بمعناه.
قال الطَّيبي: طعمة بفتح الطاء عن الصاغاني، وروي بكسرها. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: هو بكسر الطاء وفتحها. اهـ
قوله: (بما عرفك الله) .
قال الطَّيبي: يعني بما أراك الله من الرأي الذي هو الاعتقاد. اهـ
قوله: (لأجلهم).
قال الشيخ سعد الدين: يعني أن اللام ليست صلة (خَصِيمًا). اهـ
قوله: (للبرآء).
قال الشيخ سعد الدين: يروي بالضم كالهزاء إلا أن المراد به اليهودي، لكن الأصح الفتح على أن المراد به الجمع، ويجوز برآء على صيغة الجمع ككرماء. اهـ
قوله: (روي أن طعمة هرب إلى مكة فارتدَّ، ونقب حائطاً بها ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله).
أخرجه الطبراني في معجمه من حديث قتادة بن النعمان نحوه.
قوله: (ووحد الضمير لمكان (أو)).
قال أبو البقاء: الهاء في (يَرْمِ بِهِ) تعود على الإثم، وفي عودها عليه دليل على أن الخطيئة في حكم الإثم، وقيل تعود على أحد الشيئين المدلول عليه [بـ (أو)، وقيل تعود على الكسب المدلول عليه] بقوله (وَمَنْ يَكْسِبْ). اهـ
قوله: (بسبب رمى البريء وتنزيه النفس الخاطئة).
стр. 1122
قال الطيبي: إشارة إلى أن في لفظ التنزيل لف ونشر من غير ترتيب، والأسلوب من باب تكرير الشرط والجزاء نحو: من أدرك الصمان فقد أدرك، فينبغي أن يحمل التنكير في (بُهْتَانًا وَإِثْمًا) على التهويل والتفخيم، وفي (ثم) الدلالة على بُعد مرتبة البهتان من ارتكاب الإثم نفسه. اهـ
قوله: (وليس القصد فيه إلى نفي همِّهِم بل إلى نفي التأثير فيه).
قال الراغب: إن قيل قد كانوا هموا بذلك فكيف قال (وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ)؟ قيل: في ذلك جوابان: أحدهما: أن القوم كانوا مسلمين ولم يهموا بإضلال النبي ﷺ وكان ذلك عندهم صواباً، والثاني: أن القصد إلى نفي تأثير ما هموا به كقوله: فلان شتمك وأهانك لولا أن تداركت، تنبيهاً على أنَّ أثر فعله لم يظهر. اهـ
قوله: (من متناجيهم) .
قال أبو البقاء: يجوز أن يراد بالنجوى القوم الذين يتناجون، ومنه قوله (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى)، فالاستثناء متصل إما خبرًا بدلاً من (نَجْوَاهُمْ)، وإما نصباً على أصل الاستثناء. اهـ
وكذا قال الراغب.
قوله: (أو من تناجيهم).
أي الحديث، وعلى هذا يفرع ما ذكره المصنف من الإعراب.
قوله: (أو على الانقطاع).
قال الطَّيبي: أي على الاستثناء المنقطع. اهـ
قوله: (الأعمال بالنيات).
متفق عليه من حديث عمر.
стр. 1123
قوله: (والآية تدل على حرمة مخالفة الإجماع) .
قال الطَّيبي: نقل عن الإمام الشافعي ﵁ أنه سئل عن آية من كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة (١) مرة حتى وجد هذه الآية. اهـ
قلت: قال الحاكم في مناقب الشافعي: أخبرني الزبير بن عبد الواحد الأسد آبادي قال سمعت أبا سعيد محمد بن عقيل الفاريابي يقول: قال المزني أو الربيع: كنا يوماً عند الشافعي بين الظهر والعصر قد استند إلى إسطوانة إذ جاء شيخ عليه جبة صوف وإزار صوف وفي يده عكازة فقام الشافعي وسوى عليه ثيابه واستوى جالساً وسلم الشيخ وجلس وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ هيبة إذ قال الشيخ: أسأل؟ قال: سل.
قال: ايش الحجة في دين الله؟ قال الشافعي: كتاب الله.
قال: وماذا؟ قال: وسنة رسول الله ﷺ .
قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة.
قال: من أين قلت اتفاق الأمة؟ قال: في كتاب الله.
قال: ومن أين كتاب الله؟
قال: فتدبر الشافعي ساعة، فقال للشافعي: قد أجلتك ثلاثة أيام ولياليهن فإن جئت بحجة من كتاب الله في الاتفاق وإلا تب إلى الله تعالى.
فتغير لون الشافعي، ثم ذهب فلم يخرج ثلاثة أيام ولياليهن، فخرج إلينا في اليوم الثالث في ذلك الوقت يعني بين الظهر والعصر قد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام، فجلس فلم يكن بأسرع أن جاء الشيخ فسلم وجلس وقال: حاجتي؟ فقال الشافعي: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) لا يصليه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرض.
قال: صدقت، وقام وذهب.
قال الفاريابي: قال المزني أو الربيع قال الشافعي: لما ذهب الرجل قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه.
قال الراغب: لا حجة في الآية على ثبوت الإجماع، لأن المراد بقوله (سَبِيلِ
стр. 1124
الْمُؤْمِنِينَ) الإيمان لا سواه، فكل موصوف بوصف علق به نحو أن يقال: اسلك سبيل الصائمين والمصلين يعني بذلك الحث على الاقتداء بهم في الصلاة والصيام لا في فعل آخر، فكذا إذا قيل سبيل المؤمنين يعني سبيلهم في الإيمان لا غيره. اهـ
وأجاب الطَّيبي بأنَّ المراد من (سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) الجامعين لكل فضيلة ومنقبة لأن ذكره هنا للمدح للعلة وكونهم متبعين مقتدين تعريضاً بدليل قوله (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)، ويعضده قضية النظم وذلك أنَّ الطائفة التي جادلت عن طعمة هموا بأن نزلوا رسول الله ﷺ عن طريق العدل وليس ما فعلوا بمتابعة لسبيل المؤمنين فإن سبيلهم التجانب عما يضاد الحق والعدل فعلى هذا قوله (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) كالتذييل لقصة طعمة وقومه فيدخل في هذا المقام كل ما فيه مشاقة الرسول ﷺ ومخالفة سبيل المؤمنين بأي وجه كان.
ثم قال الطَّيبي: فإن قيل إن المعطوف عليه مقيد بتبين الهدى فلزم في المعطوف ذلك فإذن لم يكن في المعطوف فائدة لأن الهدى عام بجميع الهداية ومنها دليل الإجماع وإذا حصل الدليل لم يكن للمدلول فائدة؟ أجيب: بأن المراد بالهدى الدليل على التوحيد والنبوة فالمعنى مخالفة المؤمنين بعد دليل التوحيد والنبوة حرام فيكون الإجماع مفيداً في الفروع بعد تبين الأصول. اهـ
قوله: (لأنه تعالى رتب الوعيد ... ) إلى آخره.
أوضحه الطَّيبي بقوله: فإن قيل الوعيد مترتب على الكل كقولك: إن دخلتِ الدار وكلمتِ زيداً فأنتِ طالق.
أجيب: إن الوعيد مترتب على كل واحد من المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين لأن المشاقة وحدها كافية في اقتضاء الوعيد فيكون ذكر اتباع غير سبيل المؤمنين لغو. اهـ
قوله: (وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرماً ... ) إلى آخره.
أوضحه الطَّيبي بقوله: فإن قيل: لا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين لأنه لا يمتنع أن لا يتبع سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين.
فالجواب: أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير فإذا كان من شأن غير المؤمنين
стр. 1125
أن لا يقتدوا في أفعالهم بالمؤمنين فكل من لم يتبع من المؤمنين سبيل المؤمنين فقد أتى بفعل غير المؤمنين واقتفى أثرهم فوجب أن يكون متبعاً لهم. اهـ
قوله: (كرره للتأكيد).
يعني بعد ذكره في أوائل السورة.
قوله: (أو لقصة طعمة).
قال الطَّيبي: ليكون كالتكميل بذكر الوعد بعد الوعيد. اهـ
وأقول من أساليب القرآن أنَّ كل سورة من طواله وأوساطه يذكر في أولها أو في صدرها آية أو جملة ثم تعاد بعينها في آخرها أو قريباً من أواخرها، وهذه من ذلك، وقد أفردت في ذلك تأليفاً سميته (مراصد المطالع في تناسب المطالع والمقاطع)، ومن أمثلة ذلك قوله في أوائل آل عمران (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) بعد قوله (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) إلى قوله (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وقال في آخرها (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) بعد قوله (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ)، وقال في أول (ص) (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) وفي آخرها (إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)، وفي أول (ن) (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)) وفي آخرها [(وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)، ومن دقيقه قوله تعالى في أول المؤمنين (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) وفي آخرها] (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)، وبحار أساليب القرآن زاخرة، وأنوار أعاجيبه باهرة، فسبحان منزله جل وعلا وصلى الله على سيدنا محمد المنزل عليه صلوات متتابعات على الولا.
стр. 1126
قوله: (وقيل: جاء شيخ إلى رسول الله ﷺ فقال الشيخ: إني منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه ولياً ولم أوقع المعاصي جرأة على الله وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً وإنى لنادم تائب فما ترى حالي عند الله فنزلت).
أخرجه الثعلبي عن ابن عباس.
قوله: (أنث على أنه جمع أنيث كخبث وخبيث).
زاد أبو البقاء ويجوز أن تكون صفة مفردة مثل: امرأة جنب. اهـ
وقال الزجاج: أُنُث جمع إناث كمثال ومُثل. اهـ
قوله: ((وأثنا) بالتخفيف والتثقيل).
أي بالسكون والضم.
قوله: (وهو جمع وثن).
قال الزجاج: الواو إذا ضمت جاز إبدالها همزة نحو (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ). اهـ
قوله: (جامعاً بين لعنة الله وهذا القول).
قال الطَّيبي: وذلك أن الواو حين دخلت بين الصفتين أفادت مجرد الجمعية دون المغايرة. اهـ
قال أبو البقاء: يجوز أنَّ (لَعَنَهُ اللهُ) مستأنفاً على الدعاء أي: فعل ما يستحق به اللعن من استكبار عن السجود، فعلى هذا (وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ) جملة مستطردة و (لَعَنَهُ اللهُ) معترضة كقولهم للملوك في أثناء الكلام: أبيت اللعن. اهـ
قوله: (من فقىء عين الحامي).
قال الطَّيبي: الفقء: القلع، والحامي: العجل الذي طال مكثه عندهم فإذا لقي ولد
стр. 1127
ولده حمى ظهره فلا يركب ولا يجز وبره ولا يمنع من مرعى. اهـ
قوله: (والوشم).
هو أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحثى بكحل.
والوشر: بالراء أن تحد المرأة أسنانها وترققها.
قوله: (لكن الفقهاء رخصوا فى خصاء البهائم للحاجة).
قال النووي في شرح المهذب: قال البغوي والرافعي: لا يجوز خصاء حيوان لا يؤكل في صغره ولا في كبره. قالا: ويجوز خصاء المأكول في صغره لأنَّ فيه غرضاً وهو طيب لحمه ولا يجوز في كبره.
ووجه قولهما أنه داخل في عموم قوله تعالى إخبار عن الشيطان (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ) مختص منه الختان والوسم ونحوهما وبقى الباقي داخلاً في عموم الذم والنهي. اهـ
قوله: (فالأول مؤكد لنفسه).
قال الطَّيبي: لأن قوله (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) يدل على الوعد إذ الوعد هو الإخبار عن إيصال المنافع قبل وقوعه. اهـ
قوله: (والثانى مؤكد لغيره).
قال الطيبي نحو قولك هو عبد الله حقاً، فقوله حقاً يفيد معنى لم يفده هذا عبد الله لا لفظاً ولا عقلاً، ولكن الخبر من حيث هو خبر يحتمل الصدق والكذب فقولك حقاً يقصر الجملة على أحد الاحتمالين أي أحق حقاً فقولك حقاً تأكيد للمقدر لا للمذكور. اهـ
قوله: (جملة مؤكدة بليغة).
стр. 1128
قال الطَّيبي: وذلك أن الجملة تذييل للكلام السابق، والتذييل مؤكد للمذيل، وأما المبالغة في الاستفهام وتخصيص اسم الذات الجامع ربنا افعل وإيقاع القول تمييزاً وكل ذلك إعلام منه بأن حديثه صدق محض، وإنكار أن قول الصدق متعلق بقائل آخر أحق. اهـ
قوله: (والمقصود من الآية معارضة للمواعيد الشيطانية ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: إشارة إلى بيان النظم، يعني كما أوقع قوله (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاّ غُرُورًا) تذييلاً لقوله (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِنَاثًا ... ) الآية أوقع قوله (وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً) خاتمة لقوله (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... ) الآية ليوازي بين الوعدين ويقابل بين النزعتين فيختار المؤمنون الأعمال الصالحة عما يدعوا إليه الشيطان بأمانيه الباطلة ومواعيده الكاذبة فيتخلصوا من غصص إخلاف مواعيده بما يفوزون به من إنجاز الوعد ما وعدوا به من الله تعالى الذي هو أصدق القائلين، ثم قارن بين قوله (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاّ غُرُورًا) وبين قوله (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً) من جهة وضع المظهر موضع المضمر فيهما ومن النفي المستفاد من الاستفهام ومن (ما)، إلى غير ذلك لتتحقق المعارضة. اهـ
قوله: (ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل).
قلت: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن موقوفاً عليه، وأخرجه ابن النجار في تأريخه من طريق يوسف بن عطية عن قتادة عن الحسن عن أنس مرفوعاً: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، العلم علمان: علم باللسان وعلم بالقلب، فأما علم القلب فالعلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على بني آدم.
(وقال أبو نعيم ثنا سهل بن عبد الله التستري ثنا الحسين بن إسحاق عن عبد السلام بن صالح عن يونس بن عطية عن قتادة عن أنس رفعه: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل).
قال الشيخ سعد الدين: وقر في القلب: أي أثر فيه، يقال وقر في الصخرة إذا أثر
стр. 1129
فيها، وقيل وقر في القلب: سكن فيه وثبت من الوقار. اهـ
قال الراغب: المنا كالقنا: المقدر، يقال: منى لك الماني، أي قدر لك المقدر، والتمني: تقدير شيء في النفس وتصويره فيها وذلك قد يكون عن تخمين وظن وقد يكون عن روية وبناءً على أصل، ولما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك، فأكثر التمني تصور ما لا حقيقة له قال تعالى (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى) والأمنية: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء، ولما كان الكذب تصور ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار المتمني كالمبتدي الكذب فصح أن يعبر عن الكذب بالتمني. اهـ
قوله: (روي أنَّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا ... ) الحديث.
أخرجه ابن جرير عن مسروق مرسلاً.
قوله: (وقيل: الخطاب مع المشركين ويدل عليه تقدم ذكرهم).
قال الطَّيبي: يعني قوله (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِنَاثًا) وإقسام الشيطان (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ). اهـ
فائدة: قال الطَّيبي: لما ذكر (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) عقبه بقوله (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) وقوله (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ) كما ذكر في البقرة (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ) وهو التمني وبعده (مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) ثم قال (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). اهـ
قوله: (اصطفاه وخصه بكرامةٍ تشبه كرامة الخليل عند خليله) .
قال الشيخ الطيبي: أي أنه من باب الاستعارة التمثيلية. اهـ
قوله: (والجملة استئناف).
стр. 1130
في الكشاف أنَّها اعتراضية.
وتعقبه أبو حيان كعادته بأنَّ الاعتراض المصطلح عليه شرطه أن يقع بين مفتقرين كصلة وموصول، وشرط وجزاء، وقسم ومقسم عليه، وتابع ومتبوع، وعامل ومعمول وليست هذه كذلك.
قال: إلا أن يعني به غير المصطلح عليه فيمكن. اهـ
وقد تقدم الجواب عنه بأنه يعني به التذييل.
قال الطَّيبي: لا يجوز أن تكون معطوفة لأنه لا يخلو من أن يعطف على قوله (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) اعتراضاً وتوكيداً لمعنى قوله (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وبيان الصالحات ما هي وأن المؤمن من هو وليس في (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) ذلك على أن عطف الإخبارية على الإنشائية من غير جامعٍ قويٍّ يدعو إليه ممتنع، ولا يجوز الثاني والثالث من له أدنى مسكة.
فإن قلت: لم لا يجوز أن تكون الجملة استطرادية كقوله تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ) إلى قوله (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا)، عَطف (وَمِنْ كُلٍّ) على أنهما استطرادية؟ قلت: لا يجوز لأن من شرط العطف في الاستطراد أن يكون للمعطوف نوع مناسبة بأصل الكلام وهو (يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ... ) الآية، وهي هنا مفقودة كما في قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)، ولا يحسن أن تكون حالاً لما يفوت من فائدة وضع المظهر موضع المضمر، وتخصيص ذكر الخلة للتنصيص على أنه ممن يجب أن يرغب في اتباع ملته، فتعين أن يكون اعتراضاً أو تذييلاً لما في اعتبارهما من مظنة العلية وبيان الموجب، أي: ومن أحسن ديناً ممن اتبع ملة إبراهيم لاصطفاء الله إياه؛ ولأنه الممدوح المستعد لخلة الله لما
فيه من غاية الكمالات البشرية. اهـ
قوله: (روي أن إبراهيم ﵊ بعث إلى خليل له بمصر في أزمنة أصابت الناس ... ) إلى آخره.
стр. 1131
قلت: الوارد في ذلك ما أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفاسيرهم عن زيد بن أسلم قال: إنَّ أول جبار كان في الأرض نمرود، وكان الناس يخرجون يمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم ممتار مع من يمتار فإذا مر به ناس قال: من ربكم؟ قالوا: أنت.
حتى مر به إبراهيم قال: من ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت.
قال: أنا أحيي وأميت.
قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب.
فبهت، فرده بغير طعام، فرجع إبراهيم إلى أهله فمر على كثيب من رمل أعفر فقال: ألا آخذ من هذا فآت به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم، فأخذ منه فأتى أهله فوضع متاعه، ثم نام، فقامت امرأته ففتحته فإذا هى بأجود طعام رآه أحد، فصنعت منه فقربته إليه -وكان عهده بأهله أن ليس عندهم طعام- فقال: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به فعرف أن الله رزقه فحمد الله.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي صالح قال: انطلق إبراهيم ﵊ يمتار فلم يقدر على الطعام فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله فقالوا: ما هذا؟ قال: حنطة حمراء.
ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء، فكان إذا زرع منها شيء خرج سنبله من أصلها إلى فرعها حباً متراكباً.
في الأساس: سنة: أزمنة أمسك فيها المطر.
في النهاية: البطحاء: الحصى الصغار.
قال الطَّيبي: الحوارى: بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء، ومنه الخبز إذا نخل مرة بعد مرة من التحوير وهو التبيض. اهـ
قوله: (قيل هو متصل بذكر العمال).
قال الطيبي: يعني بقوله (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ... ) الآية ويكون كالتعليل
стр. 1132
لوجوب العمل، ويكون قوله (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا) اعتراضاً بين العلة والمعلول حثاً على الترغيب في العمل الصالح وردعاً وزجراً عن المعاصي على أبلغ الوجوه. اهـ
قوله: (إذ سبب نزوله أن عيينة بن حصن أتى النبي ﷺ فقال: أخبرنا أنك تعطى الابنة النصف والأخت النصف وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة. فقال ﵊: كذلك أُمرت).
لم أقف عليه هكذا، والثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت: كان الرجل تكون عنده اليتيمة وهو وليها ووارثها قد شركته في ماله حتى في العذق فيركب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية.
وله طرق كثيرة مرفوعة مرسلة، وأقرب ما رأيته ما يوافق ما ذكره المصنف ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس قال: أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر ولا يورثون المرأة فلما كان الإسلام قال الله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) في أول السورة من الفرائض.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان لا يرث النساء إلا الرجل الذي قد بلغ، لا يرث الصغير ولا المرأة شيئاً فلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس وقالوا: أيرث الصغير والمرأة كما يرث الرجل؟ فسألوا النبي ﷺ فأنزل الله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) الآية).
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان شيئاً كانوا يقولون: لا يغزون ولا يغنمون خيراً، فنزلت. اهـ
قوله: (كأنه قيل: وأقسم).
قال الشيخ سعد الدين: المناسب أقسم بدون الواو. اهـ
قوله: (ولا يجوز عطف على المجرور في (فيهن) لاختلاله لفظاً ومعنى).
стр. 1133
قال الزجاج: أما لفظاً فلأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وأما معنى فلأنه يصير التقدير: يفتيكم في حق ما يتلى عليكم، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك وإنما المراد أنه تعالى يفتي في ما سألوه من المسائل. اهـ
وتبعه الطَّيبي والشيخ سعد الدين، وزاد الطَّيبي فقال: إن قلت: لم لا يجوز: الله يفتيكم في الكتاب بما يرويه المستفتي من قوله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى)؟ قلت: لا يجوز لأن معنى (فِيهن): في حقهن وشأنهن يأباه للاختلاف بين المعطوف والمعطوف عليه. اهـ
وقال أبو حيان: لا نسلم اختلاله لا لفظاً ولا معنى، أما اللفظ فلأن الراجح جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار لكثرة وروده وإن منعه جمهور البصريين، وأما المعنى فيقدر محذوف أي: يفتيكم في متلوهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء، وحذف لدلالة قوله (وَمَا يُتلَى)، وإضافة متلو إلى ضميرهن سائغ إذ الإضافة تكون لأدنى ملابسة على حد (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) وكوكب الخرقاء. اهـ
وقال السفاقسي: فيما قاله أبو حيان نظر لأن حذف متلوهن لا يرفع السؤال لأن ما ألزمه من وقوع الفتيا فيما يتلى لازم سواء كان ذلك الحذف أم لم يكن.
قال: نعم حق المنع أن يقال: لا نسلم أنَّ المراد بقوله (وَمَا يتلَى) أنه يفتي في ما سألوه من المسائل بل أفتى، وسنده ما روي عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) أولاً ثم سأل ناس بعدها عن أمر النساء فنزلت (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ)، فالمراد على هذا بـ (يفتي) و (يتلى) المضى. اهـ
وقال غيره: يجوز أن يكون (فِيهن) بمعنى الصلة، أي: في حقهن، وفي (وَمَا يُتلَى) بمعنى الظرف، أي: يفتيكم في الكتاب.
стр. 1134
قوله: (صلة (يتلى) على أن عطف الموصول على ما قبله ... ).
قال أبو حيان: هذا لا يتصور إلا إذا كان (فِي يَتَامَى) بدلاً من (الْكِتَابِ)، أو يكون (في) للسبب لئلا يتعلق حرفا جر بمعنى واحد بفعل واحد وهو لا يجوز إلا إذا كان على طريقة البدل أو بالعطف. اهـ
قال السفاقسي: لا إلا أن يكون (فِي الْكِتَابِ) متعلق بـ (يُتلَى)، وأما إذا كان حالاً فلا. اهـ
وجوز في الكشاف على هذا الوجه أن يكون بدلاً من (فيهن)، وأسقطه المصنف فإنَّ أبا حيان تعقبه وقال: الظاهر أنه لا يجوز للفصل بين البدل والمبدل منه بالعطف. اهـ
قوله: (وإلا فبدل من (فيهن)).
قال الشيخ سعد الدين: هو بدل بعض من كل لأن ضمير (فِيهن) يعود إلى النساء. اهـ
قوله: (وهذه الإضافة بمعنى (من) لأنها إضافة الشىء إلى جنسه).
قال أبو حيان: الذي يظهر أنَّها بمعنى اللام ومعناها الاختصاص. اهـ
وقال الحلبي: ما قاله أبو حيان ليس بشيء فإنَّهُم ذكروا في ضابط الإضافة التي بمعنى (من) أن تكون إضافة جزءٍ إلى كل بشرط صدق اسم الكل على البعض، ولا شك أنَّ يتامى بعض النساء من النساء، والنساء يصدق عليهن، وتحرزنا بقولنا بشرط صدق الكل على البعض من نحو: يد زيد فإن زيد لا يصدق على اليد وحدها. اهـ
وقال السفاقسي: ليس كلهم على ذلك فقد قال السيرافي وابن كيسان إن كلّ
стр. 1135
بعضٍ أضيف إلى كل هو بمعنى (من)، وزاد غيرهما في صحة الإخبار عن الأول بالثاني فيد زيد إضافة بمعنى (من) على الثاني لا على الأول.
قال السفاقسي: وعلى التقديرين لا يمتنع في يتامى النساء لأنك تقول اليتامى نساء. اهـ
تنبيه: قال الطَّيبي: هذه الآيات مرتبطة بالآيات الواردة في أول السورة وهي سابقة عليها بالرتبة لأنَّ جواب الاستفتاء قد أجل عليها والآيات المتخللة بين الكلامين للافتنان. اهـ
قال الإمام: إن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم واقعة على أحسن الوجوه وهو أنه تعالى يذكر شيئاً من الأحكام ثم يذكر عقبه آيات كثيرة في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ويمزج بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظم إلهيته ثم يعود إلى ما بدأ به من بيان الأحكام، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير لأنَّ التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالوعد والوعيد وهما لا يؤثران إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد. اهـ
قوله: ((وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ) عطف على يتامى النساء).
قال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: هذا لا يستقيم إلا على تقدير كونه صلة لا بدلاً؟ قلنا: بل هو مستقيم على البدل إذ ليس القصد بعطفه على البدل أن يكون في موقع البدل على ما هو مقتضى الحال بل في موضع المبدل منه بناءً على أن البدل هو المقصود بالنسبة، وأن المبدل منه ضمير مجرور لا يصح العطف عليه حسب اللفظ. اهـ
قوله (فالوجه نصْبُها عطفاً على موضع (فيهن))
قال أبو البقاء: أي ويبين لكم أن تقوموا. اهـ
قوله: (ويجوز أن ينصب (وأن تقوموا) بإضمار فعل أي: ويأمركم).
قال السفاقسى: فيه تكلف إضمار من غير ضرورة تدعوا إليه. اهـ
стр. 1136
قوله: (توقعت منه).
قال الشيخ سعد الدين: استعمال الخوف في معنى التوقع شائع في كلام العرب. اهـ
قوله: (وعلى هذا جاز أن ينصب (صُلْحًا) على المفعول به).
[قال الشيخ سعد الدين: أي على نزع الجار. اهـ
والأصل: يصلح أي شيء يصلحان عليه.
قوله: (بيان أنه من الخيور).]
قال الشيخ سعد الدين: أي من الخيرات بمعنى المصدر أو الصفة لا على وجه التفصيل. اهـ
وقال الطَّيبي: قال صاحب الكشاف: الخيور ورد في كلام فصيح فاقتديت به وهو قياس واستعمال. اهـ
قوله: (وهو اعتراض).
قال أبو حيان: كأنه يريد أن قوله (وَإِن يَتَفَرقَا) معطوف على قوله (فَلا جُنَاحَ) فجاءت الجملتان بينهما اعتراضاً. اهـ
قال الحلبي: وفيه نظر فإنَّ بعدهما جملاً أُخر فكان ينبغي أن يقول في الجميع إنها اعتراض ولا يخص الجملتين بذلك وإنما أراد الاعتراض بين قوله (وَإِنِ امْرَأَةٌ) وقوله (وَإِنْ تُحْسِنُوا) فإنهما شرطان متعاطفان. اهـ
قوله: (ومعنى إحضار الأنفس الشح جعلها حاضرة مطبوعة عليه).
عدل عن قول الكشاف: إن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا ينفك لأن أبا حيان تعقبه بأنه من باب القلب، وليس بجيد لأنَّ الأنفس هي النائب عن الفاعل وهي الفاعل قبل دخول الهمزة، وإن كان يحتمل إنه من إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل لكن الأولى حمل القرآن على الأفصح المتفق عليه. اهـ
стр. 1137
قوله: (كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: هذا قسمى فيما أملك ... ) الحديث.
[أخرجه أحمد والأربعة وابن حبان والحاكم وصححه من حديث عائشة.
قوله: (من كانت له امرأتان ... ) الحديث.]
أخرجه أحمد والأربعة وابن حبان والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة.
قوله: (على إرادة القول أي: وقلنا لكم ولهم إن تكفروا) .
قال الشيخ سعد الدين: لأن الجملة الشرطية لا تصح أن تقع بعد (أن) المصدرية أو المفسرة، فلا يصح عطفها على الواقع بعدها سواءً كان إنشاء أو إخباراً. اهـ
وقال الحلبي: في كلامه نظر لأن تقديره القول ينفي كون الجملة الشرطية مندرجة في حيز الوصية بالنسبة إلى الصناعة النحوية، وهو لم يقصد تفسير المعنى فقط بل قصده هو تفسير الإعراب. اهـ
قال الطَّيبي: يمكن أن يقال إنه من باب: علفتها تبناً وماءً بارداً. اهـ
قوله: (أو خلقاً آخرين مكان الإنس).
قال أبو حيان: هذا لا يجوز لأنَّ مدلول (آخر) في اللغة خاص بجنس ما تقدمه، فلو قلت: جاءني زيد وآخر معه، أو امرأة وأخرى معها، أو فرس وآخر معه لم يكن
стр. 1138
الآخر إلا من جنس ما قبله ولو قلت: اشتريت ثوباً وآخر وعنيت غير ثوب لم يجز، وهذا بخلاف (غيره) فإنَّها تقع على المغاير مطلقاً في جنس أو صفة فتقول: اشتريت ثوباً وغيره، وتريد غير ثوب أو ثوباً.
قال: وقل من يعرف هذا الفرق. اهـ
(وهذا الفرق) الذي ذكره ورد به غير موافق عليه ولم يستند فيه إلى نقل، ولكن قد يرد ذلك طريق أخرى وهي أن (آخرين) صفة لموصوف محذوف والصفة لا تقوم مقام موصوفها إلا إذا كانت خاصة بالموصوف نحو: مررت بكاتب، أو يدل عليه دليل، وهنا ليست بخاصة فلا بد أن يكون من جنس الأول ليحصل بذلك الدلالة على الموصوف المحذوف.
قوله: (بليغ القدرة لا يعجزه مراد).
قال الطَّيبي: إنما قال ذلك لمجيء (قدير) على فعيل، ولتخصيص الاسم الجامع وإثبات ذلك والمشار إليه قريب. اهـ
قوله: (وقيل هو خطاب لمن عادى رسول الله ﷺ .
قال الطَّيبي: وعلى الأول خطاب عام تابع للكلام السابق. اهـ
قوله: (لما روي أنه لما نزل يعني (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) ضرب رسول الله ﷺ يده على ظهر سلمان وقل: هم قوم هذا).
أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة.
تنبيه: وقع في الحاشية للشيخ ولي الدين العراقي: لما نزل (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ... ) الآية وهو سهو نبهت عليه لئلا يغتر به.
قوله: (كالمجاهد).
стр. 1139
قال الطَّيبي: إنما خصه بالذكر لأنه أقدمهم لأن بذل الروح والمال أقرب إلى الرياء. اهـ
قولة: (فما له يطلب أخسهما).
قال الطَّيبي: هذا التوبيخ والإنكار مستفاد من إيقاع قوله (فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) جزاءً للشرط، ولا يستقيم أن يقع جزاءً إلا بتقدير الإخبار والإعلام المتضمن للتوبيخ والتقريع لأن الجزاء ينبغى أن يكون مسبباً عن الشرط. اهـ
قال أبو حيان: الظاهر حذف الجواب أي: فلا يقتصر عليه وليطلب الثوابين فعند الله ثواب الدنيا والآخرة. اهـ
قوله: (مواظبين على العدل) .
قال الراغب: أمر الله كل إنسان بمراعاة العدل، ونبه بلفظ (قَوَّامِينَ) على أن ذلك لا يكفي مرة أو مرتين بل يجب أن يكون على الدوام فالأمور الدينية لا اعتبار بها ما لم تكن على الدوام، ومن عدل مرة أو مرتين لا يكون في الحقيقة عادلاً. اهـ
قوله: (ولو كانت الشهادة على أنفسكم).
قال أبو حيان: هذا التقدير ليس بجيدٍ لأنَّ المحذوف إنما يكون من جنس الملفوظ به قبل ليدل عليه، فإذا قلت: كن محسناً ولو لمن أساء إليك فالتقدير: ولو كنت محسناً لمن أساء إليك فتحذف كان واسمها وخبرها وتبقي متعلقه لدلالة ما قبله عليه ولا تقدره ولو كان إحسانك لمن أساء، ولو قلت: ليكن منك إحسان ولو لمن أساء فيقدر ولو كان الإحسان لمن أساء لدلالة ما قبله عليه، ولو قدرته: ولو كنت محسناً لمن أساء إليك لم يكن جيداً لأنك تحذف ما لا دلالة عليه بلفظ مطابق. اهـ
وقال الحلبي: هذا الرد ليس بشيء، فإنَّ الدلالة اللفظية موجودة لاشتراك المحذوف والملفوظ في المادة ولا يضر اختلافهما في النوع. اهـ
وقال السفاقسي: ما ذكر من أنَّ المقدر إنما يكون من جنس الملفوظ به فيه نظر، ولو سلم فما ذكره الزمخشري تقديره معنى، وقد نحى سيبوبه إلى ذلك فقال في زيد إنما ضربه أي
стр. 1140
عليك زيداً مع أنه لا يجوز تقديره عليك عند البصريين وإنما أراد معناه. اهـ
قوله: (والضمير فى (بهما) راجع إلى ما دل عليه المذكور وهو جنس الغني والفقير).
حكى الطَّيبي تقريراً آخر أنه عائد على المشهود له والمشهود عليه على أي وصف كانا عليه وتحت ذلك أقسام أربعة: أن يكونا فقيرين، أو غنيين، أو الأول فقير والثاني غني، أو عكسه.
قوله: (ويشهد عليه أنه قرئ (فَاللهُ أَوْلَى بِهِم)
قال الطَّيبي: هي قراءة أبي، أي أنَّها تشهد على أنَّ المراد الجنس لأنَّ الجمع والمطلق يلتقيان في العموم. اهـ
قوله: ((وَإِنْ تَلْوُوا) بمعنى وإن وليتم إقامة الشهادة).
قال الشيخ سعد الدين: عدل إلى الماضي لتظهر الواو، يعني أنه على هذه القراءة من اللفيف المفروق وعلى الأول من اللفيف المقرون. اهـ
وفيها أوجه أخر: أنَّها كالقراءة الأولى أصلها (تلووا) إلا أنه أبدل الواو الأولى همزة ثم ألقي حركتها على اللام حكاه أبو البقاء.
قوله: (روي أنَّ ابن سلام وأصحابه ... ) الحديث.
أخرجه الثعلبي عن ابن عباس.
قوله: (اثبتوا على الإيمان ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: لما كان الأمر بالإيمان (لمن أخبر بحصول إيمانهم طلباً لتحصيل الحاصل بين تغاير الإيمان) الحاصل والإيمان المطلوب بتغاير الزمان أعني فيما مضى وفيما يستقبل، أو المورد أعني اللسان والقلب، أو المتعلق أعني البعض من الكتب والرسل والكل. اهـ
стр. 1141
قوله: (أي ومن يكفر بشىء من ذلك).
قال الشيخ سعد الدين: لأنَّ الحكم المتعلق بالأمور المتعاطفة بالواو قد يرجع إلى كل واحد وقد يرجع إلى المجموع، والتعويل على القرائن، وهنا قد دلت القرينة على الأول لأن الإيمان بالكل واجب والكل ينتفي بانتفاء البعض ومثل هذا ليس من جعل الواو بمعنى (أو) في شيء فليتأمل. اهـ
قوله: (فإن قلوبهم ضريت بالكفر).
قال في النهاية: يقال ضري بالشيء ضراوة أي اعتاد به ولهج بحيث لا يصبر عنه. اهـ
قوله: (وخبر كان فى أمثال ذلك محذوف تعلق به اللام).
هذا مذهب البصريين في هذا الباب قالوا: نصب الفعل المذكور بأن المضمرة بعد اللام وهي والفعل المنصوب في تقدير مصدر وذلك لا يصح أن يكون خبراً لأنه معنى والمخبر عنه جثة فيجعل الخبر محذوفاً واللام مقوية لتعدية ذلك الخبر إلى المصدر وهي كالعوض من (أن) المضمرة ولذلك لا يجوز حذفها ولا يجمع بينهما وبين (أن) الظاهرة، ومذهب الكوفيين في ذلك الفعل هو الخبر واللام زيدت فيه للتأكيد وهي الناصبة بدون إضمار (أن) ومشى عليه هنا صاحب الكشاف، وطعن عليه أبو البقاء والناس آخرهم أبو حيان فلذلك أصلحه المصنف.
قوله: (وإنما سمي ظفر المسلمين فتحاً ... ) إلى آخره.
قال ابن المنير: وأيضاً فإن الواقع إذ ذاك من ظفر المسلمين ما يجعل به الاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والحاصل للكافرين أمر في الندرة لا يبلغ أن يكون فتحاً. اهـ
قوله: (في دُبَّة).
بضم الدال وتشديد الموحدة قال:
طها هذربان قلَّ تغميضُ عينه ... على دُبَّة مثل الخنيف المرعبل.
стр. 1142
قوله: (ثلاث من كن فيه فهو منافق ... ) الحديث.
أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
قال الشيخ سعد الدين: (ثلاث) مبتدأ والجملة بعده صفة له، (من إذا حدث) خبره على حذف المضاف أي خصال من إذا حدث.
قال: والأحسن أن يجعل (ثلاث) خبراً مقدماً أو مبتدأ محذوف الخبر، و (خصال من إذا) مفسر له أي في الوجود ثلاث. اهـ
قوله: (بعضها فوق بعض).
قال الشيخ سعد الدين: الأنسب بعضها أسفل من بعض وما ذكر إنما هو تفسير للدرج. اهـ
قوله: (والتحريك أوجه لأنه يجمع على أدراك).
قال الزجاج: الدرك بالحركة والسكون لغتان حكاهما أهل اللغة إلا أن الاختيار الفتح لإجماع الناس عليها، ولأنَّ أحداً من المحدثين ما رواه إلا بالفتح. اهـ
ولأنَّ (أفعالاً) لا يكون جمع (فعل) بالسكون إلا في الشذوذ وإنما هو جمع (فعل) بالحركة.
قوله: (وإنما قدم الشكر لأن الناظر يدرك النعمة أولاً فيشكر شكراً مبهماً ثم يمعن النظر حتى يصف المنعم فيؤمن به).
أخذه من الكشاف، وقاله أيضاً الإمام.
قال صاحب التقريب: فيه نظر لأنَّ الإيمان لا يستدعي عرفان المؤمن به بذاته بل بعارض فكان حاصلاً حين ما عرف الإنعام، فما أوجب الشكر أوجب الإيمان.
قال: والجواب أنَّ الواو لا توجب الترتيب. اهـ
قال الطيبي: أما الكلام الأول فلا بأس به، وأما الجواب فمنظور فيه وحاشا المقتني علمي الفصاحة والبلاغة أن يرضى في كلام الله المجيد بمثل هذا القول، فإن في كل تقديم
стр. 1143
ما مرتبته التأخير لله سبحانه أسراراً لا يعلم كنهها إلا هو، ألا ترى إلى قوله تعالى (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)) كيف استلزم التقديم أن معرفة الغايات والكمالات سابقة في التقديم لاحقة في الوجود تنبيهاً على أن المقصود الأولي من خلق الإنسان تعليم ما به يرشد إلى ما خلق له من العبادة، وكذا أشير بهذا التقديم إلى معرفة مرتبة أخرى من الشكر وموجبه.
قال الشيخ العارف المحقق أبو إسماعيل الأنصاري: الشكر اسم لمعرفة النعمة لأنَّها السبيل إلى معرفة المنعم، ومعاني الشكر معرفة النعمة ثم قبول النعمة ثم الثناء بها، ودرجاته ثلاث -إلى آخره- فليقرر ذلك بلسان أهل المعاني وهو أن المكلف في بدء الحال إذا نظر إلى ما عليه من نعمة الخلق والرزق والتربية ينبعث منه حركة إلى معرفة المالك المنعم، فهذه الحركة تسمى باليقظة والشكر القلبي والشكر المبهم، فإذا شكر العبد هذا الشكر وفق لنعمة أرفع من تلك النعمة وهي المعرفة بأنه الواحد الأحد الصمد الواسع الرحمة فيسجد شكراً فوق ذلك ويضيف إلى الشكر القلبي الشكر بآداب الجوارح والنداء على الجميل ويقول:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
وهذا هو الشكر المفصل، وحاصله أنَّ الكلام فيه إيجازان لأنَّ الشكر المذكور في التلاوة شكر مبهم وموجبه نعمة سابقة مستتبعة لمعرفة مبهمة، والإيمان المذكور إيمان مفصل مستتبع لشكر مفصل غير مذكور. اهـ
قوله: (روي أنَّ رجلاً استضاف قوماً فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب عليه فنزلت).
أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد مرسلاً.
قوله (هم الكاملون في الكفر).
قال الطيبي: يدل عليه توسيط الفصل بين المبتدأ والخبر المعرف بلام الجنس كقوله
стр. 1144
(الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ)، فجئ بقوله (حَقّاً) لتأكيد مضمون الكمال، أي قولي بأنَّ هذا كفرٌ كاملٌ حقٌ لا باطل، وعلى تقدير أن يكون (حَقّاً) صفة للمصدر المؤكد للمسند يكون بمعنى ثابتاً والكلام حينئذ للعهد أي هم الذين صدر منهم الكفر ألبتَّة، وهذا أبلغ من الأول بحسب تأكيد الإسناد، والأول أبلغ من جهة إثبات الكمال. اهـ
قوله: (وتصديره بـ (سوف) لتوكيد الوعد والدلالة على أنه كائن لا محالة).
قال الطَّيبي: (روي عن صاحب الكشاف أنه قال: الفعل الذي هو للاستقبال موضوع لمعنى الاستقبال، فإذا دخل عليه (سوف) أكد ما هو موضوع له من إثبات الفعل في المستقبل لا أن يعطي ما ليس فيه من أصله، فهو في مقابلة (لن) ومنزلته من يفعل كمنزلة (كن) (١) في لا تفعل لنفي المستقبل، فإذا وضع (لن) موضع (لا) أكد المعنى الثابت وهو نفي المستقبل، فإذاً كل واحد من سوف ولن حقيقته التوكيد ولهذا قال سيبويه: لن يفعل نفي سوف يفعل. اهـ
قوله: (نزلت فى أحبار اليهود ... ) إلى آخره.
أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي.
قوله: (افترحوه).
أي ابتدعوه.
قوله: (ويجوز أن يتعلق بـ (حرمنا عليهم طيبات)).
زاد الكشاف: على أن قوله (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) بدل من قوله (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ). اهـ
قال أبو حيان: وفيه بعد لكثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه، ولأنَّ المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم في الوقت عن وقت التحريم، فلا يمكن أن يكون جزء سبب أو سبباً إلا بتأويل بعيد، وبيان ذلك أن (وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ) متأخر في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم فالأولى أن يكون التقدير لعنَّاهم، وقد جاء مصرحاً به في قوله (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً). اهـ
стр. 1145
وقال السفاقسي: هذا إلزام حسن، وقد يتكلف لحله بأنَّ دوام التحريم في كل زمن كابتدائه، وفيه بحث. اهـ
قوله: (لا ما دل عيه قوله (بل طبع الله عليها) مثل (لا يؤمنون) لأنه رد لقولهم (قلوبنا غلف) فتكون (من) صلة، و (قولهم) المعطوف على المجرور فلا يعمل فى جاره).
قال أبو حيان: هذا جواب حسن وممتنع من وجه آخر وهو أن العطف بـ (بل) يكون للإضراب عن الحكم الأول وإثباته للثاني على جهة إبطال الأول أو الانتقال، فأما في كتاب الله تعالى في الأخبار فلا يكون إلا للانتقال، ويستفاد من الجملة الثانية ما لا يستفاد من الأول، والتقدير المشار إليه لا يسوغ فيه ذلك لأن قوله فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله على قلوبهم هو مدلول الجملة التي صحبتها (بَل) وهو قوله تعالى (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) أفادت الجملة الثانية ما أفادت الأولى وهو لا يجوز، لو قلت: مر زيد بعمرو بل مر زيد بعمرو لم يجز، وقد أجاز ذلك أبو البقاء وهو أن يكون التقدير: فبما نقضهم ميثاقهم وكذا طبع على قلوبهم، وقيل التقدير: فبما نقضهم ميثاقهم لا يؤمنون إلا قليلاً، والفاء مقحمة. اهـ
قال الطَّيبي: قدر أبو البقاء (طَبَع) مقدر الدلالة بل طبع عليه، وعليه يصير التقدير: فبما نقضهم وكفرهم وقولهم قلوبنا غلف طبع الله عليها بكفرهم، فيكون رداً لهذا الكلام وإنكاراً له لا لقولهم قلوبنا غلف. اهـ
قوله: (أو على قوله (فبما نقضهم) ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله).
قال الطَّيبي: ولا يلزم عليه محذور عطف الشىء على نفسه، لأن للهيئة الاجتماعية اعتباراً غير اعتبار الأفراد، والواو الداخلة عليه على هذا غير الواوات السابقة واللاحقة لأن تلك لعطف المفرد على المفرد وهذه لعطف المجموع على المجموع. اهـ
قوله: (روي أن رهطاً من اليهود ... ) إلى آخره.
أخرجه النسائي عن ابن عباس نحوه.
стр. 1146
قوله: (قتلاً يقيناً أو متيقن).
قال الطَّيبي: (يَقِيناً) يجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، وأن يكون حالاً، وعلى التقديرين يعود المعنى إلى عدم يقين القتل منهم. اهـ
قوله: (قتلت الشيء علماً).
قال الزجاج: تقول أنا أقتل الشىء علماً، أي: أعلمه علماً. اهـ
في الأساس: ومن المجاز قتلته علماً وخُبراً، ومنه قتلت الخمر إذا مزجتها. اهـ
قوله: (لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ جملة قسمية واقعة صفة لـ (أحد)).
قال أبو حيان: هذا غلط فاحش إذ زعم أن (لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف، وصفة (أحد) المحذوف إنما هو الجار والمجرور وهو (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)، والتقدير: وإن أحد من أهل الكتاب، وأما قوله (لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) فليست صفة لموصوف، ولا هي جملة قسمية كما زعم إنما هي جواب القسم والقسم محذوف، والقسم وجوابه في موضع رفع خبر المبتدأ الذي هو (أحد) المحذوف إذ لا ينتظم من أحد والمجرور إسناد لأنه لا يفيد، وإنما ينتظم الإسناد بالجملة القسمية وجوابها فذلك هو محط الفائدة. اهـ
وقال الحلبي: أساء أبو حيان العبارة بما زعم أنه غلط وهو صحيح مستقيم، وليت شعري كيف لا ينتظم الإسناد من (أحد) الموصوف بالجملة التي بعده ومن الجار قبله؟! ونظيره أن تقول: ما في الدار رجل إلا صالح، فكما أنَّ (في الدار) خبر مقدم، و (رجل) مبتدأ مؤخر و (إلا صالح) صفته وهو كلام مفيد مستقيم فكذلك هذا، غاية ما في الباب أن (إلا) دخلت على الصفة لتفيد الحصر، وأما رده عليه حيث قال جملة قسمية وإنما هي جواب القسم فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: أطلق عليها قسمية لكون اللام فيها جواب قسم محذوف، أي: والله قال، ولو جعل الظرف صفة مبتدأ محذوف والاستثناء في موقع الجزاء
стр. 1147
أي: وإن أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن لم يبعد، ولكنه جزم بالأول. اهـ
قوله: (روي أنه ينزل من السماء ... ) الحديث.
رواه أبو داود وابن حبان من حديث أبي هريرة بدون قوله (فلا ييقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به)، وروى هذه الزيادة ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس موقوفاً.
قوله في هذا الحديث: ويلبث في الأرض أربعين سنة.
قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: يشكل عليه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمرو أنه يمكث في الأرض سبعين سنة.
قال: اللهم إلا أن تجعل هذه السبع على مدة إقامته بعد نزولة ويكون ذلك مضافاً إلى مكثه فيها رفعه إلى السماء وكان عمره إذ ذاك ثلاثاً وثلاثين على المشهور والله أعلم. اهـ
أقول: وقد أقمت سنين أجمع بذلك ثم رأيت البيهقي قال في كتاب البعث والنشور: هكذا في الحديث أنَّ عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة، وفي صحيح مسلم من حديت عبد الله بن عمرو وفي قصة الدجال: فيبعث الله عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يلبث الناس بعده أي موته، فلا يكون مخالفاً للأول فترجح عندي هذا التأويل من وجوه: أحدها: أن هذا الحديث ليس نصاً في الإخبار عن مدة لبث عيسى وذلك نص فيها، والثاني: أنَّ (ثم) تؤيد هذا التأويل لأنها للتراخي، والثالث: قوله (يلبث الناس بعده) فيتجه أنَّ الضمير فيه لعيسى لأنه أقرب مذكور، والرابع: أنه لم يرد ذلك سوى هذا الحديث المحتمل ولا ثاني له، وورد مكث عيسى أربعين سنة في عدة أحاديث من طرق مختلفة منها الحديث المذكور وهو صحيح، ومنها ما أخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ينزل عيسى ابن مريم في الأرض أربعين سنة لو يقول للبطحاء سيلي لسالت.
ومنها ما أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة مرفوعاً في حديث الدجال: فينزل عيسى
стр. 1148
ابن مريم فيقتله ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً.
وأيضاً من حديث ابن مسعود عند الطبراني.
فهذه الأحاديث المتعددة الصريحة أولى من ذلك الحديث الواحد المحتمل.
قوله: (فبأي ظلم).
قال الطَّيبي: التعظيم من التنكير. اهـ
قوله: (نصب بمضمر دل عليه (أوحينا إليك) كأرسلنا).
قال الطَّيبي: أي (أوحينا) لا يجوز أن يعمل في (رُسُلاً) لأنه تعدى بـ (إلى).
قال: ويمكن أن يقال بالحذف والاتصال، لأن الكلام في الإيحاء لا في الإرسال فعلى هذا (قَصَصْنَاهُمْ) (لَمْ نَقْصُصْهُمْ) صفتان لـ (رُسُلاً) وعلى أن يكون (قَصَصْنَاهُمْ) مفسر للعامل يبقى (رُسُلاً) مطلقاً. اهـ
قوله: (نصب على المدح أو الحال).
قال الطَّيبي: وأنت تعلم أنَّ الشرط في النصب على المدح أن يكون الممدوح مشهوراً معروفاً بصفات الكمال، ويكون بهذا الوصف المذكور منتهي في بابه فكم بين الاعتبارين. اهـ
قوله: (روي أنه لما نزل (إنا أوحينا إليك ... ) قالوا: ما نشهد لك فنزلت).
أخرجه ابن جرير عن ابن عباس.
قوله: (روي أن وفد نجران ... ) إلى آخره.
عزاه الواحدي في أسباب النزول للكلبي.
قوله: (الكروبيون).
قال في الفائق: هم سادة الملائكة منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وهم المقربون من كرب إذا قرب قربا بالغاً والياء للمبالغة كأحمري. اهـ
стр. 1149
وفي القاموس: الكروبيون مخففة سادة الملائكة. اهـ
وفي تذكرة الشيخ تاج الدين ابن مكتوم ومن خطه نقلت: سئل أبو الخطاب ابن دحية عن الكروبيين هل يعرف في اللغة أم لا؟ فقال: الكروبيون بتخفيف الراء: سادة الملائكة وهم المقربون من كرب إذا قرب.
وأنشد أبو علي البغدادي: كروبية منهم ركوع وسجد.
وقال الطيبي عن بعضهم: في هذه اللفظة ثلاث مبالغات: أحدها: أن كرب أبلغ من قرب حيث وضع موضع كاد، تقول: كربت الشمس أن تغرب، كما تقول كادت، الثانية: أنه على وزن فعول وهو للمبالغة، الثالتة: زيادة الياء فيه، وهي تزداد للمبالغة كأحمري. اهـ
قوله: (وإن سلم اختصاصها بالنصارى ... ).
قال الطَّيبي: الجواب الصحيح أن يقال إن الكلام إنما سبق للرد على النصارى، وإنما تنتهض الحجة عليهم به إذا سلموا أنَّ الملائكة أفضل من عيسى ودونه خرط القتاد، فكيف والنصارى يرفعون درجته إلى الإلهية، فظهر أن ذكر الملائكة للاستطراد كما قال محي السنة رداً على الذين يقولون الملائكة آلهة وكما رد على النصارى وأنه من باب التتميم لا من باب الترقي. اهـ
قوله: (والاستكبار دون الاستنكاف).
قال الراغب: الفرق بينهما أنَّ الاستنكاف تكبر في تركه أنفة، وليس في الاستكبار ذلك. اهـ
стр. 1150
قوله: (روي أن جابر بن عبد الله كان مريضاً ... ) الحديث.
أخرجه الأئمة الستة من حديثه.
قوله: (وهي آخر ما نزل من الأحكام).
أخرجه الأئمة الخمسة عن البراء بن عازب.
قوله: (و (ليس له ولد) صفة أو حال عن المستكن فى (هلك)).
سبقه إلى الحال أبو البقاء، وقال أبو حيان: الذي يقتضيه النظر أن ذلك ممتنع، وذلك أنَّ المسند إليه حقيقة إنما هو الاسم الظاهر المعمول للفعل المحذوف فهو الذي ينبغي أن يكون التقييد له، أما الضمير فإنه في جملة مفسرة لا موضع لها من الإعراب فصارت كالمؤكدة لما سبق، فإذا تجاذب الإتباع أو التقييد مؤكد ومؤكد فالحكم إنما هو للمؤكد إذ هو معتمد الإسناد الأصلي. اهـ
ووافقه الحلبي، وقال السفاقسي: الأظهر أنه مرجح لا موجب.
قال: ولأبي البقاء معارضته بترجيح آخر وهو أنا إذا جعلنا (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) صفة لـ (امْرُؤٌ) لزم الفصل بين النعت والمنعوت، وإن كان حالاً من ضمير (هَلَكَ) لم يلزم الفصل. اهـ
ومنع الزمخشري كونه حالاً من (امْرُؤٌ).
стр. 1151
ووجهه الطيبي بأنه نكرة غير موصوفة لأن (هَلَكَ) مفسر للفعل المحذوف لا صفة.
وقال الحلبي: يصح كونه حالاً منه، و (هَلَكَ) صفة. اهـ
قوله: (الضمير لمن يرث بالأخوة وتثنيته محمولة على المعنى).
قال أبو حيان: هكذا أخرجوا الآية وهو تخريج لا يصح، والذي يظهر لي في تخريجها وجهان: أحدهما: أن ضمير (كَانَتَا) لا يعود على أختين بل يعود على الوارثتين وثم صفة محذوفة لـ (اثْنَتَيْنِ)، و (اثْنَتَيْنِ) بصفته هو الخبر، والتقدير: فإن كانت الوارثتان اثنتين من الأخوات، فيفيد إذ ذاك الخبر ما لا يفيده الاسم، وحذف الصفة لفهم المعنى جائز، الثاني: أن يكون الضمير عائداً على الأختين كما ذكر، ويكون خبر (كان) محذوفاً لدلالة المعنى عليه وإن كان حذفه قليلاً، ويكون (اثْنَتَيْنِ) حالاً مؤكدة، والتقدير: فإن كانت أختان له؛ أي للمرء الهالك، ويدل على حذف الخبر الذي هو له (وَلَهُ أُخْتٌ). اهـ
قوله: (أي يبين الله لكم ضلالكم ... ) إلى آخره.
حكى ثلاثة أقوال: الأول للجرجاني صاحب النظم قال: أي يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنَّها ضلالة فتجتنبوها، والثاني للبصريين قالوا: المضاف محذوف أي: كراهة أن تضلوا كقوله (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، والثالث للكوفيين قالوا: حرف النفي محذوف.
قال الزجاج في الترجيح: (لا) لا تضمر لأن حذف حرف النفي لا يجوز، ولكن تزاد للتوكيد، ويجوز حذف المضاف وهو كثير. اهـ
وقال الطَّيبي: النظم مع صاحب النظم، لأنَّ هذه الخاتمة ناظرة إلى الفاتحة وهي قوله
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)، فإنَّ براعة الاستهلال دلت إجمالاً على أمور يجب
اجتنابها وضلالة ينبغي أن يتقي منها، ومن ثم فصلت أولاً بقوله (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)، وثانياً بقوله (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)، وثالثاً بقوله (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)، ورابعها بقوله (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ)، وخامسها بقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا)، وسادسها
стр. 1152
بقوله (وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ)، وسابعاً بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ... ) الآيات، وثامناً بقوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... ) الآية، وتاسعاً بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)، وعاشراً بقوله (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) وهلم جرا إلى هذه الغاية ومن ثم رجع عوداً إلى بدء من حديث الميراث بقوله (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ) فظهر أن التقدير: يبين الله لكم ضلالكم لئلا تضلوا، فالعلة محذوفة والمفعول مذكور على خلاف تقدير الجمهور. اهـ
قوله: (من قرأ سورة النساء ... ) الحديث.
رواه الثعلبي والواحدي من حديث أبي بن كعب وهو موضوع كما تقدم التنبيه عليه في سورة آل عمران.
стр. 1153
سورة المائدة
قوله: (قال الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكَرَبا) .
مدح به بنوا أنف الناقة وكان هذا نبزاً في غاية الشناعة، فأبرزه الحطيئة في صورة المدح وكمال الرئاسة حيث قال بعد هذا البيت:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا.
قال الشيخ سعد الدين: وفي البيت إشارة إلى كون العقد بمعنى العهد، مستعار من عقد الحبل حيث رشح ذلك بذكر الحبل والدلو وما يتعلق بهما، والعناج: حبل يشد في أسفل الدلو ثم يشد إلى العَراقي ليكون عوناً لها وللوذم فإذا انقطعت الأوذام أمسكها العناج، والعرقوتان: الخشبتان المعترضتان على الدلو كالصليب، والأوذام: السيور التي بين آذان الدلو وأطراف العراقي، والكرب: الحبل الذي يشد في وسط العراقي ثم يثنى ويثلث ليكون هو الذي يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير، ويقال: ملأ الدلو إلى عقد الكرب لمن يبالغ فيما يلي من الأمر. اهـ
قوله: (ولكل المراد بالعقود: ما يعم العقود التي عقدها الله تعالى ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: لأنَّ العقود جمع محلى باللام مستغرق لجميع ما يصدق عليه أنه عقود الله تعالى من الأصول والفروع، والمذكور في السورة أمهاتها وأصولها منصوصاً، وسائر ما يستتبعه مفهوماً ومرموزاً، فقوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، وقوله (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ)، وقوله (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، وقوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) الآيات من الجوامع التي تحتوي على جميع المسائل التي هي مفتقر إليها من الحكمة العلمية والعملية الفرعية والأصولية، أما العبادات فأشار إلى عمودها وأسها وهي الصلاة، ثم هي متوقفة على الطهارة وإليه الإشارة بقوله (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا)، ثم كر إلى
стр. 1154
ذكر الصلاة وعلق به قرينتها التي هي الزكاة في قوله (وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ)، وأومأ إلى الحج بتعظيم شعائر الله في قوله (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)، وأما المعاملات فقد أدمج (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ما يمكن أن يستنبط منه بعض أحكامها، وكذا المناكحات في قوله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ... ) الآية، هذا وإن قسم الجراحات والحدود والجهاد والأطعمة والأشربة والحكومات وغيرها السورة مملوءة منها، مشحونة بها، ومن أراد أن يستوعب جميع ما يتعلق بربع الجراح فلا يعوزه ذلك نصاً وإشارةً، ولأمر ما أخر نزول هذه السورة، وفذلكت بقوله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ). اهـ
قوله: (والبهيمة كل حي لا يميز).
قال الطَّيبي: لأنه أنَّهم عن أن يميز. اهـ
وقال الراغب: البهيمة ما لا نطق له من الحيوان، ثم اختص في المتعارف بما عدا السباع والطير، ثم استعملت في الأزواج الثمانية إذا كانت معها الإبل، ولا يدخل في ذلك الخيل والبغال والحمير. اهـ
قوله: (وإضافتها إلى الأنعام للبيان ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: قد اشترطوا فيها كون المضاف إليه جنس المضاف كالفضة للخاتم، وهنا الأمر بالعكس. اهـ
قوله: (وقيل هما المراد بالبهيمة).
قال الراغب: لما علم في سورة الأنعام تحليل الله الأنعام نبه بقوله (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) على تحليل ما يجري مجرى الأنعام، فيكون لهذه الآية دلالة على تحليل البهيمة وتحليل الأنعام لأن المخاطبة للمسافرين إذا كانوا حلالاً، وعلى ذلك قول من قال بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ: هي بقر الوحش والظباء. اهـ
стр. 1155
قوله: (إلا محرم ما يتلى عليكم بقوله (حرمت عليكم الميتة)، أو إلا ما يتلى عليكم تحريمه).
قال الطَّيبي: إنما قدر ذلك لأنه لا بد من المناسبة بين المستثنى والمستثنى منه في الاتصال، فلا يستقيم استثناء الآيات من البهيمة فيقدر إما المضاف كما يقال: إلا محرم ما يتلى عليكم أي: الذي حرمه المتلو، وإما الفاعل بأن يقال: إلا البهيمة التي يتلى عليكم آية تحريمها، ثم حذف المضاف الذي هو آية وأقيم المضاف إليه مقامه وهو تحريمه، ثم حذف المضاف ثانياً وأقيم المضمر المجرور مقامه فانقلب الضمير مرفوعاً واستتر في (يُتلَى) وعاد إلى (ما). قال أبو البقاء: (إِلاّ مَا يتلَى عَلَيكُم) استثناء متصل والتقدير: أحلت لكم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلا الميتة وما أهل لغير الله به مما ذكره في الآية الثالثة من السورة. اهـ
ولخصه الشيخ سعد الدين فقال: يعني إن (مَا يُتلَى) استثناء متصل من (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) وليس من جنسها، لأن المتلو لفظ فحاول جعل المستثنى من جنس المستثنى منه بتقدير مضاف محذوف من (مَا يُتلى) يكون عبارة عن البهائم المحرمة، أو من فاعل (يُتلَى) أي: يتلى تحريمه ليكون (مَا) عبارة عن البهيمة المحرمة لا عن اللفظ المتلو. اهـ
قوله: ((غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) حال من الضمير فى (لكم)).
قال أبو حيان: هو قول الجمهور، وهو مردود إذ يصير المعنى: أحلت لكم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ في حال انتفاء كونكم محلي الصيد وأنتم حرم، وهم قد أحلت لهم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ في هذه الحال وفي غيرها من الأحوال إذا أريد بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ أنفسها، وإذا أريد بها الظباء وبقر الوحش وحمره فيكون المعنى: وأحل لكم هذه في حال انتفاء كونكم تحلون الصيد وأنتم حرم، وهذا تركيب قلق معقد ينزه القرآن أن يأتي فيه مثل هذا، ولو أريد هذا المعنى لجاء على أفصح تركيب وأحسنه.
قال: والقول بأنه من واو (أَوْفُوا) قول الأخفش وفيه الفصل بين الحال وصاحبها بجملة غير اعتراضية بل هي منشئة أحكاماً وذلك لا يجوز، وفيه أيضاً تقييد الإيفاء بالعقود بانتفاء إحلال الموفين الصيد وهم حرم، وهم يؤمرون بإيفاء العقود بغير قيد
стр. 1156
ويصير التقدير: أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلي الصيد وأنتم حرم فإذا لم توجد هذه الحال فلا توفوا بالعقود. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: لا يخفى أن قول الأخفش أقرب معنى وإن كان أبعد لفظاً، وذلك لأن جعله حالاً من ضمير (لكم) إنما يصح إذا أريد ببهيمة الأنعام الظباء، وإذا أريد الأنعام المستثنى منها البعض ففي جعله حالاً من ضمير (لَكُم) تقييد للإحلال بهذه الحال وليس كذلك.
قال: ويمكن دفعه بأنَّ المراد بالأنعام أعم من الإنسي والوحشي مجازاً أو تغليباً أو دلالة أو كيف ما شئت، وإحلالها على عمومها مختص بحال كونكم غير محلين للصيد في الإحرام إذ معه تحريم البعض وهو الوحشي.
قال: ومنهم من جعله حالاً من فاعل أحللنا المدلول عليه بقوله (أُحِلَّتْ لَكُمْ) ويستلزم جعل (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أيضاً حالاً من مقدر أي: حال كوننا غير محلين الصيد لكم في حال إحرامكم.
قال: وليس ببعيد إلا من جهة انتصاب حالين متداخلين من غير ظهور ذي الحال في اللفظ. اهـ
وقال أبو حيان: جعل بعضهم صاحبَ الحالِ الفاعلَ المحذوف من (أُحِلَّتْ) المقام مقامه المفعول وهو الله تعالى، وهو فاسد لأنهم نصوا على أنَّ الفاعل المحذوف في مثل هذا يصير نسياً منسياً فلا يجوز وقوع الحال منه، وجعله بعضهم الضمير المجرور في (عَلَيكمْ) ويرده أن الذي (يُتلَى عَلَيكمْ) لا يتقيد بحال انتفاء إحلالهم الصيد وهم حرم بل هو يتلى عليكم في هذه الحال وفي غيرها.
ونقل القرطبي عن البصريين أن قوله (إِلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) استثناء من (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ)، وقوله (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) استثناء مما يليه وهو الاستثناء، وأبطله بأنه يلزم عليه إباحة الصيد في الحرم لأنه مستثنى من الجرم الذي هو مستثنى من الإباحة.
قال ابن عطية: قد خلط الناس في هذا الموضع في نصب (غَيْرَ)، وقدروا تقديرات
стр. 1157
كلها غير مرضية لأن الكلام على اطراده متمكن استثناء بعد استثناء. اهـ
وقال أبو حيان: إنما عرض الإشكال في الآية حتى اضطرب الناس في تخريجها من كونه رسم (مُحِلِّي) بالياء، فظنوا أنه اسم فاعل من أحل، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة وأصله: غير محلين الصيد، والذي يزول به الإشكال ويتضح المعنى أن يجعل قوله (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) من باب قولهم: حسان النساء، والمعنى النساء الحسان، وكذا هذا أصله: غير الصيد المحل، والمحل صفة للصيد لا للناس، ووصف الصيد بأنه محل إما على معنى: دخل في الحل، كما تقول أحل الرجل أي دخل في الحل، وأحرم الرجل: دخل في الحرم، أو على معنى صار ذا حل أي: حلالاً بتحليل الله، ومجيء (أفعل) على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب، فمن الأول: أعرق وأشأم وأيمن وأنجد وأتمم إذا حلوا هذه المواضع، ومن الثاني: أعشبت الأرض وأبقلت أي صارت ذا عشب وبقل، وكذا أغد البعير وألبنت الشاة وأحرم النخل وأحصد الزرع وأنجبت المرأة، وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلاً باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بلغ الحل أو صار ذا حل اتضح كونه استثناء ثانياً، ولا يمكن كونه استثناء (من استثناء) لتناقض الحكم لأن المستثنى من المحرم حلال، ثم إن كان المراد ببهيمة الأنعام أنفسها فهو استثناء منقطع، أو الظباء ونحوها فمتصل على أحد تفسيري المحل، (استثنى الصيد) الذي بلغ الحل في حال كونهم محرمين.
فإن قلت: ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحل، والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضاً؟ قلت: الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم، والقصد بيان تحريم ما يختص تحريمه بالمحرم.
فإن قلت: ما ذكرته من هذا التخريج الغريب يعكر عليه رسمه في المصحف بالياء
стр. 1158
والوقف عليه بها؟ قلت: قد كتبوا في المصحف أشياء تخالف النطق نحو (لا أذبحَنهُ) بالألف، و (بِأييد) بياءين إلى غير ذلك، والوقف اتبعوا فيه الرسم. اهـ
وأقول: هذا التخريج الذي خرجه أبو حيان فيه تكلف كبير، وهو خلاف ما يتبادر من اللفظ والسياق، والصواب تخريج الجمهور أنه حال من ضمير (لَكم)، وما رد به من لزوم تقييد الإحلال بهذه الحال لا يرد عند التأمل، وكم من حال وصفة لم يعتبر مفهومها، ثم رأيت السفاقسي ذكر مثل ما ذكرت فقال: هذا التخريج الذي ذكره أبو حيان فيه تكلف وتعسف لا يخفى على منصف من حيث زيادة الياء وفيها التباس المفرد بالجمع وهم يفرون منه بزيادة أو نقصان في الرسم فكيف يزيدون زيادة ينشأ عنها لبس؟ ومن حيث إضافة الصفة للموصوف وهو غير مقيس، ولا شك أن ما ذكره الجمهور من أن (غَيْرَ) حال وإن لزم منه الترك للمفهوم فهو أولى من تخريج ينبو عنه المفهوم، والمفهوم هنا متروك لدليل خارج، وكثير في القرآن مفهومات متروكة لعارض. اهـ
وقال الحلبي: هذا الذي ذكره أبو حيان وأجازه وغلط فيه الناس ليس بشيء وفيه خرق للإجماع، فإنَّهُم لم يعربوا (غَيْرَ) إلا حالاً حتى نقل عن بعضهم الإجماع على ذلك، وإنما اختلفوا في صاحب الحال.
قال: وقديماً وحديثاً استشكل الناس هذه الآية. اهـ
ثم قال السفاقسي: ويمكن فيه تخريجان:
أحدهما: أن يكون (غَيْرَ) استثناء منقطعاً، و (مُحِلِّي) جمع على بابه والمراد به: الناس الداخلون حل الصيد؛ أي: لكن إن دخلتم حل فلا يجوز لكم الاصطياد.
والثاني: أن يكون متصلاً من بهيمة الأنعام، وفي الكلام حذف مضاف إلى (مُحِلِّي) أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا صيد الداخلين حل الاصطياد وأنتم حرم فلا يحل.
ويحتمل أن يكون على بابه من التحليل ويكون الاستثناء متصلاً والمضاف محذوف؛ أي: إلا صيد مُحِلِّي الاصطياد وأنتم حرم، والمراد بالمحلين: الفاعلون فعل من يعتقد التحليل فلا يحل، ويكون معناه: أن صيد الحرم كالميتة لا يحل أكله مطلقاً.
ثم قال السفاقسي: وعندي تخريج آخر حسن وهو أن يكون حالاً من ضمير (لَكم)
стр. 1159
وحذف المعطوف للدلالة عليه، وهو كثير وتقديره: غير محلي الصيد ومحليه كما قال تعالى (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) أي والبرد. اهـ
قوله: ((وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) حال عن ما استكن فى (مُحِلِّي)).
هي عبارة مكي.
قال الحلبي: وهي أصح من قول الكشاف حال عن (مُحِلِّي الصَّيْدِ) فإن فيه مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة. اهـ
قال الطَّيبي: والحالان متداخلتان. اهـ
قوله: (وهو اسم ما أشعر) .
قال الشيخ سعد الدين: التصريح في مثل هذا بلفظ الاسم لئلا يتوهم أنه صفة حيث له اشتقاق ظاهر ودلالة على معنى زائد على الذات، ودليل عدم الوصفية أنه لا يجري على الموصوف ولا يعمل عمل الفعل. اهـ
قوله: (كجدي فى جمع جدية السرج هى بالجيم والدال المهملة).
في الصحاح: الجَديَة: بتسكين الدال شيء محشو تحت دفتي السرج والرحل، وهما جديتان، والجمع جَدًى وجَدَيَات بالتحريك، وكذلك الجدية على فعيلة والجمع الجدايا. اهـ
قوله: (أو لحاء شجر).
بلام وحاء مهملة ومد: قشر الشجر.
قوله: (والجملة في موضع الحال من المستكن فى (آمِّينَ) وليست صفة له) إلى آخره. يشير إلى الرد على صاحب الكشاف حيث أعربه صفة.
وقال الشيخ سعد الدين: إنما أراد أن (آمِّينَ) و (يَبْتَغُون) صفتان لموصوف محذوف ولم يرد أن (يَبتَغُون) صفة لـ (آمِّينَ).
قوله: (روي أن الآية نزلت في عام القضية ... ) إلى آخره.
أخرجه ابن جرير عن عكرمة وسمى المذكور الحطم بن هند البكري.
стр. 1160
قوله: (قرئ بكسر الفاء).
قال أبو حيان: ليس عندي كسراً محضاً بل هو من باب الإمالة المحضة لتوهم وجود كسر همزة الوصل كما أمالوا الفاء في (فإذا) لوجود كسرة إذا. اهـ
وقال الطيبي: قيل كسر الفاء إمالة لإمالة ما بعده نحو (عمادا) على مذهب من يميله. اهـ
قوله: (لا يحملنكم أو لا يكسبنكم).
أتى بـ (أو) وهو أحسن من تعبير الكشاف بالواو لأن أبا حيان قال: يمتنع أن يكون مدلول (جرم) حمل وكسب في استعمال واحد لاختلاف مقتضاهما، فيمتنع أن يكون (تَعْتَدُوا) في محل مفعول به ومحل مفعول على إسقاط حرف الجر. اهـ
قوله: (وهو مصدر).
جوزوا كونه وصفاً و (فعلان) بالفتح في الأوصاف موجود نحو حمار قطوان: عسر السير، وتيس عدوان: كثير العدو.
قوله: (أضيف إلى للمفعول أو الفاعل).
قال أبو حيان: الأظهر الأول. اهـ
قوله: (كليان).
مصدر لويت ذنبه لياناً.
قوله: (أو نعت).
وهو الأظهر.
قوله: (ثاني مفعولى يجرمنكم).
هذا إن كان بمعنى يكسبنكم، فإن كان بمعنى يحملنكم كان نصباً على نزع الخافض وهو (على).
قوله: (فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين).
هذان الاستعمالان معاً للذي بمعنى كسب، ومن تعديه إلى واحد: جرم فلان ذنباً أي: كسب.
قوله: (جعله منقولاً من المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين).