← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

معاوية بن أبي سفيان (١)، ثم أصبح على حرس معاوية (٢)، وعلى جيوشه (٣)، وكانت منزلة نُصير عند معاوية مكينة، فلما خرج معاوية لقتال علي بن أبي طالب، لم يخرج معه نصير، فقال له معاوية: "وما منعك من الخروج معي، ولي عندك يد لم تكافئني عليها؟؟ "، فقال: "لم يمكنّي أن أشكرك بكفري مَن هو أولى بشكري منك! "، فقال: "ومَن هو؟! "، فقال: "الله "، فأطرق معاوية مليّاً، ثم قال: "أستغفر الله"، ورضي عنه (٤). ونشأ عبد الله وترعرع وشبّ، في أحضان أبيه موسى الذي كان قائداً ووالياً، في ظروف ملائمة لاستكمال شخصيته، بالعلم والتدريب وبالاتصال المباشر بالقادة والولاة والعلماء، وأهل التجارب. وكان التعليم النظري لاستيعاب العلوم المتيسِّرة السّائدة في حينه ميسوراً، ليس لأبناء القادة والولاة والمترفين حسب، بل لأبناء الناس من مختلف الطبقات. فنشأ عبد الله ليتعلم القرآن وعلومه، والحديث النبوي الشريف وعلومه، والتاريخ والسِّير وأيام العرب في الجاهلية والإسلام، وأتقن علوم العربية صَرْفاً ونحواً وبلاغةً وبياناً وشعراً ونثراً، وحفظ نماذج من أقوال الخطباء والبلغاء والشعراء، ولم يُغفل الحساب والهندسة وتقويم البلدان. وكما كان يحرص الآباء على تعليم أولادهم العلوم المختلفة والآداب والفنون، كانوا يحرصون أيضاً على تعليم أولادهم العلوم العسكرية العملية والنظرية، في تلك الأيام التي تعجّ بالجهاد والفتوح. وقد تعلم عبد الله العلوم العسكرية النظرية: إقامة المعسكرات، تنظيم المعسكر، اختيار مناطق التعسكر، وشروط المعسكر الجيّد، فنون التعبية كإخراج المقدّمات والمؤخرات والمجنبات، وأساليب الحماية المختلفة،

стр. 527

والاستفادة من الأرض، وزرع الربايا والكمائن، ومعالجة المشاكل غير المتوقعة وحل المعضلات، وتأمين القضايا المعنوية والإدارية، وكل هذه العلوم تُلقّن من قادة مجرِّبين لهم في الجهاد باع طويل. كما تدرّب عبد الله على الفنون العسكرية العملية: ركوب الخيل، والرمي بالسِّهام، والتصويب الدقيق، والضرب بالسيوف، والطعن بالرماح، والسباحة، وتحمّل المشاق العسكرية: سيراً على الأقدام مسافات طويلة في أيام متعاقبة وظروف قاسية صيفاً وشتاء، والحرمان من الطعام والشراب مدة من الزمن، والتعود على تناول الطعام الخشن والماء العسر، والابتعاد عن المأكل اللّين والشراب السائغ مدة التدريب، وهذا ما نطلق عليه في المصطلحات العسكرية الحديثة: التدريب العنيف. ولكن هذا التدريب العسكري وحده لا يكفي، لأنه تدريب (فردي)، فلابد من تلقّي التدريب (الإجمالي)، وهو ممارسة الجهاد قائداً وجندياً في ساحة القتال، ليطبق ما تعلمه (فرداً) من فنون عسكرية عملية، على القتال ضمن المحاربين تطبيقاً عملياً، وهذا ما نطلق عليه تعبير: تعليم المعركة، إذ لا فائدة من التدريب الفردي، إلاّ إذا طبّق عمليّاً في التدريب الإجمالي، وأفضل أنواع التدريب الإجمالي وأكثرها فائدة، هو ممارسة القتال عملياً في ميدان القتال. وقد كان أسلوب التدريب على القتال، شائعاً في عهد بني أميّة عامة، بما في ذلك أبناء الخلفاء والقادة والولاة. أما موسى بن نصير، فقد دأب على زجّ أولاده في معارك الجهاد، فزجَّ بعبد الله ومروان ابنيه في معارك الجهاد الإفريقية (١)، وزجَّ بعبد العزيز وعبد الأعلى في معارك الجهاد الأندلسية. وكان التدريب العملي في الأمور الإدارية ميسوراً أيضاً لعبد الله وسائر أبناء موسى بن نصير، لأنهم كانوا إلى جانب والدهم الذي كان والياً على إفريقية والمغرب، فكان عبد الله قريباً من أكبر ولاة بني أميّة ومن ألمعهم وأقدرهم،

стр. 528

يرى كيف يصرِّف الأمور، وكيف يصدر القرارات الخطيرة، فكان يرى ويسمع ما يحدث في القمَّة من تصريف أمور الدولة، وهذه تجارب عمليّة مفيدة للغاية في تكوين شخصية عبد الله، وإكمال تعلّمه وتدريبه. لقد تهيّأ لعبد الله العلم المكتسب، والتجربة العملية، مما كان له أثر عميق في تكوين شخصيته إدارياً وقائداً.

стр. 529

الفاتح ١ - في إِفْرِيْقِيَّة (١): أصبح عبد الله ساعد والده الأيمن، بعد أن أصبح والده على إفريقية والمغرب (٢)، يستعين به في الفتوح، ومن الواضح أنه رافق أباه موسى بن نصير

стр. 530

في فتوحه، قبل أن يتولى قيادة مستقلة، وكان من أسباب مرافقته لأبيه: تدريبه عملياً في ميدان الجهاد، واختبار قدراته قائداً ومجاهداً. ويبدو أنه أصبح في سن يصلح معها تولي القيادة، بعد تدريبه على واجباتها عملياً، وبعد نجاحه في إبراز كفايته قائداً ومجاهداً، فولاّه أبوه القيادة في إفريقية، ليعمل تحت إشرافه قائداً مرءوساً. وكان أول فتوح موسى بن نصير في إفريقية قلعة زغْوان (١)، وبينها وبين القيروان مسيرة يوم كامل، وبنواحي زغوان قبائل من البربر، بعث إليهم موسى خمسمائة فارس، ففتحها، وغنم منها عشرة آلاف من السبايا، فكان ذلك السبي أول سبي دخل القيروان (٢). ثم وجّه موسى ابنه عبد الله (٣) إلى بعض نواحي إفريقية، فأتى بمائة ألف رأس من السبى. ثم وجه ابنه مروان (٤)، فأتى بمثلها، فكان الخمس يومئذ ستين ألفاً. وكتب موسى إلى عبد العزيز بن مروان الذي كان يومئذ على مصر، والذي كان موسى مرتبطاً به مباشرة من الناحية الإدارية، يُعلمه بالفتح، ويُعلمه أن الخُمس بلغ ثلاثين ألفاً، وكان ذلك وهماً من الكاتب: كتب ثلاثين ألفاً بدلاً من ستين ألفاً، فلما قرأ عبد العزيز بن مروان الكتاب، وأن الخُمُس من السّبى ثلاثون ألفاً، استكثر ذلك، ورأى أنه وَهْمٌ من الكاتب لكثرته، فكتب إلى موسى يقول له: "إنه بلغني كتابك، تذكر أن خُمس ما أفاء الله عليك ثلاثون ألف رأس، فاستكثرت ذلك، وظننته وهماً من

стр. 531

الكاتب، فاكتب بالحقيقة". فكتب موسى: "قد كان ذلك وهماً من الكاتب على ما ظنّه الأمير! والخمس أيها الأمير ستون ألف رأس ثابتاً بلا وَهْم"، فلما بلغه الكتاب، عجب كل العجب وامتلأ سروراً، وكان الخليفة عبد الملك بن مروان كتب إلى أخيه عبد العزيز: "قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من رأيك في عزل حسّان (١) وتولية موسى، وقد أمضى لك أمير المؤمنين ما كان من رأيك وولاية مَن ولّيتَ"، فكتب عبد العزيز إلى أخيه يعلمه بالفتح وبكتاب موسى (٢). ومن الواضح، أن هناك مبالغة شديدة في عدد الأسرى، فإذا كان الخمس ستين ألفاً، فمعنى ذلك أن تَعْداد السّبي يكون ثلاثمائة ألف. فإذا كان سبي زغوان عشرة آلاف، وسبي عبد الله مائة ألف، وسبي مروان مائة ألف، فيكون المجموع عشرة آلاف ومائتي ألف، لا ثلاثمائة ألف (٣). وقد ورد في مصدر آخر، أن تعداد سبي عبد الله، بلغ ألف رأس (٤) فقط، وهذا عدد مناسب معقول، فإذا كان تعداد سبي مروان ألف رأس أيضاً، وتعداد سبي موسى في زغوان مثل هذا العدد، فيكون مجموع السبي ثلاثة آلاف رأس، ويكون الخمس من هذا السبي ستمائة رأس، لا ستين ألفاً، بيد أن الناسخ أخطأ في النقل، فأضاف لكل عدد صفرين إلى اليمين من العدد الحقيقي الأصلي. ودلالة أعمال موسى بن نصير هذه، أنه استطاع القضاء على جيوب المقاومة في إفريقية، وأنه استطاع إخضاع قبائل البربر التي خرجت على الطاعة، بعد مسير حسّان بن النعمان إلى المشرق، وأنّ، موسى أراد أن يحلّ

стр. 532

قضايا القبائل حلاً جذريّاً، فعاقب الخارجين عليه عقاباً صارماً. وبذلك استطاع موسى أن يجعل من منطقة القيروان وما حولها، قاعدة أمينة للمسلمين، ينطلق منها موسى وهو أمين على خطوط مواصلاته، لتنفيذ خططه في الفتح متغلغلاً في المغرب الأوسط (١) والمغرب الأقصى (٢). وكان ما أنجزه موسى، تمَّ بمعاونة أولاده، وعلى رأسهم أكبرهم سنّاً: عبد الله (٣)، ويبدو أن هذا الفتح الإفريقي، تمّ سنة خمس وثمانين الهجرية، قُبيل وفاة عبد العزيز بن مروان، لأن عبد العزيز توفي سنة خمس وثمانين الهجرية كما هو معلوم، أي سنة (٧٠٤ م). ٢ - في البحر: أ - في صِقِلِّيَة (٤): أمر موسى بن نصير بالتأهّب لركوب البحر، وأعلمهم أنه راكب بنفسه، فرغب الناس وتسارعوا، فلم يبق شريف ممن كان معه إلاّ فقد ركب الفُلك.

стр. 533

وكان موسى قد مهّد لجهاده في البحر، بالاهتمام بعمران مدينة تُونس، وتوسيع دار الصناعة بها، وشق القناة التي توصل بين الميناء رادِس (١) وبين المدينة، على طول اثني عشر ميلاً، حتى أقحمه دار الصناعة، فصارت مشتى للمراكب إذا هبّت النوار والأرياح، ثم أمر بصناعة مائة مركب (٢). وعقد موسى لواء هذه الغزو لابنه عبد الله، وأمّره على رجالها وولاّه عليهم، ثم أمره أن يتوجه إلى هدفه، وإنما أراد موسى بما أشار من مسيره، أن يركب أهل الجلد والنكاية والشّرف، فسمِّيت هذه الغزوة: غزوة الأشراف. وسار عبد الله بمراكبه، وكانت تلك الغزوة أول غزوة غُزيت في بحر إفريقية (البحر الأبيض المتوسط المقابل لإفريقية)، فأصاب في غزوته تلك صقلية، وافتتح مدينة فيها، فبلغ سهم الرّجل مائة دينار ذهباً، وكان المسلمون ما بين الألف إلى التسعمائة، ثم انصرف قافلاً سالماً، وكان ذلك في سنة خمس وثمانين الهجرية (٣) (٧٠٤ م). ومن الواضح أن هذه الغزوة كانت غارة من الغارات، ولم تكن فتحاً من الفتوح، ولكنها لم تكن غارة من غارات اقتناص المغانم، كما يتوهم قسم من المؤرخين الأجانب، فقد كانت المغانم ميسّرة في البر الإفريقي - كما رأينا - كما لم يكن المسلمون يومئذ يستهدفون المغانم غاية لهم من الغارات، بل كانت هذه الغارة دفاعية، فلا بد من أن الرّوم قد اتخذوا من صقلية قاعدة أمامية متقدمة لهم، ينطلقون منها للتعرض بالساحل الإفريقي الذي فتحه المسلمون، فكان الموقف العسكري يقضي على حماة تلك المناطق من المسلمين المرابطين على أرضها، أن يدافعوا عنها تجاه التعرّض الرّومي، بصدِّه أولاً،

стр. 534

وبالهجوم على قاعدة انطلاقه ثانياً. وكان الهجوم. على صقلية أنجع وسائل الدفاع عن الساحل الإفريقي، فليست غارة عبد الله يومئذ على صقلية إلاّ التعرّض بالرّوم الذين اتخذوا منها قاعدة أمامية متقدمة للتعرض بالساحل الإفريقي الإسلامي، وما كان أمام المسلمين من خيار غير تلقين الرّوم فيها، بالغارة عليها درساً لا ينسونه، وقد تولى عبد الله قيادة تنفيذ هذا الدرس على الرّوم في صقلية. وحين نقول: إن المسلمين يومئذ، لم يكونوا يستهدفون المغانم غايةً لهم من المغارات أو من مختلف أنواع الجهاد، فهذا لا يمنع أن يكون بينهم من يستهدف المغانم، ولكن القاعدة هي أن يكون الجهاد لإعلاء كلمة الله، والاستثناء هو استهداف المغانم، والعبرة بالقاعدة لا بالاستثناء. وفي سنة سبع وثمانين الهجرية (٧٠٥ م) أغزى موسى بن نصير ابنه عبد الله بن موسى سردينيا (١)، فافتتح نِوَلَة (٢)، وعاد سالماً غانماً (٣). وهذه غارة أخرى على قاعدة الرّوم الأمامية المتقدّمة، ومثل هذه الغارات التأديبية، مفيدة للغاية لحماية المناطق الساحلية من إفريقية، من غارات الرّوم البحريّة، ومن محاولاتهم التعرّضية المستمرة بالمسلمين في تلك المناطق، طمعاً في استعادة إفريقية إلى حكمهم من جديد. وتلك الغارات، لا تقنعهم عملياً بصعوبة الاستعادة حسب، بل تلقِّنهم درساً قاسياً في عقر دارهم وعلى قواعدهم البحرية، وتثبت لهم بالهجوم عليهم لا بالدفاع المُسْتكِن في المناطق المفتوحة، أن محاولات الإستعادة لن تمرّ بدون عقاب صارم، يضع حداً

стр. 535

حاسماً لتلك المحاولات. هكذا فتح المسلمون ما فتحوا، وهكذا حافظوا على ما فتحوا. ب - في مَيُوْرْقَة ومَنُوْرَقَة: بعد أن أنجز موسى بن نصير استعادة فتح المغرب الأوسط، وأكمل فتح المغرب الأقصى، وفتح طنجَة، أصبحت السواحل المغربية المواجهة لبعض جزر البحر الأبيض المتوسط وللأندلس، معرضة لهجمات الرّوم، لغرض استعادة تلك المناطق الغنية إلى سيطرتهم، ومن القوط الذين يحكمون الأندلس لغرض إبعاد المسلمين عن بلادهم، وحمايتها من غزو المسلمين المتوقع لها. وكان من جزر البحر التي اتخذها الروم والقوط قواعد متقدمة لهم، جزيرتا: ميورقة ومنورقة، وهما جزيرتان في البحر الأبيض المتوسط، بين صقلية وجزيرة الأندلس (١). وفي سنة تسع وثمانين الهجرية (٧٠٧ م)، جهز موسى بن نصير ولده عبد الله، فافتتح هاتين الجزيرتين (٢)، وغنم منها ما لا يحصى، وعاد سالماً (٣). ويبدو أن المسلمين، بعد فتح هاتين الجزيرتين، تركوا فيهما حاميتين صغيرتين منهم، لحرمان الرّوم والقوط من الاستفادة منهما قاعدتين لقواتهم، للتعرض بالمسلمين في الساحل المغربي المقابل لهاتين الجزيرتين، وللاستفادة منهما في مراقبة النشاط البحري للروم والقوط، وإنذار المسلمين بكل نشاط معادٍ بوقت مبكِّر، لاتخاذ التدابير الضرورية الّلازمة لإحباطه.

стр. 536

أما بالنسبة للأندلس، فقد قضى المسلمون على نشاط القوط المعادي لهم فيها، والذي عرقل محاولات المسلمين لفتح مدينة سَبْتة على الساحل المغربي، القريبة من الأندلس، والتي يفصل بينها وبين الأندلس مضيق جبل طارق، فقد عاون الملك غَيْطَشَة آخر ملوك الأندلس قبل لذريق، حاكم سبتة الدوق يُلْيَان، على الثبات تجاه محاولة موسى بن نصير لفتح سبتة، فنجح يليان في صد المسلمين عن مدينته ولو لحين من الزمن لم يطل أمده. أما الأندلس ففتحها المسلمون ابتداء من سنة اثنتين وتسعين الهجرية (٧١١ م) حتى سنة خمس وتسعين الهجرية (٧١٤ م)، وبذلك انتهى خطر القوط على الساحل المغربي من جهة، واطمأن المسلمون على حاضر الفتح الإسلامي في إفريقية والمغرب ومستقبله، وبخاصة الساحل الإفريقي والساحل المغربي على البحر الأبيض المتوسط، وذلك بحشد المرابطين في مدن الساحل، وبتصنيع السفن والمراكب الحربية محلياً بأيدي المسلمين وبمصانعهم الحربية، وبفتح الجزر المهمّة في البحر التي يمكن أن تكون قواعد للروم أو القوط أو أي عدوّ للمسلمين، وبالسيطرة على مياه البحر بالأسطول والمجاهدين وبالجزر المفتوحة. لقد أعدّ موسى بن نصير ابنه الأكبر عبد الله، ليكون خلفه على إفريقية والمغرب، لذلك وجّهه من أول الأمر إلى فتوح إفريقية والمغرب، وإلى فتوح الجزر التي تحمي سواحل إفريقية والمغرب، ولم يشغله في فتوح الأندلس، ليبقى متفرِّغاً إلى واجبه الأصلي: ولاية إفريقية والمغرب، وهي الولاية الرئيسة التي كانت الأندلس تابعة لها، إذ كان والي إفريقية والمغرب هو الذي يعيّن والي الأندلس. الإنسان حين استدعى الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان من الأندلس موسى بن

стр. 537

نصير إلى دمشق، استخلف على الأندلس ابنه عبد العزيز، فلما عبر البحر إلى سبتة استخلف عليها وعلى طنجة وما والاهما ابنه عبد الملك، واستخلف على إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله (١)، وكان ذلك سنة خمس وتسعين الهجرية (٢) (٧١٤ م). وكان موسى قد استخلف ابنه عبد الله على إفريقية سنة ثلاث وتسعين الهجرية (٧١٢ م) حين عبر موسى إلى الأندلس فاتحاً، (٣) فكان عبد الله على إفريقية والمغرب من سنة ثلاث وتسعين الهجرية (٧١١ م) في الواقع. ولم يكن استدعاء موسى من الأندلس إلى دمشق طبيعياً، ولكن بعد وصوله إلى دمشق، تسامع الناس باضطهاده، فأصبح مصير موسى ومصير أولاده في مهب الريح، حيث أصبح موسى من المغضوب عليهم من الخلافة، وأصبح أولاده تبعاً له كذلك، وأصبح موسى وآل بيته وبخاصة أولاده الذين يتولون مناصب إدارية وقيادية رجالاً بلا غد. ولم يطل انتظار عبد الله، فقد عزله سليمان بن عبد الملك بن مروان عن إفريقية والمغرب، وولّى مكانه محمد بن يزيد موْلى قُريش. فقد قال سليمان بن عبد الملك لرجاء بن حَيْوَة (٤): "أريد رجلاً له فضلٌ في نفسه، أوليه

стр. 538

إفريقية"، فقال له: "نعم"، فمكث أياماً، ثم قال: "قد وجدت رجلاً له فضل"، قال: "مَن هو؟ "، قال: "محمد بن يزيد مولى قريش"، فقال: "أدخله عليّ! "، فأدخله عليه. فقال سليمان: "يا محمد بن يزيد! اتّق الله وحده لا شريك له، وقم فيما ولّيتُك بالحق والعدل! وقد ولّيتكَ إفريقية والمغرب كله"، فودّع محمد بن يزيد سليمان بن عبد الملك وانصرف وهو يقول: "مالي عُذْرٌ عند الله إن لم أَعدل". وفي سنة سبع وتسعين الهجرية (٧١٥ م)، استقرّ محمد بن يزيد بإفريقية بأحسن سيرة وأعدلها. ثم وصله الأمر بأخذ عبد الله بن موسى بن نصير، وتعذيبه، واستئصال أموال بني موسى، فسجنه محمد وعذّبه، ثم قتله بعد ذلك. وكان سليمان قد أمره بأخذ أهل موسى وولده وكل من تلبّس به، واستئصال أموالهم وتعذيبهم، حتى يؤدوا ثلاثمائة ألف دينار (١). وقتْلُ عبد الله وتعذيبه وسجنه، بأمر سليمان بن عبد الملك، وتنفيذ عامله محمد بن يزيد، أمور يصعب تصديقها، وبخاصة قضية قتل عبد الله، إذ ليس من السهل قتل رجل مسلم في تلك الأيام، بدون اقتراف ما يسوِّغ قتله شرعاً. ومما يزيد في الشك بذلك، أن القتل جرى بأمر سليمان، وهو: "مفتاح الخير، أطلق الأسارى، وخلّى أهل السجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز"، كما وصفه المؤرخون، فمن الصعب أن نصدِّق أنه يأمر بقتل عبد الله، وهو قادر على حجزه أو ترحيله بسهولة ويسر، كما أن من الصعب تصديق أن محمد بن يزيد ينفِّذ حكم الإعدام بعبد الله، وهو من المعروفين بحسن السيرة والعدل، ويكفي أن رجاء بن حَيْوَة الإمام المحدِّث الفقيه التابعي الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم، قد زكّى محمد بن يزيد لولاية إفريقية والمغرب، ولو لم يكن عَدْلاً متميزاً بين العدول لما رشحه رجاء لهذا

стр. 539

المنصب ولما زكّاه. ولا عبرة بترديد قسم من المؤرخين قصة سجن عبد الله وقتله (١)، فهم ينقلون عن بعضهم بالتعاقب. والدليل على أن محمد بن يزيد لم يقتل عبد الله، ما ذكره بعض المؤرخين المعتمدين، من أن سليمان بن عبد الملك عزل عبد الله ابن موسى بن نصير، واستعمل محمد بن يزيد على إفريقية سنة سبع وتسعين الهجرية، فلم يزل عليها حتى مات سليمان (٢)، ولا ذكر لسجن عبد الله وتعذيبه وقتله في تلك المصادر. ولعل مما يضاعف الشك، في صحة ما جاء، من أن محمد بن يزيد عامل سليمان بن عبد الملك قد سجن وعذّب وقتل عبد الله بن موسى، ما ذكره البلاذري، من أن عبد الله كان لا يزال حيّاً يرزق في القيروان، بعد رحيل محمد بن يزيد معزولاً عن إفريقية والمغرب: "ثم لما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁ (٣)، ولّى المغرب إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم (٤)، فسار أحسن سيرة، ودعى البربر إلى الإسلام، وكتب إليهم عمر بن عبد العزيز كتبُاً يدعوهم إلى ذلك، فقرأها إسماعيل عليهم في النواحي، فغلب الإسلام على المغرب. ولما ولي يزيد بن عبد الملك (٥)، ولّى يزيد بن أبي مُسْلِم (٦) مولى الحجاج بن يوسف إفريقية والمغرب، فقدم إفريقية في سنة

стр. 540

اثنتين ومائة الهجرية، وكان حرسه البربر، فوسم كل امرئ منهم على يده: (حَرَسِيّ) (١) فأنكروا ذلك وملّوا سيرته، فدبّ بعضهم إلى بعض وتضافروا على قتله، فخرج ذات عشية لصلاة المغرب، فقتلوه في مصلاه، فولَّى يزيد بن بِشْر بن صفوان (٢) الكلبي، فضرب عنق عبد الله بن موسى بن نصير بيزيد، وذلك أنه اتُّهم بقتله وتأليب الناس عليه" (٣)، ومعنى ذلك، أن محمد بن يزيد لم يقتل عبد الله، بل قتله يزيد بن بشر بن صفوان الكلبي، الذي تولى إفريقية والمغرب ليزيد بن عبد الملك، سنة ثلاث ومائة الهجرية (٤) (٧٢١ م). ومن الواضح، أن رواية البلاذري هذه تُرجّح على الرواية الأولى، لأن من الصعب تصديق أن سليمان بن عبد الملك، هو الذي أمر بسجن عبد الله وتعذيبه وقتله، ويكفي أنه أمّرَه على المغرب وإفريقية بعد أبيه موسى بن نصير، ولم يعزله إلاّ في سنة سبع وتسعين الهجرية (٥)، وإلاّ لما أبقاه في منصبه نحو سنتين، ولَعَزَله فوراً. ولأن من الصعب تصديق أن محمد بن يزيد، يمكن أن يُقدم على قتل عبد الله أو غيره ظلماً، وهو مَن هو في حسن سيرته وعدله (٦)، ويكفي أنه مرشح رجاء بن حّيْوَة وهو من هو في استقامته وحرصه على مصلحة المسلمين العليا. أما يزيد بن أبي مسلم الذي قَدِمَ على إفريقية سنة اثنتين ومائة الهجرية والياً عليها ليزيد بن عبد الملك، فقد كان مولى الحجاج بن يوسف الثقفي وصاحب شرطته، وكان ظلوماً غشوماً، وكان البربر يحرسونه، فقام على المنبر خطيباً فقال: "إني رأيت أن أرسم اسم: حَرَسِي، على أيديهم، كما تصنع ملوك الرّوم

стр. 541

بحرسها، فأرسم في يمين الرّجل اسمه، وفي يساره: حَرَسِي، ليُعْرَفوا بذلك من بين سائر الناس، فإذا وقفوا على أحد، أسرع لِمَا أمرتُ به"، فلما سمعوا ذلك منه، أعني حَرَسه، اتفقوا على قتله، وقالوا: "جعلنا بمنزلة النصارى"، فلما خرج من داره إلى المسجد لصلاة المغرب، قتلوه في مصلاّه (١). وولّى يزيد بن عبد الملك، بِشْرَ بن صفوان الكلبي خلفاً ليزيد بن مسلم، فضرب عنق عبد الله بن موسى بن نصير بيزيد، وذلك أنه اتُهم بقتله وتأليب الناس عليه (٢)، وهذا يدل على أن بشر بن صفوان، حقّق في أمر اغتيال يزيد بن مسلم، فوجد أن عبد الله بن موسى كان أحد المؤلِّبين على قتله، أو من أبرز المؤلِّبين، خاصة وأن بشر بن صفوان استصفى بقايا آل موسى بن نصير، ثم وفد على يزيد بن عبد الملك، فألفاه قد هلك (٣). وهذه الرواية أقرب إلى التصديق، ومعنى ذلك أن عبد الله قد قُتل سنة ثلاث ومائة الهجرية (٧٢١ م)، وهي السنة التي تولى فيها بشر بن صفوان إفريقية والمغرب (٤). لقد كان عبد الله والياً على إفريقية والمغرب لمدة أربع سنوات ابتداء من سنة ثلاث وتسعين الهجرية (٧١٢ م) حتى سنة سبع وتسعين الهجرية (٧١٥ م). بصورة مستقلة، وكان السّاعد الأيمن لأبيه موسى بن نصير منذ تولية إفريقية والمغرب حتى غادرهما إلى الأندلس فاتحاً، ولاّه أبوه موسى من سنة ثلاث وتسعين الهجرية إلى سنة خمس وتسعين الهجرية (٧١٤ م)، وأقرّه سليمان بن عبد الملك عليها بعد استدعاء أبيه موسى من الأندلس إلى دمشق سنة خمس وتسعين الهجرية، حتى عزله سنة سبع وتسعين الهجرية (٥)، فكان إدارياً

стр. 542

حازماً، ولا نعلم أنه قصّر بواجبه والياً. ولكن نشاطه بعد استدعاء أبيه موسى من الأندلس إلى دمشق، ومحاسبة الخليفة سليمان له حساباً عسيراً، وبعد أن أصبح أبوه من المغضوب عليهم من الخليفة ومَن حوله، أصبح نشاطه محدوداً، وكان أقل من نشاطه قبل استدعاء أبيه، لأنه كان يعاني من القلق على مصير أبيه ومصيره ومصير آل موسى بن نصير، وكانت نفسيته مجهدة من جراء هذا القلق، كما أن تعاون الناس معه والتفافهم حوله، أصبح أقل من السابق، لأنهم كانوا يتوقعون تنحيته عن الولاية بين يوم وآخر، والناس دائماً مع (الواقف) الذي تكون الأيام له لا عليه. والمعلومات عنه في المصادر المعتمدة إنساناً، شحيحة جداً، فلا نعلم متى ولد، وما هي سماته إنساناً، ولا عَدَد أولاده، ولا تفاصيل إنجازاته إدارياً، فهناك نوع من التعتيم على تفاصيل حياة أبناء موسى بن نصير، ونوع من الغيوم الداكنة التي تحجب تفاصيل حياتهم، ولعلّ غضب الخلافة على موسى بن نصير، كان له أثر في قلّة المعلومات عن أبنائه، وله تأثير في المؤرخين الذين لم يذكروهم إلاّ نادراً. والذي نعرفه عن عبد الله، أنه كان أكبر إخوته، وقد عرفنا من إخوته: عبد العزيز الذي استخلفه موسى على الأندلس، وعبد الملك الذي استخلفه على سبتة وطنجة وما والاهما (١)، وعبد الأعلى الذي فتح بعض مدن شرقي الأندلس وجنوبي شرقيها (٢)، ومروان الذي رافق أباه إلى دمشق (٣). وكان موسى بن نصير من التابعين (٤)، فابنه عبد الله من تابعي التابعين، رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 543

وليس عبد الله وحده، خدم بلاده وأمته إدارياً وقائداً، وجندياً فاتحاً، ثم قابله قومه بالعقوق، وعاقبوه على إحسانه بالاغتيال والنسيان، فهو أحد الذين تخلّى عنه الناس لأن النّظام السّائد تخلّى عنه، متناسين جهاده وجهوده وفتوحه، ولعلّ ماضيه المجيد أصبح وبالاً عليه، فسقط مضرّجاً بدمائه بسيوف لم تفرِّح عدوّاً في ساحات الجهاد، وضرّجت مجاهداً فاتحاً في بيت من بيوت الله. إنه حلقة من سلسلة طويلة جداً، تلقى أصحابها العقوق والنسيان، جزاء ما قدموه من جهود وإحسان. القائد مفتاح شخصية عبد الله قائداً، يكمن في شجاعته الشخصية وإقدامه، فقد تولّى قيادة حملة تأديبية في البحر مرتين: الأولى سنة خمس وثمانين الهجرية (٧٠٤ م) على قاعدة الروم في صقلية، والثانية سنة سبع وثمانين الهجرية (٧٠٥ م) على قاعدة الرّوم في سردينيا، وكانت الحملتان التأديبيتان البحريتان على الروم في قواعدهم الأمامية المتقدمة، التي ينطلقون منها للتعرض بالمسلمين الفاتحين في شمالي إفريقية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ناجحتين للغاية، أعطى بهما عبد الله درساً للروم لن ينسوه، هو أن تعرّضهم بالمسلمين لن يمرّ بدون عقاب، وأن من الخير لهم أن يتخلّوا عن تعرّضهم بالمسلمين، لأنه لا يفيدهم في استعادة ما خسروه من مناطق في إفريقية فحسب، بل يعرّضهم لخسارة مناطق جديدة يمتلكونها في البحر، كجزر البحر الأبيض المتوسط وعلى رأسها جزيرتا: صقلية وسردانية، أكبر قاعدتين أماميتين متقدمتين لهم في جزر البحر الأبيض المتوسط. ومن الواضح، أن اقتحام البحر، وقيادة حملة بحرية، من قائد لم يَعْتَد ركوب البحر ولا معاناة أهواله، للهجوم على عدو مارس حروب البحر واعتاد

стр. 544

عليها، بحاجة إلى قيادة شجاعة مقدامة، لا تخشى أهوال تلك الحروب، ولا تجهل مشاقّها ومعضلاتها، وتُعد العُدّة لمجابهة المشقات وحل المعضلات. ومن الصعب على قائد عام، كموسى بن نصير، أن يولِّي ابنه البكر عبد الله، قيادة بحرية، دون أن يكون واثقاً من قابليات ولده وكفاياته واقتداره، وأنه سيكون عند حسن ظنّه به قائداً منتصراً، وعند حسن ظن المسلمين به قائداً لا يغرِّر بأصحابه، ولا يقودهم إلى المهالك، بل يحرص على أرواحهم حرصه على روحه، ويقودهم إلى النصر. وإلاّ، فما من والد، يمكن أن يغرِّر بابنه، ويغرِّر بالمسلمين، ويعرِّضه ويعرِّضهم لخطر داهم، إلاّ إذا كان واثقاً كل الثقة بابنه، لأن الحرب، وبخاصة البحرية منها، ليست نزهة من النزهات. وما قصّر موسى بن نصير في تأديب ابنه عبد الله وسائر أولاده وتعليمهم وتدريبهم، ثم بدأ بتزويد عبد الله بالتجربة العملية على القيادة والإدارة، منذ حلّ في إفريقية والياً عليها. ولكن التجارب العملية على القيادة، لا يمكن أن تأتي ثمارها ما لم يكن المجرِّب متّسماً بالمزايا القيادية المعروفة، والتجربة العملية لها دور في صقل تلك المواهب والمزايا وترسيخها وتنميتها. أما إذا كان المرء محروماً من المزايا القيادية، فلن تجديه التجارب العملية في ميادين القتال شيئاً، فكأنّه يضرب على حديد بارد، أو يغرس الزهر في صحراء. فما هي سمات عبد الله القيادية، التي صقلها ورسّخها ونمّاها بتجاربه العملية الميدانية برّاً أو بحراً؟ لقد كان ذكيّاً فطناً، لذلك كانت قراراته صحيحة وسريعة، وكان شجاعاً مقداماً لا يهاب الموت، يتحمّل المسئولية كاملة ولا يلقيها على عواتق الآخرين تهرّباً منها، يتحلّى بالإرادة القوية الثابتة فلا يحيد عن قراره إذا اقتنع بسلامته ولا يتخلى عنه، له نفسية لا تتبدل في حالتي النصر والاندحار واليُسر والعُسر، يسبق النظر، ويتوقع ما يمكن أن يقع، ويُعدّ لكل ما يُحتمل وقوعه الحلول المناسبة مبكّراً، يعرف نفسيات رجاله وقابلياتهم ويضع الرجل المناسب في الواجب المناسب، يثق برجاله ويثقون به، ويحبهم ويحبونه،

стр. 545

ويثق بقيادته العليا وتثق به ويحبّها وتحبّه، يتمتّع بشخصية قوية نافذة لا تضعف ولا تستكين، ولكنها لا تظلم ولا تجور، له قابلية بدنية متميزة لأنه كان في ريعان الشباب وفي أوج عطائه، وله ماضٍ ناصع مجيد، فهو ابن موسى بن نصير فاتح شطر المغرب وشطر الأندلس، وهو أيضاً من القادة الفاتحين والولاة اللاّمعين. وكان يطبق مبادئ القتال كافة بصورة تلقائية، فكان يختار مقصده ويديمه حتى يحقَّقه دون أن ينساه لحظة واحدة أو يتناساه، وكان قائداً تعرّضياً، لم يتّخذ الدفاع أسلوباً قتالياً له أبداً، وكان يباغت أعداءه في عملياته، كما باغتهم في صقلية وسردانية بالهجوم عليهم في وقت لا يتوقّعونه، كما باغت البربر الخارجين على الفاتحين بالهجوم الصاعق عليهم في وقت لا يتوقعونه أيضاً. وكان يحشد قوته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ويستخدمها في المكان والزمان الجازمين. ولكنه كان يقتصد بالمجهود، فلا يفرِّط برجاله دون مسوِّغ، ولا يغرِّر بهم، ويحرص على أرواحهم حرصه على روحه. وكان يطبّق مبدأ الأمن، فلا نعرف أن العدو استطاع مباغتة قواته في يوم من الأيام، وهذا دليل على أنه كان يؤمّن لقواته الحماية اللاّزمة، ويجمع المعلومات عن العدو بالتفصيل، ويعمل وهو مفتوح العينين. وكانت خططه مرنة، من ناحية سرعة تنقّل قواته برّاً وبحراً. ومن ناحية إمكان تبديلها أو تحويرها أو تطويرها في الوقت المناسب. وكان يتعاون مع قيادته تعاوناً وثيقاً، ويؤمّن التعاون بين صنوف قواته عامة وبين رجاله خاصة. وكان يديم معنويات رجاله، بالعقيدة الراسخة، والقيادة القادرة المتّزنة، والنصر المبين. وكانت أموره الإدارية جيدة، ولا نعلم أن رجاله شكوا من نقص أمر من أموره الإدارية كافة. كما كان مسئولاً عن إدامة قوات الفتح بالأندلس بالرجال والمواد الإدارية والسفن والمراكب، لأنه المسئول الإداري في قاعدة المسلمين الرئيسة: إفريقية والمغرب. وكان يطبق مبدأ: المساواة، بينه وبين رجاله، فيعيش بينهم كفرد منهم، لا

стр. 546

فرق بينه وبينهم في شىءٍ يميّزه عنهم، ولا يمكن أن ننسى موقفه من أحد الذين تولّوا إفريقية والمغرب بعد عزله، والذي أراد أن يتميّز حُرّاسه على سائر المسلمين بعلامات خاصة وشارات معيّنة، فاستنكر عبد الله هذا التمييز، وضحّى بحياته من أجل استنكاره، فإذا لم يكن هو الذي قاد حملة الاستنكار التي أدّت إلى قتل ذلك الوالي، فهو على الأقل كان من أبرز قادة تلك الحملة. وكان يؤمن بمبدأ: الشورى، فيستشير ذوي الرأي من رجاله في كل مشكلة تصادفه، ويتعاون معهم في إيجاد الحل الناجع لها. تلك هي مجمل مزايا عبد الله قائداً، ويبدو أن عبد الله شُغل في أيام والده بأمور إفريقية والمغرب الإدارية، فشغلته أمورها عن التفرّغ للفتح، وكان موضع ثقة أبيه موسى الكاملة، فلم يستطع أبوه موسى أن يوكل أمر إفريقية والمغرب إلى غيره، فوجّه طاقاته كلها في عمله والياً، وتفرع تقريباً تفرغاً كاملاً لهذا الواجب الإداري. وفتوحه في البر والبحر، على أهميتها لحاضر إفريقية والمغرب ومستقبلها، إلاّ أنها كانت قليلة جداً بالنسبة لكفاياته القيادية، فهي ومضات ساطعة ولكنها متقطعة، أظهرت شيئاً من كفاياته القيادية ومزاياه، دون أن تُظهر تلك الكفايات والمزايا كاملة، في فتوحات كثيرة مستدامة، وفي انتصارات عديدة مؤزّرة. ولم يكن وضعه النفسي مريحاً، بعد رحيل أبيه موسى إلى دمشق، وبعد أن انكشف أمر أبيه موسى في اضطهاده من الخلافة، وأن موسى وأبناءه أصبحوا من المغضوب عليهم من السلطة الحاكمة، وأصبحوا في ذمّة التاريخ، فجمّد طاقاته انتظاراً لمستقبل مجهول، لا يكون لصالحه على كل حال. إن ظروف عبد الله، لم تُتِح له استغلال كفاياته قائداً كما ينبغي، وما كان ليستطيع غيره من القادة، في مثل ظروفه التي عاناها، في عهد أبيه موسى وبعد رحيل أبيه، أن يُنجز أفضل مما أنجزه عبد الله في مجال الفتوح، فقد أصبح رغم إرادته والياً، وكان يتمنّى أن يكون غازياً، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه. ومهما قيل في ظروفه التي شغلته حيناً، وأقلقته حيناً، وصرفته عن العمل

стр. 547

حيناً آخر، فإن فتوحه في البر والبحر، تدلّ على أنه كان قائداً متميزاً. وقد برزت مزيتان من مزايا القيادة الرئيسة في عبد الله، بشكل واضح لا غبار عليهما: العلم المكتسب، والتجربة العملية. وبقيت المزية الثالثة: الطبع الموهوب، حالت ظروفه دون ظهورها، فلا أعرف هل كان يتمتّع بهذه المزية حقاً، وهي مزية تكشفها الفتوحات العظيمة والانتصارات الباهرة فقط. عبد الله في التاريخ يذكر التاريخ لعبد الله، أنه كان أكبر أولاد موسى بن نصير، وأنه كان ساعده الأيمن في معاونته والياً وقائداً. ويذكر له، أنه تولّى إفريقية والمغرب نحو أربع سنوات، ثلاث سنوات منها في أيام أبيه موسى، بعد عبوره إلى الأندلس فاتحاً، وسنة واحدة بعد استدعاء أبيه موسى من الأندلس إلى دمشق، فقام بواجبه إداريّاً على أحسن ما يقوم به الولاة القادرون. ويذكر له، أنه تولّى القيادة في إفريقية، ففتح فتوحاً واسعة، وقضى على انتفاضة البربر في مناطق فتوحه، وغنم غنائم جسيمة. ويذكر له، أنه تولّى القيادة البحرية، ففتح مَيُورْقَة ومَنُورَقَة، وأغار على صِقِلِّية وسَرْدَانيَة، وانتصر في معاركه البحرية انتصارات باهرة، وغنم غنائم كبيرة، وضمن حماية ساحل إفريقية والمغرب في حاضرها ومستقبلها. ويذكر له أنه أشرف على القاعدة الرئيسة في القيروان، وقواعد المغرب في

стр. 548

سَبْتَة وطنجة وتونس، لإدامة الفتوح الأندلسية، وأمدّ الفاتحين بالرجال والمواد والمراكب لإدامة زخم الفتوح، وضمان استمرارية الانتصارات. ويذكر له، أنه كان قائد أول غزوة غُزيت في بحر إفريقية، المواجه للساحل الإفريقي، الذي فتحه المسلمون، وحافظوا عليه بالسيطرة الكاملة على البحر الأبيض المتوسط، وبفتح جزر البحر التي يستخدمها الروم قواعد أمامية متقدمة للتعرّض بالمسلمين في إفريقية والمغرب، وبإنتاج السفن والمراكب البحرية بالمصانع الإسلامية. ويذكر له، أن ظروفه حرمته من إظهار كفاياته القيادية، في الفتوح المستدامة، والانتصارات الباهرة. ويذكر له، أن أعماله إدارياً وقائداً، في خدمة بلاده وأمته، قوبلت بالعقوق، فسقط مضرّجاً بدمائه، بسيوف لم تُضرّج بدماء الأعداء في ساحات الجهاد. ﵀ رحمة واسعة، جزاء ما قدم لأمته وبلاده من خدمات، والياً وغازياً، وإدارياً وقائداً، ومرابطاً ومجاهداً، فالله وحده لا ينسى مَن أحسن عملاً.

стр. 549

جزيرتا مَيُوْرَقَة ومَنُوْرَقَة ١ - مَيُوْرَقَة أكبر الجزر الإسبانية في البحر الأبيض المتوسط المعروفة باسم جزر البليار. مساحتها (١٤٠٥) أميال مربعة. يتميز ساحلها الشمالي الغربي بشدّة انحداره، ولكنه يصبح ساحلاً منخفضاً منحدراً على الجوانب الأخرى. وتمتد في الجبهة الشمالية الغربية سلسلة جبال تسير موازية للساحل، ويصل أقصى ارتفاعه عند قمة (سيلو دى تور ياس) نحو (٥١٥٤) قدماً. وتزدهر النباتات في أوديتها، ولا سيما وادي موسى ووادي سوير، كما توجد في الجزيرة مقالع للرخام، وتوجد فيها بعض المعادن مثل الرصاص والحديد والفحم، ويعمل السكان بالزراعة، وتشتهر الجزيرة بزراعة الكروم، كما تشتهر بصناعة الأقمشة الصوفية والكتانية، وتربى في الجزيرة دودة القزّ، وتُصنّع منتجاتها. ٢ - مَنُوْرَقَة الجزيرة الثانية من حيث المساحة في مجموع جزر البليار الإسبانية الواقعة في البحر الأبيض المتوسط، وتقع على مسافة سبعة وعشرين ميلاً في شمالي شرقي جزيرة ميورقة. مساحتها (٢٧١) ميلاً مربعاً، وساحلها مضرّس بشدة ولا سيما في شمالي الجزيرة، تنتظمه مجموعة من الأنهار والخلجان. مناخها لا يضاهي مناخ ميورقة في اعتداله، إذ تتعرّض الجزيرة في الخريف والشتاء إلى

стр. 550

رياح شمالية شديدة. تشمل زراعتها إنتاج محاصيل العلف والكروم والزيت والكتان، كما تزرع فيها أشجار الفاكهة، وتربى الماشية والأغنام والماعز. يستخرج الرخام الجيد من جبلها، ومعادنها تشمل الحديد والرصاص والنحاس. وتقوم فيها صناعة المنسوجات الصوفية والكتان والألياف.

стр. 551

نهاية الأندلس مستهل سقطت قواعد الأندلس الشهيرة، في سلسلة من المعارك والمحن الطّاحنة، التي تقلب فيها المسلمون في الأندلس، منذ انهيار صرح الخلافة الأموية في الأندلس، في أواخر القرن الرابع الهجري، وظهرت دول الطوائف الصغيرة المفكّكة، على أنقاض دولة عظيمة شامخة. وكان سقوط كل قاعدة من هذه القواعد الأندلسية الشهيرة، يمثّل ضربة مميتة للدولة الإسلامية في الأندلس، ويُحدث أعمق الأثر في جنبات الدول الإسلامية شرقاً وغرباً. وكان المسلمون الأندلسيون، كلما سقطت قاعدة من قواعدهم الشهيرة، في يد عدوّتهم القديمة المتربصة بهم - إسبانيا النصرانية - ألفَوْا عزاءهم في قواعدهم الباقية الأخرى، وهرعوا إليها استبقاء لحرياتهم ودينهم وكرامتهم، حتى لم يبق من تلك القواعد غير غرناطة وأعمالها تؤلف مملكة إسلامية صغيرة، استطاعت أن تثبت أمام العاصفة أكثر من قرنين من عمر الزمن. والحق أن مصير الأندلس، كان في مهب الريح، منذ أخفقت دول الطوائف في توحيد صفوفها، فغلب عليها الخلاف والتفرّق، وانحدرت إلى معترك الحرب الأهلية، تفسح لعدوّها الخَطِر مجال التفوق عليها، والضرب والتفريق بينها. وقد استطاع بعض العقلاء من الأندلسيين المسلمين، حتى في ذلك العصر، الذي كان الإسلام يسيطر فيه على معظم أنحاء الأندلس، أن يستشفوا ما وارء هذا التفرق من خطر داهم على حاضر المسلمين ومستقبلهم في الأندلس، فنرى ابن حَيَّان مؤرخ الأندلس في القرن الخامس الهجري، يقول لنا بعد أن يصف حوادث سقوط (بربشتر) من أعمال الثغر الأعلى (أراغون)، في يد النصارى في سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٣ م) وما اقترن بسقوطها من القتل والسّبى وشنيع الاعتداء: (وقد أشفينا بشرح هذه الحالة الفادحة،

стр. 552

مصائب جليلة مؤذنة بوَشْك القلعة طالما حذر أسلافنا لحاقها، بما احتملوه عمّن قبلهم من آثاره. ولاشك عند ذوي الألباب، أنّ ذلك مما دهانا من داء التقاطع، وقد أمرنا بالتواصل والألفة، فأصبحنا من استشعار ذلك والتجاري عليه، على شفا جرف يؤدي إلى الهلكة لا محالة). ويندد ابن حيان بعد ذلك بتواكل أهل الأندلس وتخاذلهم عن نصرة دينهم وإخوانهم (١). وبدا واضحاً، حينما سقطت طليطلة أول قاعدة إسلامية كبيرة، في يد النصارى في سنة ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م) أن الأندلس أضحت على وشك الفناء، وأن دول الطوائف المنهوكة الممزّقة، سوف تسقط تباعاً في يد النصارى الإسبان، وأن الإسلام سوف ينتهي في الأندلس. وقد ساد الفزع جنبات الأندلس كلها يومئذ، حتى قال شاعرهم حينما سقطت طليطلة: يا أهل أندلس شدّوا رحالكم ... فما المقام بها إلاّ من الغلط السلك ينثر من أطرافه ... وأرى سلك الجزيرة منثوراً من الوسط مَن جاور الشرّ لا يأمن بوائقه ... كيف الحياة مع الحيّات في سَنَط ولكن الدرس كما يبدو كان عميق الأثر، فجنح زعماء الطوائف إلى الرشاد، وجمعت المحنة كلمتهم، فقصدوا (المرابطين) إخوانهم في الدين، وكان المرابطون يومئذ في عنفوان دولتهم، وأميرهم يوسف بن تاشفين يبسط سلطانه القوي على أمم المغرب، من المحيط غرباً حتى تونس شرقاً. فاستجاب المرابطون إلى صريخ ملوك الطوائف، وعبروا البحر إلى الأندلس مع قوات ضخمة، والتقت قوات المسلمين المتّحدة بقيادة يوسف ابن تاشفين بالجيوش النصرانية المتحدة بقيادة الفونسو السادس زعيم إسبانيا النصرانية، في سهول الزلاّقة في شهر رجب من سنة ٤٧٩ هـ (أكتوبر - تشرين الأول سنة ١٠٨٦ م)، فأحرز المسلمون على النصارى نصراً عظيماً. وكانت موقعة الزلاّقة من أيام الأندلس المشهورة، وانتعشت دول الطوائف، وقويت نفوس

стр. 553

المسلمين في الأندلس، وبدأت حياة جديدة. ولكن سرعان ما اختلف المرابطون مع الطوائف، فحطموا دول الطوائف، وبسطوا حكمهم على الأندلس زهاء نصف قرن. ولما سقطت دولة المرابطين في المغرب، وقامت على أنقاضها دولة الموحدين، عَبَرَ الموحدون البحر إلى الأندلس، وبسطوا عليها حكمهم زهاء قرن آخر، وفي ظلّ الموحدين، أحرزت الأندلس المسلمة كما أحرزت في الزلاقة أيام المرابطين، نصرها الحاسم على إسبانيا النصرانية، بقيادة يعقوب المنصور ملك الموحدين، وذلك في موقعة الأرك الشهيرة (٥٩١ هـ - ١١٩٤ م) (١)، ولكنها ما لبثت أن لقيت هزيمتها الحاسمة. بعد ذلك بقليل، على يد إسبانيا النصرانية في موقعة العقاب (٦٠٩ هـ - ١٢١٢ م) (٢)، وكانت هزيمة العقاب ضربة شديدة لسلطان الموحدين وللأندلس المسلمة، فعاد شبح الفناء يلوح للأندلس قوياً منذراً، وسرى هذا التوجّس إلى كُتّاب العصر وشعرائه، وظهر واضحاً في رسائلهم وقصائدهم، ومن ذلك ما قاله أبو اسحاق إبراهيم بن الدّباغ الإشبيلي معلقاً على موقعة العقاب: وقائلة أراك تطيل فكراً ... كأنك قد وقفت لدى الحساب فقلت لها أُفكِّر في عقاب ... غداً سبباً لمعركة العقاب فما في أرض أندلس مقام ... وقد دخل البلا من كلّ باب (٣) وفي خلال ذلك، كانت الأندلس، تضطرم بأشنع ضروب الخلاف والفتن، والثغور والقواعد يتناوبها الرؤساء والمتغلِّبون، وإسبانيا النصرانية تنزل ضرباتها المتوالية بالمسلمين، وتستولي تباعاً على القواعد والثغور. والحقيقة أن الجهد المضطرم الذي بذلته إسبانيا النصرانية يومئذ، لانتزاع القواعد الأندلسية لم يكن سوى الذروة من مرحلة طال أمدها، من حركة

стр. 554

الاستيلاء والاسترداد النصرانية La Reconqista وقد بدأ هذا الاسترداد من جانب إسبانيا النصرانية لأراضيها المفتوحة منذ عصر مبكِّر جداً، أي منذ قامت المملكة النصرانية الشمالية عقب الفتح الإسلامي بقليل في حمى الجبال الشمالية، واشتد ساعدها بسرعة، واستطاعت منذ منتصف القرن الثامن الميلادي أن تدفع حدودها تباعاً نحو الجنوب، وكانت أولى القواعد الإسلامية التي سقطت هي (لُك) في أقصى الشمال الغربي لشبه الجزيرة الأندلسية، واسترقة في شمال نهر دويرة، وشلمنقة وشقوبية وسمورة وألبة في الناحية الأخرى من دويرة. ولم تتأثر الأندلس المسلمة كثيراً بفقد هذه القواعد الأولى، لبعدها ولقربها من المملكة النصرانية. ولكن الأندلس شعرت بالخطر الحقيقي، منذ استطاع النصارى عبور نهر التاجة متوسط شبه الجزيرة في غزوات قوية، واستيلائهم بعد ذلك على طليطلة ثالثة القواعد الأندلسية الكبرى بعد قرطبة وإشبيلية. ووضع نصر الزلاّقة، وقيام سلطان المرابطين في شبه الجزيرة حداً مؤقتاً لتقدم النصارى في وسط شبه الجزيرة وشرقيها. ولكن موجة جديدة من الغزو النصراني اجتاحت شمال شرقي الأندلس منذ بداية القرن السادس الهجري، فسقطت سرقسطة في يد النصارى (٥١٢ هـ - ١١١٨ م) وتطيلة (٥٢٤ هـ - ١١٢٩ م)، ثم تلتها لاردة وإفراغة وطرطوشة (٥٤٢ هـ - ١١٤٨ م). وفي ذلك الوقت ذاته، بدأ سقوط القواعد الإسلامية في غربي شبه الجزيرة أي في البرتغال، فسقطت أُشبونة وشنترة وشنترين فى يد النصارى في سنة (٥٤٢ هـ - ١١٤٧ م) وسقطت باجة بعد ذلك بقليل في سنة (٥٥٦ هـ - ١١٦١ م)، ثم تلتها بابرة في سنة (٥٦١ هـ - ١١٦٥ م). ْولما توطد سلطان الموحدين في الأندلس في أواخر القرن السادس الهجري، توقّفت حركة الاسترداد النصراني مدة من الزمن، ثم عادت تضطرم قوية بعد إحراز إسبانيا النصرانية لفوزها الحاسم على الموحدين في موقعة العقاب (٦٠٩ هـ). ومنذ أوائل القرن السابع الهجري، اجتاحت الأندلس

стр. 555

المسلمة موجة عارمة من الغزو النصراني، فسقطت قواعد المسلمين التالية بيد النصارى: جزيرة ميورقة (٦٢٧ هـ - ١٢٢٩ م)، وأبّدة (٦٣١ هـ - ١٢٣٣ م)، ثم قرطبة (٦٣٣ هـ - ١٢٣٦ م) وبياسة وإستجة والمدور (٦٣٤ هـ - ١٢٣٧ م) وبلنسيهّ (٦٣٦ هـ - ١٢٣٨ م) وشاطبة ودانية (٦٣٨ هـ - ١٢٤٠ م) ولقنت وأوريولة وقرطاجنة (٦٤٠ هـ - ١٢٤٢ م) ومرسية (٦٤١ هـ - ١٢٤٣ م) وجيان (٦٤٤ هـ - ١٢٤٦ م)، ثم إشبيلية (٦٤٦ هـ - ١٢٤٨ م). واجتاحت غرب الأندلس في الوقت نفسه موجة مماثلة من الغزو النصراني، فسقطت بطليوس (٦٢٦ هـ - ١٢٢٨ م) وماردة (٦٢٨ هـ - ١٢٣٠ م) وشلب (٦٤٠ هـ - ١٢٤٢ م) وشنتبرية الغرب (٦٤٧ هـ - ١٢٤٩ م) وولبة (٦٥٥ هـ - ١٢٥٧ م)، ثم سقطت قادس (٦٦٧ هـ- ١٢٦٢ م)، وتلتها شريش (٦٦٣ هـ - ١٢٦٤ م). وهكذا لم يَأت منتصف القرن السابع الهجري - القرن الثالث عشر الميلادي - حتى كانت ولايات الأندلس الشرقية والوسطى كلها قد سقطت في يد إسبانيا النصرانية، ولم يبق من الدول الإسلامية في الأندلس، سوى بضع ولايات صغيرة في طرف إسبانيا الجنوبي (١). مملكة غرناطة وأخذت الأندلس عندئذ، تواجهه شبح الفناء مرةً أخرى من جديد، وطافت بالأمة الأندلسية المسلمة التي احتشدت يومئذ بالجنوب الأندلسي، في بسيطها الضيِّق، ريح التوجّس والفزع، وعاد النذير يهيب بالمسلمين، أن يغادروا ذلك الوطن الذي يهدد مصيرهم بالخطر، والذي يتخاطف العدو أشلاءه الدامية، وسرى في الأمة الأندلسية شعور عميق بمصيرها المحتوم. ولكن شاء القدر، أن يرجأ هذا المصير بضعة أجيال أخرى، وشاء أن يسبغ

стр. 556

على الدولة الإسلامية في الأندلس حياة جديدة في ظل مملكة غرناطة، التي استطاعت أن تبرز من غمرة الفوضى ضئيلة في البداية، وأن توطد دعائم قوتها شيئاً فشيئاً، وأن تذود عن الإسلام ودولته الباقية بنجاح أكثر من قرنين. وكان من حسن طالع هذه المملكة الإسلامية الصغيرة، أن شغلت عدوتها القوية إسبانيا النصرانية مدى حين، بمنازعاتها وحروبها الداخلية، فلم تستطع تحقيق غايتها الكبرى، وهي القضاء على دولة الإسلام في الأندلس، وعلى الأمة الأندلسية المسلمة بصورة نهائية، إلاّ بعد أن تهيأت لذلك جميع الظروف والأسباب. ولم يكن ذلك قبل مائتين وخمسين عاماً، عاشتها مملكة غرناطة الصغيرة، أبيّة كريمة، ترفع لواء الإسلام عالياً في تلك الربوع، التي افتتحها الإسلام قبل ذلك بعدّة قرون، وأنشأ بها المسلمون حضارتهم العظيمة التي حفلت بأرقى نظم الحياة المادية والمعنوية، وأرفع ضروب العلوم والفنون والآداب التي عرفت في العصور الوسطى (١). وقد كانت غرناطة وقت فتح الأندلس مدينة صغيرة من أعمال ولاية إلبيرة، تقع على مقربة من مدينة إلبيرة قاعدة الولاية من الناحية الجنوبية (٢)، افتتحها المسلمون عقب انتصارهم على القوط بقيادة طارق بن زياد سنة (٩٢ هـ - ٧١١ م). ولما اضطرمت الفتنة بالأندلس، ودبّ الخلاف بين القبائل، عقب موقعة بلاط الشهداء سنة ٧٣٢ م، واشتد التنافس على الإمارة بين الشاميين من ناحية، والعرب والبربر من ناحية أخرى، فرأى أمير الأندلس أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي أن يعمل على تهدئة الفتنة بتمزيق عصبة الشاميين، ففرّقهم في أنحاء الأندلس، وأنزل جند الشام بكورة إلبيرة، وجند حمص بإشبيلية، وجند فلسطين بشذونة والجزيرة، وجند الأردن بريّة، وهكذا نزل

стр. 557

الشاميون منذ البداية بولاية إلبيرة، وغدوا بمضي الزمن كثرة فيها. واستمرت إلبيرة قاعدة لهذه الولاية ومركز قضائها في ظل الدولة الأموية، حتى أواخر القرن الرابع، حينما انهارت الخلافة الأموية، وتعاقبت الفتن، وعاث البربر في البلاد، وخربت مدينة إلبيرة شيئاً فشيئاً، حتى غدت غرناطة قاعدة الولاية مكانها، وغلب اسم غرناطة على الولاية نفسها، ومن ذلك الحين اختفى اسم إلبيرة كقاعدة من قواعد الأندلس، وذكر اسم غرناطة مكانها. والواقع أن إلبيرة وغرناطة تعتبران في معظم الأحيان، ولاسيما في المراحل الأولى لتاريخ الأندلس اسمين لمكان واحد، وقد جرى كثير من المؤرخين والجغرافيين على المزج بينهما (١). وغَرناطة، اسم قديم، يرجع إلى عهد الرومان والقوط، وقد اختلفت آراء الباحثين في أصل هذه التسمية، فيرى قسم منهم أنه مشتق من الكلمة الرومانية ( Granata) أي الرمانة، وأنها سميت كذلك لجمالها وكثرة حدائق الرومان التي تحيط بها (٢). ويرى قسم آخر أن التسمية ترجع إلى أصل قوطي أو أنها ترجع إلى أصل بربري مشتق من اسم إحدى القبائل، وأرجح الرأي الأول. وغرناطة تتمتع بموقع فائق في الحسن، فهي تقع في وادٍ عميق، يمتد من المنحدر الشمالي الغربي لجبال سييرا نفادا، وتظللها الآكام العالية من الشرق والجنوب، ويحدها من الجنوب نهر شنيل فرع الوادي الكبير (٣)، وهو ينبع من جبال سييرا نفادا، ويخترقها فرعه المسمى نهر حدرّه (٤) أو هدرة ( El Darro) ويلتقي به عند جنوبي المدينة. وقد كان شَنيل وفرعه حدره أيام المسلمين يفيض بالماء، ولاسيما في الصيف، حيث تذوب الثلوج، وكانت

стр. 558

ضفافهما خضراء يانعة تغص بالحدائق الغناء، أما اليوم فقد جف مجرى شَنيل، وقلما يجري فيه الماء إلاّ القليل أيام الشتاء. وأما فرعه حدره فيخترق المدينة من الشرق عند سفح التل التي تقع عليه (الحمراء)، ويتصل بشنيل عند القنطرة الأندلسية القديمة. وهو يكاد يختفي اليوم، ولم يبق من مجراه سوى الجزء الصغير لتل الحمراء. أما جزؤه الذي كان يخترق وسط المدينة، فقد غُطِي اليوم بشارعها الرئيس الأوسط المسمى: (شارع الملكين الكاثوليكيين)، وامتداده في الميدان الكبير حتى قنطرة شنيل. وتشرف غرناطة من الجنوب الغربي، على بسيط أخضر وافر الخصب، هو المرج أو الفحص الشهير: ( La Vega) (١) الذي يمتد غرباً حتى مدينة لَوْشة، ومن الجنوب الشرقي على جبال سييرا نفادا (جبل شُلير أو جبل الثلج) التي تغطي الثلوج آكامها الناصعة. ويطلق الجغرافيون الأندلسيون اسم: شلير أو جبل الثلج على جبال سييرا نفادا، فأما شلير فهو محرّف عن اللاتينية ( Solarius) ومعناها جبل الشمس، وذلك لأن الشمس تسلِّط أشعتها الساطعة على تلك الجبال، فينعكس ضوؤها على الثلوج الناصعة التي تغطيها. وأما تسميتها بجبل الثلج، فهي ترجمة عربية مطابقة لاسمها القشتالي: ( Sierra Nevada) . وكانت غرناطة أيام الدولة الإسلامية، جنّة من جنّات الدنيا، تغص بالغياض والبساتين اليانعة، التي كانت لوفرة خصبها وروعة نضرتها تُعرف بالجنّات، فيقال للمزرعة أو البستان: (جنّة كذا) أو (جنّة فلان)، مثل جنة الجرف وجنّة العرض وجنة الحفرة، ومدرج منجد، ومدرج السبيكة، وجنة ابن عمران، وجنة العريف، وغيرها. وقد ذكر ابن الخطيب، أن هذه الجنات الغرناطية الشهيرة كانت تبلغ في عصره زهاء المائة. كما ذكر لنا، أن منطقة غرناطة كانت تضم زهاء ثلاثمائة قرية عامرة، منها ما كان يبلغ سكانه

стр. 559

الألوف، ومنها ما كان يملكه مالك واحد أو ملاك قلائل، هذا عدا الأملاك السلطانية والحصون (١). وبذلك نستطيع أن نقدِّر أن غرناطة كانت تضم أيام كانت عاصمة الدولة الإسلامية في الأندلس، أكثر من نصف مليون من الأنفس. أما المرج أو الفحص، فقد كان بسيطاً رائع الخضرة، يشبهونه بغوطة دمشق، وتخترقه الجداول والأنهار، ويغص بالقرى والجنات، ويهرع إليه الرواد في ليالي الربيع والصيف، فيغدو مسرح الأسمار والأنس. وكانت غرناطة نموذجاً بديعاً للعمارة الإسلامية، تغص بالصروح والأبنية الضخمة، وتتخللها الميادين والطرقات الفسيحة. وكانت مدينة: الحمراء أو دار الملك، أروع ما فيها، تطلّ على أحيائها في سمت من القبلة، تشرف عليه منها الشرفات البيض والأبراج السامية والمعاقل المنيعة، والقصور الرفيعة، تغشى العيون وتبهر العقول - كما يقول ابن الخطيب في كتابه: الإحاطة في أخبار غرناطة. وقد أشاد بمحاسن غرناطة وفضائلها كتَّاب الأندلس وشعراؤها، قال ابن الخطيب: بلد تحفّ به الرياض كأنه ... وجه جميل والرياض عذاره وكأنما واديه معصم غادة ... ومن الجسور المحكمات سواره أما اليوم، فقد عُدَّت غرناطة مدينة متواضعة، لا يزيد سكانها على مائة وثلاثين ألفاً، وهي عاصمة الولاية الأندلسية المسماة بنفس الاسم. بالرغم من أنها فقدت بهاءها السابق، فإنها ما زالت تتّشح بطابع خاص من التحفظ والنبل المؤثر، وقد اختفت معظم خططها الإسلامية، وقامت على أنقاضها مدينة أوروبية حديثة، بيد أن غرناطة ما زالت مع ذلك تحتفظ ببقية من صروحها ومعالمها الأندلسية، وتجتمع هذه البقية بالأخص في قسمها الشرقي، حيث تربض أبراج (الحمراء) فوق هضبتها العالية. وأعظم آثارها

стр. 560

الباقية هي بلا ريب: قصر الحمراء الملكي الذي ما زال يحتفظ بكثير من روعته القديمة، وقصر جنّة العريف الواقع في شرقه على مسافة قليلة، وقد كان مصيفاً لملوك غرناطة. وبقية من قصر شنيل (١)، وهي تقع في ضاحية أرملة (أرمليا) على مقربة من شنيل، والخان (٢) وهو ذو عقد عربي رائع، ويقع على مقربة من دار البريد. أما المسجد الجامع وبقية المساجد الإسلامية، فقد هدمت جميعاً، وقامت على أنقاضها الكنائس. وأما ما بقي من خططها الإسلامية، فهو ظاهر بالأخص في: حي البيّازين (٣) الواقع في شمالها الغربي، والميدان الكبير الذي ما زال يحمل اسمه القديم: رحبة باب الرّملة (٤)، وإلى جواره القيصرية القديمة (٥)، وهذا فضلاً عما يبدو في كثير من دروبها الضيقة الصاعدة ومنازلها العديدة ذات الطراز الأندلسي، من الملامح الأندلسية الواضحة. كذلك بقيت قطعة كبيرة من أسوار غرناطة الإسلامية، وبضعة من أبوابها القديمة، مثل: باب البنود، وباب إلبيرة، وباب البيّازين، وباب فحص اللّوز، وباب الشريعة، وهو مدخل الحمراء الرئيس. وما تزال قنطرة شنيل قائمة على النهر عند التقائه بفرعه: حدرُّه، وتحمل اسمها الإسلامي القديم (٦). وتوجد في متحف غرناطة الأثري طائفة كبيرة من اللّوحات والنقوش والتحف الأندلسية (٧).

стр. 561

نشأة مملكة غرناطة وقيام الدولة النصريّة كانت غرناطة أيام الدولة الأموية، قاعدة متواضعة من قواعد الأندلس الجنوبية وهي تحتل مكانة إلبيرة شيئاً فشيئاً، حتى كانت أيام الفتنة عقب انهيار الدولة الأموية في أواخر القرن الرابع الهجري، فأخذت القواعد الجنوبية تغدو بعد تخريب قرطبة، ونأي الثغور الشرقية والشمالية، مركز التجاذب والتنافس بين زعماء الفتنة. ووقعت غرناطة يومئذ من نصيب البربر، واستولى عليها زعيم صنهاجة زاوى بن زيرى واتخذها دار ملكه، وقامت في قرطبة دولة بني حمود الإدريسيّة، واستمرّت الحرب والفتنة مدى حين سجالاً بين المتغلبين من فلول بني أمية وبني عامر وفتيانهم ومواليهم، وبين زعماء البربر. ولما ظهر المرتضى، وهو من عقب بني أميّة، ودعا لنفسه بالخلافة، سار في عصبة الأمويين والموالي إلى غرناطة، لانتزاعها واتخاذها دار ملكه، فردّه عنها صاحبها زاوي الصنهاجى في موقعة دموية (٤٠٨ هـ). واستقر زاوى في حكم غرناطة وأعمالها بضعة أعوام، ثم غادرها إلى دار قومه في تونس، واستخلف عليها ابن أخيه حبُّوس بن ماكس، فحكمها حتى توفي سنة (٤٢٩ هـ). وخلفه في ولايتها ولده باديس وتلقّب بالمظفّر، واستولى على مالقة من يد الأدارسة (بني حمُّود)، واتسع ملكه، ولبث طول حكمه الذي استطال حتى سنة (٤٦٧ هـ) في قتال مستمر مع بني عباد أمراء إشبيلية، أعظم وأقوى ملوك الطوائف يومئذ. ولما توفي باديس المظفر، خلفه في حكم غرناطة وأعمالها، حفيده عبد الله بن ملكيِّن بن باديس، واستمر في حكمها

стр. 562

إلى أن عبر المرابطون البحر إلى الأندلس في سنة (٤٨٣ هـ) بقيادة عاهلهم يوسف بن تاشفين، واستولوا عندئذ على غرناطة، كما استولوا على قواعد الأندلس الأخرى وانتهت بذلك دول الطائف التي قامت على أنقاض الخلافة الأموية في الأندلس، وعاشت زهاء ستين عاماً. واستمر المرابطون في حكم الأندلس وقواعدها زهاء ستين عاماً أخرى، وتعاقب في حكم غرناطة عدة من أمراء اللمتونيين (١) وسادتهم، من قرابة يوسف بن تاشفين، فلما انهارت دولتهم في إفريقية، جاز الموحدون المتغلِّبون على دولتهم إلى الأندلس في سنة (٥٤٠ هـ - ١١٤٦ م)، وأخذوا يستولون تباعاً على القواعد والثغور، وسقطت غرناطة بأيديهم بعد ذلك بثلاثة أعوام في سنة (٥٤٣ هـ- ١١٤٨ م) بالرغم مما بذله المرابطون بقيادة قائدهم الشهير يحي بن غانية وحلفاؤهم النصارى من جهود عظيمة للدفاع عنها. ولبثت غرناطة كباقي القواعد الأندلسية في يد الموحِّدين، يتناوب حكمها الأمراء والسادة من بني عبد المؤمن وقرابته، حتى كانت ثورة أبي عبد الله محمد بن يوسف بن هود سليل بني هود أمراء سرقسطة السابقين على الموحّدين، وانتزاعه معظم قواعد الأندلس من أيديهم. وذلك أنه لما توفي أبو يعقوب يوسف المستنصر بالله سلطان الموحِّدين في سنة (٦٢٠ هـ) دون عقب، قام ابن أخيه أبو عبد الله محمد ولد يعقوب المنصور بالأندلس، وأعلن نفسه أميراً على بلنسية، باسم العادل بالله، وقام أخوه أبو علي إدريس في إشبيلية، واتخذ لقب المأمون، وبسط سلطانه على الأندلس، ولما توفي أخوه العادل أمير بلنسية قتيلاً بيد الثوار بعد ذلك بأربعة أعوام (٦٢٤ هـ) خلفه في رياستها، وولى عليها أخاه السيد أبا عبد الله ليحكمها من قِبَله. ثم شُغِلَ المأمون في الأعوام القلائل التالية، بالعمل على توطيد سلطانه بالمغرب، واستبدّ بالحكم، واستعمل العنف الشديد، وقضى

стр. 563

على رسوم المهدي وتعاليمه ونظام حكومته باعتبارها نظماً رجعية لا تتفق مع روح الدين الصحيح، فسرت روح السخط بين القبائل، وأخذ الزعماء المتوثبون الذين يرقبون الفرص. وبينما كان المغرب يضطرم بعوامل الثورة على هذا النحو، والمأمون يشغل بقمع الخوارج عليه، كان سلطان الموحِّدين بالأندلس يضطرب في الوقت نفسه، ويتداعى وينهار حكمهم تباعاً. ففي تلك الآونة، ظهر ابن هود يدعو إلى دعوة جديدة، تمثل فيها روح الأندلس الحقيقية، وهي: وجوب العمل على تحرير الأندلس من نير الموحِّدين والنصارى معاً. وكان المأمون حينما اشتد عليه الأمر بالأندلس، قد تحالف مع ملك قشتالة، وتنازل له عن عدد من القواعد والحصون، وتعهد بأن يمنح النصارى في أراضيه امتيازات خاصة، وذلك لقاء معاونة ملك قشتالة له على محاربة خصومه. وكان تحالف الموحِّدين مع النصارى على هذا النحو، يسبغ على دعوة ابن هود قوة خاصة، ويدفع الأندلسيين إلى الإنضواء تحت لوائه، وظهر ابن هود لأول مرة في أحواز مرسية في سنة (٦٢٥ هـ - ١٢٢٨ م) في الوقت الذي أخذ فيه سلطان الموحّدين يضطرب ويتصدع في الثغور والنواحي، ثم أغار على مرسية في عصبته القليلة، واستطاع أن ينتزعها من حاكمها السيد أبي العباس. وأخذ نجمه يتألق من ذلك الحين، فأعلن أنه يعتزم تحرير الأندلس من الموحدين والنصارى معاً، والعمل على إحياء الشريعة وسننها، ودعا للخلافة العباسية، وكاتب الخليفة المستنصر العباسي ببغداد، فبعث إليه بالخلع والمراسيم، وتلقّب بالمتوكل على الله. ولم يمض سوى قليل، حتى دخلت في طاعته عدة من قواعد الأندلس، منها جيان وقرطبة وماردة وبطليوس، ثم استطاع أن ينتزع غرناطة قصبة الأندلس الجنوبية من المأمون في سنة (٦٢٨ هـ - ١٢٣١ م). وفي العام التالي (٦٢٩ هـ) توفى المأمون ملك الموحدين، وهو في طريقه إلى مراكش، ليعمل على إنقاذ عرشه من المتغلِّبين عليه. وبينما كان سلطان الموحدين بالأندلس يدنو سراعاً من نهايته، كانت دولتهم بالمغرب تدخل في

стр. 564

دور الانحلال، في ظل نفرٍ من الأمراء الضعاف، ثم تختتم حياتها بعد ذلك بنحو أربعين عاماً في سنة (٦٦٨ هـ) لتقوم على أنقاضها دولة بني مرين. واستمر ابن هود حيناً يخوض معارك متعاقبة مع الموحدين والنصارى، ونشبت بينه وبين فرديناند الثالث (١) ملك قشتالة، في ظاهر ماردة معركة انتهت بسقوط ماردة وبطليوس في يد النصارى سنة (٦٢٨ هـ - ١٢٣٠ م) (٢). وانتهز فرديناند الثالث ملك قشتالة تلك الفرصة التي اضطرمت فيها المملكة الإسلامية في الأندلس كلها بنار الحرب الأهلية، فسيّر قواته لمقاتلة ابن هود، وكان يبدو في نظره يومئذ زعيم الأندلس الحقيقي. وكان ابن هود في ذلك الوقت، قد استطاع أن يبسط سلطانه على الولايات والشواطئ الجنوبية، فيما بين الجزيرة الخضراء والمريّة، وفيما بين قرطبة وغرناطة، وكان يرى في مقاتلة النصارى عاملاً لتدعيم دعوته وسلطانه، فسار للقائهم، والتقى الجيشان في فحص شريش على ضفاف وادي لكّة، ولكن ابن هود هزم بالرغم من تفوقه في العدد، وكان ذلك في (أواخر ٦٣٠ هـ - ١٢٣٣ م)، وسار فرديناند بعد ذلك لاجتياح أبده، فسقطت في يده بعد حصار قصير (٦٣١ هـ - ١٢٣٤ م). على أنّ سقوط قرطبة، كان أعظم ضربة نزلت يومئذ بالأندلس. كان ابن هود عقب هزيمته قد جمع قواته وسار لقتال خصمه ومنافسه الجديد محمد بن الأحمر في أحواز غرناطة. وألفى النصارى من جانبهم الفرصة سانحة للزحف على قرطبة التي كان فيها الأمر فوضى ليس فيها مَن يجمع الكلمة ويتزعم الدفاع عنها. وفاجأ القشتاليون بعض أبراج المدينة في البداية، ولكنهم رأوا أن الاستيلاء عليها ليس بالأمر السّهل، ولابد لتحقيقه من قوات جسيمة. وعلم فرديناند الثالث وهو في طريقه إلى ليون بما تم من استيلاء قواته على بعض أبراج المدينة، وبما تبين من ضعف وسائل الدفاع عنها، فارتد إليها

стр. 565

مسرعاً تلاحقه قواته من سائر الأنحاء. وبادر أهل قرطبة بالتأهب للدفاع عن مدينتهم، وأرسلوا إلى ابن هود أميرهم الشرعي يطلبون الغوث والإنجاد. وقدر ابن هود خطورة الموقف، واعتزم أن يسير إلى إنجاد الحاضرة المحصورة، ولكنه علم في طريقه أن جيش القشتاليين يفوق في الأهبة والكثرة، ووصله من جهة أخرى صريخ أبي جميل زيان أمير بلنسية لمعاونته ضد خايمي (١) ملك أراغون الذي اشتد في مناوراته وإرهارقه، ولاح له أن السير إلى بلنسية التي كان يطمح إلى امتلاكها أيسر وأجدى، فترك قرطبة لمصيرها مؤملاً أن يثبت أهلها دفاعاً عنها، أو يستطيع إنقاذها فيما بعد. ولبث النصارى على حصار قرطبة بضعة أشهر، ودافع أهل قرطبة عن مدينتهم ودينهم وحرياتهم أعنف دفاع وأروعه، ولكنهم اضطروا في النهاية، وبعد أن أرهقهم الحصار، وفقدوا كل أمل في الغوث والإنقاذ إلى التسليم. ودخل النصارى قرطبة في (٢٣ شوال سنة ٦٣٣ هـ - ٢٩ حزيران - يونيو سنة ١٢٣٦ م)، وفي الحال حوّلوا مسجدها الجامع إلى كنيسة (٢)، وقد كان هذا شعارهم كلما دخلوا قاعدة أندلسية، إيذاناً بظفر النصرانية على الإسلام. وكان لسقوط قرطبة عاصمة الخلافة التالدة، أعظم وقع في الأندلس وفي سائر أصقاع العالم الإسلامي، وكانت ضربة مميتة أخرى صوبتها إسبانيا النصرانية، إلى قلب الأندلس المفككة المنهوكة القوى (٣).
следующие страницы →