الواقع مبتدأ فيه تردد، والظاهر من كلامه هو الأول. اهـ
قوله: (عطف على (أو يكبتهم)).
قال الشيخ سعد الدين: وجه سببية النصر على تقدير تعلق اللام بقوله (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) ظاهر، وأما على تقدير تعلقها بقوله (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ) فلأنَّ النصر الواقع ببدر كان من أظهر الآيات وأبهر البينات فيصلح سبباً للتوبة على تقدير الإسلام، أو ليعذبهم على تقدير البقاء على الكفر لجحودهم بالآيات، وإن أريد التعذيب في الدنيا بالأسر فالأمر ظاهر، فإن قيل: هو يصلح سبباً لتوبتهم والكلام في التوبة عليهم؟ قلنا: يصلح سبباً لإسلامهم الذي يصلح سبباً للتوبة عليهم، فيكون سبباً بالواسطة. اهـ
قوله: (ويحتمل أن يكون مطوفاً على (الأمر) أو (شىء). .) إلى آخره.
قال الطَّيبي: الفرق بين الوجهين أنه على الأول سلب ما يتبع التوبة والتعذيب منه صلوات الله عليه بالكلية من القبول والرد والخلاص من العذاب والمنع من النجاة، وعلى الثاني سلب نفس التوبة والتعذيب منه يعني: لا تقدر أن تجبرهم على التوبة ولا تمنعهم عنها ولا تقدر أن تعذبهم ولا أن تعفوا عنهم فإنَّ الأمور كلها بيد الله. اهـ
قوله: (روي أنَّ عتبة بن أبى وقاص شجه بأُحد).
الحديث أخرجه عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير عن قتادة، وهو في الصحيح من حديث سهل بن سعد وليس فيه ذكر عتبة.
قوله: (وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة على وجه التمثيل) .
قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس القصد إلى تحديد عرض الجنة بذلك لامتناع كونها في السماء، بل هو كناية عن غاية السعة والبسطة بما هو غاية في ذلك في علم السامعين. اهـ
قوله: (وعن ابن عباس: كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها إلى بعض).
стр. 982
أخرجه ابن جرير.
قوله: (من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً).
أخرجه عبد الرزاق وأحمد من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ.
قوله: (إنَّ هؤلاء فى أمتى قليل إلا من عصم الله وقد كانوا كثيراً فى الأمم التى مضت).
رواه الثعلبي في تفسيره عن مقاتل بلاغاً، والديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بن مالك.
قال الشيخ سعد الدين: والاستثناء منقطع وهو ظاهر، أو متصل لما في القلة من معنى العدم، كأنه قيل: إنَّ هؤلاء في أمتي لا يوجدون إلا من عصم الله فإنه يوجد فى أمتي. اهـ
قوله: (والمراد وصفه تعالى بسعة الرحمة).
قال الطَّيبي: اعلم أنَّ صاحب الكشاف سلك بهذا التركيب في هذا المقام مسلكاً عجيباً، وخرج تخريجاً غريباً قلما تذهب إليه الأذهان إلا من ريض نفسه في علم البيان وتمرن في الأصول، فنقول: إنه ساق كلامه أولاً في بيان ما يقتضي التركيب من الخواص بدلالة عبارته من جهة المولى، ثم ثنى إلى بيان ما يقتضيه بدلالة إشارته من جهة العبد.
أما الأول فعلى وجوه:
أحدها: دلالة اسم الذات بحسب ما يقتضيه هذا المقام من معنى الغفران الواسع، وإيراد التركيب على صيغة الإنشاء دون الإخبار بأن لم يقل: وما يغفر الذنوب إلا الله تقرير لذلك المعنى وتأكيد، كأنه قيل: هل تعرفون أحداً يقدر على غفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها سالفها وغابرها غيرَ من وسعت رحمته كل شيء.
وفي نقيضه قال صاحب المفتاح في قراءة (مَن فرعون) على الاستفهام: (وفرعون) هل تعرفون من هو في فرط عنفه، وشدة شكيمته، وتفرعنه؟ ما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.
ويعضد ما قلناه قوله في آخر هذه السورة في قوله (لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ): لإلى الرحيم
стр. 983
الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون.
ثانيها: تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقره لأنه اعترض بين المبتدأ والخبر ثم بَيَّنَ المعطوف والمعطوف عليه، أي: فاستغفروا ولم يصروا، للدلالة على شدة الاهتمام به والتنبيه على أنه كلما وجد الاستغفار لم يتخلف عنه الغفران.
وثالثها: الإتيان بالجمع المحلى بلام التعريف إعلاماً بأن التائب إذا تقدم بالاستغفار يتلقى بغفران ذنوبه كلها فيصير كمن لا ذنب له.
ورابعها: دلالة الحصر بالنفي والإثبات على أن لا مفزع للمذنبين إلا كرمه وفضله، وذلك أنَّ من وسعت رحمته كل شيء لا يشاركه أحد في نشرها كرماً وفضلاً.
وخامسها: إسناد غفران الذنوب إلى نفسه سبحانه وإثباته لذاته المقدس بعد وجود الاستغفار وتنصل عبيده يدل على وجوب ذلك قطعاً إما بحسب الوعد عندنا أو العدل عندهم.
وأما النظر من جهة العبد ففيه وجوه أيضاً:
أحدها: أنَّ في إبداء سعة الرحمة واستعجال المغفرة بشارةً عظيمةً وتطيباً للنفوس.
وثانيها: أنَّ العبد إذا نظر إلى هذه العناية الشديدة والاهتمام العظيم في شأن التوبة يتحرك نشاطه ويهتز عطفه فلا يتقاعد عنها.
وثالثها: أنَّ في ضمن معنى الاستغراق قلع اليأس والقنوط، ولهذا علل سبحانه النهي عن الإقناط في قوله (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) بقوله (إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
ورابعها: أطلقت الذنوب وعممت بعد ذكر الفاحشة وظلم النفس، وترك مقتضى الظاهر ليدل به على عدم المبالاة في الغفران فإنَّ الذنوب وإن جلت فعفوه أعظم.
وخامسها: أنَّ الاسم الجامع في تركيب قوله (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) كما دل على سعة الغفران بحسب المقام يدل أيضاً على أنه تعالى وحده معه مصححات المغفرة
стр. 984
من كونه عزيزاً ليس أحد فوقه فيرد عليه حكمه، وكونه حكيماً يغفر لمن تقتضى حكمته غفرانه " اهـ
قوله: (ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين).
قال الطَّيبي: (غير مستغفرين) حال من الضمير في (يقيموا)، والجملة تفسير لقوله (وَلَمْ يُصِرُّوا). اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: هذا المجموع تفسير لقوله (وَلَمْ يُصِرُّوا)، لأن عدم الإصرار هو أن لا يقيم على القبيح من غير استغفار بل يرجع عنه بالتوبة.
قال: ومنهم من توهم أنَّ عدم الاستغفار قيد في عدم الإصرار والمعنى: أنهم لم يكونوا مصرين غير مستغفرين، وبنى عليه كلاماً لا طائل تحته. اهـ
قوله: (ما أصر من استغفر).
الحديث أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر الصديق.
قوله: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) حال من (يصروا)، أي: ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به).
قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى أنَّ قوله (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ليس قيداً للنفي لعدم الفائدة، لأنَّ ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء سواءً كان مع العلم بالقبيح أو مع الجهل، بل مع الجهل أولى، وإذا كان قيداً للفعل المنفي فله معنيان:
أحدهما: وهو الأكثر أن يكون النفي راجعاً إلى القيد فقط، ويثبت أصل الفعل مثل: ما جئت راكباً؟ بمعنى: جئت غير راكب، وقد ذكر في قوله تعالى (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) أنه نفي للصمم والعمى وإثبات للخرور، وأنَّ النفي إذا ورد على ذات مقيدة بالحال يكون إثباتاً للذات ونفياً للحال، وهذا أيضاً ليس بمراد إذ ليس المعنى على إثبات الإصرار ونفي العلم.
وثانيهما: أن يقصد نفي الفعل والقيد معاً، بمعنى انتفاء كل من الأمرين مثل: ما جئتك راكباً؛ بمعنى: لا مجيء ولا ركوب، وهذا أيضاً ليس بمناسب إذ ليس المعنى على نفي العلم، أو بمعنى انتفاء الفعل من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته وهذا هو المناسب في الآية، أي: ولم يصروا عالمين، بمعنى أنَّ عدم الإصرار متحقق ألبتة، والحاصل أنَّ القيد في
стр. 985
الكلام المنفي قد يكون لتقييد النفي، وقد لا يكون لنفي المقيد بمعنى انتفاء كل من الفعل والقيد أو القيد فقط أو الفعل فقط. اهـ
قوله: (ولا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاءً لهم أن لا يدخلها المصرون). قصد بذلك الرد على الزمخشري فيما قرره في كشافه في هذا المحل.
قال صاحب الفرائد: دلت الآية على أنَّ غير المصر تغفر ذنوبه ويدخل الجنة، وأمّا المصر فالآية لا تدل على أن لا تغفر ذنوبه ولا يدخل الجنة، ومن عدم الدليل لا يلزم عدم المدلول. اهـ
وقال الطَّيبي: قوله (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) خطاب لآكلي الربا من المؤمنين ردعاً لهم عن الإصرار إلى ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين، وتحريضاً على التوبه والمسارعة إلى نيل الدرجات مع الفائزين والمتقين من التائبين، فإدراج المصرين في هذا المقام بعيد المرمى لأنه إغراء وتشجيع على الذنب لا (زجرا ولا) ترهيب، فبين بالآيات معنى المتقين للترغيب والترهيب ومزيد تصوير مقامات الأولياء ومراتبهم ليكون حثاً لهم على الانخراط في سلكهم، ولا بد من ذكر التائبين واستغفارهم وعدم الإصرار ليكون لطفاً لهؤلاء، وجميع الفوائد التي ذكرت في قوله (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) يدخل في المعنى، فعلم من هذا أنَّ دلالة مفهوم قوله (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) مهجور لأنَّ مقام التحريض والحث أخرج المصرين. اهـ
قوله: (وكفاك فارقاً بين القبيلين أنه فصل آيتهم. .) إلى آخره.
قال الطَّيبي: مآل كلام القاضي أنَّ اختصاص ذكر الأجر لمقتضى المقام وإلا فلم خولف بين الجزاءين والمتقون أيضاً عاملون؟
قال: ثم في قوله (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) وجوه من المحسنات:
أحدها: أنَّها كالتذييل للكلام السابق فيفيد مزيد تأكيد للاستلذاذ بذكر الوعد.
стр. 986
وثانيها: في إقامة الأجر موضع ضمير الخبر، لأنَّ الأصل: ونعم أجر العاملين جزاوُهم هو إيجاب إنجاز هذا الوعد، وتصوير صورة العمل في العمالة تنشيطاً للعامل.
وثالثها: في تعميم (الْعَامِلِينَ) وإقامته مقام المضمر الدلالة على حصول المطلوب للمذكورين بطريق برهاني. اهـ
قوله: (أي أنه مع كونه بياناً للمكذبين).
قال الطيبي: إشارة إلى أنَّ المراد بالناس المكذبون المخاطبون بقوله (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ)، أو الذين سبق ذكرهم من المتقين والتائبين والمصرين، والأولى أن يراد به الجنس؛ أي: بيان لجميع الناس لكن المنتفع به المتقون لأنهم يهتدون وينتجعون بوعظه. اهـ
قوله: (أو إلى ما لخص من أمر المتقين والتائبين، وقوله (قد خلت) اعتراض للبعث والتوبة).
قال الطَّيبي: الذي ذهبنا إليه أنَّ تلك الآيات واردة على سبيل الترغيب والترهيب لآكلي الربا، والمخاطبون بقوله (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ) هم الذين سبق خطابهم بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا)، وذلك أنه تعالى بعدما حذرهم من النار المعدة للكافرين وأمرهم بالمسارعة إلى نيل درجات الفائزين بيَّن لهم سوء عاقبة من كذب الأنبياء في ترغيبهم وترهيبهم؛ أي: إنذارهم وبشارتهم لأنهم ما بعثوا إلا لهما، فعلى هذا قوله تعالى (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) إشارة إلى ما يخص المخاطبين من الترهيب والترغيب والحث، وقوله (قَد خَلَت) إلى قوله (وَلا تَهِنُوا) كالتخلص من قصة آكلي الربا التي استطردت لذكر المحاربة إلى ما جرى له الكلام من مجاهدة الكفار، وهذا أولى من جعلها معترضة لأنها توجب أن تجعل الآيات كلها موافقة لها، لأن المعترضة مؤكدة للمعترض بأن يقال: إنَّ تلك الآيات دلت على الترهيب والترغيب (وهذه الآية دلت على الترهيب)، ومعنى الترهيب راجع إلى الترغيب بحسب التضاد، وكما أنَّ بعض الآيات الواردة في الرحمن للوعيد تعد من الآلاء بحسب الزجر عن المعاصي وذلك تعسف. اهـ
стр. 987
قوله: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا) تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد).
قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى أنه متعلق بما سبق من قصة أحد من جهة المعنى، وأمّا بحسب اللفظ فالظاهر أنه عطف على (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا) وتوسيط حديث الربا وما بعده قيل: استطراد، وقيل: إشارة إلى أنَّ هذا نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة المسلمين. اهـ
قال الطيبي: هذا يؤذن أنَّ قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا. . .) إلى آخر الآيات مستطرد بين القصة وسلوك طريقة النظم فيها صعب، ولهذا قال الإمام: من الناس من قال: إنه تعالى لما شرح عظيم نعمته على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد، واتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا) فعلى هذا تكون الآية ابتداء كلام لا تعلق لها بما قبلها.
وقال القفال: يحتمل أن يكون متصلاً بما تقدم من جهة أنَّ المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالاً جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العساكر فيتمكنوا من الانتقام منهم، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك.
قال: والذي نقوله والعلم عند الله أنه تعالى لما عاتب رسول الله ﷺ بقوله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) أتبعه قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) بمعنى أنك ما بعثت أن تتصرف في الأمور الإلهية ولكنك مبعوث للإنذار والبشارة، وهؤلاء الكفار أمرهم في التوبة أو التعذيب إلى مالكهم، وما كان عليك سوى الإنذار فقد أنذرتهم وبذلت وسعك فيه ففوض أمورهم إلى الله تعالى إن
стр. 988
شاء تاب عليهم وإن شاء عذبهم، وثن بالإنذار إلى أصحابك في أمر عظيم ارتكبوه وهو محاربتهم مع الله في أمر الربا، قال الله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) فأرهبهم بالنار ليحترزوا عن الربا، ورغبهم في الجنة وأمرهم بالاعتبار والنظر في عاقبة المكذبين وبين لهم البيان الشافي ثم مع ذلك كله لا يكن منك ولا من أصحابك ضعف ولا وهن في الجهاد، ولا يورثنكم ما أصابكم حزناً في هذه الوقعة لأنَّ حالكم أعلى من حال الكفرة لأنَّ قتالكم لله ولإعلاء كلمة الله وقتالهم للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر. اهـ
قوله: (إن كنتم مؤمنين).
متعلق بالنهي.
قال الطَّيبي: أي تتميم له كالتعليل لأنَّ الخطاب مع رسول الله ﷺ والمؤمنين من الصحابة الكرام تسلية لما أصابهم يوم أحد فلا جائز أن يجري الشرط على حقيقته.
قال الزمخشري في قوله تعالى (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ. . . إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا. . .): (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) متعلق بـ (لا تَتَّخِذُوا) أي: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي.
أي: لأجل أنكم أوليائي إذ المجاهد من الصحابة رضوان الله عليهم لا يكون إلاّ ولياً. اهـ
стр. 989
قوله: (فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُساءُ ويوم نُسر).
قال الشيخ سعد الدين: الأحسن أن يقدر: فيوماً يكون الأمر علينا، أي: بالإضرار، ويوماً لنا، أي: بالنفع، فيكون يوماً ظرف ملائماً لقوله (ويوماً نساء) من سيء فلان: أي أصيب بحزن، من ساءه: أحزنه، (ويوماً نسر) من سره: جعله مسروراً. اهـ
وذكر الزمخشري في شرح أبيات سيبويه أنَّ هذا البيت للنمر بن تولب، وقبله:
أرى الناس قد أحدثوا شيمة ... وفي كل حادثة يؤتمر
يهنون من حقروا سيبه ... وإن كان فيهم يفي أو يبر
ويعجبهم من رأوا عنده ... سواماً وإن كان فيه الغمر
ألا يالذا الناس لو تعلمون ... للخير خير وللشر شر
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
قوله: (والمداولة كالمعاورة) .
في النهاية: يقال: تعاور القوم فلاناً إذا تعاونوا عليه بالضرب واحداً بعد واحد.
قوله: (والأيام تحتمل الوصف والخبرية).
زاد أبو حيان: والبدل والبيان.
قوله: (ليكون كيت وكيت).
قال أبو حيان: لم يبين المحذوف بل كنى عنه بكيت وكيت، ولا يكنى عن الشيء المحذوف حتى يعرف هـ.
قال: وفي هذا الوجه حذف العلة وعاملها وإبهام فاعلها، فالوجه الآخر أظهر إذ ليس فيه غير حذف العامل. اهـ
وقال الطَّيبي في تفسير كيت وكيت: أي (سلطناهم عليكم) لرفع درجاتهم، ولأن الأيام دول، ولاستدراجهم، وليتميز الثابتون من (المتزلزلين). اهـ
стр. 990
قوله: (تقديره: وليتميز التائبون).
قال الشيخ سعد الدين: بيان لحاصل المعنى لا إشارة إلى أنَّ العلم مجاز عن التمييز بطريق إطلاق (اسم) السبب على المسبب. اهـ
قوله: (والقصد في أمثاله ونقائضه ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه بل إلى إثبات المعلوم ونفيه).
قال الطَّيبي: أي الواجب أن يحمل على التمثيل، فإنه إن لم يحمل عليه يلزم ذلك المحذور، وذلك باطل لأنَّ الله تعالى لم يزل عالماً بالأشياء قبل كونها.
وقال صاحب الانتصاف: التعبير عن نفي المعلوم بنفي العلم خاص بعلم الله تعالى إذ يلزم من عدم تعلقه بوجود شيء إعدام ذلك الشيء ولا كذلك علم المخلوقين، فلا يعبر عنه بذلك لعدم الملزوم.
وقيل معناه: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء.
قال الزجاج: المعنى: ليقع ما علمنه غيباً مشاهداً للناس ويقع منكم، وإنما تقع المجازاة علي ما علمه الله من الخلق وقوعاً لا على ما لم يقع.
وقال أيضاً في قوله (وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ): أي يختبره بأعمالكم لأنه قد علمه غيباً فيعلمه شهادة، لأنَّ المجازاة تقع على ما علم مشاهدةً، أعني على ما وقع من عامليه لا على ما هو معلوم منهم. اهـ
قوله: (ويكرم ناساً منكم بالشهادة).
قال الطَّيبي: كنى بالاتخاذ عن الإكرام لأنَّ من يتخذ (شيئاً يتخذه) لينتفع به أو يتزين به كقوله (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) لأنَّ الشهيد مقرب حاضر في حظيرة
стр. 991
القدس. اهـ
قوله: (بل أحسبتم ومعناه الإنكار).
قال الشيخ سعد الدين: وحقيقته النهي عن الحسبان. اهـ
قوله: (والفرق بين (لما) و (لم) أنَّ فيه توقع الفعل فيما يستقبل).
قال أبو حيان: هذا الذي قاله في (لما) أنها تدل على توقع الفعل المنفي بها فيما يستقبل لا أعلم أحداً من النحويين ذكره، بل ذكروا أنك إذا قلت: لمّا يخرج زيد، دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلاً نفيه إلى وقت الإخبار، أما أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا، ولكني وجدت في كلام الفراء شيئاً يقارب هذا قال: (لمّا) لتعريض الوجود بخلاف (لم). اهـ
قال الحلبي: قد فرق النحاة بينهما من جهة أنَّ المنفى بـ (لم) هو فعل غير مقرون ب (قد)، و (لمّا) نفي له مقروناً بها، وقد تدل على التوقع، فيكون كلام الزمخشري صحيحاً من هذه الجهة.
قال: ويدل على ما قلته من كون (لم) لنفي فعل، و (لمّا) لنفيٍ قد فُعِل، نص النحاة (على ذلك) سيبويه فمن دونه. اهـ
وقال الزجاج: إذا قيل: قد فعل فلان، فجوابه: لمّا يفعل، أو فعل، فجوابه: لم يفعل، أو لقد فعل، فجوابه: ما فعل، أو هو يفعل (يريد ما يستقبل)، فجوابه: لا يفعل، أو سيفعل، فجوابه: لن يفعل. اهـ
قوله: (وقرئ بفتح الميم على أنَّ أصله يعلمن فحدفت النون).
خرجه غيره على أنه من التحريك بالفتح عند التقاء الساكنين إتباعاً للام وإبقاء لتفخيم
стр. 992
اسم الله.
قال الشيخ سعد الدين: ولم يرتكب هذا الوجه البعيد في (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) لإمكان الوجه الصحيح الشائع. اهـ
قوله: (نصب بإضمار (إن) على الواو للجمع).
قال أبو البقاء: والتقدير: أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: قيل المعنى: لم يكن العلم بالمجاهدين والعلم بالصابرين، أي: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة مع الجمع بين عدم متعلقي العلمين أعني الجهاد والصبر، والأصوب مع عدم الجمع بين الأمرين لأن مرجع واو الصرف إلى عطف مصدر بعده على مصدر الفعل السابق، فكما أنَّ معنى لا تأكل السمك وتشرب اللبن: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، أي الجمع بينهما، فكذا هنا المعنى الواقع حالاً هو مضمون قولك: لم يكن منك العلم بالجهاد والعلم بالصبر، أي: لم يتحقق الأمران جميعاً. اهـ
قوله: (وقرئ بالرفع على أن الواو للحال).
قال أبو حيان: لا يصح هذا، لأنَّ واو الحال لا تدخل على المضارع، وقد خرجه الناس على الاستئناف. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: هو بتقدير المبتدأ، أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يسبق منكم مجاهدة مقيدة بالصبر، والظاهر أنَّ المراد الصبر عليها، (وَلَمَّا يَعلَم)، حال من (قَد خَلَت)، (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) حال من (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا) على التداخل. اهـ
قوله: (أي فقد رأيتموه معاينين له).
قال الزجاج: المعنى: فقد رأيتموه وأنتم بصراء، كما تقول: قد رأيت كذا وليس في عيني علة، أي: قد رأيته رؤية حقيقة، ففيه توكيد. اهـ
قوله: (وقيل الفاء للسببية. . .) إلى آخره.
قال الطَّيبي: أي قوله (أَفَإِنْ مَاتَ) مسبب عن جملة قوله (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) ،
стр. 993
وقوله (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) صفة (رَسُولٌ)، فدخلت همزة الإنكار بين المسبب والسبب لإعطاء مزيد الإنكار الذي يتضمنه قوله (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وذلك أنَّ التركيب من باب القصر القلبي، لأنه جعل المخاطبين بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبي ﷺ كأنهم اعتقدوا أنَّ محمداً صلوات الله عليه ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل حكمه على خلاف حكمهم، فأنكر الله ذلك عليهم، وبين أنَّ حكم النبي ﷺ حكم من سبق من الأنبياء صلوات الله عليهم في أنهم ماتوا وبقي أتباعهم متمسكين بدينهم ثابتين عليه، ثم عقب الإنكار بقوله (أَفَإِنْ مَاتَ) وأدخل الهمزة لمزيد ذلك الإنكار، يعني: إذا علم أنَّ أمره أمر الأنبياء السابقين فلم عكستم الأمر؟ فإن لم يجعل ذلك العلم سبباً للثبات فلا أقل من أن لا يجعل سبباً للانقلاب.
قال: وأما كلام صاحب المفتاح أنَّ التركيب من باب القصر الإفرادي -أي: محمد مقصور على الرسالة، لا يتجاوزها إلى البعد عن الهلاك، يعني أنَّهم أثبتوا له صفة الرسالة والخلد استعظاماً لهلاكه فقصر على صفة الرسالة- فحديثٌ خارج عن مقتضى المقام، وبمعزل عن موجب النظم، ويؤيده قوله تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)، كما أنه تعريض بما أصابهم من الوهن، والانكسار عند الإرجاف بقتل النبي ﷺ . اهـ
وكذا قال الشيخ سعد الدين: في كلام صاحب المفتاح بُعد من جهة عدم اعتباره الوصف أعني (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، حتى كأنه لم يجعله وصفاً بل ابتداء كلام
стр. 994
لبيان أنه ليس متبرئاً من الهلاك كسائر الرسل إذ على اعتبار الوصف لا يكون القصر إلا قصر قلب.
قال: ومن زعم أنه يلزم مِن حمله على قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة فقد أخطأ خطأً بيّناً وذهل عن الوصف. اهـ
قوله: (روي أنه لما رمى عبد الله بن قميئة الحارثى رسول الله ﷺ . . .)
الحديث بطوله أخرجه ابن جرير عن السدي هكذا، ووردت أبعاضه موصولة من طرق.
قال الطَّيبي: وقوله هنا عبد الله بن قميئة مخالف لما سبق عند قوله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) أنه عتبة بن أبي وقاص. قال: والذي هنا أصح. اهـ
قوله: (بل يضر نفسه).
قال الشيخ سعد الدين: مستفاد من تقييد الفعل بالمفعول ورجوع القيد إلى النفي فيكون المعنى أنه صدر عنه ضرر لكن لا بالنسبة إلى الله تعالى، ومعلوم أنه ليس غير نفسه. اهـ
قوله: (وسيجزي الله الشاكرين) على نعمة الإسلام بالثبات عليه كأنسٍ وأضرابه).
قال الطَّيبي: وضع (الشاكرين) موضع الثابتين علي الإسلام تسمية للشيء باسم مسببه، إذ أصل الكلام: ومن ينقلب على عقبيه يكن كافراً لنعمة لله التي أنعم عليه بالإسلام
فيضر نفسه حيث كفر نعمة الله، والله يجزيه ما يستحقه، ومن ثبت عليه يكن شاكراً لتلك النعمة، والله يجزيه الجزاء الأوفى، ولم يذكر ما يجزي به ليدل على التعميم والتفخيم، ففي الكلام تعريض وإليه أشار بقوله: (الشاكرين الذين لم ينقلبوا) كأنسِ وأضرابه. اهـ
قوله. (إلاّ بمشيئة).
قال الطَّيبي: استعير للمشيئة الأذن على التمثيل بأن شبه حال من يحاول ما يتوصل به إلى موته -من طلب تسهيله ولا يجد إلى ذلك سبيلاً إلاّ بتيسير الله تعالى- بحال من يتوخى الوصول إلى قرب من هو محتجب عنه ولا يحصل مطلوبه إلاّ بإذن منه وتسهيل الحجاب له، وهذه الآية موقعها موقع التذييل للكلام السابق، وأخرجت مخرج التمثيل، فنسبتها إلى المؤمنين التحريض والتشجيع على القتال والجهاد ومن ثم قيل:
стр. 995
إذا كانت الأبدان للموت أنشب ... فقتل امرئٍ بالسيف لله أجمل
، وإلى الرسول ﷺ الوعد بالحفظ وتأخير الأجل، وإليهما الإشارة بقوله (وفيه تحريض هـ. .) إلى آخره. اهـ
قوله: (ويؤيد الأول أنه قرئ بالتشديد).
(سبق إلى ذلك ابن جني فقال: إنَّ (قُتِّلَ) بالتشديد) يتعين أن يسند الفعل فيها إلى الظاهر يعني (ربيين) لأنَّ الواحد لا تكثير فيه. اهـ
وقال أبو البقاء: لا يمتنع أن يكون فيه ضمير النبي ﷺ لأنه في معنى الجماعة. اهـ
أي أنَّ المراد بالنبي الجنس فالتكثير بالنسبة لكثرة الأشخاص.
وهذا الذي قاله أبو البقاء استشعره ابن جني وأجاب عنه فقال: فإن قيل: يسند إلى (نبي) مراعاة لمعنى (كم)؟
فالجواب: أنَّ اللفظ قد فشا على جهة الإفراد في قوله (مِنْ نَبِيٍّ) ودل الضمير المفرد في (مَعَهُ) على أنَّ المراد إنما هو التمثيل بواحد فخرج الكلام عن معنى (كم). اهـ
قال أبو حيان: وليس بظاهر، لأن (كأين) مثل (كم) يجوز فيها مراعاة اللفظ تارة والمعنى أخرى. اهـ
قوله: (والألف من إشباع الفتحة).
قال أبو حيان: هذا الإشباع لا يكون إلا في الشعر، وهذه الكلمة في جميع تصاريفها بنيت على هذا الحذف، تقول: استكان يستكين فهو مستكين ومستكان له، والإشباع لا يكون على هذا الحد.
قال: فالظاهر أنه (استفعل) من الكون فيكون أصل ألفه واواً، أو من قول العرب: بات
стр. 996
فلان بكينة سوء؛ أي بحالة سوء، أو من: كَانَه يكينه إذا أخضعه، قاله الأزهري وأبو علي، فعلى قولهما أصل الألف ياء. اهـ
قوله: (أي: وما كان قولهم مع ثباتهم وقوتهم في الدين وكونهم ربانين إلا هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم).
قال الطَّيبي: إشارة إلى أنَّ هذا المعنى كالتتميم والمبالغة في صلابتهم في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف إليهم، وذلك من إفادة الحصر وإيقاع (أن) مع ذلك الفعل اسماً لـ (كان). اهـ
قوله: (وإنما جعل (قولهم) خبراً لأن (أن قالوا) أعرف).
وقال الزمخشري: لأنه لا سبيل عليه في التنكير بخلاف قول المؤمنين).
قال صاحب المطلع: ومعناه أن قول المؤمنين إن اختزل عن الإضافة يبقى مُنكّراً بخلاف (أن قالوا).
وقال أبو البقاء: اسم كان ما بعد (إِلاّ)، وهو أقوى من أن يجعل خبراً والأول اسماً لوجهين: أحدهما: أنَّ (أن قالوا) يشبه المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف.
والثاني: أن ما بعد (إِلاّ) مثبت، والمعنى: كان قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا دأبهم في الدعاء. اهـ
وقال الطَّيبي: كأنَّ المعنى: ما صح ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول، وِكأنَّ غير ذلك القول مناف لحالهم، وهذه الخاصية يفيدها إيقاع (أن) مع الفعل اسماً لـ (كان).
وتحقيقه ما ذكره صاحب الانتصاف قال: فائدة دخول (كان) المبالغة في نفي الفعل
стр. 997
الداخلة عليه بتعديد جهة فعله عموماً باعتبار الكون وخصوصاً باعتبار خصوصية المقام فهو نفي مرتين.
قال الطَّيبي: فعلى هذا لو جعلت رب الجملة (أَنْ قَالُوا) واعتمدت عليه وجعلت (قَوْلَهُمْ) كالفضلة حصل لك ما قصدته، فلو عكست ركبت المتعسف، ألا ترى إلى أبي البقاء كيف جعل الخبر نسياً منسياً في الوجه الثاني واعتمد ما بعد (إلا). اهـ
قوله (ولا يرى الضب بها ينجحر).
صدره: لا تفزع الأرنب أهوالها
يصف مفازة بأنه لا وحش بها، والبيت من نفي الشيء بإيجابه، أي: لا ينجحر الضب؛ أي: لا يدخل جحراً فيرى بها، ومقصود المصنف أنَّ الآية كذلك، أي: لا سلطان ولا نزول معاً.
قوله: (بشرط التقوى والصبر).
قال الطَّيبي: يعني أنَّ المراد بقوله (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ) هو الوعد بالنصر المقيد بالصبر والتقوى في قوله (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا. . .) الآية، فلما لم يوجد الشرط وهو الصبر فقد المشروط وهو النصر، فالآية على هذا متصلة بتلك الآية. اهـ
قوله: (وجواب (إذ) محذوف وهو امتحنكم).
قال أبو حيان: يظهر لي تقدير غيره وهو: انقسمتم قسمين، ويدل عليه ما بعده، وهو نظير (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) التقدير: انقسموا قسمين فمنهم مقتصد. اهـ
قوله: (أو بمقدر كاذكر).
قال الطَّيبي: قيل فيه إشكال إذ يصير المعنى: اذكر يا محمد إذ تصعدون.
وقيل الصواب: أنَّ تقدير اذكر على قراءة (يصعدون) بالياء، ويمكن أن يقال: ليس مراده أنه منصوب [بإضمار (اذكر) صيغة أمر الواحد بل المراد] أنه منصوب بما ينتصب به أمثاله من لفظ الذكر بحسب ما يطابق الواقع فيقدر (اذكروا)، وإنما أفرد إذ الغالب في أمثال هذه المواضع الإفراد، ويحوز أن يكون من باب قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا
стр. 998
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ). اهـ
قوله: (عطف على (صرفكم)).
قال أبو حيان: فيه بعدٌ لطول الفصل بين المتعاطفين، والذي يظهر أنه معطوف [على (تصعدون ولا تلوون)] لأنه مضارع في معنى الماضي، لأن (إذ) تصرف المضارع إليه. اهـ
قوله: (غماً متصلاً بغم).
قال الطَّيبي: يشير إلى أنَّ التكرير للاستيعاب نحو قوله (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ). اهـ
قوله: (وظفر المشركين)
قال الطَّيبي: قيل: لو كان قال: وغلبة المشركين؛ كان أحسن، لأنَّ الظفر للمؤمنين. اهـ
قوله: (والإرجاف).
في الأساس: رجف البحر: اضطرب، ومن المجاز: أرجفوا في المدينة بكذا؛ أي: أخبروا به على أن يوقعوا في الناس الاضطراب من غير أن يصح عندهم. اهـ
قوله: (ليتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد).
قال الطَّيبي: ولا بد من هذا التأويل، لأنَّ المجازاة بالغم بعد الغم سبب للحزن لا لعدمه. اهـ
قوله: (وقيل: الضمير في (فأثابكم) للرسول).
قال أبو حيان: هذا خلاف الظاهر لأن المسند إليه الأفعال السابقة هو الله وذلك في قوله (صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ) (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) فيكون هذا كذلك، وذكر الرسول إنما جاء في جملة حالية نعى عليهم فرارهم مع كون من اهتدوا على يده يدعوهم، فلم يجيء مقصوداً لأنَّ يحدث عنه، إنما الجملة التي ذكر فيها في
стр. 999
تقدير المفرد إذ هى حال. اهـ
قوله: (فآساكم فى الاغتمام).
بالمد: جعلكم أسوته فيه.
قوله: (ولم يثربكم).
قال الجوهري: التثريب كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللوم. اهـ
قوله: (وعن أبي طلحة: غشينا النعاس ... ) الحديث.
أخرجه البخاري).
قوله: (و (نعاساً) بدل ... ).
قال أبو حيان: وهو بدل اشتمال، لأنَّ كلاً منهما قد يتصور اشتماله على الآخر. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: على أنه كان نفس الأمنة. اهـ
قوله: (و (أمنة) حال منه).
قال أبو البقاء: والأصل: أنزل عليكم نعاساً ذا أمنة، لأنَّ النعاس ليس هو الأمن بل هو الذي حصل الأمن به. اهـ
قوله: (أو مفعول له).
زاد الزمخشري: بمعنى: نعستم أمنة. اهـ
قال أبو حيان: هذا فاسد لاختلال شرطه وهو اتحاد الفاعل إذ فاعل الإنزال هو الله تعالى، وفاعل الأمنة المنزل عليهم. اهـ
وقال الحلبي: فيه نظر، فإنَّ الزمخشري قدر له عاملاً يتحد فاعله مع فاعل (أَمَنَةً) فكأنه استشعر السؤال فلذلك قدر عاملاً، على أنه قد يقال إنَّ الأمنة من الله تعالى يعني أنه أوقعها بهم، كأنه قيل: أنزل عليكم النعاس ليؤمنكم به، وأَمَنَةً كما يكون مصدراً
стр. 1000
لمن وقع به الأمن يكون مصدراً لمن أوقعه. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: إن أراد أنه بتقدير فعل هو (نعستم) فليس للفعل موقع حسن. اهـ
قوله: (قد أهمتهم ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: أهمه الأمر: أقلقه وأحزنه، وأهمه الأمر: كان مهماً له معتنى بشأنه فالأول من الأول، والثاني من الثاني، والحصر مستفاد من المقام. اهـ
قوله: (صفة أخرى لطائفة).
قال الطَّيبي: قال صاحب التقريب: فيه نظر، لأنه لم يبق لـ (طائفة) خبر فينبغي أن يقدر له خبر: وثم، أو منهم طائفة. اهـ
قوله: (و (غير الحق) نصب على المصدر. .) إلى آخره.
قال ابن الحاجب: (غير الحق) و (ظن الجاهلية) مصدران أحدهما للتشبيه والآخر توكيد لغيره، والمفعولان محذوفان أي: تظنون أنَّ إخلاف وعده حاصل. اهـ
قوله: (وهو الظن المختص بالملة الجاهلية).
قال الشيخ سعد الدين: في إضافة ظن الجاهلية وجهان:
أحدهما: أن يكون إضافة الموصوف إلى مصدر الصفة، ومعناها الاختصاص بالجاهلية كما في حاتم الجود، ورجل صدق، على معنى: حاتم المختص بوصف الجود، ورجل مختص بوصف الصدق.
والثاني: أن يكون إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف أي: ظن أهل الجاهلية أي: الشرك والجهل بالله. اهـ
стр. 1001
قوله: (وهو بدل من (يظنون))
الأوجه ما قاله أبو حيان أنه حال من (يظنون) أو صفة أخرى.
قوله: (لله ولأوليائه ... ).
قال الشيخ سعد الدين: أي أنَّ كون الأمر لله كناية عن كونه لخواصه أيضاً لكونهم من الله بمكان وكونهم منصورين عالين على الأعداء. اهـ
قوله: (وهو بدل من (يُخْفُونَ)، أو استئناف على وجه البيان له).
قال الطَّيبي: كأنه قيل: ما ذلك القول الذي كانوا يُخْفُونَ في هذا القول؟
فأجيب: يقولون أي يقولون في أنفسهم قولاً معناه: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: الأجود الاستئناف لكثرة فوائده، ولأنه لو كان بدلاً من (يُخْفُونَ) و (تُخفُون) حال من (يَقُولُون هَل لنَا) لكان (يَقُولُونَ لَو كَانَ لَنَا) في موضع الحال من (يَقولُون هَل لنَا)، ولا خفاء في عدم المقارنة إذ (يَقُولُونَ لَو كَانَ) مرتب على قوله (إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) المقول بعد قولهم (هَل لنَا). اهـ
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: اعلم أنَّ تأويل هذه الآية من المعضلات، والتركيب من باب الترديد للتعليق كقول الشاعر:
لو مسها حَجَر مسته سراءُ
لأن قوله (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ) خبر (إنَّ)، وزيدت (إنَّ) للتوكيد وطول الكلام و (ما) لتكفها عن العمل، وأصل التركيب: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما تولوا لأن الشيطان ولاّهم بسبب اقتراف الذنوب، كقوله: إنَّ الذي أكرمك إنما أكرمك لأنك تستحقه، ثم قوله (اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ) إما أن يريد به ذنوب اقترفوها قبل التولي فصارت تلك الذنوب سبباً لهذا التولي، فيكون من باب إطلاق السبب على المسبب، أو أن يراد به هذا الذنب الخاص وهو التولي يوم أحد وهو المراد
стр. 1002
من قوله: وقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي، والمعنى: إن الذين انهزموا يوم أحد إنما ارتكبوا هذا الذنب لمّا تقدمت لهم ذنوب.
والتركيب على التقديرين من باب تحقيق الخبر كقوله:
إن الذي ضربت بيتاً مهاجرة ... بكوفة الجند غالت دونها غول.
وليس من باب أنَّ الصلة علة للخبر كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) لأنَّ قوله (بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) يأباه، وتحقق التحقيق. اهـ
قوله: (وكان حقه (إذ) لقوله (قالوا) لكنه جاء على حكاية الحال الماضية)
قال الشيخ سعد الدين: معناه أن تقدر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي، أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن، وهذا كقولك: قالوا ذلك حين يضربون، والمعنى: حين ضربوا، إلاّ أنك جئت بلفظ المضارع استحضاراً لصورة ضربهم في الأرض.
واعترض بوجهين:
الأول: أنَّ حكاية الحال إنما تكون حيث يؤتى بصيغة الحال، والمذكور هنا صيغة الاستقبال، لأنَّ معنى إذا ضربوا: حين يضربون فيما يستقبل.
الثاني: أن قولهم (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا) إنما هو بعد موتهم فكيف يتقيد بالضرب في الأرض؟ فكيف ما اعتبروه إنما هو حال حياتهم.
وأجيب عن الأول: بأن (إِذَا ضَرَبُوا) في معنى الاستمرار كما في (وَإِذَا لَقُوا الذِينَ ءَامَنوا) فيفيد الاستحضار نظراً إلى الحال.
وعن الثاني: بأنَّ (وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ) في موقع جزاء الشرط من جهة المعنى، فيكون المعنى: لا تكونوا كالذين كفروا وإذا ضرب إخوانهم في الأرض فماتوا أو كانوا غزاً
стр. 1003
فقتلوا قالوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فالضرب والقول كلاهما في معنى الاستقبال، وتقييد القول بالضرب إنما هو باعتبار الجزاء الأخير وهو الموت والقتل، فإنه وإن لم يذكر لفظاً لدلالة قوله (مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) عليه فهو مراد معنى، والمعتبر المقارنة عرفاً كما في قوله (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ) وقوله: إذا طلع هلال المحرم آتيك في منتصفه.
وقال الزجاج: (إذا) هنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل، يعني أنه لمجرد الوقت أو لقصد الاستمرار، والذي يقتضيه النظر الصائب أن لا يجعل (إِذَا ضَرَبوا) ظرف (وَقَالُوا) بل ظرف ما يحصل للإخوان حتى يقال لأجلهم في حقهم ذلك القول، كأنه قيل: قالوا لأجل الأحوال العارضة للإخوان إذا ضربوا بمعنى حين كانوا يضربون. انتهى كلام الشيخ سعد الدين.
وقال أبو حيان: يمكن إقرار (إذا) على الاستقبال بأن يقدر العامل فيها مضاف مستقبل على أنَّ ضمير (لو كَانُوا) عائد على (إخوانهم) لفظاً لا معنى على حد: عندي درهم ونصفه، والتقدير: وقالوا مخافة هلاك إخوانهم إذا ضربوا أو كانوا غزاً لو كان إخواننا الآخرون الذين تقدم موتهم وقتلهم عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فتكون هذه المقالة تثبيطاً لإخوانهم الباقين عن الضرب والغزو لئلا يصيبهم ما أصاب الأولين. اهـ
قال الطَّيبي: تلخيص الوجوه الثلاثة هو أنَّ التعليل في الوجه الأول داخل في حيز الصلة ومن جملة المشبه به، والمعنى: لا تكونوا مثلهم في القول الباطل والمعتقد الفاسد المؤديين إلى الحسرة والندامة والدمار في العاقبة، وفي الثاني: العلة خارجة عن جملة المشبه به لكن القول والمعتقد داخلان فيه، أي: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل انتفاء كونكم معهم في ذلك القول والاعتقاد حسرة في قلوبهم خاصة، وفي الثالث: الكل خارج من ذلك، والمعنى: لا تكونوا مثلهم ليجعل انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، فعلى هذا قوله تعالى (وَقَالُوا) ابتداء كلام عطف على مقدرات شيء كما يقتضيه أقوال المنافقين وأحوالهم وأفعالهم.
стр. 1004
قال: فإن قلت: فما وجه اتصاله بالشبه، وما تلك المقدرات؟
قلت: لما وقع التشبيه على عدم الكون عمّ جميع ما يتصل بهم من الرذائل، وخص المذكور لكونه أشنع وأبين لنفاقهم، أي أنهم أعداء الدين لم يقصروا في المضارة والمضادة بل فعلوا كيت وكيت وقالوا كذا وكذا، ونظيره موقع قوله (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) من قوله (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ). اهـ
قوله: (على أنّ اللام لام العاقبة ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: لما كان إيقاع الحسرة مترتباً على قولهم ذلك من غير أن يكون الثاني مطلوباً بالأول شبه بأمر مترتب على أمر يكون الأول عرضاً في الثاني على التهكم والتوبيخ ثم استعير لترتب المشبه كلمة الترتب المشبه به وهي اللام. اهـ
قوله: (أو بـ (لا تكونوا)، أي: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول والاعتقاد، وليجعله حسرة فى قلوبهم خاصة).
قال أبو حيان: هذا كلام مثبج لا تحقيق فيه، لأن جعل الحسرة لا يكون سبباً للنهي، إنما يكون سبباً لحصول امتثال النهي، وهو انتفاء المماثلة، فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم إذا لم يوافقوهم فيما قالوه واعتقدوه فلا يضربون في الأرض ولا يغزون، فالتبس على الزمخشري استدعاء انتفاء المماثلة بحصول الانتفاء، وفهم هذا فيه خفاء ودقة. اهـ
قال الحلبي: ولا أدري ما وجه تثبيج كلام الزمخشري، وكيف رد عليه على زعمه بكلامه. اهـ
وقال السفاقسي: يلزم على هذا الاعتراض أن لا يجوز نحو: لا تعص لتدخل الجنة، لأنَّ النهي ليس سبباً لدخول الجنة بل حصول المنهي عنه، وكذا لا يجوز: أطع الله لتدخل الجنة، لأنَّ الأمر ليس سبباً لدخول الجنة بل لحصول الأمور.
стр. 1005
قال: والحق أنَّ اللام متعلق بالفعل المنهي عنه والمأمور به على معنى أنَّ الكف عن الفعل أو الفعل المأمور به سبب لدخول الجنة ونحوه، وهذا لا إشكال فيه. اهـ
قوله: (فإنه تعالى يحيي المسافر والغازى ويميت المقيم والقاعد).
قال الطَّيبي: أراد تحقيق قولهم: الشجاع موقىً والجبان ملقى. اهـ
قوله: (من مات يمات).
أصله على هذا: موت، بكسر الواو، ونقلت الكسرة كما في خاف، وعلى الأخرى موت، بفتح الواو، وقلبت كما في قال.
قوله: (جواب القسم وهو ساد مسد الجزاء).
قال السفاقسي: إن عنى أنه حذف لدلالته عليه فصحيح، وإن عنى أنه لا يحتاج إلى تقدير فليس بصحيح. اهـ
وقال الحلبي: إنما عنى الأول. اهـ
قوله: (لإلى الله تحشرون).
عن صاحب الكشاف: الحرف وإن دخل على الحرف صورة فهو على التحقيق دخل على الجملة.
قوله: (و (ما) مزيدة للتأكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة).
قال الطَّيبي: لابد من تقدير محذوف ليصح الكلام، لأنَّ الحصر مستفاد من تقديم الجار والمجرور على العامل، والتوكيد من زيادة (ما)، فالمعنى (ما) مزيدة للتوكيد، والجار والمجرور مقدم للدلالة، فهو من باب اللف التقديري. اهـ
قوله: (وهو ربطه على جأشه).
بالهمز أي: ربط الله على جأش النبي ﷺ .
قال الجوهري: يقال: فلان رابط الجأش؛ أي: شديد القلب، كأنه يربط نفسه عن الفرار لشجاعته، وجأش القلب روعه: إذا اضطرب عند الفزع. اهـ
قوله: (وتوفيقه للرفق بهم).
стр. 1006
قال الطَّيبي: يعني أفاد قوله (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ) في هذا المقام فائدتين:
إحداهما: ما يدل على شجاعته.
والثانية: ما يدل على رفقه، فهو من باب التكميل، قال حكيم:
حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب
وقد اجتمع فيه صلوات الله وسلامه عليه هاتان الصفتان يوم أحد حيث ثبت حتى كر إليه أصحابه مع أنه شج وكسرت رباعيته، ثم ما زجرهم ولا عنفهم عن الفرار بل آساهم في الغم كما قال (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ)، وهو المراد بقوله: ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق. وفيه أنَّ هذه الآيات من هنا إلى قوله (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) مرتبط بعضها ببعض، فإن قلت: جعل الله تعالى الرحمة من الله علة لنبيه ﷺ مع أصحابه وقد فسرها بأمرين وثانيهما ظاهر المدخل في العلِّية فبيِّنْ وجه الأول؟
قلت: الشجاع من ملك نفسه عند الغضب كما صح في الحديث، فربطُ الله جأشه سببٌ لكسر سورة الغضب الموجب لغلظ القلب والحمل على اللين، فاعجب لشدة هي في الحقيقة لين. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: إنما جعل الرفق ولين الجانب مسبباً عن ربط الجأش لأنَّ من ملك نفسه عند الغضب كان كامل الشجاعة. اهـ
قوله: (روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر ... )
الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث ابن عباس).
قوله: (أو ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله ﷺ من أخذ شيئاً فهو له ولا يقسم الغائم).
زاد في الكشاف عقبه: كما لم يقسم يوم بدر، فقال لهم النبي ﷺ : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟
стр. 1007
فقالوا: تركنا بقية إخواننا.
فقال ﷺ : بل ظننتم أنّا نغل ولا نقسم لكم. فنزلت.
وهذا ذكره الثعلبي والواحدي عن الكلبي ومقاتل.
قوله: (وإما المبالغة فى النهي ... ).
قال الطَّيبي: يعني أجرى الخبري مجرى الطلبي مبالغة.
في الانتصاف: يشهد لورود هذه الصيغة نهياً مواضع من التنزل (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ).
في الإنصاف: يعارضه ورود هذه الصيغة للامتناع العقلي كثيراً (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا). اهـ
قوله: (روي أنه بعث طلاع ... ).
الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير عن الضحاك مرسلاً.
في النهاية: الطلائع هم القوم الذين يبعثون ليطلعوا طلع العدو كالجواسيس، واحدهم طليعة، وقد يطلق على الجماعة، والطلائع: الجماعات. اهـ
قوله: (فيكون تسمية حرمان بعض المستحقين غلولاً تغليظاً ومبالغة ثانية).
قال ابن المنير: هذا مخالف لعادة لطف الله برسوله ﷺ " في التأديب ومزجه باللطف (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) بدأه بالعفو فما كان له أن يعبر بهذه
стр. 1008
العبارة. اهـ
قال الطَّيبي بعد حكايته: قد جاء أغلظ من ذلك بناءً على التهييج والإلهاب نحو قوله (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) أو التعريض (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ)، ومن هذا قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)، قال: كنى عن مباشرة النساء بالرفث استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختياناً. اهـ
قلت: ما قاله الطَّيبي لا ينافي ما قاله ابن المنير، فإنَّ ابن المنير لم ينكر الخطاب الوارد من الله في هذا المعنى وإنما أنكر قول الزمخشري (تغليظاً) فإن هذه اللفظة لا تليق، ولهذا عبر الطَّيبي في الآية التي أوردها بالتهييج والإلهاب، ولم يجسر هو ولا غيره أن يعبروا بالتغليظ، ولهذا قال الشيخ سعد الدين هنا: قد استقبحت من المصنف هذه العبارة، فإنَّ العادة قد جرت باللطف مع النبي ﷺ ، فالأولى أنه تعظيم لجنابه ﷺ حيث عدَّ أدنى زلة منه غلولا. اهـ
ثم لا يعجبني قوله أدنى زلة، فإنه ﷺ منزه عن الزلة؛ بل فعله ذلك إن صح صادر عن اجتهاد لا ينقض، فالأولى أن يكون على حد (لئن أشركت) خوطب وأريد غيره ممن يفعل هذا بعد النهي عنه (١).
قوله: (يأت بالذي غله يحمله على عنقه كما جاء فى الحديث).
رواه البخاري ومسلم من حديث أبي حميد الساعدي بلفظ: والذي نفس محمد بيده لا يغل أحدكم شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه.
قوله: (شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت).
قال الطيبي: وضع درجات موضع متفاوتون إطلاقاً للملزوم على اللازم على سبيل الاستعارة، أو جعلهم نفس الدرجات مبالغة في التفاوت فيكون تشبيهاً محذوف الأداة. اهـ
قوله: (والله بصير).
стр. 1009
قال الأزهري: البصير في صفة العباد هو المدرك ببصره الأكوان، وسمع الله وبصره لا يكيفان ولا يحدان، والإقرار بهما واجب كما وصف نفسه. اهـ
قوله: ((إن) هى المخففة، واللام هى الفارقة، والمعنى: وإنّ الشأن كانوا من قبل بعثة الرسول ﷺ في ضلال ظاهر).
ذكر مكي مثله إلا أنه قال: التقدير: وإنهم كانوا من قبل، فجعل اسمها ضميراً عائداً على المؤمنين.
قال أبو حيان: وكلا الوجهين لا يعرف نحو: يا ذهب إليه، إنما تقرر عندنا في كتب النحو ومن الشيوخ أنك إذا قلت: إنَّ زيداً قائم، ثم خففت فمذهب البصريين فيها وجهان:
أحدهما: جواز الإعمال، ويكون حالها وهي مخففه كحالها وهي مشددة إلا أنها لا تعمل في مضمر، ومنع من ذلك الكوفيون، وهم محججون بالسماع الثابت من لسان العرب.
والوجه الثاني: وهو الأكثر عندهم أن تهمل فلا تعمل لا في ظاهر ولا في مضمر، لا ملفوظ به ولا مقدر ألبتة، فإن وليها جملة اسمية ارتفعت بالابتداء والخبر ولزمت اللام في باقي مصحوبيها إن ينف وفي أولهما إن تأخر فتقول: إن زيد لقائم ومدلوله مدلول إن زيد قائم، وإن وليها جملة فعلية فلا بد عند البصريين أن تكون من نواسخ الابتداء، وإن جاء الفعل من غيرها فهو شاذ لا يقاس عليه عند جمهورهم. اهـ
وقال الحلبي: لم يصرح الزمخشري بأنَّ اسمها محذوف فقد يكون هذا تفسير معنى لا إعراب. اهـ
قوله: (والواو عاطفة للجملة على ما سبق من قصة أحد [أو على محذوف).
قال أبو حيان: أما العطف على ما مضى من قصة أحد] ففيه بعد، وبعيد أن يقع
стр. 1010
مثله في القرآن، وأما العطف على محذوف فهو جار على ما تقرر من مذهبه، وقد رددنا عليه، وأما على مذهب الجمهور سيبويه وغيره قالوا: وأصلها التقديم، وعطفت الجملة الاستفهامية على ما قبلها. اهـ
وقال الطَّيبي: إن كان المعطوف عليه ما مضى فالهمزة داخلة بين المعطوف والمعطوف عليه للطول مزيداً للإنكار ولابد إذن من إنكار في الكلام السابق، ومضمون المعطوف عليه وهو جملة قوله (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ ... ) الآية: أكان من الله الوعد بالنصر على أعدائكم بشرط الصبر والتقوى، فلما فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم أمر الرسول ونفر أعقابكم يريدون الدنيا وأصابكم الله بما أصابكم وقلتم حين أصابكم ذلك: أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم، أنتم السبب فيما أصابكم. اهـ
قوله: (مثل أفعلتم كذا).
قال الطَّيبي: أي الفشل والتنازع والعصيان والخروج من المدينة والإلحاح على النبي ﷺ . اهـ
قوله: (و (لما) ظرف)
قال أبو حيان: هو مذهب أبي علي الفارسي، ومذهب سيبويه -وهو الصحيح- أنها حرف وجوب لوجوب. اهـ
قوله: (من أين هذا)
قال أبو حيان: الظرف إذا وقع خبراً للمبتدأ لا يقدر داخلاً عليه حرف جر غير (في)، أما أن يقدر داخلاً عليه (من) فلا، لأنه إنما انتصب على إسقاط (في) فتقديره (أَنَّى هَذَا): من أين هذا؛ تقديرٌ غير سائغ وذهول عن القاعدة. اهـ
وقال الحلبي: الزمخشري لم يقدر غير (في) مع (أَنَّى هَذَا) حتى يلزمه ما قال، إنما جعل (أَنَّى) بمنزلة من أين في المعنى. اهـ
стр. 1011
قوله: (وعن علي: باختياركم الفداء يوم بدر)
أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي.
قوله: (فهو كائن بقضائه ... ).
قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى أنَّ الظرف خبر المبتدأ، ودخول الفاء لتضمن معنى الشرط، ووجه السببيه ليس بظاهر إذ ليست الإصابة سبب التخلية بل بالعكس فهو من قبيل (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ)، أي: ذلك سبب للإخبار بكونه من الله تعالى على ما ذكرنا أنَّ القيد في الأوامر قد يكون للمطلوب وقد يكون للطلب فكذا في الأخبار.
فإن قيل: تقديره هو كائن؛ يخالف ما تقرر من أنَّ الظرف مقدر بالفعل؟ قلنا: هو بيان للمعنى، وإلا فالتقدير: فبإذن الله يكون ويحصل. اهـ
قوله: (وتخلية الكفار سماها إذناً لأنه من لوازمه).
قال الطَّيبي: قد مر كيفية استعارة الإذن للتيسير في هذه السورة، ووجهه أنَّ التكليف لما بني على الاختيار والابتلاء استعير هنا الإذن لتخلية الكفار وغلبتهم على المسلمين فكأنّ التكليف يستدعي التخلية ويطلب التيسير للابتلاء. اهـ
قوله: (أو كلام مبتدأ)
قال الطَّيبي: لما ذكر الله أحوال المؤمنين وما جرى لهم وعليهم في الآيات وبيَّن أنَّ الدائرة إنما كانت للابتلاء، وليتميز المؤمنون عن المنافقين، وليعلم كل واحد من الفريقين أنَّ ما قدره الله من إصابة المؤمنين كائن لا محالة أورد قصة من قصصهم مناسبة لهذا المقام مستطردة، وجيء بالواو لأنها ملائمة (لأصل الكلام)، والنفاق على هذا مطلق متعارف، وعلى أن يكون (وقيل لهم) عطفاً على (نافقوا) يكون بياناً له، وأنه نفاق خاص أظهروه في ذلك المقام حيث قالوا (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً
стр. 1012
لاتَّبَعْنَاكُمْ). اهـ
قوله: (لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: هو من باب إخراج نوع من جنس وإدخاله في جنس آخر بالادعاء والمبالغة كقولك: ليس فلان آدمياً بل هو أسد. اهـ
قوله: (أو لا نحسن قتالاً).
قال الطَّيبي: المنفي على المعنى الأول القتال، وعلى الثاني القدرة عليه، لأن التقدير: لو نحسن قتالاً تدعونا إليه لاتبعناكم، يقال: فلان لا يحسن القتال؛ أي: لا يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان. اهـ
قوله: (دغلاً).
في الأساس: الدغل: الغيل والشجر الملتف، ومن المجاز: اتخذ الباطل دغلاً ومنه دغل فلان، وفيه دغل أي: فساد وريبة. اهـ
قوله: (لانخذالهم).
في الأساس: أقدم على الأمر ثم انخذل عنه أي: ارتد وضعف. اهـ
قوله: (بدلاً من واو (يكتمون)).
قال الطَّيبي: المعنى والله أعلم بما يكتم الذين قالوا. اهـ
قوله: (بدلاً من الضمير في (بأفواههم)).
قال الطَّيبي: أي: يقولون بأفواه الذين قالوا لإخوانهم، فيكون من باب التجريد.
قال الشاعر:
стр. 1013
دعوت كليباً دعوةً فكأنما ... دعوت به ابن الطود أو هو أسرع. اهـ
قوله: (أو قلوبهم).
قال الطَّيبي: المعنى: ما ليس في قلوب الذين قالوا، فهو تجريد أيضاً على نحو قوله (لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ). اهـ
قوله: (كقوله: على جوده لضن بالماء حاتم).
وصدره: على حالةٍ لو أنَّ في القوم حاتماً.
وقبله قوله:
فلما تصافنا الإداوة أجهشت ... إلى غضون العنبريِّ الجُراضِم
فجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليشرب ماء القوم بين الصرائم
قال الشيخ سعد الدين: التصافن: اقتسام الماء بالحصص عند ضيق الماء، وذلك إنما يكون بالمقلة تسقي الرجل بقدر ما يغمرها، وحاول العنبري الزيادة المفرطة على حقه لفرط عطشه وكونه واسع البطن أكولاً؛ وهو معنى الجراضم بضم الجيم، والصرائم: جمع صريمة وهي منقطع الرمل ويقل فيه الماء، والإجهاش: تفزع الإنسان إلى غيره مع تهيؤٍ للبكاء كالصبي إلى الأم، وغضون الجلد: مكاسره كالجبين، وأسند الإجهاش إليها لأنَّ مخايله تظهر فيها، وحاتم: بالجر بدل من ضمير جوده. اهـ
قال الطَّيبي: (على جوده) حال من ضمير الاستقرار، أي: لو أنَّ حاتماً مستقر في القوم، أي كائناً على جوده، (حاتم) بالجر، لأن القوافي كلها مجرورة، وهو بدل من
стр. 1014
الهاء في ضمير (جوده) بدل المظهر من المضمر نحو: مررت به أبي زيد. اهـ
قوله: ((وقعدوا) مقدرة بقد).
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنَّ الواو للحال لأنه ليس بالمقصود من العطف. اهـ
قوله: (نزلت في شهداء أحد).
أخرجه الحاكم عن ابن عباس.
قوله: (وقيل فى شهداء بدر).
وهو غلط، إنما تلك آية البقرة.
قوله: (أو إلى (الذين قتلوا) والمفعول الأول محذوف).
زاد الزمخشري: ويكون التقدير: ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتاً، أي: ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. اهـ
قال أبو حيان: وما ذهب إليه من هذا التقدير لا يجوز، لأنَّ فيه تقديم المضمر على مفسره، وهو محصور في أماكن لا تتعدى وليس هذا منها. اهـ
قال السفاقسي: مسلَّم أنه ليس واحداً منها لكن (الذين) فاعل وعود الضمير على الفاعل المتأخر في اللفظ جائز لأنه مقدم في المعنى، وإنما هذا مما تعدى فيه فعل الظاهر إلى ضميره وهو جائز في ظننت وأخواتها، وحسبت منها، وقد نص السيرافي وغيره على جواز (ظنه زيدٌ منطلقاً) و (ظنهما الزيدان منطلقين) وهذا نظير ما ذكره الزمخشري. اهـ
стр. 1015
وكذا قاله ابن هشام في المغني بعد نقله رد أبي حيان على الزمخشري: وهو غريب جداً فإنَّ هذا المؤخر مقدم الرتبة. اهـ
ثم قال أبو حيان: وقوله إنَّ المفعول الأول محذوف قد يتمشى على رأي الجمهور فإنهم يجوزنه لكنه عندهم عزيز جداً، ومنعه إبراهيم بن ملكون الإشبيلي ألبتَّة، وما كان ممنوعاً عند بعضهم عزيزاً عند الجمهور ينبغي ألاّ يحمل عليه كلام الله، فتأويل من تأول الفاعل مضمراً يفسره المعنى أي: لا يحسبنَّ هو -أي: أحدٌ أو حاسبٌ- أولى، وتتفق القراءتان في كون الفاعل ضميراً وإن اختلف بالخطاب والغيبة. اهـ
وقال الحلبي: هذا من تحملات أبي حيان على الزمخشري، أما قوله (يؤدي إلى تقديم المضمر ... ) إلى آخره فالزمخشري لم يقدره صناعةً بل إيراداً للمعنى المقصود، ولذلك لمّا أراد أن يقدر الصناعة النحوية قدره بلفظ (أنفسهم) المنصوبة وهي المفعول الأول، وأظنُ الشيخ توهم أنَّها مرفوعة تأكيد للمضمر في (قتلوا) ولم ينتبه لأنه إنما قدرها مفعولاً أول منصوبة، وأما تمشيته قوله على مذهب الجمهور فيكفيه وما عليه من ابن ملكون، وستأتي مواضع يضطر هو وغيره إلى حذف أحد المفعولين. اهـ
وقال الطَّيبي: حذف أحد المفعولين في باب الحسبان مذهب الأخفش، خلافاً لسيبويه. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: كيف جاز في المقتولين؟ قلنا: لأنهم أحياء ونفوسهم باقية مدركة. اهـ
قوله: (بل أحسبهم أحياءً)
هو تخريج الزجاج، وقد رده الفارسي بأن الأمر يقين فلا يؤمر فيه بحسبان، قال:
стр. 1016
ولا يصح أن يضمر له إلا فعل الحسبان، فإن أضمر (اعتقدهم) أو (اجعلهم) فهو ضعيف إذ لا دلالة عليه.
وقال الحلبي: وهذا تحامل من الفارسي لأن (حسب) قد تأتي لليقين كقوله:
حسبت التقى والجود خير تجارة
وتضعيفه تقدير (اعتقدهم) و (اجعلهم) يريد من حث عدم الدلالة اللفظية وليس كذلك بل إذا أرشد المعنى إلى شيء قدر من غير ضعف، وإن كان دلالة اللفظ أحسن.
وقال أبو حيان: لا يصح تقدير (اجعلهم) ألبتَّة سواءً أجعلته بمعنى اخلقهم أو صيرهم أو سمهم أو ألقهم. اهـ
وقال السفاقسي: يصح إذا كان بمعنى اعتقدهم. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: لا منع من الأمر بالحسبان لأنه ظن لا شك، والتكليف بالظن واقع لقوله تعالى (فاعتبروا) (أمر) بالقياس وتحصيل الظن. اهـ
قوله: (ذوو زلفى منه).
قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس (عند) هنا للقرب المكاني لاستحالته، ولا بمعنى في علمه وحكمه كما في قولهم: هو كذا عند سيبويه؛ لعدم مناسبة المقام، بل
стр. 1017
بمعنى القرب شرفاً ورتبة. اهـ
قوله: (بدل من (الذين)).
قال الطَّيبي: أي بدل الاشتمال لأن الضمير في (عليهم) عائد إلى (الذين لم يلحقوا بهم)، وقد ضم إليه السلامة من الخوف والحزن. اهـ
قوله: (عن ابن عباس أنه ﵊ قال: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ... ).
الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه على شرط مسلم.
قال الإمام التوربشتي: أراد بقوله (أرواحهم في أجواف طير خضر) أنَّ الروح الإنسانية المتميزة المخصوصة بالإدراكات بعد مفارقتها البدن يهيأ لها طير أخضر فتنتقل إلى جوفه ليعلق ذلك الطير من ثمر الجنة، فتجد الروح بواسطته ريح الجنة ولذتها والبهجة والسرور، ولعل الروح يحصل لها تلك الهيئة إذا تشكلت وتمثلت بأمر الله تعالى طيراً أخضر كتمثل الملك بشراً، وعلى أي حالة كانت فالتسليم واجب علينا لورود البيان الواضح على ما أخبر عنه الكتاب والسنة وروداً صريحاً لا سبيل إلى خلافه).
قوله: ((يستبشرون) كرره للتوكيد) .
قال أبو حيان: أعربه غير الزمخشري بدلاً من الأول، ولذا لم يدخل عليه واو العطف. اهـ
قوله: (وليعلق به ما هو بيان لقوله (أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ))
قال الطَّيبي: يعني كرر (يَسْتَبْشِرُون) ليعلق به قوله (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)، وهو بيان وتفسير لقوله (أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ
стр. 1018
يَحْزَنُونَ)، لأنَّ الخوف غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء، والحزن غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار، فمن كان متقلباً في نعمة من الله وفضل فلا يحزن أبداً ومن جعلت أعماله مشكورة غير مضيعة فلا يخاف العاقبة. اهـ
قوله: (وقرأ الكسائى بالكسر على أنه استئناف معترض).
قال أبو حيان: ليست هذه الجملة اعتراضاً لأنَّها لم تدخل بين شيئين أحدهما يتعلق بالآخر. اهـ
قال الحلبي: ويمكن أن يجاب عنه بأن (الذِينَ استجَابُوا) يجوز أن يكون تابعاً لـ (الذين لم يلحقوا) نعتاً أو بدلاً، فعلى هذا يتصور الاعتراض. اهـ
قال الطَّيبي: قول الزمخشري: على أنَّ الجملة اعتراض، أي: تذييل للآيات السابقة من لدن قوله (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ)، وفي ذكر المؤمنين إشعار بأن من وسم بسمة المؤمنين كائناً من كان شهيداً مقرباً أو من أصحاب اليمين فإن الله تعالى لا يضيع ًأجره. اهـ
قوله: (صفة للمؤمنين أو نصب على المدح).
قال الطَّيبي: فعلى هذا يجب أن يكون (أنَّ) المفتوحة مع ما بعدها معطوفة على النعمة والفضل، ويكون (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ... ) الآية مستأنفة، أي: ما لهم حينئذ؟ فقيل: لهم أجر عظيم. اهـ
قوله: (أو مبتدأ خبره (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا)).
قال أبو حيان: [إنه الظاهر. اهـ
قال الطَّيبي]: أي (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا) مع ما في حيز الصلة مبتدأ، وقوله (أَجْرٌ
стр. 1019
عَظِيمٌ) مبتدأ ثان، و (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول. اهـ
وبقي من الوجوه أن يكون رفعاً على القطع.
قوله: (و (من) للبيان).
قال الطَّيبي: فالكلام فيه تجريد، جرد من (اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) المحسن المتقي. اهـ
وقال أبو حيان: من لا يرى ورود (من) للبيان قال إنَّها للتبعيض حالاً من ضمير (أحسنوا) وعليه أبو البقاء. اهـ
قوله: (روي أن أبا سفيان وأصحابه -إلى قوله- فنزلت)
أخرجه ابن جرير عن عكرمة والسدي وغيرهما، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة عن ابن إسحاق عن شيوخه.
قوله: (من حضر يومنا).
أي وقعتنا.
في الأساس: ذكر في أيام العرب كذا، أي: في وقائعها، (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ): بدمادمه على الكفار. اهـ
قوله: (فتحاملوا).
في الأساس: تحاملت الشيء: احتملته على مشقة. اهـ
قوله: ((الذين قال لهم الناس))
قال الشيخ سعد الدين: (الناس) الثاني في الآية غير الأول إذ اللام العهدية فيه ليست إشارة إلى ما ذكر صريحاً بل إلى ما يعرفه المخاطبون. اهـ
قوله: (روي أنه نادى عند انصرافه ... ).
الحديث أخرج ابن جرير بعضه عن مجاهد وبقيته عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن
стр. 1020
عمرو بن حزم.
قوله: (وقيل في نعيم بن مسعود).
الحديث ذكره ابن سعد في طبقاته.
قوله: (الضمير المستكن للمقول)
قال أبو حيان: هو ضعيف من حيث إنه لا يزيد إيماناً إلا بالنطق به لا هو في نفسه. اهـ
قال الحلبي: وفيما قاله نظر، لأن المقول هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة الإيمان. اهـ
وكذا قال السفاقسي: فيه نظر لأنَّ نفس المقول لا يزيد إيماناً بل باعتبار مدلوله. اهـ
قوله: (أو لفاعله إن أريد به نعيم).
قال أبو حيان: هو ضعيف من حيث إنه إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازاً فإن الضمائر تجري على ذلك الجمع لا على المفرد، فيفال: مفارقه شابت، باعتبار الإخبار عن الجمع، ولا يجوز: مفارقه شاب، باعتبار مفرقه شاب. اهـ
قال السفاقسي: لا يبعد جوازه بناءً على ما علم من استقراء كلامهم فيما له لفظ وله معنى اعتبار اللفظ تارة والمعنى أخرى. اهـ
وذكر الحلبي ونحوه.
قوله: (ويعضده قول ابن عمر: قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار).