية، القتال، باتِّفاق الفقهاء، وبالتطبيق العملي في الفتوح الإسلامية في معارك الفتوح كافة. ولكن الذين توقفوا عند هذه المعاهدة من المؤرخين الأجانب، فزعموا: "أنّ هذا النوع من المعاهدات المتساهلة، ربما يشير إلى أنّ سياسة موسى بن نُصير، كانت تهدف إلى خلق نوع من التعاون مع سكّان البلاد في إدارتها بعد الفتح، وهذه السياسة ستمكنه من أن يضع حامية صغيرة في كلّ مدينة مهمة، ويترك إدارة شئونها الداخليّة كما كانت من قبل دون تدخّل في النظام الإداري للبلاد، وربما كان الدافع إلى ذلك، هو ظروف موسى وقلة مَن معه من رجال القبائل العرب الذين كان عددهم لا يكفي للهيمنة على كلّ الأندلس وإدارتها!! " ... الخ ... ومن المؤسف حقاً، أنّ قسماً من المؤرخين العرب والمسلمين تابعوا هذه الأفكار الأجنبية، وما فعله عبد العزيز، كما لم يفعل موسى وسائر قادة الفتح الإسلامي، غير تطبيق تعاليم القتال في الإسلام نصّاً وروحاً، فدفع تدمير الجزية، كما دفع غيره الجزية شرقاً وغرباً، فبقي وبقوا في قيادة أنظمتهم، وأصبحوا من أهل الذِمّة، ولأهل الذمّة رعاية في الإسلام، تتسم بالتسامح

стр. 494

والتواصل لا يعرفها دين من الأديان الأخرى، وهي من صلب تعاليم الإسلام. ٣ - فتوح البرتغال: في الوقت الذي كان موسى بن نُصَيْر وطارق بن زياد، يقومان بفتوحاتهما في شمالي الأندلس، كان عبد العزيز يقوم بفتح وسط البرتغال. فقد عاد عبد العزيز كما ذكرنا، إلى إشبيلية، ومن ثم إلى مارِدَة، حيث ولاّه أبوه القيادة العامة للبلاد المفتوحة، ومن باجَة زحف إلى يَابُرَة (١) ( Evora) وشَنْتَرِيْن (٢) ( Santaren) وقُلُمْرِيَّة (٣) ( Caimbra) ، وظلّ متجهاً إلى أقصى الغرب، بقصد ملاقاة الفرق الإسلامية في أَسْتُرْقَة (٤) ( Astorga) . وقد قام عبد العزيز بهذا الفتح قبل رحيل أبيه موسى من الأندلس إلى دمشق: "فلم يبق في الأندلس بلدة دخلها المسلمون بأسيافهم، وتصيّرت ملكاً لهم، إلاّ قسّم موسى بن نُصير بينهم أراضيها، إلاّ ثلاثة بلاد، وهي: شَنْتَرِيْن وقُلُمْرِيَّة في الغرب، وشَيَّة (٥) في الشرق، وسائر البلاد خُمِّسَت وقُسِّمت بمحضر

стр. 495

التابعين الذين كانوا؟ مع موسى بن نُصير" (١)، ومعنى هذا عبد العزيز افتتح شَنْتَرِيْن وَقُلُمْرِيَّة صلحاً، وذلك أثناء وجود أبيه في الأندلس، وبذلك فتح ما بقي من مدائن الأندلس (٢). ومن الواضح، أنّ طارقاً وموسى، لم يفتحا جميع أنحاء شبه الجزيرة الأندلسيّة، فبقيت مناطق لم تصل إليها جيوش الإسلام بعد. وقد تجمّعت في بعض الأقاليم غير المفتوحة، وفي الجيوب الجبليّة النائية الوعرة، مراكز للمقاومة القوطية ضدّ المسلمين، فاقتضى الأمر إخماد تلك المقاومات وإتمام فتح الأندلس (٣). ولم يكن موسى، ليترك ابنه عبد العزيز - وهو القائد الذي عرف بشجاعته ومهارته - عاطلاً في أيامه. ولو مضى عبد العزيز مع قوّات أبيه في فتوحه شمالاً، لظهر له أثر واضح في الفتح كما ظهر لغيره مثل طارق بن زياد، وذلك في الصفحة الأخيرة من فتوحات موسى بن نُصير. كما أنّ وجود عبد العزيز في باجَة القريبة من تلك المناطق غير المفتوحة، لابدّ أن يغريه بفتحها. والأهم من كلِّ ذلك، أنّ الموقف العسكري الذي كان موسى يحسب حسابه بكلّ دقّة، يحتِّم عليه أن يحمي جناح تقدّمه الأيسر، فقد كان هذا الجناح مكشوفاً أيام طارق بن زياد، وأصبح مكشوفاً بعد تغلغل موسى في فتوحه شمالاً، وإلاّ تعرّض جناحه الأيسر لتهديد المقاومة القوطيّة، وتعرضت خطوط مواصلاته الطويلة إلى تهديد العدو القوطيّ الرابض في غربي الأندلس (البرتغال)، فلم يكن باستطاعة موسى أن يتقدّم شمالاً في فتوحه، ما لم يؤمِّن جناحه الأيسر، بالقضاء على مراكز المقاومة القوطيّة، وذلك بفتح تلك المراكز، التي هي المدن البرتغالية، ولم يكن هناك أولى بفتحها من عبد

стр. 496

العزيز الذي كان في باجَة القريبة من غربيّ الأندلس. والذي يؤيد أن عبد العزيز فتح ما فتح في شرقيّ الأندلس وفي غربيّ الأندلس، في أيام وجود أبيه موسى في الأندلس، وليس بعد رحيله عنها إلى دمشق، أنّ هذا الفتح كان لتأمين جناحيّ قوّات طارق بن زياد وموسى بن نُصير بعد عبوره إلى الأندلس، ولتأمين خطوط مواصلات قوات المسلمين المندفعة عمقاً نحو الشمال، للقضاء على المقاومة القوطية الرئيسة في عقر دارها في المناطق الوعرة والجبليّة، ولفتح المدن والمناطق الأندلسيّة غير المفتوحة في شمالي الأندلس. فلما أتمّ موسى تحقيق أهدافه في الفتح، وأتمَّ طارق بن زياد تحقيق أهدافه في الفتح أيضاً، وأكمل عبد العزيز تأمين خطوط مواصلات قوات المسلمين بقيادة موسى وطارق المتغلغلة بالعمق شمالاً، وأكمل تأمين جناح تلك القوات الأيمن وجناحها الأيسر، وفتح ما فتح شرقاً وغرباً، ولم يبق أمامه غير ترصين ما فتحه، فلما غادر موسى الأندلس إلى الشام وبرفقته طارق بن زياد، أصبح على عاتق عبد العزيز ترصين ما فتحه موسى وطارق إضافة إلى ما فتحه هو، ولم يكن ذلك بالأمر السهل، وبخاصة وأنّه لم بمكث طويلاً على الأندلس بعد رحيل والده موسى عنها، إذ رحل هو الآخر عنها لا إلى دمشق، كما فعل أبوه، بل إلى جوار الله، كما سيرد ذلك وشيكاً. وبهذه المناسبة فقد أثار بعض المؤرخين الأجانب بعض التساؤلات عن عبد العزيز وتابعهم عليها بعض المؤرخين العرب والمسلمين، فقالوا: "وبعد إقرار الأمور في المنطقة الجنوبية الشرقية من شبه الجزيرة، عاد عبد العزيز، إما حسب رغبته، وإمّا لأنّه استُدعي من قبل والده"، وهذا التساؤل وأمثاله لا محلّ له ولا مسوِّغ، فتوجيه عبد العزيز للفتوح شرقاً وغرباً، كان ضمن الخطّة السَّوْقِيّة للفتح، وأهدافه تعيَّن له من القائد العام الذي هو أبوه موسى بن نُصير، فالقائد المرءوس مقيّد بتنفيذ الخطّة العامة ومسئول عن تنفيذ الجزء الخاص به منها، وله الحرية الكاملة في تنفيذ ما يخصه من الخطة السوقية

стр. 497

بطريقته التعبويّة الخاصة، فإذا أنجز واجبه كاملاً، فإنّ توجيهه لتنفيذ واجب جديد ضمن الخطة السَّوْقِيّة، يكون بأمر القائد العام وليس حسب رغبته وهواه، فليس للرغبة والهوى مجال في مثل هذا المجال، بل هي أوامر يصدرها القائد العام، وينفذها القائد المرءوس، وليس في الأمر رغبة شخصية، بل الأمر كلّه واجب ينفّذ، والضبط المتين هو السائد، والموقف جدّ صارم وطاعة كاملة. وتمّت فتوح عبد العزيز خلال سنة أربع وتسعين الهجرية (٧١٣ م) وسنة خمس وتسعين الهجرية (٧١٤ م)، أي حين كان أبوه موسى على الأندلس، ولا أرى أنّ القوّات التي قادها عبد العزيز كانت قوات جسيمة، بل هي قوات خفيفة، مؤلّفة من الفرسان، سريعة الحركة، تستغل قابليتها في التنقّل السريع، لتحقيق أهدافها في الفتح. ذلك لأنّ المقاومة القوطيّة كانت تتمركز في المناطق الوعرة والجبلية في شمالي الأندلس، وفي المدن الأندلسية الشمالية النائية، وكان على موسى وطارق بن زياد، أن يقضيا على جذور المقاومة وعلى أصولها، وأن يجتثا جذورها من مراكزها الرئيسة في المناطق الوعرة والجبليّة في شمالي الأندلس، والمدن الأندلسية الحصينة في تلك المناطق الصّعبة النائية، لذلك كان من الصّعب الاستغناء عن قسم كبير من قوّات المسلمين التي كانت تعمل بقيادتهما المباشرة، لأنّ هدفهما في تطهير المقاومة القوطيّة، وفتح المدن الأندلسية الشمالية كانا بحاجة ماسة إلى قوّات جسيمة، لإمكان تهيئة أسباب تحقيقهما، كما أنّ المقاومة القوطية في وسط البرتغال، لم تكن مقاومة عنيفة، ولا يمكن مقارنتهما بالمقاومة القوطيّة في شمالي الأندلس، لذلك اكتفى موسى بتخصيص قوّات خفيفة لابنه عبد العزيز من أجل تحقيق أهدافه في تفتيت المقاومة القوطية في غربيّ الأندلس وفتح مدنها، فنجح عبد العزيز في ذلك نجاحاً باهراً.

стр. 498

الإنسان اْوّل ما ظهرت كفاية عبد العزيز الإداريّة بوضوح، كان بالصّلح الذي عقده بينه وبين تدمير. وهذا هو نص كتاب الصّلح الذي كتبه عبد العزيز بن موسى، لتدمير بن غبدوش: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز. إلى تدمير. أنّه نزل على الصّلح، وأنّه له عهد الله وذمّته، أن لا يُنزع عنه ملكه، ولا أحداً من النصارى عن أملاكه، وأنهم لا يُقتلون ولا يُسبون، أولادهم ولا نساؤهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا تحترق كنائسهم ما تَعَبّد كذا، (وصحتها تقيّد) وما نَصَح، وأنَّ الذي اشتُرط عليه أنّه صالح على سبع مدائن: أوريولة وبَلَنْتِلَة ولقنت ومولة وبَقْسَر وأنَّهْ ولورقة، وأنّه لا يأوي لنا عدوّاً، ولا يخون لنا أمناً، ولا يكتم خبراً عَلِمَهُ، وأنّه عليه وعلى أصحابه دينار كلّ سنة، وأربعة أمداد قمح، وأربعة أمداد شعير، وأربعة أقساط طِلا (١)، وأربعة أقساط خلّ، وقسط عسل، وقسط زيت، وعلى العبد نصف ذلك. كتب في رجب من سنة أربع وتسعين من الهجرة. شهد على ذلك: عثمان بن أبي عبيدة القرشيّ، وحبيب بن عبيدة الفِهريّ، وعبد الله بن ميسرة الفهميّ، وأبو قائم الهُذَلِيّ" (٢). وبهذه المعاهدة أصبح تدمير ومَن بقي معه على النصرانية، من أهل الذمة، في حماية المسلمين ورعايتهم، ولا مجال للتعليلات التي ذهب إليها

стр. 499

المستشرقون، وتابعهم عليها بعض المؤرخين العرب والمسلمين، فمكانة أهل الذمّة بين المسلمين معلومة، وحمايتهم واجية، ورعايتهم أمانة، والالتزام بالعهود مُحَتَّم على المسلمين. ومن الواضح أن عبد العزيز عقد هذه المعاهدة في أيام أبيه على الأندلس، لأنّها عُقدت سنة أربع وتسعين الهجريّة، وموسى بن نُصير غادر الأندلس سنة خمس وتسعين الهجرية، فلا مجال للتشكيك في موعد عقدها. وتدمير هذا هو ابن ( Ergobados) (١) ، وهو يقرأ: إمّا غوبادوش أو جوبادوش، وهو قريب من الاسم العربي الذي أطلقه عليه العرب (٢)، وكان تدمير أحد كبار قادة غيطشة ملك الأندلس الذي اغتصب ملكَه لذريقُ، وكان نصرانياً مثقفاً، استطاع بعلمه وفضله اكتساب احترام المسلمين. وما دام تدمير لم يُسلم، وعقد الصّلح مع المسلمين على الجزية، فقد أصبح من أهل الذمّة، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم. وحين غادر موسى بن نُصير الأندلس، ولّى ابنه عبد العزيز على الأندلس، وترك معه مَن يعاونه من أقدر الرجال، مثل حبيب بن أبي عُبَيْدَة الفِهْرِي، أحد أحفاد عُقْبَة بن نافع الفِهْرِي، وترك مع ابنه كثيراً من القادة المسلمين الآخرين مع أفراد قبائلهم، ليدافعوا عن الأندلس (٣) ويحموه، وقد اختار موسى إشبيلية عاصمة للبلاد، بسبب قربها من البحر والمضيق، كما جعلها أيضاً قاعدة بريّة بحرية للمسلمين في الأندلس (٤). وبدأت مشاكل عبد العزيز، بعد مغادوة موسى الأندلس إلى دمشق،

стр. 500

فأصبح يحارب في جبهتين: الجبهة الداخلية المتمثلة في الطّامعين بحكم الأندلس، المنافسين له على ولايتها، يشجِّعهم على ذلك موقف الخلافة من موسى بن نُصَير، في اضطهاده ومحاسبته حساباً عسيراً، فكان التيار السّائد على عبد العزيز لامعه. والجبهة الخارجية، المتمثلة بالمقاومة القوطيّة المتربِّصة بالفاتحين، التي تنتهز الفرصة للانقضاض على الفاتحين، وإعادة المناطق المفتوحة إلى الحكم القوطي من جديد. وقضى عبد العزيز في ولايته نحو سنتين، عنى خلالهما بتحصين الثُّغور وقمع الخروج والعصيان، وأبدى همّة في تنظيم الحكومة الجديدة وإدارتها، وأنشأ ديواناً لتطبيق الأحكام الشرعيّة وتنسيقها. وشجع الزواج بين العرب والإسبان، وتزوج أجيلونا (إيجلونا) التي تسميها المراجع العربية: أَيْلُه (أيلونا) أو أم عاصم، وكانت أيلونا قبل ذلك زوجاً للذريق (١)، فيما تذهب إليه المراجع: "وكانت قد صالحت على نفسها في وقت الفتح، وباءت بالجزية، فأقامت على دينها، فحظيت عنده وغلبت على نفسه" (٢) فتزوجها بعد خروج أبيه موسى من الأندلس، فجاءته من الدنيا بشيء كثير لا يُوصف (٣). وانتهز الطامعون بولاية الأندلس، المنافسون له بولايتها فرصة زواجه بأيلونا المسيحيّة، فزعموا أنّها ملكت زمام زوجها، فتابعها في كثير مما أرادت (٤)، وأنّها عملت له تاجاً من الذّهب والجوهر، وحملته على أن يلبسه، لأنّ: "الملوك إذا لم يُتوّجوا، فلا ملك لهم" كما قالت، وما زالت به حتى قَبِل أن يلبسه إذا خلا إليها، فشاع تتويجه في خيار جند المسلمين، فلم

стр. 501

يكن لهم هَمٌّ إلاّ كشف ذلك، حتى رأوه عياناً، فقالوا: تنصّر! ثم هجموا عليه، فقتلوه (١). ولم تقف حرب الإشاعة على عبد العزيز إلى هذا الحد، ويبدو أنّ قصّة لبس التاج وتنصّره، تؤثِّر في الرأي العام لجند المسلمين في الأندلس، باعتبار أنّهم يرفضون كلّ انحراف عن تعاليم الإسلام، ولكنّ مثل تلك الإشاعة، لا تؤثّر في الذين خبروا مزايا عبد العزيز تقيّاً نقيّاً ورعاً، كما لا يصدِّقها العقلاء الذين في السُّلطة أو خارجها، فأشاعوا أنّه: "لما بلغ عبد العزيز بن موسى ما نزل بأبيه وأخيه عبد الله بن موسى الذي كان في القيروان على إفريقيّة والمغرب وآل بيته، خلع الطاعة وخالف، فأرسل إليه سليمان بن عبد الملك رسولاً فلم يرجع، فكتب سليمان إلى حبيب بن أبي عبيدة بن عُقبة بن نافع ووجوه العرب سراً بقتله، فلما خرج عبد العزيز إلى صلاة الفجر، قرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ سورة الواقعة، فقال له حبيب: حقّت عليك يا ابن الفاعلة! وعلاه بالسيف، فقتله" (٢)، وقد ركز قسم من المستشرقين على تصديق اتّجاه عبد العزيز إلى الاستقلال عن الخلافة بالأندلس (٣)، وتابعهم على تصديق هذا الزّعم المتهافت قسم من مؤرخي العرب والمسلمين. وأمّا القول بأنّ الخليفة سليمان بن عبد الملك أوعز بقتله، فقول لا يجد ما يؤيِّده من الواقع ومن التفكير السّليم، لأنّ الخليفة لم يكن عاجزاً عن عزله إن أراد، وقد سبق للخليفة عزل أبيه موسى وهو أقوى منه وأكبر مكانة وأنصع تاريخاً وأكثر أتباعاً، فعزله بسهولة ويسر، واستخرجه من الأندلس مع رجل أو رجلين من رجال للخليفة، دون أن يستطيع موسى تحريك ساكناً. كما لم يكن سليمان ليخشى ثورته بالجند، لأنّ الجند كان مختلفاً عليه، وليس

стр. 502

بمعقول أن يكون حقد سليمان على عبد العزيز أشدّ من حقده على أبيه موسى، ما أوعز سليمان بقتل موسى ولا فكّر بذلك، ولا قتله حين أصبح في دمشق رجلاً بلا غد. ومصداق ذلك، أن سليمان لما بلغه: "مقتل عبد العزيز بن موسى، شقّ ذلك عليه، فولّى إفريقيّة عُبَيْد الله بن يزيد القريشي، لا أدري لمن من قريش (يريد محمد بن يزيد مولى قريش والي إفريقية)، وإلى إفريقيّة كان أمر الأندلس وطَنْجَة وكلّ ما وراء إفريقية، وأمره سليمان فيما فعله حبيب بن أبي عُبَيْدة وزياد بن النّابغة من قتل عبد العزيز، بأن يتشدّد في ذلك، وأن يقفلهما إليه ومَن شركهما في قتله من وجوه النّاس. ثمّ مات سليمان، فسرّح عبيد الله بن يزيد والي إفريقيّة على الأندلس الحرَّ بن عبد الله الثَّقفي، وأمره بالنظر في شأن قتل عبد العزيز" (١) مما يفهم صراحة أنّ الأمر دُبِّر بغير علم الخليفة، وأنّ الخليفة لا علاقة له بقتل عبد العزيز. ولم يكن من سمات خُلق سليمان بن عبد الملك الإقدام على الاغتيالات أو التحريض عليها، فقد وصف سليمانَ المؤرِّخون بأنّه: "مفتاح الخير، أطلق الأسارى، وخلّى أهل السُّجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز" (٢)، فلا يتّهمه بالاغتيال، أو يصدِّق هذا الاتّهام، عاقل غير متحيِّز. كما أنّ عبد العزيز، لو أراد الاستقلال بالأندلس عن الخلافة، لأعدّ لذلك عدته، التي من أوّلها: إبعاد غير الموثوق بهم من صفوف جنده، واتِّخاذ الحماية الكافية لنفسه، وتقريب مَن يعينه سلى تحقيق ما يصبوا إليه. ولم يتّخذ عبد العزيز شيئاً من هذه التدابير، ولو اتّخذ شيئاً منها، لما سهل على الطّامعين والمنافسين له اغتياله بسهولة ويُسر. أمّا اتِّهامه بأنّه ضعيف مترف مُستَخذٍ لزوجه، وأنّه تنصّر، فلا سبيل إلى تصديق ذلك، فقد أقام مع زوجه أيلونا في دار متواضعة قريبة من موضع

стр. 503

اجتماع المسلمين ومكان صلاتهم. ولو كان ضعيفاً مترفاً لسكن أحد قصور إشبيلية الفخمة، ولما استقرّ في دار متواضعة، ليكون قريباً من رجاله ومن مسجده. أمّا أنّه تنصّر، فقد كان خيّراً فاضلاً (١)، ومن خير الولاة (٢)، ولمّا أُحضر رأس عبد العزيز بين يدي سليمان، حضر أبوه موسى، فقال له سليمان: "أتعرف هذا؟ "، قال: "نعم، أعرفه صوّاماً قوّاماً، فعليه لعنة الله إن كان الذي قتله خيراً منه" (٣). والمعقول، أنّ عبد العزيز ذهب ضحيّة الطامعين بولاية الأندلس والمنافسين له على الحكم، وبخاصة بعد أن أصبح أبوه موسى وأهل بيته من المغضوب عليهم، فكان موقف عبد العزيز في مدّة ولايته ضعيفاً، وأصبحت الفرصة سانحة أمام الطّامعين والمنافسين له: "ثمّ اجتمعوا على أيوب بن حبيب الَّلخْمِيّ الذي قُتل عبد العزيز بمشورته"، مما يدلّ بوضوح على أنّ الأمر تمّ في الأندلس بعد أن تشاور الطّامعون والمنافسون له، فشنّوا حرب الإشاعة، وكان موقف عبد العزيز يومئذ بعد نكبة أبيه واهناً، فنجح أعداؤه في قتله وتولّى السّلطة بعده، ولو إلى حين. ويبدو أنّ حال عبد العزيز مع جنده لم يكن على ما ينبغي، لا لأنّهم كانوا ساخطين عليه، بل لأنّ نفراً منهم كان شديد التّطلع والطموح، وكان هؤلاء النّفر في الظّاهرين في جنده وكبار رجاله. لقد أصبح عبد العزيز والياً على الأندلس منذ مبارحة أبيه موسى الأندلس في صفر من سنة خمس وتسعين الهجرية (تشرين الأول - تشرين الثاني - أكتوبر - نوفمبر من سنة ٧١٣ م)، وجرى اغتياله في رجب سنة سبع وتسعين

стр. 504

الهجرية (١) (كانون الثاني - يناير من سنة ٧١٦ م)، فقضى في ولايته زهاء عامين فقط، أنجز ما أنجز خلالهما من أعمال جِسام، ذكرنا قسماً منها، وكان بإمكانه أن ينجز أعمالاً أكبر مما أنجزه وأكثر، لولا أنّ نفسه كانت طوال أيام ولايته مروّعة ينتابها الخوف على مصير أبيه موسى بن نُصير، ومصير أسرته، فمال إلى السّكون والانتظار والترقب، وبهذا وحده يمكن أن نعلّل عدم نشاطه في العمل (٢)، وقد عرفناه إلى ذلك الحين رجلاً مقداماً نشيطاً لا يكلّ ولا يملّ من العمل، ويُتعب من يعمل معه دون أن يَتعب، فقد كان من أولئك القلائل الذين لا ينامون ولا يُنيمون. ولا عبرة في ذكر شيء من حرب الإشاعة في بعض المصادر المعتمدة، التي أشاعها أعداء عبد العزيز عليه طمعاً بولاية الأندلس ومناصبها العليا، فقد تردّد ذكرها على ألسنة الناس وتناقلوها دون تدقيق ولا تمحيص، فسجّلها أحد المؤرخين ثقة بها أو كشفاً لزيفها، ثمّ تناقلها عنه غيره بالتدريج، ولا غبار على أنّها من الإشاعات المغرضة التي لا تُصدّق، فما كلّ ما خطّته المصادر صواب، ولا يخلو مصدر من هفوات. وقد كان موسى بن نُصير من التابعين (٣)، فيكون عبد العزيز ابنه من تابعي التابعين، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

стр. 505

القائد لئن كان طارق بن زياد، قد ترك ثغرة خطرة على فتحه، بالرغم من عظمة ذلك الفتح، هو تغلغله بالعمق في الأندلس، إلى مسافات لا تتناسب مع ما كان لديه من قوّات، فكانت خطوط مواصلاته مهدّدة بالانقطاع عن قاعدته الأمامية المتقدِّمة في جبل طارق، وقواعده في طَنْجَة وسَبْتَة والقيروان، وكان جناحاه الأيمن والأيسر مهددين بحشود المقاومة القوطية المتنامية. ولكن اعتماد طارق على قيادة موسى بن نُصير، قائده المباشر، سوّغ له هذا التغلغل عمقاً في الأندلس، لأنّه كان يثق ثقة مطلقة بأنّ موسى لن يتركه وحده في مصاولة القوط، ولن يسمح للمقاومة القوطية أن تقطع خطوط مواصلاته، أو تعرِّض جناحيه للخطر الدّاهم، وفعلاً كان موسى عند حسن ظنِّ طارق به، فلم يفسح المجال للمقاومة القوطية أن تلحق الضرر بقوّات طارق، وعمل على ملافاة الخطر من تغلغل طارق فوراً وفي الزمان والمكان المناسبين. ولئن كان الهدف الرئيس من عبور موسى بن نُصير إلى الأندلس، هو لحماية قوّات طارق من خطر تعرّض خطوط مواصلاتها للانقطاع، ومن خطر تعرّض جناحيها للتهديد المعادي، ولحرمان المقاومة القوطية من محاولة قطع خطوط مواصلات قوّات طارق وتهديد جناحيها المكشوفَيْن. فإنّ عبد العزيز في الواقع، هو الذي نفذ عملياً خطّة الانقاذ لقوات طارق التي وضَعها موسى، وعبر إلى الأندلس من أجل تنفيذها، فاستعاد فتح إشبيلية من جديد، ورصّن قوّات المسلمين في لَبْلَة وباجَة، وبذلك حمى خطوط مواصلات طارق وموسى من القطع، كما فتح جنوبيّ وجنوب شرقي الأندلس، وبذلك حمى جناح قوّات طارق وموسى الأيسر، فأصبحت بذلك قوّات المسلمين في الأندلس، على الرغم من تغلغلها عمقاً نحو الشمال، في أمان واطمئنان، ولا تخشى قطع خطوط مواصلاتها، ولا تحذر تهديد

стр. 506

جناحيها، وتفتّتت المقاومة القوطيّة شرقاً وغرباً، وأصبح الفتح الأندلسي فتحا مستداماً، ولم يبق للمقاومة القوطية أثر ولا تأثير إلاّ في الجبال الشمالية التي تفصل بين الأندلس من جهة وفرنسا من جهة أخرى. لقد كان أثر عبد العزيز بمعاونة أخيه عبد الأعلى، في الفتح الأندلسيّ، وفي ترصين ذلك الفتح، وفي حماية القوّات الإسلامية الفاتحة، عظيماً للغاية في واقعه وفي حاضر المسلمين في الأندلس ومستقبلهم، دون أن يُعطى الأهمية المناسبة له من المؤرخين قديماً وحديثاً. فهو الذي تولّى الأندلس: "بعد قُفُول أبيه عنها ... فضبط سلطانها، وضمّ نَثَرَها، وسدّ ثغورها، وافتتح في ولايته مدائن كثيرة، مما كان قد بقي على أبيه موسى منها، وكان من خير الولاة، إلاّ أنّ مدّته لم تطل ... " (١). ومعنى ذلك، أنّ بقاءه والياً لم يطل أمده، لتظهر مزاياه القيادية في الفتوح وفي إحراز الانتصارات الباهرة. وبالإمكان إضافة عامل آخر، على قِصر مدّته والياً، هو أنّ ظروفه الراهنة، بعد غضب الخلافة على أبيه موسى وعلى أهل بيته، لم تكن ملائمة لاستئناف الفتوح وإحراز الانتصارات، إذ كان هو الآخر مصيره معلّقاً في مهبّ الريح، ومن المتوقّع أن يُصيبه ما أصاب أباه وأهل بيته عاجلاً أم آجلاً، فكان بحقّ منهكاً نفسياً، لا يدري ما تخبِّؤه له الأيام من مِحَن ومصائب، ولا يستطيع والٍ في مثل موقفه هذا غير المضمون أن يفعل ما فعله عبد العزيز أو يحقِّق ما أنجزه. ومن المعلوم أنّ الوالي يومئذ هو القائد العام على البلاد، فهو إداريّ وقائد، يعمل في القضايا الإداريّة، كما يعمل في القضايا العسكرية، فهو إداري وقت السّلام، إداريّ وقائد وقت الحرب. وقد ظهر لنا، أنّ عبد العزيز قد تهيّأت له في أيامه الأولى مزيتان من مزايا القائد الّلامع، هما: العلم المكتسب، والتجربة العمليّة.

стр. 507

وبقي علينا، أن نتدارس معاً، المزيّة الثالثة للقائد الّلامع، وهي: الطبع الموهوب، لاستكمال دراسة المزايا الثلاث: الطبع الموهوب، والعلم المكتسب، والتجربة العملية. إنّ مفتاح شخصيّة عبد العزيز القياديّة، هو أنّه إذا قرّر فتح مدينة من المدن أو منطقة من المناطق، ووضع الخطة التّعبويّة المناسبة لتحقيق هدفه، فإنَّه يبذل قصارى جهده لتحقيق هدفه بالحُسنى، فيفاوض لعقد معاهدة للصّلح، تجعل التعايش بين الغالب والمغلوب ممكناً، وتقلّل من الخسائر المادية - وبخاصة في الأرواح - بين الجانبين المتحاربين، وتجعل بنود السّلام تخفق على رءوس المتحاربين بدلاً من أن تدقَّ بينهم طبول الحرب. فإذا نجح في تحقيق هدفه بالسّلام لا بالحرب، فذلك ما يصبو إليه ويتمناه، وإلاّ فلا مفرّ من القتال، إذا لم يبق من وسيلة للتفاهم إلاّ القتال. والأسبقية في تحقيق الهدف، بالنسبة لعبد العزيز، هو للسَّلام أولاً، وللقتال ثانياً، إذا لم يُفلح في تحقيق هدفه بالسَّلام، وإذا لم يكن إلاّ الأسنّة مركباً، فما حيلة المضطر إلاّ ركوبها، والكيّ آخر الدواء. وهو في هذه المزية القياديّة، يشابه أبا عُبَيْدَة بن الجّراح ﵁ (١)، وهو على طرفي نقيض من خالد بن الوليد ﵁ (٢)، وطارق بن زياد ﵀، فقد كان خالد وطارق شديدين على الأعداء: إمّا أن يستسلم لهم العدو فوراً، وإلاّ قاتلوه بعنف شديد فوراً، حتى يستسلم لهما عَنْوَة دون قيد أو شرط. وقد عقد عبد العزيز معاهدة للصلح بينه وبين تدمير، جعلت التّعايش بين المسلمين والإسبان في جنوبي وجنوب شرقي الأندلس ممكناً ومريحاً، ولكنّه لم يستطع أن يعقد معاهدة للصلح بينه وبين ما فتحه من مدن غربي

стр. 508

الأندلس في البرتغال، فنشب القتال بين المسلمين والقوط، ولكن هذا القتال كما يبدو لم يكن عنيفاً لا يُبْقي ولا يَذَر، بل كان كالدواء يتناوله المريض للشفاء، فإذا شفي أو قارب حدود الشفاء، تخلّى عن الدواء. وهكذا كان القتال في غربي الأندلس، قليل الخسائر على الجانبين، فلمّا تمّ الفتح بادر عبد العزيز إلى مواساة المتضرّرين من جرّاء القتال. فإذا تجاوزنا مفتاح شخصية عبد العزيز القياديّة، إلى سمات قيادته بإيجاز، نجد أنه كان يتحلّى بسمة: إصدار القرار الصحيح السّريع، فقد كان ذكياً حاضر البديهة متعلِّماً، مثابراً على الحصول على المعلومات عن العدو، والأرض التي يقاتل عليها، من شتى مصادر الحصول على المعلومات، ومنها العيون والاستطلاع. وكان يتحلّى بالشجاعة والإقدام، فكان يقود رجاله من الأمام، ولا يقودهم من الخلف، ويكون أُسوة حسنة لرجاله بشجاعته الشّخصيّة. وكان ذا إرادة قويّة ثابتة، إذا عزم على أمر نفّذه، وإذا أصدر أمراً أصرّ على تنفيذه، وكان يُقدم على تحقيق أهدافه في الفتح بعزم وإصرار. وكان من أولئك القادة الذين يتحملون مسئولياتهم كاملة، ولا يتهرّبون منها، أو يلقونها على عواتق الآخرين. وكان ذا نفسية لا تتبدّل في حالتي النّصر والاندحار، واليُسر والعُسر، فما عرفناه ضَعُفَ أو أبدى ضعفاً، حين أصبح والده موسى مغضوباً عليه من الخليفة، بل ظلّ يزاول أعماله، أقوى ما يكون ثباتاً ونشاطاً، حتى أتاه اليقين. وكان يتمتّع بمزية: سبق النّظر، فيتوقّع ما سيحدث، ويتصوّر ما سيقع، ويُعدّ لكلّ شيء عدّته حلاًّ لما عسى أن يجابهه من معضلات. وكان يعرف نفسيّات رجاله وقابلياتهم، فيكلِّف كلّ واحد منهم ما يناسبه من واجبات تناسب نفسيته وقابليته، ولكنّه لم يكن يعرف نيّات مَنْ حوله من كبار رجاله، فتآمروا على اغتياله دون أن يكتشف نياتهم قبل وقت مناسب من

стр. 509

التنفيذ، لأنّه لم يؤذِ أحداً منهم، ولم يَظلم أحداً، فما كان يتوقع أن يؤذيه أحد أو يظلمه، وكان عليه أن يحتاط لنفسه، فالوقاية خير من العلاج. وكان يثق برجاله ويثقون به، والتآمر على اغتياله ليس دليلاً على عدم ثقة رجاله به، وهؤلاء الذين تآمروا عليه يُعدّون على الأصابع، وهم لا يمثِّلون سائر رجاله، الذين كانوا يبادلونه ثقةً بثقة، ويرونه قائداً يستحق الثقة الكاملة به. وكان يحب رجاله، ويبادلونه حبّاً بحب، وآية حبّه لهم أنّه حرص على أرواحهم في ميادين القتال، فلم يقاتل إلاّ بعد أن أعيته وسائله كافة في تحقيق أهدافه بدون قتال. كما أنّه لم يفرّط برجل من رجاله بأي شكل من الأشكال وبأي أسلوب من الأساليب، وأبقاهم حوله بتماس شديد معه، حتى رحل إلى جوار الله. وكان ذا شخصية قويّة نافذة مؤثِّرة فيمن حوله من رجاله ومن الإسبان الذين فتح بلادهم، ولولا تلك الشخصية المتميِّزة، لما استطاع السّيطرة على الأندلس، بعد أن تسامع النّاس، بأنّ أباه أصبح في عِداد المغضوب عليهم من الخليفة، وأنّ مركز عبد العزيز والياً وقائداً أصبح مهدداً بالعزل اليوم أو غداً. وكان يتمتّع بقابلية بدنيّة متميّزة، فقد كان في ريعان الشباب، واستطاع مشاركة رجاله في ميادين القتال صيفاً وشتاءً، وتعباً وعناءً، وتنقّلاً وثواءً. وكان ذا ماضٍ ناصع مجيد، فهو ابن فاتح الأندلس، موسى بن نُصَير، وهو قد أضاف إلى أمجاد أبيه مجداً جديداً في الفتح وفي ميادين القتال. وكان يطبِّق مبادئ الحرب كافةً بصورة فطريّة، فهذه المبادئ ثابتة أبداً، ولكنّ الأساليب القتاليّة هي التي تتغيّر باستمرار. فقد كان عبد العزيز يطبّق مبدأ: اختيار المقصد وإدامته، فكان يختار مقصده بالضبط، ويفكّر في أقوم طريقة للوصول إليه، ثم يضع الخطّة المناسبة للحصول عليه. وكان قائداً تعرضياً، لم يتّخذ الدفاع مسلكاً له في تحقيق أهدافه

стр. 510

العسكرية، ولكنّه كان يتعرّض إذا لم ينجح في حمل عدوّه على الصّلح. وكان يطبِّق مبدأ المباغتة، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولكن قبل أن يباغت عدوّه، يحاول أن يحقِّق هدفه بلا قتال بالمفاوضات لعقد الصلح، فإذا لم ينجح في تفادي القتال، حاول أن يباغت عدوّه بالمكان أو بالزمان أو بالأسلوب. أما العدو، فلم يستطع أن يباغت قوّات عبد العزيز في يوم من الأيام. وكان يطبّق مبدأ: حشد القوّة، لتكون جاهزة لقتال العدو، دون تفريط في جزء منها بلا مسوِّغ، ولم تكن قوّاته في حينه كبيرة، لذلك لم يكن بمقدوره الاستغناء عن جزء منها. ولم يكن يُغفل مبدأ: الاقتصاد في المجهود، فكما كان لا يفرِّط بجزءٍ من قوّاته دون مسوِّغ، كان يحول دون التفريط بجزء منها دون مسوِّغ أيضاً، وقد كان من أولئك القادة الذين لا يغرٍّرون برجالهم، ويحرصون على أرواحهم حرصاً لا مزيد عليه. وكان يسهر على: أمن رجاله، وقد نوّهنا بمبلغ حرصه على أرواحهم، وذكرنا أنّه لا يغرّر بهم، وأنّ العدو لم يستطع مباغتة رجاله في يوم من الأيام، مما يدلّ على أنّه كان يطبق مبدأ: الأمن، بشكل يدعو إلى التقدير. وكان يطبِّق مبدأ: المرونة، في خططه التعبوية، فالمقصد من العملية واضح لديه، والخطة مرسومة سلفاً لتحقيق المقصد، ولكن الخطة قابلة للتحوير والتّطوير بالنسبة للظروف والأحوال، فلا يصرّ على تطبيق خططه إذا اقتضت الظروف إدخال التعديلات عليها، ما دامت تلك التعديلات لا تؤثِّر في تحقيق المقصد المطلوب. وكان لا يتوانى عن: التعاون، بين قوّاته، تعاوناً وثيقاً، وبين قوّاته وقوّات غيره من قادة المسلمين، كما فعل مع قوّات أخيه عبد الأعلى، وبين قوّاته وقوّات القيادة العامّة التي كان أبوه موسى على رأسها، وقد لمسنا همّته في استعادة فتح إشبيلية ولَبْلَة وباجَة لتأمين خطوط مواصلات طارق وموسى،

стр. 511

وهمّته في فتح مدن جنوبي وجنوب شرقي الأندلس وغربيِّها، لتأمين جناحي طارق وموسى الأيمن والأيسر، فأصبحت قوّات المسلمين آمنةً مطمئنّة، وكانت قبل فتوح عبد العزيز في خطر عظيم. وكان يطبِّق مبدأ: إدامة المعنويات، بثلاثة عوامل، هي العقيدة الرّاسخة، التي هي التّمسك بالدين الحنيف، وبالنّصر المؤزر، الذي أحرزه عبد العزيز وطارق وموسى، وبالقيادة القادرة المتميِّزة، التي هي قيادة عبد العزيز ومن قبله قيادة طارق وموسى، فكانت معنويات المسلمين في الأندلس عالية جداً، لأن عوامل إدامة المعنويات الثلاثة كانت متيسرةً يومذاك. وكان عبد العزيز معنياً بالأمور الإداريّة، فلا نعلم أنّ قوّاته عانت من نقص في ناحية ما، من نواحيها الإدارية، بل كان وضعها الإداري جيداً للغاية، ويكفي أن نتذكّر ما حمله موسى معه من غنائم جسيمة من الأندلس، حين غادرها إلى دمشق. ومهما قيل في المبالغة بجسامة تلك الغنائم، فإنَّها تبقى دليلاً على أنّ المسلمين كانوا يعيشون في الأندلس عيشاً هو أقرب إلى الرفاهية والثراء منه إلى الفقر والعوز. ولا يمكن أن تكون القيادة الأندلسية تمتلك كلّ هذا الثراء الباذخ العريض، دون أن يظهر ذلك على القوّات الإسلاميّة التي تقودها في مسيرة أمورها الإداريّة. إنّ قوّات المسلمين في الأندلس كانت في بحبوحة من العيش، ويمكن أن يكون وضعها من النّاحية الإداريّة، أفضل من وضع سائر قوّات المسلمين، في سائر أمصار الدولة الإسلامية، شرقاً وغرباً. ويبدو أن عبد العزيز، كان يساوي بينه وبين رجاله، فكان يعيش بينهم، ويصلّي في مسجدهم، ولو أنّه اتّخذ حرساً لنفسه، وجماعة مختارة من رجاله لحمايته، ومكاناً خاصاً به في المسجد للصّلاة، لصعب على المتآمرين عليه في تنفيذ خطتهم في اغتياله، ولكنّهم استطاعوا اغتياله بسهولة ويسر، مما يدلّ على أنّه كان يساوي نفسه برجاله، ولا يتميَّز عليهم في شيءٍ من المظاهر الخارجيّة، التي يحاول أن يتميّز بها أصحاب السُّلطة والحكم.

стр. 512

وكان يشاور رجاله في كلّ ما يصادفه من مشاكل ومعضلات، وبخاصة أولئك النفر من القادة والرؤساء الذين خلّفهم موسى مع ابنه عبد العزيز، قبل رحيله عن الأندلس، وأوصاهم به خيراً، وأوصاه بهم خيراً، فكان عبد العزيز عند حسن ظن أبيه موسى به، في اعتماده على أولئك النفر وثقته بهم، وركونه إليهم، واستشارتهم في أموره العامة. ولكنّهم لم يكونوا عند حسن ظنّ موسى بهم، إذ كانوا مع موسى ومع عبد العزيز يوم كانت الأيام مقبلة عليهم، فلما أدبرت عنهم انقلب قسم منهم على عبد العزيز، ودبّروا له المكايد، وحاربوه بالإشاعات الملفّقة، حتى اغتالوه وهو يصلّي في المسجد، ففاز بالشهادة، ولم يفوزوا بشيء. ولم تطل مدة بقائه قائداً عامّاً بعد رحيل أبيه موسى عن الأندلس، لكي يتيسّر له الوقت الكافي لإنجاز فتوح جديدة، ولم تكن ظروفه الراهنة التي تحيط به وتؤثر فيه نفسيّاً، مساعدة لإبراز كفاياته قائداً لامعاً، فلا يستطيع محلِّل لقابلياته القيادية، أن يجيب على تساؤل المتسائلين: هل كان عبد العزيز قائداً موهوباً؟ هل كانت قيادته تتّسم بمزية: الطبع الموهوب؟ إنّ الفرصة لم تسنح له أن يثبت ذلك، فمضى دون أن يأخذ حقّه كاملاً في هذه الحياة، ومع ذلك فلا أحد ينكر عليه قائداً متميّزاً، كان بالإمكان أن يلمع أكثر مما لمع، وينجز أكثر مما أنجز، لو طالت مدّة قيادته، وحسنت ظروف حياته، ولكنَّ الرياح جرت بما لا تشتهي السّفن، والمرء مُقَدَّر لما خُلق له. عبد العزيز في التاريخ يذكر التاريخ لعبد العزيز، أنّه كان السّاعد الأيمن لأبيه موسى ابن نُصَيْر فاتح شطر الأندلس، في فتوحه الأندلسيّة. ويذكر له، أنّه فتح مناطق واسعة جداً في جنوبي وجنوب شرقي الأندلس، وطهّر تلك المناطق من جيوب المقاومة القوطيّة.

стр. 513

ويذكر له أنّه فتح الشّطر الأكبر من البرتغال، غربي الأندلس، وفتح مدنها، وقضى على جيوب المقاومة القوطيّة في أرجائها. ويذكر له، أنّه استعاد فتح إشبيلية ولَبْلَة وباجَة من جديد، ودحَر المقاومة القوطيّة التي استولت عليها بعد فتحها من المسلمين. ويذكر له، أنّه قضى على تهديد المقاومة القوطيّة لخطوط مواصلات قوّات طارق بن زياد وموسى بن نصير في الأندلس، وعلى جناحي تلك القوات الأيمن والأيسر، مما أتاح لطارق وموسى التغلغل شمالاً في الفتح. ويذكر له، أنّه اغتيل ظلماً وعدواناً، فنال باغتياله شرف الشهادة. ويذكر له، أنّه كان مجاهداً صادقاً، وإدارياً حازماً، وكان يعمل بأمانة وإخلاص، للإسلام والمسلمين، مجاهداً وإدارياً، دون كلل ولا ملل. ويذكر له، أنّه رحل وهو في ريعان الشباب، فكأنّه كان يغالب الزّمن، ليخلِّف من بعده، ما لم يخلفه الشيوخ فتحاً ومآثر وأمجاداً. ﵀، جزاء ما قدم للعرب والمسلمين، من خدمات لا تنسى، قائداً وفاتحاً وإدارياً وشهيداً. لقد رحل عن هذه الدنيا، ولكن آثاره في الأندلس وفي صفحات التاريخ، لن ترحل أبداً.

стр. 514

عبد الأعلى بن موسى بن نُصَيْر اللَّخْمِيّ (١) فاتح مالَقَة (٢) وإِلبِيْرَة (٣) نسبه وأيّامه الأولى هو عبد الأعلى بن موسى بن نُصَيْر بن عبد الرحمن بن زيد (٤) من بني لَخْم (٥)، ويقال: إنّه مولى لَخْم (٦)، وقيل: إنّه من أراشَة من بَلِيّ (٧)، وقيل من بَكْر بن وائل (٨)، ويذكر أولاده أنّه من بكر بن وائل، وغيرهم يقول: إنّه

стр. 515

مولى (١). وادِّعاء أولاده وأحفاده، بأنه من بَكْر بن وائل، بعد أن استقرّوا فى إفريقية والمغرب والأندلس وملكوا وتأثّلوا، وأصبح لهم أجداد يفاخرون بأمجادهم، وبخاصة موسى بن نصير فاتح شطر الأندلس وأوّل جدّ لهم لا تخفى مفاخره، في وقت كان فيه الفخر بالنسب سِمة من سمات العصر البارزة، عصر بني أميّة، قد يؤخذ مأخذ الدعاوة لهم بالنّسب المفضّل لا بمأخذ تقرير الواقع، كما أن ادِّعاء مَن كان عليهم لا معهم بأنهم موالي، كان نتيجة من نتائج تعالي أولاد موسى بن نصير بالنّسب المزوّر لا بالنسب السّليم، فهو ردّ فعل تلقائي لهذا التعالي الموهوم المفتعل، فلا يؤخذ به ولا يُصدّق أيضاً، لأن دوافعه عاطفية عن الحق والواقع. إنه عربي (٢)، من لخْم، أبوه موسى بن نصير اللّخْمِي (٣)، فاتح شطر الأندلس المشهور، وكان والياً على إفريقية والمغرب في أواخر سنة خمس وثمانين الهجرية (٧٠٤ م) أو أوائل سنة ست وثمانين الهجرية (٧٠٥ م)، كما شغل عدّة مناصب إدارية وقيادية قبل ذلك، تدل على أنه كان قريباً من بنى أميّة ومَن كان يعمل معهم في المناصب الإدارية والقيادية العليا. ولم يكن جدّه نصير بعيداً عن مراكز السلطة في الإدارة والقيادة أيضاً، وأصله من سبايا بلدة عّيْن التَّمْر (٤) الذين سباهم خالد بن الوليد سنة اثنتي عشرة الهجرية (٦٣٣ م)، فقد وجد خالد أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسر عنهم وقال: (وما أنتم؟!) فقالوا: (رُهُنٌ!)، منهم نصير أبو موسى بن نصير، فقسّمهم خالد في أهل

стр. 516

البلاد؛ (١) ثم أصبح من حرس معاوية بن أبي سفيان (٢)، ثم أصبح على حرس معاوية (٣)، وعلى جيوشه (٤)، ولكنه لم يشهد معه قتال علي بن أبي طالب ﵁ (٥). ولا نعلم متى وُلد، وأين، ولا نعلم عن أيامه الأولى شيئاً، ونستطيع أن نستنتج أنه نشأ وترعرع واستوى على عوده، بالمقارنة مع لِداته في عصره، الذين عاشوا في بيئة مشابهة لبيئته الاجتماعية، فهو أمثاله يربّون تربية تفيد عقولهم بالعلم، وتفيد أبدانهم بالتدريب العسكري، ويخالطون العلماء والقادة والإداريين عن كثب، فيتلقّون منهم عصارة علومهم وتجاربهم في الحياة، ويتعلمون منهم كيف يواجهون الأحداث، وكيف يجدون الحلول المجدية للمعضلات، فإذا أصبحوا كفايةً وعُمراً قادرين على العطاء، مُنحوا الفُرص لإبداء كفاياتهم في ميدان الإدارة، أو في ميدان القيادة، أو في الميدانين معاً، فتظهر معادنهم الأصلية، ويُكتب لهم النجاح أو الإخفاق. لقد نشأ عبد الأعلى وترعرع في ظروف ملائمة كل الملائمة، لاستكمال مزاياه الشخصية، فتلقى مختلف العلوم والآداب والفنون المعروفة يومذاك، وتدرّب على الفنون العسكرية العملية والنظرية، وتلقى تجارب القادة والإداريين، وبخاصة تجارب والده موسى الغنية بالعمل والإنتاج والآلام والآمال. وقد طبّق الفنون العسكرية النظرية عملياً في ميدان القتال، وبذلك جمع التدريب الفني النظري والعملي، ووضع معلوماته العسكرية النظرية في حيِّز التنفيذ العملي. ولما عبر موسى إلى الأندلس في رمضان من سنة ثلاث وتسعين

стр. 517

الهجرية (١) (٧١٢ م)، ازدادت فرص عبد الأعلى في التّعليم والتدريب عملياً في الفتوحات، حتى إذا أصبح قادراً على تولي مهام القيادة، ولاّه أبوه موسى منصباً قيادياً، فأضاف بقيادته فتحاً جديداً على فتوح طارق بن زياد، وفتوح أبيه موسى وأخيه عبد العزيز (٢). ولم نجد لعبد الأعلى نشاطاً في القيادة أو الإدارة أيام كان مع أبيه في إفريقية والمغرب، وظهر نشاطه أول ما ظهر بعد عبور أبيه موسى إلى الأندلس، مما يشير إلى أنه كان في إفريقية والمغرب صغيراً على المناصب الإدارية والقيادية، فأصبح في أيام عبوره إلى الأندلس برفقة أبيه موسى في عُمْر يناسب تولي المناصب الإدارية والقيادية، فمن المحتمل أن يكون عمره سنة ثلاث وتسعين الهجرية قد جاوز العشرين سنة على الأقل. لقد تهيّأ لعبد الأعلى مزيتان من مزايا القيادة الثلاث الرئيسة: العلم المكتسب، والتجربة العملية. وبقي السِّمة الثالثة للقيادة، وهي: الطبع الموهوب، ولا ندري هل تهيأت له هذه السِّمة أم لا، لأن مدّة قيادته لم تطل، وظروفه الراهنة في حينها لم تكن ملائمة له، كما أنّ إنجازاته في الفتح كانت قليلة جداً نسبياً، وهذه العوامل الثلاثة: المدة، والظروف، والإنجازات، لم تيسِّر له إظهار مواهبه القيادية كما ينبغي، فكانت تلك العوامل الثلاثة عليه لامعة، فمضى إلى أجله ومعه سرّ موهبته القيادية، لم يسجلها المؤرخون، ولا يستطيع أحد معرفتها حتى اليوم. الفاتح وجه موسى بن نُصَيْر ولديه: عبد العزيز وعبد الأعلى، إلى جنوبي وجنوب

стр. 518

شرقي الأندلس، وكان هذا على الأغلب، بعد استعادة عبد العزيز فتح إشبيلية (١) ولَبْلَة (٢) وباجَة (٣)، لأن أسبقية أهداف موسى بعد عبوره إلى الأندلس، هي القضاء على مراكز المقاومة الرئيسة للقوط، وأسبقية هذه المراكز حسب خطورتها هي: المقاومة القوطية في المناطق الشمالية للأندلس، وقد توجّه موسى وطارق بن زياد للقضاء عليها والمقاومة القوطية في وسط الأندلس، التي تهدِّد خطوط مواصلات المسلمين، وهي منطقة إشبيلية ولبلة وباجة، وقد وجه موسى ابنه عبد العزيز، فقضى عليها. والمقاومة القوطية في جنوبي وجنوب شرقي الأندلس، التي تهدّد جناح المسلمين الأيمن، وقد وجه موسى ابنيه: عبد العزيز وعبد الأعلي لمعالجتها. وأخيراً، المقاومة القوطية في غربي الأندلس، وقد وجّه موسى ابنه عبد العزيز، بعد انتهائه من معالجة المقاومة القوطية في جنوبي وجنوب شرقي الأندلس، فقضى عبد العزيز على تلك المقاومة، وبذلك أصبحت خطوط مواصلات المسلمين، وجناحاهم: الأيمن والأيسر، آمنة مطمئنة، وأصبح موقف قوّات المسلمين سليماً. واستطاع عبد الأعلى، بالتعاون مع أخيه عبد العزيز، أن يستعيد فتح مَالَقَة ( Malaga) وإلْبِيرَة ( Elvira) وكان ذلك سنة أربع وتسعين الهجرية (٤) (٧١٣ م).

стр. 519

وكان طارق بن زياد، قد سبق له فتح هذه المنطقة سنة ثلاث وتسعين الهجرية (٧١٢ م)، فاستعاد عبد الأعلى فتحها من جديد، مما يدل أن المقاومة القوطية استطاعت استرجاعها من المسلمين، وبذلك هدّدت جناح قوّات المسلمين الأيمن، كما أنها أصبحت تهدّد خطوط مواصلاتهم تهديداً خطيراً، فكان الموقف العسكري يحتّم على المسلمين القضاء على مراكز المقاومة القوطية في تلك المنطقة، واستعادة فتح المنطقة بكاملها من جديد، وقد استطاع الأخوان: عبد الأعلى، وعبد العزيز، بالتعاون بينهما، تحقيق هذا الهدف الحيوي الكبير. الإنسان القائد ١ - الإنسان: ظنَّت المصادر والمراجع العربية والإسلامية والأجنبية أيضاً، على عبد الأعلى بذكر أخباره إنساناً، في قديمها وحديثها، فلا ذكر له إلاّ نادراً في عدد محدود من المصادر والمراجع التي وصلت إلينا. وكمثال على ذلك، فإن الشيخ أحمد بن محمد المَقَّري صاحب كتاب: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، فى سبعة مجلدات كبار، والذي جمع فأوعى جميع جاء عن الأندلس في المصادر العربية الإسلامية تقريباً حتى سنة وفاته في جمادى الآخر من سنة إحدى وأربعين وألف الهجرية (١٠٤١ هـ =١٦٣١ م)، لم يذكر عبد الأعلى إلا مرتين في صفحة واحدة من صفحات مجلداته السبع، في خبر عابر عن استعادة فتح قسم من المدن الأندلسية، ثم لم يعد إلى ذكره مرة أخرى! وكل الذي نعرفه عنه إنساناً، أنه كان أحد أولاد موسى بن نصير الذي استخلف على الأندلس ابنه عبد العزيز، فلما عبر البحر إلى سبتة، استخلف

стр. 520

عليها وعلى طنجة وما والاهما ابنه عبد الملك، واستخلف على إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله (١)، ورافقه إلى دمشق مروان (٢). ورحل عبد الأعلى عن الأندلس بعد رحيل أبيه عن الأندلس ورافق أباه إلى دمشق (٣)، وانقطعت أخباره هناك، فلا ندري متى توفي وأين؟ وهل كان له عَقِب أم لا؟ ومتى وُلد ومتى توفي؟ وما هي أعماله؟ إنه كالشهاب الساطع ظهر فجأة فخطف الأبصار بنوره، ثم اختفى فجأة إلى الأبد، فلا يعرف أحد عنه شيئاً. ٢ - القائد: أوسع ما ورد عن فتوحه، ما جاء في نفح الطيب وهذا هو نصّ ما ورد عنه: "وقيل: إن موسى بن نصير، أخرج ابنه عبد الأعلى إلى تُدْمِير ففتحها، وإلى غرناطة ومالقة وكورة رَيَّة، ففتح الكلّ. وقيل: إنه لما حاصر مالقة، وكان ملكها ضعيف الرأي قليل التحفظ، كان يخرج إلى جِنان له إلى جانب المدينة طلباً للراحة من غُمّة الحصار، مت غير نصب عينٍ ولا تقديم طليعة، وعرف عبد الأعلى بأمره، فأكمنَ له في جنَبَات الجنّة التي كان ينتابها قوم من وجوه فرسانه ذوي رأي وحزم، أرصدوا له ليلاً، فظفروا به وملكوه، فأخذ المسلمون البلد عنوة، وملأوا أيديهم غنيمة" (٤)، وما ذكرناه في سيرته فاتحاً، هو ما اتفقت عليه المصادر الأخرى مع ما جاء في نفح الطيب، وقد أشرنا إلى تلك المصادر. ومن جميع ما ذُكر عن فتوح عبد الأعلى، لا يمكن استنتاج سمات قيادته، ولكن يمكن أن نذكر، أن موسى بن نصير وغير موسى، لا يمكن أن يولي رجلاً

стр. 521

من الرجال، حتى ولو كان ابنه أو قريبه، منصباً قيادياً أيام الحرب، إلاّ إذا كان ذلك الرجل حائزاً على المزايا القيادية التي يجب أن يتحلى بها القائد الذي يتولى منصباً قيادياً في زمن الحرب، حتى يمكن أن ينجح القائد في قيادته ويملأ منصبه، ويكون بمقدار منصبه أو أكبر منه، لا أن يكون أقل من منصبه كفايةً واقتداراً. لأن الكفاية العالية والاقتدار المتميز، هما العاملان اللذان يُعتبران من أهم عوامل إحراز النصر. أما الكفاية الواطئة والاقتدار الضعيف، فلا يؤديان إلاّ إلى الهزيمة، وما يتبع الهزيمة من خسائر مادية ومعنوية، تؤثر أول ما تؤثر في سمعة الذي ولىّ القائد القادر ومصيره، وتؤثر أول ما تؤثر في سمعة الذي ولىّ القائد الهزيل ومصيره. لذلك نجد أن الخلفاء لم يولوا أبناءهم كافة مناصب قيادية، بل ولَّوْا مَن يستحق هذا المنصب حسب، إذا وجدوا بين أبنائهم مَن يستحقه، وإلاّ ولّوا مَن يرون فيه الكفاية والاقتدار، واستعراض قائمة القادة من أبناء الخلفاء وغيرهم، خير دليل على ذلك. وعلى ذلك، فإن موسى بن نصير، وهو مَن نعرف، من ألمع قادة الفتح الإسلامي، وأكثرهم كفاية واقتداراً، لا يمكن أن يولي عبد الأعلى منصب القيادة، إلاّ إذا كان يتحلى بالكفاية العالية والاقتدار المتميز، وبخاصة في أيام استشراء المقاومة القوطية في الأندلس، فأصبحت تهدّد خطوط مواصلات قوات المسلمين وجناحيهم الأيمن والأيسر بأفدح الأخطار. ومن المعلوم أن موسى لم يولِّ منصب القيادة أبناءه كافة، بل اكتفى بتوليه عبد العزيز وعبد الأعلى في فتوح الأندلس، وكان له أبناء كثيرون، تذكر التاريخ قسماً منهم، ونسي قسماً منهم، وحتى الذين تذكرهم وذكرهم التاريخ، لم يتولوا مناصب قيادية جميعاً، بل تولاّها قسم منهم فقط، كما هو معروف. ويبدوا أن موسى بن نصير ولّى ابنه عبد الأعلى منصباً قيادياً في زمن الفتوح، وفي ظروف عصيبة بالغة الخطورة، قد يؤدي إخفاق المسلمين في معركة واحدة من معارك الفتوح، إلى انهيار معنوياتهم وارتفاع معنويات القوط، وإلى تكبيد المسلمين خسائر فادحة بالأرواح، وقد تؤدي إلى إخفاق خطط الفتح أو

стр. 522

عرقلة مسيرته على الأقل. لذلك فإن إقدام موسى على تولية ابنه عبد الأعلى منصبا قيادياً مهماً في جبهة حيوية، دليل على أن عبد الأعلى كان يتحلَّى بصفات قيادية أصيلة، منها: القدرة على إصدار القرار الصحيح السريع، والشجاعة الشخصية، والإقدام، والإرادة القوية الثابتة، وتحمل المسئولية كاملة، وعدم التهرب منها وإلقائها على عواتق الآخرين، ونفسيّة لا تتبدل في حالتي النصر والهزيمة واليسر والعسر، وسبق النظر وإعداد الخطط المناسبة لما يتوقع حدوثه سلفاً، ومعرفة نفسيات من يعمل معه وقابلياتهم، فيستخدم الرجل المناسب للواجب المناسب، يثق برجاله ويثقون به، ويحبهم ويحبونه، ذو شخصية قوية نافذة، وقابلية بدنية متميزة لأنه في عز شبابه، وله ماض ناصع مجيد، يكفي أنه ابن موسى بن نصير، وله هو في الفتوح نشاط يذكر. وكان يطبق مبادئ الحرب، فيعرف كيف يختار مقصده وكيف يعمل على إدامته، وكان قائداً تعرّضياً لم يتخذ أسلوب الدفاع في حربه، وكان يطبق مبدأ: المباغتة أهم مبادى الحرب على الإطلاق، قد طبق على صاحب مالقة مبدأ المباغتة، فأخذه أخذاً وهو في إحدى بساتينه، ثم فتح مدينته عنوة. وكان يطبق مبدأ: حشد القوة، فكان يستغل قواته المتيسرة استغلالاً كاملاً في المكان والزمان الجازمين. ولكنه كان يطبق مبدأ: الاقتصاد في المجهود، فلا يغرِّر برجاله، ولا يعرِّضهم للمهالك، ولا يفرِّط بأرواحهم دون مسوِّغ. وكان يطبق مبدأ: الأمن، فلم يستطع عدوّه أن يباغت قوّاته في يوم من الأيام، وقد استطاع أن يباغت عدوّهُ كما ذكرنا. وكانت خططه مرنةً يمكن تعديلها أو تحويرها، كما كان مرناً في قابليته على الحركة والتنقل. وكان يطبق مبدأ: التعاون، فتعاونت قواته لتحقيق أهدافه في الفتح، وتعاون مع أخيه عبد العزيز في الفتح، وتعاون مع قيادته العامة تعاوناً وثيقاً في تحقيق خططها المرسومة له. وكان يطبق مبدأ: إدامة المعنويات، بالعقيدة الراسخة أولاً، وبالقيادة المقتدرة ثانياً، وبالانتصارات المؤزّرة ثالثاً وأخيراً.

стр. 523

وكان يطبق مبدأ: الأمور الإدارية، فلا نعرف أن قواته جاعت أو شكت من نقص في أمورها الإدارية، إذ كان المسلمون في الأندلس في ثراء وسعة وبحبوحة من العيش. وكان يساوي نفسه مع رجاله، ويستشيرهم عند الملمّات. ولو لم تكن هذه المزايا في عبد الأعلى، لما ولاّه أبوه موسى منصب القيادة، في ظروف قتالية خطيرة. إنه قائد جيد، لم تسمح له ظروفه أن يظهر كفاياته كما يحب ويرضى. عبد الأعلى في التاريخ يذكر التاريخ لعبد الأعلى، أنه كان من أكبر أعوان والده موسى ابن نصير فاتح شطر الأندلس، في فتوحه الأندلسية. ويذكر له، أنه فتح مناطق واسعة جداً، في جنوبي وجنوب شرقي الأندلس، وطهّر تلك المناطق من جيوب المقاومة القوطية. ويذكر له، أنه عاون في القضاء على المقاومة القوطية في جنوبي وجنوب شرقي الأندلس، فحمى جناح قوات المسلمين الأيمن في الأندلس. ويذكر له، أنه سطع فجأة كالنجم، فبهر بفتوحه الأنظار، ولكنّه اختفى فجأة كما سطع فجأة، وبقيت آثاره في الفتح والتاريخ. ﵀، جزاء ما قدّم للعرب والمسلمين من فتوح لا تُنسَى، قائداً فاتحاً، نشر العربية لغة، والإسلام ديناً، في جزء كبير من الفردوس المفقود.

стр. 524

عبد الله بن موسى بن نُصَيْر الَّلخْمِيّ (١) فاتح جزيرتي مَيُوْرقَة (٢) ومَنُوْرَقَة (٣) نسبه وأيّامه الأولى هو عبد الله بن موسى بن نُصَيْر بن عبد الرحمن بن زيد (٤) من بني لَخْم (٥)، ويقال: إنّه مولى لَخْم (٦)، وقيل: إنّه من أراشَة من بَلِيّ (٧)، وقيل من بَكْر بن وائل (٨)، ويذكر أولاده أنّه من بكر بن وائل، وغيرهم يقول: إنّه مولى (٩).

стр. 525

وادعاء أولاده وأحفاده، بأنه عربي من بكر بن وائل، بعد أن استقروا وملكوا في إفريقية والمغرب والأندلس، وتأثّلوا وأصبح لهم مكان ومكانة وشأن بين الناس، في وقت كان الفخر فيه بالنَسَب سِمة من سِمات ذلك العصر، عصر بني أميّة في دولتهم، قد يُؤخذ بمأخذ الدّعاوة لأنفسهم بالنسب المرموق المفضّل، لا بمأخذ تقرير الواقع والصّدق. كما أن ادِّعاء مَن كان عليهم لا معهم من الناس، بأنهم من الموالي لا من العرب، قد يكون نتيجة من نتائج تفاخر أولاد عبد الله وأحفاده وتعاليهم بادِّعاء النسب المفتعل الموهوم، فهو ردّ فعل متوقّع لذلك التفاخر، بالتزوير والتعالي بالاختلاق، فلا يؤخذ به بمأخذ الجّد ولا يُصدّق، لأن دوافعه عاطفية لا واقعية، ووهمية لا حقيقيّة. إنه عربي (١)، جده نصير أبو موسى، وكان اسم نصير: نصراً، فصُغِّر (٢)، وكان نصير من بين سبايا بلدة عَيْن التَّمْر (٣)، الذين سباهم خالد بن الوليد المخزومي سنة اثنتى عشرة الهجرية (٦٣٣ هـ)، فقد وجد خالد أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسره عنهم، وقال: "وما أنتم؟! "، فقالوا: "رُهُن! "، منهم نصير أبو موسى بن نصير وجدّ عبد الله بن موسى بن نصير، وكان ينسب نصير إلى بني يَشْكُر (٤) وهو ليس منهم، فقسمهم خالد في أهل البلاد (٥)، فأصل عبد الله من عين التّمر (٦). وقد أعتق نُصيراً بعضُ بني أميّة، فرجع إلى الشام (٧)، ثم أصبح من حرس

стр. 526

معاوية بن أبي سفيان (١)، ثم أصبح على حرس معاوية (٢)، وعلى جيوشه (٣)، وكانت منزلة نُصير عند معاوية مكينة، فلما خرج معاوية لقتال علي بن أبي طالب، لم يخرج معه نصير، فقال له معاوية: "وما منعك من الخروج معي، ولي عندك يد لم تكافئني عليها؟؟ "، فقال: "لم يمكنّي أن أشكرك بكفري مَن هو أولى بشكري منك! "، فقال: "ومَن هو؟! "، فقال: "الله "، فأطرق معاوية مليّاً، ثم قال: "أستغفر الله"، ورضي عنه (٤). ونشأ عبد الله وترعرع وشبّ، في أحضان أبيه موسى الذي كان قائداً ووالياً، في ظروف ملائمة لاستكمال شخصيته، بالعلم والتدريب وبالاتصال المباشر بالقادة والولاة والعلماء، وأهل التجارب. وكان التعليم النظري لاستيعاب العلوم المتيسِّرة السّائدة في حينه ميسوراً، ليس لأبناء القادة والولاة والمترفين حسب، بل لأبناء الناس من مختلف الطبقات. فنشأ عبد الله ليتعلم القرآن وعلومه، والحديث النبوي الشريف وعلومه، والتاريخ والسِّير وأيام العرب في الجاهلية والإسلام، وأتقن علوم العربية صَرْفاً ونحواً وبلاغةً وبياناً وشعراً ونثراً، وحفظ نماذج من أقوال الخطباء والبلغاء والشعراء، ولم يُغفل الحساب والهندسة وتقويم البلدان. وكما كان يحرص الآباء على تعليم أولادهم العلوم المختلفة والآداب والفنون، كانوا يحرصون أيضاً على تعليم أولادهم العلوم العسكرية العملية والنظرية، في تلك الأيام التي تعجّ بالجهاد والفتوح. وقد تعلم عبد الله العلوم العسكرية النظرية: إقامة المعسكرات، تنظيم المعسكر، اختيار مناطق التعسكر، وشروط المعسكر الجيّد، فنون التعبية كإخراج المقدّمات والمؤخرات والمجنبات، وأساليب الحماية المختلفة،

стр. 527

والاستفادة من الأرض، وزرع الربايا والكمائن، ومعالجة المشاكل غير المتوقعة وحل المعضلات، وتأمين القضايا المعنوية والإدارية، وكل هذه العلوم تُلقّن من قادة مجرِّبين لهم في الجهاد باع طويل. كما تدرّب عبد الله على الفنون العسكرية العملية: ركوب الخيل، والرمي بالسِّهام، والتصويب الدقيق، والضرب بالسيوف، والطعن بالرماح، والسباحة، وتحمّل المشاق العسكرية: سيراً على الأقدام مسافات طويلة في أيام متعاقبة وظروف قاسية صيفاً وشتاء، والحرمان من الطعام والشراب مدة من الزمن، والتعود على تناول الطعام الخشن والماء العسر، والابتعاد عن المأكل اللّين والشراب السائغ مدة التدريب، وهذا ما نطلق عليه في المصطلحات العسكرية الحديثة: التدريب العنيف. ولكن هذا التدريب العسكري وحده لا يكفي، لأنه تدريب (فردي)، فلابد من تلقّي التدريب (الإجمالي)، وهو ممارسة الجهاد قائداً وجندياً في ساحة القتال، ليطبق ما تعلمه (فرداً) من فنون عسكرية عملية، على القتال ضمن المحاربين تطبيقاً عملياً، وهذا ما نطلق عليه تعبير: تعليم المعركة، إذ لا فائدة من التدريب الفردي، إلاّ إذا طبّق عمليّاً في التدريب الإجمالي، وأفضل أنواع التدريب الإجمالي وأكثرها فائدة، هو ممارسة القتال عملياً في ميدان القتال. وقد كان أسلوب التدريب على القتال، شائعاً في عهد بني أميّة عامة، بما في ذلك أبناء الخلفاء والقادة والولاة. أما موسى بن نصير، فقد دأب على زجّ أولاده في معارك الجهاد، فزجَّ بعبد الله ومروان ابنيه في معارك الجهاد الإفريقية (١)، وزجَّ بعبد العزيز وعبد الأعلى في معارك الجهاد الأندلسية. وكان التدريب العملي في الأمور الإدارية ميسوراً أيضاً لعبد الله وسائر أبناء موسى بن نصير، لأنهم كانوا إلى جانب والدهم الذي كان والياً على إفريقية والمغرب، فكان عبد الله قريباً من أكبر ولاة بني أميّة ومن ألمعهم وأقدرهم،

стр. 528

يرى كيف يصرِّف الأمور، وكيف يصدر القرارات الخطيرة، فكان يرى ويسمع ما يحدث في القمَّة من تصريف أمور الدولة، وهذه تجارب عمليّة مفيدة للغاية في تكوين شخصية عبد الله، وإكمال تعلّمه وتدريبه. لقد تهيّأ لعبد الله العلم المكتسب، والتجربة العملية، مما كان له أثر عميق في تكوين شخصيته إدارياً وقائداً.

стр. 529

الفاتح ١ - في إِفْرِيْقِيَّة (١): أصبح عبد الله ساعد والده الأيمن، بعد أن أصبح والده على إفريقية والمغرب (٢)، يستعين به في الفتوح، ومن الواضح أنه رافق أباه موسى بن نصير

стр. 530

في فتوحه، قبل أن يتولى قيادة مستقلة، وكان من أسباب مرافقته لأبيه: تدريبه عملياً في ميدان الجهاد، واختبار قدراته قائداً ومجاهداً. ويبدو أنه أصبح في سن يصلح معها تولي القيادة، بعد تدريبه على واجباتها عملياً، وبعد نجاحه في إبراز كفايته قائداً ومجاهداً، فولاّه أبوه القيادة في إفريقية، ليعمل تحت إشرافه قائداً مرءوساً. وكان أول فتوح موسى بن نصير في إفريقية قلعة زغْوان (١)، وبينها وبين القيروان مسيرة يوم كامل، وبنواحي زغوان قبائل من البربر، بعث إليهم موسى خمسمائة فارس، ففتحها، وغنم منها عشرة آلاف من السبايا، فكان ذلك السبي أول سبي دخل القيروان (٢). ثم وجّه موسى ابنه عبد الله (٣) إلى بعض نواحي إفريقية، فأتى بمائة ألف رأس من السبى. ثم وجه ابنه مروان (٤)، فأتى بمثلها، فكان الخمس يومئذ ستين ألفاً. وكتب موسى إلى عبد العزيز بن مروان الذي كان يومئذ على مصر، والذي كان موسى مرتبطاً به مباشرة من الناحية الإدارية، يُعلمه بالفتح، ويُعلمه أن الخُمس بلغ ثلاثين ألفاً، وكان ذلك وهماً من الكاتب: كتب ثلاثين ألفاً بدلاً من ستين ألفاً، فلما قرأ عبد العزيز بن مروان الكتاب، وأن الخُمُس من السّبى ثلاثون ألفاً، استكثر ذلك، ورأى أنه وَهْمٌ من الكاتب لكثرته، فكتب إلى موسى يقول له: "إنه بلغني كتابك، تذكر أن خُمس ما أفاء الله عليك ثلاثون ألف رأس، فاستكثرت ذلك، وظننته وهماً من
следующие страницы →