Полный текст (1 427 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أخبرت بالكتاب عن (ذلك) وبقوله (لَا رَيْبَ فِيهِ) ثم جاء (هدى) خبرا ثالثا، أو كان (الكتاب) تابعا، و (هدى) خبر ثان، أوفي موضع نصب على الحال، وبولغ بجعل المصدر حالا، وصاحب الحال اسم الإشارة، أو (الكتاب) والعامل فيها على هذين الوجهين معنى الإشارة، أو الضمير في (فيه) والعامل ما في الظرف من الاستقرار.
والأولى جعل كل جملة مستقلة، فـ (ذلك الكتاب) جملة، و (لا ريب) جملة، و (فيه هدى للمتقين) جملة.
ولم يحتج إلى حرف عطف؛ لأن بعضها آخذ بعنق بعض (١). انتهى كلام أبي حيان.
قوله: (و (لا ريب) في المشهورة مبني، لتضمنه معنى " من " منصوب المحل) إلى آخره.
قال ابن يعيش في " شرح المفصل ": اعلم أن " لا " النافية على ضربين: عاملة، وغير عاملة، فالعاملة التي تنفي على جهة (٢) استغراق الجنس؛ لأنها جواب ما كان على طريقة هل من رجل في الدار، فدخول " من " في هذا لاستغراق الجنس، ولذلك تختض بالنكرات لشمولها، ألا ترى أنه لا يجوز هل من زيد في الدار؟ كما يجوز في هل زيد في الدار، فهذه التي لاستغراق الجنس عاملة النصب فيما بعدها من النكرات المفردة، ومبنية معها بناء خمسة عشر.
وإنما استحقت أن تكون عاملة لشبهها بـ " إن " الناصبة للأسماء.
ووجه المشابهة بينهما أنها داخلة على المبتدإ والخبر، كما أنَّ " إنَّ " كذلك، وأنها نقيضة من الإعراب، نحو ضربت زيدا، وما ضربت زيدا، فقولك: ضربت زيدا فعل وفاعل ومفعول، وقولك: ما ضربت زيدا نفي لذلك، ومع ذلك فقد أعربته بإعرابه من حيث كان نقيضه، ليشعر بمعنى الرفع له، فلما أشبهت " لا " " إن " وكانت " إن " عاملة في المبتدإ والخبر كانت " لا " كذلك عاملة في المبتدإ والخبر؛ لأنها تقتضيهما جميعا، كما تقتضيهما " إن " ولما نصبوا بها لم تعمل إلا في نكرة على سبيل حرف الخفض الدي في المسألة؛ لأنها كالنائبة عنه إلا أن " لا " بنيت مع
стр. 282
النكرة؛ لأنها وقعت في جواب هل من رجل عندك، على سبيل الاستغراق، فوجب أن يكون الجواب أيضاً بحرف الاستغراق الذي هو " من " ليكون الجواب مطابقا للسؤال، فكان قياسه لا من رجل في الدار، ليكون النفي عاما، كما كان السؤال عاما، ثم حذفت " من " من اللفظ تخفيفا، وتضمن الكلام معناها، فوجب أن يبنى لتضمنه معنى الحرف، كما بني خمسة عشر حين تضمن حرف العطف (١).
* * *
لطيفة: قال ابن جني في " الخصائص ": باب في اقتضاء الموضع لك لفظا، وهو معك إلا أنه ليس بصاحبك، من ذلك قولهم: لا رجل عندك، ولا غلام لك، فـ " لا " هذه ناصبة لاسمها، وهو مفتوح إلا أن الفتحة فيه ليست فتحة النصب التي تتقضاها " لا " إنما هذه فتحة بناء وقعت موقع فتحة الإعراب الذي هو عمل " لا " في المضاف، نحو لا غلام رجل عندك.
قال: ونظير ذلك قولك: مررت بغلامي، فالميم تستحق جرة الإعراب بالباء، والكسرة فيها ليست الموجبة بحرف الجر، إنما هي التي تصحب ياء المتكلم في الصحيح؛ لأنها تثبت في الرفع وفي النصب، وذلك دليل على أنها ليست كسرة الإعراب وإن كانت بلفظها (٣).
قوله: (وفي قراءة أبي الشعثاء)
هو بفتح الشين وسكون العين، اسمه سليم بن الأسود المحاربي، تابعي مشهور (٤)
قوله: (مرفوع ب " لا ")
زاد في " الكشاف ": " والفرق بينها وبين المشهورة أن المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه " (٥).
وقال الإمام: والذي يدل على إيجاب المشهورة للاستغراق أن نفي الجنس نفي الماهية، وهو يقتضي نفي كل فرد من أفرادها، فلو ثبت فرد من أفرادها ثبتت الماهية.
стр. 283
وأما قراءة (لَا رَيْبَ فِيهِ) بالرفع فهو وإن كان نكرة في سياق النفي لكنه نقيض قولنا: ريب فيه، وهو يحتمل أن يكون إثباتا لفرد واحد منها، ونفيه يفيد انتفاءه (١).
وقال الزجاج: إذا قلت: لا رجلٌ في الدار جاز أن يكون فيها رجلان، وإذا قلت: لا رجلَ في الدار فهو نفي عام (٢).
وقال الشيخ أكمل الدين: قد رد ما ذكره صاحب " الكشاف " من الفرق بأن (ريب) في (لَا رَيْبَ فِيهِ) نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم، فينتفي جميع آحاد الريب، فلا فرق في ذلك بين نفي الجنس وغيره.
قال: والجواب أنه غلط؛ لأن الذي ذكره من كون النكرة تعم دليل جواز الاستغراق؛ إذ لولا ذلك لكان نكرة في سياق الإثبات، ولم تكن عامة، ولأن المبني في تقدير " من " الاستغراقية؛ لكونها مؤكدة للنفي، والنفي المؤكد ليس كغيره، وإلا كان الشيء مع غيره كالشيء لا مع غيره، ولأن " من " المقدرة زائدة، لعدم اختلال أصل المعنى بتركه، وأَقَلُّ مراتبها التأكيد، وتأكيد العام ينفي احتمال الخصوص، فكان محكما في الاستغراق، لا يفارقه، وليس كذلك الذي مع " لا " المشبهة بليس، فإن احتمال الخصوص فيه باق؛ لعدم ما يقطعه، فكانت دلالته على الاستغراق جائزة الافتراق، وهو ظاهر لا محالة (٣).
وقال أبو حيان: قرئ بالرفع، والمراد أيضاً الاستغراق؛ بأنه لا يريد نفي ريب واحد عنه، فيكون مبتدءا، و (فيه) الخبر، وهذا ضعيف، لعدم تكرار " لا "، أو يكون أعملها إعمال ليس، وهو ضعيف، فيكون (فيه) في موضع نصب على قول الجمهور من أن لا إذا أعملت عمل ليس رفعت الاسم، ونصبت الخبر (٤).
قوله: (ولم يقدم كما قدم في قوله (لَا فِيهَا غَوْلٌ) لأنه لم يقصد تخصيص نفي الريب به من بين سائر الكتب، كما قصد ثمة).
قال أبو حيان: انتقل الزمخشري من دعوى الاختصاص بتقديم المفعول إلى دعواه بتقديم الخبر، ولا نعلم أحدا يفرق بين: ليس في الدار رجل، وليس رجل في الدار (٥).
стр. 284
قوله: (فلذلك وقف على (ريب)
عزي هذا الوقف لنافع وعاصم (١).
قال الإمام: والأولى الوقف على (فيه) لأن الوقف عليه يكون الكتاب نفسه هدى، وقد تكرر في التزيل أنه هدى، وأنه نور، وعلى الأول لا يكون نفسه هدى، بل فيه هدى (٢).
قوله: (والتقدير (لَا رَيْبَ فِيهِ) فيه (هدى)
قال في " المرشد ": إن جعلت (لا ريب) بمعنى حقا فالوقف عليه تام، ولا حاجة إلى تقدير فيه، وكأنه قال: الم ذلك الكتاب حقا (٣).
قوله: (تؤكد كونه حقا لا يحوم الشك حوله).
قال الطيبي: أي قوله (هدى) تأكيد لقوله (لَا رَيْبَ فِيهِ) لأنه لا يكون هاديا إذا كان فيه مجال للشبهة، ففي قوله: (لا يحوم الشك حوله) كناية، كقوله (٤):
فَمَا جَازَهُ جُوْدٌ وَلا حَلَّ دُوْنَهُ. . . وَلَكِنْ يَصِيْرُ الجُوْدُ حَيثُ يَصِيْرُ
وهذه المبالغة مستفادة من إيقاع المصدر خبراً لـ هو، كما أن المبالغة في الجملة الثانية حصلت من تعريف الخبر، وفي الثالثة من الاستغراق (٥)
قوله: (ذات جزالة) هي خلاف الركاكة
قوله: (ففي الأولى الحذف)
قال الطيبي: أي حذف المبتدإ، أي هذه (الم) إذا جعلت اسما للسورة (٦)
قوله: (والرمز إلى المقصود)
قال الطيبي: أي التحدي (٧)
قوله: (مع التعليل)
أي الإشارة إليه بألطف وجه، وهو أنها مشيرة إلى أن المتحدى به من جنس
стр. 285
ما تنظمون منه كلامكم.
قوله: (وفي الثانية فخامة التعريف)
قال الطيبي: أي الدلالة على كونه كاملا في بابه (١)
قوله: (وفي الثالثة تأخير الظرف حذرا من إيهامه الباطل) أي إثباته في غيره
قوله: (وفي الرابعة الحذف)
قال الطيبي: أي هو (هدى) (٢)
قوله: (والوصف (٣) بالمصدر للمبالغة) لأن (هدى) مصدر وضع موضع هاد
قوله: (وإيراده منكرا للتعظيم)
قال الطيبي: أي هاد لا يكتنه كنهه (٤)
قوله: (وتخصيص الهدى بالمتقين) إلى آخره
قال الطيبي: أي حيث لم يقل: للضالين الصائرين إلى التقوى؛ رعاية لحسن المطلع (٥).
* * *
قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إما موصول بالمتقين على أنه صفة) إلى آخره في بعض حواشي " الكشاف ": الصفات المفردة على ثلاثة أنواع:
أحدها: أن تكون الثانية شرحا للأولى، كقولك: فلانٌ عدل، يفعل الواجبات، ويجتنب الكبائر، فقولك: يفعل الواجبات، ويجتنب الكبائر، صفة شارحة للأولى، وهي عدل.
الثاني: أن تكون أجنبية عن الأولى كقولك: فلانٌ عالم شجاع.
الثالث: أن تكون تمثيلا لبعض ما تضمنته الصفة الأولى، كقولك: فلان كريم، سأله سائل فأعطاه ما سال، فقوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) يحتمل الأمور الثلاثة،
فإنا إن قلنا: إن التقوى هي اجتناب المعاصي خاصة كان قوله (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) وما بعده وصفا بفعل الطاعات، وهو غير الأول.
стр. 286
وإن قلنا: إن التقوى فعل الطاعات واجتناب المعاصي احتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون شرحا وبيانا (١) على اندراج بقية العبادات، واجتناب المعاصي أيضاً تحت ذكر الإيمان، والصلاة، والزكاة.
والثاني: أن يكون تمثيلا لما تضمنته التقوى بذكر بعض الأوصاف التي اشتملت عليها التقوى.
قوله: (وقوله ﷺ : " الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام ").
يوهم أن ذلك حديث واحد، وليس كذلك، بل هما حديثان:
فأمَّا الأول فقد قال النووي في " شرح الوسيط ": هو حديث منكر باطل (٢).
قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الشرح الكبير: وليس كذلك، فقد أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين (٣) شيخ البخاري في " كتاب الصلاة " عن بلال بن يحيى (٤) مرفوعا " الصلاة عمود الدين (٥) " وهو مرسل، ورجاله ثقات (٦)
قلت: وأخرجه بلفظ " الصلاة عماد الدين " البيهقي في " شعب الإيمان " من حديث عمر بن الخطاب مرفوعا بسند فيه انقطاع (٧).
ونبَّه عليه الشيخ ولي الدين العراقي في حاشيته على " الكشاف " (٨).
стр. 287
وأخرجه أيضاً الديلمي في " مسند الفردوس " من حديث علي بن أبي طالب (١) وفي معناه حديث الترمذي من رواية معاذ بن جبل " رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة " (٢).
وأما حديث " الزكاة فنطرة الإسلام " فأخرجه الطبراني في " الكبير " والبيهقي في " شعب الإيمان " (٣) من حديث أبي الدرداء مرفوعا وسنده ضعيف
قوله: (أو مسوقة للمدح) إلى أن قال: (. . . . أو على أنه مدح منصوب، أو مرفوع بتقدير أعني أو هُم).
قال أبو حيان: النصب على المدح، على القطع بإضمار أمدح، أو بإضمار أعني على التفسير.
الشيخ أكمل الدين: قيل: الفرق بين المدح صفة والمدح اختصاصا - يعني أن
стр. 288
يكون بمعنى أعني، أو مرفوعا بتقدير المبتدإ - أن الغرض الأصلي من الأول إظهار كمالات الممدوح، والالتذاذ بذكرها، وقد يتضمن تخصيص بعض الصفات بالذكر الإشارة إلى إنافتها (١) على سائر الصفات المسكوت عنها، ومن الثاني إظهار أن تلك الصفة أحق باستقلال المدح من بين سائر الصفات الكمالية، إما مطلقا، وإما بحسب ذلك المقام، سواء كان قي نفس الأمر، أو ادعاء، وأن الوصف أصلي في الأول، والمدح تابع، وفي الثاني بالعكس (٢).
قوله: (وإما مفصول عنه، مرفوع بالابتداء، وخبره (أولئك)
قال أبو حيان: لا نختار هذا الوجه لانفلاته مما قبله، والذهاب به مذهب الاستئناف مع وضوح اتصاله بما قبله، وتعلقه به (٣).
قوله: (والإيمان في اللغة التصديق، مأخوذ من الأمن) إلى آخره
قال الطيبي: أي الإيمان إفعال من الأمن لغة، ثم نقل إلى المفهوم الشرعي، وهو التصديق لعلاقة الأمن من التكذيب، والمخالفة (٤).
الراغب: الإيمان التصديق الذي معه أمن.
قال: وأما قوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ) فهو على سبيل الذم لهم بأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن (٥).
قوله: (وتعديته بالباء لتضمنه معنى الاعتراف)
قال الطيبي: هذا على تقدير السؤال والجواب، يعني إذا كانت حقيقة الإيمان منقولة من أمن فما باله عدي بالباء، ولم يعد بنفسه؟ فأجاب أن تعديته بالباء من باب التضمين (٦).
قال ابن جني: لو جمعت تضمينات العرب لاجتمعت مجلدات (٧).
قال صاحب " الكشاف ": " من " شأنهم أنهم يضمنون الفعل معنى فعل آخر،
стр. 289
فيجرونه مجراه، ويستعملونه استعماله ".
قال الطيبي: ولو زيد مع إرادة معنى المضمن كان أحسن، كما تقول: أحمد إليك فلانا، أي أنهي إليك حمد فلان.
قال في سورة الكهف " الغرض في (١) التضمين إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى " (٢).
الشيخ سعد الدين: فإن قيل: الفعل المذكور إن كان في معناه الحقيقي فلا دلالة على الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر فلا دلالة على معناه الحقيقي، وإن كان فيهما جميعا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قلنا: هو في معناه الحقيقي مع حذف حال مأخوذ من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية، فقولنا: أحمد إليك فلانا، معناه: أحمده منهيا إليك حمده، ويقلب كفيه على كذا، معناه: نادما على كذا، ولابد من اعتبار الحال وإلا لكان مجازا محضا، لا تضمينا، وتقديره هنا (يؤمنون) معترفين بالغيب (٣). انتهى
قوله: (ومنه ما آمنت أن أجد صحابة)
هو من قول العرب، حكاه أبو زيد بقوله: ناوي السفر، أي ما أثق أن أظفر بمن أرافقه (٤).
قوله: (وكلا الوجهين حسن في (يؤمنون بالغيب)
قال الشيخ أكمل الدين: يعني نظرا إلى أصل المعنى اللغوي، وأما بالنظر إلى العرف الشرعي فالحمل على التصديق ظاهر الرجحان، للإجماع على أن الإيمان المعتبر نفس التصديق، أوهو داخل فيه وأعظم أركانه (٥).
قوله: (وأما في الشرع)
стр. 290
الإمام: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع، ويجمعهم أربع فرق:
الفرقة الأولى: قالوا: هو أسم لأعمال القلوب، والجوارح، والإقرار باللسان، وهم المحدثون، والمعتزلة، والخوارج.
فالمحدثون قالوا: المعرفة إيمان كامل (١)، وهو الأصل، ثم كل طاعة إيمان على حدة، وهي فروع، فلا يكون شيء منها إيمانا ما لم تكن مرتبة على الأصل، والجحود وإنكار القلب كفر، وهو الأصل، ثم كل معصية (٢) كفر على حدة، وهي فروع، فلا يكون شيء منها كفرا ما لم تكن مرتبة على الأصل؛ لأن الفرع لا يحصل بدون أصله.
والمعتزلة قال بعضهم: الإيمان فعل كل الطاعات فرضا ونفلا، وقال بعضهم: الفرض فقط، وقال بعضهم: اجتناب الكبائر
الفرقة الثانية: قالوا: الإيمان التصديق بالقلب واللسان معا، وعليه أبو حنيفة، وعامة الفقهاء (٣).
الفرقة الثالثة: قالوا: الإيمان التصديق بالقلب فقط (٤).
الرابعة: قالوا: الإقرار باللسان فقط، ثم منهم من شرط معه حصول المعرفة بالقلب، فهي عنده شرط لكون الإقرار إيمانا، لا داخلة في مسمى الإيمان (٥)،
ومنهم من لم يشترط ذلك، وعليه الكرامية (٦). انتهى ملخصا (٧).
ومن ذلك يجتمع في مسمى الإيمان عشرة أقوال.
стр. 291
قوله: (فالتصديق بما علم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ قال الإمام: لابد من شرح ماهية هذا التصديق، فنقول: من قال: العالم محدث فليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفا بالحدوث، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم حادثا، فالحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم، ومغاير للعلم به أيضاً؛ لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به، فهذا الحكم الذهني هو المراد من التصديق بالقلب. (١)
قوله: (ومجموع ثلاثة أمور) إلى آخره
هذا أخذه المصنف من الراغب، وكان من أئمة السنة (٢)، وعبارته:
стр. 292
لما كان من لوازم الإيمان التصديق قالوا: الإيمان هو التصديق.
قال: ولا يكون التصديق إلا عن علم، ولذلك قال تعالى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [سورة الزخرف ٨٧].
فالإيمان اسم لثلاثة أشياء، علم بالشيء، وإقرار به، وعمل بمقتضاه إن كان لذلك المعلوم عمل كالصلاة، والزكاة، هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل في كل واحد من هذه الثلاثة، فيقال: فلان مؤمن، أي أنه مقر بما يحقن دمه وماله، ولذلك حكم رسول الله ﷺ على الجارية حين سألها ما سألها، ثم قال: " أعتقها فإنها مؤمنة " (١)
ويقال: مؤمن ويراد به أنه يعرف الأدلة الإقناعية التي يحصل معها سكون النفس، وإياه عنى ﷺ بقوله: (من قال لا إله إلا الله موقناً دخل الجنة " (٢)
ويقال: مؤمن، ويعنى به أنه يسكن قلبه إلى الله من غير أن يلتفت إلى شيء من العوارض الدنيوية، وإياه عنى بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) (٣) [سورة الأنفال ٣].
قوله: (ومن أخلّ بالإقرار فهو كافر)
قال الشريف: أي مجاهر بكفره، بخلاف المنافق فإنه كافر يخفي كفره (٤).
وقال الطيبي: فيه نظر (٥)
قال الإمام: من عرف الله بالدليل ولم يجد من الوقت ما يتلفظ بكلمة الشهادة هل يحكم بإيمانه؟ وكذا لو وجد من الوقت ما أمكنه التلفظ به (٦).
стр. 293
روي عن الغزالي نعم، والامتناع من النطق يجري مجرى المعاصي التي تؤتى مع الإيمان، ويعضده حديث البخاري " أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة " (١)
قال: والذي يعتذر له (٢) أن المراد بالإخلال هو أن يقصد به على سبيل الجحود والعناد كما فعل أبو طالب (٣).
قوله: (والذي يدل على أنه التصديق وحده) إلى آخره
تبع في هذا الترجيح الإمام فخر الدين (٤)، وهو خلاف مذهب إمامهما الإمام الشافعي ﵁، والسلف قاطبة.
أخرج الحاكم في " مناقبه " وأبو نعيم في " الحلية " عن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص (٥).
وأخرج اللالكائي في " السنة " عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص.
وأخرجه ابن أبي حاتم، واللالكائي (٦) عن جمع كثير من الصحابة والتابعين (٧).
стр. 294
وورد هذا اللفظ في حديث مرفوع أخرجه الديلمي من حديث أبي هريرة (١)، وأخرج ابن ماجه من حديث علي مرفوعا " الإيمان عقد بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان " (٢).
فإن قلت: فما تحرير الفرق بين مذهب السلف والمعتزلة؟
قلت: السلف جعلوا العمل شرطا في كمال الإيمان (٣)، والمعتزلة في صحته.
قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) [سورة الأنعام ٨٣].
لا يصح إيراد هذه الآية في الأمثلة؛ لأن المراد بالظلم فيها الشرك، كما سيأتي، لا المعاصي.
قوله: (والغيب مصدر وصف به للمبالغة)
زاد في " الكشاف ": " بمعنى الغائب " (٤)
أبو حيان: إن كانت الباء مقوية لوصول الفعل إلى الاسم كمررت بزيد فتتعلق بالفعل، أو للحال فتتعلق بمحذوف، أي ملتبسين بالغيب، عن المؤمَنِ به، فيتعين في هذا الوجه المصدر.
وأما إذا تعلق بالفعل فعلى معنى الغائب، أطلق المصدر وأريد به اسم الفاعل.
стр. 295
قالوا: وعلى معنى المغيب أطلق المصدر وأريد به اسم المفعول، نحو هذا خلق الله، ودرهم ضرب الأمير، وفيه نظر؛ لأن الغيب مصدر غاب اللازم (١). انتهى
قوله: (والعرب تسمي المطمئن من الأرض)
قال الطيبي: يروى بكسر الهمزة، وفتحها، فبالكسر الصفة، وبالفتح الموضع (٢)
قوله: (والخمصة التي تلي الكلية)
قال الطيبي: هي النقرة والحفرة (٣)
قوله: (أو فيعل، خفف كقيل)
زاد في " الكشاف ": " فإن أصله قَيِّل " (٤)
قال أبو حيان - وتبعه السمين في " إعرابه " -: هذا الذي أجازه الزمخشري في الغيب فيه نظر؛ لأنه لا ينبغي أن يدعى ذلك فيه حتى يسمع مثقلا كنظائره، فإنها سمعت مثقلة ومخففة، ويبعد أن يقال: التزم التخفيف في هذا خاصة (٥).
قال أبو حيان: والفارسي لا يرى هذا التخفيف قياسا في بنات الياء، فلا يجيز في بَيِّنٍ التخفيف، ويجيزه في ذوات الواو، نحو سيد وميت، وغيره قاسه فيهما، وابن مالك وافق الفارسي في ذوات الياء، وخالف الناس في ذوات الواو، فزعم أنه محفوظ، لا مقيس (٦).
قوله: (وقسم نصب عليه دليل كالصانع وصفاته، واليوم الآخر وأحواله، وهو المراد في الآية)
قال الإمام: ما لا يمكن إثبات النقل به إلا بعد ثبوته فإنه لا يمكن إثباته بالنقل، وما كان إخباراً عن وقوع ما جاز وقوعه، وجاز عدمه لا يمكن معرفته إلا بالحس أو النقل، فالصانع والنبوات من قبيل الأول، والحشر والنشر، وما يتعلق بهما من الثاني.
стр. 296
قوله: (هذا إذا جعلته صلة للإيمان، وأوقعته موقع المفعول به)
قال الشيخ أكمل الدين: الصلة في عرف النحاة هي المفعول به بواسطة حرف الجر (١).
قوله: (على تقدير ملتبسين بالغيب)
قال الطيبي: وحينئذٍ يرجع معنى الغيب إليهم (٢)
قوله: (لما روي أن ابن مسعود ﵁ قال: " والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب " ثم قرأ هذه الآية)
أخرجه سعيد بن منصور في " سننه "، وأحمد بن منيع (٣) في " مسنده "، والحاكم في " مستدركه " وصححه (٤).
* * *
قوله: (ويقيمون الصلاة) أي يعدلون أركانها، ويحفظونها من أن يقع زيغ في أفعالها)
قال الطيبي: وعلى هذا فهو استعارة تبعية، شبه تعديل المصلي أركان الصلاة، وحفظها من أن يقع فيها زيغ بتقويم الوجل العود المُعَوَّجِ، فقيل: يقيمون، وأريد: يعدلون (٥).
قوله: (من أقام العود إذا قَوَّمَهُ)
قال الشريف: القيام في أصل اللغة هو الانتصاب، والإقامة إفعال منه، والهمزة للتعدية، فمعنى أقام الشيء جعله قائما، أي منتصبا، ثم قيل: أقام العود إذا قوّمه، أي سَوَّاهُ وأزال اعوجاجه، فصار قويما شبه القائم، ثم استعيرت الإقامة من تسوية الأجسام التي صارت حقيقة فيها لتسوية المعاني؛ كتعديل أركان الصلاة على
стр. 297
ما هو حقها، وإنما لم تجعل استعارتها من تحصيل القيام في الأجسام، بل من تسويتها رعاية لزيادة المناسبة بين المعاني (١).
هذا، وقد قيل: الإقامة بمعنى التسوية حقيقة في الأعيان والمعاني، فلا حاجة حيئئذ إلى الاستعارة
قوله: (أو يواظبون عليها، من قامت السوق إذا نفقت، وأقمتها إذا جعلتها نافقة)
قال الطيبي: فعلى هذا هو كناية تلويحية (٢): عبر عن المواظبة والدوام بالإقامة، فإن إقامة الصلاة بمعنى تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها مشعرة بكونها مرغوبا فيها، وإضاعتها وتعطيلها يدل على ابتذالها، كالسوق إذا شوهدت قائمة دلت على نفاق سلعتها، ونفاقها يدل على توجه الرغبات إليها، وتوجه الرغبات يستدعي الاستدامة، بخلافها إذا لم تكن قائمة، فعلى هذا المراد من قوله: " من قامت السوق " أي من باب قامت السوق، لا أنه منقول من قامت السوق (٣).
وقال الشريف: نفاق السوق كانتصاب الشخص في حسن الحال والظهور التام، فاستعمل القيام فيه، والإقامة في إنفاقها، أي جعلها نافقة، ثم استعيرت منه للمداومة على الشيء، فإن كلا من الإنفاق والمداومة يجعل مُتَعَلَّقَهُ مرغوبا متنافسا فيه متوجها إليه.
قال: وقد أورد عليه أن هذه المشابهة خفية جدا، وأيضاً الأصل أعني: أقام السوق مجاز، فالتجوز عنه ضعيف.
ودفع الأول بالحمل على المجاز المرسل بعلاقة اللزوم، فإن الانفاق يستلزم المداومة عادة.
والثاني: بأنه صار بمنزلة الحقيقة (٤).
стр. 298
وقال الشيخ أكمل الدين: قد اعترض على هذا الوجه بأنه مجاز والعلاقة غير مطردة؛ لأن الدوام لا يستلزم النفاق، ولا العكس.
والجواب أن في تعليل المصنف فدفعا لذلك، وهو أنه استعارة، وهي تستدعي التشبيه، وقد بين وجهه بأنه الرغبة، فإن الدوام على الشيء بدون الرغبة فيه لا يتحقق، كما أن النفاق في الأسواق لا يتحقق إلا بالرغبات (١).
قوله: (قال:
أَقَامَتْ غَزَاْلَةُ سُوْقَ الضِّرَابِ. . . لأَهْلِ العِرَاقَيْنِ حَوْلاً قَمِيْطا)
غزالة (٢) امرأة شبيب الخارجي (٣)، لما قتله الحجاج خرجت عليه، وحاربته سنة كاملة. والضراب المضاربة بالسيوف. والعراقان البصرة والكوفة. والقميط التام.
أي هذه المرأة دامت على الحرب حولا كاملا تاما.
والبيت من قصيدة طويلة لأيمن بن خُرَيم الصحابي (٤) رضي الله تعالى عنه، أولها:
أَبَى الجُبَنَاءُ مِنْ أهْلِ العِرَاقِ. . . عَلَى اللهِ وَالنَّاسِ إِلا قُسُوْطَا
أَيَهْزِمُهُم مِائَتَا فَارِسٍ. . . مِنَ السَّافِكِيْنَ الحَرَامَ العَبِيْطَا
وَخَمْسُوْنَ مِنْ مَارِقَاتِ النِّسَاءِ. . . يَجُزوْنَ بِالمُنْدَبَاتِ (٥) المُرُوْطَا
وَهُمْ مِائَتَا أَلْفِ ذِيْ قَوْنَسٍ. . . يَئِطُّ العِرَاْقَانِ مِنْهُمْ أَطِيْطَا
رَأَيْتُ غَزَالَةَ إِذْطَرحَتْ. . . بِمَكُّةَ هَوْدَجَهَا وَالغَبِيْطَا
стр. 299
سَمَتْ لَلْعِرَاْقَيْنِ مِنْ شُؤْمِهَا. . . فَلاقَى العِرَاقَانِ مِنْهَا البَطِيْطَا
أَلا يَتَّقِيْ اللهَ أَهْلُ العِرَا. . . قِ إِذْ قَلُّدُوْا الغَاْنِيَاتِ السُمُوْطَا
وَخَيْلُ غَزَالَةَ تَعْتَامُهُمْ. . . فَتَقْتُلُ كَهْلَ الوَفَاءِ الوَسِيْطَا
وَخَيْلُ غَزَالَةَ تَحْوِيْ (١) النِّهَابْ. . . وَتَسْبِيْ السَّبَايَا وَتُحْيِيْ (٢) النَّبِيْطَا
وهي طويلة جداً (٣)
قوله: (أو يتشمرون لأدائها من غير فتور ولا توان، من قولهم: قام بالأمر) إلى آخره
قال الطيبي: (يقيمون) على الوجوه مسند إلى المصلي مطلقا، وعلى هذا الوجه مسند إلى الصلاة باعتبار أن المصلي إذا أقام الصلاة كانت هي قائمة (٤)، على نحو نهاره صائم، وليله قائم، ألا ترى إلى قوله: " من غير فتور " فإنه لا يقال: نهاره صائم إلا لمن صام الدهر كله، ولا ليله قائم إلا لمن لا ينام فيه (٥).
وقال الشيخ أكمل الدين: اعترض على هذا الوجه بأنه مجاز، والعلاقة غير مطردة، وبأنه ليس على ظاهره؛ لأن القائم بالأمر هو المتشمر له، لا مقيمه، وهنا ليس كذلك، اللهم إلا أن تجعل الصلاة متشمرة لكون فاعلها كذلك، من باب جَدَّ جِدُّهُ، ولا يخفى بعده عن الفهم.
قال: والجواب أن باب جد جده مفتوح في الكلام (٦).
وقال الشريف: قام بالأمر، أي اجتهد في تحصيله، وتجلد فيه بلا توانٍ، وحقيقته قام ملتبسا بالأمر، والقيام به يدل على الاعتناء بشأنه، ويلزمه التجلد والتشمر، فأطلق القيام على لازمه، ومنه قامت الحرب على ساقها إذا التحمت واشتدت، كأنها قامت وتشمرت لسلب الأرواح، وتخريب الأبدان.
واعترض عليه بأن الإقامة إذا كانت مأخوذة مما ذكر كان معناها - على قياس التعدية - جعل الصلاة متجلدة متشمرة، لا كون المصلي متشمرا في أدائها بلا فتور
стр. 300
عنها، كما ذكره.
وأيضاً وصف الصلاة بالتجلد والتشمر إنما يصح إذا وصفتَ بما هو لفاعلها، على قياس جد جده، ولا يخفى بعده
قال: وليس لك أن تقول: الباء في قام بالأمر للتعدية، فالمستعمل بمعنى التجلد والاجتهاد هو الإقامة في الحقيقة؛ لأن قولهم في ضده: قعد عن الأمر، وتقاعد عنه يبطله.
وأيضاً القيام يناسب التشمر، لا الإقامة، كما أن القعود يلائم الكسل، لا الإقعاد (١).
قوله: (أو يؤدونها، عبر عن أدائها بالإقامة، لاشتمالها على القيام، كما عبر عنها بالقنوت، والركوع، والسجود، والتسبيح) (٢).
قال بعض أرباب الحواشي: هذا بعيد؛ لأنه قال هنا (ويقيمون الصلاة) فذكر اسم الصلاة مع إقامتها، وأما في تلك الأماكن فلم يذكر معها اسم الصلاة.
وقال الشيخ أكمل الدين: قيل: إنه على هذا مجاز، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل؛ لأن القيام في الصلاة جزء من الصلاة، وفيه نظر؛ لأن الجزء لا يستلزم الكل، فلا يكون مجازا.
والجواب أن المراد القيام في الصلاة، وهو يستلزمها قطعا (٣).
وقال الشريف: إن أراد أن القيام يطلق على الصلاة لكونه بعض أركانها، ثم يؤخذ منه الإقامة، ورد عليه أن الهمزة إن جعلت للتعدية كان معنى الإقامة جعل الصلاة مصلية، وإن جعلت للصيرورة كان معنى أقام صار ذا صلاة، فلا يصح ذكر الصلاة معه إلا بجعلها مفعولا مطلقا، والكل ما لا يرتضيه طبع سليم، وإن أراد أن القيام لما كان ركنا منها كان فعله وإيجاده - أعني الإقامة - ركناً لها أيضاً توجه عليه أن ركنها فعل القيام، بمعنى تحصيل هيئة القيام في المصلي حال الصلاة، لا بمعنى تحصيلها في الصلاة، وجعلها قائمة.
فإن قيل: لعله أراد أن القيام جزء منها، فيكون إيجاده - أي الإقامة - جزءًا من إيجاد جميع أجزائها الذي هو أداؤها، فعبر عن أدائها بجزئه.
стр. 301
قلت: المعنى (يقيمون) حينئذٍ يؤدون الصلاة، فيحتاج في ذكر الصلاة معه إلى ارتكاب كونها مفعولا مطلقا.
ولا إشكال في استعمال " قنت " أو " ركع، أو " سجد "، أو " سبح " بمعنى صلى، إذ لا يذكر معها الصلاة (١). انتهى.
* * *
تنبيه: قال الشيخ أكمل الدين: في هذه الوجوه الأربعة - يعني أن الإقامة تجيء لمعان، وأن المذكورة هاهنا يجوز أن تكون واردة على جميع ما ورد فيه الإقامة على سبيل البدل، عند من لا يجوز عموم المشترك، وعلى سبيل الشمول عند من يجوزه.
قال: وهذا الذي ذكرته من أنه مستعمل في الجميع سالم عن جميع ما تقدم إيراده.
قال: ولو جعل المصنف إقامة الصلاة عبارة عن جعلها قائمة - أي حاصلة في الخارج، فإن القيام بهذا المعنى أيضاً شائع في الاستعمال (٢)، كما في قولهم: الشيء إما قائم بنفسه، أو بغيره - كان أسلم (٣).
وقال الشريف: ذكر بعضهم أن الإقامة تستعمل بمعنى جعل الشيء قائما في الخارج، أي حاصلاً فيه، فإن القيام بمعنى الحصول في الخارج شائع في الاستعمال.
ومنه القيوم، وهو الحاصل بنفسه، المحصل لغيره، ومنه القَوَّام لما يقام به الشيء، أي يحصل، فنحو " أقيموا الصلاة " من الإقامة بهذا المعنى، أي حصلوها وأتوا بها على الوجه المجزئ شرعا، وهو معنى الأداء (٤).
* * *
فذلكة: قال الطيبي: تحرير هذا المقام أن قوله (يقيمون الصلاة) ليس على ظاهره فهو إما استعارة تبعية، أو كناية عن الدوام، من قامت السوق: إذا راجت ونفقت؛ لأن نفاقها مشعر بتوجه الرغبات إليها، وهو يدل على المحافظة، وهي على الدوام، أو مجاز في الإسناد، وهو إما بمعنى يجعلون الصلاة قائمة، فيفيد التجلد والتشمر، وأنها مؤادة مع وفور رغبة ومزيد نشاط، كقولهم: قامت الحرب على
стр. 302
ساقها، أو بمعنى يوجدون القيام فيها، أي يقومون فيها، فأسند القيام إليها على المجاز، فيفيد أنهم يؤدونها، من باب إطلاق معظم الشيء على كله (١).
قوله: (والأول أظهر)
هو الوارد (٢) عن ابن عباس، أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم من طرق عنه (٣).
قال الشريف: لما كان (يقيمون الصلاة) في معرض المدح، بلا دلالة على إيجاب كان حمله على تعديل أركانها كما قرره أَوَّلاً أولى، فإنه المناسب لترتيب الهدى الكامل، والفلاح التام الشامل (٤).
وقال الراغب: إقامة الصلاة توفية حدودها وإدامتها، وتخصيص الإقامة فيه تنبيه على أنه لم يرد إيقاعها فقط، ولهذا لم يؤمر بالصلاة، ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة، نحو (المقيمين الصلاة) [سورة النساء ١٦٢] ولم يقل المصلين إلا في المنافقين حيث قال: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) [سورة الماعون ٤ - ٥].
ومن ثم قيل: المصلون كثير، والمقيمون لها قليل، كما قال عمر ﵁: " الحاج قليل، والركب (٥) كثير (٦) ".
وكثير من الأفعال التي حث الله على توفية حقه ذكره بلفظ الإقامة، نحو (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) [سورة الرحمن ١٠] (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) انتهى.
واختار الإمام الوجه الثاني، وقال: الأولى حمل الكلام على ما يحصل معه الثناء العظيم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعلها من غير خلل
стр. 303
في أركانها وشرائطها (١).
قال الطيبي: وهذا أولى من قول القاضي، لما مر في تقرير الكناية، فإنها جامعة لجميع المعاني المطلوبة فيها (٢).
قوله: (والصلاة فَعَلَةٌ)
قال الشيخ أكمل الدين: يعني مفتوح العين، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها (٣).
قوله: (كتبت بالواو على لفظ المفخم).
الطيبي: قيل: التفخيم على ثلاثة أوجه: ترك الإمالة، وإخراج اللام من أسفل اللسان، كما في اسم الله، والإمالة إلى الواو، كما في اسم الصلاة (٤).
قال الشيخ سعد الدين: وهو المراد هنا.
قال: وقوله: " المفخم " بكسر الخاء (٥)
وقال الشريف: أراد بالتفخيم هنا إمالة الألف نحو مخرج الواو، لا ما هو ضد الإمالة، أو ضد (٦) الترقيق (٧).
وقال الشيخ أكمل الدين: التفخيم هنا ضد الترقيق (٨).
قوله: (وقيل: أصل صلّى حرك الصلا) (٩)
هو واحد الصلوين، وهما العظمان الناتئان في أعالي الفخذين، يقال: ضرب الفرس صلويه بذنبه، أي عن يمينه وشماله.
قال الفارسي: الصلاة من الصلوين؛ لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصلوين للركوع، فأمَّا القيام فلا يختص بالصلاة فى دون غيرها.
قال ابن جني: هو حسن (١٠).
стр. 304
وهذا القول هو الذي اختاره صاحب " الكشاف " لأن غالب اعتماده في الأعاريب والاشتقاقات على كتب الفارسي وابن جني، ولهذا وجب النظر فيها على الناظر في " الكشاف " وهذا التفسير المختصر منه.
والمصنف ضعفه، واختار أن الصلاة منقولة من صلَّى بمعنى دعا، ووافقه المحققون قبله وبعده.
قال الإمام فخر الدين: هذا الاشتقاق - يعني الذي قاله الفارسي - يفضي إلى الطعن في كون القرآن حجة؛ لأن الصلاة من أشهر الألفاظ، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء معرفة، ولو جوزنا ذلك - ثم إنه خفي واندرس بحيث لا يعرفه إلا الآحاد - لجاز مثله في سائر الألفاظ، ولو جاز لما قطعنا بأن مراد الله من هذه الألفاظ ما يتبادر أفهامنا إليه، بل لعل المراد تلك المعاني المندرسة (١).
قال الطيبي: وأجاب القاضي أن اشتهار اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله (٢).
وقال الشريف: في هذا الاشتقاق ضعف من وجهين:
الأول: أن الاشتقاق مما ليس بحدث قليل.
الثاني: أن الصلاة بمعنى الدعاء شائعة في أشعار الجاهلية، ولم يرد عنهم إطلاقها على ذات الأركان، بل ما كانوا يعرفونها، فأنى يتصور لهم التجوز عنها، فالصواب ما ذهب إليه الجمهور من أن لفظ الصلاة حقيقة في الدعاء، مجاز لغوي في الهيئات المخصوصة المشتملة عليه (٣).
قوله: (وإنما سمي الداعي مصليا) إلى آخره هو من تتمة القول الثاني.
قال الطيبي: كأنه جواب عن سؤال سائل أن الداعي يسمى مصليا، وهو لا يحرك الصلوين (٤).
قوله: (الرزق في اللغة الحظ)
الشيخ أكمل الدين: الرزق في الأصل مصدر بمعنى الإخراج، وشاع في اللغة أولاً على إخراج حظ إلى آخر ينتفع به، ثم شاع استعمالا وشرعا على إعطاء الله
стр. 305
الحيوان ما ينتفع به، ويستعمل بمعنى المرزوق، وحينئذ يطلق على ما أعطى الله عبده ومَكَّنَهُ من التصرف فيه، وهو معنى الملك، وهو بهذا المعنى يمكن أن ينفق بعضه، أو كله، وعلى ما به قوامه وبقاؤه منه خاصة، وهو معنى الغذاء، والمراد بالآية معنى الملك (١).
قوله: (الطِّلق) بكسر الطاء الحلال الصرف الطيب.
قوله: (وأصحابنا جعلوا الإسناد للتعظيم)
قال الطيبي: معناه أن الرزق وإن كان كله من الله لكن من شرط ما يضاف إليه من الأفعال أن يكون الأفضل، فالأفضل، كما قال إبراهيم ﵇ (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [سورة الشعراء ٨٠] وقوله (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) (٢)
قوله: (وتمسكوا لشمول الرزق له بقوله ﷺ في حديث عمرو بن قُرَّةَ (٣): " لقد رزقك الله طيبا، فاخترت ما حرَّم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله ")
أخرجه ابن ماجه، وأبو نعيم في " المعرفة " والديلمي في " مسند الفردوس " من حديث صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله ﷺ فجاءه عمر بن قرة فقال: يا رسول الله إن الله تعالى قَدَّر (٤) عليَّ الشقوة، فلا أراني أُرزق إلا من دَفِّيْ بَكَفَّيَّ، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال: " لا آذن لك ولا كرامة، كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله حلالا طيبا، فاخترت ما حرَّم الله عليك من رزقه مكان ما أحلّ الله لك من حلاله " (٥)
قوله: (وأنفق الشيء وأنفده أخوان).
قال القطب في " الحاشية ": أي بينهما الاشتقاق الأكبر، فإن بينهما تناسبا في التركيب، وفي المعنى؛ لاشتمال كل منهما على معنى الخروج (٦).
стр. 306
قوله: (ولو استقريت الألفاظ وجدت ما يوافقه في الفاء والعين (١) دالا على (٢) معنى الذهاب والخروج)
قال القطب: كنفر، ونفز، ونفس، ونفع، ونفى (٣).
زاد الشريف: ونفض، ونفث، وأمثالها (٤)
قوله: (ومن فسر بالزكاة)
هو تفسير ابن عباس، أخرجه ابن جرير (٥)، وأخرج أيضاً عن ابن مسعود أنها نفقة الرجل على أهله (٦).
ولا منافاة بينهما؛ لأن كلا ذكر بعض أفراد النفقة
قوله: (لاقترانه بما هو شقيقها)
أي الصلاة من حيث إنهما أُمَّانِ لسائر العبادات، ومن حيث إنهما يذكران معا في القرآن.
قوله: (وتقديم المفعول به)
قال الشريف: سمي الجار والمجرور مفعولا به تنبيها على أنه بحسب المعنى مفعول به، أي بعض ما رزقناهم ينفقون (٧)
قوله: (وإدخال " مِن " التبعيضية عليه للكف عن الإسراف المنهي عنه)
تبع في ذلك صاحب " الكشاف " (٨).
وقد ذكر بعض أرباب الحواشي: أن هذا اعتزال، وأنهم يقولون: إن " من " في الآية للإشعار بأنه لا ينبغي أن يتصدق بجميع ماله، بل يبقي منه شيئا خشية الإضاقة، وعدم الصبر عليها.
ونحن نقول: إن " من " يراد بها أن تكون النفقة من الرزق الذي هو حلال،
стр. 307
دون الرزق الذي هو حرام.
وأما كراهية إخراج المال كله للصدقة فليس ممنوعا منه على الإطلاق، فقد تصدق أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجميع ماله (١)، ولم ينكره النبي ﷺ ، وإنما يكره ذلك لمن لا يصبر على الإضاقة. انتهى
قوله: (ويحتمل أن يراد به الإنفاق من جميع المعارف) إلى آخره
قال الراغب: الرزق لفظ مشترك للحظ الجاري تارة، وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به (ومما رزقناهم ينفقون) محمول على المباح؛ لأنه حث على الإنفاق، ومدح لفاعله، ولأنه مضاف إلى الله تعالى.
والإنفاق كما يكون من المال والنعم الظاهرة يكون من النعم الباطنة، كالعلم، والقوة، والجاه، والجود التام بذل العلم، ومتاع الدنيا عرض زائل.
وقال بعض المحققين في الآية: ومما خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون (٢). انتهى.
قوله: (ويؤيده قوله ﵊: " إن علماً لا يقال به ككنز لا ينفق منه ").
أخرجه بهذا اللفظ ابن عساكر (٣) في " تاريخه " من حديث ابن عمر مرفوعا (٤)، وأخرجه الطبراني في الأوسط " من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "
مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه (٥) "
стр. 308
وأخرج ابن أبي شيبة في " المصنف " عن سلمان قال: " علم لا يقال به ككنز لاينفق منه (١) "
وأخرج أبو نصر السجزي (٢) في " الإبانة " وابن عساكر عن أبي هريرة مرفوعا " إن علما لا ينتفع به ككنز لا ينفق (٣) في سبيل الله ".
وأخرج أحمد في " الزهد " عن قتادة قال: " متكوب في الحكمة علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه (٤)
قوله: (هم مؤمنو أهل الكتاب) أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود (٥).
قوله: (كعبد الله بن سلام)
هو بتخفيف اللام، من بني قينقاع الإسرائيلي، من ولد يوسف الصديق، كان اسمه الحصين، فسماه النبي ﷺ عبد الله (٦)، كما رواه ابن ماجه (٧).
стр. 309
وقد ألفت جزءاً فيمن غير النبي ﷺ أسماءهم (١).
قوله: (وأضرابه)
قال الزمخشري: " أكثر الناس على أن الأضراب جمع ضرب، بالفتح، وعندي بكسرها، فعل بمعنى مفعول، كالطحن، وهو الذي يضرب به المثل، ولابد في المضروب به مثلا، والمضروب فيه من المماثلة (٢).
وقال غيره: الضرباء، والأضراب الأمثال، تقول العرب: هو ضربه بالكسر، أي مثله، وضرب وضريب كمثل ومثيل، وشبه وشبيه.
قوله: (وهو قول ابن عباس) أخرجه ابن جرير (٣)
قوله: (ويحتمل أن يراد بهم الأولون بأعيانهم)
قال الشريف: أورد عليه أَوَّلاً أن الإيمان بالكتب المنزلة مندرج في الإيمان بالغيب، فلم أفرد بالذكر؟
وأجيب بأنه للاعتناء بشأنه، كأنه العمدة.
وثانيا: أنه لم أعيد الموصول، وهلاَّ اكتفي بعطف الصلاة؟
ودفع بأنه للدلالة على استقلال هذه الصفات، واستدعائها أن يذكر معها موصوفها، كأن الموصوف بها مغاير للموصوف بما تقدم.
وفائدة العطف بين الموصولين مع اتحاد الذات ما أشار إليه من معنى الجمع بين تلك الصفات وهذه، كما في العطف بالواو في سائر الصفات.
стр. 310
ورجح هذا الاحتمال على الأول بأن الإيمان بالمنزلين مشترك بين المؤمنين قاطبة، فلا وجه لتخصيصه بمؤمني أهل الكتاب، ولا دلالة للإفراد بالذكر في الآية.
على أن الإيمان بكل منهما بطريق الاستقلال، ألا ترى إلى قوله تعالى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) [سورة البقرة ١٣٦] فقد أفرد فيه الكتب المنزلة من قبل، ولم يقتض الإيمان بها على الانفراد، وبان ما ذكره في تقديم (بالآخرة) وبناء (يوقنون) على (هم) إنما يقع موقعه إذا عم المؤمنين، وإلا أوهم نفيه عن الطائفة الأولى، وبأن أهل الكتاب لم يكونوا مؤمنين بجميع ما أنزل من قبله، فإن اليهود لم يؤمنوا بالإنجيل.
وما يقال من أن اشتمال إيمانهم على كل وحي إنما هو بالنظر إلى جميعهم، فاليهود اشتمل إيمانهم على القرآن، والتوراة، والنصارى اشتمل إيمانهم على القرآن، والإنجيل مردود؛ لأن المفهوم المتبادر من أمثال ما نحن فيه ثبوت الحكم لكل واحد، وبأن الصفات السابقة ثابتة لمن آمن من أهل الكتاب، فتخصيصها بمن عداهم تحكم.
وجعل الكلام من قبيل عطف الخاص على العام لا يلائم المقام.
وقد يرجح الاحتمال الأول بأن الأصل في العطف التغاير بالذات.
ويجاب بأن هناك تفصيلا: هو أن أدات العطف إن توسطت بين الذوات اقتضت تغايرها بالذات، وإن توسطت بين الصفات اقتضت تغايرها بحسب المفهومات، وكذا الحكم في التأكيد، والبدل، ونحوهما، وإن وقعت فيما يحتملهما على سواء كان الحمل على التغاير بالذات أولى، فلا يحكم في مثل زيد عالم وعاقل بأن الحمل على تغايرهما بالذات (١) أظهر.
وقد يرجح في الآية الكريمة الحمل على عطف الصفة بأن وضع (الذي) على أن يكون صفة، فالظاهر عطفه على الموصول الأول على أنه صفة أخرى (للمتقين) بلا تقسيم، مع أن ما تقدم من وجوه الترجيح شاهد له.
ثم العطف على (الذين يؤمنون بالغيب) صحيح سواء جعل المعطوف عليه موصولا بما قبله، أو منقطعا عنه.
стр. 311
وأما العطف على (المتقين) فإنما يصح على تقدير الوصل فقط، والأول أرجح؛ إذ لا معنى لإخراجهم عن (المتقين) مع اتصافهم بالتقوى إلا أن يحمل على المشارفين، فيتعين العطف عليه؛ لبعد الحمل على المشارفة في المعطوف، وإذا اتحد الموصولان بحسب الذات فإن جعل الموصول الأول استئنافا وجب عطف الثاني عليه، وإن جعل صفة أو مدحا كان العطف أولى؛ لأن الكشف قد تم بالمعطوف (١) عليه، فتأمل (٢). انتهى.
قوله: (ووسط العاطف) إلى آخره
قال الشيخ سعد الدين: أورد أمثلة للإشارة إلى أن ذلك يجري في الصفات والأسماء باعتبار تغاير المفهومات، ويكون بالواو والفاء باعتبار تعاقب الانتقال (٣)
قوله: (كما وسط في قوله:
إلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابنِ الهُمَامِ. . . وَلَيْثِ الكَتِيْبَةِ فِي المُزْدَحِمِ) (٤).
القرم الفحل المكرم الذي لا يحمل عليه، ثم سمي به السيد. والهمام من أسماء الملوك؛ لعظم همتهم، أو لأنهم إذا هموا بأمر فعلوه. والكتيبة الجيش.
والمزدحم مكان الازدحام، وهو وقوع القوم بعضهم على بعض.
وقوله: (يا لَهْفَ زَيابة لِلحَارِثِ الـ. . . صَّابَحِ فالغانِمِ فالآيِب)
قال الخطيب التبريزي في " شرح الحماسة ":
قال الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان:
أيا ابنَ زَيَّابَةَ إِنْ تَلْقَنِيْ. . . لا تَلْقَنِيْ فِي النَّعَمِ العَازِبِ
وتَلْقَنِيْ يَشْتَدُّ بِي أَجْرَدٌ. . . مُسْتَقْدِمُ البِرْكَةِ (٥) كالرَّاكِبِ
فأجابه ابن زيابة - واسمه سلمة بن ذهل، وزيابة اسم أمه -:
يا لَهْفَ زَيابة لِلحَارِثِ الـ. . . صَّابَحِ فالغانِمِ فالآيِب
واللهِ لو لاقَيْتُهُ خالياً. . . لآبَ سَيْفَانَا مَعَ الغالِبِ
أنا ابنُ زيابة إِنْ تَدْعُنِيْ. . . آتِكَ والظنُّ على الكاذِبِ
стр. 312
قال التبريزي: ومعناه أنه لهف أمه أن لا يلحقه في بعض غاراته فيقتله، أو يأسره (١).
وقال النمري: وصفه بالفتك والظفر وحسن العاقبة، وكيف يذكره بذلك وهو عدوه، وإنما يتأسف على الفائت من قتله وأسره.
ولما كانت هذه الصفة متراخية حسن إدخال الفاء؛ لأن الصابح قبل الغانم، والغانم أمام الآيب.
ويقبح أن تدخل الفاء إذا كانت الصفات مجتمعة في الموصوف، فلا يحسن (٢) أن تقول: عجبت من فلان الأزرق العين، فالأشم الأنف، فالشديد الساعد إلا على وجه يبعد؛ لأن زرقة العين، وشمم الأنف، وشدة الساعد قد اجتمعن في الموصوف (٣).
ووقع في حاشية الطيبي أن زيابة اسم أبي الشاعر (٤). وهو وهْمٌ.
قوله: (إشادة بذكرهم) بالدال المهملة.
في الصحاح: الإشادة رفع الصوت بالشيء، وأشاد بذكره، أي رفع من قدره (٥).
قوله: (ولعل نزول الكتب الإلاهية) إلى آخره
مأخوذ من كلام الإمام حيث قال: المراد من إنزال القرآن أن جبريل في السماء سمع كلام الله، فنزل على الرسول به، كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر، والرسالة لا تنزل، ولكن المستمع سمع الرسالة في علو، فنزل وأدى في سفل، وقول الأمير لا يفارق ذاته (٦).
стр. 313
فإن قيل: كيف يسمع جبريل كلام الله، وكلامه ليس من الحروف والأصوات؟
قلنا: يحتمل أن يخلق الله له سماعا لكلامه، ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم.
ويجوز أن يكون الله تعالى خلق في اللوح المحفوظ كتابه بهذا النظم المخصوص، فقرأه جبريل فحفظة. ويجوز أن يخلق أصواتا مقطعة بهذا النظم المخصوص، في جسم مخصوص، فتلقفه جبريل، ويخلق له علما ضروريا بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم (١) انتهى.
стр. 314
قوله: (وإنما عبر عنه بلفظ المضي) إلى آخره
قال الشيخ سعد الدين: فعلى الأول هو مجاز باعتبار تسمية الكل باسم الجزء، وعلى الثاني استعارة باعتبار تشبيه غير المتحقق بالمتحقق.
قال: ويرد على كلا الوجهين:
أَولاً: أنه جمع بين الحقيقة والمجاز، ولا يتصور معنى مجازي يعم المعنى الحقيقي والمجازي، ليكون من عموم المجاز.
والجواب أن الجمع هو أن يراد باللفظ معناه الحقيقي والمجازي، على أن كلا منهما مراد باللفظ، وهاهنا أريد المعنى الذي بعض أجزائه من أفراد الحقيقة دون البعض.
وثانيا: أن وجوب اشتمال الإيمان على السالف والمترقب لا ينافي الإخبار عنهم في ذلك الوقت بأنهم يؤمنون بالفعل السالف؛ إذ الإيمان بالمترقب إنما يكون عند تحققه، وإن أريد الإيمان بأن كل ما ينزل فهو حق، فهذا حاصل الآن من غير حاجة إلى اعتبار تحقق نزوله.
والجواب أنه لما وجب ذلك وجب في مقام الإخبار عنهم بأنهم يؤمنون بكل ما يجب الإيمان به أن يتعرض لذلك، سيما وقد أورد (يؤمنون) بلفظ المضارع المنبئ عن الاستمرار، وعدم الاقتصار على الماضي.
стр. 315
قال: والإشكال في آية (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) [سورة الأحقاف ٣٠] أقوى؛ فإن السماع لم يتعلق إلا بما تحقق إنزاله بالحقيقة، فكيف يكون سبيله سبيل ما ذكر من جعل غير المتحقق بمنزلة المتحقق.
غاية الأمر أن الكتاب اسم للمجموع فيجب أن يراد به البعض، أو يحمل على المفهوم الكلي الصادق على الكل وعلى البعض.
ويجاب بالتأويل أيضاً، يعني أن الكتاب كأنه قد نزل كله وسمعوه، فالتجوز في إيقاع السماع على الكتاب المراد به الكل، مع أنه لم يسمع إلا بعضه (١). انتهى.
وقال الشريف: ذكر للتعبير عن الماضي والمترقب بصيغة الماضي وجهين:
أحدهما: تغليب ما وجد نزوله على ما لم يوجد.
وتحقيقه أن إنزال جميع القرآن معنى واحد، يشتمل على ما حقه صيغة الماضي، وعلى ما حقه صيغة المستقبل، فعبر عنهما معا بصيغة الماضي، ولم يعكس، تغليبا للموجود على ما لم يوجد، فذلك من قبيل إطلاق اسم الجزء على الكل.
والثاني: تشبيه مجموع المنزل بشيء نزل في تحقق النزول؛ لأنه بعضه نازل، وبعضه مستقبل سينزل قطعا، فيصير إنزال مجموعه مشبها بإنزال ذلك الشيء الذي نزل، فتستعار صيغة الماضي من إنزاله لإنزال المجموع.
قال: وقد اضمحل بما فصلناه ما يتوهم من لزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز في كل واحد من الوجهين.
قال: وأما قوله: (إنا سمعنا كتابا) فإنما كان نظير ذلك؛ لأن المراد بقوله (كتابا) هو المجموع؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق خصوصا إذا قيد بكونه منزلا من بعد موسى، لا بعضه، ولا القدر المشترك بينه وبين كله، وقد عبر عن إنزاله بلفظ الماضي (٢) مع أن بعضه كان حينئذٍ مترقبا، فوجب أن يؤول بأحد تأويلين.
وأما (سمعنا) فالظاهر فيه تغليب المسموع على ما لم يسمع في إيقاع السماع عليه (٣). انتهى.
стр. 316
قوله: (أي يوقنون إيقانا زال معه ما كانوا عليه) إلى آخره.
إشارة إلى ما قاله الإمام في تفسير اليقين: إنه العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكا فيه (١).
قوله: (وفي تقديم الصلة، وبناء (يوقنون) على (هم) تعريض بمن عداهم) إلى آخره
قال الشيخ تقي الدين السبكي في " الاقتناص ": إنما قال: وبناء (يوقنون) على (هم) دون وتقديم (هم) لأن التقديم إنما يكون عن تأخير، وليس بلازم هنا؛ لاحتمال أنه جعل مبتدأ من أصله خبره الفعل، لا أنه فعل وفاعل قدم وأخر. انتهى.
وقد حذف المصنف من الكشاف تقدير إفادته الاختصاص هنا، فأغنى عن الكلام عليه.
نعم قال الشريف: هنا تقديمان:
الأول: تقديم الظرف الذي هو (بالآخرة) ويفيد تخصيص إيقانهم بالآخرة، أي أن إيقانهم مقصور على حقيقة الآخرة، لا يتعداها إلى ما هو على خلاف حقيقتها، وفي ذلك تعريض بأن ما عليه مقابلوهم ليس من حقيقة الآخرة في شيء، كأنه قيل: يوقنون بالآخرة، لا بخلافها، كأهل الكتاب.
الثاني: تقديم المسند إليه الذي بني عليه (يوقنون) ويفيد أيضاً تخصيص (٢) أن الإيقان بالآخرة منحصر فيهم، لا يتجاوزهم إلى أهل الكتاب، وفيه تعريض بأن اعتقادهم الذي يزعمون أنه إيقان بالآخرة ليس بإيقان، بل هو جهل محض، كما أن معتقدهم خيال فاسد (٣).
وكذا قرره الشيخ أكمل الدين وقال: فبَانَ بهذا أن هنا تخصيصين وتعريضين.
قال: ثم إن كلا من التعريضين إنما هو على سبيل الكناية؛ لأنه (٤) لما لم يكن لأهل الكتاب إيقان كان الإيقان مخصوصا بالمؤمنين، فالانتقال من اختصاص الإيقان بالمؤمنين إلى سلب الإيقان عن أهل الكتاب انتقال من اللازم إلى الملزوم،
стр. 317
فكان كناية، وكذا في التعريض الثاني.
قال: ومن الناس من قال: ليس هنا إلا تعريض واحد، وذلك لأن ظاهر كلامه أن في تقديم الآخرة، وبناء (يوقنون) على (هم) تعريضا، أي في هذين الأمرين تعريض بأهل الكتاب، وبما كانوا عليه، وهو من باب أعجبني زيد وكرمه، وذكر أهل الكتاب. توطئة، والمقصود ما كانوا عليه، كما أن ذكر زيد في المثال توطئة، والمقصود كرمه فمآل الكلام إلى أن التقديمين أفاد التعريض بأن ما كانوا عليه من أمر الآخرة ليس بشيء؛
لكونه على خلاف حقيقته، وأن إيقانهم ليس بإيقان (١). انتهى.
يشير بهذا القائل إلى الطيبي (٢).
قوله: (واليقين إتقان العلم بنفي الشبهة) إلى آخره
قال الشيخ أكمل الدين، والشريف: يريد أن العلم الذي من شانه أن يتطرق إليه الشك والشبهة إذا انتفيا عنه كان إيقانا، ولذلك لا يوصف به العلم القديم، ولا الضروري، فلا يقال: تيقنت أن الكل أعظم من الجزء (٣).
وقال الإمام: لا يقال: تيقنت أن السماء فوقي، ويقال: تيقنت ما أردته بكلامك (٤).
قال الشيخ أكمل الدين: والعلم الذي من شأنه ذلك هو الذي يكون بمعنى الظن.
قال: ولو قال: هو العلم وهو الإدراك الذي لا يحتمل النقيض كان أجرى على الأصول (٥).
الراغب: اليقين من صفة العلم، فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علم يقين، ولا يقال: معرفة يقين، وهو سكون النفس مع ثبات الحكم (٦).
قوله: (والآخرة تأنيث الآخِر صفة الدار)
стр. 318
قال بعض أرباب الحواشي: أجاز الماوردي أن تكون الآخرة صفة للنشأة الآخرة (١)، لقوله تعالى (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) [سورة العنكبوت ٢٠]
قوله: (فغلبت كالدنيا)
الشيخ أكمل الدين: قال الزمخشري: " الغلبة تكون في الأسماء، كالبيت على الكعبة، وقد تكون في الصفات كالرحمن غير مضاف، وقد تكون في المعاني كالخوض على الشروع في الباطل خاصة، وهاهنا في الصفات، وكذا الدنيا، ثم إنهما مع الغلبة المذكورة جرتا مجرى الأسماء لما غلب حذف موصوفهما معهما.
وقد فرق بين ما غلب من الصفات فاستعمل في موصوف معين كالرحمن، وبين ما جرى مجرى الأسماء بحذف الموصوف، كالذي نحن فيه بأن استعمال الأول في موصوف معين سبب صيرورته من الصفات الغالبة، واستعمال الثاني بدون الموصوف سبب جريانه مجرى الأسماء (٢). انتهى.
قوله: (ونظيره:
لَحُبَّ المُؤْقِدانِ إلَيُّ مُؤْسَى. . . وجَعْدةُ إذ أضاءهما الوُقُوْدُ)
قال الطيبي: هو لجرير (٣)، و " مؤسى " و " جعدة " ابناه، وهما عطفا بيان لقوله: " المؤقدان " كانا يوقدان نار القرى، و " إذ أضاءهما " بدل اشتمال منهما، يحمد أفعالهما ويشكر صنيعهما، واللام في " لحب " للقسم، و " حب " فعل ماض، بضم الحاء وفتحها من " أحبَّ " و " حبَّ " والمعنى: وحبب الله إليّ وقت إضاءة وقودهما
إياهما.
هكذا روى سيبويه بقلب الواو في " المؤقدان "، و " مؤسى " همزة (٤). انتهى.
وقال الشيخ أكمل الدين: المعنى ما أحبهما إليّ حيث اشتهرا بالكرم، وكنُّى عن الاشتهار بالكرم بإضاءة الوقود، والمراد بالوقود وقود نار القرى، فإنه المراد عند الإطلاق من استعمال العرب، واللام جواب القسم المحذوف، ولم يؤت
стр. 319
بـ " قد " مع أنه ماض مثبت، لإجرائه مجرى فعل المدح، نحو والله لنعم الرجل زيد (١).
وقال الشريف: الشعر لجرير، أو لأبي حَيَّة النميري (٢)، وصف ابنيه بالكرم والاشتهار به، فكنى عن الأول بإيقاد نار القرى، وعن الثاني بإضاءة الوقود إياهما، و " لحب " أصله حَبُبَ على وزن شرف، فأدغم بالإسكان، أو بنقل الضمة، يقال: حُبَّ إليَّ فلان، أي ما أحبه إليَّ، وقد صح الوقود هنا بضم الواو، وهو مصدر (٣). انتهى.
وقال ابن جني في " الخصائص " - وقد أورد البيت في باب الجوار -: ومن الجوار في المتصل قول جرير:
لحب المؤقدان إليَّ مؤسى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
وذلك أنه تصور الضمة - لمجاورتها الواو - كأنها فيها، فهمز كما يهمز (٤) في " أدؤر ونحوه " (٥).
وقال في باب " شواذ الهمزة ": وأنشدوا لجرير:
لحب المؤقدان إليّ مؤسى. . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
بالهمز في " المؤقدان " وفي مؤسى (٦)
والبيت من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك (٧)، أولها:
عَفَا النَّسْرَانِ بَعْدَكَ فَالوَحِيْدُ. . . ولا يَبْقَى لِجِدَّتِهِ جَدِيْدُ
стр. 320
نَظَرْنَا نَارَ جَعْدَةَ هَلْ نَرَاها. . . أَبُعْدٌ غَالَ ضَوْءَكِ أَمْ هُمُوْدُ
لحب المؤقدان إلي مؤسى. . . وجعدة إذ (١) أضاءهما الوقود
تَعَرَّضَتِ الهُمُوْمُ لنا فَقَالَتْ:. . . جُعَادَةُ أيَّ مُرْتَحَلٍ تُرِيْدُ
فقلت لها: الخليفةَ غَيرَ شَكٍّ. . . هُو المَهْدِيُّ والحَكَمُ الرُّشِيْدُ
ومنها:
هِشامُ المُلْكِ والحَكَم المُصَفَّىْ. . . يَطِيْبُ إِذَاْ نَزلتَ بِهِ الصَّعِيْدُ
يَعُمُّ على البَرِيَّةِ منك فَضْلٌ. . . وتُطْرِقُ مِن مَخَافَتِكَ الأسُودُ
وَإنْ أهْلُ الضُّلالةِ خَالَفوكم. . . أَصَابَهُمْ كَمَا لَقِيَتْ ثَمُوْدُ
وأمَّا من أطاعكُمُ فَيَرْضَى. . . وذو الأضغانِ يَخْضَعُ مُسْتَقِيْدُ (٢)
قوله: (الجملة في محل رفع إن جعل أحد الموصولين مفصولا عن المتقين خبر له)
قال الشريف: هو مذكور فيما تقدم، وإنما كرره ليرتبط به قوله: " وإلا " (٣)
وقال أبو حيان، إن جعلنا (٤) (الذين) مبتدأً فـ (أولئك) مع ما بعده يكون مبتدأً وخبرا في موضع خبر (الذين).
ويجوز أن يكون بدلا، وعطف بيان.
ويمتنع الوصف لكونه أعرف، ويكون خبر (الذين) إذ ذاك قوله (على هدى) (٥) انتهى.
وقد أحسن المصنف حيث قال: (إن جعل أحد الموصولين) مصلحا به عبارة الكشاف حيث اقتصر على الموصول الأول، فأورد عليه الثاني.
قال الشيخ أكمل الدين: ويجوز أن يكون من باب:
نحنُ بما عندنا، وأنتَ بما ... عندك راضٍ (٦). . . . . . . . . . . .
следующие страницы →