← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

قوله: (ولو ثبث قولهم هذا). قال أبو حيان: سبك من أنَّهم قالوا مصدراً مرتفعاً يثبت على الفاعلية وهو قول المبرد، وهو مذهب مرجوح في علم النحو، وسيبويه يرى أنَّ (أن) بعد (لو) مع ما عملت فيه يقدر باسم مبتدأ، وهل الخبر محذوف أو لا يحتاج إلى تقدير خبر لجريان المسند والمسند إليه في صلة (أن)؟ قولان أصحهما الثاني. اهـ قوله: (ويجوز أن يراد بالقلة العدم كقوله: قليل التشكي للمهم يصيبه ... ). قال أبو حيان: ما ذكره من أنَّ القليل يراد به العدم صحيح في نفسه؛ لكن هذا التركيب الاستثنائي من تراكيبه؛ فإذا قلت: لا أقوم إلا قليلاً؛ لم يوضع هذا لانتفاء القيام ألبتَّة، بل هذا يدل على انتفاء القيام منك إلا قليلاً فيوجد منك، وإذا قلت: قلما يقوم أحد إلا زيد، وقلَّ رجل يقول ذلك احتمل أن يراد به التقليل المقابل للكثير، واحتمل أن يراد به النفي المحض وكأنك قلت: ما يقوم أحد إلا زيد، وما رجل يقول ذلك، أما أن تنفي ثم توجب ويصير الإيجاب بعد النفي يدل على النفي فلا؛ إذ تكون (إلا) وما بعدها على هذا التقدير جيء بها لغواً لا فائدة فيه؛ إذ الانتفاء فهم من قولك: لا أقوم، فأي فائدة في استثناء مثبت يراد به الانتفاء المفهوم من الجملة السابقة، وأيضاً فإنه يؤدي إلى أن يكون ما بعد (إلا) موافقاً لما قبلها في المعنى؛ وباب الاستثناء لا يكون فيه ما بعد (إلا) موافقاً لما قبلها. اهـ والبيت المستشهد به قيل لأبي كثير الهذلي ولم أجده في شعره، وقيل لتأبط شراً وتمامه: كثير الهدى يثني الهوى والمسالك. قال الطَّيبي: أي هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق، لا يقف أهله على فن واحد بل يتجاوز إلى فنون مختلفة، صبور على النوائب لا يكاد يتشكى منها، فاستعمل لفظ

стр. 1087

القليل وقصد به إلى نفي الكل. اهـ قوله: (أو إلا قليلاً منهم آمنوا). قال الطَّيبي: فعلى الأول (إِلاّ قَلِيلاً) مستثنى من مصدر (يؤمِنُونَ)، وعلى هذا (من) فاعله. اهـ قوله: (أو (للذين) على طريقة الالتفات). قال الطَّيبي: أراد الانتقال من الخطاب المستفاد من النداء في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) إلى الغيبة في قوله (أَوْ نَلْعَنَهُمْ). اهـ قوله: (ارتكب ما يستحقر دونه الآثام -إلى قوله- والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل). قال الطَّيبي: لا يعلم من كلام القاضي أنه مشترك أو مجاز وحقيقة، والظاهر من قول الكشاف: أي ارتكبه، أنه استعارة تبعية، شبه ما لا يصح كونه من الفعل بما لا يصح ثبوته من القول، ثم استعمل في الفعل ما كان مستعملاً في القول من الافتراء. اهـ قوله: (وقيل ناس من اليهود جاءوا بأطفالهم ... ) إلى آخره. ذكره الثعلبي عن الكلبي. قوله: (وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها). قال في الكشاف: إلا إذا كان لغرض صحيح في الدين وطابق الواقع. اهـ قوله: (وأصل التزكية: نفى ما يستقبح فعلا أو قولاً). قال الراغب: التزكية: إما بالفعل وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهير بدنه؛ وذلك يصح أن ينسب إلى العبد كقوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)، أو إلى من يأمره بفعله كقوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)، وإما بالقول وذلك الإخبار عنه بذلك ومدحه ومحظور على الإنسان أن يفعل ذلك بنفسه، فالتزكية في الحقيقة هي الإخبار عما ينطوي عليه الإنسان ولا يعرف ذلك إلا الله؛ ولهذا قال (بَلِ

стр. 1088

اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ). اهـ قوله: (وقيل في حيي بن أخطب ... ) إلى آخره. أخرجه الطبراني، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى إنكار أنهم أوتوا ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: الفرق بين الوجهين أنَّ الإنكار على الأول متوجه إلى أن يكون لهم نصيب من الملك فقط أي ليس لهم نصيب من الملك، وعلى الثاني متوجه إلى أن يكون لهم نصيب وإلى أنَّهم لا يؤتون أحداً شيئاً، [فالإنكار ينصب على الأمرين يعني: أوتوا نصيباً من الملك ويشكروا لينفقوا في سبيل الله فجعلوه سبباً للإمساك] كقوله تعالى (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)، فالفاء سببية نحو اللام في (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا). اهـ قوله: (بأن يعاد ذلك الجِلْد ... ) إلى آخره . قال الطيبي: فالمغايرة في الصفة لا في الذات. اهـ قال الإمام: المعذب هو الإنسان، والجلد ليس منه بل هو كالشيء الملتصق به، فإذا جدد الله تعالى الجلد حتى صار سبباً لوصول العذاب إليه لم يكن إلا تعذيباً للعاصي. اهـ قال الطَّيبي: وهذا أيضاً عن القاضي والزجاج، وهو مبني على أنَّ الإنسان غير البدن، وأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، بل إنه سبحانه قادر على أن يوصل إلى أبدانهم آلاماً عظيمة من غير إدخالهم النار مع أنه تعالى أدخلهم النار. اهـ قوله: (نزلت يوم الفتح في عثمان بن أبي طلحة ... ) الحديث . أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس نحوه.

стр. 1089

قال الشيخ سعد الدين: وللشيعة هنا كلام آخر وهو أن النبي ﷺ حمل علياً على عاتقه حتى صعد سطح الكعبة وأخذ المفتاح وقال: قد خُيِّل إليَّ أني لو أردت لبلغت السماء. قلت: هذا أخرجه الحاكم في مستدركه. قوله: (روي عن ابن عباس أن منافقاً خاصم يهودياً ... ) الحديث. أخرجه الثعلبي عنه بلفظه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود مرسلاً بلفظه أيضاً، وأخرجه ابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس مختصراً. قوله: (ويؤثر فيهم). قال الطَّيبي: عطف تفسيري على قوله يبلغ منهم، يعني متمكن منهم من جهة الإبلاغ. اهـ قوله: (وتعليق الظرف بـ (بَلِيغًا) على معنى: بَلِيغًا في أنفسهم مؤثراً فيها ضعيفٌ لأن معمول الصفة لا يتقدم الموصوف). رد به على صاحب الكشاف حيث ذكر ذلك بادءً به، وقد وافقه أبو حيان في الرد قال: تعليق (فِي أَنْفُسِهِمْ) بقوله (بَلِيغًا) لا يجوز على مذهب البصريين، لأن معمول الصفة لا يتقدم عندهم على الموصوف، لو قلت: هذا رجلٌ ضاربٌ زيداً؛ لم يجز أن تقول: هذا زيداً رجل ضارب، لأنَّ حق المعمول أن لا يحل إلا في محل يحل فيه العامل، ومعلوم أن النعت لا يتقدم على المنعوت لأنه تابع والتابع (لا يتقدم على المتبوع، وأجاز ذلك الكوفيون)، والزمخشري يأخذ في ذلك بقولهم. وقال الحلبي: قول البصريين لا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل فيه بحث، وذلك أنا وجدنا هذه القاعدة منخرمة في قوله (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) فـ (الْيَتِيمَ) معمول لـ (تَقْهَرْ)، و (السَّائِلَ) معمول لـ (تَنْهَرْ)، وقد تقدما على

стр. 1090

(لا) الناهية، والعامل فيهما لا يجوز تقديمه عليها إذ المجزوم لا يتقدم على جازمه، فقد تقدم المعمول حيث لا يتقدم العامل، وللنظر في هذا البحث مجال. اهـ وقال ابن المنير: يشهد لتعلقه بـ (بَلِيغًا) أن مساقه التهديد قوله (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) وهو إخبار بما سيقع، ولتعلقه بـ (وَقُل لهم) أي: قل لهم في معنى أنفسهم قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)، ولقوله وقل لهم في أنفسهم خالياً بهم سيرته ﷺ في ستر أحوال المنافقين حتى عد حذيفة باطلاعه على ذلك صاحب سر النبي ﷺ . اهـ قال الطَّيبي: هذا الوجه يشترك مع الوجه الذي قبله من حيث أنَّ (في أَنفُسِهمْ) متعلق بـ (قُل)، ومع الوجه الأول في التأثير، والفرق بين التأثيرين اختلاف الجهة وهو أن المؤثر هناك إيقاع (أَنْفُسِهِمْ) ظرفاً للقول وهاهنا النصيحة في السر. اهـ قوله: (والقول البليغ فى الأصل هو الذي يطابق مدلوله المقصود به). قال الراغب: القول البليغ إذا اعتبر بنفسه فهو ما يجمع أوصافاً ثلاثة: أن يكون صواباً، مطابقاً للمعنى المقصود به لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه، وصدقاً في نفسه، وإذا اعتبر بالمقول له والقائل فهو الذي يقصد به قائله الحق، ويجد من المقول له قبولاً، ويكون وروده في الموضع الذي يجب أن يورد فيه. اهـ قال الطَّيبي: وإذا تعلق (فِي أَنْفُسِهِمْ) بقوله (بَلِيغًا) فالبليغ من البلوغ والوصول، ولهذا قال مؤثراً في قلوبهم، فجعل (أَنْفُسِهِمْ) ظرفاً ليتمكن القول في قلوبهم تمكن المظروف في الظرف. اهـ قوله: (إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت). قال الطَّيبي: إشارة إلى اتصال هذه الآية بقوله (إِلَى الذِين يَزعُمُونَ) إلى قوله (يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ). اهـ قوله: (و (لا) مزيدة لتأكيد القسم لا لتظاهر (لا) فى قوله (لا يؤمنون) لأنها تزداد أيضاً فى الإثباث كقوله تعالى (لا أقسم بهذا البلد)). قال الطَّيبي: يريد أن (لا) في (فَلا وَرَبِّكَ) جاءت لتوكيد معنى القسم لا لتوافق

стр. 1091

(لا) في (لا يُؤمِنُون)؛ لأنَّ إثبات (لا) في القسم سواءً كان الجواب منفياً أو مثبتاً جائز فإن قوله تعالى (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) مثبت، وقد جاء بالقسم مؤكداً بـ (لا) في قوله (فَلا أُقسِمُ) فلو كان للتظاهر لما جاءت في المثبت. قال صاحب التقريب: وفيه نظر؛ إذ يحتمل أن يقال إنه تأكيد النفي في المنفي فقط، بل وجه المنع أنَّ (لا) حينئذ تتمة الجواب فيلزم الفصل بين أجزاء الجواب بالجملة القسمية، فيقال: إن القسم لما اتحد مع الجواب اتحاد المفرد في قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) حتى اكتفى بالجواب في إيقاعه صلة للموصول اغتفر الفصل به. قال أبو البقاء: فيه وجهان: أحدهما: أنَّ الأولى زائدة، وقيل إنَّ الثانية زائدة والقسم معترض بين النفي والمنفي. وثانيهما: أن (لا) لنفي أمر مقدر أي: فلا يعقلون ثم قال: وربك لا يؤمنون. في الانتصاف: أراد الزمخشري أنَّها لما زيدت حيث لا يكون القسم نفياً دلت على أنها تزاد لتأكيد القسم فجعلت كذلك في النفي، والظاهر عندي أنَّها هاهنا لتوطئة القسم، والزمخشري لم يذكر مانعاً منه إنما ذكر مجيئها لغير هذا وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة، على أن دخولها على المثبت فيه نظر، فلم يأت في الكتاب العزيز إلا مع القسم بالفعل (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ)، ولم يأت إلا في القسم بغير الله، وله سر يأبى أن يكون هنا لتأكيد القسم وذلك أن المراد بها تعظيم المقسم به فِى الآيات المذكورة فكأنه بدخولها يقول: إعظامي لهذه الأشياء المقسم بها كلا إعظام إذ هي تستوجب فوق ذلك، وإنما يذكر هذا التوهم وقوع عدم تعظيمها فيؤكد بذلك وبفعل القسم ظاهراً، والوهم زائل بالقسم بالله تعالى فلا يحتاج إلى تأكيد فتعين حملها على التوطئة، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلة على قسم مثبت، أما في

стр. 1092

النفي فكثير. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: يعني إن قيل: لم لا يجوز أن تكون مزيدة لمظاهرة (لا) في (لا يُؤمِنُونَ) ومعاونتها والتنبيه من أول الأمر على أن المقسم به نفي؟ فالجواب: أنَّ مجيئها قبل القسم سواءً كان الجواب نفياً أو إثباتاً يدل على أنَّها لتأكيد القسم لا لمظاهرة النفي في الجواب، وذلك لأنَّ الأصل إجراء المحتمل على المحقق والمشكوك على المقطوع واتخاذ نهج اللفظ على اتخاذ نهج المعنى وترك التصرف في الحرف، وبهذا يندفع اعتراض صاحب التقريب بأنه يجوز أن يكون نفي المنفي لمظاهرة النفي وفي المثبت لتأكيد معنى القسم، وما يقال إنه لا يجوز أن يكون في النفي لتأكيده وفي الإثبات لتأكيده فليس على ما ينبغي. اهـ قوله: (وقرأ ابن عامر بالنصب على الاستثناء، أو على: إلا فعلاً قليلاً). قال الطَّيبي: فعلى هذا الاستثناء مفرغ، و (منهم) بيان للضمير في (فعلوه) كقوله تعالى (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) على التحديد، وعلى أصل الاستثناء (منهم) للتبعيض. اهـ وقال أبو حيان: أما النصب على الاستثناء فهو الذي وجه الناس عليه هذه القراءة، وأما قوله: إلا فعلاً قليلاً؛ فهو ضعيف لمخالفة مفهوم التأويل قراءة الرفع ولقوله (منهم) فإنه تعلق على هذا التركيب؛ لو قلت: ما ضربوا زيداً إلا ضرباً قليلاً منهم لم يحسن أن يكون (منهم) لا فائدة في ذكره. اهـ وقال السفاقسي: أجاب بعضهم بأن هذا لازم على تقدير الزمخشري، ورد بأنها على تقدير الرفع للربط لأنه بدل بعض من كل، وعلى تقدير النصب على الاستثناء يكون في معنى الرفع لأنه أيضاً إخراج بعض من كل، وأجيب بأنهم اكتفوا في مثل هذا بالربط بـ (إلا)، وأجيب بأنَّ الربط بالضمير هو الأصل و (إلا) كالنيابة عن ذلك الأصل،

стр. 1093

وإذا وجد (إلا) فلا يعد غير مفيد بخلاف تقدير الزمخشري. اهـ فائدة: قال ابن الحاجب: لا بُعد أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى، وأكثرهم على الوجه الذي هو دونه، بل التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء على قراءة غير الأقوى. اهـ قال الطَّيبي: بل يكون إجماعهم بل قراءتهم دليلاً على أن ذلك هو الأقوى؛ لأنهم هم المتقنون الآخذون عن مشكاة النبوة، وأنَّ تعليل النحاة غير ملتفت إليه. اهـ قوله: (والآية أيضاً نزلت فى شأن المنافق واليهودي). هو في رواية أبي الأسود السابقة. قوله: (وقيل إنها والتى قبلها نزلتا فى حاطب ابن أبى بلتعة خاصم زبيراً فى شراج من الحرة كانا يسقيان بها النخل فقال ﵊: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال حاطب: أن كان ابن عمتك؟ فقال ﵊: اسق يا زبير ثم احبس الماء إلى الجدر). أخرجه الأئمة الستة إلا أن فيه: خاصم الزبير رجلاً من الأنصار ولم يسمه. قال الطَّيبي: تسمية حاطب ابن أبي بلتعة خطأ، وجل جانب حاطب أن يتكلم بما يتغير به رسول الله ﷺ ويلحقه من الحفيظة ما لحقه، وقد شهد الله له بالإيمان في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، وأنه شهد بدراً والحديبية، وقال رسول الله ﷺ : لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية، وأنه حليف الزبير بن العوام. ذكره في الاستيعاب. وقال صاحب الجامع: هو حاطب بن راشد اللخمي وهو حليف قريش، ويقال إنه من

стр. 1094

مذحج، وقيل: هو من أهل اليمن، والأكثر على أنه حليف لبني أسد بن عبد العزى. قال الطَّيبي: فلا خلاف إذن أنه لم يكن أنصارياً. اهـ قلت: القصة أخرجها ابن أبي حاتم من مرسل سعيد بن المسيب بسند قوي وفيه تسمية حاطب ابن أبي بلتعة. وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: ذكر جماعة أنه حاطب ابن أبي بلتعة، وتعقب بأنه من المهاجرين لا من الأنصار، فإن ثبت فقول من قال إنه من الأنصار على إرادة المعنى الأعم كما استعمل ذلك غير واحد، وذكر الداودي والزجاج أن خصم الزبير كان منافقاً. قال القرطبي: فقوله من الأنصار يعني نسباً لا ديناً. قال: وهذا هو الظاهر من حاله، ويحتمل أنه لم يكن صدر ذلك منه بادرة النفس. وقواه بعضهم قائلاً: لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بالنصرة التي هى صفة مدح ولو شاركهم في النسب، بل هي زلة من الشيطان تمكن منه بها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحال. قال الحافظ ابن حجر: وحكى الواحدي بلا مستند أنه ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وحكى ابن بشكوال عن شيخه أبي الحسن بن مغيث أنه ثابت بن قيس بن شماس؛ ولم يأت على ذلك بشاهد. اهـ قال الطيبي: قال في النهاية: الشرجة: مسيل الماء من الحرة إلى السهل، والشرج جنس لها لها والشِرَاج جمعها، والحرة: أرض ذات حجارة سود، والجدر: المُسَنَّاة وهو ما رفع حول المزرعة كالجدار. اهـ

стр. 1095

قوله: (لأن (إذن) جواب وجزاء). قال الطَّيبي: تعليل للتقدير، يعني لما قال الله تعالى (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) اتجه لسائلٍ أن يسأل عن جزاء التثبيت على الإيمان فأوقع (وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ) جواباً لهذا السؤال وجزاءً للتثبيت، واللام في (لَآتَيْنَاهُمْ) جواب لـ (لو) محذوفاً كما قدره، وفي هذا التقدير تكلفات شتى: أحدها: أنه لم يعلم أنَّ المعطوف عليه لهذه الجملة -أعني (وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ) - ماذا؟ والثاني: تقدير السؤال وهو مستغني عنه، والثالث: حذف (لو) والظاهر أنها معطوفة على قوله (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) في الدنيا (وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) في الدين (وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ) في الآخرة (أَجْرًا عَظِيمًا) تفضلاً من عندنا لا وجوباً، هذا هو الوجه ذهاباً ومذهباً، ويؤيده ما قاله المرزوقي في قوله: إذن لقام بنصري معشر خشن إذ القيام جواب (لو)، كأنه أجيب بجوابين، واللام في (لقام) جواب يمين مضمرة، والتقدير: إذن والله لقام. اهـ وقال أبو حيان: قوله لأنَّ إذن جواب وجزاء يفهم أنَّها تكون للمعنيين في حال واحدة على كل حال، وبه قال أبو علي الشلوبين وقوفاً مع ظاهر كلام سيبويه، والصحيح قول الفارسي أنَّها تكون جواباً فقط في موضع، وجوباً وجزاءً في موضع، ففي مثل: أظنك صادقاً لمن قال: أزورك هي جواب خاصة، وفي مثل: إذن أكرمك لمن قال: أزورك هي جواب وجزاء. اهـ قوله: (قال ﵊: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم). أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس.

стр. 1096

قوله: (روي أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أتاه يوماً ... ) الحديث . قال الشيخ ولي الدين: ذكره الثعلبي في تفسيره بلا إسناد ولا راو، وحكاه الواحدي في أسباب النزول عن الكلبي، وروي الطبراني في معجمه الصغير عن عائشة وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس والبيهقي في شعب الإيمان عن الشعبي وابن جرير عن سعيد بن جبير كل منهم يحكي عن رجل فذكر مثل قصة ثوبان ونزول الآية فيه. قوله: (أو الفضل خبره). قال الراغب هو كقولك: ذاك الرجل، وهذا المال تنبيهاً على كماله؛ فإنَّ الشيء إذا عظم أمره يوصف باسم جنسه. اهـ قوله: (و (من الله) حال). زاد الراغب: أو خبر لمبتدأ مضمر. اهـ قوله: (كوكبة واحدة). قال الجوهري: كوكب الشيء معظمه، وكوكب الروضة: نورها. اهـ وإيراده هنا مجاز. قوله: (منقولاً من بطؤ). قال الطَّيبي: أي متعدياً بالتثقيل. اهـ قوله: (والقسم بجوابه صلة (من)). قال الشيخ سعد الدين: إذ لا خفاء في أنَّها خبرية مؤكدة بالقسم، وإنما الإنشائية هي مجرد القسم أعني أقسم بالله. اهـ وقال الطَّيبي: بهذا يعلم أن الجملة القسمية مع جوابها خبرية فلا يمتنع وقوعه صلة

стр. 1097

للموصول، وقيل: الصلة بالحقيقة جواب القسم والقسم كالتأكيد. قال ابن الحاجب في شرح المفصل: القسم جملة إنشائية يولد بها جملة أخرى. وقال الزجاج: (من) موصولة بالجالب للقسم تقديره: وإن منكم لمن أحلف والله ليبطئن، والنحويون مجمعون على أن (ما) و (من) و (الذي) لا يوصلن بالأمر والنهى إلا يضمر معها ذكر خبر، لأن لام القسم إذا جاءت مع الحروف فلفظ القسم وما أشبهه مضمر معها. اهـ قوله: (وقرئ بضم اللام إعادة للضمير على معنى من). قال ابن جني: ذلك لأن قوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) لا يعني به رجلاً واحداً ولكن معناه أن هناك جماعة هذا وصف كل واحد منهم، فلما كان جمعاً في المعنى أعيد الضمير إلى معناه دون لفظه. اهـ وقال ابن المنير: في هذه القراءة نكتة غريبة وهي العود على معنى (من) بعد الحمل على لفظها، وأنكر بعضهم وجودها في القرآن العظيم لما يلزم من الإجمال بعد البيان وهو خلاف البلاغة، لأن العود إلى لفظها ليس بمفصح عن معناها بل تناوله المعنى مبهم، فوقوعه بعد البيان عي، ومنهم من عد موضوعين وهذه القراءة في هذه الآية ثالثة. اهـ قوله: ((كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اعتراض بين الفعل ومفعوله). قال الطَّيبي: قيل هذا الاعتراض في غاية الجزالة إذ يفيد أنَّهم يحسدونكم مما يصل إليكم من الخير كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة. اهـ قوله: (وقيل إنه متصل بالجملة الأولى). زاد الراغب في حكايته وتقديره: قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً كأن لم يكن بينكم وبينه مودة، فأخر. قال الراغب: وذلك مستقبح في العربية فإنه

стр. 1098

لا يفصل بين بعض الجملة التي ذاك في أثنائها. اهـ قوله: (ويجوز نصبه على الاختصاص). زاد الزمخشري: يعني وأخص من سبيل الله خلاص المستضعفين. قال أبو حيان: ولا حاجة إلى تكلف ذلك؛ إذ هو خلاف الظاهر. اهـ وقال ابن المنير: فيه على هذا مبالغة من وجهين: التخصيص بعد التعميم، والنصب على الاختصاص كأنه قال: أخص هؤلاء. اهـ قوله: (فاستجاب الله دعاءهم بأن يسر لبعضهم الخروج). قال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: إن كان قصدهم الجمع بين الدعوتين فلم يجابوا إليهما، وإن كان إلى إحداهما لكونها كافية في المقصود كان المناسب العطف بـ (أو)؟ قلنا: إن قدر: ويقولون اجعل لنا؛ على معنى أنه كانت فيهم الدعوتان فلا إشكال، وإن لم يقدر فيجوز أن يكون ذلك على سبيل التوزيع، ولو سلم فمعلوم أن المقصود الأصلي والمطلوب الأولي هو النجاة والخلاص من الظلمة والوصول إلى خير ولي ناصر وقد حصل. اهـ قوله: (عتاب بن أَسيد). بفتح الهمزة وكسر السين. قوله: (وتذكيره لتذكير ما أسند إليه). قال ابن المنير: هنا نكتة وهي أن الظلم ينسب في القرآن إلى القرية مجازاً (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ) (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً) إلى قوله (فَكفَرَتْ) وهنا نسب الظلم إلى أهلها إذ المراد مكة فرفعت عن نسبة الظلم إليها. اهـ قوله: (من إضافة المصدر إلى المفعول). قال الشيخ سعد الدين: يعني لا يعتبر المصدر من المبني للمفعول بحيث تكون الإضافة

стр. 1099

إلى ما هو قائم مقام الفاعل كما في قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) أي مغلوبيتهم وذلك لأنه حينئذ لا يكون لإضافة الأهل إليه كبير معنى بمنزلة قولك: حال كونهم مثل أهل مخوفية الله، بل المعنى: مثل أهل الخائفة من الله وهم الخائفون، فليتنبه للفرق بين المصدر المبني للمفعول والمضاف إلى المفعول. اهـ قوله: ((أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) عطف عليه إن جعلته حالاً، وإن جعلتته مصدراً فلا ... ) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: أي ذلك مبناه على أن التمييز في المعنى فاعل فإن المجرور بـ (من) التفصيلية يكون ما يقابل الموصوف بأفعل التفضيل، فالمعنى على تقدير الحالية أنهم أشد خشية من غيرهم، بمعنى أن خشيتهم أشد من خشية غيرهم، [وهو مستقيم، وعلى تقدير المصدرية أن خشيتهم أشد خشية من خشية غيرهم] بمعنى أن خشية خشيتهم أشد؛ ولا يستقيم إلا على طريق: جد جده على ما ذهب إليه أبو علي وابن جني ويكون كقولك: زيداً جد جداً، بخلاف ما إذا قلت: أو أشد خشية -بالجر- فإن معناه تفضيل خشيتهم على سائر الخشيات إذا فصلت واحدة واحدة. اهـ وقال أبو حيان وتبعه الحلبي: يصح نصب (خشية) ولا يكون تمييزاً، فلا يلزم عليه ما ألزمه الزمخشري بأن يكون (خشية) معطوفاً على الحال و (أشد) منصوب على الحال لأنه كان نعت نكرة تقدم عليها فانتصب على الحال والتقدير: يخشون الناس مثل خشية الله أو خشية أشد منها وقد تقدم نظر ذلك في قوله (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا). اهـ قوله: (استزادة في مدة الكف ... ). قال الطَّيبي: يعني في (لولا) معنى التمني والطلب، المعنى: ليتنا أخرتنا، فوكد (لولا) معنى السؤال. اهـ

стр. 1100

قوله: (من يفعل الحسنات الله يشكرها). تمامه: والشر بالشر عند الله مثلان. وبعده: فإنما هذه الدنيا وزهرتها ... كالزاد لابد يوماً أنه فاني. وهما لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وقيل لكعب بن مالك. قال أبو جعفر النحاس في شرح شواهد سيبويه: قال أبو الحسن على بن سليمان حدثني محمد بن زيد قال حدثني المازني أنَّ الأصمعي قال: هذا البيت غيَّره النحويون والرواية: من يفعل الخير فالرحمن يشكره. اهـ قوله: (أو على أنه كلام مبتدأ و (أينما) متصل بـ (لا تظلمون)). قال أبو حيان: هذا التخريج ليس بمستقيم لا من حيث المعنى ولا من حيث الصناعة، أما المعنى فلأنه لا يناسب أن يكون متصلاً بقوله (وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) لأنَّ ظاهره انتفاء الظلم في الآخرة لقوله (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى)، وأما الصناعة فإنه يلزم أن يكون العامل في (أَيْنَمَا) (تُظْلَمُونَ) واسم الشرط لا يتقدم على عامله. اهـ وأجاب الحلبي والسفاقسي بأن المراد اتصال معنى لا اتصال عمل. قوله: (كما تقع الحسنة والسيئة على الطاعة والمعصية يقعان على النعمة والبلية). قال الشيخ سعد الدين: يجوز أن يكون باشتراك اللفظ بحسب الوضعين اللغوي والشرعي، وأن يكون باشتراك المعنى؛ أي ما ينبغي ويلائم طبعاً أو شرعاً وما لا ينبغي ولا يلائم كذلك. اهـ قوله: (ما أصابك يا إنسان). زاد الزمخشري: خطاباً عاماً. قال الطَّيبي: يعني أنه من باب قوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا.

стр. 1101

أي الخطاب لفخامته بحيث لا يختص بأحد دون أحد. قوله: (قال عليه لصلاة والسلام: ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله. قيل: ولا أنت؟ قل: ولا أنا ... ). أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة نحوه: لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ. قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لاَ، وَلاَ أَنَا، إِلاّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ. قوله: (قالت عائشة: ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر) قلت: دخل على المصنف حديث في حديث، فإن حديث عائشة أخرجه البخاري ومسلم عنها مرفوعاً بلفظ: ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه. وأخرج الترمذي عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: لا يصيب العبد نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفوا الله عنه أكثر. قوله: (والآيتان كما ترى لا حجة فيهما لنا ولا للمعتزلة) . يعني لما قرره من أن المراد بالحسنة والسيئة النعمة والبلية لا الطاعة والمعصية. قال الطيبي: وأما الإمام فقد أطنب كل الإطناب بتعديد الأقوال والتراجيح، واختار منها العموم. قال: وقوله (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ) يفيد العموم في كل الحسنات من النعم والطاعات، (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) تفيد العموم في كل السيئات من البلايا والمعاصي، ثم قوله تعالى (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) صريح في أنَّ الجميع من الله تعالى، فكانت الآية الكريمة دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله؛ وهو

стр. 1102

المطلوب. قال الطَّيبي: وما اختاره المصنف من اختصاصهما بالنعمة والبلية أولى؛ والمقام له أوعى لا سيما سبب النزول، ولفظة الإصابة إنما تستعمل فيما ذكر شائعاً ذائعاً وفي الطاعة والمعصية نادراً، لكن يشكل بأنه تعالى نفى أن يكون الحسنة والسيئة المخصوصتان من عند غيره بقوله (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) ثم أثبت أن تلك السيئة من نفس العبد؟ ويجاب باختلاف جهتي نفي السيئة وإثباتها من حيث الإيجاد والسبب. اهـ قوله: ((رسولاً) حال قصد بها التأكيد). قال أبو البقاء: أي ذا رسالة. اهـ قوله: (والتعميم إن علق بها أي: رسولاً للناس جميعاً). قال الطيبي: يريد أن تقديم (لِلناس) على عامله وهو (رَسُولا) يفيد في هذا المقام معنى القصر القلبي، وبيانه أنَّ اللام في (لِلناس) للاستغراق وهو في مقابلة البعض؛ لأنه رد لزعم اليهود أنه مبعوث إلى العرب خاصة دون كل الناس. ومعنى القصر القلبي: رد المخاطب إلى إثبات ما ينفيه ونفي ما يثبته من الحكم. اهـ قوله: (ويجوز نصبه على المصدر). قال الطَّيبي: إنما اختار المصنف الوجه الأول ليطابق المقام؛ لأن الكلام مع اليهود، ولهذا استشهد بالآيتين الدالتين على العموم؛ على أن تكون (كافة) صفة مصدر محذوف؛ أي: الرسالة كافة عامة محيطة بهم، وعلى أن يكون حالاً من الكاف: أي جامعاً للناس في الإنذار على أنا أرسلناك كافة للناس عن الكفر والمعاصي. اهـ قوله: (كقوله: ولا خارجاً من فيَّ زور كلام). هو للفرزدق وأوله: ألم ترني عاهدت ربي وإنني ... لبين رتاج قائم ومقام

стр. 1103

على حلفة لا أشتم الدهر مسلماً ... ولا خارجاً من فيّ زور كلام الرتاج: باب الكعبة. قال الزمخشري في شرح شَواهد سيبويه: أضمر الفعل قبل كان خارجاً كأنه قال: ولا يخرج خارجاً، جعل خارجاً في موضع خروجاً وعطف الفعل المضمر الذي هو (ولا يخرج) على (لا أشتم)، (ولا أشتم) جواب قسم أي: حلفت بعهد الله لا أشتم الدهر مسلماً ولا يخرج من فيّ زور كلام خروجاً. اهـ قال النحاس: فيه قولان آخران: ولا أمثل خارجاً أي: حلفت على هذا، والثاني أنَّ المعنى: ولا أقدر. اهـ قوله: (لأنه فى الحقيفة مبلغ والآمر هو الله تعالى). قال الطيبي: هذا التعليل يقيد لفظ الرسول لا من وضع المظهر (موضع المضمر) للإشعار بعلية إيجاب الطاعة لله ويدل عديه السياق وهو قوله (وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) وكان مقتضى الظاهر: ومن تولى فقد عصى الله في مقابلة قوله (فقد أطاع الله) فوضع ذلك موضعه ليدل على المبالغة. اهـ قوله: (روي عنه ﵊ قال: من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله. فقال المنافقون: لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه ما يريد إلا نتخذه ربًّا كما اتخذت النصارى عيسى. فنزلت). قال الشيخ ولي الدين: لم أقف عليه كذا. اهـ قوله: (أي زورت). قال الطَّيبي والشيخ سعد الدين: ضبط بتقديم الزاي على الراء أي: حسنت وهيأت وأصلحت، وبتقديم الراء على الزاي يقال: روزت في نفسي كلاماً ثم قلته، أي: دبرت. قال الطَّيبي: وقد خُطِّئ من قدم الزاي وليس بخطأ، ففي الفائق في حرف الزاي: عن ابن زيد: كلام مزور أي: محسن، وقيل: مهيأ مقوي، وفي النهاية في باب

стр. 1104

الزاي نحوه. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: كلا اللفظين مما أثبته الثقات. اهـ قوله: (خلاف ما قلت لها أو ما قالت). قال الشيخ سعد الدين: يعني أن (تقول) يحتمل أن يكون للخطاب والعدول إلى المضارع لقصد الاستمرار والاستحضار، وأن يكون للغيبة مسنداً إلى ضمير (طائفة) وعلى تقدير العائد إلى الموصول محذوف. اهـ قوله: (ورأي كبار الصحابة). قال الطَّيبي: أي المجتهدون منهم. اهـ قوله: (أو الأمن). قال الطَّيبي: الوجهان مبنيان على تفسير قوله تعالى (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). اهـ قوله: (وأصل الاستنباط: إخراج النبط وهو الماء يخرج من البئر أول ما يحفر). قال الراغب: الاستنباط: إخراج الشيء من أصله، كاستنباط الماء من البئر والجوهر من المعدن وذلك كالإثارة، وفي إخراج التراب، واستعير للحديث. اهـ قوله: (وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بإرسال الرسل وإنزال الكتب ... ) إلى آخره. [مبني على أن الاستثناء من الجملة الأخيرة لا من قوله (أَذَاعُوا بِهِ) ولا من قوله (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ثم فسر القليل بمن تحنث قبل البعثة واقتصر في تفصيل الفضل والرحمة على إرسال الرسول وإنزال الكتب]، وحذف قول الكشاف (والتوفيق) هو توفيق اندفع به ما أورد على الكشاف من اقتضائه أنَّ القليل المستثنى حصل له ترك اتباع لا بفضل الله، ومعاذ الله منه بحيث قال الطَّيبي: إنَّ كلام الكشاف لا يمكن تصحيحه لتقييده بالتوفيق.

стр. 1105

قال الإمام: ظاهر هذا الاستثناء يوهم أنَّ ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته، ومعلوم أنَّ ذلك محال، فعند ذلك اختلف المفسرون فقيل: الاستثناء راجع إلى قوله (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل. قال الفراء والمبرد: والقول الأول أولى؛ لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله. وقيل: الاستثناء متعلق بقوله (وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُم)؛ لأن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى، وهذا القول لا يتمشى إلا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص وفيه وجهان: الأول: وهو قول جماعة من المفسرين أنَّ المراد بفضل الله ورحمته: إنزال القرآن وبعثة النبي ﷺ ، المعنى: لولا بعثة الرسول وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله إلا القليل منكم فإنهم ما تبعوا الشيطان وما كفروا مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل. والثاني: ما ذكره أبو مسلم أنَّ المراد بفضل الله ورحمته: النصرة والمعونة، المعنى: لولا حصول النصرة والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدِّين إلا القليل وهم أهل البصائر النافذة والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كون الدين حقاً حصول الدولة في الدنيا أو باطلاً الإنكار والانهزام، بل مدار الأمر في كونه حقاً أو باطلاً على الدليل، وهذا أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق. انتهى كلام الإمام. قال الطَّيبي: ويشهد للقول الأول من هذين القولين قوله تعالى (من يُطِع الرسُولَ) وقوله (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)، وللقول الثاني (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) وبعده (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ). اهـ قوله: ((لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ) لا يكلف الله إلا فعل نفسك). قال الراغب: إن قيل كيف قال (لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ) وقد بعث لتكليف الناس؟

стр. 1106

قيل: لم يعن بالتكليف استدعاء الذي رشح له بل التحريض وحث الناس على الخروج معه ألا ترى أنه قال (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ). اهـ قال الطَّيبي: وهذه الآية تقتضي أنََّ على الإنسان أن لا ينيَ في نصرة الحق وإن تفرد، وقال بعض العارفين: من طلب رفيقاً في سلوك طريق الحق فلقلة يقينه وسوء معرفته، فالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يعرج على رفيق ولا يبالي بطول الطريق، قال: ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر. اهـ قوله: (روي أنه ﵊ دعا الناس إلى بدر الصغرى إلى الخروج فكرهه بعضهم فنزلت فخرج وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد). أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. قوله: (وقرئ (لا تكلف) على الجزم). قال أبو حيان: اللام للأمر. اهـ قوله: (قال ﵊: من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك: ولك مثل ذلك). أخرجه مسلم من حديث أبي الدرداء بلفظ: إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة: آمين ولك مثل ذلك، وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب بلفظ: دعوة المرء المسلم مستجابة لأخيه بظهر الغيب عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال: آمين ولك بمثله، وأخرج أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو قال:

стр. 1107

قال رسول الله ﷺ : (أسرع الدعاء) دعوة غائب لغائب. قال الطَّيبي: الظهر قد يراد في مثل هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً. اهـ قوله: (وذي ضغن كففت الضغن عنه ... وكنت على مساءته مقيتا). أخرج أبو بكر الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس أنَّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا)؟ قال: قادراً مقتدرا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أحيحة ابن الأنصاري: وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا. قال الطَّيبي: الضغن: الحقد، يقول رب ذي ضغن علي كففت السوء عنه مع القدرة. اهـ قوله: (واشتقاقه من القوت). قال الزجاج وزاد: يقال: قُتُّ الرجلَ أقوته قوتاً إذا حفظت نفسه بما يقوته، والقوت اسم لذلك الشىء الذي تحفظ به النفس. اهـ قوله: (روي أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : السلام ... ) الحديث. أخرجه أحمد في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير وابن مردويه من حديث سلمان الفارسي. قوله: (وهذا الوجوب على الكفاية وحيث السلام مشروع فلا يُرَدُّ في الخطبة وقراءة القرآن وفى الحمام وعند قضاء الحاجة ونحوها). قلت: أصح الأوجه وجوب الرد حالة الخطبة، والثاني: استحبابه، والثالث: جوازه.

стр. 1108

وأما القارئ فنقل النووي في الروضة عن أبي الحسن الواحدي من أصحابنا أنَّ الأولى ترك السلام عليه، وأنه إن سلم كفاه الرد بالإشارة، ثم قال النووي: وفيما قاله نظر، والظاهر أنه يسلم عليه ويجب الرد باللفظ. اهـ وقول المصنف (ونحوها) كالأكل والمصلي وحال الأذان والإقامة والجماع. قوله: (وذلك أن أناساً منهم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو ... ) إلى آخره. أخرجه أحمد من حديث عبد الرحمن بن عوف، واجتوو المدينة أي: استوخموها. قوله: (وقيل: نزلت فى المتخلفين يوم أُحد). أخرجه الشيخان من حديث زيد بن ثابت. قوله: (أو فى قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة). أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس. قوله: (وأصل النكس: رد الشيء مقلوباً). قال الراغب: الركس والنكس: الرد، والنكس أبلغ، لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه، والركس: ما جعل ظرفاً بعد ما كان طعاماً؛ فهو كالرجس، يقال: ركسه وأركسه، وأركس أبلغ كما في أسقاه. اهـ قوله: (لو نصب على جواب التمنى لجاز). قال أبو حيان: كون التمني بلفظ الفعل يكون له جواب فيه نظر، وإنما المنقول أنَّ الفعل ينتصب في جواب التمني إذا كان بالحرف نحو (ليت)، و (لو) و (ألا) إذا أشربتا معنى التمني، أما إذا كان بالفعل فيحتاج إلى سماع من العرب، بل لو جاء لم يتحقق فيه الجوابية لأن (ودّ) التي تدل على التمني إنما متعلقها المصادر لا الذوات، فإذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعين أن تكون (فاء) جواب لاحتمال أن يكون من

стр. 1109

باب عطف المصدر المقدر على المصدر المنوي. اهـ وقال الحلبي: لم يرد الزمخشري بالتمني المفهوم من (ودوا) بل المفهوم من (لو) فظهر من غير توقف. اهـ قوله: (فلا توالوهم حتى يؤمنوا) . قال الطَّيبي: جعل (حتى) غاية للمقدر وهو الإيمان، لأنَّ الهجرة غير نافعة بدونه. اهـ قوله: (جانبوهم رأساً). ْقال الطَّيبي: بيان لمعنى الاستمرار وذلك من تكرير قوله (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا). اهـ قوله: (استثناء من قوله (فخذوهم)) قال الطَّيبي: أي من الضمير في (خذوهم) لا من الضمير في (وَلا تَتخِذُوا) وإن كان الأقرب لأن الاتخاذ لولي منهم حرام. اهـ قوله: (فإنه ﵊ وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر ... ) الحديث. أخرجه ابن أبي حاتم من مرسل الحسن نحوه. قوله: (والأول أظهر لقوله (فإن اعتزلوكم)). قال الطَّيبي: يعني مجيء قوله (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) بعد قوله (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ) يشعر بأن السبب في المنع من التعرض لهم شيئان: أحدهما: اتصالهم بقوم معاهدين، وثانيهما: كفهم عن القتال بسبب إظهار أن قلوبهم تنقبض عن مقاتلتكم فيكون قوله (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) مقرر للمسبب الثاني، يعني:

стр. 1110

إن جاءوكم يريدون الإمساك عن القتال لا لكم ولا عليكم فإن تموا على هذا بأن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم فلا تتعرضوا لهم ألبتَّة، وإذا عطف على الصفة يبقى سبب عدم التعرض واحداً وهو أن يصلوا إلى قوم معاهدين أو إلى قوم كافين فلا يكون قوله (وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) مقرراً لقوله (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ) لأنَّ ذلك وصف لقوم آخرين غير من ترتب عليه قوله (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) لأنه مترتب على قوله (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ). اهـ ولخصه الشيخ سعد الدين فقال: لأنَّ الاستثناء يشعر بأنَّ سبب ترك التعرض لهم أمران: أحدهما: الاتصال بالمعاهدين، والآخر: الاتصال بالكافين عن القتال إن كان العطف على الصفة، ونفس الكف عن القتال إن كان العطف على الصلة، وقوله (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ... ) إلى آخره يشعر بأنه الكف لأنَّ معناه: إن كفوا عن قتالكم فلا سبيل لكم عليهم، فينبغي أن يحمل الاستثناء على وجه يفيد ذلك أي: اقتلوهم إلا الذين اتصلوا بالمعاهدين أو الذين كفوا عن قتالكم ليكون هذا تقريراً له وذلك في العطف على الصلة، إذ معنى العطف على الصفة: اقتلوهم إلا الذين اتصلوا بالمعاهدين أو الكافين. اهـ وقال أبو حيان: إنما كان الأول أظهر لأنَّ المستثنى محدث عنه محكوم له بخلاف حكم المستثنى منه وإذا عطف على الصلة كان محدثاً عنه، وإذا عطف على الصفة لم يكن محدثاً عنه إنما تقييداً في (قوم) الذين هم قيد في الصلة المحدث عن صاحبها ومتى دار الأمر بين أن يكون النسبة إسنادية في المعنى وبين أن تكون تقييدية فإن حملها على الإسنادية أولى للاستقبال الحاصل بها دون التقييدية، هذا من جهة الصناعة النحوية، وأما من حيث ما يترتب على كل واحد من العطفين (فإنه يكون تركهم القتال سبباً لترك التعرض لهم؛ وهو سبب قريب على العطف على الصلة، ووصولهم إلى قوم كافين عن القتال هو سبب ترك التعرض لهم؛ وهو سبب بعيد وذلك على العطف على الصفة)

стр. 1111

ومراعاة السبب القريب أولى من مراعاة السبب البعيد. اهـ قوله: (أوبيان لـ (يصلون)). ضعفه أبو حيان بأنَّ البيان لا يكون في الأفعال، وزاد في الكشاف (أو بدل)؛ وضعفه أبو حيان أيضاً بأنه ليس إياه ولا بعضه ولا مشتملاً عليه. قال الحلبي: ويحتاج الجواب عنه إلى تأمل ونظر. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: لما كان الانتهاء إلى المعاهدين والاتصال بهم حاصله الكف عنِ قتال المسلمين فصح أن يجعل مجيئهم إلى المسلمين بهذه الصفة وعلى هذه العزيمة بياناً لاتصالهم بالمعاهدين أو بدلاً منه كلاً أو بعضاً أو اشتمالاً على ما قبل. اهـ قوله: (أو استئنافاً). قال الشيخ سعد الدين: على أنه جواب كيف وصلوا إلى المعاهدين ومن أين علم ذلك. اهـ قوله: (أو بيان لـ (جاءوكم)). قال الطَّيبي: وذلك أن مجيئهم غير مقاتلين وحصرت صدورهم أن يقاتلوكم في معنى واحد. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: من جهة أنَّ المراد بالمجيء الاتصال وترك المعاندة والمقاتلة لا حقيقة المجيء، ومن جهة أنه بيان لكيفية المجيء. اهـ ولم يحك أبو حيان هذا الوجه، كأنه لما تقدم من أن البيان لا يكون في الأفعال وحكى بدله أنه بدل اشتمال لأن المجيء مشتمل على الحصر وغيره. قوله: (أي: جاءوكم قوماً حصرت صدورهم). قال الطَّيبي: فعلى هذا (قوماً) حال موطئة كقوله تعالى (قرآناً عربياً). اهـ

стр. 1112

قوله: (بنو مدلج). بضم الميم قبيلة من كنانة. قوله: (أقبح قلب). قال الشيخ سعد الدين: لأنَّ معنى أركسه: قلبه على رأسه. اهـ قوله: (نزلت في عياش ابن أبي ربيعة ... ) إلى آخره. أخرجه ابن جرير عن عكرمة. قوله: (لقول الضحاك بن سفيان الكلابي: كتب إليَّ رسول الله ﷺ يأمرني أن أورث امرأة أشْيم الضبابى من عقل زوجها). أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وأشْيم: بشين معجمة ساكنة ثم تحتية، والضبابي: بضاد معجمة وموحدتين بينهما ألف، ووقع في بعض نسخ البيضاوي (الغساني) وهو تحريف، وكذا وقع الضحاك بن أبي سفيان وهي زيادة وهم إنما هو ابن سفيان. قوله: (وعن النبي ﷺ : كل معروف صدقة). أخرجه البخاري من حديث جابر، ومسلم من حديث حذيفة. قوله: (فهو في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو الظرف). قال أبو حيان: كلا التخريجين خطأ لأن (أن) والفعل لا يجوز وقوعهما حالاً ولا منصوباً على الظرف، نصوا عليه، فالصواب أنه في محل نصب على الاستثناء المنقطع. اهـ وقال السفاقسي: قدره ابن مالك: إلا بأن يصدقوا، فعلى هذا يكون متصلاً وليس

стр. 1113

فيه إلا حذف حرف جر داخل على (أن) وهو مطرد، بخلاف الوجهين اللذين ادعاهما الزمخشري وذكر أن بعضهم استشهد على وقوع (أن) وصلتها موقع ظرف الزمان بقوله: فقلت لها لا تنكحيه فإنه ... لأول سهم أن يلاقي مجمعا أي: لأول سهم زمان ملاقاته، وقدره بأن يلاقى كما قدر في الآية. اهـ قوله: (قال ابن عباس: لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمدًا). أخرجه البخاري. قوله: (و لعله أراد به التشديد إذ روي عنه خلافه). أخرجه سعيد بن منصور والبيهقى في السنن من طريق كردم عن عباس أن رجلاً أتاه فقال: ملأت حوضي انتظر بهيمتي ترد علي فلم استيقظ إلا برجل قد أشرع ناقته وثلم الحوض وسال الماء، فقمت فزعاً فضربته بالسيف. فقال: ليس هذا مثل الذي قال، فأمره بالتوبة. وقال سعيد بن منصور حدثنا سفيان بن عيينة قال: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة، فإذا ابتلى رجل قالوا له: تب. قوله: (والجمهور أنه مخصوص ممن لم يتب ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: الذي يمكن أن يقال والعلم عند الله أنَّ الذي يقتضيه نظم الآيات أنَّ الآية من أسلوب التغليظ كقوله تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) فإنه قال (وَمَنْ كَفَرَ) أي: لم يحج، تغليظاً وتشديداً على تاركه، وقوله ﷺ للمقداد: لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال. وبيانه أن قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا) دل على أنَّ قتل المؤمن ليس

стр. 1114

من شأن المؤمن ولا يستقيم منه ولا يصح له ذلك، فإنه إن فعل خرج عن أن يقال إنه مؤمن، ثم استثنى من هذا المقام قتل الخطأ تأكيداً ومبالغة؛ أي: لا يصح ولا يستقيم إلا في هذه الحالة، وهذه الحالة منافية لقتل العمد، فإذاً لا يصح منه قتل العمد ألبتَّة، ثم ذيل هذه المبالغة تغليظاً وتشديداً بقوله (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) الآية، يعني كيف يستقيم من المؤمن قتل المؤمن عمداً فإنه من شأن الكفار الذين جزاؤهم الخلود في النار وحصول غضب الله ولعنته عليهم، وقد ذكر الزمخشري هذا المعنى في قوله تعالى (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) إلى قوله (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤمِنينَ) وفى قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ) إلى قوله (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) قال: جعل ترك الزكاة من صفات الكفار أي الكافرون هم الذين يتركون الزكاة، فعلى المؤمن ألا يتصف بصفتهم، وكتابه مشحون من هذا الأسلوب، فإذا لا مدخل لذكر التوبة وتركها في الآية، ولا يفتقر لإخراج المؤمن من النار إلى دليل كما قال، ولا إلى تخصيص العام كما ذهب إليه الإمام، ولا إلى تفسير الخلود بالمكث الطويل كما قال القاضي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. اهـ وحديث نزول الآية في مقيس بن ضبابة أخرجه ابن جرير عن عكرمة مرسلاً، لكن روى أبو داود في ناسخه عن عكرمة قال: كل شيء أقول لكم في التفسير فهو عن ابن عباس. فعلى هذا يكون متصلاً. قوله: (روي أن سرية لرسول الله ﷺ غزت أهل فدك ... ). أخرجه الثعلبي عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن جابر. قوله: (وقيل نزلت في المقداد ... ) إلى آخره. أخرجه البزار من حديث ابن عباس. قوله: (بالرفع صفة للقاعدين لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم). قال الطَّيبي: يعني هو مثل قولهم: ولقد أمر على اللئيم يسبني. اهـ

стр. 1115

قال الزجاج: (غير) صفة القاعدين وإن كان أصلها أن تكون صفة للنكرة، المعنى: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر -أي الأصحاء- والمجاهدون وإن كانوا كلهم مؤمنين، والرفع أيضاً يجوز على الاستثناء أي: لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر فإنَّهُم يساوون المجاهدين لأنَّ الذي أقعدهم عن الجهاد الضرر. اهـ وتبعه الواحدي في هذا الوجه. قوله: (بالنصب على الحال). قال الزجاج: المعنى: لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون، كما تقول: جاء زيد غير مريض، أي: صحيحاً. اهـ قوله: (وعن زيد بن ثابت أنها نزلت ولم يكن فيها (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ... ) الحديث. أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. قوله: (أن ترضها). أي: تدقها وتكسرها. قوله: (سري عنه). أي كشف ما به من برحاء الوحي. قوله: (جملة موضحة لما نفى الاستواء فيه والقاعدون على التقييد السابق). قال الطَّيبي: أي من أنَّ المراد به (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)، وذلك لأنَّ المراد أنه وما عطف عليه من دوله (فَضَّلَ اللهُ) الثاني كلاهما بيان وإيضاح للجملة الأولى وهو قوله (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ) ولا بد من التطابق بين البيان والمبين، وفي المبين ذكر (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) فالواجب أن يقدر ما يوافقه. اهـ

стр. 1116

قوله: (و (أَجْرًا) على الحال منها، تقدمت عليها لأنها نكرة). قال أبو حيان: هذا لا يظهر لأنه لو تأخر عن (دَرَجَاتٍ) لم يجز أن يكون نعتاً لها لعدم المطابقة لأن (دَرَجَاتٍ) جمع و (أَجْرًا) مفرد. اهـ وقال الحلبي: هذه غفلة من أبي حيان فإن (أَجْرًا) مصدر والأفصح فيه أن يُوحد ويُذكر مطلقاً. اهـ قوله: (الأضراء). جمع ضرير. قوله: (وعليه قوله عليه لصلاة والسلام: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر). سيأتي. قوله: (يحتمل الماضي والمضارع). قال الزجاج: على الأول ذُكِّر الفعل لأنه فعل بهم، وعلى الثاني حذفت التاء الثانية لاجتماع التاءين. اهـ قال الطَّيبي: وإذا حمل على المضارع يكون من باب حكاية الحال الماضية ولذلك أوقع (قالوا) خبر لإنّ. اهـ قوله: (نزلت في ناس من مكة أسلموا بها ولم يهاجروا). أخرجه الطبراني عن ابن عباس. قوله: (وعن النبي ﷺ : من فرَّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرًا من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيق خليل الله إبراهيم ونبيه ﵊. أخرجه الثعلبي من حديث الحسن مرسلاً. قال الطَّيبي: استوجبت قيل معناه: وجبت، وحقيقته: طلبت له الجنة الوجوب،

стр. 1117

ويروي اُستوجبت مجهولاً. اهـ قوله: (صفة للمستضعفين إذ لا توقيت فيه). قال أبو حيان: هذا تخريج ذهب إلى مثله بعض النحويين في قوله تعالى (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ)، وهو هدم القاعدة المشهورة أنَّ النكرة لا تنعت إلا بالنكرة، والمعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة، والذي يظهر أنَّها جملة مفسرة لقوله (الْمُسْتَضْعَفِينَ) لأنه في معنى إلا الذين استضعفوا فجاء بياناً وتفسيراً لذلك. اهـ قوله: (وقرئ (يُدركُه) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: ثم هو يدركُه). قال ابن المنير: في هذا عطف الجملة الإسمية على الفعلية والأولى خلافه مهما وجد إليه سبيل. اهـ زاد الكشاف: وقيل رفع الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف على حد قوله: عجبت والدهر كثير عجبه ... من عَنَزِي سبني لم أضربه. اهـ وفي هذا تخريج ابن جني. قال ابن المنير: وإجراء الوصل مجرى الوقف شاذ مع أن الأفصح في الوقف أن لا ينقل فزاده شذوذاً. قال: وعندي أنه من فروع العطف على ما يقع موقع (من) مما يكون الفعل الأول معه مرفوعاً كأنه قال: والذي يخرج من بيته مهاجراً ثم يدركه، وقد ذكره

стр. 1118

الزمخشري عند قوله (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) فيمن قرأ بالرفع وهو هنا أقرب منه. اهـ قوله: (وبالنصب على إضمار (أن) كقوله: سأترك منزلي ببني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا) قال ابن جني: والآية على كل حال أقوى من البيت لتقدم الشرط قبل المعطوف، وقيل: هو مثل أكرمني وأكرمك أي: ليكن منك إكرام ومني، المعنى: من يكن له خروج من بيته وإدراكه الموت، والتقدير في البيت: سيكون ترك وإلحاق، وقيل: نصب (وألحق) ضعيف لأنه ليس في جواب الأشياء الستة، وأجيب أن الفعل المضارع كالتمني والترجي. اهـ والبيت المذكور أنشده سيبويه ولم يسم قائله، وعزاه غيره إلى المغيرة بن حنين الحنظلي هـ (وقال الأعلم في شرح شواهده: يروي: وألحق بالحجاز لأستريحا، وعلى هذا لا ضرورة فيه. اهـ قوله: (والآية نزلت في ضمرة ... ) إلى آخره. أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير نحوه، وقد اختلف في اسمه فقيل ضمرة بن جندب، وقيل جندب بن ضمرة وصححه صاحب الاستيعاب. قوله: (اللهم هذه لك ... ).

стр. 1119

قال الشيخ سعد الدين: الظاهر أنَّ هذه الإشارة إلى اليمين وهذه إلى الشمال لا على قصد إسناد الجارحة إلى الله تعالى على سبيل التصوير وتمثيل مبايعته الله على الإيمان والطاعة بمبايعة رسول الله ﷺ إياه، وقيل إشارة إلى البيعة والصفقة والمعنى: أن بيعته كبيعة رسول الله لا كبيعة الناس. اهـ قوله: (ويؤيده أن ﵊ أتم في السفر). أخرجه الشافعي في الأم، وابن أبي شيبة والبزار والدارقطني عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقصر في السفر ويتم. قوله: (وأن عائشة اعتمرت ... ) الحديث. أخرجه النسائي والدارقطني وحسنه، والبيهقي وصححه. قوله: (لقول عمر: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم). أخرجه النسائي وابن ماجة. قوله: (ولقول عائشة: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ... ) الحديث. أخرجه الشيخان. قوله: (تعلق بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة الرسول). قال الشيخ سعد الدين: قيل هو أبو يوسف ولم نجد ذلك في كتب الفقه والخلافيات. اهـ قلت: هو موجود فيها، قال النووي في شرح المهذب: قال الشيخ أبو حامد:

стр. 1120

وسائر أصحابنا قالوا بمشروعية صلاة الخوف واستمرارها إلى آخر الزمان والأمة بأسرها إلا أبا يوسف والمزني، فقال أبو يوسف: كانت مختصة بالنبي ﷺ ومن يصلي معه وذهبت بوفاته، وقال المزني: كانت ثم نُسخت في زمن النبي ﷺ . اهـ قوله: (كما فعله ﵊ ببطن نخل). أخرجه الشيخان من حديث جابر. قوله: (كما فعله رسول الله ﷺ بذات الرقاع). أخرجه الشيخان. قوله: (جعل الحذر آلة ... ) إلى آخره. جواب سؤال مقدر تقديره أن الحذر مجاز وأخذ الأسلحة حقيقة فلا يجوز جمعها في لفظ واحد؟ وتقرير الجواب: أنه حقيقة إذ لم يتعلق بالحذر إلا بعد جعله بمنزلة الآلة استعارة بالكناية. قاله الشيخ سعد الدين. قوله: (أديتم وفرغتم منها). قال الأزهري: القضاء على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عمله وختم وأدي وأوجب وأعلم وأنفذ وأمضى فقد قضى. اهـ قال الطَّيبي: فالقضاء موضوع للقدر المشترك بين هذه المفهومات وهو انقطاع الشيء في النهاية. اهـ والآية نزلت في بدر الصغرى قوله: (نزلت فى طعمة بن أبيرق ... ) الحديث. أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأصله عند الترمذي والحاكم من حديث قتادة بن النعمان

стр. 1121

بمعناه. قال الطَّيبي: طعمة بفتح الطاء عن الصاغاني، وروي بكسرها. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: هو بكسر الطاء وفتحها. اهـ قوله: (بما عرفك الله) . قال الطَّيبي: يعني بما أراك الله من الرأي الذي هو الاعتقاد. اهـ قوله: (لأجلهم). قال الشيخ سعد الدين: يعني أن اللام ليست صلة (خَصِيمًا). اهـ قوله: (للبرآء). قال الشيخ سعد الدين: يروي بالضم كالهزاء إلا أن المراد به اليهودي، لكن الأصح الفتح على أن المراد به الجمع، ويجوز برآء على صيغة الجمع ككرماء. اهـ قوله: (روي أن طعمة هرب إلى مكة فارتدَّ، ونقب حائطاً بها ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله). أخرجه الطبراني في معجمه من حديث قتادة بن النعمان نحوه. قوله: (ووحد الضمير لمكان (أو)). قال أبو البقاء: الهاء في (يَرْمِ بِهِ) تعود على الإثم، وفي عودها عليه دليل على أن الخطيئة في حكم الإثم، وقيل تعود على أحد الشيئين المدلول عليه [بـ (أو)، وقيل تعود على الكسب المدلول عليه] بقوله (وَمَنْ يَكْسِبْ). اهـ قوله: (بسبب رمى البريء وتنزيه النفس الخاطئة).

стр. 1122

قال الطيبي: إشارة إلى أن في لفظ التنزيل لف ونشر من غير ترتيب، والأسلوب من باب تكرير الشرط والجزاء نحو: من أدرك الصمان فقد أدرك، فينبغي أن يحمل التنكير في (بُهْتَانًا وَإِثْمًا) على التهويل والتفخيم، وفي (ثم) الدلالة على بُعد مرتبة البهتان من ارتكاب الإثم نفسه. اهـ قوله: (وليس القصد فيه إلى نفي همِّهِم بل إلى نفي التأثير فيه). قال الراغب: إن قيل قد كانوا هموا بذلك فكيف قال (وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ)؟ قيل: في ذلك جوابان: أحدهما: أن القوم كانوا مسلمين ولم يهموا بإضلال النبي ﷺ وكان ذلك عندهم صواباً، والثاني: أن القصد إلى نفي تأثير ما هموا به كقوله: فلان شتمك وأهانك لولا أن تداركت، تنبيهاً على أنَّ أثر فعله لم يظهر. اهـ قوله: (من متناجيهم) . قال أبو البقاء: يجوز أن يراد بالنجوى القوم الذين يتناجون، ومنه قوله (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى)، فالاستثناء متصل إما خبرًا بدلاً من (نَجْوَاهُمْ)، وإما نصباً على أصل الاستثناء. اهـ وكذا قال الراغب. قوله: (أو من تناجيهم). أي الحديث، وعلى هذا يفرع ما ذكره المصنف من الإعراب. قوله: (أو على الانقطاع). قال الطَّيبي: أي على الاستثناء المنقطع. اهـ قوله: (الأعمال بالنيات). متفق عليه من حديث عمر.

стр. 1123

قوله: (والآية تدل على حرمة مخالفة الإجماع) . قال الطَّيبي: نقل عن الإمام الشافعي ﵁ أنه سئل عن آية من كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة (١) مرة حتى وجد هذه الآية. اهـ قلت: قال الحاكم في مناقب الشافعي: أخبرني الزبير بن عبد الواحد الأسد آبادي قال سمعت أبا سعيد محمد بن عقيل الفاريابي يقول: قال المزني أو الربيع: كنا يوماً عند الشافعي بين الظهر والعصر قد استند إلى إسطوانة إذ جاء شيخ عليه جبة صوف وإزار صوف وفي يده عكازة فقام الشافعي وسوى عليه ثيابه واستوى جالساً وسلم الشيخ وجلس وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ هيبة إذ قال الشيخ: أسأل؟ قال: سل. قال: ايش الحجة في دين الله؟ قال الشافعي: كتاب الله. قال: وماذا؟ قال: وسنة رسول الله ﷺ . قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: من أين قلت اتفاق الأمة؟ قال: في كتاب الله. قال: ومن أين كتاب الله؟ قال: فتدبر الشافعي ساعة، فقال للشافعي: قد أجلتك ثلاثة أيام ولياليهن فإن جئت بحجة من كتاب الله في الاتفاق وإلا تب إلى الله تعالى. فتغير لون الشافعي، ثم ذهب فلم يخرج ثلاثة أيام ولياليهن، فخرج إلينا في اليوم الثالث في ذلك الوقت يعني بين الظهر والعصر قد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام، فجلس فلم يكن بأسرع أن جاء الشيخ فسلم وجلس وقال: حاجتي؟ فقال الشافعي: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) لا يصليه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرض. قال: صدقت، وقام وذهب. قال الفاريابي: قال المزني أو الربيع قال الشافعي: لما ذهب الرجل قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه. قال الراغب: لا حجة في الآية على ثبوت الإجماع، لأن المراد بقوله (سَبِيلِ

стр. 1124

الْمُؤْمِنِينَ) الإيمان لا سواه، فكل موصوف بوصف علق به نحو أن يقال: اسلك سبيل الصائمين والمصلين يعني بذلك الحث على الاقتداء بهم في الصلاة والصيام لا في فعل آخر، فكذا إذا قيل سبيل المؤمنين يعني سبيلهم في الإيمان لا غيره. اهـ وأجاب الطَّيبي بأنَّ المراد من (سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) الجامعين لكل فضيلة ومنقبة لأن ذكره هنا للمدح للعلة وكونهم متبعين مقتدين تعريضاً بدليل قوله (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)، ويعضده قضية النظم وذلك أنَّ الطائفة التي جادلت عن طعمة هموا بأن نزلوا رسول الله ﷺ عن طريق العدل وليس ما فعلوا بمتابعة لسبيل المؤمنين فإن سبيلهم التجانب عما يضاد الحق والعدل فعلى هذا قوله (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) كالتذييل لقصة طعمة وقومه فيدخل في هذا المقام كل ما فيه مشاقة الرسول ﷺ ومخالفة سبيل المؤمنين بأي وجه كان. ثم قال الطَّيبي: فإن قيل إن المعطوف عليه مقيد بتبين الهدى فلزم في المعطوف ذلك فإذن لم يكن في المعطوف فائدة لأن الهدى عام بجميع الهداية ومنها دليل الإجماع وإذا حصل الدليل لم يكن للمدلول فائدة؟ أجيب: بأن المراد بالهدى الدليل على التوحيد والنبوة فالمعنى مخالفة المؤمنين بعد دليل التوحيد والنبوة حرام فيكون الإجماع مفيداً في الفروع بعد تبين الأصول. اهـ قوله: (لأنه تعالى رتب الوعيد ... ) إلى آخره. أوضحه الطَّيبي بقوله: فإن قيل الوعيد مترتب على الكل كقولك: إن دخلتِ الدار وكلمتِ زيداً فأنتِ طالق. أجيب: إن الوعيد مترتب على كل واحد من المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين لأن المشاقة وحدها كافية في اقتضاء الوعيد فيكون ذكر اتباع غير سبيل المؤمنين لغو. اهـ قوله: (وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرماً ... ) إلى آخره. أوضحه الطَّيبي بقوله: فإن قيل: لا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين لأنه لا يمتنع أن لا يتبع سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين. فالجواب: أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير فإذا كان من شأن غير المؤمنين

стр. 1125

أن لا يقتدوا في أفعالهم بالمؤمنين فكل من لم يتبع من المؤمنين سبيل المؤمنين فقد أتى بفعل غير المؤمنين واقتفى أثرهم فوجب أن يكون متبعاً لهم. اهـ قوله: (كرره للتأكيد). يعني بعد ذكره في أوائل السورة. قوله: (أو لقصة طعمة). قال الطَّيبي: ليكون كالتكميل بذكر الوعد بعد الوعيد. اهـ وأقول من أساليب القرآن أنَّ كل سورة من طواله وأوساطه يذكر في أولها أو في صدرها آية أو جملة ثم تعاد بعينها في آخرها أو قريباً من أواخرها، وهذه من ذلك، وقد أفردت في ذلك تأليفاً سميته (مراصد المطالع في تناسب المطالع والمقاطع)، ومن أمثلة ذلك قوله في أوائل آل عمران (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) بعد قوله (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) إلى قوله (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وقال في آخرها (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) بعد قوله (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ)، وقال في أول (ص) (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) وفي آخرها (إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)، وفي أول (ن) (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)) وفي آخرها [(وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)، ومن دقيقه قوله تعالى في أول المؤمنين (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) وفي آخرها] (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)، وبحار أساليب القرآن زاخرة، وأنوار أعاجيبه باهرة، فسبحان منزله جل وعلا وصلى الله على سيدنا محمد المنزل عليه صلوات متتابعات على الولا.
следующие страницы →