قال الطَّيبي: فهي مصدر للنوع وضعت موضع إيتاء. اهـ
قوله: (الضمير ... ).
أي في (منه) وكان الأصل (منها) لعوده إلى (صَدُقَاتِهِنَّ) لكنه راعى المعنى وهو صَدُقَاتِهِنَّ.
قوله: (أراد كأن ذاك ... ).
قال الشيخ سعد الدين: مشيراً إلى الخطوط. اهـ
قوله: (وقال (منه) بعثاً لهن على تقليل الموهوب).
قال الطَّيبي: لدلالة (شيء) منكراً تنكير تقليلٍ عليه، اهـ
قوله: (أقيمتا مقام مصدريهما).
قال أبو حيان: حَرَّفَ قول النحاة في ذلك، وتحريفه أنه جعلهما أقيمتا مقام المصدر فانتصابها على هذا انتصاب المصدر، ولذلك قال الزمخشري: كأنه قيلِ هنأ مرأ فصار كقوله سقياً ورعياً، والنحاة يجعلون انتصاب هنيئاً على الحال ومريئاً إما على الحال وإما على الوصف، ويدل على فساد ما خرجه الزمخشري وصحة قول النحاة ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد هنيئاً مريئاً، ولو كانا ينتصبان انتصاب المصادر المراد بها الدعاء لما جاز ذلك فيها، تقول: سقياً لك ورعيا، والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدهما قول الشاعر:
هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلت.
فـ (ما) مرفوع بما تقدم من هنيئاً أو مريئاً على طريق الإعمال، وجاز الإعمال في هذه المسألة وإن لم يكن بينهما رابط عطف لكون مريئاً لا يستعمل إلا تابعاً لـ هنيئاً فصار كأنهما مرتبطان لذلك. اهـ
وقال الحلبي: في عبارة سيبويه ما يرشد لما قاله الزمخشري فإنه قال: هنيئاً مريئاً صفتان
стр. 1052
نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل لدلالة الكلام عليه؛ كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً مريئاً.
فأول العبارة تساعد الزمخشري، وآخرها -وهو تقديره بقوله كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً- يعكر عليه. اهـ
وقال السفاقسي: لا يتم الاستدلال عليه بالبيت لجواز أن تكون (ما) مرفوعة بالابتداء، أو أخر الخبر، أو مرفوعة بفعل مقدر. اهـ
قوله: (أو وصف بهما المصدر، أو جعلتا حالاً من الضمير).
قال السفاقسي: كلاهما فاسد لأنَّ مذهب سيبويه والجماعة أنه حال قائمة مقام فعل محذوف، فهي من جملة أخرى لا تعلق لها بـ (كلوه) من حيث الإعراب. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: وصف المصدر بهما على الإسناد المجازي، إذ الهنيء حقيقة هو المأكول. اهـ
قوله: (روي أن ناساً تأثموا ... ) إلى آخره.
وفي الصحاح: تأثم: خرج عن الإثم وكف.
كتحرج خرج من الحرج.
قوله: (وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: أضاف الأموال إلى اليتامى في قوله (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) ولم يضفه إليهم هنا مع أن الأموال في الصورتين لهم ليؤذن بترتب الحكم على الوصف فيهما، فإن تسميتهم يتامى هناك يناسب قطع الطمع فيفيد المبالغة في رد الأموال إليهم فاقتضى ذلك أن يقال (أموالهم)، وأما الوصف هنا فهو السفاهة فناسب أن لا يختصوا بشيء من المالكية لئلا يتورطوا في الأموال فلذلك لم يضف أموالهم إليهم فأضافها إلى الأولياء. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: لأنَّها لم يقصد بها الخصوصية الشخصية بل الجنسية التي في معنى ما تقام به المعايش وتميل إليه القلوب ويدخر لأوقات الاحتياج؛ وهو بهذا المعنى لا يختص
стр. 1053
بالسفهاء كما قال (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) قصد إلى جنس النفوس دون خصوصيات أنفس المخاطبين، وقال (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ) قصد إلى جنس الإيمان وجنس الإماء إذ المعنى على الأمر بنكاحهم مملوكاتهم. اهـ
قوله: (اجعلوها مكاناً لرزقهم ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: جعل الأموال نفسها ظروفاً للرزق، فيلزم أن يكون الإنفاق من الربح لا من المال الذي هو الظرف، ولو قيل (منها) كان الإنفاق من المال. اهـ
قوله: (لقوله ﵊: إذا استكمل المولود خمسة عشر سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود).
أخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث أنس وقال: إسناده ضعيف.
قوله: (وعنه ﵊ أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف غير متأثل مالآ ولا واق مالك بماله.)
أخرجه الثعلبي من حديث ابن عباس بلفظه، وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه.
والتأثل: اتخاذ المال أثلة أي أصلاً.
قوله: (أو على الاختصاص)
أنكره أبو حيان فإن شرطه أن لا يكون نكرة.
стр. 1054
قوله: (روي أنَّ أوس بن الصامت الأنصاري خلف زوجته أم كُحَّة وثلاث بنات ... ).
الحديث أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في تفسيره عن ابن عباس بطوله لكن سماه أوس بن ثابت وقال: ترك ابنتين وابناً صغيراً. وسمى ابني عمه خالداً وعرفطة، وقال في آخره: فأعطى المرأة الثمن وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس فيه مسجد الفضيخ.
وقال الشيخ سعد الدين: في الكتب المعتبرة والروايات الصحيحة أوس بن ثابت وهو أخو حسان بن ثابت استشهد بأُحد. اهـ
وفي ذلك نظر لأنه لو كان أخا حسان لم يكن لابني العم مع الأخ سبيل، وفي الإصابة للحافظ ابن حجر: ذكر ابن مندة أن أوس بن ثابت هذا أخو حسان وهو خطأ لأن أوساً ليس له أحد من إخوته ولا من أعمامه من يسمى عرفطة ولا خالداً. اهـ
وفي الاستيعاب لابن عبد البر ذكر أوس بن ثابت أخا حسان وأنه قتل يوم أحد، وذكر أوس بن الصامت بن أصرم بن فهر بن ثعلبة الأنصاري شهد بدراً والمشاهد كلها وبقي إلى زمن عثمان وهو الذي ظاهر من امرأته، ولم يذكر في الصحابة أحد يسمى أوس بن الصامت غيره، وذكر ممن توفي في حياة النبي ﷺ أوس بن الأرقم واستشهد يوم أحد، وأوس بن حبيب الأنصاري قتل بخيبر شهيداً، وأوس بن عائذ قتل يوم خيبر، وأوس بن الفاكه الأنصاري من الأوس قتل يوم أحد شهيداً.
زاد صاحب أسد الغابة: أوس بن عباد استشهد يوم خيبر، وأوس بن معاذ بن أوس الأنصاري استشهد يوم بئر معونة، وأوس بن المنذر النجاري استشهد يوم أحد.
وزاد الذهبي في التجريد: أوس بن قتاده استشهد يوم خيبر.
فلعل النازل فيه الآية أحد هؤلاء، ثم قال الحافظ ابن حجر: وقد رواه مقاتل في تفسيره فقال: إنَّ أوس بن مالك توفي يوم أحد وترك امرأته أم كُحَّة وبنتين وذكر القصة.
وقال في موضع آخر من الإصابهّ: اختلف في اسم الميت فقيل: أوس بن ثابت، وقيل أوس بن مالك، وقيل: ثابت بن قيس، وأما المرأة فلم يختلف في أنها أم كُحَّة بضم
стр. 1055
الكاف وتشديد الحاء المهملة إلا ما حكى أبو موسى المديني عن المستغفري أنه قال فيها: أم كحلة بسكون المهملة بعدها لام، وإلا ما روي عن ابن جريج أنها بنت كحة، فيحتمل أن تكون كنيتها وافقت اسم أبيها، وأما ابنتها ففي رواية ابن جريج أنها أم كلثوم. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: ورُوى بالزاي: جمع وقبض، ومسجد الفضيخ بالضاد والخاء المعجمتين لعله المسجد الذي كان يسكنه أصحاب الصفة لأنهم كانوا يرضخون النوى، والرضخ والفضخ من واد واحد، ولا يوجد في كتب اللغة من الفضخ سوى أنه نبيذ يتخذ من البر المفضوخ من فضخ البطيخة: شدخها، فقيل صار اسماً لموضع بالمدينة كانوا يفضخون فيه البسر. اهـ
قوله: (على معنى: وَلْيَخْشَ الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم الضياع).
قال الطَّيبي: يعني في إيقاع (لو) مع جوابه وهو (خَافُوا) صلة للموصول مزيد تقرير للخشية، كأنه قيل: وليخش الذي حقه الخشية، والأصل: وليخش الوصي أو من حضر المريض أو الوارث؛ فعدل إلى المذكور ليتصور تلك الحالة الصعبة ويستحضرها في نفسه فيرتدع. اهـ
وقال ابن المنير: إنما أوجب إضمار شارفوا قوله (خَافُوا عَلَيهم)، والخوف يكون قبل تركهم إياهم وإلا فكان يلزم تقدم الجواب على الشرط وهو كقوله (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ) أي شارفنه، وفائدته: التخويف بالحالة التي لا مطمع معها في الحياة ولا الذب عن الذرية الضعاف. اهـ
قوله: (ظالمين أو على وجه الظلم).
قال الطَّيبي: أي هو حال أو تمييز. اهـ
وقال أبو البقاء: (ظلماً) مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. اهـ
стр. 1056
قوله: ((في بطونهم) ملء بطونهم).
قال الطَّيبي: أي وضع هذا مكان ذاك وفائدته المبالغة كأنه جعل بطونهم مكان النار ومستقرها، والدليل على أن المراد ملء بطونهم قوله: في بطنه وفي بعض بطنه. اهـ
قوله: (وعن أبي برزة أنه ﵊ قال: يبعث اللهُ قوماً من قبورهم تأجج أفواههم ناراً).
الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده وابن أبي حاتم في تفسيره وابن حبان في صحيحه.
قوله: (يُوصِيكُمُ اللهُ) يأمركم ويعهد إليكم).
قال الراغب: الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل فيه مقترناً بوعظ، من قولهم أرض واصية متصلة النبات.
قوله: (وهو إجمال تفصيله (لِلذَّكَرِ ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنَّ الجملة في موقع التفصيل والبيان لا مفعول (يُوصِيكُمُ) باعتبار كونه في معنى القول أو الفرض أو الشرع. اهـ
قوله: (والمعنى: لِلذَّكَرِ منهم).
قال الشيخ سعد الدين: ليحصل الارتباط ويصح البيان. اهـ
قوله ((فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) خبر ثان).
قال أبو حيان: هذا مردود؛ للاحتياج إلى هذه الصفة، لأنَّ الخبر لابد أن يستقل به فائدة الإسناد ولو اقتصر على قوله (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) لم يفد شيئاً لأنه معلوم. اهـ
وقال السفاقسي: جعله خبراً على معنى: فإن كانت البنات أو المولودات نساءً خلصاً ليس معهن رجل وهو مقيد. اهـ
قوله: (بدل منه بتكرير العامل).
стр. 1057
قال ابن المنير: في إعرابه بدلاً نظر؛ إذ يكون من بدل الشىء من الشيء وهما لعين واحدة فيصير الكلام: والسدس لأبويه لكل واحد منهما، ومقتضى الاقتصار على المبدل منه اشتراكهما في السدس، ومقتضى البدل إفراد كل واحد منهما بالسدس وهو تناقض لأن فائدة البدل توكيد مجموع الاسمين خاصة إذا تعذر البدل قدرنا مبتدأ محذوفاً تقديره: ولأبويه الثلث ثم فصله بقوله (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ)، ودل التفصيل على المبتدأ المحذوف، ويستقيم هذا على جعله من بدل التقسيم كقولك: الدار لثلاثة لزيد ثلثها ولعمرو ثلثها ولبكر ثلثها، ولا يستقيم ذلك على الأول. اهـ
قال أبو حيان: قال أبو البقاء: (السُّدُسُ) رفع بالابتداء، و (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) الخبر، و (لِكُلِّ) بدل من الأبوين، و (مِنْهُمَا) نعت لـ (وَاحِدٍ).
قال أبو حيان: وهذا البدل هو بدل بعض من كل ولذلك أتى بالضمير، ولا يتوهم أنه بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة لجواز أبواك يصنعان كذا، وامتناع: أبواك كل واحد منهما يصنعان، بل تقول: يصنع كذا.
قال: وفي قول الزمخشري: و (السُّدُسُ) مبتدأ وخبره (وَلِأَبَوَيْهِ) نظر، لأن البدل هو الذي يكون الخبر له دون المبدل منه كما مثلنا في قولك: أبواك كل واحد منهما يصنع كذا إذا أعربنا كلاً بدلاً وكما تقول: إن زيداً عينه حسنة، فكذلك ينبغي أن يكون إذا وقع البدل خبراً فلا يكون المبدل منه هو الخبر، واستغني عن جعل المبدل منه خبراً بالبدل كما استغني عن الإخبار عن اسم إن وهو المبدل منه بالإخبار عن البدل. اهـ
قال الحلبي: في هذه المناقشة نظر، لأنه إذا قيل لك: ما محل (وَلِأَبَوَيْهِ) من الإعراب، تضطر إلى أن تقول: في محل رفع خبراً مقدماً، ولكنه نقلَ نسبة الخبرية إلى (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) دون (وَلِأَبَوَيْهِ). اهـ
وقال الشيخ سعد الدين في تقرير قوله والسدس مبتدأ: يعني لا حاجة إلى أن يجعل (وَلِأَبَوَيْهِ) خبر مبتدأ محذوف، أي: لأبويه الثلث؛ ثم بين قسمة الثلث عليهما بقوله (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) دفعاً لوهم أن يكون للأب ضعف ما للأم، وذلك أن الحكم المعلق بالشيء أو المجموع قد يقصد تعلقه بالمجموع وقد يقصد تعلقه بكل فرد، فبين بالبدل أنَّ القصد إلى الثاني وبهذا يندفع ما يقال إنَّ البدل ينبغي أن يكون بحيث لو أسقط استقام الكلام معنى، وها هنا لو قيل: لأبويه السدس؛ لم يستقم. اهـ
стр. 1058
قوله: ((وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) فحسب).
قال الشيخ سعد الدين في هذا: بقرينة المقام وسياق الكلام لا بدلالة اللفظ. اهـ
قوله: (وإنما قل بأو التي للإباحة ... ).
قال الطَّيبي: كذا عن الزجاج قيل: وفيه نظر لأنه مخالف لما في المفصل: (أو) في الخبر للشك، وفي الأمر للتخيير والإباحة، وجوابه أن الخبر هنا في معنى الأمر لما سبق أن معنى (يُوصِيكُمُ اللهُ): يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: المراد بالإباحة هنا التسوية وعدم اختلاط الحكم سواء كان ذلك في الأمر أو في غيره، فلا حاجة إلى ما يقال إن الخبر هاهنا بمعنى الأمر. اهـ
قوله: (روي أن أحد المتوالدين إذا كان أرفع درجة من الآخر سأل أن يرفع إليه فيرتفع إليه بشفاعته).
أخرجه الطبراني في الكبير وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: إذا
دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به.
قوله: (فهو اعتراض).
قال الحلبي: يعني بالاعتراض أنَّها واقعة بين قصة المواريث إلا أن هذا الاعتراض غير مراد النحويين لأنهم لا يعنون بالاعتراض في اصطلاحهم إلا ما كان بين شيئين متلازمين كالاعتراض بين المبتدأ وخبره والشرط وجزائه والقسم وجوابه والصلة وموصولها. اهـ
قوله: (مصدر مؤكد).
قال الشيخ سعد الدين: أي لمضمون الجملة السابقة، لأن معنى (يُوصِيكُمُ اللهُ): يفرض لكم. اهـ
وقال مكي وغيره: هي حال مؤكدة، لأن (فَرِيضَةً) ليست مصدر. اهـ
قوله: (أي يورث منه).
стр. 1059
قال الطَّيبي: يعني هو من الثلاثي لا من المزيد. اهـ
قوله: (و (كَلالَةً) حال -إلى قوله- أو مفعول).
قال الطَّيبي: فإن قلت لم يجز على هذا أن يكون (يُورَث) صفة (رجل) و (كَلالَةً) خبر (كَانَ) كالأول؟ قلت: لا يجوز لأنَّ التركيب حينئذ مشابه لباب التنازع لأنَّ (كَانَ) الناقصة تستدعي خبراً و (مفعولاً به، ولما كانت الكلالة أقرب إلى (يُورث) فالأصح إعماله فيه فلا يبقى لـ (كَانَ) خبر، ولا يصح أن يقدر (كَلالَةً) مثل المذكور لأن (كَلالَةً) إذا كانت مفعولاً به فالرجل حينئذ من ليس بوالد ولا ولد، وإذا كانت خبراً لـ (كَانَ) فالرجل من لم يخلف ولداً ولا والداً فهذا خلف، فعلم أن (كَانَ) إذا كانت تامة جاز ذلك، وبه قال أبو البقاء: (كَانَ) هي التامة، و (رجل) فاعلها صفة له، و (كَلالَةً) حال من الضمير في (يُورَث)، والكلالة على هذا اسم للميت الذي لم يترك ولداً ولا والداً. اهـ
قوله: (قرئ (يُورِثُ) على البناء للفاعل).
قال الطَّيبي: أي يورث رجل الوارث المال، فحذف المفعولين، إلا أن يقال الكلالة مفعول (يورث). اهـ
قوله: (قال الأعشى: فآليت لا أرثى لها من كلالة)
هو من قصيدة يمدح بها النبي ﷺ لما أراد الوفادة عليه فصدته قريش عن ذلك وأخبروه أنه يحرم الخمر، وأولها:
ألَمْ تَغتَمِضْ عَيناكَ لَيلَة َ أرْمَدَا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وَمَا ذاكَ مِنْ عِشْقِ النّسَاءِ وَإنّمَا ... تَناسَيتَ قَبلَ اليَوْمِ خُلّة َ مَهدَدَا
وَلكِنْ أرى الدّهرَ الذي هوَ خاتِرٌ ... إذا أصلحتْ كفايَ عادَ فأفسدا
شبابٌ وشيبٌ، وافتقارٌ وثروة ٌ ... فلله هذا الدّهرُ كيفَ ترددا
وما زلتُ أبغي المالَ مدْ أنا يافعٌ ... وليداً وكهلاً حينَ شبتُ وأمردا
وَأبْتَذِلُ لعِيسَ المَرَاقَيلَ تَغْتَلي ... مسافة َ ما بينَ النّجيرِ فصرخدا
فإنْ تسألي عني فيا ربّ سائلٍ ... حفيٍ عنِ الأعشى به حيثُ أصعدا
فإن تسألي عيني فيا رب سائل ... حفيٍ عن الأعشى به حيث أصعدا
فأمّا إذا ما أدلجتْ، فترى لها ... رقيبينِ جدياً لا يغيبُ وفرقدا
وفيها إذا ما هجرتْ عجرفيّة ٌ ... إذا خِلْتَ حِرْبَاءَ الظّهِيرَة ِ أصْيَدَا
стр. 1060
أجدّتْ برجليها النجاء وراجعتْ ... يَدَاهَا خِنَافاً لَيّناً غَيرَ أحْرَدَا
فَآلَيْتُ لا أرْثي لهَا مِنْ كَلالَة ٍ ... ولا منْ حفى ً حتى تلاقي محمّدا
مَتى مَا تناخي عندَ بابِ ابنِ هاشِمٍ ... تريحي وتلقي منْ فواصلهِ يدا
نبيٌ يرى ما لا ترونَ، وذكرهُ ... أغَارَ لَعَمْرِي في البِلادِ وَأنجَدَا
قوله: (واستعيرت لقرابة ... ).
قال الطيبي: هذا يدل على أن المنقولات الاصطلاحية كلها استعارات، يدل عليها ما شرطوا من وجود العلاقة المناسبة وهي التشبيه، وفيه شرط آخر وهو الشهرة في المنقول إليه، ومن ثم لم يجعلوها من المجاز. اهـ
قوله: (وله) أي وللرجل، واتئفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه).
قال الطَّيبي: ويمكن أن يقال إنَّ الضمير راجع إلى الرجل وإلى المرأة، ويكون حكم كل واحد من أخيه وأخته وأخيها أو أختها حكم كل واحد، لاستواء إدلائهما إلى الميت، ولا يبعد أن يجري على التغليب. اهـ
قوله: (قراءة أبي).
هو ابن كعب.
وقوله: (وسعد بن مالك).
هو ابن أبي وقاص.
قوله: (وهو حل من فاعل (يُوصَى)).
قال أبو حيان: هذا مردود؛ لأنه يودي إلى الفصل بين هذه الحالة وعاملها بأجنبي منهما، وذلك أن العامل فيها (يُوصَى) وقوله (أَوْ دَيْنٍ) أجنبي لأنه معطوف على (وَصِيَّةً) الموصوفة بالعامل في الحال.
قال: ولو كان على هذا الإعراب لكان التركيب: من بعد وصية يوصي بها غير مضار أو دين، وهذا الوجه مانع في كلتا القراءتين أعني بناء الفعل للفاعل أو المفعول، وتزيد عليه قراءة البناء للمفعول وجهاً آخر مانعاً وهو أن صاحب الحال غير مذكور لأنه فاعل في الأصل حذف وأقيم المفعول مقامه، ألا ترى أنك لو قلت: تُرسل الرياح مبشِّراً بها بكسر الشين: يعني يرسل الله الرياح مبشراً بها، فحذفت الفاعل وأقمت المفعول مقامه
стр. 1061
وجئت بالحال من الفاعل لم يجز فكذلك هذا.
ثم خرجه على أحد وجهين:
إما بفعل يدل عليه ما قبله من المعنى؛ ويكون عاماً لمعنى ما يتسلط على المال بالوصية أو الدين؛ وتقديره: يلزم ذلك ماله أو يوجبه فيه غير مضار بورثته بذلك الإلزام أو الإيجاب.
وإما بفعل مبني للفاعل لدلالة المبني للمفعول عليه؛ أي: يوصي غير مضار، فيصير نظير قوله (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) على قراءة من فتح الباء. اهـ
قوله: (ويؤيده).
أي كون وصية منصوبة بـ (غَيْرَ مُضَارٍّ)، لأن قراءة (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً) بالإضافة من إضافة العامل إلى المعمول وهي قراءة الحسن.
قال أبو البقاء: في هذه القراءة وجهان:
أحدهما: تقديره: غير مضار أهل وصية، أو ذوي وصية، فحذف المضاف.
والثاني: تقديره: غير مضار وقت وصية، فحذف وهو من إضافة الصفة إلى الزمان، ويقرب منه قولهم: هو فارس حرب أي فارس في الحرب، والتقدير: غير مضار الورثة في وقت الوصية. اهـ
قوله: (وليستا صفتين لـ جنات) و (نارا) وإلا لوجب إبراز الضمير .. ).
إذا لم يلبس وقد جوزه في هذه الزجاج والتبريزي.
قوله: (يستوفي أرواحهن الموت) .
قال الطَّيبي: فهو استعارة تبعية أو مكنية: جعل الموت كالشخص المستوفي، والمتوفى كأخذ الرجل حقه على التخييلية. اهـ
قوله: (أو يتوفاهن ملائكة الموت).
قال الطَّيبي: فهو من الإسناد المجازي كقوله (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) أي:
стр. 1062
أصحابها. اهـ
قوله: (وقيل: الأولى في المساحقات، وهذه في اللوطيين).
قال الإمام: هذا القول اختيار أبي مسلم الأصفهاني، واحتج بأن قوله (وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) إشارة إلى النسوان وقد ذكر فيها (مِنْ نِسَائِكُمْ)، وقوله (وَاللَّذَانِ) إشارة إلى الرجال ومذكور فيها (مِنْكُمْ)، وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى النسخ. اهـ
قوله: (كالمحتوم على الله بمقتضى وعده) .
قال الإمام: إنه وعد بقبول التوبة، فإذا وعد شيئاً لا بد أن ينجز وعده؛ لأن الخلف في وعده محال سبحانه. اهـ
قوله: (من تاب عليه إذا قبل توبته).
قال الشيخ سعد الدين: لا من تاب العبد بمعنى رجع إليه. اهـ
قوله: (ولذلك قيل: من عصى الله فهو جاهل).
أخرج ابن جرير عن أبي العالية أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة.
قوله: (وقوله ﵊: يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر)
أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه من حديث ابن عمر، وأخرجه ابن جرير من حديث أبي أيوب واسمه بشير بن كعب وهو تابعي فهو
стр. 1063
مرسل، وهو الذي أورده في الكشاف.
قال الطَّيبي: غرغر المريض: إذا تردد روحه في حلقه. اهـ
قوله: (ومن للتبعيض).
زاد غيره أو لابتداء الغاية.
قوله: (سلطان الموت).
قال الشيخ سعد الدين: أي غلبته وظهور آثاره. اهـ
قوله: (كان الرجل إذا مات وله عصبة ألقى ثوبه على امرأته ... ) إلى آخره.
أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
قوله: (يقال: عضلت الدجاجة ببيضها).
أي تعسر خروجها، ومثله: عضلت المرأة بولدها، وداء عضال: صعب البرء.
قوله: (باهتين) .
أي رامين إياهن بالبهتان، و (آثمين) تفسير قوله (وَإِثْمًا مُبِينًا) قاله الطَّيبي.
قوله: (والبهتان: الكذب الذي يبهت المكذوب عليه).
قال الزجاج: البهتان: الباطل الذي تتحير من بطلانه. اهـ
قوله: (أو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمه الله).
أخرجه مسلم من حديث جابر بلفظ: اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن ... إلى آخره.
وروى ابن جرير من حديث ابن عمر: أيها الناس إن النساء عوان في أيدكم أخذتموهن ... إلى آخره.
والعوان: الأسرى جمع عانية.
стр. 1064
قوله: (أو من اللفظ).
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنه من قبيل تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه. اهـ
قوله: (ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب)
هو للنابغة الذبياني.
قال الطَّيبي: فلول: جمع فل وهو كسر في حده، يعني إذا لم يكن العيب إلا الشجاعة -وهي من أخص أوصاف المدح- فإذاً لا عيب فيهم. اهـ
وأول القصيدة:
كليني لهمٍّ يا أميمة ناصبٍ ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلتُ ليس بمنقضٍ ... وليس الذي يرعى النجومَ بآيبِ
قوله: ﵇: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة وابن عباس.
قوله: (لأن (من) إذا علقتها بالربائب كانت ابتدائية، فإن علقتها بالأمهات لم يجز ذلك بل وجب أن تكون بياناً لـ (نِسَائِكُمْ)).
قال الطَّيبي: (من) البيانية تقتضي اتحاد الأول بالثاني، والابتدائية إنشاء الأول من الثاني، فبينهما تناف. اهـ
قوله: (اللهم إلا إذا جعلتها للاتصال).
قال أبو حيان: لا نعلم أحداً ذهب إلى أن من معاني (من) الاتصال، والبيت مؤول. اهـ
قوله: (فإني لست منك ولست منى).
هذا للنابغة، وصدره: إذا حاولت في أسد فجوراً
قال الأعلم: يقول هذا لعيينة بن حصن الفزاري وكان قد دعاه وقومه إلى مقاطعة بني أسد ونقض حلفهم فأبى عليه، وأراد بالفجور: نقض الحلف.
стр. 1065
قوله: (على معنى أنَّ أمهات النساء وبناتهن متصلات بهن).
قال أبو حيان: إذا جعلنا (مِنْ نِسَائِكُمُ) متعلقاً بالنساء والربائب كما زعم الزمخشري فلا بد من صلاحيته لكل من النساء والربائب، أما تركيبه مع الربائب ففي غاية الفصاحة والحسن وهو نظم الآية، وأما تركيبه مع قوله (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) فإنه يصير: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فهذا تركيب لا يمكن أن يقع في القرآن ولا في كلام فصيح لعدم الاحتياج في إفادة هذا المعنى إلى قوله (مِنْ نِسَائِكُمُ). اهـ
قوله: (لكن الرسول فرق بينهما فقال فى رجل تزوج امرأة ... ) الحديث.
أخرجه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بمعناه.
قوله: (رُوي عن علي).
أخرجه ابن أبي حاتم.
قوله: (قال عثمان وعلي: حرمتهما آية وأحلتهما آية).
أخرج قول عثمان مالك في الموطأ، وقول علي ابن مردويه في تفسيره.
قوله: (ولقوله ﵊: ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام)
قال الحافظ زين الدين العراقي في تخريج أحاديث منهاج الأصول: لا أصل لهذا الحديث. اهـ
وقال السبكي في كتاب الأشباه والنظائر: هو كما قال البيهقي: حديث رواه جابر الجعفي رجل ضعيف عن الشعبي عن ابن مسعود وهو منقطع غير أنَّها قاعدة صحيحة في نفسها.
قال الشيخ أبو محمد الجويني في السلسلة: لم يخرج عنها إلا ما ندر.
قال القاضي تاج الدين السبكي: وقد عورض الحديث المذكور بما رواه ابن ماجة
стр. 1066
والدارقطني من حديث ابن عمر: لا يحرم الحرام الحلال، وليس بمعارض لأن المحكوم به في الأول إعطاء الحلال حكم الحرام تغليباً واحتياطاً لا صيرورته في نفسه حراماً. اهـ
وقال الشيخ بدر الدين الزركشي في كتابة (المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر): هذا الحديث لا يعرف مرفوعاً، ورواه عبد الرزاق في مصنفه موقوفاً عن سفيان الثوري عن جابر عن الشعبي قال: قال عبد الله: ما اجتمع حلال وحرام إلا غلب الحرام الحلال. اهـ
قال سفيان: ذلك في الرجل يفجر بامرأة وعنده ابنتها أو أمها فإنه يفارقها.
قوله: (أو منقطع معناه لكن ما سلف مغفور).
قال الطَّيبي: تحقيقه ما ذكره أبو البقاء أنَّ (ما) في (مَا قَد سَلَفَ) مصدرية، والاستثناء منقطع؛ لأنَّ النهي للمستقبل وما سلف ماض فلا يكون من جنسه، وهو في موضع نصب، ومعنى المنقطع: أن لا يكون داخلاً في الأول بل في حكم المستأنف ويقدر فيه (إِلا) بـ (لكن) أي: لا تجمعوا بين الأختين لكن ما سلف من ذلك فمعفو عنه، ونحوه قوله: ما مررت برجل إلا بامرأة، أي: لكن بامرأة، والغرض منه بيان معنى زائد، لأن قولك ما مررت برجلٍ صريحٌ في نفي المرور برجل ما غير متعرض لإثبات المرور بامرأة أو نفيه، فإذا قلت: إلا بامرأة؛ كان إثباتاً لمعنى مسكوت عنه غير معلوم بالكلام الأول نفيه ولا إثباته.
فإن قلت: لم فرق بين هذا الاستثناء حيث جعله منقطعاً وبين ما سبق حيث جعله من باب قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... البيت؟
قلت: لاقتضاء المقام، والفرق بين نكاح الأمهات والجمع بين الأختين، واستدعاء كل من التعليلين أعني قوله (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً) وقوله (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) ما يقتضيه من المعنى، فإن التعليل بالغفران والرحمة يستدعي كلاماً
стр. 1067
متضمناً للذنب والخطأ، ولذلك قال: ما مضى مغفور بدليل قوله (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)، كأنه قيل: حرم عليكم الجمع بين الأختين لأنه خطأ وذنب ومن فعل ذلك يؤاخذ به لكن ما قد سلف فإنه مغفور غير مؤاخذ به لأن الله كان غفوراً رحيماً، والتعليل بالفاحشة والمقت وسوء السبيل يوجب تأويل الكلام السابق بما ينبئ عن المبالغة في القبح والفحش وأن المنهي عنه مما ينبغى أن لا يوجد أصلاً، وأنه مناف لحال المؤمنين وأصحاب المروءة وأرباب التمييز، وذلك لا يتم إلا بجعل التركيب من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح.
قال: وما قاله القاضي -يعني البيضاوي- هناك: (إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ) استثناء من المعنى اللازم للنهي وكأنه قيل: تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو استثناء منقطع ومعناه: لكن ما قد سلف فإنه لا مؤاخذة عليه؛ لا أنه مقرر وإن كان كلاماً حسناً لكن عن المرام بمنازل، وعن اقتضاء المقام بمراحل، والقول ما قالت حذام. اهـ
قوله: (لقول أبي سعيد: أصبنا سبياً يوم أوطاس ... ) الحديث.
أخرجه مسلم.
قوله: (وإياه عنى الفرزدق بقوله:
وذات خليل انكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلق).
قال الطَّيبي: روي أن الحسن سئل وعنده الفرزدق: ما تقول فيمن يقول: لا والله، بلى والله؟ فقال الفرزدق: أما سمعت قولي في ذلك؟
قال الحسن: ما قلت؟ فقال الفرزدق قلت:
فلست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم
فقال الحسن: أحسنت.
[أثم قيل: ما تقول فيمن سبى امرأة ولها حليل؟
فقال الفرزدق: أما سمعت قولي وأنشد: وذات حليل ... البيت.
стр. 1068
فقال الحسن: أحسنت كنت أراك أشعر فإذا أنت أشعر وأفقه.]
قوله: ((وأحل لكم) عطف على الفعل المضمر الذي نصب (كتاب الله)، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم البناء للمفعول عطفاً على (حُرِّمَتْ))
قال أبو حيان: فَرَّقَ في العطف بين القراءتين، وما اختاره من التفرقة غير مختار لأن انتصاب (كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ) إنما هو انتصاب المصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله (حُرِّمَتْ) والعامل فيه وهو كتب إنما هو تأكيد لقوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) ولم يأت بهذه الجملة على سبيل التأكيد فإنما يناسب أن تعطف على جملة مؤمسسة مثلها لا سيما والجملتان متقابلتان إحداهما للتحريم والأخرى للتحليل فناسب أن يعطف هذه على هذه، وقد أجاز الزمخشري ذلك في قراءة من قرأ (وَأُحِلَّ) مبنياً للمفعول، فكذلك يجوز مبنياً للفاعل. اهـ
قال الحلبي: في هذا الرد نظر. اهـ
قوله: (مفعول له، والمعنى: أحل لكم ما وراء ذلكم إرادة أن تبتغوا ... ) إلى آخره.
تبع في ذلك الزمخشري، وقد قال أبو حيان: إن فيه تحميل لفظ القرآن ما لا يدل عليه، وتفسير الواضح الجلي باللفظ المعقد، ودس مذهب الاعتزال في غضون ذلك دساً خفياً إذ جعل قوله (أَنْ تَبْتَغُوا) على حذف مضافين أي: إرادة كون ابتغائكم بأموالكم، وفسر الأموال بعد بالمهور وما يخرج في المناكح فتضمن اختصاص إرادته بالحلال الذي هو النكاح دون السفاح، وظاهر الآية غير هذا الذي فهمه الزمخشري إذ الظاهر أنه تعالى أحل لنا ابتغاء ما سوى المحرمات السابق ذكرها بأموالنا حالة الإحصان لاحالة السفاح، وعلى هذا الظاهر لا يجوز أن يعرب (أَنْ تَبْتَغُوا) مفعولاً له كما قال الزمخشري لأنه فات شرط من شروط المفعول له وهو اتحاد العامل في الفاعل والمفعول، لأن الفاعل في قوله تعالى (وَأُحِلَّ) هو الله، والفاعل في (أَنْ تَبْتَغُوا) هو ضمير المخاطبين فقد اختلفا، ولما أحس الزمخشري بهذا جعل (أَنْ تَبْتَغُوا) على حذف إرادة حتى يتحد الفاعل في قوله (وَأُحِلَّ) وفي المفعول له، ولم يجعل (أَنْ تَبْتَغُوا) مفعولاً له إلا على حذف مضاف وإقامته مقامه، وهذا كله خروج عن الظاهر بغير داع إلى ذلك. اهـ
قوله: (أو صفة مصدر محذوف، أي: إيتاءً مفروضاً، أو مصدر مؤكد).
стр. 1069
قال الطَّيبي: الفرق بين هذا والأول أن هذا منصوب بفعل مقدر بمعناه؛ والأول منصوب بفعل مذكور من غير لفظه. اهـ
قوله: (وقيل نزلت الآية في المتعة ... ) إلى آخره.
أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
قوله: (روي أنه ﵊ أباحها ثم أصبح يقول: يا أيها الناس إنى كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلا أن الله حرَّم ذلك إلى يوم القيامة.)
أخرجه مسلم من حديث سبرة الجهني بلفظ: إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع.
قوله: (وجوزها ابن عباس ثم رجع عنه).
أخرجه ابن المنذر في تفسيره والبيهقي في سننه من طريق سعيد بن جبير: قال: قلت لابن عباس ماذا صنعت ذهبت الركاب بفُتياك وقالت فيه الشعر؟ قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا:
أقول للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فُتيا ابن عباس
هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى يصدر الناس
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر.
وفي لفظ: ولا أحللت منها إلا ما أَحلَّ الله من الميتة والدم ولحم الخنزير.
قوله: (أنتم وأرقاؤكم متناسبون).
قال الطَّيبي: يريد أنَّ (من) في قوله (من بعض) للاتصال. اهـ
قوله: (قال ﵊: الحرائر صلاح البيت والإماء هلاكه).
أخرجه الثعلبي والديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة.
стр. 1070
قال الطَّيبي: وأنشدوا:
ومن لم يكن في بيته قهرمانةٌ ... فذلك بيتٌ لا أبا لك ضائعُ. اهـ
وأنشد غيره:
إذا لم يكن في منزل المرءِ حرةٌ ... تدبره ضاعت مصالح داره.
قوله: (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ما تعبدكم به من الحلال والحرام، أو ما خفي عنكم من مصالحكم ومحاسن أعمالكم).
قال الطَّيبي: فيه إشعار بتلفيق الآيات اللاحقة بالسابقة، فإنَّ السوابق كانت في بيان النساء والمناكحات، واللواحق في بيان الأموال والتجارات وهي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ)، فهذه الآيات التي توسطت بينهما كالتخلص من باب إلى باب لجامع التبيين. اهـ
قوله: (و (لِيُبَيِّنَ) مفعول (يريد)، واللام مزيدة لتأكيد معنى الاستقبال ... )
قال أبو حيان: هذا خارج عن مذهب البصريين والكوفيين معاً، لأن البصريين يجعلون مفعول (يريد) محذوفاً واللام للعلة، أي: يريد الله تحليل ما حلل وتحريم ما حرم وتشريع ما شرع لأجل التبيين، فمتعلق الإرادة غير التبيين حذراً من تعدي الفعل المتعدي إلى مفعول متأخر بواسطة اللام، ومن إضمار (أن) بعد لام ليست لام (كي) ولا لام الجحود، وكلاهما لا يجوز عندهم، والكوفيون يجعلون متعلق الإرادة التبيين لكن اللام عندهم هي الناصبة بنفسها لا (أن) مضمرة بعدها. اهـ
وفي حاشية الشيخ سعد الدين: التصريح بأن اللام زائدة تصريح بأن المذكور بعدها مفعول به فلا يرد ما يقال: إن أراد متعدٍ؛ فلا بد له من مفعول به، وأما حمله على حذف المفعول وجعل اللام للتعليل فليس بسديد من جهة المعنى. اهـ
وفي حاشية الطَّيبي: قال صاحب الفرايد: قيل: لا يبعد أن يكون مفعول (يريد) محذوفاً للعلم به، كأنه قيل: يريد إيراد هذه الأحكام ليبين لكم، وكذا في قوله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ) أي يريدون كيدهم وعنادهم ليطفئوا، وقال: هذا الوجه أقرب إلى التحقيق لأنه فعل متعد لا بد له من مفعول.
стр. 1071
وقال ابن الحاجب في شرح المفصل: يجوز لزيد ضربت، وامتنع ضربت لزيد، لأن المقتضي إذا تقدم كان أقوى منه إذا تأخر، والجواب: إن المقام إذا اقتضى التأكيد لا بد من المصير إليه، وإذا كان المعنى على ما قال: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم وأن يهديكم مناهج من تقدمكم ... إلى آخره، فخلو الكلام عن التأكيد بعيد عن قضاء حق البلاغة.
قال الزجاج: اللام في (ليبين لكم) كاللام في لكي في قوله:
[أردت لكيما لا ترى لي عثرة ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل.
وقال صاحب اللباب: إن اللام في: شكرت لزيد تكملة للفعل في نحو: مررت بزيد. وقال الشارح: إن معنى المرور وهو المجاوزة يقتضي متعلقاً والباء تكميل لذلك المعنى بخلاف التعدية نحو: خرجت بزيد فإن معنى الخروج لا يقتضي متعلقاً بل حصل اقتضاؤه المتعلق بحرف الجر فتلك هي التعدية. اهـ
وفي إعراب السفاقسي: جوز الزمخشري أن يكون من باب الإعمال؛ فيكون مفعول (لِيُبَيِّنَ) ضميراً محذوفاً يفسره مفعول (وَيهْدِيَكُمْ)؛ نحو: ضربت وأهنت زيداً، أي: ليبينها لكم، أي: سنن الذين من قبلكم.
قال السفاقسي: جعله من باب الإعمال حسن، وأما تقديره مفعول أول ضمير ففيه نظر، لأنهم أوجبوا حذفه إذا كان فضلة مستغنى عنه، ولم يجوزوا إضماره لما يلزم عليه من الإضمار قبل الذكر، فالأولى أن يقال: ومفعول الأول محذوف إلا أن يقال: إنما يمتنع إضماره مع التلفظ به، وأما تقديره كذلك فلا. اهـ
وهذا الذي نقله عن الزمخشري ليس في الكشاف.
قوله: (كما في قول قيس بن سعد:]
أردت لكيما يعلم الناس أنه ... سراويل قيس والوفود شهود)
في الغريب لابن الدهان: ورد أن عظيم الروم بعث إلى معاوية بهدية مع رسولين
стр. 1072
أحدهما جسيم والآخر أيد (١) ففطن لها معاوية فقال لعمرو بن العاص: أما الطويل فإني أجد مثله فمن الأيد؟ فقال: أجد القوة في شخصين محمد بن الحنفية، والآخر عبد الله بن الزبير.
فقال: بردت قلبي، ثم أرسل إلى قيس فعرفه الحال فحضر، فلما مثل بين يدي معاوية وعرف ما يراد منه نزع سراويله ورمى بها إلى العلج فلبسها فنالت ثندوته فأطرق مغلوباً، وليم قيس على تبذله وقيل: هلا بعثت بها؟ فقال:
أردت لكيما تعلم الناس أنَّها ... سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عاديَّ نمته ثمود
وأني من القوم اليمانيين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود
وبذَّ جميع الخلق أصلي ومنصبي ... وجسم به أعلو الرجال مديد
وحضر محمد بن الحنفية وعلم ما يراد منه؛ فخير العلج بين أن يقعد ويقوم العلج ويعطيه يده فيقيمه أو يقعد العلج ويقوم محمد ويعطيه يده فيقعده، فاختار العلج الحالتين، وغلبه فيهما محمد فأقام العلج وأقعده.
أخرجه ابن عساكر في تأريخه من طرق.
قوله: (يرشدكم إلى ما يمنعكم عن المعاصي).
قال الطَّيبي: إشارة إلى قوله أن (يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) من وضع المسبب موضع السبب وذلك من عطف (وَيَتُوبَ) على قوله (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) على سبيل البيان كأنه قيل: ليبينْ لكم ويهديكم ويرشَدكم إلى الطاعات فوضع موضعه (ليَتُوبَ عَلَيكم). اهـ
قوله: ((والله يريد أن يتوب عليكم) كرره للتأكيد (والمقابلة)).
أي أنه قوبل بقوله (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ... )
قال الطَّيبي: وإنما بنى (وَاللهُ يُرِيدُ) على تقوي الحكم وقدم الاسم وفي المقابل الفعل
стр. 1073
مقدم ليفرق بين الإرادتين إرادة الله وإرادة الزائغين. اهـ
قوله: (ورخص لكم في المضايق كإحلال نكاح الأمهّ).
قلت: هو مما خفف به في هذه الشريعة على هذه الأمة، ولم يبح ذلك في الشرائع السابقة.
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر في التفسير عن مجاهد قال: مما وسع الله به على هذه الأُمَّة نكاح الأَمَة النصرانية واليهودية.
قوله: (وعن ابن عباس: ثمان آيات فى سورة النساء هن خير لهذه الأمة ... )
الحديث.
أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة وابن جرير في تفسيره.
قوله: ((إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً) استثناء منقطع).
قال الشيخ سعد الدين: إذ لم يسبق لفظاً أو تقديراً مفردٌ يصح وقوع التجارة استثناءً عنه. اهـ
وقال أبو البقاء: الاستثناء منقطع ليس من جنس الأول، وقيل: هو متصل أي: لا تأكلوا بسبب إلا أن تكون تجارة. وهذا ضعيف لأنه قال (بِالْبَاطِلِ) والتجارة ليست من جنس الباطل، وفي الكلام حذف مضاف أي: إلا في حال كونها تجارة. اهـ
قال الطَّيبي: قوله (إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) يدل بحسب المفهوم على أن عدم المراضاة منهي عنه، ومن ثم قدر: ولكن كون تجارة عن تراض غير منهي، فكأنه قيل: المنهي هو أن يكون التصرف بالباطل وعدم الرضى لكن غير المنهي هو أن يكون التصرف بالحق وحصول المرضاة. اهـ
قوله: (روي أنّ عمرو بن العاص تأوله في التيمم بخوف البرد ولم ينكره عليه النبى ﷺ ).
أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه.
стр. 1074
قوله: (جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال).
قال الطيبي: قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) إلى قوله (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) كالاعتراض بين حديث النساء ونكاحهن والقيام عليهن فيكون تأكيداً لمعنى التعليل في قوله (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) لما فيه من الإشعار بأن التمتع بالمال إنما يكون معتدًّا به إذا أنفق على العيال، ومن ثم ضم مع حفظ المال لأجل الإنفاق على العيال حفظ النفس من يد الإرادة التحريض على طلب الإحصان والاجتناب عن السفاح. اهـ
قوله: (معناه: إنه كان بكم يا أمة محمد رحيماً لما أمر بنى إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه).
ذكر الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في فتاويه: أن من تحتم قتله بذنب من الذنوب لم يجز له أن يقتل نفسه، وستره على نفسه مع التوبة أولى به، وإن أراد تطهيراً بالقتل فليقر بذلك عند ولي الأمر ليقتله على الوجه الشرعي، فإن قتل نفسه لم يجز له ذلك، لكنه إن قتل نفسه قبل التوبة كان ذنبه صغيرة لافتياته على الإمام، ويلقى الله فاسقاً بالجريمة الموجبة للقتل، وإن قتل نفسه بعد التوبة فإن جعلت توبته مسقطة لقتله فقد لقي الله فاسقاً بقتله نفسه لأنه قتل نفساً معصومة، وإن قلت لا يسقط قتله بتوبته لقي الله عاصياً لافتياته على الأئمة، ولا يأثم بذلك إثم مرتكب الكبائر، لأنه فوت حياة يستحق الله تفويتها، وأزهق روحاً يستحق الرب إزهاقها، وكان الأصل يقتضي أن يجوز للآحاد الاستبداد به في النفس. اهـ
قوله: (وعن النبى ﷺ : إنها سبع: الإشراك بالله ... ) الحديث.
أخرجه ابن مردويه من حديث ابن عمر وابن أبي حاتم.
قوله: (وعن ابن عباس: الكبائر إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع).
أخرجه ابن أبي حاتم.
قوله: (ولعل هذا مما يتفاوت باعتبار الأشخاص)
أوردوا هنا قول من قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وأنشدوا:
لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة ... في السهو فيها للوضيع معاذر
فكبائر الرجل الصغير صغائر ... وصغائر الرجل الكبير كبائر
стр. 1075
قوله: (قال ﵊: ليس الإيمان بالتمنى).
سيأتي.
قوله: (روي عن أم سلمة قالت يا رسول الله: يغزوا الرجال ولا نغزو ... ) الحديث.
أخرجه الترمذي والحاكم وصححه من حديثها.
قال الطَّيبي: لا بأس في أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً؛ إذ أكثر الأحكام واردة على هذا المنهج، فإن قلت: هذا تمنٍ محمود فكيف نهوا عنه؟ قلت: كان التمني أن يكتب عليهن الجهاد كما كتب على الرجال، وهذا التمني غير جائز لأنه تعالى كتب لكل من الرجال والنساء على حسب حاله واستعداده؛ ولذا استدركه بقوله (وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ) أي: اسألوا الله ما يليق بحالكم وما يصلحكم، ألا ترى كيفى ذيل بقوله (إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا). اهـ
قوله: (أي ولكل تركة جعلنا وارثاً ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: يعني المضاف إليه (وَلِكُلٍّ) محذوف وهو تركة، والمفعول الأول لـ (جَعَلْنَا) هو (مَوَالِيَ) والثاني (وَلِكُلٍّ)، و (مِمَّا تَرَكَ) متعلق بمحذوف وهو صفة (وَلِكُلٍّ)، المعنى: وجعلنا لكل مال تركه الوالدان وراثاً يحوزونه.
قال السجاوندي: وفيه ضعف للفصل بين الموصوف والصفة إذ يصير بمنزلة من يقول: لكل رجل جعلت درهماً فقير. اهـ
قوله: (أو: ولكل ميت جعلنا وارثاً ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: فعلى هذا (وَلِكُلٍّ) أحد مفعولي (جَعَلْنَا)، و (مَوَالِيَ) بمعنى الوارث، و (مِما تَرَكَ) صلته، المعنى: جعلنا لكل موروث وارثاً حائزاً لتركته، ثم قيل: من الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون. اهـ
قوله: (أو لكل قوم ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: فعلى هذا لكل قوم خبر، والمبتدأ متعلق (مِمَّا تَرَكَ) وهو نصيب المقدر، و (جَعَلْنَا) صفة (وَلِكُلٍّ)، ومفعوله الأول محذوف وهو ضمير الموصوف،
стр. 1076
و (مَوَالِيَ) ثاني مفعوليه، المعنى: لكل من جعلناه وارثاً نصيب من التركة. اهـ
قوله: (أو منصوب بمضمر يفسره ما بعده).
قال الشيخ سعد الدين: ينبغى أن يكون هذا هو المختار لئلا يقع الخبر جملة طلبية.
قال: وكأنه إنما لم يختره لأنَّ مثله قلما يقع في غير الاختصاص وهو غير مناسب هنا، وكذا الوجه الثالث وهو العطف على (الْوَالِدَانِ) لشهرة الوقف على (وَالْأَقْرَبُونَ) دون (أَيْمَانُكُمْ). اهـ
قوله: (أو معطوف على الوالدين -إلى قوله- والضمير للموالي).
قال الطَّيبي: فيدخل فيه (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ)، وعلىٍ هذا الوجه الفاء جزاء شرط مقدر و (من) صلة موالي، أي: جعلنا لكل موروث وارثاً حائز التركة.
فقيل: من هم؟ قيل: الوالدان والأقربون والعاقدون.
ثم قيل: وإذا كان كذلك فآتوهم نصيبهم. اهـ
قوله: (بمعنى عقدت عهودهم).
قال الطَّيبي: أي عهود الموالي، وهو مفعول (عَقَدَت)، وفاعله (أَيْمَانُكُمْ). اهـ
قوله: (روي أن سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه امرأته ... .) الحديث.
ذكره الثعلبي والواحدي عن مقاتل، وأخرج ابن مردويه من حديث علي نحوه، وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه وأبو داود في المراسيل من مرسل الحسن نحوه.
قوله: (لمواجب الغيب).
قال الطَّيبي: قيل المواجب جمع موجب، والمراد بموجب الغيب: ما يوجبه الغيب، أي ما تجب المحافظة عليه في حال غيبة الزوج. اهـ
قوله: (وعنه ﵊: خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها، وتلا الآية).
أخرجه ابن جرير من حديث أبي هريرة لكن بلفظ (في مالك ونفسها)، وروى النسائي عن أبي هريرة: سئل النبي ﷺ عن خير النساء فقال: التي تطيع إذا أمر، وتسر إذا
стр. 1077
نظر، وتحفظه في نفسها وماله. رواه الحاكم وصححه بلفظ (ومالها).
قال الطَّيبي: أراد بمالها مال الزوج، ولما كانت هي المتصرفة فيه في حال الغيبة وأنه مما ينفق عليها منه كان كأنه مالها، ونحوه قوله تعالى (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) بعثاً لها على الحفظ، أي: ليحفظن ماله حفظاً مثل حفظ أموالهن. اهـ
وكذا حمله الشيخ سعد الدين على إضافة الملابسة بتصرفها فيه، لكن أكثر طرق الحديث بلفظ: في نفسها وماله وكذا رواه ابن ماجة من حديث أبي أمامة فيخشى أن يكون في رواية الحاكم تحريف من بعض الرواة والنساخ فإن مخرج حديثه وحديث النسائي واحد.
قوله: (بحفظ الله إياهن ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: فسر الحفظ بوجوه ثلاثة: أحدها: أنه حقيقة، أي: حافظات للغيب لأنَّ الله تعالى حفظهن من أن يقعن في الذنب.
الثاني: أنه من باب الكناية، أي أنهن حافظات الغيب لأن الله تعالى وعدهن الثواب عليه ولذلك سعين في حفظ الغيب؛ كأنه قيل: احفظن الغيب حتى لا أضيع أجركن لما يلزم من عدم ضياعهن إيتاء أجورهن.
الثالث: أنه مجاز من إطلاق المسبب على السبب؛ لأن الظاهر أن يقال: حافظات للغيب: أنَّ الله تعالى وصى الأزواج بحفظهن رعاية لحقهن فهن قضين حق تلك النعمة بحفظ غيب الأزواج. اهـ
قوله: (وقرئ (بما حفظ اللهَ) بالنصب ... ) إلى آخره.
قال أبو البقاء: (ما) على قراءة النصب بمعنى: الذي، أو نكرة والمضاف محذوف؛ والتقدير: بما حفظ أمر الله أو دين الله.
وقال قوم: هي مصدرية، والتقدير: بحفظهن الله، وهذا خطأ لأنه إذا كان كذلك
стр. 1078
خلا الفعل عن ضمير الفاعل، لأن الفاعل هنا جمع المؤنث فكان يجب أن يكون بما حفظهن الله. اهـ
قال الطَّيبي: وقد صوب هذا القول وجعل الفاعل فيه للجنس وهو مفرد مذكر فلا يظهر له ضمير. اهـ
قوله: (والأمور الثلاثة مرتبة).
قال ابن المنير: الترتيب غير مأخوذ من الآية لأنَّها واردة بواو العطف، وإنما استفيد من أدلة خارجة. اهـ
وقال الطَّيبي: ما أظهر دلالة الفاء يعني في قوله (فَعِظُوهُنَّ) عليه، ومنه نبه على ترتيب قرينيه. اهـ
قوله: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
أخرجه ابن ماجة من حديث ابن مسعود، والطبراني من حديث أبي سعيد، والديلمي في مسند الفردوس منْ حديث أنس وابن عباس.
قوله: (الضمير الأول للحكمين ... ) إلى آخره.
قال الإمام: وهنا قسم رابع وهو أن الأول للزوجين، والثاني للحكمين أي: إن يرد الزوجان إصلاحاً يوفق الله بين الحكمين اختلافهما حتى يعملا بالصلاح. اهـ
قوله: (وعنه ﵊: الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام، وجار له حقان حق الجوار، وحق الإسلام، وجار له حق واحد وهو المشرك).
أخرجه الحسن بن سفيان والبزار في مسنديهما، وأبو الشيخ في كتاب الثواب، وأبو نعيم في الحلية من حديث جابر بن عبد الله، وابن عدي في الكامل من حديث عبد الله
стр. 1079
بن عمرو وكلاهما ضعيف.
قوله: ((الذين يبخلون) بدل من قوله (من كان)).
قال أبو حيان: يجوز عندي -ولم يذكروه- أن يكون صفة لـ (مَن). اهـ
قوله: (أو مبتدأ خبره محذوف).
قال الطَّيبي: فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين أن يكون خبر مبتدأ محذوف كما عليه الوجه الذي قبله؟ قلت: على ذاك يتصل بقوله (مُخْتَالاً فَخُورًا) محكوم عليهم بأنهم هم الذين لا يحبهم الله، وهو أبلغ من البدل؛ لما يؤذن بأن البخل أخس أوصافهم؛ وهو الذي حملهم على أن يتكبروا عن إكرام أقاربهم وأصحابهم، وأنهم معروفون مشهورون بكونهم مختالين فخورين؛ لما تقرر أن النصب أو الرفع على المدح أو الذم يقتضي أن يكون الموصوف مشهوراً معروفاً والصفة [صالحة للمدح أو للذم، وعلى أن يكون مبتدأ خبره محذوف الجملة منقطعة عما قبلها جيء بها مستطردة لحكاية من يمنع إحسانه على الوالدين والأقربين، والوجه الاتصال لأن قوله (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) تذييل لقوله (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) وقد رمز إليه تفسيره المختال بالمتكبر الذي يأنف عن إكرام أقربائه وجيرانه، ثم لا بد من انضمام قوله (الذِينَ يَبخَلُونَ) ليتم المقصود.
فإن قلت: هل يجوز (وَالذِينَ يَبْخَلُونَ) القطع للاستئناف؟
قلت: لا يحسن ذلك الحسن لأنه لا يخلو من أن يكون استئنافاً بإعادة اسم (من) المستأنف عنه الحديث أو صفته، والأول ظاهر البطلان لأن (الذي) وضع صلة إلى وصف المعارف بالجمل، والثاني يوجب أن يكون الموصوف بحيث ينبئ عن الوصف ليكون ذريعة لبيان الموجب ليصح التعليل كقوله تعالى (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)، ولا دلالة في قوله (مُخْتَالاً فَخُورًا) على هذا الوصف بل فيه ما يدفعه لأن التيّاه الفخور أغلب ما يكون جواداً، اللهم إلا أن يقال إنَّ قوله (مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) لما كان تذييلاً للكلام السابق واستئنافاً تضمن معنى البخل الذي يعطيه قوله تعالى (وَبِالْوَالِدَيْنِ
стр. 1080
إِحْسَانًا ... ) إلى آخره وهذا لا يصير إليه صاحب ذوق. اهـ
قوله: (والآية نزلت في طائفة من اليهود ... ) إلى آخره.
أخرجه ابن إسحاق وابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس.
قوله: (وقيل: الذين يكتمون صفة محمد ﷺ .
أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي -وهو ضعيف- عن ابن عباس.
قوله: (وأنث الضمير لتأنيث الخبر).
قال الشيخ سعد الدين: لا يقال تأنيث الخبر إنما يصح بعد اعتبار تأنيث الاسم؛ لأنّا نقول الحسنة والسيئة التحقتا بالاسم، ليس دخول التاء فيها مبنياً على تأنيث ما يجريان عليه، ولهذا نقول: الصوم حسنة. اهـ
قوله: (يضاعف ثوابها).
قال الشيخ سعد الدين: لأنَّ مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلاة الواحدة صلاتين مما لا يعقل، وما جاء في الحديث من أن التمرة يربيها الرحمن ﵎ حتى تصير مثل الجبل محمول على هذا للقطع بأن الثمرة أكلت ولم ترب، على أن الحسنة هي التصدق بها لا نفسها، وما يقال إن مضاعفة الحسنة أن يكتب ثوابها مضاعفاً في صحيفة العمل وأنه ينزلها منزلة أضعافها راجع إلى مضاعفة الثواب. اهـ
قوله: (ويعط صاحبها من عنده).
قال الطَّيبي: جعل (مِن لدُنهُ) بمعنى من عنده، وقد قال الزجاج: (لدن) لا تتمكن تمكن (عند) لأنك تقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: لدي صواب، وتقول: عندي مال، ولا تقول: لدي مال، والمال غائب. اهـ
قوله: (وإنما سماه أجراً لأنه تابع للأجر).
قال الطَّيبي: أي هو مجاز عن التفضل لأنه تعالى قال (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)، ومضاعفة الحسنة هي الأجر لأنَّها جزاء الحسنات، وقال بعده (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) فوجب حمله على معنى زائد على الأجر وليس ذلك إلا التفضل.
قال: وهذا على ما قرره صاحب الكشاف من أنَّ (يُضَاعِفْهَا) على تقدير مضاف أي:
стр. 1081
يضاعف ثواهما وأنه بالاستحقاق لا بالتفضل، وتسميته التفضل بالأجر تسمية للشيء باسم مجاوره، وهذا تعسف وتأويل القرآن بالرأي والمذهب، وأما إذا جعلنا الحسنة بنفسها مضاعفة كما دل عليه حديث تربية الصدقة حتى تكون كالجبل العظيم و (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) على ظاهره ليعلم أن الأجر تفضل منه سبحانه وأنه من لدنه لا باستحقاق العمل كما عليه مذهب أهل الحق فأي حاجة لنا إلى ارتكاب تلك التعسفات وكان لنا مخلصاً من تلك الورطات.
قال: والعجب من القاضي وصاحب التقريب كيف قررا في هذا المقام كلام صاحب الكشاف ولم ينبه عليه صاحب الانتصاف. اهـ
قوله: (فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم) .
قال الطَّيبي: يريد أنَّ الإشارة بقوله (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) إلى جميع من بعث إليهم رسول الله ﷺ ، فإن هذه الآية ناظرة إلى فاتحة السورة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)، وهي كالتخلص إلى قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) كما كان قوله (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ) إلى قوله (مَيْلاً عَظِيمًا) مخلصاً إلى قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ). اهـ
قوله: (تسوى بهم الأرض كالموتى).
قال الطَّيبي: (الباء) بمعنى (على) كقوله (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ)، ويجوز أن تكون للسببية، أي: سبب دفنهم، وعلى القولين الأخيرين بمعنى (مع). اهـ
قوله (ولا يكذبونه).
قال الطَّيبي: هو عطف تفسير لأنَّ معنى الكتمان هو جحدهم شركهم. اهـ
قوله: (رُوي أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم ... ) إلى آخره.
أخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس.
стр. 1082
قوله: (روي أن عبد الرحمن بن عوف صنع مأدبة ... ) الحديث.
أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصححه من حديث علي بن أبي طالب.
قوله: (والجنُب ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: بيان لصحة عطفه وهو مفرد على الحال ضمير الجمع. اهـ
قوله: (لأنه يجري مجرى المصدر).
قال الطَّيبي: من هذا يعلم أن كل اسم يقع موقع المصدر يجري فيه ما ذكر ولا تختص به المصادر كرجل عدل وامرأة عدل. اهـ
قوله: (لا تقربوا الصلاة جنباً في عامة الأحوال إلا في السفر).
قال الطَّيبي: يعني لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب على تقدير من التقادير وفي حال من الأحوال إلا في حال السفر. اهـ
قوله: (أو صفة).
قال الطَّيبي: الفرق بين أن يكون حالاً وبين أن يكون صفة هو أنه على الحال يفيد أنه لا يجوز قربان الصلاة في حال الجنابة قط إلا أن يكون مسافراً؛ فدل الحصر على أن العذر غير متعدد ثم يجيء قوله (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) يبطل معنى الحصر، بخلافه إذا جعل صفة ويكون المعنى: لا تقربوا الصلاة جنباً مقيمين؛ فيحسن (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) لجواز ترادف القيد. اهـ
قوله: (أو ماسستم بشرتهن بشرتكم -إلى قوله- أو جامعتموهن).
قلت: ما أورده من حكاية قولين في الملامسة هل هي مماسة البشرة أو الجماع أطبق عليه الناس، والتحقيق أنه لا خلاف وإن التفسيرين بحسب القراءتين، فمن قرأ (لَمَسْتُمُ) أراد مس البشرة ومن قرأ (لامَسْتُمُ) أراد الجماع، وهذا تحقيق حسن يندفع به كثير من حكايات الخلاف كما بينته في الإتقان.
стр. 1083
قوله: (واليد: اسم العضو إلى المنكب).
سئلت عن هذا أهو على سبيل الحقيقة وإطلاقها على بعضه كالكف إلى الكوع في قوله ً (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) وكالكف إلى الذراع إلى المرفق في قوله (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) مجاز من إطلاق اسم الكل على البعض، أو على سبيل المجاز وهي حقيقة في الكف إلى الكوع أو مشترك في جميع ذلك أو متواطئ؟
والجواب: أنه على سبيل الحقيقة، هذا مقتضى نصوص الأئمة.
ً (قال ابن الرفعة في الكفاية: اختلف الناس في اليد تطلق حقيقة على ماذا، فالمشهور أنها إلى المنكب؛ وهو ما حكاه القاضي أبو الطيب واختار أنَّها تتناول الكفين مع الأصابع دون ما زاد عليها بدليل قوله تعالى (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) دل على أن هذا زيادة على ما يتناوله الاسم وليس بنقصان فإنه يجري مجرى قولهم: سرت من الكوفة إلى البصرة). اهـ
قوله: (وما روي أنه ﵊ تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه، والقياس على الوضوء دليل على أن المراد هنا: وأيديكم إلى المرافق).
قلت: الحديث رواه أبو داود بسند ضعيف عن ابن عمر قال: مر رجل على النبي ﷺ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى كاد الرجل يتوارى في السكة، فضرب بيده على الحائط ومسح بها وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل السلام.
زاد أحمد عد بن عبيد الصفار في مسنده من هذا الوجه: فمسح ذراعيه إلى المرفقين.
ومداره على محمد بن ثابت العبدي وهو ضعيف، وقد أنكر البخاري عليه هذا الحديث.
стр. 1084
قال النووي في شرح المهذب: احتج أصحابنا بأشياء كثيرة لا يظهر الاحتجاج بها، وأقربها أن الله تعالى أمر بغسل اليدين إلى المرافق في الوضوء وقال في آخر الآية (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فظاهره أن المراد الموصوفة أولاً بقوله (إِلَى الْمَرَافِقِ)؛ وهذا المطلق محمول على ذلك المقيد لا سيما وهي آية واحدة، وقد أجمع المسلمون على أن الوجه يستوعب في التيمم كالوضوء فكذلك اليدان.
قال الشافعي والبيهقي: أخذنا بحديث مسح الذراعين لأنه موافق لظاهر القرآن والقياس، وأحوط. اهـ
قوله: (فكذلك يسر الأمر عليكم ورخص لكم).
قال الطَّيبي: يريد أنَّ قوله (إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) كالتعليل لقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى ... ) إلى آخره والعفو والغفران يستدعيان سبق جرم؛ وليس في ذكر الأعذار ما يشم منه رائحة؛ فلا يصح إجراؤه على ظاهره؛ فوجب أن يكون ذكرهما كناية عن الترخيص والتيسير، ويؤيده مجيء قوله (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) في مثل هذه الآية في المائدة. اهـ
قوله: (بيان للذين أوتوا -إلى قوله- وما بينهما اعتراض).
قال أبو حيان: إذا كان الفارسي قد منع الاعتراض بجملتين فما ظنك بثلاث. اهـ
قال الحلبي: وفيه نظر؛ فإن الجمل هنا متعاطفة والعطف يصير الشيئين شيئاً واحداً. اهـ
قوله: (أو بيان لـ (أَعْدَائِكُمْ)) .
قال الطَّيبي: بيان أنَّ قوله تعالى (وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) بعد قوله (الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) المشتمل على الفريقين اليهود والنصارى مشعر بتهديد عظيم ووعيد شديد لبعض منهم على سبيل الإبهام فبين بقوله (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) ذلك البعض المبهم، والآية تنظر إلى معنى قوله تعالى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى)، وعلل العداوة على سبيل الاستئناف بقوله (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) كأنَّ سائلاً سأل: لم تفردت اليهود بعداوة النبي ﷺ ؟ فقيل: لأنهم حرفوا اسمه ووصفه من التوراة وكتموا الحق وأخذوا على ذلك الرشى وأظهروا على سبيل ذلك المشتبه بقولهم (رَاعِنَا) إخفاءً لأمره وحطًّا
стр. 1085
لمنزلته، ولما كان الكلام فيه نوع تسلية لرسول الله ﷺ ووعد على نصرته وقهرٌ لأعدائه كان قوله (وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا) اعتراضاً مؤكداً له، وفي تكرير الاعتراض دلالة على الانتقام الشديد والتسلية العامة. اهـ
قوله: (أو صلة لـ (نصيرا)).
قال الشيخ سعد الدين: يقال نصرته على عدوه ونصرته منه لما فيه من معنى الغلبة والاستيلاء عليه والإنجاء منه. اهـ
وقال الطَّيبي: يجوز أن يكون مضمناً معنى انتقم. اهـ
قوله: (جمع كلمة).
قال الشيخِ سعد الدين: أراد بالجمع ما هو على حد تمر وركب بما يطلق عليه لفظ الجمع نظراً إلى المعنى وإلى أنَّ له لفظاً يطلق على الواحد مثل كلمة وتمرة وراكب وإن لم يكن هو صيغة جمع بدليل رجوع الضمير إليه مفرد أو وصفه بالمفرد مثل الكلم الطيب، وحيث ينفي عنه الجمع يراد إنه ليس مجموعاً على حد رجال وأفراس. اهـ
وأقول: لو كانت المسألة متفقاً عليها بين النحويين أنَّ الكلم ليس بجمع اتجه له هذا التأويل، ولكن الخلاف فيها شديد؛ فإن طائفة من النحويين ذهبوا إلى أنه جمع ورجحه مع حكاية الخلاف عن طائفة من المتأخرين، فما المانع أن يكون صاحب الكشاف قد يجنح إلى هذا؛ وتبعه المصنف على اختياره.
قوله: (تخفيف كلمة).
قال الشيخ سعد الدين: يعني بنقل كسرة اللام إلى الكاف. اهـ
قوله: (وإنما قالوه نفاقاً).
قال في الكشاف: هو قول ذو وجهين. اهـ
قال الطَّيبي: وهو المسمى في البديع بالتوجيه؛ وهو إيراد كلام محتمل لوجهين مختلفين بالذم والمدح. اهـ
стр. 1086
قوله: (ولو ثبث قولهم هذا).
قال أبو حيان: سبك من أنَّهم قالوا مصدراً مرتفعاً يثبت على الفاعلية وهو قول المبرد، وهو مذهب مرجوح في علم النحو، وسيبويه يرى أنَّ (أن) بعد (لو) مع ما عملت فيه يقدر باسم مبتدأ، وهل الخبر محذوف أو لا يحتاج إلى تقدير خبر لجريان المسند والمسند إليه في صلة (أن)؟ قولان أصحهما الثاني. اهـ
قوله: (ويجوز أن يراد بالقلة العدم كقوله: قليل التشكي للمهم يصيبه ... ).
قال أبو حيان: ما ذكره من أنَّ القليل يراد به العدم صحيح في نفسه؛ لكن هذا التركيب الاستثنائي من تراكيبه؛ فإذا قلت: لا أقوم إلا قليلاً؛ لم يوضع هذا لانتفاء القيام ألبتَّة، بل هذا يدل على انتفاء القيام منك إلا قليلاً فيوجد منك، وإذا قلت: قلما يقوم أحد إلا زيد، وقلَّ رجل يقول ذلك احتمل أن يراد به التقليل المقابل للكثير، واحتمل أن يراد به النفي المحض وكأنك قلت: ما يقوم أحد إلا زيد، وما رجل يقول ذلك، أما أن تنفي ثم توجب ويصير الإيجاب بعد النفي يدل على النفي فلا؛ إذ تكون (إلا) وما بعدها على هذا التقدير جيء بها لغواً لا فائدة فيه؛ إذ الانتفاء فهم من قولك: لا أقوم، فأي فائدة في استثناء مثبت يراد به الانتفاء المفهوم من الجملة السابقة، وأيضاً فإنه يؤدي إلى أن يكون ما بعد (إلا) موافقاً لما قبلها في المعنى؛ وباب الاستثناء لا يكون فيه ما بعد (إلا) موافقاً لما قبلها. اهـ
والبيت المستشهد به قيل لأبي كثير الهذلي ولم أجده في شعره، وقيل لتأبط شراً وتمامه:
كثير الهدى يثني الهوى والمسالك.
قال الطَّيبي: أي هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق، لا يقف أهله على فن واحد بل يتجاوز إلى فنون مختلفة، صبور على النوائب لا يكاد يتشكى منها، فاستعمل لفظ
стр. 1087
القليل وقصد به إلى نفي الكل. اهـ
قوله: (أو إلا قليلاً منهم آمنوا).
قال الطَّيبي: فعلى الأول (إِلاّ قَلِيلاً) مستثنى من مصدر (يؤمِنُونَ)، وعلى هذا (من) فاعله. اهـ
قوله: (أو (للذين) على طريقة الالتفات).
قال الطَّيبي: أراد الانتقال من الخطاب المستفاد من النداء في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) إلى الغيبة في قوله (أَوْ نَلْعَنَهُمْ). اهـ
قوله: (ارتكب ما يستحقر دونه الآثام -إلى قوله- والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل).
قال الطَّيبي: لا يعلم من كلام القاضي أنه مشترك أو مجاز وحقيقة، والظاهر من قول الكشاف: أي ارتكبه، أنه استعارة تبعية، شبه ما لا يصح كونه من الفعل بما لا يصح ثبوته من القول، ثم استعمل في الفعل ما كان مستعملاً في القول من الافتراء. اهـ
قوله: (وقيل ناس من اليهود جاءوا بأطفالهم ... ) إلى آخره.
ذكره الثعلبي عن الكلبي.
قوله: (وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها).
قال في الكشاف: إلا إذا كان لغرض صحيح في الدين وطابق الواقع. اهـ
قوله: (وأصل التزكية: نفى ما يستقبح فعلا أو قولاً).
قال الراغب: التزكية: إما بالفعل وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهير بدنه؛ وذلك يصح أن ينسب إلى العبد كقوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)، أو إلى من يأمره بفعله كقوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)، وإما بالقول وذلك الإخبار عنه بذلك ومدحه ومحظور على الإنسان أن يفعل ذلك بنفسه، فالتزكية في الحقيقة هي الإخبار عما ينطوي عليه الإنسان ولا يعرف ذلك إلا الله؛ ولهذا قال (بَلِ
стр. 1088
اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ). اهـ
قوله: (وقيل في حيي بن أخطب ... ) إلى آخره.
أخرجه الطبراني، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس.
قوله: (ويجوز أن يكون المعنى إنكار أنهم أوتوا ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: الفرق بين الوجهين أنَّ الإنكار على الأول متوجه إلى أن يكون لهم نصيب من الملك فقط أي ليس لهم نصيب من الملك، وعلى الثاني متوجه إلى أن يكون لهم نصيب وإلى أنَّهم لا يؤتون أحداً شيئاً، [فالإنكار ينصب على الأمرين يعني: أوتوا نصيباً من الملك ويشكروا لينفقوا في سبيل الله فجعلوه سبباً للإمساك] كقوله تعالى (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)، فالفاء سببية نحو اللام في (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا). اهـ
قوله: (بأن يعاد ذلك الجِلْد ... ) إلى آخره .
قال الطيبي: فالمغايرة في الصفة لا في الذات. اهـ
قال الإمام: المعذب هو الإنسان، والجلد ليس منه بل هو كالشيء الملتصق به، فإذا جدد الله تعالى الجلد حتى صار سبباً لوصول العذاب إليه لم يكن إلا تعذيباً للعاصي. اهـ
قال الطَّيبي: وهذا أيضاً عن القاضي والزجاج، وهو مبني على أنَّ الإنسان غير البدن، وأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، بل إنه سبحانه قادر على أن يوصل إلى أبدانهم آلاماً عظيمة من غير إدخالهم النار مع أنه تعالى أدخلهم النار. اهـ
قوله: (نزلت يوم الفتح في عثمان بن أبي طلحة ... ) الحديث .
أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس نحوه.
стр. 1089
قال الشيخ سعد الدين: وللشيعة هنا كلام آخر وهو أن النبي ﷺ حمل علياً على عاتقه حتى صعد سطح الكعبة وأخذ المفتاح وقال: قد خُيِّل إليَّ أني لو أردت لبلغت السماء.
قلت: هذا أخرجه الحاكم في مستدركه.
قوله: (روي عن ابن عباس أن منافقاً خاصم يهودياً ... ) الحديث.
أخرجه الثعلبي عنه بلفظه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود مرسلاً بلفظه أيضاً، وأخرجه ابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس مختصراً.
قوله: (ويؤثر فيهم).
قال الطَّيبي: عطف تفسيري على قوله يبلغ منهم، يعني متمكن منهم من جهة الإبلاغ. اهـ
قوله: (وتعليق الظرف بـ (بَلِيغًا) على معنى: بَلِيغًا في أنفسهم مؤثراً فيها ضعيفٌ لأن معمول الصفة لا يتقدم الموصوف).
رد به على صاحب الكشاف حيث ذكر ذلك بادءً به، وقد وافقه أبو حيان في الرد قال: تعليق (فِي أَنْفُسِهِمْ) بقوله (بَلِيغًا) لا يجوز على مذهب البصريين، لأن معمول الصفة لا يتقدم عندهم على الموصوف، لو قلت: هذا رجلٌ ضاربٌ زيداً؛ لم يجز أن تقول: هذا زيداً رجل ضارب، لأنَّ حق المعمول أن لا يحل إلا في محل يحل فيه العامل، ومعلوم أن النعت لا يتقدم على المنعوت لأنه تابع والتابع (لا يتقدم على المتبوع، وأجاز ذلك الكوفيون)، والزمخشري يأخذ في ذلك بقولهم.
وقال الحلبي: قول البصريين لا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل فيه بحث، وذلك أنا وجدنا هذه القاعدة منخرمة في قوله (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) فـ (الْيَتِيمَ) معمول لـ (تَقْهَرْ)، و (السَّائِلَ) معمول لـ (تَنْهَرْ)، وقد تقدما على
стр. 1090
(لا) الناهية، والعامل فيهما لا يجوز تقديمه عليها إذ المجزوم لا يتقدم على جازمه، فقد تقدم المعمول حيث لا يتقدم العامل، وللنظر في هذا البحث مجال. اهـ
وقال ابن المنير: يشهد لتعلقه بـ (بَلِيغًا) أن مساقه التهديد قوله (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) وهو إخبار بما سيقع، ولتعلقه بـ (وَقُل لهم) أي: قل لهم في معنى أنفسهم قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)، ولقوله وقل لهم في أنفسهم خالياً بهم سيرته ﷺ في ستر أحوال المنافقين حتى عد حذيفة باطلاعه على ذلك صاحب سر النبي ﷺ . اهـ
قال الطَّيبي: هذا الوجه يشترك مع الوجه الذي قبله من حيث أنَّ (في أَنفُسِهمْ) متعلق بـ (قُل)، ومع الوجه الأول في التأثير، والفرق بين التأثيرين اختلاف الجهة وهو أن المؤثر هناك إيقاع (أَنْفُسِهِمْ) ظرفاً للقول وهاهنا النصيحة في السر. اهـ
قوله: (والقول البليغ فى الأصل هو الذي يطابق مدلوله المقصود به).
قال الراغب: القول البليغ إذا اعتبر بنفسه فهو ما يجمع أوصافاً ثلاثة: أن يكون صواباً، مطابقاً للمعنى المقصود به لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه، وصدقاً في نفسه، وإذا اعتبر بالمقول له والقائل فهو الذي يقصد به قائله الحق، ويجد من المقول له قبولاً، ويكون وروده في الموضع الذي يجب أن يورد فيه. اهـ
قال الطَّيبي: وإذا تعلق (فِي أَنْفُسِهِمْ) بقوله (بَلِيغًا) فالبليغ من البلوغ والوصول، ولهذا قال مؤثراً في قلوبهم، فجعل (أَنْفُسِهِمْ) ظرفاً ليتمكن القول في قلوبهم تمكن المظروف في الظرف. اهـ
قوله: (إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت).
قال الطَّيبي: إشارة إلى اتصال هذه الآية بقوله (إِلَى الذِين يَزعُمُونَ) إلى قوله (يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ). اهـ
قوله: (و (لا) مزيدة لتأكيد القسم لا لتظاهر (لا) فى قوله (لا يؤمنون) لأنها تزداد أيضاً فى الإثباث كقوله تعالى (لا أقسم بهذا البلد)).
قال الطَّيبي: يريد أن (لا) في (فَلا وَرَبِّكَ) جاءت لتوكيد معنى القسم لا لتوافق