قوله: (آمين ، اسم فعل الذي هو استجب)
الشيخ سعد الدين: هذا تحقيق لكونه اسما، مع أن مدلوله طلب الاستجابة، كاستجب، بمعنى أن دلالته على معنى استجب ليس من حيث إنه موضوع لذلك المعنى؛ ليكون فعلا، بل من حيث إنه موضوع لفعل دالٍّ على طلب الاستجابة، وهو استجب، كوضع سائر الأسماء لمدلولاتها.
وتحقيق ذلك أن كل لفظ وضع بإزاء معنى اسما كان، أو فعلا، أو حرفا، فله اسم علم، هو نفس ذلك اللفظ من حيث دلالته على ذلك الاسم، أو الفعل، أو الحرف، كما تقول في قولنا: خرج زيد من البصرة: " خرج " فعل، و " زيد " اسم، و" من " حرف جر، فتجعل كلا من الثلاثة محكوما عليه، لكن هذا وضع غير قصدي، لا يصير به اللفظ مشتركا، ولا يفهم منه معنى مسماه.
وقد اتفق لبعض الأفعال أن وضعت لها أسماء أخر غير ألفاظها، تطلق ويراد بها الأفعال من حيث دلالتها على معانيها، وسموها أسماء الأفعال، فآمين اسم موضوع بإزاء لفظ " استجب " أو ما يرادفه من صيغ طلب الاستجابة، لكن لا يطلق ويقصد به نفس اللفظ، كما في الأعلام المذكورة، بل ليقصد به " استجب " الدال على طلب الاستجابة، حتى يكون " آمين " مع أنه اسم لا ستجب كلاما تاما، بخلاف استجب الذي هو أمر.
ولما كانت اسمية أسماء الأفعال مبنية على هذا التدقيق ذهب بعض النحاة إلى أنها أسماء المصادر السادة مسد الأفعال، وإن جعلها أسماء الأفعال، ومفيدة لمعانيها قصرا للمسافة، ولهذا قال الزجاج: إن " آمين " حرف موضوع موضع الاستجابة، كما أن " صه " موضوع موضع السكوت، إلا أنهم احتاجوا إلى الفرق بينها وبين المصادر المنصوبة السادة مسد الأفعال، سيما التي لا أفعال لها، ولا تصرف فيها، حيث بنيت هذه، وأعربت تلك (١).
وقال ابن جني في " الخصائص: فإن قيل: ما الفائدة في وضع أسماء الأفعال؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: السعة في اللغة للاحتياج في قافية، أو وزن
стр. 247
والثاني: المبالغة، وذلك أنك في المبالغة لابد أن تترك موضعا إلى موضع، إما لفظا إلى لفظ، وإما جنسا إلى جنس، كلما تعدل عن عويض إلى عراض، وعن حسن ووضيء وكريم إلى حسان، ووضاء، وكرام؛ لأنها أبلغ.
والثالث: ما في ذلك من الإيجاز والاختصار، وذلك أنك تقول صه للواحد والاثنين والجمع والمؤنث، بخلاف اسكت، فلما اجتمعت هذه الفوائد وضعت، ومع ذلك فإنهم أبعدوا أحوالها من أحوال الفعل المسمى بها، وتناسوا تصريفه لتناسيهم حروفه.
ويدل على ذلك أنه لا ينصب المضارع بعدها مقرونا بالفاء، لا تقول: صه فتسلم؛ لأنه إنما نصب في جواب الفعل لتصور معنى المصدر فيه؛ لأن معنى " زرني فأكرمك " لتكن زيارة منك، فإكرام مني، فزرني دل على الزيارة؛ لأنه من لفظه، وليس كذلك صه؛ لأنه ليس من الفعل في قبيل ولا دبير، وإنما هو صوت أوقع موقع حروف الفعل، فلما لم يكن فعلا، ولا من لفظه قبح أن يستنبط منها معنى المصدر؛ لبعدها عنه. انتهى (١).
قوله: (وعن ابن عباس سألت رسول الله ﷺ عن معناه فقال: افعل)
أخرجه الثعلبي من طريق الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عنه (٤)
قوله: (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويَرْحَمُ اللهُ عَبْداً قَالَ آمِينَا
صدره:
يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّيْ حُبَّهَا أَبَداً (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 248
وقبله:
بَاتَتْ رَقُوْداً، وسَارَ الرَّكْبُ مُدَّلِجًا. . . وَمَا الأَوَاْنِسُ فِي فِكْرٍ لِسَارِيْنَا
كَأنَّ رِيْقَتَها مِسْكٌ عَلى ضَرَبٍ. . . شِيْبَتْ بِأصْهُبَ مِنْ بيع الشّأمِيْنَا
كذا. أورده صاحب (١) الحماسة البصرية (٢)، ولم يسم قائله
قوله: (. . . . . . . . . . . . . . . آمِيْنَ فَزادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدا)
قال البطليوسي في " شرح الفصيح (٣) ": هو لجبير بن الأضبط، وكان سأل الأسدي حمالة فَحَرَمَهُ، فقال:
تَبَاعَدَ مِنِّيْ فُطْحُلٌ أنْ (٤) سَألْتُهُ. . . أَمِيْنَ فَزادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْداً
" قال: وفطحل اسم الأسدي، وفيه روايتان: روية الكوفيين بضم الفاء، ورواية البصريين بفتحها، وكان يجب أن يقع " أمين " بعد قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فزاد الله ما بيننا بعدا
لأن التأمين يقع بعد الدعاء.
وذكر ابن درستويه أن القصر ليس بمعروف، وإنما قصره الشاعر في هذا البيت للضرورة، وروي البيت:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فآمين زاد الله ما بيننا بعدا
بالمد وتقديم الفاء، فلا يكون فيه احتجاج (٥). انتهى.
وقال التبريزي في " شرح أبيات إصلاح المنطق ": الوجه أن يقال:
" فزاد الله ما بيننا بعدا آمين " فقدم وأخر للضرورة (٦).
وقال غيره: الرواية:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فآمين زاد الله. . . . . . ..
وعلى هذا فلا شاهد فيه على القصر قوله (لقوله ﵊:
стр. 249
" علمني جبريل عند الفراغ (١) من قراءة الفاتحة، وقال: إنه كالختم على الكتاب ")
روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " والبيهقي في " الدلائل ": عن أبي ميسرة أن جبريل أقرأ النبي ﷺ فاتحة الكتاب، فلما قال: (ولا الضالين) قال له: قل: آمين، فقال: آمين (٢).
وروى أبو داود في " سننه " عن أبي زهير النميري (٣) أحد الصحابة أنه قال: آمين مثل الطابع على الصحيفة، أخبركم عن ذلك: خرجنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فاتينا على رجل قد ألح في المسألة، فقال النبي ﷺ : " أوجب إن ختم " فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ فقال: " بآمين (٤) "
وقد عرف بهذا أن المصنف أورد حديثين، لا حديثا واحدا، وأن الضمير في قوله وقال، للنبي ﷺ ، لا لجبريل.
قال الشيخ أكمل الدين، والشيخ سعد الدين في قوله: " كالختم على الكتاب ".
يعني أنه يمنع الدعاء من فساد الخيبة، كما أن الطابع على الكتاب يمنع فساد ظهور ما فيه على الغير.
زاد الشيخ أكمل الدين: ومعنى قوله: " أوجب " إجابة الدعاء (٥)
قوله: (وفي معناه قول علي رضي الله تعالى عنه عند آمين: خاتم رب العالمين، ختم به دعاء عبده)
لم أقف عليه عن علي، وإنما أخرجه الطبراني في " الدعاء " وابن عدي في " الكامل " وابن مردويه في " التفسير " بسند ضعيف عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " آمين خاتم رب العالمين على عباده
стр. 250
المؤمنين (١) "
قوله: (لما روي عن وائل بن حجر أنه ﷺ كان إذا قرأ (ولا الضالين) قال: " آمين " ورفع بها صوته).
أخرجه أبو داود، والترمذي، والدارقطني - وصححه - وابن حبان (٢).
قوله: (والمشهور عنه أنه يخفيه كما رواه عنه عبد الله بن مغفل، وأنس قال الشيخ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه (٣).
وأخرج الطبراني في " الكبير " عن أبي وائل (٤) قال: كان علي، وعبد الله - يعني ابن مسعود - لا يجهران بالتأمين (٥)
قوله: (لقوله ﵊: " إذا قال الإمام: (ولا الضالين) فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٦) ")
أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، ووقع في " أمالي الجرجاني (٧) " في آخر هذا الحديث زيادة (٨): " وما تأخر (٩) " وعليها اعتمد الغزالي في
стр. 251
" الوسيط (١) ".
وأحسن ما فسر به هذا الحديث ما رواه عبد الرزاق، عن عكرمة قال: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد (٢).
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: مثل هذا لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى (٣).
قوله: (وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لأبيّ: " ألا أخبرك بسورة. . .) (الحديث)
أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، والحاكم، وصححه على شرط مسلم (٤).
قوله: (وعن ابن عباس بينا رسول الله ﷺ جالس إذ أتاه ملك. . . الحديث) أخرجه مسلم (٥).
قوله: (وعن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: " إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من صبيانهم في الكُتّاب (الحمد لله رب العالمين) فيسمعه الله تعالى، فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة ")
أخرجه الثعلبي في " تفسيره (٦) "، وهو موضوع.
قال الشيخ ولي الدين العراقي: في سنده أحمد بن عبد الله الجويباري (٧)،
стр. 252
ومأمون بن أحمد الهروي (١)، كذّابان، وهو من وضع أحدهما (٢).
وقال الطيبي: المكتب، والكُتُّاب مكان التعليم، وقيل: الكتاب الصبيان (٣).
الجوهري: الكُتَّاب الكتبة، والكُتُّاب أيضاً والمكتب واحد (٤).
وعن المبرد من قال للموضع: الكتاب فقد أخطأ (٥).
وتعقبه الشيخ أكمل الدين بأن الأزهري نقل (٦) عن الليث (٧) - تلميذ الخليل - إطلاقه على المكان أيضاً، موافقا لما ذكره الجوهري في " صحاحه (٨) ".
وفي معنى الحديث ما أخرجه الدارمي في مسنده عن ثابت بن عجلان الأنصاري (٩) قال: كان يقال: إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض، فإذا سمع تعليم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم (١٠).
يعني بالحكمة القرآن، ولفظ " كان يقال " حكمه الرفع، فإن صدر من صحابي كان مرفوعا متصلا، أو من تابعي فمرفوع مرسل.
وقال الإمام أحمد في " الزهد ": حدثنا سيار (١١)،. . . . . . . . . . . . .
стр. 253
حدثنا جعفر (١) قال: سمعت مالك بن دينار (٢) يقول: إن الله يقول:
" إني أريد أن أعذِّبَ عبادي، فإذا نظرت إلى جلساء القرآن، وعمّار المساجد، وولدان الإسلام سكن غضبي (٣) ".
يقول: صرفت عذابي.
* * *
تنبيه: عادة المفسرين ذكر ما ورد في فضل السور في أولها؛ لما فيه من الترغيب والحث على حفظها، وذكره الزمخشري - وتبعه المصنف - في آخرها.
وقد سئل الزمخشري عن وجه ذلك، فأجاب بأن الفضائل صفات لها، والصفة تستدعي تقديم الموصوف.
стр. 254
سورة البقرة
قوله: (وسائر الألفاظ التي يتهجا بها)
في " الأساس ": هو يهجو الحروف ويتهجاها، يعددها، ومن المجاز فلان يهجو فلانا هجاء، يعدد معايبه (١).
الشريف: التهجي تعديد الحروف بأسمائها (٢).
الشيخ أكمل الدين: قالوا: التهجي تعديد الحروف، فإنك إذا قلت: " ضرب " مركب من ض رب فقد عددت الحروف البسيطة التي هي مادة الكلمة قبل أن تجعل له صيغة (٣).
قوله: (لدخولها في حد الاسم)
قال الإمام فخر الدين: لأن الضاد مثلا لفظة مفردة دالة بالتواطئ على معنى مستقل بنفسه، من غير دلالة على الزمان المعين لذلك المعنى، وذلك المعنى هو الحرف الأول من " ضرب (٤) ".
قوله: (واعتوار ما يختص به) أي تداوله
قوله: (من التعريف والتنكير والجمع والتصغير ونحو ذلك)
قال في " الكشاف ": " كالإمالة والتفخييم والوصف والإسناد والإضافة، وجميع ما للأسماء المتصرفة (٥) "
قال الشيخ سعد الدين: كالتثنية والنسبة والنداء (٦)
قوله: (وبه صرح الخليل وأبو عليًّ)
في " الكشاف ": " قال سيبويه: قال الخليل يوما - وسأل أصحابه -: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في " ذلك " والباء التي في " ضرب "، فقيل: نقول: با، كافْ، فقال: إنما جئتم بالاسم، ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: " كه "، " به "
стр. 255
وذكر أبو علي في كتاب " الحجة " في " يس " وإمالة " يا ": أنهم قالوا: يا زيد
في النداء، فأمالوا وإن كان حرفا، قال: فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يمال من الحروف
من أجل الياء فلأن يميلوا الاسم الذي هو " يس " أجدر، ألا ترى أن هذه الحروف
أسماء لما يلفظ بها (١).
قوله: (وما روي عن ابن مسعود أنه ﷺ قال " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف (٢) ").
стр. 256
أخرجه الترمذي، وقال: صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة غيره، ولا هو في مسند الإمام أحمد على كبره.
نعم أخرجه البخاري في " تاريخه "، وابن الضريس (١) في " فضائل القرآن " وأبو بكر ابن الأنباري في " كتاب المصاحف " والحاكم في " المستدرك "، وصححه، وأبو ذر الهروي (٢) في " فضائل القرآن "، والبيهقي في " شعب الإيمان ".
وأخرجه سعيد بن منصور في " سننه "، وابن أبي شيبة، والدارمي عن ابن مسعود موقوفا.
قوله: (فالمراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه، فإن تخصيصه به عرف مجدد، بل المعنى اللغوي، ولعله سماه باسم مدلوله)
عبارة الإمام: سماه حرفا مجازا لكونه اسم الحرف، وإطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور (٣).
قوله: (وحدانا) جمع واحد، كركبان جمع راكب
قوله: (واستعيرت الهمزة مكان الألف)
قال الطيبي: ذكر ابن جني في " سر الصناعة " إن الألف في الأصل اسم الهمزة، واستعمالهم إياها في غيرها توسع، وذلك أن الهمزة تصير هذه المدة إذا أتى في آخر الاسم، ثم لما غلب استعمال الألف في هذه المدة أهمل ما وضع عليها (٤).
قوله: (وهي ما لم تلها العوامل)
قال الشريف: أي تقترن بها وتتعلق بها، سواء تقدمت عليها أو تأخرت عنها (٥).
قوله: (موقوفة خالية عن الإعراب)
стр. 257
قال الطيبي: يعني أن سكونها ليس للبناء؛ لأن الأسماء المبنية إما مبنية على الحركة كأين، وكيف، وهؤلاء، أو على السكون على وجه لا يلزم منه التقاء الساكنين كمتى، وحتى، وهذه ليست كذلك؛ لأنها لو بنيت لقيل صادَ، وقافَ بالفتح كالمبنيات، ولم يقل: صاد وقاف، بهزيد وعمرو جمعا بين الساكنين.
قال: والوقف قطع الكلمة عما بعدها، وهذه الفواتح وإن وصلت بما بعدها لفظا لكنها موقوفة نية (١).
قوله: (لفقد موجبه ومقتضيه)
قال الطيبي: وهو التركيب (٢)
الشيخ أكمل الدين: قد اختلف النحويون في أن هذه الألفاظ قبل التركيب معربة أو مبنية، فمنهم من ذهب إلى أنها مبنية، وعَرَّفَ المبني بما ناسب مبني الأصل، أو وقع غير مركب، وعرّف المعرب بالمركب الذي لم يشبه مبني الأصل، واختار المصنف أنها معربة، وقال: المعرب هو ما لو اختلف العوامل في أوله لاختلف آخره، وهذه الأسماء بهذه المثابة، فإنك تقول: هذه ألف، وكتبت ألفا، ونظرت إلى ألف (٣).
وعلى هذا لا فرق بين هذه الأسماء، وبين زيد وعمرو قبل التركيب، فمن جعلها مبنية جعلها كذلك، ومن جعلها معربة جعلها كذلك.
لكن اعترض على المصنف بأن كلامه متناقض، فإن القول بأنها معربة ينافي القول بأن لا يمسها الإعراب، لفقد موجبه، وإذا فقد مقتضى الإعراب وجب البناء؛ إذ لا متوسط.
قال: وأقول: لا تناقض في كلامه؛ لأن المعرب يطلق على الاسم الذي هو معروض الإعراب، مع عارضه، وعلى المعروض فقط بالاشتراك اللفظي، فالمراد بالمعرب في قوله: " أسماء معربة " المعروض فقط، وبقوله: " لا يمسها إعراب (٤) " نفي المعرب بالمعنى الأول (٥). انتهى.
стр. 258
وكذا قال الشيخ سعد الدين، فرق بين المعرب بالمعنى المقابل للمبني، والمعرب بالمعنى الذي مسه وأدركه الإعراب، والقصد هاهنا إلى بيان الأول (١).
قلت: هذا التناقض إنما يأتي على كلام " الكشاف "؛ لأنه صرح بأنها معربة، وبأنها خالية عن الإعراب، لفقد مقتضيه وموجبه (٣).
والمصنف لم يصرح بأنها معربة، بل اقتصر على كونها خالية من الإعراب، ثم قال: (لكنها قابلة إياه، معرضة له؛ إذ لم تناسب مبني الأصل) فكأنَّه أراد بذلك بيان معنى قول " الكشاف ": " إنها معربة " () ٣ أي أنها قابلة للإعراب، معرضة له، غير مبنية؛ لفقد سبب البناء.
وهذا حوم حول المذهب الثالث فيها: أنها واسطة بين المعرب والمبني، وقول المعترض السابق: إذ لا متوسط، ناشئ عن عدم الإطلاع؛ إذ القول بذلك هنا ثابت مشهور.
قال أبو حيان: في " إعرابه ": (ألم) أسماء، مدلولها حروف المعجم، ولذلك نطق بها نطق حروف المعجم، ؤهي موقوفة الآخر لا يقال: إنها معربة؛ لأنها لم يدخل عليها عامل فتعرب، ولا يقال: إنها مبنية، لعدم سبب البناء، لكن أسماء حروف قابلة لتركيب العوامل عليها فتعرب، تقول: هذه ألف حسنة، ونظير سرد هذه الأسماء موقوفة أسماء العدد إذا عدوا، يقولون: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة (٤).
وقال ابن فاسم في (٥) " شرح الألفية ": وذهب قوم إلى أن الأسماء قبل التركيب موقوفة، لا معربة ولا مبنية، واختاره ابن عصفور (٦).
стр. 259
ومما يناسب التقرير (١) الأول قال ابن يعيش في " شرح المفصل ": المراد بالمعرب ما كان فيه إعراب، أو كان قابلا للإعراب، وليس المراد منه أن يكون فيه إعراب لا محالة، ألا ترى أنك تقول في زيد ورجل: إنهما معربان وإن لم يكن فيهما في الحال إعراب؛ لأن الاسم إذا كان وحده مفردا من غير ضميمة إليه لم يستحق الإعراب؛ لأن الإعراب إنفا يؤتى به للفرق بين المعاني، فإذا كان وحده كان كصوت تصوت به، فإن ركبته مع غيره تركيبا تحصل به الفائدة، فحينئذٍ يستحق الإعراب (٢).
قوله: (عنصر الكلام وبسائطه)
في " الصحاح ": العُنْصُرُ والعُنْصَرُ الأصل (٣). والبسائط جمع بسيطة، بمعنى مبسوطة، وهي المنشورة.
قوله: (افتتحت السورة بطائفة منها إيقاظا لمن تحدي بالقرآن، وتنبيها على أن المتلوَّ عليهم كلام منظوم مما ينظمون منه كلامهم)
اختار المصنف هذا القول تبعا لصاحب " الكشاف " (٤)، وهو رأي لبعضهم، ولم يثبت عن أحد من الصحابة والتابعين ولا أتباعهم.
قوله: (لما عجزوا عن آخرهم)
قال الطيبي: أي عجزا صادرا عن آخرهم، فإذا صدر العجز عن آخرهم فيكون قد صدر عن جميعهم متجاوزا عن آخرهم (٥).
وقال الشيخ أكمل الدين: تقديره: عن أولهم إلى آخرهم، فحذف متعلق " عن "، ومتعلق " آخرهم " (٦).
قوله: (حروف المعجم)
стр. 260
قال في " الصحاح ": العجم النقط بالسواد وغيره، مثل: على التاء نقطتان، يقال: أعجمت الحروف، ومثله التعجيم، ولا تقل: عجمت، ومنه حروف المعجم، وهي الحروف المقطعة التي يختص أكثرها بالنقط من بين سائر حروف الأمم، ومعناه حروف الخط المعجم، كمسجد الجامع، أي مسجد اليوم الجامع، وناس يجعلون المعجم بمعنى الإعجام مصدراً، مثل المدخل والمخرج، أي من شأن هذه الحروف أن تعجم (١). انتهى.
قال الشيخ سعد الدين: وقد يقال: معناه حروف الإعجام، أي إزالة العجمة، وذلك بالنقط (٢).
وقال الشيخ أكمل الدين: روى الأزهري عن الليث قال: المعجم الحروف المقطعة، سميت معجمة لأنها أعجمية، أي لا بيان لها، وإن كانت أصلا للكلام كله (٣).
قوله: (المجهورة) هي ما ينحصر جري النفس مع تحركه، وحروفها: ظل قو ربض إذا غزا جند مطيع.
ْقوله: (ومن الشديدة) هي ما ينحصر جري الضوت عند إسكانه في مخرجه، فلا يجري، والرخوة ضدها
قوله: (ومن المطبقة) هي ما ينطبق ما يحاذي اللسان من الحنك عليه عند خروجها، والمنفتحة ضدها.
قوله: (ومن القلقة) هي ما ينضم إلى الشدة فيها ضغط في الوقف.
قوله: (اللام في " أصيلال ") أي فإنها بدل من النون.
قال في " الصحاح ": الأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أُصُلٌ، وآصال، وأصائل، ويجمع أيضاً على أُصْلان مثل بعير وبُعران، ثم صغروا الجمع، فقالوا: أُصَيْلان، ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا: أصيلال (٤).
وفي " تذكرة " أبي عليّ الفارسي: إن قيل في " أصيلال ": كيف زعمتم أن اللام بدل من النون في " أصيلان "، وهلا قلتم: إن اللام لام كررت، والنون في "
стр. 261
أصيلان " بدل منها؟
قيل: هذا لا يجوز؛ لأن اللام لو كانت أصلا لم تثبت في التحقير الألف قبل اللام، ولانقلبت ياء، ألا ترى أنه لا يجوز في " شُمْلال " إلا شُمَيْلِيْل، فلو كانت اللام الأصل لكانت مثل شميليل في التحقير، ولا يكون أُصَيْلال جمعًا؛ لأن هذا الضرب من الجمع لا يحقر، ولكنه اسم اختص به التحقير، كسائر الأسماء التي لم تستعمل في غير التحقير.
قوله: (والفاء في " جدف " والثاء في " ثروغ " الدلو)
يريد بذلك إبدال الثاء فاء، وإبدال الفاء ثاء.
قال ابن السكيت في كتاب " الإبدال ": باب الفاء والثاء، يقال: جدف، وجدث للقبر. . . إلى أن قال: ويقال: هو فروغ الدلو، وثروغها (١). والفرغ مخرج الماء من الدلو من بين العراقي.
قوله: (والعين في " أعن ")
يشير إلى إبدال الهمزة عينا في لغة تميم، يقولون في نحو: أعجبني أن تفعل: عن تفعل، قال ذو الرمة:
أَعَنْ تَوَسَّمْتَ (٢) مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً. . . مَاءُ الصَّبَابَةِ مِنْ عَيْنَيْكَ مَسْجُوْمُ (٣)
أي أَأَنْ، وكذا يفعلون في " أَنَّ " المشددة، فيقولون: أشهد عنَّ محمدا رسول الله، وتسمى عنعنة تميم.
قوله: (والباء في با اسمك) يشير إلى إبدال الميم باء في لغة مازن.
قال المازني: فى خلت على الخليفة الواثق (٤) فقال لي: ممن الرجل؟ فقلت: من بني مازن، فقال: با اسمك؟ يريد ما اسمك، وهي لغة قومي، يبدلون الميم باء، ثم قال لي: اجلس فاطبئن، يريد فاطمئن، وذلك لما أحضره ليسأله عن قول
стр. 262
الشاعر:
أَظَلُوْمُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً (١). . . . . . البيت
وقال ابن جني في " سر الصناعة ": أخبرنا أبو علي بإسناده إلى الأصمعي قال: كان أبو سوار الغنوي: يقول: با اسمك؟. يريد ما اسمك؟ فهذه الباء بدل من الميم.
وقالوا: بُعْكُوْكَةٌ، وأصلها مُعْكُوْكَةٌ، فالباء بدل من الميم (٣). انتهى.
قوله: (بذلق اللسان) أي طرفه
قوله: (مكثورة بالمذكورة) أي مغلوبة بالكثرة، أي المذكورة (٤) غالبة على غير المذكورة، ومنه كاثره، أي غالبه بالكثرة.
قوله: (وذكر ثلاث مفردات) هي ص، ق، ن (وأربع ثنائيات) هي طه، طس، يس، حم.
قوله: (في تسع سور) أي بإسقاط سورة الشووى
قوله: (وثلاث ثلاثيات) هي الم، الر، طسم (ورباعيتين) هما المص، المر، (وخماسيتين) هما كهيعص، حم عسق
قوله: (وقيل: هي أسماء السور، وعليه إطباق الأكثر)
عبارة الإمام: وهو قول أكثر المتكلمين، واختيار الخليل، وسيبويه (٥). ونعما هي، فإن الأكثر مطلقا لم يذهبوا إليه.
وقد نقض هذا القول بأمور ذكرها المصنف بعد ذلك مع الجواب عنها.
وأحسن ما ينقض به - ولم يذكره - أن أسماء السور توقيفية، ولم يرو مرفوعا ولا موقوفا عن أحد من الصحابة ولا التابعين أن هذه أسماء للسور، فوجب إلغاء القول بذلك.
ونقضه الإمام بأنها لو كانت أسماء لها لوجب اشتهارها بها، وقد اشتهرت
стр. 263
بغيرها، كسورة البقرة، وآل عمران (١).
قوله: (مقدرتهم) بالضم، أي قدرتهم
قوله: (قلت لها: قفي فقالت: قَافْ لا تَحْسَبِنْ أَنَّا نَسِيْنَا الإيْجَافْ) (٢)
كذا. في النسخ، وصدره محرف، وغير موزون كما ترى، والصواب كما أورده ابن جني في " الخصائص "
قلنا لها: قفي لنا قالت: قاف (٣). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في " الأغاني " عن أبي بكر الباهلي (٥)، عن بعض من حدثه قال: لما شُهِدَ على الوليد (٦) عند عثمان بشرب الخمر كتب إليه يأمره بالشخوص، فخرج وخرج معه قوم، فيهم عدي بن حاتم (٧)، فنزل الوليد يوما يسوق بهم، فقال يرتجز:
لا تَحْسَبِنُّا قد نَسِيْنَا الإِيْجَافَ. . . والنُّشَوَاتِ مِنْ مُعَتَّقٍ صافْ (٨)
وعَزْفَ قَيْنَاتٍ عَلَيْنَا عُزَّافْ
فقال عدي: فأين تذهب بنا؟ إذن أقيم (٩).
قوله: (روي عن ابن عباس أنه قال: الألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه)
стр. 264
قلت: هذا إنما روي عن أبي العالية (١).
كذا أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).
قوله: (وعنه أن الر، وحم، ونون مجموعها الرحمن) أخرجه ابن أبي حاتم (٣)
قوله: (وعنه أن الم معناه: أنا الله أعلم)
أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر (٤)، وابن أبي حاتم من طرق عنه (٥)
قوله: (وعنه أن الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد)
هذا لا يعرف عن ابن عباس، ولا غيره من السلف
قوله: (أو إلى مدد أقوام وآجال بحساب الجُمَّلِ، كما قاله أبو العالية)
أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٦).
قوله: (متمسكا بما روي أنه ﵊ لما أتاه اليهود) الحديث.
أخرجه البخاري في تاريخه، وابن جرير، من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب (٧). وسنده ضعيف.
стр. 265
وجابر (١) المذكور صحابي آخر غير جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري المشهور.
قال ابن عبد البر في " الاستيعاب ": شهد بدرا وسائر المشاهد، وهو أول من أسلم من الأنصار قبل العقبة الأولى.
وذكر الحافظ ابن حجر في " الإصابة " أن روايته قليلة جدا (٢).
قوله: (هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للتنبيه)
جوابه ما قاله الخويي: إن القرآن كلام لا يشبه الكلام، فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد؛ لتكون أبلغ في قرع الأسماع.
قوله: (وناهيك)
قال في " الصحاح ": يقال: هذا رجل ناهيك من رجل، وتأويله أنه بجده وغنائه ينهاك عن تطلب غيره، وهذه امرأة ناهيتك من امرأة، تذكر وتؤنث، وتثنى وتجمع؛ لأنه اسم فاعل، فإذا قلت: نَهْيُكَ من رجل، كما تقول: حسبك من رجل لم تثن ولم تجمع؛ لأنه مصدر (٣).
وقال أبو بكر ابن الأنباري في كتاب " الزاهر ": قولهم: ناهيك بفلان معناه كافيك به، من قولهم: فد نَهِيَ الرجلُ من اللحم، وأنهى إذا اكتفى منه وشبع (٤).
وقال في " القاموس ": نهيك من رجل، وناهيك منه، ونهاك بمعنى حسب (٥).
قوله: (بتسوية سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر (٦)).
قال الطيبي: ومنه قوله في باب الترخيم: ولو رخمت تأبط شرا من الأسماء لرخمت رجلا مسمى (٧) بقول عنترة:
стр. 266
يا دارَ عَبْلَةَ بالجِوَاءِ تَكَلَّمِيْ (١). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
قوله: (والوجه الأول أقرب) إلى آخره.
ما ذكره من ترجيحه ممنوع؛ لأنه قول لا دليل عليه، ولا قاله أحد من السلف، بل هو رأي محض في كتاب الله لم يعضده مستند، ولا يخفى ما فيه من التكلف والتمحل.
قوله: (وقيل: إنها أسماء القرآن)
أخرجه ابن جرير، عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة (٣).
قوله: (وقيل: إنها أسماء الله)
أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في " الأسماء والصفات " عن ابن عباس، وسنده صحيح (٤).
قوله: (ويدل عليه أن عليا ﵁ كان يقول: يا كهيعص، يا حم عسق)
أخرج ابن ماجه في تفسيره من طريق نافع بن أبي نعيم القارئ، عن فاطمة بنت علي ابن أبي طالب (٥) أنها سمعت علي بن أبي طالب يقول: يا كهيعص اغفرلي (٦).
قوله: (ولعله أراد يا منزلهما)
يرده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله (كهيعص): إن معناه: يا من يجير ولا يجار عليه.
ومثله ما أخرجه عن أشهب (٧) قال سألت مالكا أينبغي لأحد أن يتسمى
стр. 267
بـ " يس " قال: لا، يقول الله (يس والقرآن الحكيم) يقول: هذا اسمي، تسميت (١) به.
وكذا حديث " إن بيتم الليلة فقولوا: حم لا ينصرون " (٢)
قوله: (وقيل: إنها سر استأثر الله بعلمه)
أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان في التفسير عن داود بن أبي هند (٣) قال: كنت أسال الشعبي (٤) عن فواتح السور، فقال: يا داود إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور، فدعها، وسل عما بدا لك.
وحكاه الثعلبي وغيره عن أبي بكر الصديق ﵁، وعلي بن أبي طالب ﵁، وكثير.
وحكاه السمرقندي (٥) عن عمر، وعثمان، وابن مسعود رضي الله تعالى
стр. 268
عنهم (١).
وحكاه القرطبي عن سفيان الثوري، والربيع بن خثيم (٢)، وأبي بكر ابن الأنباري، وأبي حاتم (٣)، وجماعة من المحدثين، واختاره (٤).
وحكاه الإمام فخر الدين عن ابن عباس، والحسين بن الفضل (٥)، ومال إليه (٦).
وقال السجاوندي (٧): المروي عن الصدر الأول في التهجي أنها أسرار بين الله تعالى
وبين نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وقد تجري بين المحرمين (٨) كلمات مُعَمَّاة تشير إلى سِرّ بينهما، وتفيد تحريض الحاضرين على استماع ما بعد ذلك،
стр. 269
وهذا معنى قول السلف: حروف التهجي ابتلاء لتصديق المؤمن، وتكذيب الكافر.
هذا وهي أعلام توقظ من رقدة (١) الغفلة بنصح التعليم، وتنشط في إلقاء السمع على شهود القلب للتعظيم، كمن أراد الإخبار بمهم حرّك الحاضر بيديه، أو صاح به غيره؛ ليقبل بكله عليه.
ومصداق ذلك أن معظمها معقبة بذكر الكتاب.
وقد قلبت الرأي ظهرا لبطن في تأويل معاني هذه الحروف سنين، ونَيَّفَتِ الأقاويلُ المختارة على ستين، ولم أتحصل على ثلج اليقين، ولا ظفر الجهد على المراد قادر اليمين حتى استروحت إلى هذا الوجه من التحري. انتهى.
قوله: (فإن جعلتها أسماء الله تعالى، أو القرآن، أو السور كان لها حظ من الإعراب، إما الرفع) إلى آخره.
اعلم أن للرفع وجهين، وللنصب وجهين، وللجر وجها واحدا، فوجها الرفع إما أن يكون مبتدأ، و (ذلك الكتاب) خبره، وإما أن يكون خبر مبتدإ محذوف، أي هذه (الم).
وأما وجها النصب فإما المفعولية، تقديره أقرأ، أو أتلو (الم) وإما بحذف حرف القسم على رأي من ينصب به.
وأما الجرّ فبتقدير حذف حرف القسم، والجر به.
قوله: (والجر على إضمار حرف القسم)
قال ابن هشام في " المغني ": من الوهم قول كثير من المعربين والمفسرين في فواتح السور: إنه يجوز كونها في موضع جر بإسقاط حرف القسم، وهذا مردود بأن ذلك مختص عند البصريين باسم الله سبحانه، وبأنه لا أجوبة للقسم في سورة البقرة، وآل عمران، ويونس، وهود، ونحوهن.
ولا يصح أن يقال: قدر (ذلك الكتاب) في البقرة، و (الله لا إله إلا هو) في آل عمران جوابا، وحذفت اللام من الجملة الاسمية كحذفها في قوله:
وَرَبِّ السَّموات العُلا وبُرُوْجِهَا. . . والأرضِ وما فيها: المُقَدَّرُ كَائِنُ (٢)
لأن ذلك على قلته مخصوص باستطالة القسم (٢). انتهى.
стр. 270
قوله: (ويتأتى الإعراب لفظا والحكاية فيما كانت مفردة، أو موازنة لمفرد كـ (حم)
الشيخ سعد الدين: قيل ينبغي أن يتعين الإعراب، ولا تسوغ الحكاية كسائر الأعلام المنقولة من المفردات، أو المركبات من كلمتين ليست بينهما نسبة، وإنما الحكاية فيما وقع علما لنفس ذلك اللفظ مثل " ضرب " فعل ماض، و " من " حرف جر، إشعاراً بأنه لم ينقل عن الأصل بالكلية، أو كانت جملة.
وأما إذا جعل مثل " ضرب " بدون اعتبار الضمير اسم رجل فلا وجه للحكاية.
وأجيب بأن ذلك في هذه الألفاظ خاصة إذا جعلت أعلاما للسور خاصة، أما إذا جعل صاد مثلا علما لرجل، والفاتحة علما للسورة، فلا حكاية، وذلك لأنها قد اشتهرت ساكنة الأعجاز وكثر استعمالها كذلك، فكأنها نقلت على تلك الهيئة، سيما وفيها شمة من ملاحظة الأصل، من جهة أن مسمياتها مركبة من الحروف المبسوطة، فعليها مسحة من قولك: " ضرب " فعل ماض، و " من " حرف جر (١).
قوله: (وإن جعلتها مقسما بها)
قال الإمام: أقسم الله بها لشرفها؛ لأنها مباني كتبه المنزلة، وأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم (٢).
* * *
فائدة: قال أبو بكر ابن الأنباري في كتاب " الوقف والابتداء " إن قال قائل: كيف كتب فى المصحف (الم) و (الر) و (المر) موصولا، والهجاء مقطع، لا ينبغي أن يتصّل بعضه ببعض؛ لأنك لو قال قائل: ما هجاء زيد؟ كنت تقول: زاي، يا، دال، وتكتبه مقطعا؛ لتفرق بين الهجاء والحروف (٣)، وبين قراءته؟
فيقال له: إنما كتبوا (الم) وما أشبهها موصولا؛ لأنه ليس بهجاء لاسم معروف، إنما هو حروف اجتمعت، يراد بكل حرف منها معنى، ولو قطعت إذ (٤) جزمت لكان صوابا. انتهى (٥).
قوله: (" ذلك " إشارة إلى (الم) إلى آخره
стр. 271
حاصله أنه ردد بين كونه إشارة إلى (الم) أو إلى الكتاب الموعود به، فتكون اللام في الكتاب للعهد الذهني.
والتحقيق أنه إشارة إلى الكتاب الحاضر، واللام للعهد الحضوري (١) قال ابن عصفور: كل لام واقعة بعد اسم الإشارة، أو أيِّ في النداء، أو إذا الفجائية فهي للعهد الحضوري.
* * *
تنبيه: عبارة " الكشاف ": " وقعت الإشارة إلى (الم) (٢) "
قال الشيخ أكمل الدين: وفيه بحث؛ لأن المراد بالكتاب هو القرآن، وحينئذ، على كل حال لا تصح الإشارة إلى (الم) وإن فسر بالسورة؛ لأنه جزء من القرآن، والجزء لا يكون الكل، ولا مجازا عنه؛ لأنه ليس ملزوما للكل، والمجاز ذكر الملزوم وإرادة اللازم، واذا كان المشار إليه هو الموعود في الكتب المتقدمة لا يجوز أن يقع (ذلك الكتاب) خبرا عن (الم) لأن الموعود هو القرآن كله، لا (الم)
وأما إذا كان الموعود هو النبي ﷺ فيجوز أن يكون المراد بقوله (قَوْلًا ثَقِيلًا) ويكون الكتاب عبارة عن هذه السورة. كذا قيل.
قال: ويمكن أن يقال: الكتاب مفهوم بسيط يشترك جزؤه وكله في الاسم والرسم كالماء، والدليل على ذلك إجماع العلماء على إطلاق الكتاب على آية يثبت بها حكم شرعي، كقولهم: فرض الوضوء ثابت بالكتاب، وهو قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) [سورة المائدة ٧] وإنما هي آية، وحينئذٍ يكون (ذلك) إشارة إلى (الم) على أنه الكتاب، لا على أنه جزؤه (٣). انتهى.
قوله: (فإنه لما تكلم به وانقضى، أو وصل من المرسل إلى المرسل إليه أشير إليه بما يشار به إلى البعيد)
عبارة " الكشاف ": " وقعت الإشارة إلى (الم) بعد ما سبق التكلم به وانقضى (٤)، والمنقضي في حكم المتباعد، وهذا في كل كلام، يحدث الرجل بحديث، ثم يقول: ذلك مما لاشك فيه، ويحسب الحاسب، ثم يقول: فذلك كذا وكذا، قال
стр. 272
الله تعالى (لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) [سورة البقرة ٦٩] وقال (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) [سورة يوسف ٣٨] ولأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك - وقد أعطيته شيئا -: احتفظ بذلك، وقيل: معناه ذلك الكتاب الذي وعدوا به " (١).
قال الطيبي: وأحسن ما قيل في توجيه الإشارة إليه بصيغة البعد = ما ذكره صاحب " المفتاح " قال: (ذلك الكتاب) ذهابا إلى بعده درجة (٢).
وقال الإمام: إن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة، وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها، فهو - وإن كان حاضرا نظرا إلى صورته - غائب نظرا إلى أسراره وحقائقه، فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب.
قوله: (وتذكيره متى أريد بـ (الم) السورة، لتذكير (الكتاب) فإنه خبره)
جواب سؤال مقدر، تقديره كما أفصح به في " الكشاف ": " لم ذَكَّرَ اسم الإشارة، والمشار إليه مؤنث، وهو السورة " (٣)؟
وحاصل الجواب تخريجه على القاعدة المعروفة إذا توسط الضمير، أو الإشارة بين مبتدإ وخبر، أحدهما مذكر، والآخر مؤنث جاز في الضمير، والإشارة التذكير والتأنيث مراعاة لهذا ولهذا.
وفي هذا تسليم السؤال، والإمام منعه من أصله، فقال: لا نسلم أن المشار إليه مؤنث؛ لأن المؤنث إما المسمى، أو الاسم، والأول باطل؛ لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن، وهو ليس بمؤنث، وأما الاسم فهو (الم) وليس بمؤنث (٤).
نعم ذلك المسمى له اسم آخر، وهو السورة، وهو مؤنث، وليست الإشارة إليه، بل إلى الاسم الآخر، وهو (الم) الذي ليس بمؤنث.
وقال الشيخ أكمل الدين: قوله: " إن المشار إليه مؤنث " فيه نظر؛ لأن المشار إليه (الم) وهو اسم للسورة، أو هو الموعود للأمم السالفة، ولا شيء منهما بمؤنث (٥) قوله: (ثم أطلق على المنظوم عبارة قبل أن يكتب لأنه مما يكتب)
стр. 273
قال الراغب: الكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفي التعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط، وقد يقال ذلك للمضموم بعضها إلى بعض في اللفظ، ولهذا سمي كتاب الله - وإن لم يكتب - كتابا (١)
* * *
قوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ) معناه أنه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا يرتاب العاقل) إلى آخره.
قال الطيبي: يعني ما نفى الريب بحيث ينتفي به المرتابون، وإنما نفى بطريق يرشد إلى أنه لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه، فإذن الكلام مع المرتابين، ويدل عليه أيضاً تصدير الكلام بأسامي حروف التهجي؛ لأنها كالتنبيه وقرع العصا لهم، كأنه قيل: أيها المرتابون تنبهوا من رقدة الجهالة، واعلموا أن القرآن من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه، فينطبق على هذا استشهاده بقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) [سورة البقرة ٢٢]
وتفسيره حتى إذا عجزوا عنها تحقق لهم أن ليس فيه مجال للشبهة (٢)
قوله: (فإنه ما أبعد عنهم الريب) إلى آخره
قال الطيبي: أي خاطب المصرين على الريب الجازمين فيه بما يدل على خلوهم عنه، ولم يقصد به أنهم غير مرتابين، وإنما قصد به إرشادهم وتعريفهم الطريق إلى مزيل الريب على سبيل الاستدراج، يعني أن الارتياب من العاقل في مثل هذا المقام واجب الانتفاء، فلا يفرض إلا كما يفرض المحالات، وأنتم عقلاء ألباء تفكروا فيه، وجربوا نفوسكم، وانظروا هل تجدون فيه مجالا للريب (٣).
قوله: (و (هدى) حال من الضمير المجرور، والعامل فيه الظرف)
قال أبو حيان: هذا مشكل؛ لأن الحال تقييد، فيكون انتفاء الريب مقيدا بالحال، أي لا ريب يستقر فيه في حال كونه هدى للمتقين، لكن يزيل الإشكال أنها حال لازمة (٤).
قوله: (سمي به الشك).
ظاهره ترادفهما، وليس كذلك، بل الريب أخص.
стр. 274
قال بعضهم: الريب شك مع تهمة.
وقال الإمام: الريب قريب من الشك، وفيه زيادة كأنه ظن سوء (١).
وقال الراغب: الفرق بين الشك والمرية والريب أن الشك وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة، والمرية التردد في المتقابلين وطلب الأمارة، مأخوذ من مَرَى الضَّرْعَ، أي مسحه للدر، فكأنَّه يحصل مع الشك تردد في طلب ما يقتضي غلبة الظن، والريب أن يتوهم في الشيء أمرٌ ما، ثم ينكشف عما توهم فيه (٢).
وقال الخويي: الشك لما استوى فيه الاعتقادان، أو لم يستويا ولكن لم ينته أحدهما درجة الظهور الذي يبني عليه العاقل الأمور المعتبرة، والريب لما لم يبلغ درجة اليقين وإن ظهر نوع ظهور، ولهذا حسن (لَا رَيْبَ فِيهِ) هنا، فإنه بيان لكون الأمر ظاهرا بالغا درجة اليقين بحيث لا يحصل فيه ريب فضلا عن شك.
قوله: (وفي الحديث " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشك ريبة، والصدق طمأنينة ")
أخرجه الترمذي من حديث الحسن بن علي، وصححه بلفظ " فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة " (٣).
قال الطيبي: دع ما اعترض لك الشك فيه منقلبا إلى ما لا شك فيه، فإذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه، فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق، وترتاب من الكذب، فارتيابك في الشيء منبئ عن كونه باطلا، فاحذره، واطمئنانك إلى الشيء مشعر بكون حقا، فاستمسك به، وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة
стр. 275
القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب، وأوساخ الآثام.
قال: وظهر أن قوله: " فإن الشك ريبة " لا يستقيم رواية، ولا دراية (١). انتهى.
وقد أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن أبي الدرداء موقوفا بلفظ: " فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة "
قوله: (والهدى في الأصل مصدر)
قال الطيبي: اضطرب كلام سيبويه في الهدى، فمرة يقول: هو عوض من المصدر؛ لأن فُعَلاً لا يكون مصدرا، وأخرى يقول: هو مصدر هدى (٢)
قوله: (ومعناه الدلالة) إلى آخره
مأخوذ من كلام الإمام حيث قال: الهدى عبارة عن الدلالة.
وقال صاحب " الكشاف ": " هي الدلالة الموصلة إلى البغية " والذي يدل على صحة الأول، وفساد الثاني أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرة في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء؛ لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهتداء محال، لكن الله تعالى أثبت الهدى مع عدم الاهتداء في قوله (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [سورة فصلت ١٨]
واحتج صاحب " الكشاف " بثلاثة أمور:
أحدها: وقوع الضلالة في مقابل الهدى في قوله تعالى (لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [سورة سبأ ٢٥] (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى)
ثانيها: أنه يقال: مهدي في موضع المدح كمهتدي، فلولا أن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهديا مدحا؛ لاحتمال أنه هدي، فلم يهتد.
ثالثها: أن اهتدى مطاوع هدى، يقال: هديته فاهتدى كما يقال: كسرته فانكسر وقطعته فانقطع، فكما أن الانكسار والانقطاع لازمان للكسر والقطع وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى.
стр. 276
والجواب عن الأوّل: أن الفرق بين الهدى والاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل الهدى هو الإضلال، ومقابل الاهتداء هو الضلال، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع.
وعن الثاني: أن المنتفع بالهدى يسمى مهديا، وغير المنتفع به لا يسمى مهديا؛ لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة العدم.
وعن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر يقال: أمرته فائتمر، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه أمرا حصول الائتمار، فكذا هذا (١). انتهى كلام الإمام.
قال الطيبي: والجواب عن إثبات الهدى مع عدم الاهتداء في آية (وأما ثمود) أن يقال: لا نسلم حصول الهدى الحقيقي؛ لأن المراد بإثبات الهدى تمكينهم عليه، بسبب إزاحة العلل من بعثة الرسول، وبيان الحق.
وعن قوله: " فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع " أن لو كان ممتنعا لم يقع في الآيتين، ولأن المراد بالمقابلة في الصناعة: الجمع بين اللفظين الدالين على المعنيين المتضادين حقيقة، أو تقديرا، سواء كانا متعديين، أم لازمين، أم أحدهما متعديا والآخر لازما، وهذا المعنى موجود في الآيتين، لا سيما في الأولى، فإنه صريح فيها لتوسيط كلمة التقابل.
وعن قوله: " إن المنتفع بالهدى يسمى مهديا، بخلاف غيره تنزيلا له منزلة العدم " أن هذا مجاز، والمهدي من الأوصاف التي تستعمل في المدح مطلقا، وذلك علامة الحقيقة.
وعن قوله: " أمرته فائتمر " ما قاله البزدوي (٢) في أصوله أن قضية الأمر لغة أن لا يثبت إلا بالامتثال؛ لأن أمر فعل متعد، لازمه ائتمر، ولا وجود للمتعدي إلا أن يثبت لازمه، كالكسر لا يتحقق إلا بالانكسار، إلا أن ذلك لو ثبت بالأمر نفسه لسقط الاختيار من المأمور أصلا، وللمأمور ضرب عندنا من الاختيار (٣).
ومعنى هذا الكلام أن أصحاب اللغة ما أثبتوا لكل فعل متعد لازما إلا إذا اتفقا
стр. 277
في الوجود.
وقال ابن الحاجب: معنى المطاوعة حصول فعل عن فعل، فالثاني مطاوِعٌ؛ لأنه طاوع الأول، والأول مطاوَعٌ؛ لأنه طاوعه الثاني، فإذا وجد المطاوَعُ وجب أن لا يتخلف عنه المطاوِعُ (١).
فإذن معنى أمرته فائتمر جعلته مؤتمرا فائتمر، لكن منع الائتمار معنى سقوط الاختيار، ولزوم الجبر، فعرض له عارض، فوجب العدول عن الحقيقة (٢). هذا
стр. 278
كلام الطيبي.
ثم قال: والواجب تحرير معنى الهدى، أهو حقيقة في الدلالة المطلقة، مجاز في الدلالة المخصوصة، أم عكسه، أم مشترك بينهما، أم موضوع للقدر المشترك، وهو البيان، فكلام الإمام يميل إلى الأول، وصاحب " الكشاف " إلى الثاني، والزجاج والواحدي إلى الأخير (١).
قوله: (واختصاصه بالمتقين) إلى آخره.
هذا السؤال مع ما أجاب به على ما اختاره من تفسير الهدى بمطلق الدلالة، أما على التفسير الثاني فلا يتوجه السؤال ألبتة، كما نبه عليه الإمام (٢)؛ لأن كون القرآن موصلا إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين.
نعم يقال عليه: كيف يستقيم (هدى للمتقين) والمتقون هم المهتدون؟ فهو من تحصيل الحاصل (٣).
ويجاب بجوابين:
أحدهما: أنه باعتبار الثبات والزيادة.
والثاني: أنه باعتبار ما يؤول، أي هدى للضالين المشارفين للتقوى، الصائرين إليها.
стр. 279
قوله: (وهو في عرف الشرع) إلى آخره
هذا حد المتقي، ويؤخذ منه حد التقوى.
الراغب: التقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف، وفي التعارف حفظ النفس عن كل ما يؤثم (١).
قوله: (حتى الصغائر عند قوم)
اعلم أنه اختلف في التقوى هل يدخل فيها اجتناب الصغائر، وأنه إذا لم يتوقها هل يستحق هذا الاسم؟ على قولين، وظاهر كلام المصنف، والإمام - وهو المجزوم به في " الكشاف " (٢) - أنه لا يشترط في التقوى، واستحقاق الوصف بالمتقي اجتنابها، وإلا لم يكد يستحق هذا الوصف أحد.
وقد شق على الصحابة لما نزل قوله تعالى (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [سورة آل عمران ١٠٣] المفسر بأن يطاع فلا يعصى، فنسخ بقوله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (٣) [سورة التغابن ١٧] وقال تعالى (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) [سورة النجم ٣٣] فاستثنى اللمم، فلم يقدح في الإحسان، وهو كالتقوى، بل أخص منها.
وأصرح منه في الاستدلال قوله تعالى (أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء) إلى أن قال (والذين إذا فعلوا فاحشة) [سورة آل عمران ١٣٤ - ١٣٦] الآية.
وأما حديث الترمذي " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس " (٤) فمحمول على الكمال، أي أعلى درجات المتقين.
стр. 280
ثم الكلام فيما لا ينتهي إلى حد الإصرار السالب للعدالة، بحيث تغلب صغائره على حسناته، على ما حرر في باب الشهادات من كتب الفقه.
قوله: (واعلم أن الآية تحتمل أوجها من الإعراب) إلى آخره
قال أبو حيان: قد ركبوا وجوها من الإعراب في قوله (ذلك الكتاب لا ريب فيه) والذي نختاره. منها أن قوله (" ذلك الكتاب) جملة مستقلة من مبتدإ وخبر؛ لأنه متى أمكن حمل الكلام على غير إضمار، ولا افتقار كان أولى من أن يسلك به مسلك الإضمار والافتقار.
وقالوا: يجوز أن يكون (ذلك) خبرا لمبتدإ محذوف، تقديره هو (ذلك الكتاب) و (الكتاب) صفة، أو بدل، أو عطف بيان
ويحتمل أن يكون مبتدأ، وما بعده خبر، وفي موضع خبر (الم) و (لا ريب فيه) جملة تحتمل الاستئناف فلا يكون لها موضع من الإعراب، وأن تكون في موضع رفع خبرا لـ (ذلك)، و (الكتاب) صفة، أو بدل، أو عطف، أو خبر بعد خبر إذا كان (الكتاب) خبرا، وقلنا بتعدد الأخبار، وأن تكون في موضع نصب على الحال، أي مبرأ من الريب.
وجوزوا في قوله (فيه) أن يكون خبرا لـ (لا) على مذهب الأخفش، وخبرا لها مع اسمها على مذهب سيبويه، وأن يكون صفة، والخبر محذوف، وأن يكون من صلة (ريب) يعني أنه يضمر عامل من لفظ ريب، فيتعلق به، لا أنه يكون متعلقا بنفس (لا ريب) إذ يلزم إذ ذاك إعرابه؛ لأنه يصير اسم " لا " مطولا بمعموله، نحو لا ضاربا زيدا عندنا.
والذي نختاره أن الخبر محذوف؛ لأن الخبر في باب " لا " إذا علم لم يلفظ به بنو تميم، وكثر حذفه عند أهل الحجاز، وهو هنا معلوم.
وجوزوا في قوله تعالى: (هدى للمتقين) أن يكون (هدى) في موضع رفع على أنه مبتدأ، و (فيه) في موضع الخبر، أو خبر مبتدإ محذوف، أي هو (هدى)، أو على فيه مضمرة إن جعلنا (فيه) من تمام (لا ريب) أو خبر بعد خبر، فتكون قد
стр. 281
أخبرت بالكتاب عن (ذلك) وبقوله (لَا رَيْبَ فِيهِ) ثم جاء (هدى) خبرا ثالثا، أو كان (الكتاب) تابعا، و (هدى) خبر ثان، أوفي موضع نصب على الحال، وبولغ بجعل المصدر حالا، وصاحب الحال اسم الإشارة، أو (الكتاب) والعامل فيها على هذين الوجهين معنى الإشارة، أو الضمير في (فيه) والعامل ما في الظرف من الاستقرار.
والأولى جعل كل جملة مستقلة، فـ (ذلك الكتاب) جملة، و (لا ريب) جملة، و (فيه هدى للمتقين) جملة.
ولم يحتج إلى حرف عطف؛ لأن بعضها آخذ بعنق بعض (١). انتهى كلام أبي حيان.
قوله: (و (لا ريب) في المشهورة مبني، لتضمنه معنى " من " منصوب المحل) إلى آخره.
قال ابن يعيش في " شرح المفصل ": اعلم أن " لا " النافية على ضربين: عاملة، وغير عاملة، فالعاملة التي تنفي على جهة (٢) استغراق الجنس؛ لأنها جواب ما كان على طريقة هل من رجل في الدار، فدخول " من " في هذا لاستغراق الجنس، ولذلك تختض بالنكرات لشمولها، ألا ترى أنه لا يجوز هل من زيد في الدار؟ كما يجوز في هل زيد في الدار، فهذه التي لاستغراق الجنس عاملة النصب فيما بعدها من النكرات المفردة، ومبنية معها بناء خمسة عشر.
وإنما استحقت أن تكون عاملة لشبهها بـ " إن " الناصبة للأسماء.
ووجه المشابهة بينهما أنها داخلة على المبتدإ والخبر، كما أنَّ " إنَّ " كذلك، وأنها نقيضة من الإعراب، نحو ضربت زيدا، وما ضربت زيدا، فقولك: ضربت زيدا فعل وفاعل ومفعول، وقولك: ما ضربت زيدا نفي لذلك، ومع ذلك فقد أعربته بإعرابه من حيث كان نقيضه، ليشعر بمعنى الرفع له، فلما أشبهت " لا " " إن " وكانت " إن " عاملة في المبتدإ والخبر كانت " لا " كذلك عاملة في المبتدإ والخبر؛ لأنها تقتضيهما جميعا، كما تقتضيهما " إن " ولما نصبوا بها لم تعمل إلا في نكرة على سبيل حرف الخفض الدي في المسألة؛ لأنها كالنائبة عنه إلا أن " لا " بنيت مع
стр. 282
النكرة؛ لأنها وقعت في جواب هل من رجل عندك، على سبيل الاستغراق، فوجب أن يكون الجواب أيضاً بحرف الاستغراق الذي هو " من " ليكون الجواب مطابقا للسؤال، فكان قياسه لا من رجل في الدار، ليكون النفي عاما، كما كان السؤال عاما، ثم حذفت " من " من اللفظ تخفيفا، وتضمن الكلام معناها، فوجب أن يبنى لتضمنه معنى الحرف، كما بني خمسة عشر حين تضمن حرف العطف (١).
* * *
لطيفة: قال ابن جني في " الخصائص ": باب في اقتضاء الموضع لك لفظا، وهو معك إلا أنه ليس بصاحبك، من ذلك قولهم: لا رجل عندك، ولا غلام لك، فـ " لا " هذه ناصبة لاسمها، وهو مفتوح إلا أن الفتحة فيه ليست فتحة النصب التي تتقضاها " لا " إنما هذه فتحة بناء وقعت موقع فتحة الإعراب الذي هو عمل " لا " في المضاف، نحو لا غلام رجل عندك.
قال: ونظير ذلك قولك: مررت بغلامي، فالميم تستحق جرة الإعراب بالباء، والكسرة فيها ليست الموجبة بحرف الجر، إنما هي التي تصحب ياء المتكلم في الصحيح؛ لأنها تثبت في الرفع وفي النصب، وذلك دليل على أنها ليست كسرة الإعراب وإن كانت بلفظها (٣).
قوله: (وفي قراءة أبي الشعثاء)
هو بفتح الشين وسكون العين، اسمه سليم بن الأسود المحاربي، تابعي مشهور (٤)
قوله: (مرفوع ب " لا ")
زاد في " الكشاف ": " والفرق بينها وبين المشهورة أن المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه " (٥).
وقال الإمام: والذي يدل على إيجاب المشهورة للاستغراق أن نفي الجنس نفي الماهية، وهو يقتضي نفي كل فرد من أفرادها، فلو ثبت فرد من أفرادها ثبتت الماهية.
стр. 283
وأما قراءة (لَا رَيْبَ فِيهِ) بالرفع فهو وإن كان نكرة في سياق النفي لكنه نقيض قولنا: ريب فيه، وهو يحتمل أن يكون إثباتا لفرد واحد منها، ونفيه يفيد انتفاءه (١).
وقال الزجاج: إذا قلت: لا رجلٌ في الدار جاز أن يكون فيها رجلان، وإذا قلت: لا رجلَ في الدار فهو نفي عام (٢).
وقال الشيخ أكمل الدين: قد رد ما ذكره صاحب " الكشاف " من الفرق بأن (ريب) في (لَا رَيْبَ فِيهِ) نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم، فينتفي جميع آحاد الريب، فلا فرق في ذلك بين نفي الجنس وغيره.
قال: والجواب أنه غلط؛ لأن الذي ذكره من كون النكرة تعم دليل جواز الاستغراق؛ إذ لولا ذلك لكان نكرة في سياق الإثبات، ولم تكن عامة، ولأن المبني في تقدير " من " الاستغراقية؛ لكونها مؤكدة للنفي، والنفي المؤكد ليس كغيره، وإلا كان الشيء مع غيره كالشيء لا مع غيره، ولأن " من " المقدرة زائدة، لعدم اختلال أصل المعنى بتركه، وأَقَلُّ مراتبها التأكيد، وتأكيد العام ينفي احتمال الخصوص، فكان محكما في الاستغراق، لا يفارقه، وليس كذلك الذي مع " لا " المشبهة بليس، فإن احتمال الخصوص فيه باق؛ لعدم ما يقطعه، فكانت دلالته على الاستغراق جائزة الافتراق، وهو ظاهر لا محالة (٣).
وقال أبو حيان: قرئ بالرفع، والمراد أيضاً الاستغراق؛ بأنه لا يريد نفي ريب واحد عنه، فيكون مبتدءا، و (فيه) الخبر، وهذا ضعيف، لعدم تكرار " لا "، أو يكون أعملها إعمال ليس، وهو ضعيف، فيكون (فيه) في موضع نصب على قول الجمهور من أن لا إذا أعملت عمل ليس رفعت الاسم، ونصبت الخبر (٤).
قوله: (ولم يقدم كما قدم في قوله (لَا فِيهَا غَوْلٌ) لأنه لم يقصد تخصيص نفي الريب به من بين سائر الكتب، كما قصد ثمة).
قال أبو حيان: انتقل الزمخشري من دعوى الاختصاص بتقديم المفعول إلى دعواه بتقديم الخبر، ولا نعلم أحدا يفرق بين: ليس في الدار رجل، وليس رجل في الدار (٥).
стр. 284
قوله: (فلذلك وقف على (ريب)
عزي هذا الوقف لنافع وعاصم (١).
قال الإمام: والأولى الوقف على (فيه) لأن الوقف عليه يكون الكتاب نفسه هدى، وقد تكرر في التزيل أنه هدى، وأنه نور، وعلى الأول لا يكون نفسه هدى، بل فيه هدى (٢).
قوله: (والتقدير (لَا رَيْبَ فِيهِ) فيه (هدى)
قال في " المرشد ": إن جعلت (لا ريب) بمعنى حقا فالوقف عليه تام، ولا حاجة إلى تقدير فيه، وكأنه قال: الم ذلك الكتاب حقا (٣).
قوله: (تؤكد كونه حقا لا يحوم الشك حوله).
قال الطيبي: أي قوله (هدى) تأكيد لقوله (لَا رَيْبَ فِيهِ) لأنه لا يكون هاديا إذا كان فيه مجال للشبهة، ففي قوله: (لا يحوم الشك حوله) كناية، كقوله (٤):
فَمَا جَازَهُ جُوْدٌ وَلا حَلَّ دُوْنَهُ. . . وَلَكِنْ يَصِيْرُ الجُوْدُ حَيثُ يَصِيْرُ
وهذه المبالغة مستفادة من إيقاع المصدر خبراً لـ هو، كما أن المبالغة في الجملة الثانية حصلت من تعريف الخبر، وفي الثالثة من الاستغراق (٥)
قوله: (ذات جزالة) هي خلاف الركاكة
قوله: (ففي الأولى الحذف)
قال الطيبي: أي حذف المبتدإ، أي هذه (الم) إذا جعلت اسما للسورة (٦)
قوله: (والرمز إلى المقصود)
قال الطيبي: أي التحدي (٧)
قوله: (مع التعليل)
أي الإشارة إليه بألطف وجه، وهو أنها مشيرة إلى أن المتحدى به من جنس
стр. 285
ما تنظمون منه كلامكم.
قوله: (وفي الثانية فخامة التعريف)
قال الطيبي: أي الدلالة على كونه كاملا في بابه (١)
قوله: (وفي الثالثة تأخير الظرف حذرا من إيهامه الباطل) أي إثباته في غيره
قوله: (وفي الرابعة الحذف)
قال الطيبي: أي هو (هدى) (٢)
قوله: (والوصف (٣) بالمصدر للمبالغة) لأن (هدى) مصدر وضع موضع هاد
قوله: (وإيراده منكرا للتعظيم)
قال الطيبي: أي هاد لا يكتنه كنهه (٤)
قوله: (وتخصيص الهدى بالمتقين) إلى آخره
قال الطيبي: أي حيث لم يقل: للضالين الصائرين إلى التقوى؛ رعاية لحسن المطلع (٥).
* * *
قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إما موصول بالمتقين على أنه صفة) إلى آخره في بعض حواشي " الكشاف ": الصفات المفردة على ثلاثة أنواع:
أحدها: أن تكون الثانية شرحا للأولى، كقولك: فلانٌ عدل، يفعل الواجبات، ويجتنب الكبائر، فقولك: يفعل الواجبات، ويجتنب الكبائر، صفة شارحة للأولى، وهي عدل.
الثاني: أن تكون أجنبية عن الأولى كقولك: فلانٌ عالم شجاع.
الثالث: أن تكون تمثيلا لبعض ما تضمنته الصفة الأولى، كقولك: فلان كريم، سأله سائل فأعطاه ما سال، فقوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) يحتمل الأمور الثلاثة،
فإنا إن قلنا: إن التقوى هي اجتناب المعاصي خاصة كان قوله (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) وما بعده وصفا بفعل الطاعات، وهو غير الأول.