← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

نشأة مملكة غرناطة وقيام الدولة النصريّة كانت غرناطة أيام الدولة الأموية، قاعدة متواضعة من قواعد الأندلس الجنوبية وهي تحتل مكانة إلبيرة شيئاً فشيئاً، حتى كانت أيام الفتنة عقب انهيار الدولة الأموية في أواخر القرن الرابع الهجري، فأخذت القواعد الجنوبية تغدو بعد تخريب قرطبة، ونأي الثغور الشرقية والشمالية، مركز التجاذب والتنافس بين زعماء الفتنة. ووقعت غرناطة يومئذ من نصيب البربر، واستولى عليها زعيم صنهاجة زاوى بن زيرى واتخذها دار ملكه، وقامت في قرطبة دولة بني حمود الإدريسيّة، واستمرّت الحرب والفتنة مدى حين سجالاً بين المتغلبين من فلول بني أمية وبني عامر وفتيانهم ومواليهم، وبين زعماء البربر. ولما ظهر المرتضى، وهو من عقب بني أميّة، ودعا لنفسه بالخلافة، سار في عصبة الأمويين والموالي إلى غرناطة، لانتزاعها واتخاذها دار ملكه، فردّه عنها صاحبها زاوي الصنهاجى في موقعة دموية (٤٠٨ هـ). واستقر زاوى في حكم غرناطة وأعمالها بضعة أعوام، ثم غادرها إلى دار قومه في تونس، واستخلف عليها ابن أخيه حبُّوس بن ماكس، فحكمها حتى توفي سنة (٤٢٩ هـ). وخلفه في ولايتها ولده باديس وتلقّب بالمظفّر، واستولى على مالقة من يد الأدارسة (بني حمُّود)، واتسع ملكه، ولبث طول حكمه الذي استطال حتى سنة (٤٦٧ هـ) في قتال مستمر مع بني عباد أمراء إشبيلية، أعظم وأقوى ملوك الطوائف يومئذ. ولما توفي باديس المظفر، خلفه في حكم غرناطة وأعمالها، حفيده عبد الله بن ملكيِّن بن باديس، واستمر في حكمها

стр. 562

إلى أن عبر المرابطون البحر إلى الأندلس في سنة (٤٨٣ هـ) بقيادة عاهلهم يوسف بن تاشفين، واستولوا عندئذ على غرناطة، كما استولوا على قواعد الأندلس الأخرى وانتهت بذلك دول الطائف التي قامت على أنقاض الخلافة الأموية في الأندلس، وعاشت زهاء ستين عاماً. واستمر المرابطون في حكم الأندلس وقواعدها زهاء ستين عاماً أخرى، وتعاقب في حكم غرناطة عدة من أمراء اللمتونيين (١) وسادتهم، من قرابة يوسف بن تاشفين، فلما انهارت دولتهم في إفريقية، جاز الموحدون المتغلِّبون على دولتهم إلى الأندلس في سنة (٥٤٠ هـ - ١١٤٦ م)، وأخذوا يستولون تباعاً على القواعد والثغور، وسقطت غرناطة بأيديهم بعد ذلك بثلاثة أعوام في سنة (٥٤٣ هـ- ١١٤٨ م) بالرغم مما بذله المرابطون بقيادة قائدهم الشهير يحي بن غانية وحلفاؤهم النصارى من جهود عظيمة للدفاع عنها. ولبثت غرناطة كباقي القواعد الأندلسية في يد الموحِّدين، يتناوب حكمها الأمراء والسادة من بني عبد المؤمن وقرابته، حتى كانت ثورة أبي عبد الله محمد بن يوسف بن هود سليل بني هود أمراء سرقسطة السابقين على الموحّدين، وانتزاعه معظم قواعد الأندلس من أيديهم. وذلك أنه لما توفي أبو يعقوب يوسف المستنصر بالله سلطان الموحِّدين في سنة (٦٢٠ هـ) دون عقب، قام ابن أخيه أبو عبد الله محمد ولد يعقوب المنصور بالأندلس، وأعلن نفسه أميراً على بلنسية، باسم العادل بالله، وقام أخوه أبو علي إدريس في إشبيلية، واتخذ لقب المأمون، وبسط سلطانه على الأندلس، ولما توفي أخوه العادل أمير بلنسية قتيلاً بيد الثوار بعد ذلك بأربعة أعوام (٦٢٤ هـ) خلفه في رياستها، وولى عليها أخاه السيد أبا عبد الله ليحكمها من قِبَله. ثم شُغِلَ المأمون في الأعوام القلائل التالية، بالعمل على توطيد سلطانه بالمغرب، واستبدّ بالحكم، واستعمل العنف الشديد، وقضى

стр. 563

على رسوم المهدي وتعاليمه ونظام حكومته باعتبارها نظماً رجعية لا تتفق مع روح الدين الصحيح، فسرت روح السخط بين القبائل، وأخذ الزعماء المتوثبون الذين يرقبون الفرص. وبينما كان المغرب يضطرم بعوامل الثورة على هذا النحو، والمأمون يشغل بقمع الخوارج عليه، كان سلطان الموحِّدين بالأندلس يضطرب في الوقت نفسه، ويتداعى وينهار حكمهم تباعاً. ففي تلك الآونة، ظهر ابن هود يدعو إلى دعوة جديدة، تمثل فيها روح الأندلس الحقيقية، وهي: وجوب العمل على تحرير الأندلس من نير الموحِّدين والنصارى معاً. وكان المأمون حينما اشتد عليه الأمر بالأندلس، قد تحالف مع ملك قشتالة، وتنازل له عن عدد من القواعد والحصون، وتعهد بأن يمنح النصارى في أراضيه امتيازات خاصة، وذلك لقاء معاونة ملك قشتالة له على محاربة خصومه. وكان تحالف الموحِّدين مع النصارى على هذا النحو، يسبغ على دعوة ابن هود قوة خاصة، ويدفع الأندلسيين إلى الإنضواء تحت لوائه، وظهر ابن هود لأول مرة في أحواز مرسية في سنة (٦٢٥ هـ - ١٢٢٨ م) في الوقت الذي أخذ فيه سلطان الموحّدين يضطرب ويتصدع في الثغور والنواحي، ثم أغار على مرسية في عصبته القليلة، واستطاع أن ينتزعها من حاكمها السيد أبي العباس. وأخذ نجمه يتألق من ذلك الحين، فأعلن أنه يعتزم تحرير الأندلس من الموحدين والنصارى معاً، والعمل على إحياء الشريعة وسننها، ودعا للخلافة العباسية، وكاتب الخليفة المستنصر العباسي ببغداد، فبعث إليه بالخلع والمراسيم، وتلقّب بالمتوكل على الله. ولم يمض سوى قليل، حتى دخلت في طاعته عدة من قواعد الأندلس، منها جيان وقرطبة وماردة وبطليوس، ثم استطاع أن ينتزع غرناطة قصبة الأندلس الجنوبية من المأمون في سنة (٦٢٨ هـ - ١٢٣١ م). وفي العام التالي (٦٢٩ هـ) توفى المأمون ملك الموحدين، وهو في طريقه إلى مراكش، ليعمل على إنقاذ عرشه من المتغلِّبين عليه. وبينما كان سلطان الموحدين بالأندلس يدنو سراعاً من نهايته، كانت دولتهم بالمغرب تدخل في

стр. 564

دور الانحلال، في ظل نفرٍ من الأمراء الضعاف، ثم تختتم حياتها بعد ذلك بنحو أربعين عاماً في سنة (٦٦٨ هـ) لتقوم على أنقاضها دولة بني مرين. واستمر ابن هود حيناً يخوض معارك متعاقبة مع الموحدين والنصارى، ونشبت بينه وبين فرديناند الثالث (١) ملك قشتالة، في ظاهر ماردة معركة انتهت بسقوط ماردة وبطليوس في يد النصارى سنة (٦٢٨ هـ - ١٢٣٠ م) (٢). وانتهز فرديناند الثالث ملك قشتالة تلك الفرصة التي اضطرمت فيها المملكة الإسلامية في الأندلس كلها بنار الحرب الأهلية، فسيّر قواته لمقاتلة ابن هود، وكان يبدو في نظره يومئذ زعيم الأندلس الحقيقي. وكان ابن هود في ذلك الوقت، قد استطاع أن يبسط سلطانه على الولايات والشواطئ الجنوبية، فيما بين الجزيرة الخضراء والمريّة، وفيما بين قرطبة وغرناطة، وكان يرى في مقاتلة النصارى عاملاً لتدعيم دعوته وسلطانه، فسار للقائهم، والتقى الجيشان في فحص شريش على ضفاف وادي لكّة، ولكن ابن هود هزم بالرغم من تفوقه في العدد، وكان ذلك في (أواخر ٦٣٠ هـ - ١٢٣٣ م)، وسار فرديناند بعد ذلك لاجتياح أبده، فسقطت في يده بعد حصار قصير (٦٣١ هـ - ١٢٣٤ م). على أنّ سقوط قرطبة، كان أعظم ضربة نزلت يومئذ بالأندلس. كان ابن هود عقب هزيمته قد جمع قواته وسار لقتال خصمه ومنافسه الجديد محمد بن الأحمر في أحواز غرناطة. وألفى النصارى من جانبهم الفرصة سانحة للزحف على قرطبة التي كان فيها الأمر فوضى ليس فيها مَن يجمع الكلمة ويتزعم الدفاع عنها. وفاجأ القشتاليون بعض أبراج المدينة في البداية، ولكنهم رأوا أن الاستيلاء عليها ليس بالأمر السّهل، ولابد لتحقيقه من قوات جسيمة. وعلم فرديناند الثالث وهو في طريقه إلى ليون بما تم من استيلاء قواته على بعض أبراج المدينة، وبما تبين من ضعف وسائل الدفاع عنها، فارتد إليها

стр. 565

مسرعاً تلاحقه قواته من سائر الأنحاء. وبادر أهل قرطبة بالتأهب للدفاع عن مدينتهم، وأرسلوا إلى ابن هود أميرهم الشرعي يطلبون الغوث والإنجاد. وقدر ابن هود خطورة الموقف، واعتزم أن يسير إلى إنجاد الحاضرة المحصورة، ولكنه علم في طريقه أن جيش القشتاليين يفوق في الأهبة والكثرة، ووصله من جهة أخرى صريخ أبي جميل زيان أمير بلنسية لمعاونته ضد خايمي (١) ملك أراغون الذي اشتد في مناوراته وإرهارقه، ولاح له أن السير إلى بلنسية التي كان يطمح إلى امتلاكها أيسر وأجدى، فترك قرطبة لمصيرها مؤملاً أن يثبت أهلها دفاعاً عنها، أو يستطيع إنقاذها فيما بعد. ولبث النصارى على حصار قرطبة بضعة أشهر، ودافع أهل قرطبة عن مدينتهم ودينهم وحرياتهم أعنف دفاع وأروعه، ولكنهم اضطروا في النهاية، وبعد أن أرهقهم الحصار، وفقدوا كل أمل في الغوث والإنقاذ إلى التسليم. ودخل النصارى قرطبة في (٢٣ شوال سنة ٦٣٣ هـ - ٢٩ حزيران - يونيو سنة ١٢٣٦ م)، وفي الحال حوّلوا مسجدها الجامع إلى كنيسة (٢)، وقد كان هذا شعارهم كلما دخلوا قاعدة أندلسية، إيذاناً بظفر النصرانية على الإسلام. وكان لسقوط قرطبة عاصمة الخلافة التالدة، أعظم وقع في الأندلس وفي سائر أصقاع العالم الإسلامي، وكانت ضربة مميتة أخرى صوبتها إسبانيا النصرانية، إلى قلب الأندلس المفككة المنهوكة القوى (٣).

стр. 566

ولم يلبث ابن هود أن توفي في أوائل سنة (٦٣٥ هـ - ١٢٣٧ م)، وكانت وفاته في ثغر ألمرية في ظروف غامضة، وقد كان سار إليها معتزماً أن ينقل بعض قواته في البحر لإنجاد أمير بلنسية، فقيل إن وزيره ونائبه في ألمرية أبا عبد الله محمد بن عبد الله الرميمي استضافه في قصره ودبر قتله غيلة، وزعم في اليوم التالي أنه توفي مصروعاً. وكان الرميمي قد قام بدعوته في ألمرية، ووفد عليه في مرسية، فقدّر عونه وولاّه وزارته وعيّنه حاكماً على ألمرية، ثم تغيّر عليه فيما يقال من أجل جارية حسناء أغراها الرميمي، فسار إلى ألمرية لمعاقبته، فخشي الرميمي العاقبة، فدبّر مصرعه ولجأ إلى الجريمة احتفاظاً بسلطانه (١). هكذا توفيّ ابن هود، وهو في ذروة سلطانه ومشاريعه، ولم تطل وثبته التي أشاعت في الأندلس مدة قصيرة أملاً سراباً، فانهارت بوفاته دولته التي لم يتح لها كثير من أسباب الاستقرار والأمن (٢). وعلى أثر وفاة ابن هود وانهيار دولته، بادر خايمي ملك أراغون بانتهاز فرصته السانحة فغزا ولاية بلنسية، وكان قد استولى قبل ذلك بأعوام قلائل

стр. 567

على الجزائر الشرقية (جزائر البليار) في سنة (٦٢٧ هـ - ١٢٣٠ م)، وكانت بلنسية قد بقيت بيد الموحّدين، وتولى إمارتها السيد أبو عبد الله محمد أخو المأمون، وتلقب بالعادل كما ذكرنا، وكان منذ رأى خطر ابن هود على إمارته قد استغاث بملك أراغون وانضوى تحت لوائه، وتعهد له بأداء الجزية. عند ذاك ثار أهل بلنسية واختاروا لهم أميراً آخر هو أبو جميل زيان سليل آل مردنيش أمراء بلنسية السابقين، ففرّ أبو عبد الله أمام السّخط العام، والتجأ إلى ملك أراغون واعتنق النصرانية. ثم غزا خايمي بلنسية وحاصرها، ودافع أهلها عن مدينتهم ببسالة، واستغاث أميرها أبو جميل زيان بأمير تونس الحفصي فلم يغنم ذلك شيئاً. وسقطت بلنسية بيد النصارى في صفر سنة (٦٣٦ هـ - ١٢٣٨ م) (١)، وأتبع خايمي الاستيلاء على بلنسية بالاستيلاء على شاطبة ودانية في سنة (٦٣٨ هـ - ١٢٤١ م). أما ولاية مرسية، فقد استولى عليها في البداية الأمير أبو جميل زيان عقب فقده لبلنسية، ولكن الزعماء المحليين آثروا الانضواء تحت حماية ملك قشتالة، فتقدموا إليه يلتمسون مهادنته ومحالفته على الوضع المأثور، وهو أن يسمح لهم باستبقاء المدن في طاعته وتحت حمايته، فأجابهم فرديناند إلى ملتمسهم، وبعث إليهم ولده ألفونسو. ودخل النصارى مرسية صلحاً سنة (٦٤١ هـ - ١٢٤٣ م)، وبذلك سقطت ولاية بلنسية ومرسية وشرقي الأندلس كله بيد النصارى في أعوام قلائل فقط، وكانت نفس المأساة تتكرر في ذلك الوقت نفسه، بصورها وأوضاعها المحزنة في غربي الأندلس (٢). وفي تلك الآونة، كانت عناصر الفتنة والفوضى تتمخض عن قيام مملكة إسلامية جديدة في جنوبي الأندلس هي مملكة غرناطة. وقيام هذه المملكة في الطرف الجنوبي للدولة الإسلامية القديمة، يرجع إلى عوامل جغرافية وتاريخية واضحة، ذلك أن القواعد والثغور الجنوبية التي تقع فيما وراء نهر

стр. 568

الوادي الكبير آخر الحواجز الطبيعية بين إسبانيا النصرانية والأندلس المسلمة، كانت أبعد المناطق عن متناول العدو وأمنعها، وكانت في الوقت نفسه أقربها إلى الضفة الأخرى من البحر، إلى عُدْوَة المغرب وشمالي إفريقية، حيث تقوم دول إسلامية شقيقة، حيث تستطيع الأندلس وقت الخطر الداهم، أن تستمد الغوث والعون من إخوانها في الدين. وقد كان لها في ذلك منذ أيام الطوائف أسوة، بل لقد كان صريخ الأندلس يتردّد في تلك الآونة ذاتها على لسان شاعرها وسفيرها ابن الأبّار القضاعي، حينما دهم العدو بلنسية في سنة (٦٣٦ هـ - ١٢٣٨ م)، وكان الصريخ موجهاً من أميرها أبي جميل زيان إلى أبي زكريا الحفصي ملك إفريقية (تونس)، وهو الذي ردّده الشاعر في قصيدته الشهيرة التي مطلعها: أدرك بخيلك خيل الله أندلساً ... إن السبيل إلى منجاتها دُرساً (١) وكان موقف ابن الأحمر من هذه الحوادث شاذاً مؤلماً، فقد كان يقف إلى جانب أعداء أمته ودينه، وكان يبذل للنصارى ما استطاع من العون المادي والمعنوي، وكان معظم الزعماء المسلمين من حكام المدن والحصون الباقية، قد أيقنوا بانهيار سلطان الإسلام بالأندلس، يهرعون احتذاء أمثاله من الخونة، وإلى الانضواء تحت لواء ملك قشتالة. وكانت هذه المناظر المؤلمة، تتكرر في تاريخ الأندلس منذ الطوائف، حيث نرى كثيراً من الحكام المسلمين يظاهرون النصارى على إخوانهم في الدين، احتفاظاً بالملك والسلطان. ولكن ابن الأحمر، كان يقبل هذا الوضع المؤلم إنقاذاً لتراث لم يكتمل الرسوخ بعد، وتنفيذاً لأمنية كبيرة بعيدة المدى، ذلك أنه كان يطمح إلى جمع كلمة الأندلس تحت لوائه، وإدماج ما تبقى من تراثها وأراضيها في مملكة موحّدة، تكون ملكاً له ولعقبه، ولم تكن تحدوه رغبة في توسع يجعله

стр. 569

إلى الأبد أسيراً إلى حلفائه النصارى، مثلما كان يفعل أسلافه زعماء الطوائف، بل كانت تحدوه قبل كل شىء رغبة في الاستقلال، والتوطد داخل إمارته المتواضعة. وقد لبث يعمل على تحقيق هذه الغاية في ولاية غرناطة والولايات المجاورة، وهو يصانع النصارى ويتجنّب الاشتباك معهم، ويشهد التهامهم لأشلاء الوطن الممزق، وقلبه يتفطر حزناً وأسىً. على أن ابن الأحمر، لم يكن يعتزم المضي في ذلك المسلك المؤلم المهين إلى النهاية، فقد كانت نفسه الوثابة تحدثه. من وقت لآخر، بأن يحطم هذه الأغلال الشائنة التي صفّدته بها محالفة النصارى، وكان كلما آنس ازدياد قوته ورسوخ سلطانه، صلبت قناته وذكا عزمه. وكان يتجه ببصره إلى ما وراء البحر، إلى إخوانه في الدين في عدوة المغرب، وكانت حوادث المغرب تتمخض في ذلك الحين بالذات عن قيام دولة جديدة قوية هي دولة بني مرين الناشئة. ومع أن الكفاح بين دولة الموحدين المحتضرة وبين دولة بني مرين كان يحول دون إنجاد الأندلس بصورة فعالة، فإن كتائب المجاهدين من بني مرين والمتطوعة من أهل المغرب، لم تلبث أن هرعت إلى غوث الأندلس، وعبر القائد أبو معروف محمد بن إدريس عبد الحق المريني، وأخوه الفارس عامر البحر، في نحو ثلاثة آلاف مجاهد، جهزهم أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين. وكانت حوادث الأندلس المحزنة تحدث وقعها العميق في المغرب، وكانت رسائل الأندلس تترى إلى أمراء المغرب وأكابرهم بالصريخ مما تكابده من عدوان النصارى واستطالتهم، والاستنصار بأهل العدوة إخوانهم في الدين، وكان علماء المغرب وأدباؤها وخطباؤها وشعراؤها يبثون دعوة الغوث والإنجاد، ومن ذلك قصيدة مؤثرة وضعها أبو الحكم مالك بن المرحل، وقرئت في جامع القرويين بفاس في يوم جمعة من أيام سنة ٦٦٢ هـ، وبكى الناس تأثراً لسماعها، ومما جاء فيها: استنصر الدين بكم فاستقدموا ... فإنكم إن تسلموه يسلم لاذت بكم أندلس ناشرة ... برحم الدين ونعم الرحم

стр. 570

فاسترحمتكم فارحموها إنه ... لا يرحم الرحمن مَن لا يرحم ما هي إلاّ قطعة من أرضكم ... وأهلها منكم وأنتم منهمُ (١) وكان لاهتمام المغرب بإنجاد الأندلس صداه، وكان ابن الأحمر في الوقت نفسه قد بدأ يشعر بمقدرته على مواجهة النصارى والخروج على طاعتهم، وحماية مملكته الفتية من عدوانهم. ولما فاتحه النصارى بالعدوان وغزوا أراضيه في سنة (٦٦٠ هـ - ١٢٦١ م) استطاع بمعاونة قوات من المتطوعين والمجاهدين الذين وفدوا من وراء البحر، أن يهزمهم وأن يردهم عن أراضيه، وبذلك ظهرت الأندلس على عدوّها في ميدان الحرب، لأول مرة منذ انهيار دولة الموحدين، ولما عبرت الكتائب المرينية بعد ذلك بقليل (٦٦٢ هـ)، استطاع قائدهم الفارس عامر بن إدريس، أن ينتزع مدينة شريش من يد النصارى ولكن لمدة قصيرة فقط (٢). وقد كانت هذه بارقة أمل متواضعة، ولكن الحوادث ما لبثت أن تجهمت للأندلس مرة أخرى، ذلك أن ملك قشتالة الفونسو العاشر، خشي هذه المبادرة على خططه وغزواته، وخشي بالأخص أن تتضاعف الإمدادات من وراء البحر، فيشتد ساعد أمير غرناطة، ومن ثم فقد عوّل أن يضاعف أهبته وضغطه على القواعد الأندلسية الباقية. ففي أواخر سنة (٦٦٢ هـ - ١٢٦٣ م) نزل ابن يونس صاحب مدينة إستجة عنها إلى النصارى (٣)، ودخلها دون قائد القشتاليين، فأخرج أهلها المسلمين منها، وقتل وسبي كثيراً منهم. وفي العام التالي (٦٦٣ هـ) ظهرت نيات ملك قشتالة واضحة في العمل على الاستيلاء

стр. 571

على ما بقي من القواعد الأندلسية، وسرى الخوف إلى نواحي الأندلس، وعادت الرسائل تترى إلى أمراء المغرب وزعمائه بالمبادرة إلى إمداد الأندلس وإغاثتها قبل أن يفوت الوقت، خصوصاً وقد بدأ عدوان النصارى يحدث أثره، وبدأت هزائم قوات ابن الأحمر في ذلك الوقت على يد دون نونيو دي لارا (دوننه) صهر ملك قشتالة وقائده الأكبر (٦٦٣ هـ- ١٢٦٤ م). وأعلن ابن الأحمر بيعته للملك المستنصر صاحب تونس، فبعث إليه المستنصر هدية ومالاً لمعاونته (١)، ولكن هذه المساعي لم تسفر عن نتيجة سريعة ناجعة، وبقيت الأندلس أعواماً أخرى تواجه عدوّها القوي بمفردها، وتتوجس من سوء المصير. ولما تفاقم عدوان القشتاليين وضغطهم، لم ير ابن الأحمر مناصاً من أن يخطو خطوة جديدة في مهادنة ملك قشتالة ومصادقته، فنزل له في أواخر سنة (٦٦٥ هـ - ١٢٦٧ م) عن عدد كبير من البلاد والحصون، منها شريش والمدينة والقلعة وغيرها. وقيل: أن ما أعطاه ابن الأحمر يومئذ من البلاد والحصون المسوّرة للنصارى بلغ أكثر من مائة موضع، ومعظمها في غرب الأندلس (٢)، وبذا عقد السلم بين الفريقين مرة أخرى (٣). وهكذا خسرت الأندلس معظم قواعدها التالدة في نحو ثلاثين سنة فقط، في وابل مروِّع من الأحداث والمحن، واستحال الوطن الأندلسي الذي كان قبل قرن فقط، يشغل نحو نصف الجزيرة الإسبانية، إلى رقعة متواضعة هي

стр. 572

مملكة غرناطة (١). وقضى ابن الأحمر الأعوام القليلة الباقية من حكمه، في توطيد مملكته وإصلاح شئونها، وكان منذ سنة (٦٦٢ هـ) قد أعلن البيعة بولاية العهد لمحمد أكبر أولاده، وبذلك أسبغ على رياسة بني نصر صفة الملوكية الوراثية (٢). ولم تقع في تلك الأيام حوادث ذات شأن، فقد لزم النصارى السكينة حيناً. ولكن ظهرت عندئذٍ أعراض الانتقاض على بني أشقيلولة أصهار بني الأحمر ومعاونيه، وكان ابن الأحمر قد زوّج في سنة (٦٦٤ هـ) إحدى بناته لابن عمه الرئيس أبي سعيد بن إسماعيل بن يوسف ووعده بولاية مالقة، فنمى ذلك إلى واليها أبي محمد بن أشقيلولة، وهو أيضاً زوج ابنته، فغضب لذلك، وأعلن العصيان والاستقلال بحكم المدينة، فسار ابن الأحمر لقتاله، تعاونه قوة من حلفائه النصارى، وحاصروا مالقة ثلاثة أشهر، ولكنهم ارتدّوا عنها خائبين (٦٦٥ هـ - ١٢٦٦ م). وعاد ابن الأحمر فسار إلى مالقة مرة أخرى سنة (٦٦٨ هـ) ولكنه لم ينل منها مأرباً (٣). وفي تلك الآونة، عاد النصارى إلى التحرّش بالمملكة الإسلامية، وسار ملك قشتالة إلى الجزيرة الخضراء فعاث فيها فساداً، وعاد ابن الأحمر يتوجّس شراً من النصارى، فبعث إلى أمير المسلمين السلطان أبي يوسف المريني ملك المغرب يطلب منه الغوث والإنجاد، ولكن ابن الأحمر لم يعش ليرى نتيجة هذه الدعوة إذ توفي بعد ذلك بقليل. وكان محمد بن الأحمر يتمتّع بخلال باهرة من الشجاعة والإقدام وشغف الجهاد، والمقدرة على التنظيم، وكان جمّ التواضع والبساطة. وكان يعرف بالشيخ ويلقَّب بأمير المسلمين، وهو اللّقب الذي غلب على سلاطين غرناطة فيما بعد. وهو الذي ابتنى حصن الحمراء الشهير، وجعله دار الملك، وجلب

стр. 573

له الماء، وسكنه بأهله وولده. وأما تسميته بابن الأحمر، فقد اختلفت في شأنها الرواية، ويقال: إن هذه التسمية ترجع إلى نضارة وجهه واحمرار شعره، ويرى بعضهم أنها أسبغت عليه لإنشائه حصن الحمراء، ولكن سوف نرى عن تاريخ الحمراء، أن هذا الاسم أقدم من الدولة النصريّة ببضعة قرون، وأنه لا صلة بين هذا الاسم الذي أطلق على الحصن والقصور الملكية التي أنشأها محمد بن يوسف وبنوه من بعده، وبين تلقيبهم ببني الأحمر. كما أنه ليس ثمة بين القبائل العربية أية قبيلة تحمل هذا اللقب، ويمكن أن ينسب إليها بيت غرناطة الملكي (١). وكان ابن الأحمر يباشر الأمور بنفسه، ويدقق في جمع الأموال والجبايات، حتى امتلأت خزائنه بالمال والسلاح. وكان يعقد للناس مجالس عامة يومين في الأسبوع، يستمع فيها إلى الظلامات وذوي الحاجات، ويستقبل الوفود، وينشده الشعراء. وكان يجري في تصريف شئون الملك على قاعدة الشورى، فيعقد مجالس يحضرها الأعيان والقضاة ومَن إليهم من ذوي الرأي، للاسترشاد برأيهم ونصحهم (٢)، وكان في مقدمة وزرائه أبو مروان عبد الملك بن يوسف بن صناديد زعيم جيان، وهو الذي مكنه من التغلب عليها. وتوفي محمد بن الأحمر في التاسع والعشرين من جمادى الثانية سنة (٦٧١ هـ - كانون الأول - ديسمبر - ١٢٧٢ م) على أثر سقطه من جواده، حين عودته من معركة ردّ فيها جمعاً من الخوارج الذين حاولوا الزحف على الحمراء، فحمل جريحاً إلى القصر، وتوفي بعد ذلك بأسبوعين، وقد قارب الثمانين من عمره، ودفن بالمقبرة العتيقة بأرض

стр. 574

السبيكة (١). وكانت مملكة غرناطة قد رسخت دعائمها نوعاً ما، واستقر بها ملك بني نصر الفتي على أسس ثابتة. وكان من حسن الطالع أنه لم يظهر في مملكة غرناطة في بداية أمرها زعماء خوارج ينازعون بني نصر زعامتهم، ولذا لم نشهد في هذه المنطقة مأساة الطوائف مرة أخرى، وإن كان تاريخ الدولة النصرية لم يخلُ من ثورات وانقلابات محلية عديدة. وكان من الغرائب، أن هذه المملكة الإسلامية الصغيرة، استطاعت أن تعيد لمحة من مجد الأندلس الذاهب، كما استطاعت بكثير من الشجاعة والجلد، أن تسهر على تراث الإسلام في الأندلس، زهاء مائتين وخمسين عاماً أخرى (٢). طوائف الأندلسيين في عصر الانحلال ١ - مملكة غرناطة وحدودها كانت مملكة غرناطة عند قيامها في أواسط القرن السابع الهجري، تشمل القسم الجنوبي من الأندلس القديمة، وتمتد فيما وراء نهر الوادي الكبير إلى الجنوب، حتى شاطئ البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق، ويحدها من الشمال ولايات جيّان وقرطبة وإشبيلية، ومن الشرق ولاية مرسية وشاطئ البحر الأبيض المتوسط الممتد منها إلى الجنوب، ومن الغرب ولاية قادس وأرض الفرنتيرة. وكانت تشتمل عندئذ على ثلاث ولايات كبيرة، وهي ولاية غرناطة الواقعة في الوسط والممتدة جنوباً حتى البحر، وأهم مدنها العاصمة غرناطة، ووادي آش، وبسطة، وأشكر، وحصن اللّوز، ولوشة، والحامية، وأرجبة، وشلوبانية. وولاية المرية، وهي تمتد من ولاية

стр. 575

مرسية حتى البحر، وأهم مدنها ثغر المرية وألبيرة، والمنصورة، وبرشانة، وبرجة، ودلاية، وأندرش. وولاية مالقة، وهي تقع على البحر غربي غرناطة، وأهم مدنها ثغر مالقة، وبلش مالقة، وطرش، وقمارش، وأُرشذونة، وأنتقيرة، ورندة ومربلة، ويلحق بها الجزيرة الخضراء ومنطقة جبل طارق وطريف. وتخترق مملكة غرناطة في الوسط جبال سييرا نفادا (جبل شلير) الشاهقة، وهضاب البشرات الوعرة وبسائطها الخضراء، كما تخترقها عدة أنهار منها شنيل فرع الوادي الكبير، ونهر أندرس الصغير، وفي الشرق نهر المنصورة. وكانت خواصها الطبيعية التي تجمع بين مزيج مدهش من المروج والوديان الخصبة، والجبال والهضاب الوعرة، تمدها بثروات زراعية ومعدنية حسنة، ينمّيها ويضاعفها الشعب الأندلسي الموهوب، بذكائه ونشاطه وبراعته المأثورة، وهكذا كانت مملكة غرناطة الصغيرة، تستمد من مواردها الطبيعية أسباب القوة والمنعة والرخاء (١). ٢ - عناصر السكاّن كانت منذ الفتح منزل قبائل الشام، وقد مكثت أعقاب هذه البطون مدى عصور كثيرة في تلك الولاية، ولما اضطرمت الفتن بالأندلس عقب انهيار الدولة الأموية، تقاطر البربر من الضفة الأخرى من البحر على قواعد غرناطة، ثم غدت مدى حين إمارة بربرية، وأصبح البربر عنصراً بارزاً في سكان هذه المقاطعة. وكانت الثغور الجنوبية بطبيعة الحال منزل البربر، كلما عبروا إلى الأندلس - خاصة أيام المرابطين والموحّدين - وكانت طوائف كثيرة من المجاهدين، تتخلّف في هاتيك الوديان النضرة وتستقر فيها، ويجذبهم

стр. 576

خصبها ونعماؤها. ولما أخذت قواعد الأندلس الشرقية والوسطى تسقط تباعاً في أيدي النصارى، هرع إلى القواعد والثغور الجنوبية كثير من الأسر المسلمة الكريمة، التي آثرت الهجرة إلى أرض الإسلام، على التدجّن والبقاء تحت سلطان النصارى. على أنه بقيت في القواعد والثغور التي احتلتها النصارى من الأسر المسلمة التي حملتهم ظروف الأسرة ودواعي العيش على البقاء في الوطن القديم تحت حكم الإسبان النصارى، وأولئك هم المدجنون (١) (بالإسبانية Mudejares) أو أهل الدجن. وقد شاع استعمال هذا اللفظ منذ القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، أو بعبارة أخرى منذ كثر استيلاء النصارى على بلاد المسلمين، وكثر عدد الرعايا المسلمين الذين تضمّهم إسبانيا النصرانية. ٣ - المدجّنون وتاريخهم وحياتهم في ظل الممالك النصرانية . ولهذا المجتمع الإسلامي الإسباني من المدجنين تاريخ طويل مؤثر، فقد لبث المدجنون عصراً يتمتعون في ظل ملوك قشتالة وأراغون، بنوع من الطمأنينة والرخاء والأمن، فكان يسمح لهم بالاحتفاظ بدينهم وشريعتهم ومساجدهم ومدارسهم، وكان لهم في العصور الأولى قضاة منهم يحكمون في سائر المنازعات التي تقع فيما بينهم وفقاً للشريعة الإسلامية. أما المنازعات التي تقع بين مسلم ونصراني، فكان ينظرها أحياناً قاضٍ نصراني، أو تنظرها محكمة مختلطة من قضاة من المذهبين. وكان من امتيازاتهم ألاَّ يدفعوا من الضرائب غير ما كانوا يؤدونه من قبل لملوكهم، ثم ترك هذا الامتياز بمضي الزمن. وأصدر الفونسو العاشر في سنة ١٢٥٤ م لسكان إشبيلية امتيازاً يخولهم حق شراء الأرض من المسلمين في منطقتهم، مما يدل على أنه

стр. 577

سمح للمسلمين بالاحتفاظ بأراضيهم، وكان لهم حق البيع والشراء في العقارات. فلما تطورت الحوادث، وغلبت النزعة الرجعية على المتغلبين النصارى في أواخر القرن الثالث عشر، صدر قانون يحرم على المسلمين شراء الأراضي من النصارى، ولكن ترك هذا القانون فيما بعد. وكان يسمع للمدجنين أيضاً بحمل السلاح، ويلزمون بتأدية الخدمة العسكرية، ويعتبر الإعفاء منها امتيازاً خاصاً. ثم أعفِي المدجنون بعد ذلك من الخدمة العسكرية نظير جزية سنوية يؤدونها، وكان انضمامهم إلى الجيوش النصرانية يقع في حدود نسبتهم العددية. ولما توالى استيلاء الإسبان على القواعد والثغور الأندلسية، كان يُخصَّص للمدجنين في كل مدينة مفتوحة حيّ خاص لإقامتهم، يفصل بينه وبين أحياء النصارى سور ضخم (١). وتوجد وثائق عربية في كتدرائية سرقسطة تلقي ضوءاً على تاريخ المدجنين وأحوالهم في مملكة أراغون منذ القرن العاشر الميلادي إلى القرن الخامس عشر، وهي عبارة عن طائفة من عقود البيع والشراء والوديعة وغيرها التي عقدت بين أفراد من المدجنين وبين المدجنين والنصارى. ويستفاد من تلاوتها أن المدجنين في مملكة أراغون كانوا حتى سنة ١٤٩٢ م، إلى هذا العصر المتأخر، حتى بعد سقوط غرناطة في يد الإسبان، يحتفظون بدينهم الإسلامي، وأنه كانت ما تزال ثمة بعض مساجد قائمة في بعض أنحاء ولاية سرقسطة (٢). وكانت مسألة التدجين هذه، وبقاء المسلمين في البلاد التي يستولي عليها النصارى، تثير كثيراً من المسائل الفقهية، وكان بعض الفقهاء يرمي أولئك المدجنين بالمروق عن الإسلام لبقائهم تحت حكم النصارى. على أن هذه الاعتبارات الدينية لم تحل دون بقاء طوائف كبيرة من المسلمين في الأراضي التي يقتطعها النصارى تباعاً من الوطن الأندلسي، وكانت الاعتبارات

стр. 578

الدنيوية، وظروف الأسرة، ودواعي العيش، تغلب على كلّ الاعتبارات الأخرى، وكان تسامح النصارى في البداية، وتركهم رعاياهم المسلمين، يتمتعون بتطبيق شريعتهم وأحكام دينهم فيما بينهم - كما ذكرنا - يخفف عن أولئك المدجّنين مرارة الانسلاخ عن مجتمعهم القديم، والانتماء إلى المجتمع النصراني. ولكن هذا الوضع أخذ يتبدّل منذ اتّسع نطاق التوسع النصراني في الأندلس، وزاد بذلك عدد المدجنين في مختلف المناطق الإسبانية المستولى عليها، وكانت الكنائس تبغض هذه الطوائف الإسلامية القائمة في قلب المجتمع النصراني، وتنقم على المدجنين هذه الدعة وهذا التسامح، وترى في احتفاظهم بدينهم ولغتهم نوعاً من التحدي المذموم، وتأخذ على ملوك قشتالة وأراغون تسامحهم في معاملتهم، وتسعى جاهدة لتحريضهم على اتباع سياسة الانتقام والعنف، إزاء أولئك الرعايا المسالمين. ومنذ أوائل القرن الثالث عشر تتوالى أوامر البابوية وقراراتها ضد المدجّنين، والحث على استرقاقهم أو تنصيرهم، ومن ذلك ما أمر به البابا أنُسنت الرابع في سنة ١٢٤٨ م، ملك أراغون خايمي الأول، من وجوب استرقاق المسلمين في الجزائر الشرقية، ولكن خايمي لم يأبه بذلك الأمر. ولما استولى النصارى على ثغر بلنسية في سنة ١٢٣٨ م، سمح للمسلمين أن يبقوا فيه كمدجّنين. وكان ملوك قشتالة وأراغون يعارضون هذه السياسة العنيفة، لبواعث وأسباب تتعلق بمصالحهم القومية ورخاء بلادهم، لأن المدجنين كانوا بين رعاياهم أفضل العناصر بين رعاياهم وأنشطها وأكثرها دأباً ومثابرة وأوفرها تأدية للضرائب، وكانوا الساعد الأيمن للنبلاء في زراعة أراضيهم واستغلالها، وكانوا يستأثرون بالتفوّق في العلوم والفنون والمهن، وكانوا أبرع الأطباء والمهندسين والبنائين، وكان لهم الفضل الأول في إدخال محاصيل عديدة في إسبانيا النصرانية، مثل القصب والقطن والأرز والتين والبرتقال واللّوز وغيرها، ومازالت مشاريع الرّي التي أنشأوها، ولاسيما في مناطق إسبانيا الشرقية والشمالية الشرقية، تشهد بعبقريتهم في هذا المضمار. وهم الذين

стр. 579

وضعوا أسس الصناعة الإسبانية، وكانوا أساتذة الصناعات الدقيقة، وكانت صناعاتهم، ولاسيما المنسوجات القطنية والحريرية، والفخار والخزف والجلود، نماذج بارعة تحذو حذوها الصناعة الأوروبية، فلم يك ثمة أشهر من خزف مالقة، ولا أقمشة مرسية، ولا حرير ألمرية وغرناطة، ولا أسلحة طليطلة، ولا منتجات قرطبة الجلدية، وكانت بلنسية التي تضم كتلة كبيرة من المدجنين، تعتبر من أغنى ثغور أوروبا بما تنتجه من السكر والنبيذ وغيرها من المنتجات العديدة. وكان المدجنون مثال النشاط والدأب، يزاولون التجارة بنجاح وشرف، وكانوا أفضل التجار وأوفرهم أمانة ونزاهة. ولم يكن بينهم متسولون، إذ كانوا يعولون فقراءهم، وكانوا مثلاً للنظام والسكينة، يحسمون منازعاتهم بأنفسهم، وعلى الجملة، فقد كانوا يؤلِّفون أصلح السكان الذين يمكن أن تحتويهم أي البلاد (١). وقد لبث ملوك قشتالة عصوراً يحرصون على الانتفاع بنشاط المدجنين وحمايتهم، ونستطيع أن نقول على ضوء الوثائق التي سبقت الإشارة إليها، إنه كانت ثمة طوائف كبيرة منهم حتى القرن الخامس عشر الميلادي، تعيش في أنحاء كثيرة من إسبانيا النصرانية محتفظة بدينها ولغتها وتقاليدها، وكانت البابوية تسير على خطتها من التحريض عليهم والمطالبة بتجريدهم من دينهم، والعمل على تنصيرهم بطريق الاضطهاد والعنف، وتردّد الكنيسة الإسبانية من جانبها هذا التحريض. ولكن هذه السياسة الباغية لم تحدث أثرها إلاّ ببطء، ولم يتسع نطاقها إلاّ في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي عندما أشرفت الدولة الإسلامية في غرناطة على نهايتها. وكان قيام مملكة غرناطة في ذاته، عنصراً من عناصر تكييف السياسة الإسبانية إزاء المدجنين، ذلك أن ملوك إسبانيا فوق ما كان يحدوهم من رغبة في المحافظة على مصالحهم وسكينة بلادهم بإيثار الرفق في معاملة المدجين، كانوا أيضاً يخشون سياسة الانتقام

стр. 580

من النصارى المقيمين في غرناطة. وفيما وراء البحر في بلاد المغرب، بل في الممالك الإسلامية الأخرى مثل مصر وتركيا وأرض الشام والجزيرة والعراق. على أن العوامل الاجتماعية والمحلية من جهة أخرى، كانت تحدث أثرها في مجتمع المدجنين. ذلك أنه بالرغم من جميع الفوارق التي كانت تفصل بينهم وبين النصارى، فقد جنح الكثير منهم إلى التشبه بجيرانهم، وانتهوا بمضي الزمن وأثر الاختلاط والتزاوج إلى فقد دينهم ولغتهم، ومميزاتهم الجنسية والقومية، والاندماج شيئاً فشيئاً في المجتمع الذي يعيشون فيه، وهكذا أصبحوا بالتدريج قشتاليين ونصارى، وأضحى علماؤهم يكتبون كتب الدين والشريعة بالقشتالية للرجوع إليها. وقام أيضاً بين المدجنين أدب قشتالي استمر عصوراً حتى بعد إخراج العرب المتنصرين من إسبانيا (١). على أن المدجنين لبثوا بالرغم من هذا الاندماج الاجتماعي تطبعهم مسحة خاصة تباعد بينهم وبين المجتمع النصراني القديم (٢). كان نظائر هؤلاء الأندلسيين المدجنين، جمهرة من النصارى الإسبان، يعيشون في القواعد والثغور الإسلامية، ويعرفون بالنصارى المعاهدين أو المستعربين ( Mozarabes) ، وقد لبثوا عصوراً يتمتعون في ظل الحكم الإسلامي بضروب الرعاية والتسامح. وكانت الحكومات الأندلسية حتى في أزهى عصورها، تحافظ على سياسة التسامح التي اتبعت إزاءهم منذ الفتح، وتعاملهم بالرفق وتحترم شعائرهم الدينية وتقاليدهم القومية، وتتجنب أيّة محاولة لإرغامهم على اعتناق الإسلام. وكان من ضروب هذه الرعاية، أن أُنشئ في ظل حكومة قرطبة منذ عهد الحكم بن هشام، ديوان خاص للنظر

стр. 581

في شئون أهل الذمة (النصارى ويهود) يتولاه كبير من الأحبار النصارى يطلق عليه: (قومس أهل الذمة). وهكذا استطاعوا دائماً أن يحتفظوا بدينهم ولغتهم، ومميزاتهم القومية والاجتماعية. وكانت حال النصارى في ظل الحكم الإسلامي، أفضل بكثير مما كانت عليه أيام القوط، وكثيراً ما كان يعهد إليهم بمناصب القيادة والوزارة، أو ينتظمون في البلاط والحرس الملكي. ومع ذلك فقد كانت منهم دائماً طوائف متعصبة تسيء استعمال هذا التسامح، وتحاول بمختلف الوسائل أن تكيد للإسلام ودولته، ومن ذلك ما حدث في عهد عبد الرحمن بن الحكم (أواسط القرن التاسع الميلادي) من الحوادث الدموية التي أثارها تعصب النصارى (١). وهكذا فإن النصارى المعاهدين، لم يشعروا دائماً بالولاء والإخلاص للدولة الإسلامية التي يعيشون في ظلها، والتي توليهم كثيراً من رعايتها ورفقها، وكانوا دائماً يتربّصون بها، وينتهزون الفرص لمناوأتها والكيد لها، ويستعدون عليها الوطن القديم، كلما اضطربت شئونها، وعصفت بها الثورة والحرب الأهلية. وكانت أعظم خيانة ارتكبوها من هذا النوع، في أواخر أيام المرابطين، حينما دعوا الفونسو الأول ملك أراغون - الملقب بالمحارب - عقب استيلائه على سرقسطة، إلى أن يسير إلى غزو الأندلس، بعد ما لاح من انحلال سلطان المرابطين فيها. واستجاب ملك أراغون لتحريضهم، وسار مخترقاً الأندلس بجيوشه، والنصارى والمعاهدون في كل قاعدة ينهضون إلى معاونته بوسائلهم، وذلك في سنة (٥١٩ هـ - ١١٢٥ م)، حتى انتهى إلى فحص غرناطة، وحاصرها حيناً، ثم غادرها إلى الجنوب، ونشب القتال بينه وبين المرابطين فهزمهم، ولبث حيناً يعبث في تلك الأنحاء، والنصارى المعاهدون يهرعون إلى شدّ أزره، ويمدّونه بالأقوات والمؤن. ثم عاد ثانية إلى الأندلس من أراغون، وقد انضم إلى جيشه آلاف من النصارى المعاهدين. ولفتت هذه

стр. 582

الغزوة أنظار المسلمين إلى خطر بقاء أولئك المعاهدين في الثغور والقواعد الأندلسية، فانقلبت الحكومة الإسلامية إلى مطاردتهم، وأفتى القاضي أبو الوليد بن رشد (الجَدَّ) بإدانتهم في نقض العهد والخروج على الذمة، ووجوب تغريبهم وإجلائهم عن الأندلس، وأخذ أمير المرابطين علي بن تاشفين بهذه الفتوى، وغُرِّبَت ألوف من النصارى المعاهدين إلى إفريقية، وفُرِّقوا هناك إلى أماكن مختلفة، وهلك الكثير منهم بسبب الطقس وتغير وسائل التغذية، وضم السلطان كثيراً منهم إلى حرسه الخاص، وكانت هذه المحنة سبباً في تمزيق عصبتهم وإضعاف شوكتهم (١). وقد كان مجتمع المستعربين أو النصارى المعاهدين حتى في القواعد الأندلسية التي سقطت بيد إسبانيا النصرانية، وبسط عليها النصارى حكمهم، يتأثرون بمجتمع المدجنين وبأحواله وتقاليده، حتى أنهم كانوا يتخذون اللغة العربية لغة التعامل ولغة التخاطب أحياناً إلى جانب لسانهم القومي. على أن الكثرة الغالبة من المسلمين في القواعد الأندلسية الذاهبة، كانت تؤثر الالتجاء إلى أرض الإسلام والتشبث بلواء الدولة الإسلامية. وهكذا أخذت غرناطة تموج منذ أواسط القرن السابع الهجري بسيول الوافدين عليها من بلنسية ومرسية وقرطبة وإشبيلية وجيّان وبيّاسة وغيرها، وهكذا غدت مملكة غرناطة الصغيرة تضيق بسكانها المسلمين، بعد أن احتشدت بقايا الأمة الأندلسية المتداعية في تلك المنطقة الضيقة. ومن المرجّح أن مملكة غرناطة كانت تضمُّ في عصورها الأخيرة، زهاء خمسة أو ستة ملايين من الأنفس، وكانت غرناطة وحدها تضم أكثر من مليون نفس.

стр. 583

٤ - التكوين العنصري لسكان مملكة غرناطة وكانت هذه الهجرة الغامرة من مختلف القواعد الأندلسية في الشرق والغرب، إلى ذلك الوطن الأندلسي الجديد غرناطة، تضفي على التكوين العنصري لسكان مملكة غرناطة طابعاً خاصاً، وبالرغم من أن العناصر الأساسية التي تتكون منها الأمة الأندلسية، هي العرب والبربر والمولدون - وهم أعقاب الإسبان الذين أسلموا منذ الفتح - لبثت على كرّ العصور دون تغيير، فإنه يلاحظ أن الجموع الوافدة على المملكة الإسلامية الجديدة، كانت تضم كثيراً من العناصر التي صقلتها حضارة أرقى، ومن ثم فإنه يمكن القول: إن الأمة الأندلسية الجديدة، كانت تمثل أطيب وأثمن ما بقي من القيم العنصرية والحضارية للأندلس. وكان المولّدون يمثلون في المجتمع الأندلسي الجديد مثولاً قوياً، وكان أولئك المولدون قد نَمَوْا بمضي الزمن حتى غَدَوْا عنصراً مهماً بين سكان الأمة الأندلسية، وكان العرب والبربر ينظرون إليهم بشيء من الريب، وكانوا بالرغم من تمتعهم في ظل الحكومات الإسلامية المتعاقبة بنفس الحقوق التي يتمتع بها باقي المسلمين، ينزعون إلى الثورة في أحيان كثيرة، وكان لهم شأن في إضرام بعض الثورات الخطيرة التي اضطرمت ضد حكومة قرطبة، مثل ثورة الربض، وثورة طليطلة أيام الحكم بن هشام، وثورة بني قسيّ في الثغر الأعلى، وقد كان جدهم الكونت قسيّ قوطياً نصرانياً. وكان المولدون أعوان ابن حفصون، أعظم وأخطر ثوّار الأندلس، وهو الذي استطاع بمؤازرتهم وبمؤازرة النصارى المعاهدين، أن يؤسس مدى حين مملكة مستقلة في منطقة رندة (أواخر القرن التاسع الميلادي)، وكان ابن حفصون مولداً يرجع إلى أصل نصراني. على أن المولدين كان لهم موقف آخر ضد القادمين من إفريقية، ففد وقفوا إلى جانب مواطنيهم الأندلسيين ضدّ المرابطين ثم الموحّدين، وكان عماد الثورة ضدّ المرابطين زعيم أندلسي من المولدين هو محمد بن سعد بن مردنيش أمير بلنسية ومرسية. وكان يتحدث

стр. 584

القشتالية، ويرتدي الملابس الإفرنجية، ويحشد في جيشه كثيراً من الضباط والجند النصارى (١). ولم يكن للعاطفة الدينية في تلك العصور وفي تلك الظروف دائماً كبير أثر، بل كانت تغلب في معظم الأحيان عواطف القومية والمصلحة الخاصة (٢). كذلك كان بين سكان غرناطة أقلية يهودية قوية، معظمهم من طائفة (السفرديم) القديمة أو اليهود الإسبان، وكان ليهود في ظل الحكومات الإسلامية نفوذ يذكر، وكانت العروبة تغلب على السكان المدنيين في مملكة غرناطة، ولا سيما بعد أن نزح إليها - على أثر سقوط القواعد الأندلسية بيد النصارى - كثير من سادات البطون العربية القديمة، ويذكر لنا ابن الخطيب عشرات من الأنساب العربية العريقة التي كان ينتمي إليها أهل غرناطة. ويصف ابن الخطيب الغرناطيين بوسامة الوجوه، واعتدال القدود، وسواد الشّعر، ونضرة اللّون، وأناقة الملبس، وحسن الطاعة والإباء، يتحدثون بعربية فصيحة تغلب عليها الإمالة. ويصف نساءهم بالجمال والرشاقة والسِّحر وبنبل الخلال، ولكنه ينعي عليهنّ المبالغة في التفنّن بالزينة والتبهرج في عصره. أما الجند، فكانت فيهم كثرة ظاهرة من البربر، ولاسيما من قبائل زناتة ومغراوة وبني مرين، ويرجع ذلك إلى أن طوائف البربر التي تخلّفت منذ عهد المرابطين والموحّدين بالأندلس، كان أغلبها من الجند، وقد بقيت على عهدها تؤثر الجندية على الزراعة والمهن والفنون المدنية (٣). وهكذا كان الشعب الأندلسي، حين آذنت شمسه بالمغيب، كما كان يوم مجده، يتكون من هذا المزيج العربي الإفريقي الأسباني الذي أطلق عليه الغربيون عبارة: (عرب الأندلس) أو (مسلمي الأندلس) (٤).

стр. 585

وكانت الأمة الأندلسية، تتمتع حتى عصورها الأخيرة بحضارة زاهرة، كانت مثار التقدير والإعجاب في سائر الأمم الأوروبية، وكان يحجّ إليها وإلى معاهدها ومدارسها وجامعاتها العلمية كثير من التلاميذ والطلاب من مختلف أنحاء أوروبا. وكان الشعب الغرناطي، من أهل السنّة، يدين بمذهب مالك، وهو المذهب الذي غلب على الأمة الأندلسية منذ أواخر القرن الثاني الهجري، أعني منذ عصر هشام بن عبد الرحمن الداخل. ولم تتأثر غرناطة في نزعتها المذهبية ولا تقاليدها الدينية السمحة، بما توالى عليها من سيادة المرابطين والموحدين حيناً من الدهر (١). طبيعة الصراع بين الأندلس وإسبانيا النصرانية ١ - حرب الاسترداد ومولد مملكة غرناطة يبدأ بقيام مملكة غرناطة طور جديد من أطوار الصراع يمكن أن نسميه: حرب الاسترداد القومية ( La Reconquista) وقد بدأت إسبانيا النصرانية هذه الحرب منذ منتصف القرن الخامس الهجري، أي حينما انهارت الدولة الإسلامية في الأندلس، وانتثرت إلى عدة دويلات صغيرة متنافسة هي دول الطوائف. وبلغت الأندلس أيام الطوائف من التفرق والضعف مبلغاً عظيماً، حتى لاح لإسبانيا النصرانية أن عهد الدولة الإسلامية أوشك على الزوال، وأن الفرصة قد سنحت لتضرب ضربتها الحاسمة. وكانت مملكة قشتالة تتزعم إسبانيا النصرانية، وتقودها في ميدان الصراع على المسلمين، وكان ملكها الفونسو السادس يعمل بذكاء لاستغلال منافسة الدول الإسلامية وتفرّق كلمتها، ويغلب أميراً على أمير، حتى انتهى بالاستيلاء على مدينة طليطلة من

стр. 586

يد صاحبها يحيى ذي النون، وذلك في صفر من سنة (٤٧٨ هـ - أيار - مايو - ١٠٨٥ م)، وكانت طليطلة أول قاعدة إسلامية عظيمة تسقط في يد إسبانيا النصرانية. ويعتبر بعض الباحثين سقوطها ختام التفوق السياسي للمسلمين في الأندلس، وبدء مرحلة التفوق السياسي لإسبانيا النصرانية. وعلى كل حال فقد كان سقوط طليطلة نذيراً خطيراً للمسلمين في الأندلس، يذكرهم بقوة العدو المتربص بهم، ويحذرهم عاقبة التنابذ والتفرّق، فاجتمعت كلمة أمراء الطوائف يومئذ على الاستعانة بإخوانهم فيما وراء البحر في عدوة المغرب، وكان المرابطون يومئذ قد بسطوا سلطانهم على سائر بلاد المغرب، وبدت دولتهم قوية شامخة، فاستجاب ملكهم يوسف بن تاشفين إلى صريخ الأندلس، وكانت هزيمة إسبانيا النصرانية على يد قوات المغرب والأندلس في معركة الزلاقة (٤٧٩ هـ - ١٠٨٦ م) فاتحة حياة جديدة للأمة الأندلسية. ولما اضمحل سلطان المرابطين في الأندلس بعد ذلك بنحو ستين عاماً، خلفهم الموحِّدون في ملك المغرب والأندلس، وأحرز الإسلام على النصرانية نصراً حاسماً في معركة الأرك الشهيرة، التي انتصرت فيها جيوش يعقوب المنصور ملك الموحِّدين على جيوش الفونسو ملك قشتالة (٥٩١ هـ - ١١٩٥ م)، فانكمشت إسبانيا النصرانية إلى مدى حين، ولكنها عادت فاجتمعت كلمتها تحت لواء الفونسو ملك قشتالة، وسارت الجيوش النصرانية المتحدة إلى لقاء المسلمين بقيادة ملك الموحدين محمد الناصر ولد يعقوب المنصور، فأصيب المسلمون في موقعة العقاب بهزيمة فادحة (٦٠٩ هـ - ١٢١٢ م) وأخذ سلطان الموحدين في الأندلس يتداعى من ذلك الحين، وبدأ مصير الأندلس يهتزّ في يد القدر، ولم تمض مدة وجيزة أخرى، حتى بدأت قواعد المسلمين في الأندلس تسقط تباعاً في يد النصارى: قرطبة (٦٣٣ هـ)، بلنسية (٦٣٦ هـ)، شاطبة ودانية (٦٣٨ هـ)، مرسية (٦٤١ هـ)، إشبيلية (٦٤٤ هـ)، وهكذا سقطت عدة من قواعد الأندلس التالدة، ومنها عاصمة الخلافة القديمة في يد إسبانيا النصرانية في مدة عشرة أعوام فقط، ولقيت

стр. 587

الأندلس أعظم محنها في تلك المدة العصيبة، ولاح لإسبانيا النصرانية أن حرب الاسترداد القومية لن تلبث حتى تتوّج في أعوام قلائل أخرى، بالقضاء على ما بقي من تراث الإسلام في الأندلس. ولكن شاء القدر أن تتمخّض هذه المحنة التي اجتاحت الأندلس في أوائل القرن السابع الهجري، عن قيام دولة إسلامية جديدة، هي مملكة غرناطة، تتمتع بالرغم من صغرها بكثير من عوامل الفتوة والحيوية، وفي الوقت الذي خُيِّل فيه لإسبانيا النصرانية أنها أضحت على وشك الإجهاز على المملكة الإسلامية، كانت بذور صراع طويل الأمد تنمو وتتوطد. وإذا بالنهاية المرجوّة تستحيل إلى بداية جديدة. ولقد استطالت هذه المرحلة الأخيرة في حرب الاسترداد زهاء مائتين وخمسين عاماً، ثبتت فيه المملكة الإسلامية في غرناطة لهجمات إسبانيا النصرانية المستمرة، وعملت على استغلال كل فرصة للمطاولة والمقاومة، وأبدت في الجهاد على صغر رقعتها وضآلة مواردها، بسالة عجيبة. وكانت كلما شعرت بالخطر الداهم يكاد ينقضّ عليها ويودي بحياتها، استغاثت بجارتها المسلمة من وراء البحر، أو عصفت بإسبانيا النصرانية ريح الخلاف والتفرّق، فشغلتها عن إرهاق المملكة الإسلامية حيناً من الوقت، حتى شاء القدر بعد طول الجهاد، أن تنتهي هذه المعركة القاسية الطويلة، إلى نهايتها المحتومة، وأن تنهار المملكة الإسلامية الصغيرة تحت ضغط القوة القاهرة، وأن تختتم حياتها المجيدة أبيَّة كريمة. ٢ - طبيعة الصراع الإسلامي النصراني في الأندلس استمر هذا الصراع قروناً بين الأمة الأندلسية، وبين إسبانيا النصرانية، وكانت العوامل القومية والدينية تمتزج بأدوار هذا الصراع في معظم أطواره، وكانت تشتد وتخبو حيناً تبعاً لتطور الحوادث. ولما فتح المسلمون إسبانيا، وسيطرت الدولة الإسلامية على معظم أنحائها، قامت المملكة الإسبانية

стр. 588

النصرانية الناشئة في قاصية الشمال، ترقب الفرص للتوطد والتوسع. بيد أنها لم تجرؤ على تحدي المملكة الإسلامية، والنزول إلى ميدان الحرب قبل أواخر القرن التاسع الميلادي، ففي ذلك الوقت اضطرمت الأندلس بالفتن والثورات الداخلية، وشغلت حكومة قرطبة بأمر الثوار، وكانت غزوات النصارى للأرض الإسلامية يومئذ، غزوات يغلب عليها حبّ الانتقام وجمع الغنائم والأسلاب، ولم يكن يطبعها شيء من تلك الروح الدينية العميقة، التي جمعت أوروبا النصرانية تحت لواء شارل مارتل لمحاربة العرب على ضفاف اللّوار، والتي حفَّزت شارلمان فيما بعد إلى عبور جبال البرنية وغزو الأندلس أيام عبد الرحمن الداخل. غير أنه لما اشتد ساعد الأندلس في أيام عبد الرحمن الناصر (أواخر القرن العاشر الميلادي) وظهرت المملكة الإسلامية في أوج قوتها وظفرها، ونفذت الجيوش الإسلامية غير مرة إلى أعماق المملكة النصرانية، وشعر النصارى بالخطر الداهم على كيانهم، أخذت العوامل الدينية والقومية تستيقظ من سباتها، واتخذت المملكتان النصرانيتان: ليون ونافار على مقاومة الخطر الإسلامي. وكانت المعارك التي نشبت في تلك المدّة في عهد أردونيو الثاني وولده راميرو بين المسلمين والنصارى، تحدوها من الجانبين - فوق نزعتها القومية - نزعة دينية واضحة، فكانت غزوات المسلمين تحمل طابع الجهاد، ويهرع أهل الثغور إلى مرافقة الجيش لمقاتلة النصارى، وكان يرافق الجند النصارى إلى القتال جموع غفيرة من الأحبار ورجال الدين، يسقطون إلى جانب الفرسان في ساحة الوغى. وكانت هذه الصبغة القومية الدينية تبدو كلما اشتد الخطر من الجنوب على إسبانيا النصرانية. ففي أواخر القرن العاشر، في عهد الحاجب المنصور، حينما اشتدت وطأة الأندلس على إسبانيا النصرانية، وغزا المسلمون أقصى وأمنع معاقلها الشمالية، اتحدت الممالك النصرانية الثلاثة: ليون، وقشتالة ونافار ضد المسلمين في جبهة دفاعية موحّدة، وبدت كذلك موحّدة الرأي والقوى، حينما عبرت جموع البربر إلى الأندلس تحت لواء المرابطين، لتنقذ

стр. 589

الأندلس من خطر الفناء الذي كان يهدِّدها، من جرّاء تفرّق ملوك الطوائف. وكانت معركة الزلاقة تحمل في نظر المسلمين طابع الجهاد في سبيل الله، وتطبعها في نظر النصارى صبغة صليبية واضحة، ولم تكن نصراً للأندلس على إسبانيا فقط، بل كانت نصراً على النصرانية أيضاً. وكذلك كان نصر المسلمين أيام الموحِّدين في موقعة الأرك، ثم هزيمتهم بعد ذلك في موقعة العقاب، يحمل كلاهما من الجانبين هذا المعنى الديني العميق. ويجب أن نذكر أن الحروب الصليبية بدأت في المشرق بعد معركة الزلاّقة بقليل واستمرت تضطرم بين المسلمين والنصارى في مصر والشام زهاء قرنين. وبلغت ذروتها أيام الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي معاصر السلطان يعقوب المنصور الظافر في معركة الأرك. ولم يكن شك في أن النزعة الصليبية التي دفعت بجحافل الغرب إلى الشرق الإسلامي، كانت تحدث صداها قوياً في إسبانيا النصرانية وفي الغرب الإسلامي. وفي الوقت الذي كانت فيه جيوش الصليبيين تحاول أن تغزو مصر حصن الإسلام في المشرق أوائل القرن السابع الهجري، كانت قواعد الأندلس الكبيرة تسقط في أيدي النصارى، وكانت إسبانيا النصرانية تبدو يومئذٍ إزاء الأندلس موحّدة الرأي والقوى، كما كانت الجيوش الصليبية الأوروبية تسير إلى الشرق متحدة لتحقيق الغرض المنشود. وقد ظهر صدى النزعة الصليبية في إسبانيا على شكل آخر، هو قيام الجماعات الدينية المحاربة. ونعرف أن جماعات الفرسان الدينية قامت في الشرق في ظل الصليبيين، واشتهر منهم بالأخص جماعة فرسان المعبد أو "الداويّة"، كما تسميهم الرواية العربية، وفرسان القديس يوحنا أو الأسبتارية. وكانت هذه الجماعات الدينية المحاربة، تشدّ أزر الأمراء النصارى وتؤدي للصليبيين أثناء السلم والحرب خدمات جليلة. وكما أن قيامها في المشرق كان أثراً من آثار المعارك الصليبية، فكذلك كان قيامها في إسبانيا كان أثراً من آثار الصراع بين النصرانية وبين الأندلس المسلمة، ذلك أن

стр. 590

بعض الفرسان والرهبان الورعين المتحمسين، كان يحزنهم تفرّق الملوك النصارى وتخاذلهم أحياناً في مقاتلة المسلمين، وكانوا يرون أنه لابدّ من قيام جماعات غيورة مخلصة من الفرسان، تنذر نفسها للدفاع عن الدين وعن الأراضي النصرانية. وكانت قدوتهم في ذلك جماعات المسلمين من أهل الثغور المرابطة، فقد كانت هذه الجماعات المجاهدة التي ترابط عند حدود الأراضي الإسلامية، تبدي في محاربة النصارى بسالة منقطعة النظير، وتؤدي للجيوش الإسلامية أجلّ الخدمات. فلما أنشئت جماعة فرسان المعبد (الداوية) في بيت المقدس سنة (١١١٩ م) عقب قيام المملكة اللاتينية بقليل، كان لقيامها صدى عظيم في إسبانيا، ولم تمض أعوام قلائل، حتى قامت أول جمعية دينية محاربة في أراغون على عهد الفونسو المحارب، في صورة فرع لجماعة فرسان المعبد، وأبدى الفونسو في تأييدها حماسة، وانتظم في سلكها الكونت ريموند برنجار أمير برشلونة، وأقطعت عدة حصون وأراض شاسعة على حدود أراغون، كما احتلت عدداً من الحصون في قشتالة، ونمت بسرعة، وأخذت تضطلع في ذلك الحين بدور مهم في سائر المواقع التي تنشب بين النصارى والمسلمين. وقامت في قشتالة بعد ذلك بقليل، أعظم الجمعيات الدينية المحاربة، ففي أواخر عصر القيصر الفونسو ريموند (١) ملك قشتالة، قامت حوالي سنة (١١٥٠ م) جمعية فرسان دينية قوية في بعض أديار سُلنقة، وسميت بجمعية القديس يليان، ثم سميت بعد ذلك بجمعية فرسان القنطرة. وفي سنة (١١٥٨ م) قامت جمعية دينية محاربة أخرى، ربما كانت أشهر وأقوى جماعات الفرسان التي ظهرت في إسبانيا في هذا العصر، وهي (جمعية فرسان قلعة رباح)، ونشأت لأول أمرها على يد جماعة من الرهبان الذين أبلوا في الدفاع عن تلك القلعة الحصينة ضد المسلمين، واتخذت قلعة رباح مركزاً

стр. 591

لها. وقامت أيضاً في البرتغال عدة فروع لفرسان المعبد (الداوية) وفرسان القديس يوحنا (الأسبتارية). وظهرت هذه الجمعيات الدينية المحاربة ولا سيما فرسان القنطرة وفرسان قلعة رباح في كثير من المعارك التي نشبت في تلك العصور بين المسلمين والنصارى، وكان تدخلهم في كثير من الأحيان من عوامل النصر والإنقاذ للجيوش النصرانية. بيد أنهم بالرغم من صفتهم الدينية والصليبية، كانت تحدوهم بواعث وأطماع دنيوية، وكان ظمأ الكسب واجتناء المغانم روحهم المسيِّرة، وكانوا يسيطرون على قلاع كثيرة وأراضٍ واسعة، ويعيشون في بذخ وترف، بما يحصلون عليه من الإقطاعات والهبات والنذور الوفيرة، وكان تدخلهم في شئون السياسة والعرش يشتدّ أحياناً ويفضي إلى أحداث وتطورات خطيرة. كانت إسبانيا النصرانية حين بدأت حرب الإسترداد الحقيقية في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي، عقب سقوط القواعد الأندلسية الكبيرة، تجيش إلى جانب نزعتها القومية بهذه النزعة الصليبية الواضحة، على أنه يمكن القول إن ظهور هذه النزعة الدينية العميقة في حروب إسبانيا النصرانية على المسلمين، لم يكن ملحوظاً بصورة واضحة حينما كان التفوق في القوة للأندلس المسلمة أيام الدولة الأموية، وحينما كان ثمة نوع من التوازن في القوى السياسية والعسكرية بين الأندلس المسلمة وإسبانيا النصرانية أيام المرابطين والموحِّدين. وتدل حوادث التاريخ الأندلسي حتى أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، على أن التعصّب القومي والديني لم يكن دائماً ظاهرة بارزة بين النصارى والمسلمين، فقد كان الفريقان المتحاربان يحترم بعضهم بعضاً، وكان التعصّب الديني قاصراً على جماعات القساوسة والأحبار، لأن المسلمين كانوا متسامحين للغاية مع المسيحيين، حتى وُصِف المسلمون بالأناشيد الإسبانية القديمة بأنهم خصوم شرفاء، ولا يجيش النصارى نحوهم ببغض، لأنهم وجدوهم أفضل معاملة من القوط وأعدل حكماً وأكثر تسامحاً وأقل ضرائب مفروضة على النصارى. يقول دوزي: (إن الفارس الإسباني في

стр. 592

العصور الوسطى، لم يكن يحارب من أجل دينه أو وطنه، بل كان مثل (السيد) يحارب لكسب عيشه سواء في ظل أمير مسلم أو أمير نصراني. ولقد كان (السيد) نفسه أقرب إلى روح المسلم منه إلى الكاثوليكي (١)، وفي حياة (السيد) الكمبيدور (الكنبيطور) (٢) نفسه أوضح مثل لاتجاهات الفروسية الإسبانية في تلك العصور، فقد نشأ (السيد) وظهر في كنف أمير مسلم، وتقلّب في خدمة الأمراء المسلمين والنصارى على السواء، بل لقد خدم الأمراء المسلمين أكثر مما خدم الأمراء النصارى، ولو لم يمت وهو في خدمة الجانب النصراني، لما حفلت به الأساطير الإسبانية، ورفعته إلى مرتبة البطل القومي (٣)، وفي أحيانٍ كثيرة، نرى المرتزقة من الفرسان والجند النصارى يعملون في الجيوش الإسلامية. وفي مواطن عديدة من تاريخ إسبانيا النصرانية، نرى الملوك والأمراء النصارى خلال الحروب الأهلية يلوذون بحماية الأمراء المسلمين، فقد لجأ سانشو ملك ليون إلى حماية عبد الرحمن الناصر حينما استأثر أخوه أردونيو بالملك دونه، ولجأ الفونسو السادس ملك قشتالة إلى حماية المأمون بن ذي النون أمير طليطلة حينما تغلّب عليه أخوه سانشو الثاني وعاش في بلاطه حتى توفي أخوه، فلما ارتقى عرش قشتالة

стр. 593

كان أعظم مشاريعه أن ينتزع طليطلة من يد القادر بن ذي النون ولد المحسن إليه. وفي سنة ٩٩٠ م قدّم برمودو (برمند) الثاني أخته زوجة لحاكم طليطلة المسلم. ولم يكن زواج الأمراء المسلمين من الأميرات والعقائل النصارى أمراً نادراً، وربما كان تاريخ بلنسية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي أسطع مثل لهذا الامتزاج والتفاهم بين الفريقين المتحاربين. ولم يحجم أمراء المرابطين في الأندلس حينما انهارت دولتهم في إفريقية وبدأ الموحِّدون في انتزاع الأندلس من أيديهم، عن الاستعانة بالفونسو ريموند ملك قشتالة وحليفه غرسية ملك نافار على محاربة الموحِّدين. ولم ينقطع هذا التعاون بين المسلمين والنصارى، حتى بعد أن بدأت مرحلة الاسترداد الأخيرة، فقد كان محمد بن الأحمر في بداية أمره ينضوي كما ذكرنا تحت حماية ملك قشتالة. ونجد من الجانب الآخر أمراء النصارى يلوذون من وقت إلى آخر بحماية المسلمين، حتى في ذلك الوقت الذي تضاءلت فيه المملكة الإسلامية. فنرى الإنفانت فيليب حينما ثار على أخيه الفونسو العاشر، يلتجئ مع جماعة من النبلاء إلى حماية أبي يوسف المنصور ملك المغرب، ويستقر ضيفاً على بلاط غرناطة، حتى انتهى ملك قشتالة إلى مصالحتهم واسترضائهم (١٢١٨ م)، وفي سنة (١٢٨٢ م) اضطر الفونسو العاشر نفسه حينما ثار عليه ولده سانشو، وانتزع منه العرش، إلى الاستعانة بالسلطان أبي يوسف، وأرسل إليه تاجه مقابل ما ينفقه على معاونته، فاستجاب إليه وأمده بالمال والجند، وفي سنة (١٣٣٢ م) ثار حاكم الفرنتيرة النصراني ضدّ مليكه الفونسو الحادي عشر، وتحالف مع غرناطة وعاون بذلك في ردّ النصارى عن جبل طارق، وكانوا على وشك الاستيلاء عليه. ولما نشبت الثورة ضد ولده بَدرو القاسي (دون بطره) ونزع عن عرشه، ونشبت بينه وبين خصومه موقعة مونتيل الفاصلة سنة (١٣٦٧ م)، كان إلى جانبه فرقة من الفرسان المسلمين، أمدّه بها حليفه الغني بالله ملك غرناطة، وهكذا كان التعاون السياسي

стр. 594

والحربي يجري بين الفريقين من آونة إلى أخرى، حتى في تلك العصور التي مال فيها نجم الأندلس إلى الأفول، ولم تكن تحول دون عقده عوامل القومية والدين. وكانت العلاقات التجارية أيام السلم تجري بانتظام، وتنظّم بمعاهدات وديّة بين الفريقين، ومن ذلك معاهدة الصداقة والتحالف التي عقدها محمد بن يوسف ملك غرناطة مع مَرْتين ملك أراغون، لتنظيم العلاقات والمبادلات الحرّة، وتنظيم التحالف السياسي بين المملكتين (١). ويجب ألاّ ننسى ما كان هناك من علاقات المودة والتفاهم بين جماعات الفرسان من الفريقين، وقد كانت الفروسية الإسبانية في العصور الوسطى، تقتبس كثيراً من تقاليد الفروسية الإسلامية وخلالها الرفيعة، وتنظر إليها بعين التقدير والاحترام. وكانت مباريات الفروسية تجمع بين أنبل الفرسان من الجانبين، وكانت كثيراً ما تعقد في العاصمة الإسلامية في جو من العطف والحماسة، ويهرع إلى شهودها ألوف من المسلمين والنصارى، وكانت هذه الاجتماعات المثالية التي تتسم بالبهجة والتي تجمع بين العنصرين الخصمين أبعد ما تكون عن الاعتبارات القومية والدينية، وقد كانت غرناطة التي اشتهرت بفروسيتها النبيلة البارعة، مسرحاً لكثير من هذه المباريات الشهيرة. تلك هي الصورة المتباينة، التي تقدمها إلينا معركة السلطان والقوة، ومعركة الحياة والموت، والحرية والاستعباد، بين الأندلس المسلمة وإسبانيا النصرانية، ذلك أن بواعث الدين والقومية لم تكن دائماً كل شيء في هذا الصراع المضطرم الطويل. ومع ذلك كانت النزعة الدينية للمسلمين والصليبيين للنصارى، تبدو كلما لاح شبح الخطر الداهم على كيان أحد الفريقين، أو كلما اتخذ النزاع بين الفريقين صبغة حاسمة، ولما شعرت إسبانيا النصرانية أنها أضحت بعد الاستيلاء على القواعد الأندلسية الكبيرة، وتضاؤل المملكة الإسلامية، في مركز التفوق والغلبة، لم يكن ثمة ما يدعو

стр. 595

لأن تتخذ حرب الإسترداد التي تلت بعد ذلك بين إسبانيا النصرانية وبين مملكة غرناطة، ألواناً دينية أو قومية عميقة، ذلك لأنّ معركة السلطان قد بتّ فيها نهائياً بظفر إسبانيا النصرانية، وأضحى القضاء على الأندلس مسألة وقت فقط. وكانت إسبانيا النصرانية كلما حاولت أن تتعجّل تحقيق هذه الغاية القومية الخطيرة، عاقتها المنازعات والثورات الداخلية، أو ردّها تدخل الدولة الإسلامية القوية فيما وراء البحر، على أنه ما كاد يبدو تفكك المملكة الإسلامية قوياً واضحاً، وما كادت حرب الإسترداد تدخل في طورها الأخير، حتى بدت النزعة القومية والدينية واضحة قوية في جهود إسبانيا النصرانية للقضاء على مملكة غرناطة، ولما اتحدت إسبانيا النصرانية نهائياً. وتمَّ اندماجها في مملكة موحّدة بزواج فرديناند ملك أراغون وإيزابيلا ملكة قشتالة، اتخذت حروب غرناطة الأخيرة لوناً صليبياً عميقاً، يذكيها ويزيد من ضرامها حماسة هذه المملكة المتعصبة، ومن حولها الأحبار المتعصبون، وأسبغ على فرديناند لقب (الكاثوليكي)، وعلى إيزابيلا لقب: (الكاثوليكية). وكان أول عمل قام به الجند القشتاليون حينما دخلوا غرناطة في (٢ كانون الثاني - يناير - سنة ١٤٩٢ م) أن رفعوا الصليب فوق أبراج الحمراء، ورفعوا إلى جانب علم قشتالة علم القديس ياقب، وأقام الرهبان القداس داخل قصر الحمراء، ودفنت الملكة إيزابيلا وزوجها فرديناند في غرناطة، تنويهاً بظفرهما على الإسلام. وكانت سياسة إسبانيا النصرانية إزاء الأمة الأندلسية المغلوبة، منذ إكراهها على التنصير في عصر فرديناند، حتى مأساة النفي النهائي في عصر فيليب الثالث، تقوم على بواعث دينية وصليبية محضة، يصوغها أحبار الكنيسة، ويدعمها ديوان التحقيق بقضائه الكنسي المروّع ووسائله الدموية، وعلى الجملة فقد كانت جهود إسبانيا النصرانية في القضاء على الأمة الأندلسية، تمثل منذ بدايتها مأساة من أروع وأشنع مآسي التعصب الديني والقومي التي عرفها ................................................

стр. 596

التاريخ (١). وهكذا، فحين كان المسلمون أقوياء، شاع تسامحهم في الأندلس ليس بين المسلمين حسب، بل بين النصارى أيضاً، فصانوا النصارى ومعابدهم، وأطلقوا الحرية الدينية إطلاقاً كاملاً، وكان النصارى بينهم سعداء غاية السعادة، في أمن واستقرار ودعة. فلما ضعف المسلمون وأصبح النصارى أقوياء، نصّروا المسلمين قسراً، وقتلوا وعذَّبوا وحرَّقوا، وأخيراً نَفَوْا ما تبقّى من المسلمين في إسبانيا، فلم يبق فيها مسلم واحد، كأنهم لم يكونوا فيها قروناً ولم يعمروها. ذلك ما حدث في الفردوس المفقود، لا ينكره النصارى ويعرفه العالم كله، وتسجله أسفار العرب والمسلمين وأسفار النصارى أيضاً، وكأنه مجد من الأمجاد للنصارى يفاخرون به ولا ينكرونه ولا يتنكرون له. مملكة غرناطة عقب وفاة ابن الأحمر ١ - ولاية محمّد الفقيه وأحداث أيامه لما توفى محمد بن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة، خلفه في الملك ولده وولي عهده أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف الملقّب بالفقيه لعلمه وتقواه، وكان مولده في غرناطة سنة (٦٣٣ هـ - ١٢٣٥ م)، وهو الذي رتّب رسوم الملك للدولة النصريَّة، ووضع ألقاب خدمتها، ونظّم دواوينها وجبايتها، وخلع عليها بذلك صفتها الملوكية الزاهية. وكان يتمتع بكثير من الخلال الحسنة، من قوة العزم، وبعد الهمّة، وسعة الأفق، والبراعة السياسية. وكان عالماً أديباً، يقرض الشعر، ويؤثر مجالس العلماء والأدباء (٢). ولأول عهده نشط ملك قشتالة الفونسو العاشر إلى محاربة

стр. 597

المسلمين، وكان مثل أبيه فرديناند الثالث، يرى أنّ دولة الإسلام في الأندلس قد دنت نهايتها، ويتربّص الفرصة بالمملكة الإسلامية الفتية، ويحاول كأبيه القضاء عليها قبل استفحال أمرها. ولم يكن ملك غرناطة بغافل عن الخطر الذي يتهدده في مشاريع قشتالة، وكان محمد بن الأحمر قد أوصى ولده بالحرص على محالفة بني مرِين ملوك العُدْوَة والاستنجاد بهم كلّما لاح شبح الخطر الداهم (١). وكان بنو مرين، وهم الذين استولوا على ملك الموحِّدين بعد ذهاب دولتهم، يومئذ في عنفوان قوتهم، وكانت مملكتهم الفتية، تشغل في نظر الأندلس ونظر إسبانيا النصرانية، نفس الفراغ الذي تركه ذهاب دولة المرابطين ثم دولة الموحِّدين، وكان من الطبيعي أن تؤدي هذه الدولة الجديدة في ميدان السياسة والحرب نحو الأندلس الدور الذي أدّته المملكتان المغربيتان الذاهبتان. وبنو مرين بطن من بطون قبيلة زناتة البربرية الشهيرة، التي تنتمي إليها عدة من القبائل التي لعبت أدواراً بارزة في تاريخ المغرب، مثل مغراوة ومغيلة ومديونة وجراوة وعبد الواد وغيرهم. ومع ذلك فإن بني مرين يُرجعون نسبهم إلى العرب المضرية، وذلك بالانتساب إلى قيس عيلان بن مضر بن نزار. وجدهم الأعلى جرماك بن مرين بن ورتاجي بن ماخوخ (٢). وكانت القبائل المرينية في بداية أمرها من العشائر البدوية المتنقلة، تجول في هضاب المغرب وصحاريه جنوبي تونس، وتسير نحو المغرب أيام الصيف. وفي فاتحة القرن السابع الهجري، نشبت الحرب بينهم وبين بني عبد الواد، فتوغّلوا في هضاب المغرب، ونزلوا بوادي ملوية الواقع بين المغرب والصحراء، وأقاموا هنالك حيناً، وكانت قوى الموحِّدين قد تضعضعت منذ موقعة العِقاب (٦٠٩ هـ) (٣)، وسرت إلى دولتهم عوامل التفكك والانحلال. ولما توفّى ملكهم الناصر، وهو المهزوم في موقعة العقاب سنة (٦١٠ هـ)

стр. 598

وولي بعده ولده يوسف المستنصر، وكان ولداً حدثاً ضعيف الهمّة والخلال، فانكبّ على لهوه وساءت أمور المملكة، وسرت إليها الفوضى. ففي تلك الآونة، بدأ فيها ملك الموحِّدين يهتزّ في يد القدر، نفذ بنو مرين إلى المغرب، وتوغّلوا في جنباته، واشتبكوا مع الموحِّدين لأول مرة سنة (٦١٣ هـ)، إذ حاول الملك المستنصر أن يقضي عليهم، فأرسل جيوشه لقتالهم، ولكنّها هزمت، ووصل بنو مرين إلى أحواز فاس، وكان أمير بني مرين يومئذ أبو محمد عبد الحق بن خالد بن محيو، ولكنّه قتل في بعض المواقع سنة (٦١٤ هـ)، فخلفه في الإمارة ولده أبو سعيد عثمان، واستمر يقود قومه في حرب الموحِّدين (١). وفي سنة (٦٣٩ هـ - ١٢٤١ م) سيّر الرشيد ملك الموحِّدين جيشاً لقتال بني مرين، فهُزِم الموحِّدون هزيمة شنيعة، واستولى المرينيون على معسكرهم. وتوفى الرشيد في العام التالي، فخلفه في الملك أخوه أبو الحسن السعيد، فاعتزم أن يضاعف الجهد للقضاء على بني مرين، فسيّر لقتالهم سنة (٦٤٢ هـ - ١٢٤٤ م) جيشاً ضخماً، ونشبت بين الموحدين وبين بني مرين معركة هائلة، هُزِم فيها بنو مرين، وقُتِل أميرهم أبو معروف محمد بن عبد الحق، وكانت ضربة شديدة هزّت من عزائمهم مدى حين. وتولّى إمارة بني مرين بعد مقتل أبي معروف، أخوه أبوبكر بن عبد الحق الملقّب بأبي يحيى، وفي عهده اشتدّ ساعد بني مرين، واستولوا على مكناسة (٦٤٣ هـ)، ثم زحفوا على فاس واستولوا عليها بعد حصار شديد (٦٤٨ هـ - ١٢٥٠ م)، وكان سقوط فاس حاضرة المغرب القديمة أعظم ضربة أصابت مملكة الموحِّدين، وكان نذير الانهيار النهائي. ثمّ استولوا على سجلماسة ودرعة (٦٥٥ هـ). ولما توفى أبو يحيى سنة (٦٥٦ هـ) تولى أخوه أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق من بعده رياسة بني مرين، وجعل مدينة فاس حاضرة ملكه. وفي سنة (٦٥٧ هـ) نشبت

стр. 599

الحرب بين بني مرين وبين الأمير يغمراسن بن زيان ملك المغرب الأوسط، فهُزم يغمراسن وارتدّ إلى تلمسان. وفي العام التالي (٦٥٨ هـ) هاجم النصارى الإسبان في سفنهم سلا فجأة، وقتلوا وسبَوْا كثيراً من أهله، فبادر أبو يوسف بإنجاده، وحاصر النصارى بضعة أسابيع حتى جلوا عنه. ثم كانت الموقعة الحاسمة بين الموحِّدين وبني مرين، ففي سنة (٦٦٧ هـ - ١٢٦٩ م) سار الواثق بالله المعروف بأبي دبّوس ملك الموحّدين من مراكش لقتال بني مرين، والتقى الجمعان في وادي (عفّو) بين فاس ومراكش، فهزم الموحِّدون بعد معركة شديدة، وقتل منهم عدد كبير، واستولى أبو يوسف على معسكرهم ومؤنهم وخزائنهم. ثم سار إلى مراكش، فدخلها في المحرّم سنة (٦٦٨ هـ) وتسمَّى بأمير المسلمين، وبذلك انتهت دولة الموحِّدين في المغرب كما انتهت في الأندلس أيضاً، بعد أن عاشت زهاء قرن وثلث القرن، وقامت مكانها دولة بني مرين، تسيطر على أنحاء المغرب الأقصى كلّه، وتستقبل عهداً جديداً (١). إلى تلك الدولة الجديدة الفتية، كانت تتّجه أنظار الأندلس، كلّما لاح لها شبح الخطر الداهم، فلعبت هذه الدولة في حوادث الأندلس الداخلية والخارجية أعظم دور. ولم تفت مؤسّس مملكة غرناطة أهمية التّحالف مع بني مرين والاستنصار بهم، فبعث قبل وفاته بقليل - كما ذكرنا - إلى السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق الملقّب بالمنصور يطلب إليه غوث الأندلس وإنجادها، وكان السلطان أبو يوسف حينما وصله صريخ ابن الأحمر في سنة (٦٧٠ هـ) يسير إلى غزو تِلِمْسان، فلما وقف من الرُّسُل على حال الأندلس وما يهدِّدها من الأخطار، جمع أشياخ القبائل، واتّفق الجميع على وجوب إنجاد الأندلس والجهاد في سبيل الله. وأرسل السلطان إلى الأمير يغمراسن، صاحب تلمسان يعرض عليه عقد الصلح لكي يتمكّن من العبور إلى

стр. 600

الأندلس، فأبى. واقتتل الفريقان على مقربة من وَجْدة في شهر رجب سنة (٦٧٠ هـ - ١٢٧٢ م) فهزم يغمراسن وفرّ جريحاً (١). وعاد أبو يوسف إلى المغرب مظفّراً، وهو يعتزم استجابة دعوة الأندلس وإنجادها. على أنه مضى أكثر من عامين قبل أن تسنح له الفرصة المرجوّة، فلما تولّى محمد الفقيه الملك، أرسل عقب ولايته بقليل وفداً من أكابر الأندلس إلى ملك المغرب ورسالة استغاثة، فشرحوا له حال الأندلس من الضعف ونقص الهبة وتكالب العدو القوي عليها، واستصرخوه للغوث والجهاد (٢). وتتابعت رسل ابن الأحمر وبني اشقيلولة إلى السلطان أبي يوسف ينوِّهون بالخطر الداهم الذي يهدّد الأندلس، ويلتمسون إليه المبادرة بالإسعاف والإمداد، فاستجاب السلطان أخيراً لدعوتهم، وكتب إلى ابن الأحمر يطمئنه، ويعرب له عن عزمه على الجواز إلى الأندلس في فاتحة سنة أربع وسبعين وستمائة الهجرية (٣). وخرج السلطان من فاس في رمضان سنة (٦٧٣ هـ) للجهاد في ميدان الأندلس، وأرسل للمرة الثانية إلى الأمير يغمراسن صاحب تلمسان، يعرض عليه الصلح توحيداً للكلمة وتعضيداً للجهاد، فقبل يغمراسن وتمّ الصلح. وبادر السلطان، فجهّز ولده أبا زيان (٤) في خمسة آلاف مقاتل، فعبر البحر من قصر المجاز (قصر مصمودة) إلى الأندلس، ونزل ثغر طريف في شهر ذي الحجة سنة (٦٧٣ هـ - ١٢٧٥ م) ونفذ إلى أرض النصارى حتى شَريش، وعاث فيها، وعاد مثقلاً بالسبي والغنائم. وقدّم إليه ابن هشام وزير ابن الأحمر ثغر الجزيرة، فنزل فيه، وجاز ابن هشام العدوة، فلقي السلطان أبا يوسف في معسكره على مقربة من طنجة، وكان السلطان قد أكمل أهبته،
следующие страницы →