← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ولا يصح أن يضمر له إلا فعل الحسبان، فإن أضمر (اعتقدهم) أو (اجعلهم) فهو ضعيف إذ لا دلالة عليه. وقال الحلبي: وهذا تحامل من الفارسي لأن (حسب) قد تأتي لليقين كقوله: حسبت التقى والجود خير تجارة وتضعيفه تقدير (اعتقدهم) و (اجعلهم) يريد من حث عدم الدلالة اللفظية وليس كذلك بل إذا أرشد المعنى إلى شيء قدر من غير ضعف، وإن كان دلالة اللفظ أحسن. وقال أبو حيان: لا يصح تقدير (اجعلهم) ألبتَّة سواءً أجعلته بمعنى اخلقهم أو صيرهم أو سمهم أو ألقهم. اهـ وقال السفاقسي: يصح إذا كان بمعنى اعتقدهم. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: لا منع من الأمر بالحسبان لأنه ظن لا شك، والتكليف بالظن واقع لقوله تعالى (فاعتبروا) (أمر) بالقياس وتحصيل الظن. اهـ قوله: (ذوو زلفى منه). قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس (عند) هنا للقرب المكاني لاستحالته، ولا بمعنى في علمه وحكمه كما في قولهم: هو كذا عند سيبويه؛ لعدم مناسبة المقام، بل

стр. 1017

بمعنى القرب شرفاً ورتبة. اهـ قوله: (بدل من (الذين)). قال الطَّيبي: أي بدل الاشتمال لأن الضمير في (عليهم) عائد إلى (الذين لم يلحقوا بهم)، وقد ضم إليه السلامة من الخوف والحزن. اهـ قوله: (عن ابن عباس أنه ﵊ قال: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ... ). الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه على شرط مسلم. قال الإمام التوربشتي: أراد بقوله (أرواحهم في أجواف طير خضر) أنَّ الروح الإنسانية المتميزة المخصوصة بالإدراكات بعد مفارقتها البدن يهيأ لها طير أخضر فتنتقل إلى جوفه ليعلق ذلك الطير من ثمر الجنة، فتجد الروح بواسطته ريح الجنة ولذتها والبهجة والسرور، ولعل الروح يحصل لها تلك الهيئة إذا تشكلت وتمثلت بأمر الله تعالى طيراً أخضر كتمثل الملك بشراً، وعلى أي حالة كانت فالتسليم واجب علينا لورود البيان الواضح على ما أخبر عنه الكتاب والسنة وروداً صريحاً لا سبيل إلى خلافه). قوله: ((يستبشرون) كرره للتوكيد) . قال أبو حيان: أعربه غير الزمخشري بدلاً من الأول، ولذا لم يدخل عليه واو العطف. اهـ قوله: (وليعلق به ما هو بيان لقوله (أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)) قال الطَّيبي: يعني كرر (يَسْتَبْشِرُون) ليعلق به قوله (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)، وهو بيان وتفسير لقوله (أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ

стр. 1018

يَحْزَنُونَ)، لأنَّ الخوف غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء، والحزن غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار، فمن كان متقلباً في نعمة من الله وفضل فلا يحزن أبداً ومن جعلت أعماله مشكورة غير مضيعة فلا يخاف العاقبة. اهـ قوله: (وقرأ الكسائى بالكسر على أنه استئناف معترض). قال أبو حيان: ليست هذه الجملة اعتراضاً لأنَّها لم تدخل بين شيئين أحدهما يتعلق بالآخر. اهـ قال الحلبي: ويمكن أن يجاب عنه بأن (الذِينَ استجَابُوا) يجوز أن يكون تابعاً لـ (الذين لم يلحقوا) نعتاً أو بدلاً، فعلى هذا يتصور الاعتراض. اهـ قال الطَّيبي: قول الزمخشري: على أنَّ الجملة اعتراض، أي: تذييل للآيات السابقة من لدن قوله (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ)، وفي ذكر المؤمنين إشعار بأن من وسم بسمة المؤمنين كائناً من كان شهيداً مقرباً أو من أصحاب اليمين فإن الله تعالى لا يضيع ًأجره. اهـ قوله: (صفة للمؤمنين أو نصب على المدح). قال الطَّيبي: فعلى هذا يجب أن يكون (أنَّ) المفتوحة مع ما بعدها معطوفة على النعمة والفضل، ويكون (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ... ) الآية مستأنفة، أي: ما لهم حينئذ؟ فقيل: لهم أجر عظيم. اهـ قوله: (أو مبتدأ خبره (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا)). قال أبو حيان: [إنه الظاهر. اهـ قال الطَّيبي]: أي (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا) مع ما في حيز الصلة مبتدأ، وقوله (أَجْرٌ

стр. 1019

عَظِيمٌ) مبتدأ ثان، و (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول. اهـ وبقي من الوجوه أن يكون رفعاً على القطع. قوله: (و (من) للبيان). قال الطَّيبي: فالكلام فيه تجريد، جرد من (اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) المحسن المتقي. اهـ وقال أبو حيان: من لا يرى ورود (من) للبيان قال إنَّها للتبعيض حالاً من ضمير (أحسنوا) وعليه أبو البقاء. اهـ قوله: (روي أن أبا سفيان وأصحابه -إلى قوله- فنزلت) أخرجه ابن جرير عن عكرمة والسدي وغيرهما، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة عن ابن إسحاق عن شيوخه. قوله: (من حضر يومنا). أي وقعتنا. في الأساس: ذكر في أيام العرب كذا، أي: في وقائعها، (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ): بدمادمه على الكفار. اهـ قوله: (فتحاملوا). في الأساس: تحاملت الشيء: احتملته على مشقة. اهـ قوله: ((الذين قال لهم الناس)) قال الشيخ سعد الدين: (الناس) الثاني في الآية غير الأول إذ اللام العهدية فيه ليست إشارة إلى ما ذكر صريحاً بل إلى ما يعرفه المخاطبون. اهـ قوله: (روي أنه نادى عند انصرافه ... ). الحديث أخرج ابن جرير بعضه عن مجاهد وبقيته عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن

стр. 1020

عمرو بن حزم. قوله: (وقيل في نعيم بن مسعود). الحديث ذكره ابن سعد في طبقاته. قوله: (الضمير المستكن للمقول) قال أبو حيان: هو ضعيف من حيث إنه لا يزيد إيماناً إلا بالنطق به لا هو في نفسه. اهـ قال الحلبي: وفيما قاله نظر، لأن المقول هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة الإيمان. اهـ وكذا قال السفاقسي: فيه نظر لأنَّ نفس المقول لا يزيد إيماناً بل باعتبار مدلوله. اهـ قوله: (أو لفاعله إن أريد به نعيم). قال أبو حيان: هو ضعيف من حيث إنه إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازاً فإن الضمائر تجري على ذلك الجمع لا على المفرد، فيفال: مفارقه شابت، باعتبار الإخبار عن الجمع، ولا يجوز: مفارقه شاب، باعتبار مفرقه شاب. اهـ قال السفاقسي: لا يبعد جوازه بناءً على ما علم من استقراء كلامهم فيما له لفظ وله معنى اعتبار اللفظ تارة والمعنى أخرى. اهـ وذكر الحلبي ونحوه. قوله: (ويعضده قول ابن عمر: قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار).

стр. 1021

أخرجه الثعلبي في تفسيره. قوله: (وفيه تحسير للمتخلف). قال الطَّيبي: يعني في عطف قوله (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ) على قوله (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ) على سبيل التكميل، وتذييل الآية (وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) مع التصريح بالاسم الجامع وإسناد (ذو فضل) إليه ووصفه بعظيم إيذان بأنَّ المتخلفين فوتوا على أنفسهم أمراً عظيماً لا يكتنه كنهه وهم أحق بأن يتحسروا عليه تحسراً ليس بعده. اهـ قوله: (و (الشيطان) خبر (ذلكم) ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: ذكر في الآية وجوهاً: أحدها: أنَّ (الشيطان) خبر (ذلكم)، والظاهر أنَّ المشار إليه (الناس) المذكور أولاً في قوله (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ... ) وهو نعيم بن مسعود لقوله: إنما ذلكم الشيطان، والمرا بـ (أولياءه) أبو سفيان وأصحابه، فيكون قوله (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) على تقدير جواب سائل: لم قصرت الشيطنة فيه؟ وأجيب: بأنه يخوف المسلمين أبا سفيان وأصحابه خديعةً ومكراً، وتخويفه قوله: (ما هذا بالرأي) أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد. وثانيها: أن يكون (الشيطان) صفة، و (يُخَوِّفُ) الخبر، وحينئذٍ يجوز أن يراد بالمشار إليه (الناس) المذكور أولاً وهو نعيم، أو الثاني وهو أبو سفيان، والمراد بتخويف أبي سفيان نداؤه عند انصرافه من أحد: موعدنا موسم بدر لقابل، ولما كان الوجه الأول أبلغ لمكان التخصيص بتعريف الخبر وموقع الاستئناف وكان تخويف نعيم ظاهراً اختص به. وثالثها: أن يكون المضاف محذوفاً والمراد بالشيطان إبليس كما صرح به، وعلى هذا الوجه المفعول الأول محذوف، والمراد بالأولياء: أبو سفيان وأصحابه، ويجوز أن يراد بالأولياء القاعدون، والمفعول الثاني محذوف والمراد بالتخويف: ما أوقع الشيطان في قلوبهم من الجبن والخور والرعب.

стр. 1022

وكأنَّ أقرب الوجوه الوجه الأخير لأنه قيل في حق السابقين غير القاعدين (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) فوضع موضع فما خافوا فزادهم إيماناً، وقال في حق هؤلاء القاعدين (فَلا تَخَافُوهُم وَخَافُونِ) وسموا أولياء الشيطان تغليظاً، ولذلك قرن به (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) مقابلاً لقوله (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا)، ثم إن أريد بالأولياء أبو سفيان وأصحابه والخطاب بقوله يخوفكم المؤمنون الخلص كان قوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) في معنى التعليل فلا يقتضي الجزاء، وإن أريد به المتخلفون كان المعنى: إن كنتم مؤمنين فخافوني وجاهدوا مع رسولي لأنَّ الإيمان يقتضي أن يؤثروا خوف الله على خوف الناس كما قال الإمام: والمعنى: الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره، وأما أولياء الله فهم لا يخافونه إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره، وهذا قول الحسن والسدي. قال الطَّيبي: والنظم يساعد عليه، فإنه تعالى لما بين أنَّ الذي أصاب المؤمنين يوم التقى الجمعان إنما أصابهم ليتميز المؤمن المخلص من المنافق فقسمهم أقساماً بدأ بذكر المنافقين ثم ثنى بذكر المؤمنين وجعلهم طبقات فذكر من استشهد وصدقوا ما عاهدوا الله عليه واستتبع مدحهم مدح الطبقة الثانية الذين لم يلحقوا بهم فذكر من أوصافهم أنَّهم الذين استجابوا لله والرسول تعريضاً بالمتخلفين، وأنهم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً، ولا فرغ من مدحهم التفت إلى الطبقة الثالثة وقال (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ)، ثم ثلث بذكر الذين محضوا الكفر و واطأت قلوبهم ألسنتهم فقال (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ) مستطرداً لذكر أولياء الشيطان، ثم عاد إلى ما بدأ منه من قوله (مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) توكيداً وتقريراً، ولما أراد أن يذكر اليهود جعل قوله (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) مخلصاً إليه ثم قال (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ). اهـ قال أبو حيان: إنما كان المراد بالشيطان على القولين الأولين نعيماً أو أبا سفيان لأنه لا يكون صفة والمراد به إبليس، لأنه إذا أريد به إبليس كان إذ ذاك علماً بالغلبة كالعيوق. اهـ قال الحلبي: وفيه نظر. اهـ

стр. 1023

قوله: (يقعون فيه سريعاً). قال الطَّيبي: يشير إلى أنَّ (يسارعون) مضمن معنى يقعون، لأنَّ المسارعة تعدى بـ (إلى). اهـ قوله: (والمعنى: لا يحزنك خوف أن يضروك). قال الطَّيبي: يعني ما أوقع فاعل (وَلا يَحْزُنْكَ) موصولة لتدل صلتها على علة النهي بل أوقعه ليكني به عن إيصال المضرة لأنَّ من يرغب في الكفر سريعاً غرضه مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم قتالهم ويدل عليه إيتاء قوله (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا) رداً وإنكاراً لظن الخوف، وإلى هذا المعنى أشار صاحب المفتاح: ربما جعل ذريعة إلى التنبيه للمخاطب على الخطأ. اهـ قوله: (وفي ذكر الإرادة إشعار بأنَّ كفرهم بلغ الغاية أراد أرحم الراحمين أن لا يكون لهم حظ من رحمته). تبع فيه الكشاف حيث قال: فإن قلت هلا قيل: لا يجعل الله لهم حظاً في الآخرة، أي: نصيباً من الثواب، ولهم بدل الثواب عذاب عظيم، وأي فائدة في ذكر الإرادة؟ قلت: فائدته الإشعار بأنَّ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصاً لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر تنبيهاً على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية حتى إنَّ أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم. اهـ قال الطَّيبي: السؤال والجواب مبني على مذهبه، والسؤال من أصله غير متوجه لأنه عدول عن الظاهر، فإن قوله (يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا) استئناف لبيان الموجب، كأنه قيل: لم يسارعون في الكفر مع أنَّ المضرة عائدة إليهم؟ فأجيب: أنه تعالى يريد ذلك منهم فكيف لا يسارعون. اهـ قوله: (تكريراً للتأكيد). قال الطَّيبي: أي هذه الآية والمتلوة قبلها سيان من حيث المعنى، فإن معنى (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) و (اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ) سواء، لأنَّ المسارعة للرغبة والمشتري راغب في المشترى، و (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا) مقابل لمثله، وقوله (يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا

стр. 1024

فِي الآخِرَةِ ... ) إلى آخره تلخيص قوله (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). اهـ قوله: (أو المفعول الثاني على تقديره مضاف ... ). قال الطَّيبي: قيل: إنما لم يجعله مفعولاً ثانياً بدونه لأنَّ التقدير كون الإملاء خيراً لهم [فلا يصح حمله على (الذين كفروا) لأنك لا تقول (إن الذين كفروا)] على الابتداء والخبر، ويجوز ذلك على حذف المضاف إما في الخبر أو في الابتداء لتصح الجمل. اهـ قوله: (الطِّول). بكسر الطاء: الحبل الذي يُطّولُ للدابة فترعى فيه. قوله: (واللام لام الإرادة). قال السجاوندي: إرادة زيادة الإثم جائزة عند أهل السنة، ولا يخلو عن حكمة. اهـ قوله: (وقرئ (أنما) بالفتح وكسر الأولى) قال الطَّيبي: هذه القراءة شاذة، ومع ذلك غير مخالفة لمذهب أهل السنة، وتقريرها أنها جارية على البعث على التفكر والنظر، فالمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أنَّ مطلق الإملاء في حقهم لأجل الازدياد في الإثم والانهماك في الشر فقط حتى يسارعوا في الكفر والإضرار بنبي الله فيهلكوا؛ بل قد يكون الإنظار للنظر المؤدي إلى الإنصاف فيتداركهم الله بلطفه بالتوبة والدخول في الإسلام فيفلحوا قال الله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)، ونحوه قوله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ)، إنهم إذا نظروا إلى هذا الكلام المنصف تركوا العناد

стр. 1025

وأنصفوا من أنفسهم. والفرق بين القولين أنَّ إملاء الله تعالى على قولهم مقصور على الإرادة للتوبة مراعاة للأصلح، وعلى قولنا الإرادة كما أنَّها تتعلق بالتوبة تتعلق بازدياد الإثم. اهـ قوله: (روى أن الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن منَّا بالله ومن يكفر فنزلت). أخرجه ابن جرير عن السدي. قوله: (وعن النبى ﷺ قال: عرضت علي أمتي وعلمت من يؤمن بي ومن يكفر. فقال المنافقون: إنه يزعم أنه يعرف من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا، فنزلت). لم أقف عليه. قوله: (وإن جعله الموصول كان المفعول الأول محذوفاً لدلالة (يبخلون) عليه). قال الطَّيبي: عن صاحب الكشاف: إنما يجوز حذف أحد مفعولي (حسب) إذا كان فاعل حسب ومفعولاه شيئاً واحداً في المعنى كقوله تعالى (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا) على القراءة بالياء التحتية أي: لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً، وإنما حذفت لقوة الدلالة؛ وهذه الآية ليست كذلك فلا بد من التأويل، وذلك أنَّ الموصولة اشتملت على (يبخلون) فالفاعل مشتمل على معنى البخل فكان الجميع في حكم معنى واحد، ولذلك حذف، وإليه الإشارة بقوله: والذي سوغ حذفه دلالة (يبخلون) عليه. اهـ قوله: (والمعنى: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق). قال الشيخ سعد الدين: إشارة أنَّ هذا تمثيل ولا طوق حقيقة، وقيل: هو على حقيقته وأنهم يطوقون حية أو طوقاً من نار. اهـ قوله: (ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله ... ) الحديث.

стр. 1026

أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، والترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود نحوه. قوله: (وله ما فيها مما يتوارث). قال الزجاج: إنَّ الله يغني أهلهما فيغنيان بما فيهما ليس لأحد فيهما ملك، فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما يرجع للإنسان ميراثاً (إذا كان) ملكاً له. اهـ قوله: (قاله اليهود لما سمعوا (من ذا الذي يقرض الله قرضاً)). أخرجه ابن جرير عن الحسن البصري. قوله: (روي أنه ﵊ كتب مع أبى بكر إلى يهود بنى فينقاع ... ) الحديث. أخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه). قوله: (والمعنى أنه لم يخف عليه وأنه أعد لهم العقاب عليه) قال الطَّيبي: يشير إلى أن قوله (سَمِعَ اللهُ) كناية تلويحية عن الوعيد لأن السماع لازم العلم بالمسموع وهو لازم للوعيد في هذا المقام، فقوله: وأنه أعد لهم عطف تفسيري على قوله: أنه لم يخف. اهـ الشيخ سعد الدين: يعني أن الله سميع عليم بالمسموعات، فمعنى تخصيص هذا القول بالذكر أنه أعد له عقاباً يناسبه على طريق الكناية. اهـ قوله: (أي: وننتقم منهم بأن نقول لهم ذوقوا) قال الطَّيبي: أي (ونقول) عطف على (سنكتب)، والباء في (بأن نقول) كالباء في (كتبت بالقلم) أي: ننتقم منهم بواسطة هذا القول، ولن يوجد هذا القول إلاّ

стр. 1027

وقد وجد العذاب وألمه، فالكلام فيه كناية. اهـ قوله: (والذوق ... ) إلى آخره . قال الزجاج: (ذوقوا) كلمة للذي يؤيس من العفو عنه، أي: ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص. اهـ قوله: (وعلى الاتساع ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: ناسب ذق في الاتساع للإدراك قوله (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) في الاتساع من مزاولة الأعمال. اهـ قوله: (عطف على (ما قدمت) وسببيته العذاب من حيث إن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء). هو جواب سؤال مقدر وتقديره كما قال الطَّيبي: إنَّ الجهة الجامعة بين المعطوف والمعطوف عليه واجب، وهي في قوله (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ) مفقودة، لأنَّ الذي دل عليه المعطوف استحقاق العذاب لكونه تعليلاً لقوله (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) وهذا كيف يتصور في قوله (لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ)؟ وتقرير الجواب: أنَّ مفهوم الآية دل على أنه عادل، والعدل مستلزم لعقاب المسيء وإثابة المحسن، كأنه قيل: ذلك العذاب بسبب فعلكم وبسبب أنَّ الله عادل لا يترك معاقبة المسيء، فحصلت الجهة الجامعة. اهـ قوله: (ولا ذاكر الله إلا قليلاً) هو لأبي الأسود الدؤلي وصدره: فألفيته غير مستعتب. وأول الأبيات: رأيت امرئ كنت لم أبله ... أتاني فقال اتخذني خليلا فخاللته ثم أكرمته ... ولم أستفد من لدنه فتيلا فوافيته حين جربته ... كذوب اللسان سؤولاً بخيلا فذكرته ثُمَّ عاتبته ... عتاباً رفيقاً وقولاً جميلا

стр. 1028

فألفيته ... البيت. قال الشيخ سعد الدين: الأصل (ذاكرٍ) بالتنوين مجروراً معطوفاً على (مستعتب) ولا إضافة لأنَّ (الله) منصوب واسم الفاعل معتمد على النفي أو على المبتدأ في التقدير كما تقول: أنت غير ضارب زيداً؛ أي: لا ضارب، والمعنى: ذكرته ما كان بيننا من العهود والمودات وعاتبته أدنى عتاب فما وجدته طالباً رضاي، يقال: استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني. اهـ قوله: (ويؤيده قوله ﵊: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار). أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. واستدرك عليه الشيخ ولي الدين العراقي بأنه ورد أيضاً من حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط. قوله: (وعن النبى ﷺ : من أحب أن يزحزح عن النار ... ) الحديث. أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو. وقال الطَّيبي: الضمير المستتر في (يؤتى) راجع إلى ما. في الأساس: أتى إليه إحساناً إذا فعله، أي: يحسن إلى الناس ما يحب أن يحسن إليه. اهـ قوله: (على المستام). قال الطَّيبي: أي المشتري. اهـ

стр. 1029

قوله: (متاع بلاغ). قال الطَّيبي: (أي يبلغ بالدنيا إلى الآخرة). اهـ قوله: (من معزومات الأمور ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: جعل المصدر في تأويل المفعول، وجمعه لإضافته إلى الأمور. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: يعني أنَّ العزم مصدر بمعنى المفعول أي المعزوم عليه، والفاعل هو العبد بمعنى أنه يجب عليه أن يعزم على ذلك، أو الله أي: أراد وفرض، وذكر المرزوقي أن حقيقة العزم: توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله، ولذلك لم يجز على الله. اهـ قوله: (أي: اذكر وقت أخذه). قال الشيخ سعد الدين: يشعر بأنَّ (إذ) مفعول به لا ظرف إلا أن يكون المراد ذكر الحادث وقت الأخذ. اهـ قوله: (من كتم علماً عن أهله ألجم بلجام من النار). أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة من حديث أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجة من حديث أنس، وأخرجه الحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمرو. ولفظه: من سُئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار. قال الشيخ ولي الدين العراقي: ولم أجد في ألفاظه من كتم علماً عن أهله.

стр. 1030

قوله: (وعن علي: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلموا). قال الشيخ ولي الدين: رواه الثعلبي في تفسيره من طريق الحارث ابن أبي أسامة، وهي في مسند الفردوس من حديثه مرفوعاً إلى النبي ﷺ . قوله: (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ تأكيد) . قال الزجاج: العرب إذا طالت القصة تعيد (حسبت) وما أشبهها إعلاماً أنَّ الذي جرى متصل بالأول وتوكيداً. اهـ قوله: (ومفعولا (لا يحسبن) محذوفان). قال السفاقسي: حذف المفعولين في باب (حسب) أسوغ من حذف أحدهما. اهـ قوله: (أو المفعول الأول محذوف). قال الشيخ سعد الدين: هذا إذا جعل التأكيد مجموع (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) أعني الفعل والفاعل والمفعول، فإن جعل الفعل والفاعل على ما هو الأنسب إذ ليس المذكور سابقاً إلا الفعل والفاعل فالضمير المنصوب المتصل بالتأكيد هو المفعول الأول ولا حذف. اهـ وأعاد أبو حيان منازعته السابقة في آية الشهداء من أن هذا الحديث عزيز عند الأكثر وممنوع عند البعض فينزه عنه القرآن. قوله: (روي أنه ﵊ سأل اليهود عن شىء ... ) الحديث. أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس بمعناه. قوله: (وقيل نزلت في قوم تخلفوا عن الغزو ... ) إلى آخره. أخرجه الشيخان عن أبي سعيد، وعبد بن حميد في تفسيره عن رافع بن خديج. يقال: استحمد إليه؛ أي: طلب منه أن يحمده. قوله: (فهو يملك أمرهم). قال الطَّيبي: فيه تهديد لليهود، والفاء جواب شرط محذوف والمراد بالسماوات

стр. 1031

والأرض جميع العالم، والتقدير: إذا كان مالك العالم وهو من جملته وقادراً على كل شيء وهم بعض مقدوراته فيلزم أن يكون مالكاً لأمرهم وقادراً على عقابهم. اهـ قوله: (وعن النبي ﷺ : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها). أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة. قوله: (وعنه ﵊: من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله). أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث معاذ. قوله: (صل قائماً ... ) الحديث. أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة حديث عمران بن حصين وليس فيه ذكر الإيماء. قوله: (لا عبادة كالتفكير). أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وابن حبان في الضعفاء من حديث علي وضعفاه. قوله: (بينما رجل مستلق على ... ) الحديث. أخرجه أبو الشيخ ابن حيان والثعلبي من حديث أبي هريرة. قوله: (غاية الإخزاء ونظيره قولهم من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك). قال الطَّيبي: أي أدرك مرعى ليس بعده مرعى، والصمان: جبل. اهـ

стр. 1032

وقال الشيخ سعد الدين: الأبلغية مستفادة من جعل الجزاء أمراً ظاهر اللزوم للشرط بحيث لا فائدة في ذكره ما دام محمولاً على إطلاقه، فيحمل على أخص الخصوص ليفيد. اهـ قوله (لتضمنهما معنى الانتهاء). أي انتهاء الغاية والاختصاص. قال الطَّيبي: لأنَّ من انتهى إلى الشيء اختص به. اهـ قوله: (أي: بأن آمنوا) . اقتصر على أنَّ (أن) مصدرية، وجوز الزمخشري أن تكون تفسيرية، ورجحه أبو حيان، وعبارة الكشاف: أن آمنوا، أو: بأن آمنوا. قال الطَّيبي: الأول: على أنَّ (أن) مفسرة، لأنَّ في (ينادي للإيمان) معنى القول، والثاني: على أنَّ (أن) مصدرية وصلت بالأمر. اهـ قوله: ((فاغفر لنا ذنوبنا) كبائرنا (وكفر عنا سيئاتنا) صغائرنا) قال الطَّيبي: خولف بين معنييهما ليكون من باب التتميم والاستيعاب كقوله (الرحمن الرحيم)، أو لأنَّ المناسب بالذنب الكبائر لأنه مأخوذ من الذَنُوب وهو الدلو الملأى، ولأنَّ الشرك يسمى ذنباً ولا يسمى سيئة، ولأنَّ الغفران مختص بفعل الله والتكفير قد يستعمل في فعل العبد يقال: كفر عن يمينه، ولأنَّها مقابلة للحسنة لقوله تعالى (إنَّ الحسنات يذهبن السيئات) فلا شك أنها صغائر (١). اهـ قوله: (مخصوصين بصحبتهم). قال الطَّيبي: الاختصاص مستفاد من استعمال التوفي مع الأبرار، وذلك أن التوفي مع الأبرار محال لأن بعضاً منهم تقدم وبعضاً لم يوجد، فالمراد: الانخراط في سلكهم على سبيل الكناية، فإنه إذا كان منخرطاً في سلكهم لا يكون مع غيرهم. اهـ قوله: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه).

стр. 1033

أخرجه الشيخان من حديث عبادة بن الصامت. قوله: (والأبرار: جمع برّ أو بارّ كأرباب وأصحاب). قال الشيخ سعد الدين: الجمهور على أنه لم يثبت جمع فاعل على أفعال، وأن أصحاب جمع صحْب بالسكون أو صحب بالكسر مخفف صاحب بحذف الألف. اهـ قوله: (ويجوز أن يعلق علَى محذوف تقديره: ما وعدتنا مُنَّزلاً على رسلك، أو محمولاً عليهم). قال أبو حيان: هذا لا يجوز لأنَّ القاعدة أنَّ معلق الظرف إذا كان كونا مقيداً لا يجوز حذفه وإنما يحذف إذا كان كوناً مطلقاً. وقال أيضاً: فالظرف هنا حال وهو إذا وقع حالاً أو خبراً أو صفة أو صلة يتعلق بكون مطلق لا مقيد. اهـ وقال السفاقسي: للزمخشري أن يمنع انحصار التعلق في كونٍ مطلق بل به أو بمقيد إذا كان عليه دليل، وليس نظير: زيد في الدار؟ أي: صاحبك، أي: لا دليل على صاحبك. اهـ قوله: (وفى الآثار: من حزنه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف). لم أقف عليه). قوله: (أو لأنهما من أصل واحد ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: يريد أنَّ (من) في قوله (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) إتصالية كما في قوله: لست من دد ولا الدد مني، ثم الاتصال إما بحسب أنَّ أباكَم آدم، وهو المراد بقوله: من أصل واحد، وإما بحسب محبتكم وخلتكم، وهو المراد بقوله: أو لفرط الاتصال والاتحاد، وإما باعتبار الأخوة في الإسلام، وهو المراد بقوله: أو الاجتماع والاتفاق في الدين. اهـ قوله: (وهى جملة معترضة). قال الحلبي: يعني بالاعتراض أنَّها جيء بها بين قوله (عَمَلَ عَامِلٍ) وبين ما فصل به عمل

стр. 1034

العامل من قوله (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا). اهـ قوله: (روي أنَّ أم سلمة قالت: يا رسول الله إنى أسمع الله يذكر الرجل في الهجرة ولا يذكر النساء، فنزلت). أخرجه الترمذي والحاكم وصححه من حديثها. قوله: (تفصيل لأعمال العمال). قال الطَّيبي: والمجمل هو العمل المضاف إلى عامل، وكان من حق الظاهر أن يقال: فالمهاجرة حكمها كذا وتحمل مشقة الجلاء عن الأوطان كذا وتحمل أذى الكفار والمجاهدة في سبيل الله بالقتال كذا، لأنَّ تفصيل العمل هذا فعدل عنها إلى إعادة ذكر العامل بالموصول وإيقاع الأعمال صلة ليدل على العامل وعلى العمل مزيداً لتقرير تلك الأعمال وتصويراً لتلك الحالة السنية تعظيماً للعامل وتفخيماً لشأنه. ثم في بناء الخبر وهو قوله (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) على المسند إليه الموصول مع إرادة القسم وتكرير اللام في (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ) إشعار بَأن هذه الكرامة لأجل تلك الأعمال الفاضلة والخصائل النابهة وأن لا بد من تحقيق كل من هذين الوعدين على سبيل الاستقلال. اهـ قوله: (والنهي في المعنى للمخاطب وإنما جعل للتقلب تنزيلاً للسبب منزلة المسبب). قال الطَّيبي: السبب تقلبهم في البلاد، والمسبب التباس المغرور به، فنهى تقلبهم لينتفي غروره به، يعني: لا تغتر بسبب تقلبهم في البلاد وتمتعهم بالمال والمنال فإنَّ ذلك في وشك الزوال، يعني: لا تكن بحيث إن شاهدت ذلك وقعت في الغرور، وهو على منوال: لا أريتك هاهنا. اهـ قوله: (ما الدنيا فى الآخرة ... ) الحديث. أخرجه مسلم من حديث المستورد بن شداد. قال الشيخ سعد الدين: أي في جنبها وبالإضافة إليها، وهي حال عاملها معنى النفي،

стр. 1035

وقد يقدر مضاف، أي: ما تقدير الدنيا واعتبارها، فهو العامل. اهـ قوله: (قال أبو الشعراء الضبي: وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا). قال الطَّيبي: الجبار: الملك المتسلط، ضافنا: أي نزل بنا ضيفا، والباء في بالجيش للتعدية أو المصاحبة، يقول: إذا جعل الجيش ضيفاً لنا أو إذا صار مع الجيش ضيفاً لنا، والمرهفات: السيوف الباترات، جعل المرهفات نزلاً على التهكم. اهـ قوله: (نزلت في ابن سلام وأصحابه). أخرجه ابن جرير عن ابن جريج. قوله: (وقيل فى أربعين من نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى فأسلموا). قوله: (وقيل في أصحمة النجاشي لما نعاه جبريل ... ) الحديث. أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث جابر، والثعلبي والواحدي من حديث ابن عباس. والعلج في الأصل: القوي الغليظ من الكفار. وقال الشيخ سعد الدين: النجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم والياء ساكنة. اهـ وقال ابن الأثير في النهاية: الياء مشددة. وقيل: الصواب تخفيفها. اهـ وقال الزركشي في نكت العمدة: نونه مفتوحة في المشهور، وزعم ابن دحية وابن السيد أنه بكسرها أيضاً. قال: وأصحمة: بالحاء المهملة والحبشة يقولوه بالخاء المعجمة.

стр. 1036

وذكر مقاتل في نوادر التفسير من تأليفه أنَّ اسمه مكحول بن صعصعة، توفي في رجب سنة تسع. قوله: (وتخصيصه بعد الأمر بالصبر ... ). قال الطَّيبي: لأنَّ المصابرة نوع خاص من الصبر، فهو من باب قوله (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ). اهـ قولة: (من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة). أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة نحوه. قوله: (من رابط يوماً وليلة فى سبيل الله كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه). الحديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة في المصنف من حديث سلمان بهذا اللفظ، وأصله عند مسلم بمعناه. قال الشيخ سعد الدين: كعدل: هو بالفتح: المثل من غير الجنس، وبالكسر: المثل من الجنس. اهـ قوله: (من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس). أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس. قوله: (من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آيهَ منها أماناً على جسر جهنم). هذا من الحديث الموضوع الذي روي عن أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة وقد نبَّه أئمة الحديث وحفاظه ونقاده قديماً وحديثاً على أنه موضوع مختلق على

стр. 1037

رسول الله ﷺ ، وعابوا على من أورده من المفسرين في تفاسيرهم وها أنا أسوق نبذة من كلامهم في ذلك: قال ابن الصلاح: روينا عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة. وهكذا حال الحديث الطويل الذي روي عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في سورة بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لبين عليه، ولقد أخطأ الواحدي المفسِّر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم. اهـ قال الحافظ ولي الدين العراقي في شرح الألفية: ومثال من كان يضع الحديث حسبة ما رويناه عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي قاضي مرو فيما رواه الحاكم بسنده عن أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة. وكان يقال لأبي عصمة هذا نوح الجامع، فقال أبو حاتم ابن حبان: جمع كل شيء إلا الصدق. وقال أبو عبد الله الحاكم: وضع حديث فضائل القرآن. وروى ابن حبان في مقدمة تأريخ الضعفاء أنَّ ابن مهدي قال: قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس فيها. وهكذا حديث أبي الطويل في فضائل قراءة سور القرآن سورة سورة فروينا عن المؤمل ابن إسماعيل قال: حدثني شيخ به. فقلت للشيخ: من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي فصرت إليه فقلت: من حدثك؟ فقال حدثني شيخ بواسط وهو حي فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ فقال: هذا الشيخ حدثني.

стр. 1038

فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن. وكل من أودع حديث أبي المذكور تفسيره كالواحدي والثعلبي والزمخشري مخطئ في ذلك، لكن من أبرز إسناده منهم كالثعلبي والواحدي والزمخشري فهو أبسط لعذره إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيانه، وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم فخطؤه أفحش. اهـ

стр. 1039

سورة النساء (قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) خطاب يعم بني آدم هـ. ثم قال: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) عطف على خلقكم أي: خلقكم من شخص واحد وخلق منه أمكم حواء من ضلع من أضلاعه أو محذوف تقديره: من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها). أقول: الذي ذكره صاحب الكشاف أنه إذا كان الخطاب في (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) عاماً فالعطف على محذوف، وإن كان خاصاً بالذين بعث إليهم رسول الله ﷺ فالعطف على (خَلَقَكُمْ). وقال ابن المنير: إنما قدر المحذوف حيث كان الخطاب عاماً لئلا يكون قوله (وَبَثَّ مِنْهُمَا) تكرار لقوله (خَلَقَكُمْ) وهو معطوف عليه لا يصلح أن يكون بياناً له وإنما هو معطوف على المقدر فذاك المقدر واقع صفة مبينة والمعطوف عليه داخل في حكم البيان فلا يلزم التكرار في الوجه الثاني لخصوص الخطاب. اهـ وتابع ابن المنير على هذا التقدير جماعة منهم السفاقسي. وقال صاحب التقريب: إنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار. قال: ويحتمل أن يعطف على (خَلَقَكُمْ) من غير تخصيص (الناس)، ولا تكرار إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس واحدة خلق زوجها منها. اهـ وكأنَّ المصنف لحظ ما لحظه صاحب التقريب من هذا الاحتمال فاقتصر على العموم في (الناس) وجعل العطف على (خَلَقَكُمْ) المذكور على خلاف ما ذكره صاحب الكشاف وزاد فبدأ به، كأنه لمح ما لمحه أبو حيان والحلبي حيث قالا: إن تقدير محذوف تكلف، ثم لم يخل الكتاب من ذكره آخراً متمماً للفائدة بذكر كل ما قيل في التخريج. قال الشيخ سعد الدين: قوله (يعم بني آدم) يريد الذكور والإناث لا الأبناء خاصة،

стр. 1040

لكنه مبهم يحتمل أن يراد المجموع أو من بعث إليهم رسول الله ﷺ . اهـ قوله (وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة ... ) إلى آخره. جواب سؤال تقديره: أنَّ الأصل في ترتيب الحكم على الوصف أن يكون ذلك الوصف مما له صلاحية العلية، وهنا خلقهم من نفس واحدة كيف يصح أن يكون علة لقوله (اتقوا)؟ وحاصل الجواب: أنه دال على القدرة والنعمة وكل من الأمرين موجب للتقوى وداع إليها، والمراد تقوى خاصة فيما يتعلق بحفظ حقوق ذوي الأرحام فقط، وعلى هذا لا يرد السؤال لأنَّ المذكور موجب للحكم بلا تأويل. قاله الطَّيبي. قوله: (بطرحها). أي التاء الثانية. قال الشيخ سعد الدين: لأنَّ الثقل عندها يحصل، ولأن الأولى حرف مضارعة. اهـ قوله: (وقرأ حمزة بالجر عطفاً على الضمير المجرور وهو ضعيف لأنه كبعض الكلمة). ذكر ابن عطية مثله فقال: المضمر المخفوض لا ينفصل فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرف، ويرد هذه القراءة عندي وجهان: أحدهما: أنَّ ذكر الأرحام فيما يتسأل به لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى، ولا فائدة فيها أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتسأل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون في ذكر الأرحام فائدة مستقلة. والوجه الثاني: أنَّ في ذكرها على ذلك تقريراً للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله ﵊: من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت. اهـ وقال أبو حيان: ما ذهب إليه البصريون واتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية من امتناع العطف على الضمير المجرور غير صحيح، بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك أنه

стр. 1041

يجوز، وقد أطلنا الاحتجاج على ذلك عند قوله تعالى (وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... ) وذكرنا ثبوت ذلك في لسان العرب نثرها ونظمها فأغنى ذلك عن إعادته. وقول ابن عطية: يرد عندي هذه القراءة من المعنى به وجهان عبارة قبيحة لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه إذ عهد إلى قراءة متواترة عن رسول الله ﷺ قرأ بها سلف الأمة واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله ﷺ بغير واسطة عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأقرأ الصحابة أُبي بن كعب ﵃ عمد إلى ردها بشيء خطر له في ذهنه، وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري فإنه كثيراً ما يطعن في نقل القراء وقراءاتهم، وحمزة أخذ القراءات عن سليمان بن مهران الأعمش وحمران بن أعين ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد الصادق، ولم يقرأ حمزة حرفاً من كتاب الله إلاّ بأثر، وكان حمزة صالحاً ورعاً ثقة في الحديث، وهو من الطبقة الثالثة ولد سنة ثمانين، وأحكم القراءة وله خمس عشرة سنة، وأمَّ الناس سنة مائة، وعرض عليه القرآن جماعة من نظرائه منهم سفيان الثوري والحسن بن صالح، ومن تلاميذه جماعة منهم إمام الكوفة في القراءة والعربية أبو الحسن الكسائي. وقال الثوري وأبو حنيفة ويحيى بن آدم: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض. قال: وإنما ذكرت هذا وأطلت فيه لئلا يطلع عمر على كلام الزمخشري وابن عطية في هذه القراءة فيسيء ظناً بها فيقارب أن يقع في الكفر بالطعن في ذلك، ولسنا متعبدين بقوله نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، وكم حكم ثبت بنقل الكوفيين، وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية. اهـ وقد خرج ابن جني قراءة حمزة هذه على تخريج آخر فقال في الخصائص: باب في أن

стр. 1042

المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به، من ذلك قوله: رسم دار وقفت في طلله؛ أي: رب رسم دار، وكان رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ يقول خيرٍ عافاك الله؛ أي: بخير، وتحذف الباء لدلالة الحال عليها بجري العادة والعرف بها وعلى نحو هذا تتوجه قراءة حمزة (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ) ليست هذه القراءة عندنا من الإبعاد والفحش والشناعة والضعف على ما رواه فيها أبو العباس [بل الأمر فيها دون ذلك وأقرب وأخف وألطف وذلك أنَّ لحمزة أن يقول لأبي العباس]: لم أحمل الأرحام على العطف على المجرور المضمر بل اعتقدت أن يكون فيه باء ثانية حتى كأني قلت: (وبالأرحام) ثم حذفت الباء لتقدم ذكرها أيضاً في نحو قولك: بمن تمرر أمرر، فإذا جاز للفرزدق أن يحذف حرف الجر لدلالة ما قبله عليه مع مخالفته في الحكم له في قوله: وإني من قوم بهم تتقي العدا ... ورأب الثأي والجانب المتخوف أي: وبهم رأب الثأي، فحذف الباء في هذا الموضع لتقدمها في قوله (بهم يتقي العدا) وإن كانت حالاهما مختلفين، ألا ترى أن الباء في قوله (بهم يتقي العدا) منصوبة الموضع لتعلقها بالفعل الظاهر الذي هو (يتقي) كقولك: بالسيف يضرب زيد، والباء في قوله (وبهم رأب الثأي) مرفوعة الموضع عند (قوم) وعلى كل حال فهي متعلقة بمحذوف ورافعة للرأب، ونظائر هذا كثيرة كان حذف الباء من قوله (والأرحام) لمشابهتها الباء في (به) موضعاً وحكماً أجدر. اهـ وقال ابن يعيش في شرح المفصل: ضعف أكثر النحويين قراءة حمزة (والأرحام)

стр. 1043

نظراً إلى العطف على المخفوض، وقد ردها أبو العباس المبرد وقال: لا تحل القراءة بها، وهذا القول غير مرضي منه لأنه قد رواها إمام ثقة فلا سبيل إلى رد نقل الثقة، مع أنه قد قرأ بها جماعة من غير السبعة كابن مسعود وابن عباس وإبراهيم النخعي والأعمش والحسن البصري وقتادة ومجاهد، فإذا صحت الرواية لم يكن سبيل إلى ردها، ويحتمل غير العطف على المكنى المخفوض وهو أن يكون اعتقد أنَّ فيه باء ثانية حتى كأنه قال: وبالأرحام؛ ثم حذف الباء لتقدم ذكرها نحو قولك: بمن تمر أمر وعلى من تنزل أنزل، وقد كثر عندهم حذف حرف الجر، وقد مشى عليه أيضاً الزمخشري فقال في أحاجيه: ومحمل قراءة حمزة (تسألون به والأرحام) على حذف الجار سديد لأن هذا المكان قد شهر بتكرير الجار فقامت الشهرة مقام الذكر. اهـ قوله: (وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر). قال الشيخ سعد الدين: لأن المعطوف على الصلة لا يكون إلا جملة بخلاف ما إذا قلت: زيد راكب وذاهب. اهـ قوله: (تقديره: والأرحام كذلك ... ) إلى آخره. قال الزمخشري: لما علم واشتهر بدليل الاستقراء والقياس لم يخف على أحد أنه لا بد منه إما منطوقاً به وإما مقدر، والمقدر إما: مما يتقى؛ بدليل قراءة النصب، وإما: يتسأل به؛ بدليل قراءة الجر. قوله: (وعنه ﵇: الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعنى قطعه الله) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂. قوله: (لما جرى مجرى الأسماء ... ) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس في اللغة جمع فعيل على فعالى بل على فعال وفعلاء وفعلى وفعل ككرام وكرماء ونُذُر ومرضى، فيتامى: جمع يتمى، وهو جمع يتيم كما

стр. 1044

يجمع أسير على أسرى ثم على أسارى فيمن فتح الهمزة، أو مقلوب يتائم جمع يتيم فإن فعيلاً إذا كان اسماً يجمع على أفاعل كأفيل وأفايل، وقلَّ ذلك في الصفات، لكن اليتيم أجري مجرى الأسماء كصاحب وفارس، ولهذا قل ما يذكر معها الموصوف، وقد ورد الأصل في قول الشاعر: أأطلال حُسن بالبراق اليتائم ... سلامٌ على أحجار كن القدائم. والقدائم أيضاً مما جرى مجرى الأسماء لكن ذكر الموصوف معها يأبى التأويل. اهـ قوله: (لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ). أي عرف الشرع. قال الطَّيبي: هو من المنقولات الشرعية لحديث: لا يُتم بعد احتلام. اهـ قوله: (أو الاتساع لقرب عهدهم بالصغر حثاً على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم). قال الطَّيبي: يعني سموا اليتامى وإن لم يكونوا يتامى مجازاً لاعتبار معنى لطيف وهو أن لا يؤخر الإيتاء عن البلوغ، ويسمى هذا الفن في الأصول بإشارة النص وهو: أن يساق الكلام لمعنى ويضمن معنى آخر. اهـ قوله: (روي أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال منه فمنعه فنزلت، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله ورسوله نعوذ بالله من الحوب الكبير). زاد في الكشاف: فدفع ماله إليه فقال النبي ﷺ : ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره يعني جنته. فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : ثبت الأجر وبقي الوزر. قالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

стр. 1045

فقال: ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده. قال الشيخ ولي الدين العراقي: رواه الثعلبي والواحدي من قول مقاتل والكلبي. اهـ قال الطَّيبي: يعني جمع الوالد المال إما من الحرام فعليه الظلامة وإما من الحلال فعليه تبعة الحساب والوزر إن منع من حقوق الله شيئاً. اهـ قوله: (اختزال أموالهم). أي اقتطاعه. قوله: (وهذا تبدل وليس بتبديل). قال الشيخ سعد الدين: لأن معنى تبدلت هذا بذاك: أخذت هذا وتركت ذاك وكذا استبدلت، ومعنى بدلت هذا بذاك: أخذت ذاك وأعطيت هذا؛ قال الله تعالى (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ... )، فإذا أعطى الرديء وأخذ الجيد كان هذا إعطاء الخبيث وأخذ الطيب لا أخذ الخبيث وترك الطيب ليكون تبدل الخبيث بالطيب، وسيجيء في قوله تعالى (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) المعنى: لا أحد يبدل شيئاً من ذلك بما هو أصدق، فالحاصل أنَّ في التبدل ما دخلته الباء متروك وما تعدى إليه الفعل بنفسه مأخوذ، وفي التبديل بالعكس، نعم للتبديل استعمال آخر يتعدى إلى المفعولين بنفسه مثل (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)، (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا) بمعنى: يجعل الحسنات بدل السيئات، ويعطيهما بدل ما كان لهما خيراً منه، وآخر يتعدى إلى مفعول واحد مثل: بدلت الشيء: غيرته (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ)، وآخر يتعدى إلى المفعولين بنفسه وإلى البدل عنه بالباء أو (من)، مثل: بدله بخوفه

стр. 1046

ومن خوفه أمنا، ومنه (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ). اهـ قال الطَّيبي: قال الجوهري: تبديل الشيء: تغييره وإن لم يأت ببدل، واستبدلت الشيء بغيره، وتبدله به: إذا أخذه من مكانه. في الأساس: بَدَّلَ الشيءَ: غيَّره، وتبدلت الدار بأنسها وحشاً، واستبدلت. فمعنى التبديل: التغيير، وهو عام في أخذ شيء وإعطاء شيء، وفي طلب ما ليس عنده وترك ما عنده، هذا معنى قول الجوهري: تبديل الشيء بغيره وإن لم يأت ببدل. ومعنى التبدل: الاستبدال، والاستبدال: طلب البدل، فكل تبدل تبديل وليس كل تبديل تبدلاً فقوله: ولا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم، وقوله: أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث -وهو اختزال أموالهم- بالأمر الطيب الذي هو حفظها؛ ليس فيهما أخذ شيء وإعطاء شيء بدله بل هو طلب شيء ليس عنده وترك ما عنده [يدل عليه قوله: وما أبيح لكم من المكاسب، فعلى هذا قوله: إلا أن يكارم صديقاً له؛ استثناءٌ متصل من قوله: إنما هو تبديل، فتقدير الكلام أن يقال:] جعل شاة مهزولة مكان سمينة تبديل لأنه أخذ شيء وإعطاء شيء آخر، وليس بتبدل الذي هو ترك شيء وأخذ شيء بدله. اهـ قلت: ولا يتمشى ظاهر كلام البيضاوي على هذا التقرير، فإن ظاهره أنَّ الإشارة بهذا إلى هذا الأخير -على أنه قدح فيه- مستأنف من كلام المصنف حيث قال: وقيل: ولا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتعطوا الخسيس مكانها، وهذا تبدل وليس بتبديل، والطَّيبي قرر ضد ذلك فإن جُعلت الإشارة إلى التقدير الأول الذي قبل (وقيل تقسيمه) وجُعلت من تتمة المقول بقيل وافق ما قرره الطيبي. قوله: (أي: إن خفتم أن لا تعدلوا ... ) إلى آخره . قال الطَّيبي: فسر صاحب الكشاف هذه الآية بوجوه ثلاثة، وقدر الشرط والجزاء على ما يعطيه الوجه من المعنى: أولها: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء فقللوا عدد المنكوحات، وثانيها: إن خفتم الجور في

стр. 1047

حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حلَّ لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، وثالثها: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم. قال صاحب الانتصاف: هذا أظهر والآية معه تكملة لبيان حكم اليتامى وأمر بالاحتياط وأنَّ في غيرهن متسع، ويؤيده (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ ... ) الآية فتتطابق الآيتان، وعلى التأويلين الأوليين لا يتطابقان ولأنَّ الشرط لا يرتبط معهما بالجواب إلا من وجه عام، أما الأول: فلأنَّ الجور على النساء في الحرمة كالجور على اليتامى، وأما الثاني: فلأن الزنا محرم كما أن الجور على اليتامى محرم وكم من محرم يشاركهما في التحريم فلا خصوصية تربط الجواب كخصوصية الثالث. قلت: ولهذا صدر المؤلف بالثالث إشارة إلى ترجيحه. ثم قال ابن المنير: ثم ظاهر قوله (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) أنه توسعة عليهم كأنه قيل: إن خفتم من نكاح اليتامى ففي غيرهن متسع، وعلى الأول هو تضييق كأنه قال: إن خفتم من الجور في اليتامى فخافوا من الجور في النساء فاحتاطوا في عدد المنكوحات فينافي التوسعة ووجه الإشعار بالتوسعة إطلاق (مَا طَابَ)، ثم في قوله تعالى (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) بياناً لما وقع إطلاقه فلو أراد التضييق كان البدأة بالتقييد أنسب، وفي لفظ الطيب إشعار بالترخص ولما خاف من التوسعة الميل قال (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً). قال الطَّيبي: هذا تقرير لا مزيد عليه. اهـ قوله: (روي أن الله تعالى لما عظم أموال اليتامى -إلى قوله- فنزلت). أخرجه ابن جرير. قوله: (وإنما عبر عنهن بـ (ما) ذهاباً إلى الصفة). قال الطَّيبي: اعلم أنه قد تقرر أن (ما) لا تستعمل في ذوي العقول، وإذا استعملت فيهم أريد الوصف نحو قوله: سبحان ما سخركن لنا، وتخصيصه بحسب المقام، والذي يقتضي

стр. 1048

هذا المقام من الوصف هو ما يشعر به نفي الحرج والتضييق كما ينبيء عنه الوجه الذي اختاره صاحب الانتصاف، فالمعنى: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء لما في تزوجهن مع كلفة حق الزوج مراعاة حقوق اليتامى من القيام في أموالهن وجبران قلوبهن بسبب اليتم فانكحوا الموصوفات بغير ذلك لينتفي ذلك الحرج وتطيب به نفوسكم، فأسند (طاب) إلى الضمير الراجع إلى ما المفسر بالنساء. اهـ قوله: (ونظيره (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)). قال الزمخشري: لم يقل (من ملكت) لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث. اهـ قوله: (وقيل: لتكرير العدل). قال أبو حيان: هذا قاله الزمخشري ولا أعلم أحداً قاله، فإن المذاهب المنقولة في علة منع صرفها أربعة: أحدها: قول سيبويه والخليل وأبي عمرو إنه العدل والوصف. والثاني: قول الفراء إنَّها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام فهي ممتنعة الإضافة لنية الألف واللام، ومنع ظهور الألف واللام كونها في نية الإضافة. والثالث: ما نقل عن الزجاج أنَّها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة وأنه عدل عن التأنيث. والرابع: ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف تكرر العدل فيه، لأنه عدل عن لفظ اثنين وعن معناه، وذلك أنه لا يستعمل في موضع يستعمل فيه الأعداد غير المعدولة، تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز: جاءني مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل، فإذا قال: جاء القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، فأما الأعداد غير المعدولة فإنما الغرض منها الإخبار عن مقدار المعدود دون غيره فقد بَانَ بما ذكرنا اختلافهما في المعنى فلذلك جاز أن تقوم العلة

стр. 1049

مقام العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين. قال أبو حيان: وما قاله الزمخشري ليس شيئاً من هذه العلل المنقولة. اهـ قال الحلبي: وقد يقال إنه المذهب الرابع، وعبر عن العدل في المعنى بعدلهما عن تكرارها. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: تحقيق العدلين أنها أخرجت عن أوزانها الأصلية إلى أوزان أخر، وعن تكرارها إلى التوحيد؛ فإن ذلك أيضاً تغيير للصيغة نظراً إلى المجموع. وما ذكره المصنف عائد إلى ما ذهب إليه ابن السراج أن فيها عدلين لفطاً ومعنوياً، لأن مثنى معدول عن لفظ اثنين وعن معناه أعني الاثنين مرة واحدة إلى معنى اثنين اثنين. اهـ وزاد السفاقسي في علة منع الصرف خامساً وهو: [العدل من غير جهة العدل، لأن باب العدل أن يكون في المعارف، وهذا عدل في النكرات، وسادساً]: العدل والجمع لأنه يقتضي التكرار فصار في معنى الجمع، وقال: زاد هذين ابن الصائغ في شرح الجمل. قوله: (منصوبة على الحال من فاعل (طاب)). قال الشيخ سعد الدين: لا من (النساء) إذ لا معنى له، وإنما المعنى تقييد نكاح ما طاب بكونها معدودات هذا العدد ومفصلات هذا التفصيل، نعم لو جعلت (من) بيانية لا تبعيضية لم يبعد جعلها حالاً من النساء لكن الظاهر هو التبعيضية. اهـ قوله: (اقتسموا هذه البدرة ... ). في الصحاح: البدرة: عشرة الآف درهم. وهي بفتح الباء الموحدة وسكون الدال المهملة وراء.

стр. 1050

قوله: (فالمقنع ... ). هو ما يقنع به. قوله: (وفسر بأن لا تكثر عيالكم، على أنه من عال الرجل عياله يعولهم إذا مانهم، فعبر عن كثرة العيال بكثرة المؤن على الكناية). عبارة الكشاف: والذي يحكي عن الشافعي أنه فسر (أَلاّ تَعُولُوا) أن لا تكثر عيالكم فوجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم، لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب، وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، فقد روي عن عمر ﵁: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً، وكفى بكتابنا المترجم بكتاب (شافي العي من كلام الشافعي) شاهداً بأنه كان أعلى كعباً وأطول باعاً في علم كلام العرب من أن يخفي عليه مثل هذا ولكن للعلماء طرقاً وأساليب فسلك في تفسير هذه الكلمة طريق الكنايات. اهـ قال الشيخ سعد الدين: قصد بذلك الرد على صاحب إيجاز البيان في التفسير حيث شنع على الشافعي ﵁، وزعم أنه لم يعرف في هذا الموضع الفقه واللغة ولم يفرق بين عال وأعال، فبين المصنف أنَّ المخَطِّئ مخطئ لأنَّ للقول محملاً صحيحاً وللقائل رتبة عالية متعال عن أن يخفي عليه مثل هذا، على أنَّ التفسير منقول عن زيد بن أسلم وهو تابعي، وعال بمعنى كثر عياله منقول عن الكسائي والأصمعي، والمُخَطِّيءُ راجل في العلوم جاهل بأساليب الكلام. اهـ قوله: (لجواز العزل فيه ... ). المشهور في المذهب جواز العزل مطلقاً في الزوجة والأمة بإذن وبغير إذن. قوله: (ونصبها على المصدر لأنها فى معنى الإيتاء).

стр. 1051

قال الطَّيبي: فهي مصدر للنوع وضعت موضع إيتاء. اهـ قوله: (الضمير ... ). أي في (منه) وكان الأصل (منها) لعوده إلى (صَدُقَاتِهِنَّ) لكنه راعى المعنى وهو صَدُقَاتِهِنَّ. قوله: (أراد كأن ذاك ... ). قال الشيخ سعد الدين: مشيراً إلى الخطوط. اهـ قوله: (وقال (منه) بعثاً لهن على تقليل الموهوب). قال الطَّيبي: لدلالة (شيء) منكراً تنكير تقليلٍ عليه، اهـ قوله: (أقيمتا مقام مصدريهما). قال أبو حيان: حَرَّفَ قول النحاة في ذلك، وتحريفه أنه جعلهما أقيمتا مقام المصدر فانتصابها على هذا انتصاب المصدر، ولذلك قال الزمخشري: كأنه قيلِ هنأ مرأ فصار كقوله سقياً ورعياً، والنحاة يجعلون انتصاب هنيئاً على الحال ومريئاً إما على الحال وإما على الوصف، ويدل على فساد ما خرجه الزمخشري وصحة قول النحاة ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد هنيئاً مريئاً، ولو كانا ينتصبان انتصاب المصادر المراد بها الدعاء لما جاز ذلك فيها، تقول: سقياً لك ورعيا، والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدهما قول الشاعر: هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلت. فـ (ما) مرفوع بما تقدم من هنيئاً أو مريئاً على طريق الإعمال، وجاز الإعمال في هذه المسألة وإن لم يكن بينهما رابط عطف لكون مريئاً لا يستعمل إلا تابعاً لـ هنيئاً فصار كأنهما مرتبطان لذلك. اهـ وقال الحلبي: في عبارة سيبويه ما يرشد لما قاله الزمخشري فإنه قال: هنيئاً مريئاً صفتان

стр. 1052

نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل لدلالة الكلام عليه؛ كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً مريئاً. فأول العبارة تساعد الزمخشري، وآخرها -وهو تقديره بقوله كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً- يعكر عليه. اهـ وقال السفاقسي: لا يتم الاستدلال عليه بالبيت لجواز أن تكون (ما) مرفوعة بالابتداء، أو أخر الخبر، أو مرفوعة بفعل مقدر. اهـ قوله: (أو وصف بهما المصدر، أو جعلتا حالاً من الضمير). قال السفاقسي: كلاهما فاسد لأنَّ مذهب سيبويه والجماعة أنه حال قائمة مقام فعل محذوف، فهي من جملة أخرى لا تعلق لها بـ (كلوه) من حيث الإعراب. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: وصف المصدر بهما على الإسناد المجازي، إذ الهنيء حقيقة هو المأكول. اهـ قوله: (روي أن ناساً تأثموا ... ) إلى آخره. وفي الصحاح: تأثم: خرج عن الإثم وكف. كتحرج خرج من الحرج. قوله: (وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: أضاف الأموال إلى اليتامى في قوله (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) ولم يضفه إليهم هنا مع أن الأموال في الصورتين لهم ليؤذن بترتب الحكم على الوصف فيهما، فإن تسميتهم يتامى هناك يناسب قطع الطمع فيفيد المبالغة في رد الأموال إليهم فاقتضى ذلك أن يقال (أموالهم)، وأما الوصف هنا فهو السفاهة فناسب أن لا يختصوا بشيء من المالكية لئلا يتورطوا في الأموال فلذلك لم يضف أموالهم إليهم فأضافها إلى الأولياء. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: لأنَّها لم يقصد بها الخصوصية الشخصية بل الجنسية التي في معنى ما تقام به المعايش وتميل إليه القلوب ويدخر لأوقات الاحتياج؛ وهو بهذا المعنى لا يختص

стр. 1053

بالسفهاء كما قال (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) قصد إلى جنس النفوس دون خصوصيات أنفس المخاطبين، وقال (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ) قصد إلى جنس الإيمان وجنس الإماء إذ المعنى على الأمر بنكاحهم مملوكاتهم. اهـ قوله: (اجعلوها مكاناً لرزقهم ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: جعل الأموال نفسها ظروفاً للرزق، فيلزم أن يكون الإنفاق من الربح لا من المال الذي هو الظرف، ولو قيل (منها) كان الإنفاق من المال. اهـ قوله: (لقوله ﵊: إذا استكمل المولود خمسة عشر سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود). أخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث أنس وقال: إسناده ضعيف. قوله: (وعنه ﵊ أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف غير متأثل مالآ ولا واق مالك بماله.) أخرجه الثعلبي من حديث ابن عباس بلفظه، وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه. والتأثل: اتخاذ المال أثلة أي أصلاً. قوله: (أو على الاختصاص) أنكره أبو حيان فإن شرطه أن لا يكون نكرة.

стр. 1054

قوله: (روي أنَّ أوس بن الصامت الأنصاري خلف زوجته أم كُحَّة وثلاث بنات ... ). الحديث أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في تفسيره عن ابن عباس بطوله لكن سماه أوس بن ثابت وقال: ترك ابنتين وابناً صغيراً. وسمى ابني عمه خالداً وعرفطة، وقال في آخره: فأعطى المرأة الثمن وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس فيه مسجد الفضيخ. وقال الشيخ سعد الدين: في الكتب المعتبرة والروايات الصحيحة أوس بن ثابت وهو أخو حسان بن ثابت استشهد بأُحد. اهـ وفي ذلك نظر لأنه لو كان أخا حسان لم يكن لابني العم مع الأخ سبيل، وفي الإصابة للحافظ ابن حجر: ذكر ابن مندة أن أوس بن ثابت هذا أخو حسان وهو خطأ لأن أوساً ليس له أحد من إخوته ولا من أعمامه من يسمى عرفطة ولا خالداً. اهـ وفي الاستيعاب لابن عبد البر ذكر أوس بن ثابت أخا حسان وأنه قتل يوم أحد، وذكر أوس بن الصامت بن أصرم بن فهر بن ثعلبة الأنصاري شهد بدراً والمشاهد كلها وبقي إلى زمن عثمان وهو الذي ظاهر من امرأته، ولم يذكر في الصحابة أحد يسمى أوس بن الصامت غيره، وذكر ممن توفي في حياة النبي ﷺ أوس بن الأرقم واستشهد يوم أحد، وأوس بن حبيب الأنصاري قتل بخيبر شهيداً، وأوس بن عائذ قتل يوم خيبر، وأوس بن الفاكه الأنصاري من الأوس قتل يوم أحد شهيداً. زاد صاحب أسد الغابة: أوس بن عباد استشهد يوم خيبر، وأوس بن معاذ بن أوس الأنصاري استشهد يوم بئر معونة، وأوس بن المنذر النجاري استشهد يوم أحد. وزاد الذهبي في التجريد: أوس بن قتاده استشهد يوم خيبر. فلعل النازل فيه الآية أحد هؤلاء، ثم قال الحافظ ابن حجر: وقد رواه مقاتل في تفسيره فقال: إنَّ أوس بن مالك توفي يوم أحد وترك امرأته أم كُحَّة وبنتين وذكر القصة. وقال في موضع آخر من الإصابهّ: اختلف في اسم الميت فقيل: أوس بن ثابت، وقيل أوس بن مالك، وقيل: ثابت بن قيس، وأما المرأة فلم يختلف في أنها أم كُحَّة بضم

стр. 1055

الكاف وتشديد الحاء المهملة إلا ما حكى أبو موسى المديني عن المستغفري أنه قال فيها: أم كحلة بسكون المهملة بعدها لام، وإلا ما روي عن ابن جريج أنها بنت كحة، فيحتمل أن تكون كنيتها وافقت اسم أبيها، وأما ابنتها ففي رواية ابن جريج أنها أم كلثوم. اهـ قال الشيخ سعد الدين: ورُوى بالزاي: جمع وقبض، ومسجد الفضيخ بالضاد والخاء المعجمتين لعله المسجد الذي كان يسكنه أصحاب الصفة لأنهم كانوا يرضخون النوى، والرضخ والفضخ من واد واحد، ولا يوجد في كتب اللغة من الفضخ سوى أنه نبيذ يتخذ من البر المفضوخ من فضخ البطيخة: شدخها، فقيل صار اسماً لموضع بالمدينة كانوا يفضخون فيه البسر. اهـ قوله: (على معنى: وَلْيَخْشَ الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم الضياع). قال الطَّيبي: يعني في إيقاع (لو) مع جوابه وهو (خَافُوا) صلة للموصول مزيد تقرير للخشية، كأنه قيل: وليخش الذي حقه الخشية، والأصل: وليخش الوصي أو من حضر المريض أو الوارث؛ فعدل إلى المذكور ليتصور تلك الحالة الصعبة ويستحضرها في نفسه فيرتدع. اهـ وقال ابن المنير: إنما أوجب إضمار شارفوا قوله (خَافُوا عَلَيهم)، والخوف يكون قبل تركهم إياهم وإلا فكان يلزم تقدم الجواب على الشرط وهو كقوله (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ) أي شارفنه، وفائدته: التخويف بالحالة التي لا مطمع معها في الحياة ولا الذب عن الذرية الضعاف. اهـ قوله: (ظالمين أو على وجه الظلم). قال الطَّيبي: أي هو حال أو تمييز. اهـ وقال أبو البقاء: (ظلماً) مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. اهـ
следующие страницы →