التاريخ (١).
وهكذا، فحين كان المسلمون أقوياء، شاع تسامحهم في الأندلس ليس بين المسلمين حسب، بل بين النصارى أيضاً، فصانوا النصارى ومعابدهم، وأطلقوا الحرية الدينية إطلاقاً كاملاً، وكان النصارى بينهم سعداء غاية السعادة، في أمن واستقرار ودعة.
فلما ضعف المسلمون وأصبح النصارى أقوياء، نصّروا المسلمين قسراً، وقتلوا وعذَّبوا وحرَّقوا، وأخيراً نَفَوْا ما تبقّى من المسلمين في إسبانيا، فلم يبق فيها مسلم واحد، كأنهم لم يكونوا فيها قروناً ولم يعمروها.
ذلك ما حدث في الفردوس المفقود، لا ينكره النصارى ويعرفه العالم كله، وتسجله أسفار العرب والمسلمين وأسفار النصارى أيضاً، وكأنه مجد من الأمجاد للنصارى يفاخرون به ولا ينكرونه ولا يتنكرون له.
مملكة غرناطة عقب وفاة ابن الأحمر
١ - ولاية محمّد الفقيه وأحداث أيامه
لما توفى محمد بن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة، خلفه في الملك ولده وولي عهده أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف الملقّب بالفقيه لعلمه وتقواه، وكان مولده في غرناطة سنة (٦٣٣ هـ - ١٢٣٥ م)، وهو الذي رتّب رسوم الملك للدولة النصريَّة، ووضع ألقاب خدمتها، ونظّم دواوينها وجبايتها، وخلع عليها بذلك صفتها الملوكية الزاهية. وكان يتمتع بكثير من الخلال الحسنة، من قوة العزم، وبعد الهمّة، وسعة الأفق، والبراعة السياسية. وكان عالماً أديباً، يقرض الشعر، ويؤثر مجالس العلماء والأدباء (٢). ولأول عهده نشط ملك قشتالة الفونسو العاشر إلى محاربة
стр. 597
المسلمين، وكان مثل أبيه فرديناند الثالث، يرى أنّ دولة الإسلام في الأندلس قد دنت نهايتها، ويتربّص الفرصة بالمملكة الإسلامية الفتية، ويحاول كأبيه القضاء عليها قبل استفحال أمرها. ولم يكن ملك غرناطة بغافل عن الخطر الذي يتهدده في مشاريع قشتالة، وكان محمد بن الأحمر قد أوصى ولده بالحرص على محالفة بني مرِين ملوك العُدْوَة والاستنجاد بهم كلّما لاح شبح الخطر الداهم (١). وكان بنو مرين، وهم الذين استولوا على ملك الموحِّدين بعد ذهاب دولتهم، يومئذ في عنفوان قوتهم، وكانت مملكتهم الفتية، تشغل في نظر الأندلس ونظر إسبانيا النصرانية، نفس الفراغ الذي تركه ذهاب دولة المرابطين ثم دولة الموحِّدين، وكان من الطبيعي أن تؤدي هذه الدولة الجديدة في ميدان السياسة والحرب نحو الأندلس الدور الذي أدّته المملكتان المغربيتان الذاهبتان. وبنو مرين بطن من بطون قبيلة زناتة البربرية الشهيرة، التي تنتمي إليها عدة من القبائل التي لعبت أدواراً بارزة في تاريخ المغرب، مثل مغراوة ومغيلة ومديونة وجراوة وعبد الواد وغيرهم. ومع ذلك فإن بني مرين يُرجعون نسبهم إلى العرب المضرية، وذلك بالانتساب إلى قيس عيلان بن مضر بن نزار. وجدهم الأعلى جرماك بن مرين بن ورتاجي بن ماخوخ (٢). وكانت القبائل المرينية في بداية أمرها من العشائر البدوية المتنقلة، تجول في هضاب المغرب وصحاريه جنوبي تونس، وتسير نحو المغرب أيام الصيف. وفي فاتحة القرن السابع الهجري، نشبت الحرب بينهم وبين بني عبد الواد، فتوغّلوا في هضاب المغرب، ونزلوا بوادي ملوية الواقع بين المغرب والصحراء، وأقاموا هنالك حيناً، وكانت قوى الموحِّدين قد تضعضعت منذ موقعة العِقاب (٦٠٩ هـ) (٣)، وسرت إلى دولتهم عوامل التفكك والانحلال. ولما توفّى ملكهم الناصر، وهو المهزوم في موقعة العقاب سنة (٦١٠ هـ)
стр. 598
وولي بعده ولده يوسف المستنصر، وكان ولداً حدثاً ضعيف الهمّة والخلال، فانكبّ على لهوه وساءت أمور المملكة، وسرت إليها الفوضى. ففي تلك الآونة، بدأ فيها ملك الموحِّدين يهتزّ في يد القدر، نفذ بنو مرين إلى المغرب، وتوغّلوا في جنباته، واشتبكوا مع الموحِّدين لأول مرة سنة (٦١٣ هـ)، إذ حاول الملك المستنصر أن يقضي عليهم، فأرسل جيوشه لقتالهم، ولكنّها هزمت، ووصل بنو مرين إلى أحواز فاس، وكان أمير بني مرين يومئذ أبو محمد عبد الحق بن خالد بن محيو، ولكنّه قتل في بعض المواقع سنة (٦١٤ هـ)، فخلفه في الإمارة ولده أبو سعيد عثمان، واستمر يقود قومه في حرب الموحِّدين (١).
وفي سنة (٦٣٩ هـ - ١٢٤١ م) سيّر الرشيد ملك الموحِّدين جيشاً لقتال بني مرين، فهُزِم الموحِّدون هزيمة شنيعة، واستولى المرينيون على معسكرهم. وتوفى الرشيد في العام التالي، فخلفه في الملك أخوه أبو الحسن السعيد، فاعتزم أن يضاعف الجهد للقضاء على بني مرين، فسيّر لقتالهم سنة (٦٤٢ هـ - ١٢٤٤ م) جيشاً ضخماً، ونشبت بين الموحدين وبين بني مرين معركة هائلة، هُزِم فيها بنو مرين، وقُتِل أميرهم أبو معروف محمد بن عبد الحق، وكانت ضربة شديدة هزّت من عزائمهم مدى حين. وتولّى إمارة بني مرين بعد مقتل أبي معروف، أخوه أبوبكر بن عبد الحق الملقّب بأبي يحيى، وفي عهده اشتدّ ساعد بني مرين، واستولوا على مكناسة (٦٤٣ هـ)، ثم زحفوا على فاس واستولوا عليها بعد حصار شديد (٦٤٨ هـ - ١٢٥٠ م)، وكان سقوط فاس حاضرة المغرب القديمة أعظم ضربة أصابت مملكة الموحِّدين، وكان نذير الانهيار النهائي. ثمّ استولوا على سجلماسة ودرعة (٦٥٥ هـ). ولما توفى أبو يحيى سنة (٦٥٦ هـ) تولى أخوه أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق من بعده رياسة بني مرين، وجعل مدينة فاس حاضرة ملكه. وفي سنة (٦٥٧ هـ) نشبت
стр. 599
الحرب بين بني مرين وبين الأمير يغمراسن بن زيان ملك المغرب الأوسط، فهُزم يغمراسن وارتدّ إلى تلمسان. وفي العام التالي (٦٥٨ هـ) هاجم النصارى الإسبان في سفنهم سلا فجأة، وقتلوا وسبَوْا كثيراً من أهله، فبادر أبو يوسف بإنجاده، وحاصر النصارى بضعة أسابيع حتى جلوا عنه. ثم كانت الموقعة الحاسمة بين الموحِّدين وبني مرين، ففي سنة (٦٦٧ هـ - ١٢٦٩ م) سار الواثق بالله المعروف بأبي دبّوس ملك الموحّدين من مراكش لقتال بني مرين، والتقى الجمعان في وادي (عفّو) بين فاس ومراكش، فهزم الموحِّدون بعد معركة شديدة، وقتل منهم عدد كبير، واستولى أبو يوسف على معسكرهم ومؤنهم وخزائنهم. ثم سار إلى مراكش، فدخلها في المحرّم سنة (٦٦٨ هـ) وتسمَّى بأمير المسلمين، وبذلك انتهت دولة الموحِّدين في المغرب كما انتهت في الأندلس أيضاً، بعد أن عاشت زهاء قرن وثلث القرن، وقامت مكانها دولة بني مرين، تسيطر على أنحاء المغرب الأقصى كلّه، وتستقبل عهداً جديداً (١).
إلى تلك الدولة الجديدة الفتية، كانت تتّجه أنظار الأندلس، كلّما لاح لها شبح الخطر الداهم، فلعبت هذه الدولة في حوادث الأندلس الداخلية والخارجية أعظم دور. ولم تفت مؤسّس مملكة غرناطة أهمية التّحالف مع بني مرين والاستنصار بهم، فبعث قبل وفاته بقليل - كما ذكرنا - إلى السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق الملقّب بالمنصور يطلب إليه غوث الأندلس وإنجادها، وكان السلطان أبو يوسف حينما وصله صريخ ابن الأحمر في سنة (٦٧٠ هـ) يسير إلى غزو تِلِمْسان، فلما وقف من الرُّسُل على حال الأندلس وما يهدِّدها من الأخطار، جمع أشياخ القبائل، واتّفق الجميع على وجوب إنجاد الأندلس والجهاد في سبيل الله. وأرسل السلطان إلى الأمير يغمراسن، صاحب تلمسان يعرض عليه عقد الصلح لكي يتمكّن من العبور إلى
стр. 600
الأندلس، فأبى. واقتتل الفريقان على مقربة من وَجْدة في شهر رجب سنة (٦٧٠ هـ - ١٢٧٢ م) فهزم يغمراسن وفرّ جريحاً (١). وعاد أبو يوسف إلى المغرب مظفّراً، وهو يعتزم استجابة دعوة الأندلس وإنجادها.
على أنه مضى أكثر من عامين قبل أن تسنح له الفرصة المرجوّة، فلما تولّى محمد الفقيه الملك، أرسل عقب ولايته بقليل وفداً من أكابر الأندلس إلى ملك المغرب ورسالة استغاثة، فشرحوا له حال الأندلس من الضعف ونقص الهبة وتكالب العدو القوي عليها، واستصرخوه للغوث والجهاد (٢). وتتابعت رسل ابن الأحمر وبني اشقيلولة إلى السلطان أبي يوسف ينوِّهون بالخطر الداهم الذي يهدّد الأندلس، ويلتمسون إليه المبادرة بالإسعاف والإمداد، فاستجاب السلطان أخيراً لدعوتهم، وكتب إلى ابن الأحمر يطمئنه، ويعرب له عن عزمه على الجواز إلى الأندلس في فاتحة سنة أربع وسبعين وستمائة الهجرية (٣). وخرج السلطان من فاس في رمضان سنة (٦٧٣ هـ) للجهاد في ميدان الأندلس، وأرسل للمرة الثانية إلى الأمير يغمراسن صاحب تلمسان، يعرض عليه الصلح توحيداً للكلمة وتعضيداً للجهاد، فقبل يغمراسن وتمّ الصلح. وبادر السلطان، فجهّز ولده أبا زيان (٤) في خمسة آلاف مقاتل، فعبر البحر من قصر المجاز (قصر مصمودة) إلى الأندلس، ونزل ثغر طريف في شهر ذي الحجة سنة (٦٧٣ هـ - ١٢٧٥ م) ونفذ إلى أرض النصارى حتى شَريش، وعاث فيها، وعاد مثقلاً بالسبي والغنائم. وقدّم إليه ابن هشام وزير ابن الأحمر ثغر الجزيرة، فنزل فيه، وجاز ابن هشام العدوة، فلقي السلطان أبا يوسف في معسكره على مقربة من طنجة، وكان السلطان قد أكمل أهبته،
стр. 601
فعبر من قصر المجاز إلى الأندلس في صفر (٦٧٤ هـ - حزيران - يوليه - ١٢٧٥ م) في جيش كثيف من البربر، داعياً إلى الجهاد على سنّة أسلافه المرابطين والموحِّدين. وكان أبو يوسف قد اشترط على ابن الأحمر حينما استنجد به، أن ينزل له عن بعض الثغور والقواعد الساحلية، لتنزل فيها جنوده ذهاباً وإياباً، فنزل له عن رندة وطريف والجزيرة، ونزل أبو يوسف بجيشه في طريف، وهرع ابن الأحمر وبنو أشقيلولة إلى لقائه، واهتزت الأندلس كلها لعبور ملك المغرب. ولكن ابن الأحمر ما لبث أن غادره مغضباً لما رأى من تدخله في شئون الأندلس بصورة مريبة، ذلك أن بني أشقيلولة أصهار بني الأحمر، وفي مقدمتهم محمد بن أشقيلولة زعيم الأسرة وزوج أخت محمد بن الأحمر، وأخوه أبو الحسن زوج ابنته، كانوا يجيشون نحو عرش غرناطة بأطماع خفيّة. وكان أبو محمد ممتنِعاً بمالقة مغاضباً لملك غرناطة - كما ذكرنا - فلما عبر أبو يوسف إلى الأندلس، سار إليه وانضوى تحت لوائه. ولم يفلح أبو يوسف في التوفيق بين ابن الأحمر وبين أصهاره، وخشي ابن الأحمر عاقبة هذا التحالف بين أصهاره وبين أبي يوسف، فارتد إلى غرناطة حذراً متوجِّساً.
ونفد أبو يوسف بجيشه إلى بسائط الفرنتيرة (١)، وكانت بيد النصارى، وعاث فيها، ثم توغّل غازياً ينسف الضياع والمروج، ويسبي السكان، حتى وصل إلى حصن المقورة وأبدة على مقربة من شرقي قرطبة. وعندئذٍ عوّل القشتاليون على لقائه دفاعاً عن أراضيهم. وخرج القشتاليون في جيش ضخم تقدّره الرواية الإسلامية بنحو تسعين ألف مقاتل (٢)، وعلى رأسهم قائدهم الأشهر صهر ملك قشتالة الدون نونيو دى لارا الذي تسميه المصادر العربية: (دونونه أو دننه أو ذنونه). وكان أبو يوسف قد ارتدّ عندئذٍ بجيشه إلى ظاهر
стр. 602
إستجة، ومعه حشد عظيم من الغنائم والأسرى، فأغلقت المدينة أبوابها واستعدّت للقتال. ووضع أبو يوسف الغنائم في ناحية تحت إمرة حرس خاص حتى لا تعيق حركاته، وعقد لولده أبي يعقوب على مقدمته، وخطب جنده وحثهم على الجهاد والموت في سبيل الله. ثم تقدّم لملاقاة النصارى، ويعضده بعض قوّات الأندلس برئاسة بني أشقيلولة. ووقع اللقاء بين المسلمين والنصارى على مقربة من إستجة جنوب غرب قرطبة في اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة (٦٧٤ هـ - ٩ أيلول - سنتمبر - ١٢٧٥ م) فنشبت بين الفريقين معركة سريعة هائلة، هُزم النصارى على أثرها هزيمة شنيعة، وقتل قائدهم الدون نونيو دى لارا وأعدَاد كبيرة من جيشه (١)، وكان نصراً عظيماً أعاد إلى الأذهان ذكريات معركة الزلاقة ومعركة الأرك. وكان أوّل نصر باهر يحرزه المسلمون على النصارى منذ موقعة العقاب، ومنذ انهيار الدولة الإسلامية بالأندلس، وسقوط قواعدها العظيمة. وتبالغ الرواية الإسلامية في تقدير خسائر النصارى، فتقول: إنه قتل منهم في المعركة ثمانية عشر ألفاً، جمعت رءوسهم وأذّن عليها المؤذِّن لصلاة العصر، هذا في حين وفقاً لقولها أيضاً، لم يقتل من المسلمين سوى أربعة وعشرين رجلاً (٢).
وبعث السلطان أبو يوسف برأس دون نونيو إلى ابن الأحمر، فقيل إنه بعثه بدوره إلى ملك قشتالة مضمّخاً بالطيب، مصانعة له وتودّداً إليه.
стр. 603
ولبث أبو يوسف بالجزيرة بضعة أسابيع، قُسّمت فيها الغنائم واستراحت الأجناد، ثم خرج للمرة الثانية في جمادى الأولى سنة (٦٧٤ هـ)، وتوغّل غازياً في أرض قشتالة، حتى وصل إلى أحواز إشبيلية، فأغلقت المدينة أبوابها. وعاث أبو يوسف في تلك الأنحاء، ثمّ سار إلى شريش، فضرب حولها الحصار، فخرج إليه زعماء المدينة ورهبانها، وطلبوا إليه الأمان والصلح، فأجابهم إلى طلبهم، وعاد إلى قواعده مثقلاً بالغنائم والسّبى. وقضى بضعة أسابيع في الجزيرة الخضراء، ثم عبر البحر إلى المغرب في أواخر شهر رجب (٦٧٤ هـ) بعد أن قضى في الأندلس زهاء خمسة (١).
على أن هذا النصر الباهر، الذي أحرزه السلطان أبو يوسف المريني على النصارى، لم يحدث أثره المنشود في بلاط الأندلس، ذلك أن ابن الأحمر، جنح إلى الارتياب في نيات ملك المغرب، وبخاصة مذ أسبغ السلطان حمايته على بني أشقيلولة وغيرهم من الخوارج على ملك غرناطة، ومثلت بذهنه مأساة الطوائف وغدر المرابطين (٢) بهم. وبعث ابن الأحمر إلى السلطان قبيل مغادرته الجزيرة الخضراء، يعاتبه لتصرفه في حقه بقصائد مؤثرة يستعطفه فيها ويستنصره، والسلطان يجيبه عنها بقصائد مثلها (٣).
وفي أوائل سنة ٦٧٦ هـ، توفى أبو محمد بن أشقيلولة صاحب مالقة، فعبر ولده محمد إلى المغرب، ونزل عنها للسلطان، فبعث إليها السلطان حاكماً من قبله، فزاد ذلك في توجّس ابن الأحمر، وأرسل وزيره أبا سلطان عزيز الداني في بعض قواته إلى مالقة ليحاول الاستيلاء عليها، فلم يوفّق. ولم تمض أشهر قلائل على ذلك حتى عبر السلطان أبو يوسف المنصور البحر إلى الأندلس للمرة الثانية في سنة (٦٧٧ هـ) - (١٢٧٨ م) ونزل بمالقة، فاحتفل به
стр. 604
أهلها، ثم توغّل بجيشه في أرض النصارى يعبث فيها، ومعه بنو أشقيلولة في جندهم، حتى أحواز إشبيلية. واجتنب القشتاليون لقاءه، ثم دعا ابن الأحمر إلى لقائه، فوافاه عند قرطبة والريب يملأ نفسه. وتبادل الملكان عبارات العتاب والتعاطف، ولكن ابن الأحمر لم تطمئن نفسه، وعاد السلطان إلى المغرب دون أن تصفو القلوب.
وزاد توجّس ابن الأحمر لحوادث مالقة وانحيازها إلى السلطان، وجال بخاطره أن التفاهم مع ملك قشتالة خير وأبقى. وفي أواخر سنة ٦٧٧ هـ، استطاع ابن الأحمر أن يستولي أخيراً على مالقة، وذلك بإغراء صاحبها بالنزول عنها، والاستعاضة بالمنكب وشلوبانية (١). ثم سعى إلى التفاهم مع ملك قشتالة والتحالف معه على منع عبور السلطان المنصور إلى الأندلس، ونزلت القوات القشتالية بالفعل في الجزيرة الخضراء وكاتب ابن الأحمر أيضاً الأمير يغمراسن ملك المغرب الأوسط، وخصم السلطان المنصور، يسأله العون والتحالف. وعلم المنصور بذلك، فأراد العبور فوراً إلى الأندلس، ولكن عاقته حوادث المغرب حيناً. وفي أوائل سنة (٦٧٨ هـ)، بعث ولده الأمير أبا يعقوب إلى الأندلس في أسطول ضخم، ونشبت بينه وبين أسطول النصارى المرابط في بحر الزقاق معركة هائلة، هزم النصارى على أثرها، واستولى المسلمون على سفنهم، ونزلوا بالجزيرة الخضراء، فغادرها النصارى في الحال.
وأراد أبو يعقوب أن يتبع نصره بعقد الصلح مع ملك قشتالة، والتحالف معه على قتال ابن الأحمر ومهاجمة غرناطة، فأنكر عليه أبوه السلطان ذلك. ثم زحف جند المغرب على ثغر مربلَّة، وهو من أملاك ابن الأحمر تريد الاستيلاء عليه، فامتنع عليهم. وانتهز القشتاليون تلك الفرصة، فزحفوا على
стр. 605
غرناطة ومعهم بنو أشقيلولة، فلقيهم ابن الأحمر وردّهم على أعقابهم (٦٧٩ هـ). بيد أنه بالرغم من هذا النصر المؤقت، أخذ يشعر بدقّة موقفه، وخطورة القوى التي يواجهها من القشتاليين والمغاربة. ومن جهة أخرى فإن السلطان المنصور يخشى عاقبة هذا التصرف على مصير المسلمين، وعلى ذلك فقد بعث إلى ابن الأحمر في وجوب عقد المودة والتفاهم، فلقي له مثل رغبته، وبادر السلطان إلى عقد أواصر الصلح والتحالف بين المسلمين، على أن ينزل ابن الأحمر عن مالقة للسلطان المنصور، لتكون قاعدة للعبور والغزو. وصفا جوّ العلائق على أثر ذلك بين ابن الأحمر وبني مرين، وشغل السلطان المنصور حيناً بمحاربة الخارجين عليه.
ولم يمض قليل على ذلك، حتى عادت شئون الأندلس تستغرق اهتمام المنصور، وكانت شئون الأندلس قد غدت في الواقع عنصراً بارزاً في سياسة بني مرين، وكانت مملكة غرناطة حتى في ذلك الوقت الذي انكمشت فيه الدولة الإسلامية في الأندلس، تلعب دورها في شئون إسبانيا النصرانية كلما اضطربت فيه الحوادث. ولما سطع نجم الدولة المرينية فيما وراء البحر، اتجه إليها اهتمام النصارى، وكانت كلما وقعت في قشتالة حرب أهلية، لجأ هذا الفريق أو ذاك إلى مؤازرة غرناطة أو بني مرين على غرار ما كان يحدث في الماضي، ومن ذلك ما حدث في سنة (٦٦٩ هـ - ١٢٧٠ م) من خروج الإنفانت فيليب على أخيه الفونسو العاشر مع جماعة النبلاء والتجائهم إلى السلطان المنصور في طلب العون، واستجابته لدعوتهم واتخاذهم غرناطة قاعدة لجهودهم. وكادت تنشب من جراء ذلك حرب بين المسلمين والنصارى، لولا تدخّل فيولا ملكة قشتالة، واسترضائها للخوارج بمختلف المنح. وفي سنة ١٢٨٢ م (أوائل سنة ٦٨١ هـ) ثار سانشو على والده الفونسو العاشر، وآزره معظم النبلاء، واستطاع أن ينتزع العرش لنفسه، فاتجه أبوه المخلوع إلى السلطان أبي يوسف المنصور، وأرسل إليه بالمغرب وفداً من الأحبار يستمدّ منه الغوث ضد ولده، فاستجاب السلطان لصريخه، وعبر
стр. 606
البحر في قوّاته إلى الأندلس في ربيع الثاني سنة (٦٨١ هـ) وهرع الفونسو إلى لقائه بالجزيرة الخضراء على مقربة من رندة مستجيراً به ملتمساً لنصرته، وقدّم إليه تاجه رهناً لمعونته، فغزا أبو يوسف أراضي قشتالة وحاصر قرطبة، ثم زحف على طليطلة وعاث في نواحيها، ووصل في زحفه إلى حصن مجريط (١) (مدريد). وتحاشى ابن الأحمر في البداية لقاء السلطان لفتور العلائق بينهما، ولتوجّسه من محالفة الفونسو، ورأى من جانبه أن يتفاهم مع سانشو ملك قشتالة الجديد، وزحف على المنكب، وهي من الثغور التي تحتلها قوات المغرب، فغضب السلطان وارتد لقتاله. وكادت تنشب بين الملكين المسلمين فتنة مستطيرة، لولا أن خشي ابن الأحمر العاقبة، وعاد إلى التفاهم مع المنصور، وصفا الجوّ بينهما نوعاً ما، وعاث المنصور في أراضي قشتالة مرة أخرى، وغصّ جيشه بالسّبي والغنائم ثم عاد إلى المغرب بعد أن ولّى على الجزيرة حاكماً من قبله.
واستمرّت الحرب الأهلية أثناء ذلك في قشتالة بين الإبن والأب، ولبث هذا النضال الدموي زهاء عامين، حتى توفي الفونسو العاشر طريداً مهزوماً في سنة (٦٨٣ هـ - ١٢٨٤ م)، فكان لوفاته وقع عميق في غرناطة والمغرب، وأرسل كل من الملكين المسلمين عزاءه في الملك العالم المنكود، - وقد كان ألفونسو عالماً مؤرخاً - إلى بلاط قشتالة. وكان موقف المملكتين الإسلاميتين غريباً إزاء حوادث قشتالة، إذ كان ملك المغرب يؤازر الملك المخلوع، وكان ملك غرناطة بالرغم من عطفه على الفونسو العاشر، يؤازر ولده الخارج عليه. والحقيقة أنّ ابن الأحمر، كان يشهد تقاطر الجيوش البربرية إلى الجزيرة الخضراء بعين الجزع، ويتوجّس شراً من وجودهم بها. وقد كانوا يحتلون معاقلها وثغورها، ويظاهرون الخوارج عليه في مالقة والمنكب وغيرهما من القواعد الجنوبية، وكان يتوقع أسوأ العواقب من
стр. 607
تدخل ملك المغرب في شئون الأندلس على هذا النحو، وكان مثَلُ المرابطين ومأساة الطوائف عبرة خالدة، تساوره دائماً، وتذكي جزعه. على أنّ موت الفونسو العاشر، وانتهاء الحرب الأهلية في قشتالة، خفف من هذا التوتّر بين المملكتين، وكان ابن الأحمر يذكر في الوقت نفسه، غدر ملك قشتالة، وخطر النصارى على مملكته، فيجنح بعد التأمّل إلى إيثار التفاهم مع ملك المسلمين.
وفي صفر سنة (٦٨٤ هـ) عبر السلطان المنصور للمرة الرابعة إلى الأندلس، وزحف في أراضي النصارى، وغزا مدينة شريش، وسار ولده أبو يعقوب إلى أحواز إشبيلية فعاث فيها. ثم زحف المنصور على قرمونة والوادي الكبير، وخرب جنده بسائط إشبيلية ولبلة وإستجة والفرنتيرة. وسُرّ ابن الأحمر لاجتياح أراضي قشتالة على هذا النحو، وبعث إلى السلطان مدداً من غرناطة، وجاءت الأساطيل المغربية فطاردت أساطيل العدو في بحر الزقاق واحتلته. ورأى سانشو ملك قشتالة تفاقم الأمر وعقم المقاومة، فجنح إلى طلب السلم، وبعث إلى السلطان وفداً من الأحبار يطلب الصلح ويفوِّض السلطان في اشتراط ما يراه، فاستجاب السلطان لرغبتهم، واشترط عليهم: مسالمة المسلمين كافةً، وأن يمتنع النصارى عن كل اعتداء على الأندلس، وعلى أراضي المسلمين ومرافقهم، وأن ترفع الضريبة عن التجار المسلمين بدار الحرب (بلاد الأعداء)، وأن تنبذ قشتالة سياسة الدسّ بين الأمراء المسلمين، فقبل النصارى جميع الشروط المطلوبة، وتعهّدوا بتنفيذها. وقدم سانشو بنفسه إلى معسكر السلطان، فاستقبله المنصور بحفاوة، وقدّم إليه طائفة من الهدايا، وتعهّد سانشو بتحقيق شروط الصلح كاملة، وسأله السلطان أن يرسل إليه قدراً من الكتب العربية التي استولى عليها النصارى من القواعد الأندلسية، فأرسل إليه ثلاثة عشر حملاً منها، وأرسلها السلطان إلى فاس، فكانت نواة المكتبة السلطانية واتّخذ المنصور تدابيره الأخيرة نحو شئون الأندلس، وندب ابنه
стр. 608
الأمير أبا زيان للنظر على الثغور الأندلسية، وأوصاه بألاّ يتدخّل في شئون ابن الأحمر. وكان من آثار التفاهم بين ابن الأحمر والمنصور، أن ترك المنصور ببلاط غرناطة بعض قرابته من مشاهير الغزاة، وعليهم رئيس من بني العلاء أقارب بني مرين يسمى شيخ الغزاة، وتولّى بنو العلاء قيادة الجيوش الأندلسية عصراً، وكانت لهم في ميدان الحرب والجهاد مواقف مشكورة (١).
وقفل السلطان المنصور راجعاً إلى الجزيرة ليستجمَّ ثم يعود إلى المغرب، ولكن لم تمضِ أشهر قلائل، حتى أدركه المرض، وتوفي بالجزيرة في المحرم سنة (٦٨٥ هـ - آذار - مارس ١٢٨٥ م) بعد حياة حافلة بصنوف الجهاد في المغرب والأندلس.
وكان السلطان أبو يوسف المنصور من أعظم ملوك المغرب قاطبة، وكان يعيد بشغفه بالجهاد، وكثرة تعداد أفراد جيوشه وأهبته الحربية، ذكرى أسلافه العظام من أمثال يوسف بن تاشفين، وعبد المؤمن، ويعقوب المنصور.
وخلفه على عرش المغرب ولده الأمير أبو يعقوب، وكان مثل أبيه معنياً بشئون الأندلس، خبيراً بها. واستمرت علائق بني الأحمر ببني مرين أعواماً أخرى على حالها من المودة والصفاء، وزادت توطداً حينما قبل سلطان المغرب أن ينزل لابن الأحمر طوعاً عن وادى آش. وذلك أن محمداً الفقيه كان قد عيّن صهره أبا إسحاق بن أبي الحسن بن أشقيلولة حاكماً على قُمارش ووادي آش، فلما توفى أبو إسحاق سنة (٦٨٢ هـ) استردّ ابن الأحمر قمارش، وخرج عليه أبو الحسن ولد أبي إسحاق في وادي آش، وتحالف أولاً مع ملك قشتالة، فلما عقد السلم بين المسلمين والنصارى، أعلن أبو الحسن انضواءه تحت لواء ملك المغرب، فأغضى ابن الأحمر حيناً عن تصرفه. فلما اتّصلت وشائج المودة من جديد بينه وبين السلطان أبي يعقوب، سأله التنازل عن وادي آش، فأجابه سؤله، ورحل عنها الثائر أبو الحسن إلى المغرب ملتجئاً
стр. 609
إلى بلاط فاس، وبذا استطاع ابن الأحمر أن يبسط سلطانه على الأندلس كلها (١). وفي أوائل سنة (٦٩٠ هـ - ١٢٩١ م)، أغار سانشو ملك قشتالة على الثغور الأندلسية، ناكثاً لعهده، فأرسل السلطان أبو يعقوب إلى قائده على الثغور أن يغزو شريش وأرض النصارى، فزحف عليها وعاث فيها. وأعلن أبو يعقوب الجهاد، وتقاطرت بعوث المجاهدين إلى الأندلس، فبعث سانشو أسطوله إلى بحر الزقاق ليحول دون وصول الإمداد، فبعث السلطان أسطوله لمهاجمة الأسطول القشتالي، فهزم المسلمون في (آب - أغسطس - ١٢٩١ م)، ولكن هذه الهزيمة لم تثن ملك المغرب عن عزمه، فبعث أسطولاً آخر لمقاتلة النصارى، فانسحبت النصارى هذه المرة. وعبر السلطان أبو يعقوب إلى الأندلس في رمضان سنة (٦٩٠ هـ) واقتحم أرض النصارى، وغزا شريش، ووصل في زحفه حتى أسوار إشبيلية وعاث فيها، ثمّ عاد إلى الجزيرة، وارتدّ عائداً إلى المغرب في أوائل سنة (٦٩١ هـ).
وتوجّس ملك قشتالة من مشاريع سلطان المغرب، فسعى إلى محالفة ابن الأحمر، وحذّره من نيّات المغاربة، واستيلائهم على الثغور الأندلسية، ولا سيما ثغر طريف مدخل الجزيرة، وتفاهم الملكان على انتزاع هذا الثغر من المغاربة، واشترط ابن الأحمر أن تسلّم إليه طريف عقب انتزاعها. وسيّر سانشو أسطوله إلى بحر الزقاق ليحاصر طريف من ناحية البحر، وليحول دون وصول الإمداد إليها. وعسكر ابن الأحمر بقواته بمالقة على مقربة منها، يعاون النصارى بالإمداد والمؤن. وثبتت حامية طريف أربعة أشهر، ولكنّها اضطرت في النهاية إلى التسليم للنصارى في أيلول سنة (١٢٩٢ م)، وهنا طالب ابن الأحمر سانشو بتسليمها له حسب شرطه في التعاون بين ابن الأحمر وسانشو، فأبى
стр. 610
سانشو وأعرض عن ابن الأحمر، مع أن ابن الأحمر نزل لسانشو مقابل طريف عن عدد من الحصون المهمّة، فأدرك ملك غرناطة عندئذٍ خطأه في الركون إلى وعود ملك قشتالة، وفي مغاضبة ملك المغرب حليفه الطبيعي، وسنده المخلص في ردّ عدوان النصارى.
وعاد ابن الأحمر يخطب ودّ بني مرين مرة أخرى، وأوفد ابن عمّه الرئيس أبا سعيد فرج بن إسماعيل ووزيره أبا عزيز الداني على رأس وفدٍ من كبراء الأندلس، إلى السلطان أبي يعقوب في طلب المودّة، وتجديد العهد، والاعتذار عن مسلكه في شأن طريف، فأكرم السّلطان وفادتهم، وأجابهم إلى طلب الصلح. ولما عاد الوفد إلى غرناطة سُرّ ابن الأحمر من كرم السلطان ونبل مسلكه، واعتزم الرحلة للقائه بنفسه، وتأكيد المودّة والاعتذار، فعبر البحر إلى العُدوة في أواخر سنة (٦٩٢ هـ - ١٢٩٢ م) ومعه طائفة من الهدايا الفخمة، ونزل بطنجة حيث استقبله بعض أبناء السلطان، ثم جاء السلطان بنفسه إلى طنجة، وتلقاه بمنتهى الإكرام والحفاوة، ونزل له ابن الأحمر عن الجزيرة ورندة وأراضي الغربية، وعدّة حصون كانت من قبل في طاعة ملك المغرب. وعاد ابن الأحمر مغتبطاً بنجاح مهمّته، وأرسل السلطان معه حملة لغزو طريف بقيادة وزيره عمر بن السّعود، فحاصرتها حيناً ولكنها لم تظفر بافتتاحها (١).
وكان لمحمد الفقيه، بالرغم من سمته العلمية، وقائع طيبة في ميدان الجهاد ضد النصارى، ففي المحرم من سنة (٦٩٥ هـ - أواخر ١٢٩٥ م) على أثر وفاة سانشو ملك قشتالة، زحف بجيشه على أرض قشتالة، وغزا منطقة جيَّان، ونازل مدينة قيجاطة (٢)، واستولى عليها، وعلى عدّة من الحصون التابعة لها، وأسكن بها المسلمين، وفي صيف سنة (٦٩٩ هـ - ١٢٩٩ م) غزا
стр. 611
أراضي قشتالة مرة أخرى، وزحف على مدينة القبذاق الواقعة جنوب غربي جيَّان، ودخل قصبتها وتملكها، وأسكن المسلمين.
واستمر محمد بن محمد بن الأحمر، أو محمد الفقيه في حكم غرناطة أعواماً أخرى، وهو ثابت العهد، مقيم على صداقة بني مرين، ومما هو جدير بالذكر أنه قبيل وفاته بقليل، عقد معاهدة صلح وتحالف مع ملك أراغون خايمي الثاني ضدّ قشتالة، وذلك تجديداً وتعديلاً لمعاهدة صلح وتحالف سابقة مع ملك أراغون خايمي الثاني كانت قد عقدت بين الطرفين في سنة (٦٩٩ هـ - ١٢٩٩ م)، وقد نُصَّ في هذه المعاهدة الجديدة على عقد: (صلح ثابت وصحبة ثابتة صادقة) وأن يلتزم كل من الفريقين عدم الإضرار بالآخر على يد أحد من رعاياه، وأن تكون أراغون معادية لأعداء غرناطة سواء من المسلمين أو قشتالة، وأن يُفتَح بلد كل من الفريقين لمن يقصده من تجار البلد الآخر مؤمنين على أنفسهم وأموالهم، وأخيراً يتعهّد ملك غرناطة بمعاونة أراغون ضد ملك قشتالة، وألا يعقد معه صلحاً إلاّ بموافقة حليفه، ويتعهد ملك أراغون لسلطان غرناطة بمثل ما تقدم، كما يتعهد السلطان بمعاونة حليفه بفرسان من عنده في أرض مرسية إذا احتاج إلى هذا العون، وألاّ يعترض سلطان غرناطة على ما يأخذه ملك أراغون من أراضي قشتالة، إلاّ المواضع التي كانت لغرناطة، فهذه تردّ إليها. وقد وقِّعت هذه المعاهدة في أواخر ربيع الثاني سنة (٧٠١ هـ - ٣١ ديسمبر كانون الأول - ١٣٠١ م) (١). ولم يمض على عقد هذه المعاهدة نحو ثلاثة أشهر حتى توفي السلطان محمد الفقيه في شعبان سنة (٧٠١ هـ - مايو - ١٣٠٢ م) بعد أن حكم أكثر من ثلاثين عاماً، وقد زاد ملك بني الأحمر في عهده توطداً واستقراراً، بالرغم مما توالى عليه من الأحداث والخطوب. وكان وزيره في آخر عهده الكاتب والشاعر الكبير أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم اللخمي،
стр. 612
وهو من مشايخ رندة، وكان من قبل من كتّاب ديوانه في ديوان الإنشاء، وكان رجلاً وافر العزم قوي الشكيمة، ولقب بذي الوزارتين لجمعه بين الكتابة والوزارة، وكان لحزمه وقوة نفسه أكبر أثر في استقرار الأمور في هذا العهد (١).
٢ - أبو عبد الله محمد الملقّب بالمخلوع وأحداث أيامه
وخلف محمد الفقيه ولده أبو عبد الله محمد الملقّب بالمخلوع، وكان ضريراً، ذا نباهة وعزم، عالماً شاعراً، يؤثر مجالس العلماء والشعراء، ويصغي إليهم ويجزل صِلاتهم، محباً للإصلاح والإنشاء، وكان من بين منشآته المسجد الأعظم بالحمراء، فهو الذي أمر ببنائه على أبدع طراز، وزوّده بالعُمد والنقوش والثريّات الفخمة، ولكنه لم يُحسن تدبير الملك والسياسة، وغلب عليه كاتبه وزيره ووزير أبيه من قبل أبو عبد الله محمد بن الحكيم اللّخمي، فاستبدّ بالأمر دونه وحجر عليه، فاضطربت الأمور، وأخذت عوامل الانتقاض تجتمع وتبدو في الأفق.
وفي عهده القصير، اضطربت علائق مملكة غرناطة وبني مرين مرة أخرى، والواقع أنه في بداية عهده حاول إحكام المودة بينه وبين بني مرين، فأرسل وزير أبيه أبا عزيز الداني ووزيره ابن الحكيم إلى سلطان المغرب، ليجددا عهد المودة والصداقة، فوفدا عليه وهو بمعسكره محاصراً لتلمسان، فأكرم وفادتهما وطلب إليهما إمداده ببعض جنود الأندلس الخبراء في منازلة الحصون، فأرسلت إليه قوة منهم أدّت مهمتها أحسن أداء. ولاح أن أواصر المودّة أضحت أشدّ ما تكون توثيقاً بين الفريقين، ولكن ابن الأحمر عرض له
стр. 613
فجأة أن يعدل عن محالفة سلطان المغرب، وأن يعود إلى محالفة ملك قشتالة، فغضب السلطان أبو يعقوب لذلك، وردّ جند الأندلس (٧٠٣ هـ). وبدأ ابن الأحمر أعمال العدوان، بأن أوعز إلى عمه وصهره الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل صاحب مالقة، أن يحرِّض أهل سبتة في الضفة الأخرى من البحر، على خلع طاعة السلطان، واستعد ابن الأحمر في الوقت نفسه لمحاربة السلطان إذا عنّ له أن يعبر إلى الأندلس، وجهّز الرئيس أبو سعيد حملة بحرية في مياه مالقة بحجة مدافعة النصارى، ثم سيّرها فجأة إلى سبتة، وذلك في (شوال سنة ٧٠٥ هـ - ١٣٠٦ م)، فكانت الحملة بقيادة عثمان بن أبي العلاء المريني، فاستولت على سبتة، وجاء الرئيس أبو سعيد فاستبدّ بأمرها، وأعلن انضواءها تحت لواء ابن الأحمر، وقبض على ابن العز في حاكمها من قبل السلطان وآله، وأرسل إلى غرناطة. ووقف أبو يعقوب على هذه الحوادث وهو تحت أسوار تلمسان، فوجد لذلك الغدر وجداً شديداً، فبعث حملة بقيادة ولده أبي سالم إلى سبتة، فحاصرها حيناً، ولكنه أخفق في الاستيلاء عليها، فارتد أدراجه. وخرج في أثره عثمان ابن أبي العلاء في جند الأندلس، وعاث في أحواز سبتة وما جاورها (سنة ٧٠٦ هـ).
وكان لتطور الحوادث على هذا النحو، أسوأ الأثر في نفس السلطان أبي يعقوب، فاعتزم أن يسير بنفسه إلى استرداد سبتة، ولكن حدث بينما كان يجدّ في الأهبة أن اغتاله كبير الخصيان، في مؤامرة دبّرها الخصيان للتخلّص منه خوفاً من أن يبطش بهم، فتوفي قتيلاً في ذي القعدة سنة (٧٠٦ هـ - نيسان - أبريل ١٣٠٧ م) ونشبت عقب مصرع السلطان حرب أهلية حول العرش بين ولديه أبي ثابت وأبي سالم، هُزِم فيها أبو سالم وقُتِل، واستقر أبو ثابت على العرش.
وفي ذلك الحين، كان عثمان ابن أبي العلاء المريني يتوغّل بجنده في شمالي المغرب، وكان هذا الجندي الجريء يتجه بأطماعه إلى عرش المغرب، ويعتمد في تحقيقه على أنه سليل بني مرين. ولما توغّل بجنده
стр. 614
جنوباً، دعا لنفسه بالملك، واستولى على بعض الحصون، وأيّدته بعض القبائل، وهزم عساكر السلطان أبي يعقوب حينما تصدّى لوقفه. وانتهز فرصة مصرع السلطان ونشوب الحرب الأهلية بين ولديه، فزاد إقداماً وتوغلاً، واستفحل أمره، ولاح الخطر يهدِّد ملك بني مرين.
وما كاد السلطان أبو ثابت ليستقر على عرش أبيه، حتى اعتزم أمره للقضاء على تلك الحركة الخطيرة، واسترداد سبتة، فسار إلى الشمال على رأس جيش ضخم في شهر ذي الحجة سنة (٧٠٧ هـ). ولما شعر عثمان بن أبي العلاء بوفرة قوته وأهبته، بادر بالفرار مع جنده خشية لقائه. وزحف السلطان على الحصون الخارجة عليه، فأثخن فيها واستولى عليها. ثم سار إلى طنجة، وامتنع عثمان بن أبي العلاء بقواته في سبتة، فسار إليها السلطان، وضرب عليها الحصار الصارم، وأمر ببناء بلدة تيطاوين (تطوان) لنزول عسكره، ولكنه مرض أثناء ذلك وتوفى في (صفر سنة ٧٠٨ هـ - حزيران - يوليه - ١٣٠٨ م) (١).
وخلفه على ملك المغرب أخوه السلطان سليمان أبو الربيع، وارتد بالجيش إلى فاس، تاركاً سبتة لمصيرها، فخرج في أثره عثمان بن أبي العلاء في قواته، ونشبت بين الفريقين معركة هُزِم فيها عثمان، وقُتِل من الأندلسيين عدد جمّ، فخشي عثمان العاقبة، وعاد إلى الأندلس مع آله، ولحق بغرناطة، وتابع السلطان أبو الربيع سيره إلى فاس، واستقام له الأمر.
ولم تمض على ذلك أشهر قلائل حتى وقعت بالأندلس حوادث مهمّة، ذلك أن عوامل الانتقاض التي لبثت بضعة أعوام تعمل عملها في ظلّ محمد المخلوع، تمخّضت في النهاية عن نشوب الثورة. وكان مدبِّرها ومثير ضرامها أخوه أبو الجيوش نصر بن محمد الفقيه، ومن ورائه رهط من كبار الدولة، سئموا نظام الطغيان الذي فرضه محمد المخلوع ووزيره ابن الحكيم.
стр. 615
وأضرمت الثورة في يوم عيد الفطر سنة (٧٠٨ هـ - ١٣٠٩ م) ووثب الخوارج بالوزير ابن الحكيم فقتلوه، واعتقلوا السلطان محمداً، وأرغموه على التنازل عن العرش، وتربّع أخوه نصر مكانه في الملك، ونفى السلطان المخلوع إلى حصن المنكب، حيث قضى خمسة أعوام في أصفاد الأسر، ثم أعيد بعد ذلك مريضاً إلى غرناطة، حيت توفى سنة (٧١٣ هـ) (١).
ووقف سلطان المغرب على حوادث الأندلس، وبلغه أن أهل سبتة قد سئموا نير الأندلسيين، فبعث إليها حملة بقيادة تاشفين بن يعقوب، فلما وصلت إليها ثار أهل البلد، وطردوا جند ابن الأحمر وعماله، ودخلتها في الحال قوات المغرب واستولوا عليها، وذلك في شهر صفر سنة (٧٠٩ هـ)، واغتبط السلطان بانتهاء هذه المغامرة التي شغلت بني مرين بضعة أعوام.
٣ - نصر بن محمد الفقيه وحوادث أيامه
كان سلطان غرناطة الجديد نصر بن محمد الفقيه يوم جلوسه فتىً في الثالثة والعشرين من عمره، وكان ولوعاً بالأبّهة والمظاهر الملوكية، وكان أديباً عالماً بارعاً في الرياضة والفلك، وقد وضع جداول فلكية قيِّمة، ولكنّه لم يُحسن السيرة، ولم يوفَّق في تدبير الأمور. وسرعان ما سخط عليه الشعب كما سخط على أخيه من قبل، فاضطربت الأحوال، وتوالت الأزمات، وكانت حوادث سبتة نذيراً بتفاقم التوتر بين بلاطي غرناطة وفاس. ومن جهة أخرى، فقد ساءت العلاقة بين غرناطة وقشتالة، وانتهز القشتاليون - كعادتهم - فرصة اضطراب الأحوال في غرناطة، فغزَوْا أرض المسلمين في أوائل سنة (٧٠٩ هـ)، ووضع فرديناند الرابع ملك قشتالة مشروعاً جريئاً للاستيلاء على جبل طارق. وكانت الإمدادات المغربية قد انقطعت منذ استولى النصارى على طريف، وشُغِل بنو مرين بالحوادث والثورات
стр. 616
الداخلية، وساءت علائقهم ببني الأحمر. ورأى فرديناند الرابع أن الفرصة سانحة ليضرب ضربته المفاجئة، فغزا الجزيرة الخضراء، وبعث أسطوله لحصار جبل طارق من البحر، وأوعز في نفس الوقت إلى خايمي ملك أراغون أن يحاصر ألمرية لكي يشغل الأندلس، فاستجاب لتحريضه، وذلك بالرغم من معاهدة التحالف والصداقة التي كانت تربطه بسلطان غرناطة. وبدأ حصار ألمرية وجبل طارق في وقت واحد في أوائل سنة (٧٠٩ هـ)، وبذل النصارى للاستيلاء على ألمرية جهوداً جبارة، ونصبوا على أسوارها الآلات الضخمة، وحفروا في أسفل السور نفقاً واسعاً لدخولها، فلقيهم المسلمون تحت الأرض وردّوهم بخسارة فادحة. ونشبت بالقرب من ألمرية معركة بين جند الأندلس بقيادة عثمان بن أبي العلاء وجند أراغون، فهُزِم النصارى، واضطروا على رفع الحصار، ونجت ألمرية من خطر السقوط (١). ولكن ثغر جبل طارق كان أسوأ حظّاً، فقد شدّد النصارى حوله الحصار من البر والبحر، وبالرغم من هزيمتهم أمام المسلمين على مقربة من جبل طارق، فقد لبثوا على حصاره بضعة أشهر، حتى أضنى الحصار المسلمين وأرغموا على التسليم وسقط الثغر المنيع بيد النصارى في أواخر سنة (٧٠٩ هـ - مارس سنة ١٣١٠ م) فكان لسقوطه وقع عميق في الأندلس والمغرب معاً، فقد كان باب الأندلس من الجنوب، وكان صلة الوصل بين المملكتين الإسلاميتين.
وأدرك ابن الأحمر، على أثر هذه النكبة، فداحة الخطأ الذي ارتكبه بمجافاة بني مرين، فبادر بإرسال رسله إلى السلطان أبي الربيع، يبدي أسفه على ما سلف، ويسأله الصفح والصلح، فأجابه السلطان إلى طلبه. ونزل ابن الأحمر للسلطان عن الجزيرة ورندة وحصونها ترضية له وترغيباً في الجهاد، واقترن بأخت السلطان توثيقاً لوشائج المودّة، فارسل إليه السلطان المدد
стр. 617
والأموال. وعادت علائق التفاهم والتحالف بين غرناطة وفاس إلى سابق عهدها.
على أن هذا التحسّن في علائق المملكتين الإسلاميتين، لم تثن النصارى عن مشاريعهم تجاه غرناطة، ذلك أن الجيوش المغربية لم تعد تعبر إلى الجزيرة بكثرة، وكانت أحوال المغرب تحول بين بني مرين وبين استئناف الجهاد في الأندلس على نطاق واسع، وكانت أحوال غرناطة من جهة أخرى تشجع النصارى إلى التحرّش بها والإغارة على أراضيها. ولما رأى السلطان نصر تفاقم الأمور واشتداد بأس النصارى، لم ير وسيلة لاجتناب الخطر الذي يهدده سوى مصانعة فرديناند الرابع ملك قشتالة والتعهد له بأداء الجزية. وكان ذلك مما زاد في سوء سيرته وفي سخط الشعب عليه. ولم تلبث أعراض الثورة أن ظهرت في الجنوب، حيث أعلن الرئيس أبو سعيد فرج بن إسماعيل النصري صاحب مالقة وابن عم السلطان، الخروج والعصيان. ورشح الخوارج للملك مكان نصر، أبا الوليد إسماعيل، وهو حفيد لإسماعيل أخي محمد بن الأحمر رأس الأسرة النصرية. ولم يمض سوى قليل، حتى استطاع أبو سعيد وشيعته التغلب على ألمرية وبلّش وغيرهما من القواعد الجنوبية. وفي أوائل سنة (٧١٢ هـ - ١٣١٣ م) سار في قواته إلى غرناطة، وهرع السلطان نصر إلى لقائه، فكانت الهزيمة على نصر، فلجأ إلى غرناطة، ولكنه لم يلبث أن أذعن واضطر إلى التنازل عن العرش، وسار بأهله إلى وادي آش، وتولى حكمها حتى توفي سنة (٧٢٢ هـ - ١٣٢٢ م) (١).
стр. 618
مملكة غرناطة في النصف الأول من القرن الثامن الهجري
وذروة الصراع بين بني مرين وإسبانيا النصرانية
١ - أبو الوليد إسماعيل وحوادث أيامه
جلس السلطان أبو الوليد إسماعيل على عرش غرناطة في شوال سنة (٧١٣ هـ - ١٣١٤ م)، وامتاز عهده بتوطيد الملك، واستقرار الأمور، وإحياء عهد الجهاد. وفي أوائل عهده غزا القشتاليون كعادتهم بسائط غرناطة، واستولَوْا على عدد من القواعد والحصون، وهزموا المسلمين هزيمة شديدة في وادي فرتونة (٧١٦ هـ). ولما رأى القشتاليون نجاح غزوتهم، اعتزموا منازلة الجزيرة الخضراء والاستيلاء عليها، ليحولوا دون وصول الإمداد إلى المسلمين من عُدوة المغرب. ولكن السلطان إسماعيل بادر إلى تحصينها وجهز الأساطيل لحمايتها من البحر، فعدل القشتاليون عن مشروعهم، وعوَّلوا على مهاجمة الحاضرة الإسلامية ذاتها. وبادر ابن الأحمر بطلب الغوث والإمداد من السلطان أبي سعيد سلطان المغرب، فنكل عن معاونته، وطالب بتسليم عثمان بن أبي العلاء لما كان منه في حقّ بني مرين، فأبى ابن الأحمر خشية العواقب. وزحف القشتاليون على غرناطة بجيش ضخم يقوده الدون بِيدرو (دون بطره) والدون خوان الوصيان على الفونسو الحادي عشر ملك قشتالة، ومعهما عدّة من الأمراء القشتاليين، وفرقة من المتطوِّعة الإنكليز بقيادة أمير إنكليزي، فبادر المسلمون إلى لقائهم في هضبة إلبيرة على مقربة من غرناطة. وكان الجيش الغرناطي لا يتجاوز ستة أو سبعة آلاف جندي، منهم نحو ألف وخمسمائة فارس، ولكنّهم صفوة المقاتلة المسلمين، وكان قائده شيخ الغزاة أبو سعيد عثمان بن أبي العلاء، جندياً جريئاً وافر العزم والبسالة، فلم ترعه كثرة الجيش المهاجم، وعوّل في الحال
стр. 619
على لقائه في معركة حاسمة. وفي ٢٠ من ربيع الثاني سنة (٧١٨ هـ - مايس - مايو - ١٣١٨ م) التقى فرسان الأندلس بطلائع النصارى، وردّوهم بخسارة فادحة. ثم زحف أبو سعيد في نخبة من جنده، ونشبت بين الفريقين معركة شرسة، كانت الدائرة فيها على القشتاليين، فمزّقوا شرّ ممزق، وقتل منهم عدد جمّ بينهم دون بيدرو (دون بطرة) ودون خوان ورهط كبير من الأمراء والنبلاء والأحبار، وغرق منهم عند الفرار في نهر شنيل عدد كبير من الجيش النصراني وأسر منهم بضعة آلاف، واستمر القتل والأسر فيهم ثلاثة أيام. وخرج أهل غرناطة فرحين مستبشرين، يجمعون الأسلاب والأسرى، وظفر المسلمون بغنائم عظيمة، منها مقادير كبيرة من الذهب والفضّة. وكان على العموم نصراً مشهوداً أعاد ذكرى الجهاد المجيد. وكان معظم الفضل في إحرازه إلى الجند المغاربة وإلى شيوخهم بني العلاء الذين تزعموا الجيوش الأندلسية، وتولّوا قيادتها في تلك الأيام كما ذكرنا. ويعلّل ابن خلدون ظهور القادة والجند المغاربة في ميدان الجهاد بقرب عهدهم بالتقشف والبداوة. ووضع المسلمون جثّة الدون بيدور في تابوت من ذهب على سور الحمراء تنويهاً بالنصر وتخليداً لذكرى هذه المعركة (١).
والواقع أن مملكة قشتالة كانت في أوائل القرن الرابع عشر في حالة سيئة، فقد نفدت مواردها من الرجال والأموال بسبب الحروب والثورات المتواصلة، والمرض والقحط، وكان إسراف البلاط، وبذخ الخلائل، واختلاس الموظفين، ومطالب رجال الدين، وجشع الأشراف، تستنفد الأموال العامة، وكانت الإدارة المالية بيد يهود ورجال الكنيسة، وكلاهما يناوئ الآخر، ويعمل على إحباط مساعيه، وكانت الوصايا المتعاقبة، وما تعمد إليه من اغتصاب الأموال، وسوء استعمال السلطة، وفساد القضاء، وتطاول الخلائل الملكية، وسحق الحقوق العامة والخاصة، وتفشي
стр. 620
الجريمة، تثير غضب الشعب وسخطه، وكان اللّون الصليبي للحروب الإسبانية في ذلك العصر، يوطِّد نفوذ جماعة من الفرسان الدينية العديدة، وهي التي كانت في الواقع توجِّه مصائر الحرب والسياسة، بيد أنها كانت تخفي تحت ستار الدين رذائل كثيرة من الفجور والجشع والارتشاء وغيرها (١).
وفي سنة (٧٢١ هـ - ١٣٢١ م) جدّد السلطان إسماعيل معاهدة الصلح مع ملك أراغون خايمي الثاني وذلك تحقيقاً لرغبته، ونصّ في هذه المعاهدة الجديدة على: أن يعقد بين الفريقين صلح ثابت لمدة خمسة أعوام تؤمن خلالها أرض المسلمين بالأندلس وأرض أراغون تأميناً تاماً براً وبحراً، وأن تباح التجارة لرعايا كل من الطرفين في أرض الآخر، وأن يتعهد كل من الملكين بمعاداة من يعادي الآخر، وألاّ يأوي له عدوّاً أو يحميه، وأن تكون سفن كل فريق وشواطئه ومراسيه آمنة، وأن يسرِّح كل فريق من يُؤْسَر في البحر من رعايا الفريق الآخر، وتضمنت المعاهدة نصاً خاصاً بتعهد ملك أراغون بألاّ يمنع خروج المدجنين من أراضيه إلى أرض المسلمين بأهلهم وأولادهم وأموالهم، وهو نص يلفت النظر، إذ كان المدجنون في هذا العصر يؤلِّفون أقليات كبيرة في بلنسية ومرسية وشاطبة وغيرها من القواعد الشرقية، وكان ملوك أراغون يحرصون على بقائهم وعدم هجرتهم لأسباب اقتصادية وغيرها (٢).
وعلى أثر معركة إلبيرة، تعاقبت غزوات المسلمين في أرض النصارى، وعادت الدولة الإسلامية الفتية تجوز عهداً من القوة بعد أن لاح أنها شارفت طور الفناء.
ففي سنة (٧٢٤ هـ - ١٣٢٤ م) زحف السلطان إسماعيل على مدينة بيّاسة
стр. 621
الحصينة وحاصرها بشدّة، وأطلق المسلمون عليها الحديد والنار من آلات قاذفة تشبه المدافع حتى سلّمت. وفي رجب من العام التالي (٧٢٥ هـ) سار إسماعيل إلى مرتش واستولى عليها عَنْوَة، وكانت أعظم غزواته، وامتلأت أيدي المسلمين بالسّبي والغنائم، ثم عاد السلطان إلى غرناطة مكلّلاً بغار النصر. بيد أنه لم تمض على عودته ثلاثة أيام، حتى قتل بباب قصره غيلة، وكان قاتله ابن عمه محمد بن إسماعيل صاحب الجزيرة، وقد حقد عليه لأنه انتزع منه جارية رائعة الحسن ظفر بها في معركة مرتش وبعث بها إلى حريمه بالقصر. ولما عاتبه محمد ردّه بجفاء، وأنذره بمغادرة البلاط، فتربص به وطعنه بخنجره وهو بين وزرائه وحشمه، فحمل جريحاً حيث توفى على الأثر، وكان مصرعه في السادس والعشرين من رجب سنة (٧٢٥ هـ) - (تموز - يونيه ١٣٢٥ م).
وكان السلطان إسماعيل يتمتّع بخلال باهرة، وكان يشتد في إخماد البدع وإقامة الحدود، وفي عهده حرِّمت المسكرات وطورد الفساد الأخلاقي، وحرم جلوس الفتيات في ولائم الرجال، وعومل يهود بشىء من الشدّة، وأُلزِموا أن يتخذوا لهم شعاراً بهم، هو عبارة عن العمائم الصفراء (١).
وكان من أوائل أعماله، تجديد معاهدة الصداقة مع أراغون، وكان ملكها خايمي الثاني قد أوفد إليه سفيره يطلب إليه تجديد معاهدة الصلح والصداقة، ففعل كما ذكرنا.
٢ - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وحوادث أيامه
وخلفه ولده أبو عبد الله محمد، وهو فتى يافع لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، وكانت أمه نصرانية تدعى علوة، وأخذ له البيعة وزير أبيه أبو الحسن
стр. 622
بن مسعود، وقام بكفالته بضعة أشهر حتى توفي، ثم خلفه في الوزارة وكيل أبيه محمد بن أحمد بن المحروق، فاستبدّ بالأمور واستأثر بكل سلطة، فحقد عليه السلطان الفتى، وكان رغم حداثته مقداماً قوي النفس، ولم يلبث أن بطش بوزيره المتغلِّب عليه، فقتل بأمره سنة (٧٢٩ هـ).
وكان من أوائل أعماله، تجديد معاهدة الصداقة مع أراغون، وكان ملكها خايمي الثاني قد أوفد إليه سفيره يطلب إليه تجديد معاهدة الصلح والصداقة التي عقدت بينه وبين أبيه وانقضى أجلها المحدّد بانقضاء أعوامها الخمسة، فوافق السلطان على تجديدها بسائر نصوصها وشروطها، ووقّعت المعاهدة الجديدة في جمادى الثانية سنة (٧٢٦ هـ - مايس - مايو - ١٣٢٦ م) (١).
ولأول عهده نشب الخلاف بينه وبين شيوخ الغزاة المغاربة وعلى رأسهم عثمان بن أبي العلاء، وامتنعوا ببعض الثغور الجنوبية ولا سيما ألمرية، وانضم إليهم عمّ السلطان محمد بن فرج بن إسماعيل، فقاموا بدعوته، ونشبت بين الفريقين عدّة معارك محلية كان النصر بينهما سجالاً فيها، وانتهز القشتاليون - كعادتهم - تلك الفرصة، فأثخنوا في الأراضي الإسلامية واستولوا على ثغر بيره وعدد من الحصون (٢). ولما تفاقم عبث النصارى آثر السلطان التفاهم مع الخوارج عليه، وعقدت بينهما الهدنة على أن يستقروا بوادي آش باسمه وتحت طاعته. وتولى تدبير الأمور بعد مقتل ابن المحروق، الحاجب أبو نعيم رضوان النصري، فهدأت الفتنة واستقرّت الأمور نوعاً ما، ولكن ابن الأحمر كان يتوجّس شراً من اضطراب الأحوال في مملكته، ومن تربص النصارى بها، ورأى أن يتّجه بصريخه إلى بني مرين مرة أخرى، وكانت العلائق يومئذ على صفائها بين غرناطة وفاس، وكان بنو مرين حينما شغلوا بشئونهم الداخلية قد تركوا الجزيرة وحصونها لابن الأحمر (سنة
стр. 623
٧١٢ هـ)، فلما اشتدّت وطأة النصارى على غرناطة، عاد ابن الأحمر، فنزل عن الجزيرة إلى ملك المغرب السلطان أبي سعيد (سنة ٧٢٩ هـ) لتكون رهينة ومنزلاً للأمداد المرجوّة من وراء البحر، ولكن النصارى استولوا على معظم حصونها وأضحى طريق الجواز ولا سيما بعد ضياع جبل طارق عسيراً محفوفاً بالمخاطر. وعبر ابن الأحمر في أواخر سنة (٧٣٢ هـ) إلى عدوة المغرب، وقصد إلى فاس مستنجداً بملك المغرب السلطان أبي الحسن علي بن عثمان ابن أبي يعقوب المريني، فاستقبله السلطان بمنتهى الحفاوة، وشرح له ابن الأحمر ما انتهت إليه شئون الأندلس، وما ترتّب على سقوط جبل طارق من قطع صلة الوصل بين المملكتين، ورجاه الغوث والعون.
والواقع أن استيلاء النصارى على جبل طارق في سنة (٧٠٩ هـ - ١٣١٠ م) كان أعظم نكبة منيت بها الأندلس منذ سقوط قواعدها الكبرى. وقد شعرت مملكة غرناطة بفداحة النكبة، وازداد منذ وقوعها توجّسها من المستقبل. وكان المسلمون قد جدّدوا تحصيناتها في منتصف القرن السادس الهجري، حينما عبر إليها خليفة الموحِّدين عبد المؤمن بن علي، وأسماها جبل الفتح، وأمر بتجديد حصنها الذي ما يزال قائماً حتى اليوم فوق الصخرة من ناحيتها الشمالية. وكان سلطان غرناطة يتوق إلى استرداد هذا المعقل درع مملكته من الجنوب، وكان فوق اضطرامه بعاطفة الجهاد، يرى خطر إسبانيا النصرانية يلوح داهماً ليس على الأندلس فقط، بل وعلى المغرب أيضاً. ذلك لأن الأندلس أخذت تبدو من ذلك الحين جناح المغرب وخطّه الدفاعي الأول من الشمال، ولابد من تأمين هذا الخط والسّهر على سلامته، وذلك بدعم قوة الأندلس وتأييدها، وردّ خطر النصارى عنها. ومن ثم فقد استجاب أبو الحسن لدعوة ابن الأحمر، وبعث معه الإمداد بقيادة ولده أبي مالك، لمنازلة جبل طارق وافتتاحها، وتلاقت على أثرها السفن تحمل المدد والعدد والمؤن، وحشد ابن الأحمر قواته، وزحف على الجزيرة واستولى عليها. وطوّق المسلمون جبل طارق من البر والبحر، ورابط أسطول المغرب في
стр. 624
بحر الزقاق ليحول دون وصول الإمداد إلى النصارى، وهرع ملك قشتالة الفونسو الحادي عشر في قوة من الفرسان، لإنجاد الحامية المحصورة، فبادر ابن الأحمر إلى مهاجمة النصارى، وهزمهم أمام جبل طارق تجاه البرزخ الإسباني. وكان أكبر الفضل في إحراز هذا النصر راجعاً إلى همّة الحاجب رضوان النصري وإقدامه وبراعته. ثم شدّد المسلمون الحصار على الثغر، فقطعوا كل صلاته من البر والبحر، فلم تمض بضعة أسابيع حتى ساءت حالة الحامية النصرانية، واضطرت على التسليم قبل مقدم الجيش القشتالي. وبذلك استعاد المسلمون الثغر المنيع في أواخر سنة (٧٣٣ هـ - ١٣٣٣ م) بعد أن لبث في حوزة النصارى أربعة وعشرين عاماً، وكان أكبر الفضل في استرداده راجعاً إلى معاونة السلطان أبي الحسن في البر والبحر. ولما رابط المسلمون والنصارى في الميدان وجهاً لوجه، ورأى ملك قشتالة أنه لا أمل في كسب معركة انتهت بظفر المسلمين، آثر الصلح، وانتهى الأمر بعقد الهدنة بين الملكين (١). واعتزم السلطان محمد بن إسماعيل بن الأحمر العودة بجنده إلى غرناطة، ولكنه ما كاد يغادر جبل طارق في اليوم التالي عائداً إلى عاصمة ملكه، حتى اغتاله في الطريق جماعة من المتآمرين بتحريض بني أبي العلاء (ذو الحجة سنة ٧٣٣ هـ). وكان أولئك القادة المغاربة وعلى رأسهم شيخهم عثمان بن أبي العلاء قد استفحل أمرهم في الدولة، وأخذوا ينازعون السلطان في أمر تصرفاته، وبدأ ابن الأحمر يتبرم بتدخلهم واستبدادهم، وكان حينما عبر السلطان أبو الحسن قد خاطبه في شأنهم وسبيل الخلاص منهم. واستراب بنو أبي العلاء منه، وتوجّسوا شرّاً، فأتمروا للتخلّص منه قبل أن يبطش بهم، ولحق به المتآمرون حين عوده، واغتالوه طعناً بالرماح، وتركت جثته في العراء حيناً، حتى نقلت بعد ذلك إلى مالقة ودفنت بها (٢).
стр. 625
٣ - أبو الحجّاج يوسف بن أبي الوليد وأحداث أيامه
وولي العرش بعده أخوه أبو الحجّاج يوسف بن أبي الوليد، وهو فتى في السادسة عشر من عمره، وكان من أعظم ملوك بني نصر وأبعدهم همّة. وأرفعهم خلالاً. وكان عالماً شاعراً يحمي الآداب والفنون، وهو الذي أضاف إلى قصر الحمراء أعظم منشآته وأروعها. وما كاد يتبوّأ العرش، حتى عُنِي بتتبّع بني أبي العلاء قتلة أخيه، وتجريدهم من وظائفهم، وتمزيق عصبتهم، والقبض على شيوخهم، وكان ذلك في الوقت نفسه تحقيقاً لرغبة السلطان أبي الحسن. ثم نفاهم في السفن إلى تونس، وانتهت بذلك رياستهم بالأندلس، بعد أن طالت زهاء نصف قرن. ولما نزلوا على سلطان تونس أبي يحيى، طالب السلطان أبو الحسن بتسليمهم، فأرسلهم إليه أبو يحيى ولكن مع طلب الشفاعة فيهم، فعفا عنهم أبو الحسن، وأكرم مثواهم مدى حين، ولكنه عاد وقبض عليهم بتهمة التآمر عليه، وأودعهم السجن (١).
وقام بتدبير الأمور للسلطان أبي الحجّاج وزير أخيه الحاجب أبو النّعيم رضوان، وكان هو الوزير القوي الذي لعب في تاريخ غرناطة دوراً مهماً، من أصل نصراني قشتالي أو قطلوني، وسبي طفلاً في بعض المواقع، فأخذ إلى الدار السلطانية، ونشأ في بلاط السلطان أبي الوليد إسماعيل (٢). وظهرت نجابته وصفاته الممتازة، فعهد إليه بتربية ولده أبي عبد الله محمد. ولما تولَّى محمد الملك بعد أبيه، تولى وزارته الحاجب رضوان، فأظهر في تدبير الشئون كفاية متميزة، وقاد بعض الغزوات الناجحة إلى أرض النصارى، فغزا في سنة (٧٣٢ هـ) أراضي قشتالة شرقاً حتى لورقة ومرسية وعاث فيها. وفي العام التالي غزا مدينة باغة واستولى عليها (٣)، ولما تولى الملك السلطان
стр. 626
يوسف، وقع الإجماع على اختياره للوزارة، واستقرّت الأمور في عهده وساد الأمن والرخاء. وينوِّه ابن الخطيب - وهو معاصر للحاجب وصديقه - بصفاته ومواهبه ويسميه: (حسنة الدولة النصرية وفخر مواليها). وكان من أعظم مآثره إنشاء مدرسة غرناطة الشهيرة، فأقام لها صرحاً فخماً، ووقف عليها أوقافاً جليلة، وغدت غير بعيد من أعظم مناهل العلم في الأندلس والمغرب. وأمر ببناء السور الأعظم حول ربض البيازين، وأنشأ عدداً كبيراً من الأبراج الدفاعية، وأصلح كثيراً من الحصون الداخلية، ولكنه كسائر المتغلبين على السلطان، استبدّ بالأمر، واستأثر بكل سلطة. فلما شعر السلطان يوسف باشتداد وطأته، وكثرت السعايات في حقّه، نكبه وأمر باعتقاله ونفيه إلى ألمرية، وذلك في رجب سنة (٧٤٠ هـ). ولكنه اضطر إلى أن يعيده إلى الوزارة بعد ذلك ببضعة أشهر، حينما شعر بالفراغ الذي أحدثه تنحيه عن تدبير الشئون، فاستمر في منصبه حتى نهاية عهده (١).
وكان من بين وزراء السلطان يوسف، الكاتب والشاعر الكبير الرئيس أبو الحسن علي بن الجياب، وقد تقلّب في ديوان الإنشاء حتى ظفر برئاسته. وكان من زملائه وأعوانه في ديوان الإنشاء عبد الله بن الخطيب والد لسان الدين. ولما توفى عبد الله خلفه في خدمة القصر ولده لسان الدين، وغدا أميناً لابن الجياب، فلما توفي ابن الجياب سنة (٧٤٩ هـ) في الوباء الكبير، خلفه في الوزارة، وبزغ نجم مجده من ذلك الحين.
وفي عهد السلطان يوسف، كثرت غزوات النصارى لأراضي المسلمين، وكان الفونسو الحادي عشر تحدوه نحو المملكة الإسلامية أطماع عظيمة. ولما شعر يوسف باشتداد وطأة القشتاليين، وضعف وسائله في الدفاع، أرسل يستنجد بالسلطان أبي الحسن على بن عثمان ملك المغرب، فأرسل الإمداد للمرة الثانية إلى الأندلس مع ولده الأمير أبي مالك، فاخترق سهول
стр. 627
الجزيرة الخضراء معلناً الجهاد. وتوجّست إسبانيا النصرانية من مقدم الجيوش المغربية شراً، واعتزمت أن تواجه الغزاة في قواها المتحدة، فسار أسطول مشترك من سفن قشتالة وأراغون والبرتغال إلى مياه جبل طارق بقيادة الدون جوفري تنوريو، ليمنع الإمداد عن جيوش المغرب، وبارك البابا الحملة، وسارت قوى إسبانيا المتحدة للقاء المسلمين. واجتاح أبو مالك سهل بجانة (١)، وحصل على غنائم لا تحصى في زحفه على أرض النصارى، وهنا فاجأه الإسبان قبل أن يستطيع الانسحاب إلى أراضي المسلمين، فنشبت بين الطرفين معركة دموية هزم فيها المسلمون هزيمة شديدة، وقتل أبو مالك، وكان ذلك في أواسط سنة (٧٤٠ هـ - ١٣٣٩ م).
وعندئذ عوّل السلطان أبو الحسن على العبور بنفسه إلى الأندلس، ليثأر لتلك الهزيمة المؤلمة، فجهز الجيوش والأساطيل الضخمة، وبلغ أسطول المغرب مائة وأربعين سفينة، منها عدد كبير من السفن الحربية. وجاز السلطان البحر إلى الأندلس في أوائل المحرم سنة (٧٤١ هـ - ١٣٤٠ م) ونزل بسهل طريف، ولحق به السلطان يوسف في قوات الأندلس، وكانت القوات الإسبانية قد نفذت يومئذٍ إلى أعماق مملكة غرناطة، ووصلت إلى بسائط الجزيرة الخضراء. ورابط الأسطول النصراني في بحر الزقاق بين المغرب والأندلس، ليمنع توارد الإمداد والمؤن، وضرب النصارى الحصار حول ثغر طريف، وتغلبوا على حاميته. ومضت أشهر قبل أن يقع اللقاء الحاسم بين الفريقين، فشحّت الأقوات بين المسلمين، ووهنت قواهم. وكان الجيش الإسلامي يرابط يومئذ في السهل الواقع شمال غربي طريف على مقربة من نهر (سالادو) الصغير الذي يصب في المحيط الأطلسي عند بلدة كونيل التي تبعد قليلاً عن رأس طرف الغار. وفي يوم (٣٠ تشرين الأول - أكتوبر ١٣٤٠ م) - (جمادى الأولى سنة ٧٤١ هـ) نشبت بين الفريقين معركة عامة على ضفاف نهر سالادو، وتولى السلطان أبو الحسن قيادة جيشه بنفسه، وتولى السلطان
стр. 628
يوسف قيادة فرسان الأندلس، ويقال: إن الأندلسيين كانت لديهم في تلك المعركة آلات تشبه المدافع، وهي الآلات التي تطوّرت فيما بعد، وكانت تسمى: (الأنفاط). وتقدم الفونسو الحادي عشر بجيشه لمهاجمة المغاربة، فصُدَّ في البداية بقوة، واشتبك فرسان الأندلس مع جيش البرتغال، ولكن حدث عندئذٍ أن تسلَّلت حامية طريف النصرانية من الجنوب، وانقضَّت على الجيش الإسلامي، فدبّ الخلل إلى صفوفه، ونشبت بين الفريقين معركة هائلة سالت فيها الدماء غزيرة، وقتل من المسلمين عدد جمّ، وسقط معسكر سلطان المغرب الخاص في يد النصارى وفيه حريمه وحشمه وبعض أولاده، فذبحوا جميعاً على الأثر بوحشية مروِّعة، وانتشرت قوات المسلمين وبدّدت، وفرّ السلطان أبو الحسن، واستطاع أن يعبر إلى المغرب مع فلوله، وارتد السلطان يوسف إلى غرناطة. وكانت محنة عظيمة لم يشهد المسلمون مثلها منذ موقعة (العقاب)، وكان لها أعمق وقع في المغرب والأندلس (١).
وانتهز ملك قشتالة فرصة ظفره وضعف المسلمين، فغزا قلعة بني سعيد وقلعة يحصب من أحواز غرناطة، واستولى عليها بعد حصار قصير (٧٤٢ هـ). وكان ملك المغرب في أثناء ذلك يضطرم ظمأً للانتقام، ويحشد قواته من جديد. ولما كملت أهبته أرسل أساطيله إلى بحر الزقاق، وسار بالجيش إلى سبتة، وبادر ملك قشتالة من جانبه بإرسال أسطوله للقاء المسلمين. ونشبت بين الطرفين معركة بحرية هُزِم فيها المسلمون، ومُزّق أسطولهم (٧٤٣ هـ - ١٣٤٢ م). وحاصر النصارى ثغر الجزيرة الخضراء، وسار السلطان يوسف في جيشه لإنجاد الثغر المحصور، وكان جيشه مجهزاً بالآلات القاذفة الجديدة التي تشبه المدافع، ولكنه لم يفلح واضطر المسلمون إلى التسليم، وبذلك أضحى الثغران الجنوبيان المشرفان على مضيق جبل طارق وهما الجزيرة وطريف في أيدي النصارى، ولم يبق في يد المسلمين
стр. 629
سوى جبل طارق تؤدي مهمة الوصل بين المغرب والأندلس.
ولم يخل عصر السلطان أبي الحجّاج يوسف من عقد العلائق السياسية مع الدول النصرانية، وكان عقدها بالأخص مع مملكة أراغون التي كانت أقرب إلى مملكة غرناطة من زميلتها مملكة قشتالة. ففي سنة (٧٣٥ هـ - ١٣٣٥ م) أرسل السلطان سفيره القائد أبا الحسن بن كماشة إلى الفونسو الرابع ملك أراغون ليطلب تجديد معاهدة الصلح المعقودة بين المملكتين، فأجابه إلى ذلك، وجدّدت المعاهدة.
وفي أواخر سنة (٧٤٥ هـ - ١٣٤٥ م) عقد السلطان يوسف مع بيدرو الرابع ملك أراغون، معاهدة صلح ومهادنة جديدة، في البر والبحر، لمدة عشرة أعوام على يد سفيره القائد المذكور. وطلب إلى السلطان أبي الحسن المريني ملك المغرب أن يوافق على هذا الصلح، فوافق عليه، وأبرمه من جانبه بنفس الشروط ولنفس المدة التي يسري فيها، وذلك حسبما يدل عليه عهد الموافقة الذي أصدره بتاريخ صفر سنة (٧٤٦ هـ - حزيران - يونيو ١٣٤٥ م) (١).
وهنا طافت بالأندلس وإسبانيا تلك النكبة المروِّعة التي عصفت بالمشرق والمغرب، ونعني بذلك الوباء الكبير الذي اجتاح سائر الأمم الإسلامية وحوض البحر الأبيض المتوسط في سنة (٧٤٩ هـ - ٧٥٠ هـ - ١٣٤٨ م) وكان بعد ظهوره على ما يرجّح في إيطاليا في ربيع هذا العام. وحمل من الأندلس كثيراً من سكانها، وفي مقدمتهم عدة من رجالها البارزين من الكبراء والعلماء. وقد وصف لنا ابن الخطيب تلك المحنة التي كان معاصراً لها وشاهد عيان لروعها وفتكها في رسالة عنوانها: (مقنعة السائل عن المرض الهائل)، وكذلك وصف لنا عصف الوباء بثغر ألمرية شاعر ألمرية الكبير ابن خاتمة في رسالة عنوانها: "تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد" (٢).
стр. 630
ولبث ملك قشتالة أعواماً أخرى على خطته في إرهاق المملكة الإسلامية والعبث فيها، والمسلمون يدافعون جهد استطاعتهم، وأمراء المغرب مشغولون عن نجدتهم بما أصابهم من هزائم متوالية، وما شجر بينهم من خلاف. وفي سنة (٧٥٠ هـ - ١٣٤٩ م) غزا النصارى سهول الجزيرة الخضراء مرة أخرى، وكان ملك قشتالة يرمي بهذه الغزوة إلى غاية هامة هي الاستيلاء على جبل طارق. وكان هذا الثغر ما يزال منذ عصور أمنع ثغور المسلمين وأشدّها مراساً. فلما رأى النصارى استحالة أخذه عنوة، ضربوا حوله الحصار الصارم، وكانت تدافع عنه حامية مغربية قويّة، ورابط ملك غرناطة بجيشه في مؤخرة النصارى، واستمر حصار جبل طارق زهاء عام كامل، والمسلمون ثابتون كالصخرة التي يدافعون عنها، وقد عيل صبر الغزاة ودبّ الوهن إلى نفوسهم. ثم فشا الوباء في الجيش النصراني، وهلك ملك قشتالة في مقدمة مَنْ هلك من جنده، فكان ذلك نذيراً بخلاص الثغر المنيع والمدافعين عنه، واضطر النصارى إلى رفع الحصار (٧٥١ هـ - ١٣٥٠ م). وأُنقذ المسلمون بذلك من كارثة فادحة، وأبدى المسلمون بهذه المناسبة ضروباً مؤثرة من تسامح الفروسية، فتركوا موكب الملك المتوفَّى يخترق طريقه إلى إشبيلية دون تعرض، وارتدى كثير من أكابرهم شارة الحداد مجاملة وتكريماً، وخلف الفونسو على العرش في الحال ولده بيدرو (بطره) الملقب بالقاسي (١).
واستمر أبو الحجاج يوسف في الحكم بضعة أعوام أخرى، ساد فيها السلام والأمن، ولكنه ما لبث أن قُتل غيلة أثناء صلاته في المسجد الأعظم في يوم عيد الفطر سنة (٧٥٥ هـ - تشرين الأول - أكتوبر - ١٣٥٤ م) قتله مخبول لم يفصح عن بواعثه وأغراضه، فمزّق وأحرق بالنار على
стр. 631
الأثر (١).
وكان مقتله وهو في السابعة والثلاثين في عنفوان فتوته ومجده، ودفن السلطان الشهيد في مقبرة الحمراء إلى جانب آبائه مبكياً عليه من شعبه بدموع غزيرة. وكان السلطان يوسف أعظم ملوك غرناطة همة وعزماً، وأبدعهم خلالاً، وكان فوق فروسته ونجدته عالماً أديباً، شغوفاً بالعمارة وإقامة الصروح الباذخة، وهو الذي شيد البرج الأعظم بقصر الحمراء، وأنشأ به أفخم أجنحته وأبدعها، وهو الذي أسبغ على هذا الصرح العظيم بمنشآته وزخارفه، بهاءه وروعته التي مازال يحتفظ بلمحة منها. وفي عصره زهت العلوم والآداب، وذاعت شهرة العلماء المسلمين، ولاسيما في الفلك والكيمياء.
وهكذا لبث بلاط غرناطة حقبة يقف من دولة بني مرين مواقف متناقضة، ويتردد بين سياسة التحالف والقطيعة، وبين الثقة والتوجّس، وليس من شك في أن بني مرين كانوا عضداً قيِّماً لمملكة غرناطة الناشئة، وقد أدّوا لها في مقاتلة النصارى خدمات جليلة، وبذلوا في ذلك السبيل تضحيات جمّة، وأعادوا بانتصارهم على النصارى في غير موقعة حاسمة، ذكريات الزلاقة والأرك، ولولا غوث بني مرين، واشتغال مملكة قشتالة بحوادثها الداخلية غير مرة، لما اشتد ساعد بني الأحمر وسطعت دولتهم خلال هذه المدة المليئة بالحوادث الجسام، واستطالت أيام الإسلام بالأندلس زهاء مائة عام أخرى. وقد كان من سوء الطالع ألاّ يدرك بلاط غرناطة خطر الخلاف مع الحليف الطبيعي الذي رتبه القدر فيما وراء البحر، لإنجاد الأندلس عند الخطر الداهم، وأن يجنح من آن لآخر إلى مخاصمة هذا الحليف ومحاربته، كما استولى ابن الأحمر على سبتة. كذلك لم تخل سياسة بني مرين إزاء مملكة غرناطة أحياناً، من الالتواء وبث الشكوك في نفوس أمراء بني نصر،
стр. 632
بما كانت تجنح إليه من مداخلة الخوارج عليهم. وهكذا كانت قوى الإسلام تُبدد في معارك أهلية، وقد كان حرياً بها أن تتضافر على مغالبة العدو المشترك. على أن الدولة المرينية ذاتها تدخل منذ وفاة أبي الحسن في سنة (٧٥٢ هـ - ١٣٥١ م) في دور انحلالها، وتنحدر إلى غمرات الحرب الأهلية، وتشغل بشئونها الداخلية، وتفقد غرناطة بذلك، العضد الوحيد، الذي كانت تدّخره وقت الشدائد. وقد استمرت العلائق بين غرناطة وبني مرين عصراً آخر، ولكنها غدت علائق بلاط، تغلب عليها دسائس القصور، وانقطعت الجيوش المغربية عن العبور إلى الأندلس لمقاتلة النصارى، كما كانت تفعل أيام أبي يوسف وأبي يعقوب وأبي الحسن، ولم تعبر بعد ذلك سوى مرة واحدة لمعاونة الخوارج في جبل طارق ضد ملك غرناطة، وتركت غرناطة من ذلك الحين إلى مصيرها داخل الجزيرة الإسبانية، تغالب قوى النصرانية بمفردها، وقدر استطاعتها، وكان ملاذها الأخير في اختلاف كلمة النصارى، وانشغالهم بذلك الخلاف عن محاربتها (١).
стр. 633
الأندلس بين المد والجزر
١ - ولاية محمد الغني بالله وحوادث أيامه
لم تمض ساعات قلائل على مصرع السلطان يوسف أبي الحجاج في صبيحة يوم عيد الفطر سنة (٧٥٥ هـ) حتى خلفه الملك ولده محمد الملقب بالغني بالله، وكان حَدَثاً يافعاً، فاستأثر بشئون الدولة حاجبه ومولى أبيه من قبل أبو النعيم رضوان، وكانت غرناطة بعد ما توالى عليها من الخطوب والأزمات في أواخر عهد أبيه يوسف، قد تنفست الصعداء نوعاً ما منذ وفاة ملك قشتالة. وكان من بين كتابه ثم وزرائه: لسان الدين بن الخطيب مؤرخ الدولة النصرية وأعظم كتاب الأندلس وشعرائها يومئذ، وكان مولد ابن الخطيب في لوشة (١) من أعمال غرناطة في سنة (٧١٣ هـ - ١٣١٣ م)، وكان هذا المفكر البارع أحد رجلين عظيمين شغلا يومئذ في المغرب الإسلامي، مركز الصدارة في التفكير والكتابة هما ابن خلدون وابن الخطيب، وقد درس ابن الخطيب اللغة والأدب والطب والفلسفة، وبرز في النثر والنظم، وخدم الدولة منذ حداثته، فتولى ديوان الكتابة للسلطان أبي الحجاج، ثم انتقل إلى خدمة ولده محمد، فلم يلبث أن نال ثقته ورقّاه إلى مرتبة الوزارة، وأوفده بعد ولايته بقليل على رأس وفد من كبار الأندلس سفيراً من قبله، إلى ملك المغرب السلطان أبي عنان المريني (أواخر سنة ٧٥٥ هـ) يستنصره على مغالبة طاغية قشتالة، ويؤكد بينهما عهد الصداقة والمودّة، جرياً على سنة أسلافه من ملوك بني الأحمر، فاستقبله السلطان بحفاوة، وأنشد بين يديه قصيدة هذا مطلعها:
стр. 634
خليفة الله ساعدَ القدرُ ... عُلاك ما لاح في الدّجى قمر
ودافعت عنك كفُّ قدرته ... ما ليس يستطيع دفْعه البشرُ
فتأثر السلطان لقصيدته، ووعد بإجابة سائر مطالبه، وهكذا أدّى ابن الخطيب سفارته بنجاح، وكان له من بعد ذلك في حوادث الأندلس أعظم نصيب (١).
وفي أواخر سنة (٧٥٦ هـ - أواخر سنة ١٣٥٥ م)، حاول حاكم جبل طارق المريني عيسى بن الحسن بن أبي منديل أن يثير ضرام الثورة، وكانت محاولة خطيرة، ربما أفسحت للنصارى ثغرة يضربون منها الأندلس وجحافل المغرب، ولكن أهل جبل طارق نكلوا عن مؤازرة الثائر، وأخمدت في المهد، وقُبض عليه وعلى ولده، وأُرسِلا مصفدين إلى المغرب، فقضى بإعدامهما، وأرسل السلطان أبو عنان إلى جبل طارق ولده أبا بكر السّعيد، ومعه من الفرسان قوّة، لحماية الثغر وتجديد تحصيناته (٢).
وفي أوائل عهد السلطان محمد، شغلت قشتالة بحروبها الداخلية، فأمنت غرناطة شرّ العدوان مدى حين، ولكن الحوادث الداخلية كانت تؤذن بتطورات جديدة. ففي رمضان سنة (٧٦٠ هـ - ١٣٥٩ م) نشبت في غرناطة ثورة فقد فيها الغني بالله ملكه، وكان أخوه إسماعيل المعتقل في بعض أبراج الحمراء تؤازره جماعة من الزعماء، وفي مقدمتهم صهره الرئيس عبد الله، وتدعو له سراً، وتترقب الفرص للوثوب بمحمد، وكانت أمه المقيمة بالقصر تؤيد مشاريعه بالسعي والبذل الوفير، وكان السلطان محمد قد تحول بولده إلى سكنى قصر جنّة العريف الواقع شمال شرقي الحمراء، فانتهز المتآمرون ذات مساء فرصة ابتعاده عن دار الملك، وهاجموا حصن الحمراء (٢٨ رمضان سنة ٧٦٠ هـ) ونفذوا إلى قصر الحاجب رضوان وقتلوه بين أهله
стр. 635
وولده، ونادوا بإسماعيل أخي السلطان ملكاً مكانه. وشعر محمد بعقم المدافعة، ففرّ إلى وادي آش. وحاول ابن الخطيب مصانعة السلطان الجديد، فاستبقاه في الوزارة لمدى قصير، ثم ارتاب في نياته وأمر باعتقاله ومصادرة أمواله. وكانت تربط السلطان المخلوع علائق مودّة وصداقة بملك المغرب، السلطان أبي سالم ولد السلطان أبي الحسن. وكان أبو سالم قد لجأ إليه حينما تغلّب عليه السلطان أبو عنان ونفاه إلى الأندلس، فأكرم محمد مثواه. ولما وقعت الفتنة وخلع محمد، رعى له أبو سالم عهد الصداقة والوفاء، وأرسل إلى غرناطة سفيراً يسعى لدى حكومتها، في إجازة السلطان المخلوع ووزيره المعتقل إلى المغرب، فنجح السفير في مهمته، وعاد إلى المغرب ومعه محمد والوزير ابن الخطيب (المحرم سنة ٧٦١ هـ). واستقبلهما أبو سالم في فاس أجمل استقبال، واحتفل بقدومهما في يوم مشهود، وأنشده ابن الخطيب قصيدة عصماء، فكان لإنشاده أعظم وقع في النفوس، وتأثر السلطان بها أيّما تأثر (١). ولبث السلطان المخلوع في بلاط فاس حيناً، وتوثقت بينه وبين المؤرِّخ ابن خلدون - وهو يومئذ من أكابر الدولة المرينية - روابط المحبّة والصداقة، وعقدت أيضاً بين المؤرخ وبين قرينه ابن الخطيب أواصر صداقة نمت وتوثقت فيما بعد. وكان محمد بن الأحمر يؤمِّل أن يسترد ملكه المنزوع بمعاونة بيدرو الثاني (بطره) ملك قشتالة تنفيذاً للاتفاق الذي عقد بينهما. ولكنه لم يفعل شيئاً لتحقيق هذا الأمل. والواقع أن ملك قشتالة كان مشغولاً باضطرابات مملكته، فآثر أن يعقد السلم مع سلطان غرناطة الجديد. وفي أثناء ذلك حدث انقلاب لقي فيه السلطان أبو سالم مصرعه، واستبد بالدولة الوزير عمر بن عبد الله فسعى لديه ابن الأحمر ليعاونه في استرداد ملكه، فاستجاب له الوزير. ومازال محمد يدبر أمره بمعاونته، حتى تهيأت الفرصة بوقوع الثورة في غرناطة، ومقتل منافسه السلطان إسماعيل على يد المتغلِّب