باستعمالها بعد ذلك. ويحظر التحجّب على النساء الموريسكيّات، وعليهن أن يكشفن وجوههنّ، وأن يرتدين عند خروجهنّ، المعاطف والقبّعات على نحو ما تفعل النساء الموريسكيات في أراغون. ويحظر في الحفلات إجراء أية رسوم إسلامية، ويجب أن يجري كل ما فيها طبقاً لعرف الكنيسة وعرف النصارى، ويجب أن تفتح المنازل أثناء الاحتفال، وفي أيام الجمعة وأيام الأعياد، ليستطيع القسس ورجال السلطة أن يروا ما يقع في داخلها من المظاهر والرسوم المحرمة. ويُحرم إنشاد الأغاني القومية، ولا يشهر الزّمر (الرقص العربي) أو ليالي الطرب بالآلات أو غيرها من العوائد الموريسكية، ويحرم الخضاب بالحناء. ولا يسمح بالاستحمام في الحمامات، ويجب أن تهدم جميع الحمامات العامة والخاصة. ويحرم استعمال الأسماء والألقاب العربية، ومَن يحملها يجب عليه المبادرة بتركها. ويجب أخيراً على الموريسكيين الذين يستخدمون العبيد السود، أن يقدّموا رخصهم باستخدامهم، للنظر فيما إذا كان حرياً بأن يسمح لهم باستبقائهم (١).
هذه هي نصوص ذلك القانون الهمجي الذي أريد به تسديد الضربة القاضية لبقايا الأمة الأندلسية، وذلك بتجريدها من مقوماتها القومية الخيرة. وقد فرضت على المخالفين عقوبات فادحة، تختلف من السجن إلى النفي والإعدام، وكان إحراز الكتب والأوراق العربية ولاسيما القرآن الكريم، يعتبر في نظر السلطات من أقوى الأدلة على الردّة، ويعرض المتهم لأقسى أنواع العذاب والعقاب.
وأعلن هذا القانون المروّع في غرناطة في يوم (أول كانون الثاني - يناير سنة ١٥٦٧ م)، وهو اليوم الذي سقطت فيه غرناطة، واتخذته إسبانيا عيداً قومياً لها تحتفل به في كل عام، وأمر ديسا رئيس المجلس الملكي بإذاعته في غرناطة، وسائر أنحاء مملكتها القديمة، وتولى إذاعته موكب من القضاة شقَّ
стр. 807
المدينة، ومن حوله الطبل والزمر، وعلّق في ميدان باب البنود أعظم ميادينها القديمة، وفي سائر ميادينها الأخرى، وفي ربض البيازين، فوقع لدى الموريسكيين وقع الصاعقة، وفاضت قلوبهم الكسيرة سخطاً وأسىً ويأساً، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدّة، فحطّمت الحمامات تباعاً. واجتمع زعماء الموريسكيين وتباحثوا فيما يجب عمله إزاء هذه المحنة الجديدة، وحاولوا أن يسعوا بالضراعة والحسنى لإلغاء هذا القانون، أو على الأقل لتخفيف وطأته، ورفعوا احتجاجهم أولاً إلى الرئيس ديسا على يد رئيس جماعتهم مولاي فرنسيسكو نونيز، فخاطب الرئيس ديسا، وبيّن له ما في القانون من شدة وتناقض، وخرق للعهود، وطلب إرجاء تنفيذه. وحمل رسالتهم إلى فيليب الثاني، وإلى وزيره الطاغية الكاردينال أسبينوسا، سيد إسباني نبيل من أعيان غرناطة يدعى الدون خوان هنريكس، وكان يعطف على هذا الشعب المنكود، ويرى خطر السياسة التي اتبعت لإبادته، وسار معه إلى مدريد اثنان من أكابرهم هما: خوان هرناندث من أعيان غرناطة، وهرناندو الحبقي من أعيان وادي آش، والتمس الوفد إلى الملك إرجاء تنفيذ القانون، كما حدث أيام أبيه، وبعث الدون هنريكس، بمذكرة إلى جميع أعضاء مجلس الملك يبيِّن فيها ما يترتب على تنفيذ القانون من حرج واضطراب، ولكن مساعيه كلها ذهبت عبثاً، وأجاب الكاردينال اسبينوسا بأن جلالته مصمم على تنفيذ القانون، وأنه أصبح أمراً واقعاً، وكذا عرض المركيز دى مونديخار حاكم غرناطة على الملك اعتراض الموريسكيين، وأوضح له خطورة الموقف، وأن اليأس قد يدفعهم إلى الثورة، وأن الترك قد أصبحوا في شواطئ المغرب على مقربة من إسبانيا، وأن الموريسكيين شعب عدو لا يدين بالولاء، فلم تفد هذه الاعتراضات شيئاً، وقيل إن الموريسكيين شعب جبان، ولا سلاح لديه ولا حصون. وهكذا حملت سياسة العنف والتعصب في طريقها كل شيء، ونفذت الأحكام الجديدة في المواعيد التي حدّدت لها، ولم تبد السلطات في تنفيذها أي رفق أو ...................................................
стр. 808
مهادنة (١).
ولم يحظ بلمحة من الرفق سوى الموريسكيين في بلنسية، وكان زعيمهم وكبير أشرافهم كوزمي بن عامر من المقربين إلى البلاط، فسعى للتخفيف عنهم، وكلّلت مساعيه بالنجاح في بعض النواحي، وهو أن يعامل الموريسكيون بالرفق في حالة اتهامهم بالردّة، ولا تنزع أملاكهم بتهمة المروق، وذلك على أن يدفعوا إتاوة سنوية قدرها ألفان وخمسمائة مثقال لديوان التحقيق (٢).
وأما في غرناطة، فقد بلغ اليأس بالموريسكيين ذروته، فتهامسوا على المقاومة والثورة، والذود عن أنفسهم إزاء هذا العسف المضني، أو الموت قبل أن تنطفئ في قلوبهم وضمائرهم، آخر جذوة من الكرامة والعزّة، وقبل أن تقطع آخر صلاتهم بالماضي المجيد والتراث العزيز، وكانت نفوسهم ما تزال تضطرم ببقية من شغف النضال والدفاع عن النفس، وكانوا يرون في المناطق الجبلية القريبة ملاذاً للثورة، ويؤملون أن يصلوا بالمقاومة إلى إلغاء هذا القانون الهمجي أو تخفيفه. وهنا يبدأ الصراع الأخير للموريسكيين وإسبانيا النصرانية، ومن المؤسف أنه لم تذكر المصادر العربية عن هذه المرحلة شيئاً، فهي تقف عند محنة التنصير الأولى عقب سقوط غرناطة، فلا بد من الرجوع إلى المصادر النصرانية حول ذلك.
سرى إلى الموريسكيين يأس بالغ يذكيه السخط العميق، فعوّلوا على الثورة، مؤثرين الموت على ذلك الاستشهاد المعنوي الهائل ونبتت فكرة الثورة في غرناطة أولاً حيث يقيم أعيان الموريسكيين، وحيث كانت جمهرة كبيرة منهم تحتشد في ضاحية البيازين. وكان زعيم الفكرة ومثير ضرامها
стр. 809
موريسكي يدعى: فرج بن فرج، وكان فرج صباغاً بمهنته، ولكنه حسبما تصفه الرواية القشتالية، كان رجلاً جريئاً وافر العزم والحماسة، يضطرم بغضاً للنصارى، ويتوق إلى الانتقام الذريع منهم، ولا غرو فقد كان ينتسب إلى بني سراج، وهم كما رأينا من أشراف غرناطة وفرسانها الأنجاد أيام الدولة الإسلامية. وكان ابن فرج كثير التردد على أنحاء البشرات، وثيق الصلة بمواطنيه، فاتفق الزعماء على أن يتولى حشد قوّة كبيرة منهم، تزحف سراً إلى غرناطة، وتجوز إليها من ضاحية البيازين، ثم تفاجئ حامية الحمراء وتسحقها وتستولي على المدينة، وحدّدوا للتنفيذ (يوم الخميس المقدس)، من شهر نيسان - أبريل سنة (١٥٦٨ م) إذ يشغل النصارى يومئذ باحتفالاتهم وصلواتهم. ولكن أنباء هذا المشروع الخطير تسرّبت إلى السلطات منذ البداية، فاتخذت الاحتياطات لدرئه، وعزّزت حامية غرناطة وحاميات الثغور، واضطر الموريسكيون إزاء هذه الأهبة، أن يرجئوا مشروعهم إلى فرصة أخرى.
ووضع أديب من زعماء الثورة، يدعى باسمه المسلم محمد بن محمد بن داود، قصيدة ملتهبة، يصف فيها آلام بني وطنه، ويستمدّ فيها الغوث والعون من الله ومن ونبيه ﵊، فضبطت معه في ثغر أدرة، وأرسلت إلى البلاط مع ترجمتها القشتالية، وهذا هو ملخص ما ورد في تلك القصيدة التي تعتبر كأنها صرخة ألم أخيرة لشعب شهيد: (تفتتح القصيدة بحمد الله والثناء عليه والتنويه بقدرته، وخضوع جميع الناس والأشياء لحكمه، ثم يقول: استمعوا إلى قصة الأندلس المحزنة، وهي تلك الأمة العظيمة التي غدت اليوم ضعيفة مهيضة، يحيط بها الكفرة من كل صوب، وأضحى أبناؤها كالأغنام الذين لا راعي لهم. وفي كل يوم نسام سوء العذاب، ولا حيلة لنا سوى المصانعة، حتى ينقذنا الموت مما هو شرّ وأدهى. وقد حكّموا فينا يهود الذين لا عهد لهم ولا ذمام، وفي كل يوم يبحثون عن ضلالات وأكاذيب وخدع وانتقامات جديدة.
стр. 810
"ونرغم على مزاولة الشعائر النصرانية وعبادة الصور، وهي مسخ للواحد القهار، ولا يجرؤ أحد على التذمر أو الكلام. وإذا ما قرع الناقوس، ألقى القس عِظَته بصوت أجشّ، وفيها يشيد بالنبيذ ولحم الخنزير، ثم تنحني الجماعة أمام الأوثان دون حياء ولا خجل ... ".
"ومَن عَبَدَ الله بلغته قُضى عليه بالهلاك، ومَن ضُبط أُلقِي إلى السجن وعُذّب ليل نهار، حتى يرضخ لباطلهم".
ثم يصِف وسائل إرهاقهم والتضييق عليهم، من التسجيل والتفتيش وغيرها، وما يفرض عليهم من الضرائب الفادحة، وكيف تُؤدى عن الحي والميت، والكبير والصغير، والغني والفقير، وكيف يرهقهم القضاة الظلمة، ولا يفلت من ظلمهم كائن، وكيف يُلقى بهم في السجن، ويرغمون على التنصير بالاعتقال والتعذيب، وكيف تهشّم أوصال الفرائس، ثم تحمل إلى الميدان لتحرق أمام الجمع الحاشد. وكيف تكدّس المظالم على رءوسهم تكديساً، ويسومهم الخسف أصاغر النصارى، وكل منهم يفتنُّ في ضروب الاضطهاد.
ثم يقول: "ولقد علّقوا يوم العيد (عيد سقوط غرناطة) في ميدان باب البنود، قانونا جديداً، وأخذوا يدهمون الناس في نومهم، ويفتحون كل باب، يزمعون تجريدنا من ثيابنا وقديم عاداتنا، ويمزقون الثياب، ويحطمون الحمامات".
"ونحن إذ نيأس من عدل الإنسان، نستغيث بالنبي ﵊، معتمدين على ثواب الآخرة، وقد حثنا شيوخنا على الصلاة والصوم، وأن نقصد وجه الله، فهو الذي يرحمنا في نهاية الأمر" (١).
وضبط في نفس الوقت مع ابن داود خطاب موجه من أحد زعماء البيازين
стр. 811
إلى زعماء المغرب ورؤسائهم وإخوانهم في الدين. وكان هذا الكتاب واحداً من كتب عديدة، وجّهت خفية إلى أمراء الثغور في المغرب، يطلبون إليهم الغوث والعون، فحمل الكتاب إلى حاكم غرناطة، وفيه يناشد كاتبه إخوانه بالمغرب، ويستحلفهم الغوث بحق روابط الدين والدم، ويصف ما قرره النصارى من إرغامهم على ترك اللّغة، وتَرْكُها فَقْدٌ للشريعة، وكشف الوجوه الحيية المحتشمة، وفتح الأبواب، وما أنزل بهم من محن السجن والأسر ونهب الأملاك، ويطلب إليهم أن يبلغوا استغاثتهم إلى سلطان المشرق قاهر أعدائه، ثم يقول: "لقد غمرتنا الهموم، وأعداؤنا يحيطون بنا إحاطة النار المهلكة. إن مصائبنا لأعظم من أن تحتمل، ولقد كتبنا لكم في ليالٍ تفيض بالعذاب والدّمع، وفي قلوبنا قبس من الأمل، إذا كانت ثمة بقية من الأمل في أعماق الروح المعذّب" (١). ولكن الحكومات المغربية كانت مشغولة بمشاكلها الداخلية، فلم يلب داعي الغوث سوى جماعة من المتطوعين، الذين نفذوا سراً إلى إخوانهم في البشرات، ومنهم كثير من البحارة المجاهدين، الذين كانوا حرباً عواناً على الثغور والسفن الإسبانية في ذلك العصر.
واستمر الموريسكيون على عزمهم وأهبتهم، وأرسلت خطابات عديدة من ابن فرج وزملائه إلى مختلف الأنحاء يدعون فيها إخوانهم إلى التأهب وإخطار سائر إخوانهم. وفي شهر (كانون الأول - ديسمبر ١٥٦٨ م) وقع حادث كان نذير الانفجار، إذ اعتدى الموريسكيون على بعض المأمورين والقضاة الإسبانيين في طريقهم إلى غرناطة، ووثبت جماعة منهم في نفس الوقت بشرذمة من الجند، كانت تحمل كمية كبيرة من البنادق، ومثلت بهم جميعاً. وفي الحال سار ابن فرج على رأس مائتين من أتباعه، ونفذ إلى المدينة ليلاً، وحاول تحريض مواطنيه في (البيازين) على نصرته، ولكنهم أَبَوْا أن يشتركوا
стр. 812
في مثل هذه المغامرة الجنونية. ولقد كان موقفهم حرجاً في الواقع، لأنهم يعيشون إلى جانب النصارى على مقربة من الحامية، وهم أعيان الطائفة، ولهم في غرناطة مصالح عظيمة يخشون عليها من انتقام الإسبان، بيد أنهم كانوا يؤيدون الثورة؛ يؤيدونها برعايتهم ونصحهم ومالهم، فارتد ابن فرج على أعقابه، واجتاز شعب جبل شلير (سيرانفادا) إلى الهضاب الجنوبية فيما بين بلش وألمرية، فلم تمض بضعة أيام، حتى عمّ ضرام الثورة جميع الدساكر والقرى الموريسكية في أنحاء البشرات، وهرعت الجموع المسلحة إلى ابن فرج، ووثب الموريسكيون بالنصارى القاطنين فيما بينهم، ففتكوا بهم ومزّقوهم شرّ ممزق.
ج - اندلع لهيب الثورة في أنحاء الأندلس، ودوّت بصيحة الحرب القديمة، وأعلن الموريسكيون استقلالهم، واستعدوا لخوض معركة الحياة أو الموت، وبدأ الزعماء باختيار أمير يلتفّون حوله، ويكون رمز ملكهم القديم، فوقع اختيارهم على فتى من أهل البيازين يدعى: الدون فرناندو دى كردوبا فالور (١). وكان هذا الاسم النصراني القشتالي، يحجب نسبة عربية رفيعة. ذلك أن فرديناند فالور كان ينتمي في الواقع إلى بني أمية، وكان سليل الملوك والخلفاء الذين سطعت في ظلهم الدولة الإسلامية في الأندلس، زهاء ثلاثة قرون. وكان فتى في العشرين، تنوِّه الرواية القشتالية المعاصرة بوسامته ونبل طلعته، وكان قبل انتظامه في سلك الثوار مستشاراً ببلدية غرناطة، ذا مال ووجاهة. وكان الأمير الجديد يعرف خطر المهمة التي انتدب لها. وكان يضطرم حماسة وجرأة وإقداماً، ففي الحال غادر غرناطة سراً إلى الجبال، ولجأ إلى شيعته آل فالور في قرية بزنار ( Beznar) فهرعت إليه الوفود والجموع من كل ناحية، واحتفل الموريسكيون بتتويجه في (٢٩ كانون الأول - ديسمبر سنة ١٥٦٨ م) في احتفال بسيط مؤثر، فرشت فيه على الأرض أعلام
стр. 813
إسلامية ذات أهلّة، فصلى عليها الأمير متّجها نحو مكة، وقبّل أحد أتباعه الأرض رمزاً للخضوع والطاعة، وأقسم الأمير أن يموت في سبيل دينه وأمته، وتسمَّى باسم ملوكي عربي هو محمد بن أميّة صاحب الأندلس وغرناطة، واختار عمه المسمى: فرناندو الزغوير (الصغير) واسمه المسلم ابن جوهر قائداً عاماً لجيشه، وقد كان صاحب الفضل الأكبر في اختياره للرياسة، وانتخب ابن فرج كبيراً للوزراء، ثم بعثه على رأس بعض قواتها إلى هضاب البشرات، ليجمع ما استطاع من أموال الكنائس، واتخذ مقامه في أعماق الجبال في مواقع منيعة، وبعث رسله في جميع الأنحاء، يدعون الموريسكيين إلى خلع طاعة النصارى والعود إلى دينهم القديم (١).
ووقعت نقمة الموريسكيين بادئ ذي بدء، على النصارى المقيمين بين ظهرانيهم في أنحاء البشرات، ولا سيما القسس وعمال الحكومة، وكان هؤلاء يقيمون في محلاّت متفرقة سادة قساة، يعاملون الموريسكيين بمنتهى الصرامة والزراية، وكان القسس بالأخص سبب بلائهم ومصائبهم، ومن ثم كانوا ضحايا الثورة الأولى. وانقض ابن فرج ورجاله على النصارى في تلك الأنحاء ومزقوهم تمزيقاً، وقتلوا القسس وعمال الحكومة، ومثّلوا بهم أشنع تمثيل. وكانت حسبما تقول الروايات القشتالية مذبحة عامة، لم ينج منها حتى الأطفال والنساء والشيوخ. وذاعت أنباء المذبحة الهائلة في غرناطة، فوجم لها الموريسكيون والنصارى معاً، وكل يخشى عواقبها الوخيمة؛ وكان الموريسكيون يخشون أن يبطش بهم النصارى انتقاماً لإخوانهم ومواطنيهم، وكان النصارى يخشون أن يزحف جيش الموريسكيين على غرناطة، فتسقط المدينة بأيديهم، وعندئذ يحل بهم النكال المروِّع. بيد أن الرواية القشتالية تنصف هنا محمد بن أمية فتقول: إنه لم يحرِّض على هذه المذابح، ولم يوافق عليها، بل لقد ثار لها، وحاول أن يحول دون وقوعها، وعزل نائبه ابن فرج
стр. 814
عن القيادة، فنزل راضياً واندمج في صفوف المجاهدين، وهنا يختفي ذكره ولا يبدو على مسرح الحوادث من جديد (١).
د - وكانت غرناطة في أثناء ذلك ترتجف سخطاً وروعاً، وكان حاكمها المركيز منديخار يتخذ الأهبة لقمع الثورة منذ الساعة الأولى. بيد أنه لم يكن يقدّر مدى الانفجار الحقيقي. فغصّت غرناطة بالجند، ووضع الموريسكيون أهل البيازين تحت الرقابة، رغم احتجاجهم وتوكيدهم بأن لا علاقة لهم بالثائرين من مواطنيهم. وخرج منديخار من غرناطة بقواته، في (٢ كانون الثاني - يناير سنة ١٥٦٩ م) تاركاً حكم المدينة لابنه الكونت تندليا، وعبر جبل شلير (سيرا نفادا) وسار توّاً إلى أعماق البشرات، حيث يحتشد جيش الثوار. وكانت الثورة الموريسكية في تلك الأثناء قد عمّت أنحاء البشرات الشرقية والجنوبية، واضطرمت في أجيجر وبرجة وأدرة وأندراش ودلاية ولوشار ومرشانة وشلوبانية وغيرها من البلاد والقرى، واستطاع الموريسكيون أن يتغلبوا بسهولة على معظم الحاميات الإسبانية المتفرقة في تلك الأنحاء، بل لقد سرت الثورة إلى أطراف مملكة غرناطة القديمة، حيث أندلع لهيبها في وادي المنصور وفي قراه ودساكره، ولم يتخلّف عن المشاركة في الثورة سوى رندة ومربلة ومالقة، وكانت بها حاميات إسبانية قوية، ونشبت الثورة في معظم أنحاء ألمرية، وهكذا عمّت الثورة الموريسكية معظم أنحاء الأندلس، واشتد الأمر بنوع خاص في بسطة ووادي آش وألمرية (٢).
وكان محمد بن أمية متحصناً بقواته في آكام بوكيرا الوعرة، وكان الموريسكيون رغم نقص مواردهم وسلاحهم، قد حذقوا حرب الجبال ومفاجآتها، فما كاد الإسبان يقتربون حتى انقضوا عليهم، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة، ارتد الموريسكيون على أثرها إلى سهول بطرنة،
стр. 815
وتخلّف كثيرون منهم، ولا سيما النساء، ففتك الإسبان بهم فتكاً ذريعاً. وحاول منديخار أن يتفاهم مع الثائرين على العفو، وأن يخلدوا إلى السكينة، وبعث إليهم بعض المسالمين من مواطنيهم. وكتب الدون ألونسو فنيجاس (بنيغش) سليل الأسرة الغرناطية القديمة إلى محمد بن أمية يعاتبه، وأنه قد جانَبَ العقل والحزم في القيام بهذه الحركة التي تعرضه وتعرض أمته للهلاك، ونصحه بالتوبة والتماس العفو، وكان محمد بن أمية يميل إلى الصلح والتفاهم، وتبودلت بالفعل المكاتبة بينه وبين المركيز منديخار في أمر التسليم، ولكن المتطرفين من أنصاره ولا سيما المتطوعين المغاربة، رفضوا الصلح، فاستؤنفت المعارك، ورجحت كفّة الإسبان، وهزم الموريسكيون مرة أخرى، وأعلن المركيز دى منديخار أن الأسرى الموريسكيين يعتبرون رقيقاً وفرّ محمد بن أمية، وأسرت أمه وزوجه وأخواته، وأصيب الإسبان بهزيمة شديدة فى آكام (جواخاريس)، وقتل منهم مائة وخمسون جندياً مع ضابطهم، ولكن الموريسكيين آثروا الارتداد، وقتل الإسبان مَن تخلّف منهم أشنع قتل، وكان ممن تخلف منهم زعيم باسل يدعى (الزمار) أسره الإسبان مع ابنته الصغيرة، وأرسلوه إلى غرناطة حيث عذّبوه عذاباً وحشياً، إذ نزع لحمه من عظامه حياً، ثم مزّقت أشلاؤه، وهكذا كانت أساليب الإسبان النصارى ومحاكم التحقيق إزاء العرب المتنصرين.
واختفى محمد بن أمية مدى حين في منزل قريبه (ابن عبو) وكان من أنجاد الزعماء أيضاً، وطارده الإسبان دون أن يظفروا به. على أن هذه الهزائم لم تنل من عزم الموريسكيين، فقد احتشدوا في شرقي البشرات في جموع عظيمة، وأخذوا يهدّدون ألمرية، فسار إليهم المركيز "لوس فيليس" على رأس جيش آخر، ووقعت بين الفريقين عدة معارك شديدة، قثل فيها كثير من الفريقين، ومزّق الموريسكيون، وفتك الإسبان كعادتهم بالأسرى، وقتلوا النساء والأطفال قتلاً ذريعاً.
ووقعت في نفس الوقت في غرناطة مذبحة مروّعة أخرى فقد كان في
стр. 816
سجنها العام نحو مائة وخمسين من أعيان الموريسكيين، اعتقلوا رهينة وكفالة بالطاعة، فأذاع الإسبان أن الموريسكيين سيهاجمون غرناطة لإنقاذ السجناء، بمؤازرة مواطنيهم في البيازين، وعلى ذلك صدر الأمر بإعدام السجناء، فانقضّ الجند عليهم وذبحوهم في مناظر مروّعة في سفك الدماء الفظيع.
وكان لهذه الحوادث الأخيرة أثر في إذكاء الثورة، وكان نذيراً جديداً للموريسكيين بأن الموت في ساحة الحرب خير مصير يلقون، فسرى إليهم لهب الثورة بأشد من قبل، وطافت بهم صيحة الانتقام، فانتفضوا على الحاميات الإسبانية المبعثرة في أنحاء البشرات ومزّقوها تمزيقاً، وهزموا قوة إسبانية تصدّت لقتالهم، واحتشدت جموعهم مرة أخرى تملأ الهضاب والسهل، وعاد محمد بن أمية ثانية إلى تبوء عرشه الخطر، والتف حوله الموريسكيون أضعاف ما كانوا، وبعث أخاه عبد الله إلى القسطنطينية يطلب العون من سلطانها، وأرسل في نفس الوقت إلى أمير الجزائر، وإلى سلطان مراكش الشريفي يطلب الإنجاد والغوث، ولكن سلاطين القسطنطينية لم يلبّوا ضراعة الموريسكيين بالرغم من تكرارها منذ سقوط غرناطة، وأرسل أمير الجزائر مشجعاً ومعتذراً عن عدم إمكان إرسال السفن، ووعد سلطان مراكش بالمساعدة والغوث، ولكن هذا الصريخ المتكرر من الموريسكيين لم ينتج أثره المنشود، ولم يلبه غير إخوانهم المجاهدين في إفريقية، فقد استطاعت جموع جريئة مخاطرة، أن تجوز إلى الشواطئ الإسبانية، ومنهم فرقة من الترك المرتزقة، وأن تهرع إلى نصرة المنكوبين.
وهكذا عاد الجهاد إلى أشدّه. وخشي الإسبان من احتشاد الموريسكيين في البيازين ضاحية غرناطة، فصدر قرار بتشريدهم في بعض الأنحاء الشمالية. وكانت مأساة جديدة مزّقت فيها هذه الأسر التعسة، وفُرِّق فيها بين الأبناء والآباء والأزواج والزوجات، في مناظر مؤثرة تذيب القلب، وسار المركيز لوس فيليس في نفس الوقت إلى مقاتلة الموريسكيين، في سهول المنصورة على مقربة من أراضي مرسية، ونشبت بينه وبينهم وقائع غير
стр. 817
حاسمة، ولم يستطع متابعة القتال لنقص الأهبة والمؤن، وكان بينه وبين زميله منديخار خصومة ومنافسة، كانتا سبباً في اضطراب الخطط المشتركة. واتُّهِم منديخار بالعطف على الموريسكيين، فاستُدعِي إلى مدريد، وأُقِيل من القيادة، واتخذت مدريد خطوتها الجديدة الحاسمة في هذا الصراع الذي لا رحمة فيه ولا هوادة.
وبينما كانت هذه الحوادث والمعارك الدموية تضطرم في هضاب الأندلس وسهولها، وتحمل إليها أعلام الخراب والموت، إذ وقع في المعسكر الموريسكي حادث خطر، هو مصرع محمد بن أمية. وكان مصرعه نتيجة المؤامرة والخيانة، وكانت عوامل الخلاف والحسد، تحيط هذا العرش بسياج من الأهواء الخطرة، وكان محمد بن أمية يثير بين مواطنيه بظرفه ورقيق شمائله كثيراً من العطف، ولكنه كان يثير بصرامته وبطشه، الحقد في نفوس نفر من ضباطه. وتقص علينا الرواية القشتالية سيرة مقتله فتقول: إنه كان ثمة ضابط من هؤلاء يدعى ديجو الجوازيل (الوزير) له عشيقة حسناء تسمى: زهرة، فانتزعها منه محمد قسراً، فحقد عليه وسعى لإهلاكه بمعاونة خليلته، فزوّر على لسانه خطاباً إلى القائد العام (ابن عبو) يحرِّضه على التخلّص من المرتزقة الترك، وكان ثمة منهم فرقة في المعسكر الموريسكي، فعلم الترك بأمر الخطاب، واقتحموا المعسكر إلى مقر ابن أمية وقتلوه، بالرغم من احتجاجه وتوكيده براءته، واستقبل الجند الحادث بالسكون. وفي الحال اختار الزعماء ملكاً جديداً هو ابن عبو، واسمه الموريسكي: ديجو لوبيث، وهو ابن عم الملك القتيل، فتسمى: بمولاي عبد الله محمد، وأُعلن ملكاً على الأندلس بنفس الاحتفال المؤثر الذي وصفناه. وكان مولاي عبد الله أكثر فطنة وروية وتدبّراً، فحمل الجميع على احترامه، وشُغل مدى حين بتنظيم الجيش، واستقدم السلاح والذخيرة من ثغور المغرب، واستطاع أن يجمع حوله جيشاً مدرّباً قِوامه زهاء عشرة آلاف، بين مجاهد ومرتزق ومغامر.
وفي أواخر (تشرين الأول - أكتوبر ١٥٦٩ م) سار مولاي عبد الله بجيشه
стр. 818
صوب (أرجبة)، وهي مفتاح غرناطة واستولى عليها بعد حصار قصير، فذاعت شهرته، وهرع الموريسكيون من شرق البشرات إلى إعلان طاعته، وامتدت سلطته جنوباً حتى بسائط رندة ومالقة، وكثرت غارات الموريسكيين على فحص غرناطة ( La Vega) وقد كانت قبل سقوطها ميدان المعارك الفاصلة بين المسلمين والنصارى، وكان فيليب الثاني حينما رأى استفحال الثورة الموريسكية، وعجز القادة المحليين عن قمعها، قد عين أخاه الدون خوان قائداً عاماً لولاية غرناطة، ولما رأى الدون خوان اشتداد ساعد الموريسكيين، اعتزم أن يسير لمحاربتهم بنفسه في أواخر (أيلول - ديسمبر) على رأس جيشه، وسار صوب وادي آش، وحاصر بلدة (جليرا)، وهي من أمنع مواقع الموريسكيين، وكان يدافع عنها زهاء ثلاثة آلاف موريسكي، منهم فرقة تركية، فهاجمها الإسبان عدة مرات، وصوبوا عليها نار المدافع بشدّة، فسقطت بأيديهم بعد معارك هائلة، أبدى فيها الموريسكيون والنساء الموريسكيات أعظم ضروب البسالة، وقتل عدد من الأكابر الإسبان وضباطهم، ودخلها الأسبان دخول الضواري الكواسر المفترسة، وقتلوا كل من فيها من الرجال والأطفال والنساء، وكانت مذبحة مروّعة (شباط - فبراير ١٥٧٠ م)، وتوغل بعد ذلك دون (١) خوان في شعب الجبال الواقعة على مقربة من بسطة، وكانت هناك قوة من الموريسكيين بقيادة زعيم يدعى: (الحبقي) تبلغ بضعة آلاف، ففاجأت الإسبان في سيرون ومزّقت بعض سراياهم، وأوقعت الرّعب والخلل في صفوفهم، وقتل منهم عدد كبير، ولم يستطع الدون خوان أن يعيد النظام إلاّ بصعوبة، فجمع شتات جيشه، وطارد الموريسكيين، واستمر في سيره جنوباً حتى وصل إلى أندراش في (أيار - مايو سنة ١٥٧٠ م).
وهنا رأت الحكومة الإسبانية أن تجنح إلى شيء من اللّين، خشية عواقب هذا الجهاد الرائع، فبعث الدون خوان رسله إلى الزعيم (الحبقي) يفاتحه بأمر
стр. 819
الصلح، وصدر أمر ملكي بالوعد بالعفو التام عن جميع الموريسكيين الذين يقدمون خضوعهم في ظرف عشرين يوماً من إعلانه، ولهم أن يقدموا ظلاماتهم، فتبحث بعناية، وكل من رفض الخضوع، ما عدا النساء والأطفال دون الرابعة عشرة، قُضي عليه بالموت، فلم يصغ إلى النداء أحد، ذلك أن الموريسكيين أيقنوا نهائياً أن إسبانيا النصرانية لا عهد لها ولا ذمام، وأنها لا تفي بوعودها، فعاد الدون خوان إلى استئناف المطاردة والقتال، وانقض الإسبان على الموريسكيين محاربين ومسالمين، يمعنون فيهم قتلاً وأسراً، وسارت قوة بقيادة دون سيزا إلى شمال البشرَّات، واشتبكت مع قوات مولاي عبد الله في معارك غير حاسمة، وسارت مفاوضات الصلح في نفس الوقت عن طريق الحبقي، وكان مولاي عبد الله قد رأى تجهّم الموقف، ورأى أتباعه ومواطنيه يسقطون من حوله تباعاً، والقوة الغاشمة تجتاح في طريقها كل شيء، فمال إلى الصلح والمسالمة، واستخلاص ما يمكن استخلاصه من براثن القوّة القاهرة.
وتقدّم للتوسط بين الثوار وبين الدون خوان كبير من أهل وادي آش يدعى: الدون هرناندو دى براداس، وكانت له صلات طيبة مع الموريسكيين قبل الثورة. وقد انتهت إلينا وثيقة مؤثرة هي عبارة عن خطاب كتبه مولاي عبد الله إلى دون هرناندو هذا يعرض استعداده للصلح والمفاوضة، وفيه تبدو لغة الموريسكيين العربية في دور احتضارها، ويبدو أسلوب اللّهجة الغرناطية التي انتهى الموريسكيون إلى التحدث والكتابة بها، بعد نحو ثمانين عاماً من الكبت والمطاردة. وإليك ما ورد في هذا الخطاب الذي ربما كان آخر وثيقة عربية عثر بها البحث الحديث:
١ الحمد لله وحده قبل الكلم
٢ اسلم الكرمو على من أكرمهو الكرمو سيديا وحبيبي وعزا سر عنديا دن هرنندو وفي نعلم حرمتكم ين
стр. 820
٣ أكن نت تقول يجى عند أخيكم وحببك وتجى مطمن وكل ميجكم فمليا
٤ وذيمتى وكن أنت تريد تترطل فذى المبرك مين سُلح كل متعمل تعملو معى ونى
٥ نعمل معك كل مَترِيد بحق وبِل غدر وذَهَر لى مين الحبقى بن اشمَكِن يعمل
٦ معلمن وتطلعنى على حق وذهر لى بن اشم طلب يرحو وينسو ويسحبو وبعد رعى
٧ ودين انى نعرف حرمتك بهذا شى وحرمتك اعمل الذى يذهر لكم وعمل ميسُلح بنترر
٨ وبين وعسى يقذيا الله خير بينين وتكن حرمتكم اسّبّبْ فداشى وعملن فعد لكم بل اش
٩ كن معى من يكتب لى يل كينكن كتبت لكم أكثر وسلموا عليكم ورحمتو الله وبركتو الله
١٠ كِتيب الكتب يوم الثليث فشهر وليو فعم ..
ملاى عبد الله (١)
وكتب الدون ألونسو دى فينجاس (بنيغش) أيضاً إلى مولاي عبد الله يحثه على المسالمة، والتنكّب عن هذا الطريق الخطر، وردّ عليه عبد الله يلقي
стр. 821
المسئولية على أولي الأمر، وعلى ما أحدثوه من بدع جعلت الحياة مستحيلة على الشعب الموريسكي (١). وجرت المفاوضات بين الزعيم الحبقي قائد قوات الثورة، وبين الدون هرناندو دى براداس، واتفق في النهاية على أن يتقدم الحبقي إلى الدون خوان بإعلان خضوعه، وطلب العفو لمواطنيه، فيصدر العفو العام عن الموريسكيين، وتكفل الحكومة الإسبانية حمايتها لهم أينما ارتأت مقامهم. وفي ذات مساء، سار الحبقي في سرية فرسانه إلى معسكر الدون خوان في أندراش، وقدم له الخضوع، وحصل على العفو المنشود.
ولكن هذا الصلح لم يرض مولاي عبد الله وباقي الزعماء، لأنهم لمحوا فيه نيّة إسبانيا النصرانية على نفيهم ونزعهم عن أوطانهم، ففيم كانت الثورة إذن وفيم كان الجهاد؟! لقد ثار الموريسكيون، لأن إسبانيا أرادت أن تنزعهم لغتهم وتقاليدهم، فكيف بها إذ تعتزم أن تنزعهم ذلك الوطن العزيز، الذي نشأوا في ظلاله الفيحاء، والذي يضم تاريخهم وكل مجدهم وذكرياتهم؟ أنكر الموريسكيون ذلك الصلح المجحف، وارتاب مولاي عبد الله في موقف الحبقي، إذ رآه يروّج لهذا الصلح بكل قواه، ويدعو إلى الخضوع والطاعة للعدو، فاستقدمه لمعسكره بالحيلة، وهناك أُعدم سراً.
ووقف الدون خوان على ذلك، بعد أسابيع من الانتظار والتريث، وبعث رسوله إلى مولاي عبد الله، فأعلن إليه أن يترك الموريسكيين أحراراً في تصرفاتهم، بيد أنه يأبى الخضوع ما بقي فيه عرق ينبض، وأنه يؤثر أن يموت مسلماً مخلصاً لدينه ووطنه، على أن يحصل على مُلك إسبانيا بأسره. والظاهر أن مولاي عبد الله، كانت قد وصلته إمدادات من المغرب شدّت أزره وقوّت أمله، وعادت الثورة إلى اضطرامها حول رندة، وأرسل مولاي عبد الله أخوه الغالب ليقود الثوار في تلك الأنحاء، وثارت الحكومة الإسبانية لهذا
стр. 822
التحدي، واعتزمت سحق الثوار بما ملكت، فسار الدون خوان في قواته إلى وادي آش، وسار جيش آخر من غرناطة بقيادة دون ركيصانص إلى شمالي البشرات، وسار جيش ثالث إلى بسائط رندة، واجتاح الإسبان في طريقهم كل شيء، وأمعنوا في التقتيل والتخريب. وعبثاً حاولت السرايا الموريسكية أن تقف في وجه هذا السيل، فمُزِّقت تباعاً، وهدم الإسبان الضياع والقرى والمعاقل، وأتلفت الأحراش والحقول، حتى لا يبقى للثائر من مثوى أو مصدر للقوت، وأخذت الثورة تنهار بسرعة، وفرّ كثير من الموريسكيين إلى إخوانهم في إفريقية، ولم يبق أمام الإسبان سوى مولاي عبد الله وجيشه الصغير. بيد أن مولاي عبد الله لبث معتصماً بأعماق الجبال، يحاذر الظهور أمام هذا السيل الجارف. (وفي ٢٨ تشرين الأول - أكتوبر سنة ١٥٧٠ م) أصدر فيليب الثاني قراراً بنفي الموريسكيين من مملكة غرناطة إلى داخل البلاد، ومصادرة أملاكهم العقارية، وترك أملاكهم المنقولة يتصرفون فيها، ويقضي هذا القرار بأن الموريسكيين في غرناطة والفحص ووادي الكرين (الإقليم) وجبال بونتوقير حتى مالقة، وجبال رندة ومربلة يؤخذون إلى ولاية قرطبة، ومن هناك يفرقون في أراضي ولايتي استرامادورة وجليقيه. والموريسكيون في وادي آش وبسطة ووادي المنصورة يؤخذون إلى جنجالة والبسط ثم يفرقون في أراضي قلعة رباح ومونتيل. والموريسكيون في ألمرية يؤخذون إلى ولاية إشبيلية. ونفذ القانون الجديد بمنتهى الصرامة والتحوّط، وجمع الموريسكيون المسالمون من غرناطة وبسطة ووادي آش وغيرها، وسيقوا إلى الكنائس أكداساً، يحيط بهم الجند من كل مكان، ونزعوا من أوطانهم وربوعهم العزيزة، وشتتوا على النحو المتقدم في مختلف أنحاء قشتالة وليون (١).
ووقعت أثناء تنفيذ هذا القرار مناظر دموية، حيث جنح رجال الحكومة في
стр. 823
بعض الأنحاء، ولا سيما في رندة، إلى نهب المنفيين، والفتك بالنساء والأطفال. ولما سمع الموريسكيون المعتصمون بالجبال هذه الأنباء، انحدروا إلى السهل وقتلوا كثيراً من الجند المثقلين بالغنائم. وكان مصير المنفيين مؤلماً، إذ هلك منهم من المشاق والمرض، وعانى الذين سلموا منهم مرارة غربة جديدة مؤلمة، ونصّ على وضعهم تحت الرقابة الدائمة، وتسجيلهم وتسجيل مساكنهم في سجلات خاصة، وعين لهم حيث وجدوا مشرفاً خاصاً يتولى شئونهم، وحرّم عليهم أن يغيروا مساكنهم إلا بتصريح ملكي، وحرم عليهم بتاتاً أن يسافروا إلى غرناطة، وفرضت على المخالفين عقوبات شديدة تصل إلى الموت. وهكذا شرِّد الموريسكيون في مملكة غرناطة أفظع تشريد، وانهار بذلك مجتمعهم القومي المتماسك في الوطن القديم (١).
ولم يبق إلاّ أن يسحق مولاي عبد الله وجيشه الصغير، وكان هذا الأمير المنكود يرى قواه وموارده تذوب بسرعة، وقد انهار كل أمل في النصر أو السلم الشريف، بيد أنه لبث مختفياً في أعماق جبال البشرات بين آكام برشول وترفليس مع شرذمة من جنده المخلصين. (وفي مارس - آذار ١٥٧١ م) كشف بعض الأسرى مخبأه السري للإسبان، فأوفدوا رسلهم إلى معسكره في بعض المغاير. وهناك استطاعوا إغراء ضابط مغربي من خاصته يدعى جونثالفو (الشنيش)، وكان الشنيش يحقد عليه لأنه منعه من الفرار إلى المغرب، وأغدق الإسبان له المنح والوعود، وقطعوا له عهداً بالعفو الشامل، وضمان النفس والمال، وأن ترد إليه زوجته وابنته الأسيرتان، إذا استطاع أن يسلمهم مولاي عبد الله حياً أو ميتاً. وكان الإغراء قوياً مثيراً، فدبر الضابط الخائن خطته لاغتيال سيّده، وفي ذات يوم فاجأه مع شرذمة من أصحابه، فقاوم مولاي عبد الله ما استطاع، ولكنه سقط أخيراً مثخناً بجراحه، فألقى الخونة جثته من
стр. 824
فوق الصخور، لكي يراها الجميع، ثم حملها الإسبان إلى غرناطة، وهناك استقبلوها في حفل ضخم، ورتبوا موكباً أُسندت فيه الجثة إلى بغل، وعليها ثياب كاملة كأنها هي إنسان حيّ، ومن ورائها أفواج كثيرة من الموريسكيين الذين سلموا بعد مصرع زعيمهم، ثم حملت إلى النطع وأجري فيها حكم الإعدام، فقطع رأسها ومُزِّقت، ثم جُرَّتْ في شوارع غرناطة، مبالغة في التمثيل والنكال، ومزقت أربعاً، وأحرقت بعد ذلك في الميدان الكبير، ووضع الرأس في قفص من الحديد، رفع فوق سارية في ضاحية المدينة تجاه جبال البشرات (١).
وهكذا انهارت الثورة الموريسكية وسحقت، وخبت آخر جذوة من العزم والجهاد، في صدور هذا المجتمع الأبي المجاهد وقضت المشانق والمحارق والمحن المروِّعة، على كل نزعة إلى الخروج والنضال، وهبّت روح من الرهبة والاستكانة المطلقة، على ذلك المجتمع المهيض المعذّب، وعاش الموريسكيون لا يسمع لهم صوت، ولا تقوم لهم قائمة، في ظل العبودية المطلقة الشاملة والإرهاق المطلق الثقيل، حقبة أخرى (٢).
стр. 825
نهاية النهاية
١ - توجّس السياسة الإسبانية وعصر الغارات البحرية الإسلامية
كان انهيار الثورة الموريسكية وسحق الموريسكيين، خاتمة عهد الكفاح المرير بين شعب مهيض أعزل، يحاول أن يحتفظ بشخصيته وكرامته وحقه في الحياة، وبين القوة الغاشمة، التي تريد أن تسحق في بقية الأمة المغلوبة كل أثر للحياة الحرّة الكريمة. ولكن الثورة الموريسكية كانت من جهة أخرى، نذيراً عميق الأثر للسياسة الإسبانية. ذلك أن الموريسكيين لبثوا بالرغم من تجريدهم من كل مظاهر القوة المادية، قوة أدبية واجتماعية يخشى بأسها. وكان هذا الشعب المستكين الأعزل ما يزال رغم ضعفه وذلته، يملأ جنبات الجزيرة بفنونه ونشاطه المنتج، ويحتلّ مكانة بارزة في الشئون الإقتصادية. وكانت الكنيسة ما تزال تنفث إلى الدولة تحريضها البغيض، على مجتمع لم تطمئن لولائه وصدق إيمانه. وقد وصف المطران جرّيرو ( GUERRERO) الموريسكيين في سنة (١٥٦٥ م) بقوله: "إنهم خضعوا للتنصير، ولكنهم لبثوا كفرة في سرائرهم، وهم يذهبون إلى القداس تفادياً للعقاب، ويعملون خفية في أيام الأعياد، ويحتفلون يوم الجمعة أفضل من احتفالهم بيوم الأحد، ويستحمّون حتى في كانون الثاني - ديسمبر، ويقيمون الصلاة خفية، ويقدّمون أولادهم للتنصير خضوعاً للقانون، ثم يغسلونهم لمحو آثار التنصير، ويجرون ختان أولادهم، ويطلقون عليهم أسماء عربية، وتذهب عرائسهم إلى الكنيسة في ثياب أوروبية، فإذا عدن إلى المنزل استبدلنها بثياب عربية، واحتفل بالزواج طبقاً للرسوم العربية" (١). وهذه الأقوال تنطوي على كثير من الصّدق، ذلك أن الأمة الموريسكية المهيضة، بقيت بالرغم مما يصيبها من شنيع العسف
стр. 826
والإرهاق متعلِّقة بتراثها الروحي القديم. بالرغم مما فرض على الموريسكيين من نبذ دينهم ولغتهم، فقد لبث الكثير منهم مسلمين في سرائرهم، يزاولون شعائرهم القديمة خفية، ويكتبون أحكام الإسلام والأدعية والمدائح النبوية بالقشتالية الأصلية، أو بالقشتالية المكتوبة بحروف عربية، وهي التي تعرف بالألخميادو ( Aljamiado) أي (الأعجمية). وقد وصلت إلينا كثير من الكتب الدينية والأدعية والمدائح الإسلامية الموريسكية مكتوبة بالألخميادو، وكثير منها يدور حول سيرة النبي العربي ﵊، وشرح تعاليم القرآن والسنة، يتخللّها كثير من الخرافات والأساطير المقدسة (١)، بيد أنها تدلي بما كانت تجيش به هذه النفوس المعذّبة من إخلاص راسخ لدينها القديم وإن التبست عليهم أصوله وشعائره بمضي الزمن.
وقد لبث ديوان التحقيق على نشاطه ضد الموريسكيين طوال القرن السادس عشر، ولم يفتر هذا النشاط حتى أواخر هذا القرن، مما يدل على أن آثار الإسلام بقيت بالرغم من كرّ الأعوام وتوالي المحن، دفينة في قلب الشعب المضطهد، تنضح آثارها من آن لآخر، يدل على ذلك ما تسجله محفوظات الديوان، من أن قضايا الموريسكيين أمام محاكم التحقيق، بلغت في سنة (١٥٩١ م)، (٢٩١) قضية، وبلغت في العام التالي (١١٧) قضية، وظهر في حفلة: (الأوتو دا في Auto-da-Fe) التي أقيمت في (٥ أيلول - سبتمبر سنة ١٦٠٤ م) ثمانية وستون موريسكياً، نفذت فيهم الأحكام. وظهر في حفلة (٧ كانون الثاني - يناير ١٦٠٧ م) ثلاثة وثلاثون موريسكياً، واستعمل التعذيب في محاكمتهم خمس عشرة مرة، وكان الاتهام يوجه أحياناً إلى الموريسكيين جملة، على أثر بعض الحملات الفجائية على المحلات الموريسكية؛ فقد حدث مثلاً في سنتي (١٥٨٩ و ١٥٩٠ م) أن سجلت في قرية
стр. 827
مسلاته الموريسكية بالقرب من بلنسية مائة قضية، وسجلت في قرية كارليت مائتان، واتهم أربعون أسرة بصوم رمضان. والواقع أنه كان من الصعب على مَن بقيت في نفوسهم جذوة أخيرة من دين الآباء. ولم يخمدها تعاقب جيلين أو ثلاثة من النصرانية المفروضة، أن يكونوا دائماً بمنجاة من الاتهام، ولهذا كان الشعب الموريسكي بأسره أينما وُجد، عرضة للاتهام بالحق أو الباطل، وإذا كانت ثمة أوقات يهدأ فيها نشاط محاكم التحقيق، فذلك يرجع بالأخص إلى استعمال الرشوة مع المأمورين، أو الحصول على براءات الحصانة بالمال. وتوضح لنا قضية بني عامر زعماء الموريسكيين في بلنسية هذه الحقيقة أتم وضوح. كانت أسرة بني عامر من أعرق الأسر المسلمة القديمة، التي أُكرهت على التنصير، وكان زعماؤها إخوة ثلاثة، هم: دون كوزمي، ودون خوان، ودون هرناندو بني عامر، ومنزل الأسرة في بنجوازيل (بني وزير) ضاحية بلنسية. وكان الثلاثة من ذوي المكانة والنفوذ، يسمح لهم بحمل السلاح وامتيازات أخرى محرمة على الموريسكيين. ففي (مارس - مايو سنة ١٥٦٧ م) صدر قرار محكمة التحقيق باتهامهم، وتقرر القبض عليهم، ولكن بعد أن وافقت المحكمة العليا (سوبريما) نظراً لخطر مكانتهم، فاختفى الإخوة الثلاثة حيناً، ولكن الدون كوزمي قدّم نفسه للسلطات في (كانون الثاني - يناير ١٥٦٨ م)، وقرر في التحقيق أنه يعتقد أنه نصّر طفلاً، ومع ذلك فإنه لا يعتبر نفسه نصرانياً بل مسلماً، وأنه جرى خلال حياته على مراعاة الشعائر الإسلامية، ولم يذهب إلى المعترف إلاّ خضوعاً للأوامر، على أنه ينبغي أن يكون في المستقبل نصرانياً، وأن يؤدي ما يطلبه المحققون إليه، ولم يقدم دون كوزمي خلال محاكمته أي دفاع، ولكنه أفرج عنه في (١٥ حزيران - يوليه) بضمان قدره ألفا دوق، على أن يبقى في بلنسية ولا يبرحها. ومع ذلك سافر دون كوزمي إلى مدريد، وحصل على عفو عنه وعن أخويه من الملك والمحكمة العليا، نظير فداء قدره سبعة آلاف دوق، واستطاع فوق ذلك بنفوذه القوي، أن يحصل للموريسكيين في بلنسية على
стр. 828
قرار التوفيق الصادر في سنة (١٥٧١ م) كما قدمنا.
وفي سنة (١٥٧٧ م) جدِّدت التهم القديمة ضد بني عامر، وقبض على كوزمي وأخيه خوان، وحوكم كوزمي وشرح عقيدته الدينية، وهي مزيج من الإسلام والنصرانية، وعقدت الجلسات الأولى، ولكن القضية أوقفت قبل أن يصل التحقيق إلى مرحلة التعذيب، مما يدل على أن بني عامر بالرغم من سوء حالتهم المالية يومئذ استطاعوا أن يحصلوا على براءتهم وإطلاق سراحهم بدفع مبلغ آخر من المال (١).
وهكذا نرى أن الموريسكيين استطاعوا بالرغم من العسف المنظم، الذي فرضته الدولة والكنيسة عليهم زهاء قرن، أن يحتفظوا في قرارة نفوسهم الكليمة ببقية راسخة من تراثهم الروحي القديم.
هذا من ناحية الدين والعقيدة، أما من الناحية الاجتماعية فقد كان الموريسكيون يكوّنون مجتمعاً متماسكاً متضامناً قوياً بنشاطه ودأبه وذكائه، وقد بلغ عددهم في أواخر القرن السادس عشر وفقاً لتقدير سفير البندقية زهاء ستمائة ألف نفس، وقدّر بعضهم الآخر عددهم يومئذ بأربعمائة ألف نفس، وهو عدد ضخم بالنسبة لسكان إسبانيا في ذلك الوقت، وهو لم يتعد الثمانية ملايين. ووصفهم سفير البندقية في سنة (١٥٩٥ م) - أي بعد قرن من سقوط غرناطة - بأنهم شعب ينمو باضطراد في العدد والثروة، وأنهم لا يذهبون إلى الحرب، ولكن يكرسون نشاطهم للتجارة واجتناء الربح. وذكر الكاتب الإسباني الكبير ثرفانتيس (٢) في بعض رسائله، أن الموريسكيين يتكاثرون وكلهم يتزوج، ولا يدخلون أولادهم قط في سلك الكهنوت أو الجيش، ويقتصدون في الإنفاق، ويكتنزون المال، فهم الآن أغنى الطوائف في إسبانيا. وأما عن الناحية الاقتصادية، فقد قيل: إن الموريسكيين كانوا
стр. 829
يحتكرون تجارة الأغذية، ويضعون يدهم على المحاصيل عند نضجها، ومنهم تجار البقالة والماشية، ومنهم القصابون والخبازون وأصحاب الفنادق وغيرهم، ولا يشترون العقارات احتفاظاً بحرية استعمال أموالهم، وقد كان ذلك من أسباب غناهم وقوتهم الاقتصادية (١).
كانت إسبانيا النصرانية إذاً أبعد من أن تطمئن إلى مجتمع العرب المتنصرين، فقد كانوا في نظر الكنيسة أبداً كفرة مارقين، وكانت الدولة من جانبها تلتمس المعاذير لاضطهاد هذا المجتمع الدخيل ومطاردته، فهي تخشى أن يعود إلى الثورة، وهي تخشى من صلاته المستمرة مع مسلمي إفريقية ومع سلطان الترك، وهي مازالت تحلم بتطهير إسبانيا من الآثار الأخيرة للشعب الفاتح، والقضاء إلى الأبد على تلك الصفحة من تاريخ إسبانيا.
والواقع أن صلات الموريسكيين مع أعداء إسبانيا، لبثت شغلاً شاغلاً للسياسة الإسبانية. وقد كانت المماليك والإمارات المغربية في الضفة الأخرى من البحر، على استعداد دائماً لأن تصغي إلى هذا الشعب المنكود، سليل إخوانهم الأمجاد في الدين، وأن تعاونه كلما سنحت الفرص. وكان سلاطين الترك يتلقون من الموريسكيين صريخ الغوث من آن لآخر، وكانت المنافسة بين الترك وإسبانيا يومئذ على أشدها، في مياه البحر الأبيض المتوسط، وكانت طوائف الموريسكيين تعيش على مقربة من الثغور الشرقية والجنوبية، وأكثر من ذلك أن السياسة الإسبانية كانت تخشى دسائس فرنسا خصيمتها القوية يومئذ، وتخشى تفاهمها المحتمل مع الموريسكيين. وكانت هذه الظروف كلها تحمل إسبانيا النصرانية، على أن تعتبر الموريسكيين خطراً قومياً يجب التحوّط منه، والعمل على درئه بكل الوسائل.
وتسوق إلينا الرواية الإسبانية دلائل هذا الخطر في حوادث كثيرة، ففي سنة
стр. 830
(١٥٨٣ م) وقفت السلطات الإسبانية، على أنباء مفادها أن أمراء تلمسان والجزائر يدبرون حملة بحرية لمهاجمة (المرسى الكبير) في مياه بلنسية، يعاونهم الموريسكيون فيها بالثورة، ولذا بادرت السلطات بنزع السلاح من الموريسكيين في بلنسية، وقيل بعد ذلك: إن هذه الحملة المغربية كانت ستقترن بغزوة فرنسية لأراغون، ينظمها حاكم بيارن الفرنسي، وأن سلطان الترك وسلطان الجزائر كلاهما يؤيد المشروع، وأن أساطيل الغزو كانت تزمع النزول في مياه برشلونة وفي دانية، وفيما بين مرسية وبلنسية، وأن الفضل في إخفاق هذا المشروع كله يرجع إلى حزم الدون خوان ونزع سلاح الموريسكيين. ومما يدل على أن إسبانيا لبثت حيناً على توجسها من فرنسا ودسائها لدى الموريسكيين، ما تسوقه الرواية الإسبانية من أن هنري الرابع ملك فرنسا، كانت له في ذلك مشاريع خطرة، ترمي إلى غزو إسبانيا من ناحية بلنسية، حيث يوجد حشد كبير من الموريسكيين، وأن زعماء الموريسكيين وعدوا بإضرام نار الثورة، وتقديم عدد كبير من الجند، ولم يطلبوا سوى السلاح، وكان من المنتظر أن تقوم الثورة الموريسكية في سنة (١٦٠٥ م)، ولكن المؤامرة اكتشفت في الوقت المناسب وانهار مشروع الغزو. وهذه الروايات العديدة التي جمعها (ديوان التحقيق) الإسباني على يد أعوانه وجواسيسه، تنقصها الأدلة التاريخية الحقة (١).
على أن الخطر الحقيقي، كان يتمثل في غارات المجاهدين من خوارج البحر المسلمين على الثغور والشواطئ الإسبانية. وتملأ سير هذه الغارات فراغاً كبيراً في الرواية الإسبانية، وتسبغ عليها الرواية صفة الانتقام للأندلس الشهيدة. وقد لبثت هذه الغارات طوال القرن السادس عشر، واستمرت دهراً بعد إخراج العرب المتنصرين من إسبانيا. ويشير المقري مؤرخ الأندلس إلى مغزى هذه الغارات البحرية بعد إخراج الموريسكيين، فيقول: إنهم انتظموا
стр. 831
في جيش سلطان المغرب، وسكنوا مدينة سلا، وكان منهم من الجهاد في البحر ما هو مشهور الآن (١). ويجب أن نذكر أن مياه البحر المتوسط شرقه وغربه، خلال العصور الوسطى كانت دائماً مسرحاً سهلاً للأساطيل الإسلامية. فمنذ أيام الأغالبة والفاطميين، ومنذ خلافة قرطبة ثم المرابطين والموحدين، كانت الأساطيل الإسلامية تجوس أواسط البحر المتوسط وغربيه، وكانت الدول الإسلامية الأندلسية والمغربية، ترتبط مع الدول النصرانية الواقعة في شمال هذا البحر، مثل البندقية وجنوة وبيزة، بمعاهدات ومبادلات تجارية هامة، وكان التسامح يسود يومئذ علائق المسلمين والنصارى وتغلب المصالح التجارية والمعاملات المنظمة، على النزاعات الدينية والمذهبية. وقد كانت المغامرات البحرية الحرّة وأعمال (القرصنة)، توجد في هذه العصور دائماً، إلى جانب نشاط الأساطيل الرسمية. وكان البحر المتوسط منذ أقدم العصور مسرحاً لهذه المغامرات، وكان معظم خوارج البحر (القراصنة) يومئذ من الأمم التي غزت البحر في عصور متقدمة، مثل اليونان وأهل سردينيا وجنوة ومالطة. وفي أيام الصليبيين ازدهرت المغامرات في البحر الأبيض المتوسط، واستمر النصارى عصوراً زعماء هذه المهنة. ولم تكن ثمة بحريات منظمة تقوم بمطاردة أولئك الخوارج. وكانت المغانم الوفيرة من الاتجار في الرقيق، والبضائع المهرّبة، وافتداء الرقيق، تذكي عزمهم، وتدفع إليهم بسيل من المغامرين من سائر الأمم. ولما ظهرت الأساطيل الكبرى منذ القرن الرابع عشر، ضعف أمر أولئك المغامرين. ولم تكن هذه المياه خلواً من نشاط المغامرين المسلمين، ولكنهم لم يظهروا في هذا الميدان إلاّ منذ القرن الخامس عشر، حينما ضعف أمر الأندلس والدول المغربية وسادَتْها الفوضى، واضطربت العلائق البحرية والتجارية المنظمة بين المغرب والدول النصرانية. وكانت الشواطئ المغربية تقدم إليهم
стр. 832
المراسي الصالحة. ولما اشتد ساعد البحرية التركية بعد استيلاء الترك على القسطنطينية، زاد نشاط المغامرين المسلمين في البحر. وكان سقوط غرناطة واضطهاد الأسبان النصارى للمسلمين، إيذاناً بتطور هذه المغامرات البحرية، ونزول الأندلسيين والموريسكيين المنفيين إلى ميدانها، واتخاذها مدى حين، صورة الجهاد والانتقام القومي والديني، لما نزل بالأمة الأندلسية الشهيدة من ضروب العسف والإرهاق (١).
وقد بدأت هذه الغارات البحرية على السواحل الإسبانية، عقب استيلاء الإسبان على غرناطة، وإكراههم للمسلمين على التنصير. في ذلك الحين غادر الأندلس آلاف من الأندلسيين المجاهدين، أنفوا العيش في الوطن القديم، في مهاد الذلَّة والاضطهاد، تحت نير الإسبان، وعبروا البحر إلى عدوة المغرب، وقلوبهم تفيض حقداً ويأساً، واستقروا في بعض القواعد الساحلية، مثل وهران والجزائر وبجاية، ووهب الكثيرون منهم حياتهم للجهاد في سبيل الله والانتقام من أولئك الذين قضوا على وطنهم، وظلموا أمتهم، وانتهكوا حرمة دينهم. وكان البحر يهيء لهم هذه الفرصة التي لم تهيؤها لهم الحرب البرية، وكانت شواطئ المغرب بطبيعتها الوعرة، وثغورها ومراسيها وخلجانها الكثيرة، التي تحميها وتحجبها الصخور العالية، أصلح ملاذ لمشاريع أولئك التجار المجاهدين والقراصنة المغيرين. وكانت الجزائر وبجاية وتونس أفضل قواعدهم للرسو والإقلاع، وكانت هذه الغارات البحرية تعتمد بالأخص على عنصر المباغتة، وتنجح في معظم الأحيان في تحقيق غاياتها.
ويصف بيترو مارتيري هذه الغارات بإسهاب ويقول: إن فرديناند الخامس أمر في سنة (١٥٠٧ م) للتحوط ضد هذه الغارات، بإخلاء الساحل الجنوبي من جبل طارق إلى ألمرية لمدى فرسخين إلى الداخل. ثم صدرت مراسم
стр. 833
متعددة تحظر على الموريسكيين السفر على أبعاد معينة من الشواطئ، ولكن هذا التحوط لم يغن شيئاً، واستمرت الغارات على حالها. وكان اللّوم يلقى في ذلك منذ البداية على الموريسكيين ولاسيما أهل بلنسية. وكان الموريسكيون كلما اشتدّ عليهم وطأة الاضطهاد والمطاردة، اتجهوا إلى إخوانهم في المغرب يستصرخونهم للتدخل والانتقام. وكان المجاهدون المغاربة يغيرون بسفنهم على الشواطئ الإسبانية، ويخطفون النصارى الإسبان، ويجعلونهم رقيقاً يباع في أسواق المغرب، وكان الموريسكيون يزودون الحملات المغيرة بالمعلومات الوثيقة، عن أحوال الشواطئ ومواضع الضعف فيها، ويمدّونها بالأقوات والمؤن. وكانت الحملات تجهز في أحيان كثيرة لنقل الموريسكيين الراغبين في الهجرة، وقد استطاعت خلال القرن السادس عشر، أن تنقل منهم إلى الشواطئ الإفريقية جماعات كثيرة.
وقد ظهر منذ أوائل القرن السادس عشر الميلادي في الميدان عنصر جديد، أذكى موجة الغارات البحرية في هذه البحار. ذلك أن البحارة الترك، وعلى رأسهم الأخوان الشهيران عروج وخير الدين (١)، اندفعوا من شرقي البحر المتوسط إلى غربيه، في طلب المغامرة والكسب. وفي سنة (١٥١٧ م) سار عروج في قوة برية وبعض السفن إلى الجزائر واستولى عليها. ولما قتل في العام التالي في معركة نشبت بينه وبين الإسبان، استولى أخوه خير الدين على الجزائر، ثم استولى على معظم الثغور المغربية الساحلية، وعينه السلطان سليم حاكماً على هذه الأنحاء، وأمدّه بالسفن والجند. وتألق نجم خير الدين في ذلك الحين، وأصبح اسمه يقرن بذكر أعظم أمراء البحر في ذلك العصر، وكان من معاونيه نخبة من أمهر الربابنة الترك، مثل طرغود الذي
стр. 834
خلفه في الرئاسة فيما بعد، وصالح ريس، وسنان اليهودي، وإيدين ريس وغيرهم من المغامرين، الذين اشتهروا بالجرأة والبراعة. وبسط أولئك البحارة الترك سلطانهم على معظم جنبات البحر الأبيض المتوسط، واشتهروا بغاراتهم على الشواطئ الإيطالية والإسبانية، والتفّ حولهم معظم المجاهدين والمغامرين من المغاربة والموريسكيين. وبدأ خير الدين غاراته في المياه الإسبانية بمهاجمة الشواطئ الشرقية، وقطع خلال هذه الغارة ثلاثة أشهر، عاث فيها في البقاع الساحلية، وجمع في سفنه كثيراً من الموريسكيين الراغبين في الهجرة، وأسر كثيراً من الإسبان. وعرج أثناء عوده على جزيرة منورقة. وكان من أهم الغارات التي نظمها خير الدين على الشواطئ الإسبانية، غارة وقعت في سنة (١٥٢٩ م)، وذلك أن جماعة من الموريسكيين في بلنسية فاوضوه لكي ينقلهم خلسة إلى عدوة المغرب، فأرسل عدّة سفن بقيادة نائبيه: إيدين ريس، وصالح ريس، إلى المياه الإسبانية، ورست السفن المغيرة ليلاً عند أوليفا الواقعة شمال غربي دانية أمام مصب نهر (ألتيا)، ونزلت منها إلى البر قوة استطاعت أن تجمع من الأنحاء المجاورة نحو ستمائة من الموريسكيين الراغبين في الهجرة، وهنا فاجأت السفن المغيرة عدة من السفن الإسبانية الكبيرة، وطاردتها حتى مياه الجزائر الشرقية (البليار). ولكن سفن بربروسا انقلبت فجأة من الدفاع إلى الهجوم، وانقضت على السفن الإسبانية وأغرقت بعضها، وأسرت بعضها الآخر، وسارت سالمة إلى الجزائر تحمل الموريسكيين الفارين، وعدداً من أكابر الإسبان أخذوا أسرى، ومعها عدة من السفن الإسبانية الفخمة. وكان صريخ الموريسكيين يتوالى إلى خير الدين وحلفائه من أمراء المغرب، ولا سيما أيام الثورات المحلية التي تشتد فيها وطأة الإسبان على الأمة المغلوبة، ومن ثم فقد توالت بعوث خير الدين وغاراته على الشواطئ الإسبانية، وتتابعت الفرص لدى الموريسكيين، للفرار والهجرة رفق السفن المغيرة، حتى بلغ ما نقلته سفن خير الدين منهم إلى شواطئ المغرب نحو سبعين
стр. 835
ألفاً (١).
وكان سلطان خير الدين وزملائه البحارة الترك في المياه المغربية، عاملاً في تحطيم كثير من مشاريع إسبانيا البحرية في المغرب. وكان الإسبان قد استولوا على ثغر وهران منذ سنة (١٥٠٥ م)، واحتلوا مياه تونس سنة (١٥٣٥ م)، بانضواء أميرها الحفصي المعزول تحت لوائهم، وكان كثير من أمراء الثغور والقواعد المغربية الذين يهدد الترك سلطانهم يتجهون بأبصارهم إلى الإسبان للاحتفاط برياستهم. ولدينا صور من عدة وثائق موجهة من هؤلاء الأمراء إلى الإمبراطور شارلكان، يستنصرون به، ويقطعون العهد على أنفسهم بطاعته، والانضواء تحت حمايته، وهي تدلي بموضوعها وأسلوبها بما انتهت إليه الجبهة الإسلامية في المغرب في هذا العهد من التخاذل والتفرق المؤلم.
وفي سنة (١٥٥٩ م) قام أمير البحر التركي طرغود، الذي خلف خير الدين في الرياسة، بغارة كبيرة على الشواطئ الإسبانية، واستطاع أن يحمل معه ألفي وخمسمائة موريسكي، في سنة (١٥٧٠ م) استطاعت السفن المغيرة أن تحمل معها جميع الموريسكيين في بالميرا، وفي سنة (١٥٨٤ م) سار أسطول من الجزائر إلى بلنسية وحمل ألفين وثلاثمائة موريسكي وفي العام التالي، استطاعت السفن المغيرة أن تحمل جميع سكان مدينة كالوسا. وبلغت
стр. 836
الغارات البحرية التي وقعت على الشواطئ الإسبانية بين سنتي (١٥٢٨ م و١٥٨٤ م) ثلاثاً وثلاثين غارة. هذا عدا الغارات المحلية التي كانت تقوم بها سفن صغيرة لحمل جماعة من الموريسكيين المهاجرين. وقد وصف لنا الكاتب الإسباني الكبير ثرفانتيس هذه الغارات البحرية المروّعة في صور مثيرة شيّقة، ولا غرو فقد كان هو أيضاً من ضحاياها، إذ أُسر في الغارات التي وقعت سنة (١٥٧٥ م)، وحمل أسيراً إلى الجزائر، ولبث يرسف في أسره بضعة أعوام، حتى تم افتداؤه في سنة (١٥٨٠ م) (١).
وكان ممن عمل في البحر مجاهداً في تلك الأيام ضد الإسبان، بعض أكابر الزعماء الموريسكيين المنفيين الذي غدوا من أثر الاضطهاد من ألدّ أعداء إسبانيا، مثل الريس بلانكيو Blanquillo والرئيس أحمد أبو علي من أشونَة، ومراد الكبير جواد يانو من مدينة ثيوداد ريال (المدينة الملكية) وغيرهم، وقد أبلى هؤلاء الزعماء الموريسكيون في البحر خير بلاء، وكانوا خير مرشد لإحكام الغارات البحرية على الشواطئ الإسبانية، ومضاعفة عصفها وعيثها.
ووقعت في سنة (١٦٠٢ م) غارة كبيرة، قام بها بحار مغامر يدعى: مراد الريس على مدينة لورقة الواقعة غربي قرطاجنة على مقربة من الشاطئ، وحمل عدداً من الأسرى، وكثرت الغارات في الأعوام التالية على الشاطئ الجنوبي، وظهر فيما بعد أن منظمها بحار انكليزي مغامر، يحشد في سفنه نواتية من المغاربة، وكان يعيث في الشواطئ الأندلسية، ويقتنص الأسرى النصارى، ويبيعهم عبيداً في أسواق المغرب.
وكانت ثغور تونس في ذلك الوقت نفسه، في أيام حاكمها عثمان باي (سنة ١٠٠٧ هـ،- ١٠١٩ هـ = ١٥٩٨ م - ١٦١٠ م) ملاذاً لطائفة قوية من البحارة المغامرين، كانت تتكرر غاراتهم على الشاطئ الإسباني بلا انقطاع. وكان من أشهر أولئك البحارة يومئذ، عمر محمد باي الذي اشتهر بجرأته وبراعته،
стр. 837
وقد قام بعدة غارات جريئة على شواطئ إسبانيا الجنوبية، وكان في كل مرة يعود مثقلاً بالغنائم والسّبي. وهكذا لبثت الغارات البحرية عصراً من الزمان، تزعج الحكومة الإسبانية، وقد زاد عددها واشتد عيثها، بالأخص منذ منتصف القرن السادس عشر، وكان هذا غريباً في الواقع، إذ كانت إسبانيا سيدة البحار، وكانت أساطيلها الضخمة تجوب مياه الأطلنطي حتى بحر الشمال وجزائر الهند الغربية، وتسيطر على مياه البحر الأبيض المتوسط الغربية، بيد أنها لم تستطع أن تقمع هذه الغارات البحرية الصغيرة المفاجئة، التي كان يقوم بها على الأغلب جماعات مجاهدة، من رجال البحر المغاربة، في سفن صغيرة، تدفعهم روح من المغامرة والاستبسال، وكان اللوم في ذلك يلقى دائماً على الموريسكيين، ولاسيما سكان الثغور منهم، فهم الذين يمدّون هذه الحملات المغيرة بالمعلومات، ويزودونها بالمؤن والعون، ويعينون لها مواقع الرسو والإقلاع، وقد كانت تأتي على الأغلب لمعاونتهم على الفرار إلى ثغور المغرب، وقد كان الموريسكيون بالرغم من اضطهادهم والتشدد في مراقبتهم، على اتصال دائم بمسلمي إفريقية وأمراء المغرب جميعاً.
لبثت هذه الغارات البحرية عصراً شغلاً شاغلاً للحكومة الإسبانية لا تجد سبيلاً إلى قمعها والتخلص من آثارها. وكان اقترانها خلال القرن السادس عشر بنضال الموريسكيين، عنصراً بارزاً في تنظيمها وتوجهها، وكانت فكرة الانتقام للأمة الشهيدة، تجثم في معظم الأحيان وراء هذه الغارات المجاهدة. ولما تمَّ نفي الموريسكيين من إسبانيا، زادت هذه الفكرة وضوحاً، واشتدت وطأة الغارات بما انتظم في صفوف المجاهدين من المنفيين، وغدت مدينة سلا بالأخص، مركزاً لأولئك المبعدين، ومنها توجه أقوى الحملات المغيرة على الشواطئ الإسبانية (١).
стр. 838
ولبث البحارة الترك عصراً، يتزعمون هذه الغارات بالبحرية، وجلّ اعتمادهم على النواتية المغامرين من المغاربة والموريسكيين، ثم أخذت هذه الغارات تفقد هدفها القديم بمرور الزمن، وتنقلب إلى حملات ناهبة، تنظم على الشواطئ الإيطالية، كما تنظم على الشواطئ الإسبانية، وترمي قبل كل شيء إلى تغذية أسواق المغرب والشرق الأدنى، بأسراب الرقيق. وكان يشترك مع البحارة الترك والمغاربة، مغامرون من الأفرنج من سائر الأمم. وألفى الباشوات أو الدايات الترك - الذين بسطوا حكمهم منذ أواخر القرن السادس عشر على طرابلس الغرب والجزائر - في هذه الحملات الناهبة، فرصة سانحة للغنم، فكانوا يمدون الرؤساء والزعماء بصنوف العون، عند الإنزال والإقلاع في ثغورهم، وكان الرؤساء من جانبهم، يقدمون إلى خزينة الباشا أو الداي عشر الغنائم. واسترق بهذه الطريقة عشرات الألوف من النصارى، واستمرت بعد ذلك هذه الغارات زمناً طويلاً (١).
وحدثت في تلك الآونة - التي اشتدت فيها الغارات البحرية على الشواطئ الإسبانية، في أوائل عهد فيليب الثالث في عدوة المغرب - أحداث أخرى، زادت في توجس السياسة الإسبانية من مساعي الموريسكيين في استعداء مسلمي إفريقية. ذلك أن الحرب الأهلية نشبت في مراكش، بين السلطان زيدان بن المنصور، وأخيه الشيخ المأمون، وتعددت المعارك بينهما، وانتهت بهزيمة الشيخ. وفر الشيخ مع أسرته وأمه الخيزران إلى إسبانيا، واستغاث بملكها فيليب الثالث، وتعهد بتقديم ثغر العرائش إلى إسبانيا نظير
стр. 839
معاونته. وكان ذلك في أوائل سنة (١٦٠٨ م - ١٠١٧ هـ) (١). وهنا أرسل الموريسكيون في بلنسية، رسلهم إلى مولاي زيدان، يوضحون له سهولة غزو إسبانيا ومحاربتها، وأنهم على استعداد ليقدموا له مائتي ألف مقاتل، متى أقدم على الغزو وفتح أحد الثغور الإسلامية الهامة، ولكن السلطان زيدان لم يحفل بهذا العرض، وأجاب الرسل بأنه لن يحارب خارج بلاده (٢). واستجاب فيليب لدعوة الشيخ، وأرسل معه بعض سفنه إلى شاطئ المغرب، واستولى الإسبان على ثغر العرائش، فاشتد السخط على الشيخ، وانفض عنه كثير من أنصاره، ومازال الشيخ في مغامراته حتى قتل على مقربة من تطوان سنة (١٠٢٢ هـ - ١٦١٣ م)، وانتهى بذلك أمره (٣). واستمر السلطان زيدان حتى وفاته في سنة (١٠٣٧ هـ - ١٦٢٧ م) أعني بعد نفي الموريسكيين بنحو تسعة عشر عاماً، في كفاح دائم مع إسبانيا. وحدث خلال هذا الكفاح ذات مرة في سنة (١٦١٢ م) أن غنمت السفن الإسبانية في مياه المغرب، على شاطئ الأطلنطي فيما بين آسفي وأغادير، مركباً لمولاي زيدان شحنت بالتحف، وفيها ثلاثة آلاف سفر من كتب الدين والآداب والفلسفة (٤)، وكان مولاي زيدان قد غادر مراكش تحت ضغط الحوادث، وركب البحر ملتجئاً إلى الجنوب، وحمل معه مكتبته الثمينة وتحفه، فانتهبها الإسبان على هذا النحو، وحملت هذه الكتب إلى إسبانيا، وضمت فيما بعد إلى مجموعة الكتب الأندلسية بقصر الإسكوريال (٥).
стр. 840
٢ - مأساة النّفي
أ - تلك هي البواعث والظروف التي حملت إسبانيا النصرانية، على التوجس من العرب المتنصرين، واعتبارهم خطراً قومياً يجب العمل على درئه والتخلص منه؛ وكان هذا التوجس يزيد على كرّ الأعوام، وتذكيه الحوادث المتوالية: ثورات الموريسكيين ولا سيما ثورة غرناطة الكبرى، وغارات المجاهدين البحرية على الشواطئ الإسبانية، وصلات الموريسكيين الدائمة بمسلمي إفريقية وبلاط القسطنطينية. وسواء أكان هذا الخطر حقيقة يهدد سلامة إسبانيا، أم كان للتحامل والبغض أثر في تصويره، فقد غدت قضية العرب المتنصرين، غير بعيد في نظر السياسة الإسبانية، مشكلة قومية خطيرة يجب التذرع لمعالجتها بأشد الوسائل وأنجعها.
وكانت السياسة الإسبانية، تعتزم منذ أواخر عهد فيليب الثاني، أن تتخذ خطوتها الحاسمة في شأن الموريسكيين، وكان هذا الملك المتعصب نفى الموريسكيين بعد الذي عانته إسبانيا في قمع ثورتهم، ووضع بالفعل في سنة (١٥٨٢ م) مشروعاً لنفيهم، ولكن مشاغل السياسة الخارجية حالت دون تحقيق مشروعه. وكان قد مضى يومئذ زهاء قرن على سقوط غرناطة، واستحالت بقية الأمة الأندلسية إلى شعب جديد، لا تكاد تربطه بالماضي سوى ذكريات غامضة. وكان التنصير قد عم الموريسكيين يومئذ، وغدا أبناء قريش ومضر بحكم القوة والضغط والإرهاب، نصارى يشهدون القداس في الكنائس، ويتكلمون القشتالية، غير أنهم لبثوا مع ذلك في معزل، وأبت إسبانيا النصرانية، بعد أن فرضت عليهم دينها ولغتها ومدنيتها، أن تضمهم إلى حظيرتها القومية. وكانت ما تزال ثمة منهم جموع كبيرة في بلنسية ومرسية وغرناطة، وغيرها من القواعد الأندلسية القديمة، وكانوا مايزالون رغم العسف والإرهاق والاضطهاد والتشريد والذلّة، قوة أدبية واجتماعية خطيرة، وعنصراً بارزاً في إنتاج إسبانيا القومي، ولا سيما في الصناعات والفنون. ولكن السياسة الإسبانية كانت
стр. 841
تخشاهم بالرغم من ضعفهم وخضوعهم، بعد أن أخفقت بوسائلها الهمجية البغيضة في كسب محبتهم وولائهم. وكان ديوان التحقيق من جهة أخرى، ومن ورائه الأحبار والكنيسة، يعتبرهم بالرغم من تنصرهم، أبداً وصمة في نقاء النصرانية، وتتصور الإسلام دائماً يجري كالدم في عروقهم.
وقد تضاربت آراء الساسة والأحبار الإسبان في شأن الخطوة الحاسمة التي يجب اتخاذها، للقضاء على خطر الموريسكيين، ورأى بعض أكابر الأحبار أن خطر الموريسكيين لا يزول إلاّ بالقضاء على الموريسكيين أنفسهم. وكان مما اقترحه المطران ربيرا ( RIVERA) أن يُقضَى عليهم بالرق، وأن يؤخذ منهم كل عام بضعة آلاف للعمل في السفن ومناجم الهند، حتى يتم إفناؤهم بهذه الطريقة؛ وذهب بعضهم الآخر إلى وجوب قتل الموريسكيين دفعة واحدة أو قتل البالغين منهم، واسترقاق الباقين وبيعهم عبيداً، وكان مما اقترحه بعض وزراء فيليب الثاني، أن يُجمَع الموريسكيون، ويُحمَلوا على السفن ثم يُغرَقوا في عرض البحر (١). واستمرت السياسة الإسبانية حيناً من الزمن تتلمس المخرج وسط هذه الحلول الهمجية، حتى تُوفي فيليب الثاني (سنة ١٥٩٨ م) وخلفه ولده فيليب الثالث وكان هذا الملك الفتى، ضعيف الرأي والإرادة، يتأثر كأبيه بنفوذ الأحبار، ويخضع لنفوذ وزيره وصفيّه الدوق دى ليرما. وكان الدوق من أشد أنصار القضاء على الموريسكيين، وقد أشار بها منذ (سنة ١٥٩٩ م)، ووضع لتنفيذها مشروعاً خلاصته: أن الموريسكيين إنما هم عرب، ويجب أن يعدم الشبان والكهول منهم، ما بين الخامسة عشرة والستين، أو أن يُسترَقوا ويُرسَلوا للعمل في السفن، وتُنزَع أملاكهم. أما الرجال والنساء الذين جاوزوا الستين، فيُنفَوا إلى المغرب، وأما الأطفال فيؤخذوا ويربوا في المعاهد الدينية، وهو مشروع أقرّه مجلس الدولة، وأخذ يعمل سراً لحشد القوى اللازمة لحصر عدد الموريسكيين في إسبانيا.
стр. 842
وفي سنة (١٦٠١ م)، قدم المطران ربيرا تقريراً إلى الملك يقول فيه: إن الدين هو دعامة المملكة الإسبانية، "وإن الموريسكيين لا يعترفون، ولا يتقبلون البركة ولا الواجبات الدينية الأخيرة، ولا يأكلون لحم الخنزير، ولا يشربون النبيذ، ولا يعملون شيئاً من الأمور التي يعملها النصارى"، ثم يوضح الأسباب التي تدعو إلى عدم الثقة في ولائهم بقوله: "إن هذا المروق العام، لا يرجع إلى مسألة العقيدة، ولكنه يرجع إلى العزم الراسخ العام في أن يبقوا مسلمين، كما كان آباؤهم وأجدادهم، ويعرف المحققون العامون، أن الموريسكيين بعد أن يعتقلوا عامين وثلاثة، وتشرح لهم العقيدة في كل مناسبة، يخرجون دون أن يعرفوا كلمة منها، والخلاصة أنهم لا يعرفون العقيدة، لأنهم لا يريدون معرفتها، ولأنهم لا يريدون أن يعملوا شيئاً يجعلهم يبدون نصارى" (١)، ثم يقول المطران في تقرير آخر: إن الموريسكيين كفرة متعنتون يستحقون القتل، وإن كل وسيلة للرفق بهم قد أخفقت، وإن إسبانيا تتعرض - من جراء وجودهم فيها - إلى أخطار كثيرة، وتتكبد في رقابتهم والسهر على حركاتهم، وإخماد ثوراتهم، كثيراً من الرجال والمال. ثم يقترح أن تؤلف محكمة سرية من الأحبار، تقضي بردّة الموريسكيين وخيانتهم، ثم تحكم علناً بوجوب نفيهم ومصادرة أملاكهم، وأنه لا ضير على الملك في ذلك ولا حرج. ولكن مشروع المطران لم ينفذ، لأن مجلس الدولة كان يرى أن يسير في تحقيق غايته سراً، وألاّ تصطبغ إجراءاته في ذلك بالصبغة الدينية.
ومضت بضعة أعوام أخرى، والفكرة تُبحَث وتختمر وتتوطد، حتى كانت حوادث المغرب في أواخر سنة (١٦٠٧ م) وما نسب للموريسكيين من صلة بمولاي زيدان ومشاريعه لغزو إسبانيا، وعزمهم على الثورة. عندئذ بادر مجلس الدولة بالاجتماع في أواخر (كانون الثاني - يناير ١٦٠٨ م)، واستُعرِضت جميع الآراء والمشاريع السابقة، وبُحِثت جميع الاقتراحات، وكرّر المطران ربيرا اقتراحه بوجوب نفي الموريسكيين إلى المغرب، وقال: إن
стр. 843
النفي أرفق ما يمكن عمله، وأيد رأيه معظم الأعضاء الآخرين، وذكروا أن نفي الموريسكيين أصبح ضرورة لا مفر منها، لأنهم يتكاثرون بسرعة، بينما يتناقص عدد النصارى القدماء. وبحثت تفاصيل المشروع ووسائله، وما يجب اتخاذه من التحوطات لضمان تنفيذه، خصوصاً وقد بدأت أنباء المشروع تتسرب إلى الموريسكيين، وظهرت بينهم أعراض الهياج في سرقسطة وبلنسية. وكانت الخطوة التالية أن عُهد بدرس المشكل كلّه، إلى لجنة خاصة على رأسها الدوق دى ليرما، ووضعت هذه اللجنة أسس المشروع التمهيدية بعد كبير جدل، وخلاصتها أن يمنح الموريسكيون شهراً لبيع أملاكهم ومغادرة إسبانيا إلى حيث شاءوا، فمن جاز منهم إلى إفريقية منح السفر الأمين، ومَن جاز إلى أرض نصرانية أُوصِي به خيراً، ومَن تخلف عن الرحيل بعد انقضاء هذه المدة عوقب بالموت والمصادرة؛ ولم يعترض أحد على هذه الأسس بذاتها، ولكن هذه الأسس الرفيقة نوعاً ما لم يؤخذ بها.
وفي كانون الثاني - يناير من سنة (١٦٠٩ م) بحث مجلس الدولة المسألة لآخر مرة، وقدم تقريراً ينصح فيه بوجوب نفي الموريسكيين لأسباب دينية وسياسية فصّلها، وأهمها تعرّض إسبانيا يومئذ لخطر الغزو من مراكش وغيرها. وقيام الأدلة على أن الموريسكيين جميعاً خونة مارقون، يستحقون الموت والرق، ولكن إسبانيا تؤثر الرفق بهم، وتكتفي بنفيهم من أراضيها. وتقرر أن ينفذ المشروع كله هذا العام في الخريف منه، وأرسلت الأوامر إلى حكام صقلية ونابولي وميلان، بإعداد جميع السفن الممكنة لنقل الموريسكيين، وجمع القوات اللازمة لحوراستهم، واجتمعت منذ أوائل الصيف في مياه ميورقة، عشرات السفن المطلوبة، وسارت أهبة التنفيذ بسرعة ونشاط.
وهكذا انتهت السياسة الإسبانية بعد مدة من التردد، إلى اتخاذ خطوتها الحاسمة في القضاء على البقية الباقية من الموريسكيين، وتحقيق أمنيتها القديمة في (تطهير) إسبانيا نهائياً من آثار الإسلام وآثار العرب، ومحو تلك
стр. 844
الصفحة الأخيرة لشعب عظيم تالد.
ب - وفي (٢٢ أيلول ت سبتمبر سنة ١٦٠٩ م) أعلن قرار (مرسوم) النفي النهائي للموريسكيين أو العرب المتنصرين، فساد بينهم الروع والاضطراب، وإليك نص هذا القرار الشهير في صحف المآسي والاستشهاد:
يبدأ القرار بالتنويه بخيانة الموريسكيين، واتصالهم بأعداء إسبانيا، وإخفاق كل الجهود التي بذلت لتنصيرهم، وضمان ولائهم، وما استقر عليه رأي الملك من نفيهم جميعاً إلى بلاد البربر (المغرب). وبناء على ذلك فإنه يجب على جميع الموريسكيين من الجنسين، أن يرحلوا مع أولادهم في ظرف ثلاثة أيام من نشر هذا القرار من المدن والقرى إلى الثغور التي يعينها لهم مأمورو الحكومة، والموت عقوبة المخالفين، وأن لهم أن يأخذوا من متاعهم ما يستطاع حمله على ظهورهم، وأن السفن قد أعدت لنقلهم إلى بلاد المغرب، وسوف تتكفل الحكومة بإطعامهم أثناء السفر، ولكن عليهم أن يأخذوا ما استطاعوا من المؤن، وأنهم يجب عليهم أن يبقوا خلال مهلة الأيام الثلاثة في أماكنهم رهن إشارة المأمورين، ومَن وُجد متجولاً بعد ذلك يكون عرضة للنهب والمحاكمة، أو الإعدام في حالة المقاومة. وقد منح الملك السادة كل الأملاك العقارية والأمتعة الشخصية التي لم تحمل، فإذا عمد أحد إلى إخفاء الأمتعة أو دفنها، أو أضرم النار في المنازل أو المحاصيل، عوقب جميع سكان الناحية بالموت. ونص القرار على إبقاء ستة في المائة فقط من الموريسكيين للانتفاع بهم في صون المنازل، والعناية بمعامل السكر، ومحصول الأرز، وتنظيم الري، وإرشاد السكان الجدد، وهؤلاء يختارهم السادة من بين الأسر الأكثر خبرة وأشد ولاء للنصرانية. أما الأطفال فإذا كانوا دون الرابعة، فإنه يسمح لهم بالبقاء إذا شاءوا (كذا) ورضي آباؤهم وأولياؤهم، وإذا كانوا دون السادسة سمح لهم بالبقاء إذا كانوا من أبناء النصارى القدماء (أعني من غير العرب المتنصرين)، وسمح كذلك بالبقاء لأمهم الموريسكية، فإذا كان الأب موريسكياً والأم نصرانية أصيلة، نُفِي الأب
стр. 845
وبقي الأولاد دون السادسة مع أمهم. كذلك يسمح بالبقاء للموريسكيين الذين أقاموا بين النصارى مدى عامين، ولم يختلطوا (بالجماعة)، إذا زكّاهم القسس. وحظر القرار إخفاء الهاربين أو حمايتهم. ويُعاقَب المخالف بالأشغال الشاقة لمدة ستة أعوام. كذلك حظر على الجنود والنصارى القدماء أن يتعرضوا للموريسكيين أو يهينوهم بالقول أو الفعل، وهدّد المخالفون بالعقاب الصارم. وأخيراً نص القرار على السماح لعشرة من الموريسكيين بالعودة عقب كل نقلة، لكي يشرحوا لإخوانهم كيف تم النقل إلى المغرب على أحسن حال.
وقع قرار النفي على الموريسكيين وقوع الصاعقة، ونهكت قواهم، وسادهم الوجوم والذهول. وكان عصر الثورة والمقاومة قد ولّى، إذ انهارت معنوياتهم، ونضبت مورادهم. وكانت الحكومة الإسبانية قد اتخذت عدتها للطوارئ، وحشدت قواتها في جميع الأنحاء الموريسكية، واجتمع زعماء الموريسكيين وفقهاؤهم في بلنسية، فقرّوا أنه لا أمل لهم في المقاومة، وأنه لا مناص لهم من الخضوع، واستقر الرأي على أن يرحلوا جميعاً، وألاّ يبقى منهم أحد، ولا حتى نسبة الستة بالمائة التي سمح ببقائها، وأن مَن بقي منهم اعتبر مرتداً مارقاً، ومع ذلك فقد وقعت ثورات محلية، وتأهبت بعض الجماعات المحتشدة في المناطق الجبلية للمقاومة، وعاثت في الأنحاء المجاورة، ولكنها كانت فورة المحتضر، فأخمدت حركاتهم بسرعة، وقتل منهم عدد كبير.
وتظلم كثير من المدجنين من قرار النفي، وقالوا إنهم اعتنقوا النصرانية طوعاً قبل التنصير الإجباري، وغدوا نصارى وإسبانيين قبل كل شيء، فصدر الأمر إلى الأساقفة ببحث ظلامتهم، وأن يسمح بالبقاء لمن توفرت فيه منهم شروط الولاء والإخلاص (١).