← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قوله: (أي يوقنون إيقانا زال معه ما كانوا عليه) إلى آخره. إشارة إلى ما قاله الإمام في تفسير اليقين: إنه العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكا فيه (١). قوله: (وفي تقديم الصلة، وبناء (يوقنون) على (هم) تعريض بمن عداهم) إلى آخره قال الشيخ تقي الدين السبكي في " الاقتناص ": إنما قال: وبناء (يوقنون) على (هم) دون وتقديم (هم) لأن التقديم إنما يكون عن تأخير، وليس بلازم هنا؛ لاحتمال أنه جعل مبتدأ من أصله خبره الفعل، لا أنه فعل وفاعل قدم وأخر. انتهى. وقد حذف المصنف من الكشاف تقدير إفادته الاختصاص هنا، فأغنى عن الكلام عليه. نعم قال الشريف: هنا تقديمان: الأول: تقديم الظرف الذي هو (بالآخرة) ويفيد تخصيص إيقانهم بالآخرة، أي أن إيقانهم مقصور على حقيقة الآخرة، لا يتعداها إلى ما هو على خلاف حقيقتها، وفي ذلك تعريض بأن ما عليه مقابلوهم ليس من حقيقة الآخرة في شيء، كأنه قيل: يوقنون بالآخرة، لا بخلافها، كأهل الكتاب. الثاني: تقديم المسند إليه الذي بني عليه (يوقنون) ويفيد أيضاً تخصيص (٢) أن الإيقان بالآخرة منحصر فيهم، لا يتجاوزهم إلى أهل الكتاب، وفيه تعريض بأن اعتقادهم الذي يزعمون أنه إيقان بالآخرة ليس بإيقان، بل هو جهل محض، كما أن معتقدهم خيال فاسد (٣). وكذا قرره الشيخ أكمل الدين وقال: فبَانَ بهذا أن هنا تخصيصين وتعريضين. قال: ثم إن كلا من التعريضين إنما هو على سبيل الكناية؛ لأنه (٤) لما لم يكن لأهل الكتاب إيقان كان الإيقان مخصوصا بالمؤمنين، فالانتقال من اختصاص الإيقان بالمؤمنين إلى سلب الإيقان عن أهل الكتاب انتقال من اللازم إلى الملزوم،

стр. 317

فكان كناية، وكذا في التعريض الثاني. قال: ومن الناس من قال: ليس هنا إلا تعريض واحد، وذلك لأن ظاهر كلامه أن في تقديم الآخرة، وبناء (يوقنون) على (هم) تعريضا، أي في هذين الأمرين تعريض بأهل الكتاب، وبما كانوا عليه، وهو من باب أعجبني زيد وكرمه، وذكر أهل الكتاب. توطئة، والمقصود ما كانوا عليه، كما أن ذكر زيد في المثال توطئة، والمقصود كرمه فمآل الكلام إلى أن التقديمين أفاد التعريض بأن ما كانوا عليه من أمر الآخرة ليس بشيء؛ لكونه على خلاف حقيقته، وأن إيقانهم ليس بإيقان (١). انتهى. يشير بهذا القائل إلى الطيبي (٢). قوله: (واليقين إتقان العلم بنفي الشبهة) إلى آخره قال الشيخ أكمل الدين، والشريف: يريد أن العلم الذي من شانه أن يتطرق إليه الشك والشبهة إذا انتفيا عنه كان إيقانا، ولذلك لا يوصف به العلم القديم، ولا الضروري، فلا يقال: تيقنت أن الكل أعظم من الجزء (٣). وقال الإمام: لا يقال: تيقنت أن السماء فوقي، ويقال: تيقنت ما أردته بكلامك (٤). قال الشيخ أكمل الدين: والعلم الذي من شأنه ذلك هو الذي يكون بمعنى الظن. قال: ولو قال: هو العلم وهو الإدراك الذي لا يحتمل النقيض كان أجرى على الأصول (٥). الراغب: اليقين من صفة العلم، فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علم يقين، ولا يقال: معرفة يقين، وهو سكون النفس مع ثبات الحكم (٦). قوله: (والآخرة تأنيث الآخِر صفة الدار)

стр. 318

قال بعض أرباب الحواشي: أجاز الماوردي أن تكون الآخرة صفة للنشأة الآخرة (١)، لقوله تعالى (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) [سورة العنكبوت ٢٠] قوله: (فغلبت كالدنيا) الشيخ أكمل الدين: قال الزمخشري: " الغلبة تكون في الأسماء، كالبيت على الكعبة، وقد تكون في الصفات كالرحمن غير مضاف، وقد تكون في المعاني كالخوض على الشروع في الباطل خاصة، وهاهنا في الصفات، وكذا الدنيا، ثم إنهما مع الغلبة المذكورة جرتا مجرى الأسماء لما غلب حذف موصوفهما معهما. وقد فرق بين ما غلب من الصفات فاستعمل في موصوف معين كالرحمن، وبين ما جرى مجرى الأسماء بحذف الموصوف، كالذي نحن فيه بأن استعمال الأول في موصوف معين سبب صيرورته من الصفات الغالبة، واستعمال الثاني بدون الموصوف سبب جريانه مجرى الأسماء (٢). انتهى. قوله: (ونظيره: لَحُبَّ المُؤْقِدانِ إلَيُّ مُؤْسَى. . . وجَعْدةُ إذ أضاءهما الوُقُوْدُ) قال الطيبي: هو لجرير (٣)، و " مؤسى " و " جعدة " ابناه، وهما عطفا بيان لقوله: " المؤقدان " كانا يوقدان نار القرى، و " إذ أضاءهما " بدل اشتمال منهما، يحمد أفعالهما ويشكر صنيعهما، واللام في " لحب " للقسم، و " حب " فعل ماض، بضم الحاء وفتحها من " أحبَّ " و " حبَّ " والمعنى: وحبب الله إليّ وقت إضاءة وقودهما إياهما. هكذا روى سيبويه بقلب الواو في " المؤقدان "، و " مؤسى " همزة (٤). انتهى. وقال الشيخ أكمل الدين: المعنى ما أحبهما إليّ حيث اشتهرا بالكرم، وكنُّى عن الاشتهار بالكرم بإضاءة الوقود، والمراد بالوقود وقود نار القرى، فإنه المراد عند الإطلاق من استعمال العرب، واللام جواب القسم المحذوف، ولم يؤت

стр. 319

بـ " قد " مع أنه ماض مثبت، لإجرائه مجرى فعل المدح، نحو والله لنعم الرجل زيد (١). وقال الشريف: الشعر لجرير، أو لأبي حَيَّة النميري (٢)، وصف ابنيه بالكرم والاشتهار به، فكنى عن الأول بإيقاد نار القرى، وعن الثاني بإضاءة الوقود إياهما، و " لحب " أصله حَبُبَ على وزن شرف، فأدغم بالإسكان، أو بنقل الضمة، يقال: حُبَّ إليَّ فلان، أي ما أحبه إليَّ، وقد صح الوقود هنا بضم الواو، وهو مصدر (٣). انتهى. وقال ابن جني في " الخصائص " - وقد أورد البيت في باب الجوار -: ومن الجوار في المتصل قول جرير: لحب المؤقدان إليَّ مؤسى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. وذلك أنه تصور الضمة - لمجاورتها الواو - كأنها فيها، فهمز كما يهمز (٤) في " أدؤر ونحوه " (٥). وقال في باب " شواذ الهمزة ": وأنشدوا لجرير: لحب المؤقدان إليّ مؤسى. . . . . . . . . . . . . . . . . . .. بالهمز في " المؤقدان " وفي مؤسى (٦) والبيت من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك (٧)، أولها: عَفَا النَّسْرَانِ بَعْدَكَ فَالوَحِيْدُ. . . ولا يَبْقَى لِجِدَّتِهِ جَدِيْدُ

стр. 320

نَظَرْنَا نَارَ جَعْدَةَ هَلْ نَرَاها. . . أَبُعْدٌ غَالَ ضَوْءَكِ أَمْ هُمُوْدُ لحب المؤقدان إلي مؤسى. . . وجعدة إذ (١) أضاءهما الوقود تَعَرَّضَتِ الهُمُوْمُ لنا فَقَالَتْ:. . . جُعَادَةُ أيَّ مُرْتَحَلٍ تُرِيْدُ فقلت لها: الخليفةَ غَيرَ شَكٍّ. . . هُو المَهْدِيُّ والحَكَمُ الرُّشِيْدُ ومنها: هِشامُ المُلْكِ والحَكَم المُصَفَّىْ. . . يَطِيْبُ إِذَاْ نَزلتَ بِهِ الصَّعِيْدُ يَعُمُّ على البَرِيَّةِ منك فَضْلٌ. . . وتُطْرِقُ مِن مَخَافَتِكَ الأسُودُ وَإنْ أهْلُ الضُّلالةِ خَالَفوكم. . . أَصَابَهُمْ كَمَا لَقِيَتْ ثَمُوْدُ وأمَّا من أطاعكُمُ فَيَرْضَى. . . وذو الأضغانِ يَخْضَعُ مُسْتَقِيْدُ (٢) قوله: (الجملة في محل رفع إن جعل أحد الموصولين مفصولا عن المتقين خبر له) قال الشريف: هو مذكور فيما تقدم، وإنما كرره ليرتبط به قوله: " وإلا " (٣) وقال أبو حيان، إن جعلنا (٤) (الذين) مبتدأً فـ (أولئك) مع ما بعده يكون مبتدأً وخبرا في موضع خبر (الذين). ويجوز أن يكون بدلا، وعطف بيان. ويمتنع الوصف لكونه أعرف، ويكون خبر (الذين) إذ ذاك قوله (على هدى) (٥) انتهى. وقد أحسن المصنف حيث قال: (إن جعل أحد الموصولين) مصلحا به عبارة الكشاف حيث اقتصر على الموصول الأول، فأورد عليه الثاني. قال الشيخ أكمل الدين: ويجوز أن يكون من باب: نحنُ بما عندنا، وأنتَ بما ... عندك راضٍ (٦). . . . . . . . . . . .

стр. 321

أي الذين يؤمنون بالغيب أولئك على هدى، والذين يؤمنون بما أنزل إليك كذلك (١). قوله: (وكأنه لما قيل: (هدى للمتقين) قيل: ما بالهم خصوا بذلك؟) إلى آخره قال الشريف: أي ما حالهم مختصين بذلك، وهل هم أحقّاء به، فمآل السؤال إلى أنهم هل يستحقون ما أثبت لهم من الاختصاص؟ والجواب يشتمل على هذا الحكم المطلوب مع تلخيص موجبه، وقد ضم فيه إلى الهدى نتيجته تقوية للمبالغة التي تضمنها تنكيره، كأنه قيل: هم مستحقون للاختصاص، والسبب فيه تلك الأوصاف التي رتب عليها الحكم، فاستغنى عن تأكيد النسبة ببيان علتها. وقد يقال: المقصود من السؤال هو السبب فقط، أي ما سبب اختصاصهم واستحقافهم إلا أنه بين في الجواب مرتبا عليه مُسَبَّبه، فإن ذلك أوصل إلى معرفة السبب، فلا حاجة أصلا إلى تأكيد الجملة. وربما قيل: قصد به مجموع الأمرين، أي هل هم أحقّاء بذلك، وما السبب فيه حتى يكونوا كذلك؟ وإنما قال: " كأنه قيل " إذ ليس هناك سؤال، بل اتجاه سؤال، فجعل لذلك كأنه مقدر (٢). انتهى. وكأنه نتيجة الأحكام والصفات المتقدمة. قال الطيبي: فوزان قوله (هدى للمتقين) إلى قوله (ينفقون) وزان قوله (الحمد لله رب العالمين) إلى قوله (مالك يوم الدين) ووزان قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإياك نستعين) وزان قوله (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) قال: وهاهنا سر دقيق: وهو أنه تعالى حكى في مفتتح كتابه الكريم مدح العبد لبارئه بسبب إحسانه إليه، وترقى فيه، ثم مدح الباري هنا عبده بسبب هدايته له وترقى فيه على أسلوب واحد (٣).

стр. 322

قوله: (ومعنى الاستعلاء في (على هدى) تمثيل تمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه بحال من اعتلى الشيء وركبه). قال الطيبي: أي هو استعارة تمثيلية، واقعة على سبيل التبعية، وتقريره أن يقال: شبهت حالهم - وهي تمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به - بحال من اعتلى الشيء وركبه، ثم استعير للحالة التي هي المشبه المتروك كلمة الاستعلاء المستعملة في المشبه به. قال: ويدلك على أن الاستعارة التبعية تمثيلية الاستقراء، وبه يشعر قول صاحب " المفتاح " في استعارة " لعلّ " فتشبه حالُ المكلف - وكيت، وكيت - بحال المرتجي المخير. إلى آخره (١). وقال الشيخ أكمل الدين: يعني أنه استعارة تمثيلية، فإن الاستعارة من فروع التشبيه، والتشبيه إما أن يكون وجهه منزعا من عدة أمور، أولا، والأوّل هو التمثيل، والثاني غيره. ووجه ذلك ما ذكره بقوله: " شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه " فكما أن حال الراكب هي تمكنه من المركوب، واستقراره عليه، كذلك حال أولئك مع الهدى، فاستعير للمشبه كلمة " على " المستعملة للمشبه به، فليس معنى " على " هاهنا الاستعلاء، بل حالهم يشابه الاستعلاء. وإنما قال: " معنى الاستعلاء "؛ لأنه من الاستعارة التبعية، فلا بد من تقدير الاستعارة في معنى الاستعلاء؛ ليسري إلى الحرف (٢). وقال الشريف: يريد أن كلمة " على " هذه استعارة تبعية، شبه تمسك المتقين بالهدى باستعلاء الراكب على مركوبه في التمكن والاستقرار، فاستعير له الحرف الموضوع للاستعلاء، كما شبه استعلاء المصلوب على الجذع باستقرار المظروف في الظرف بجامع الثبات، فاستعير له الحرف الموضوع للظرفية. وإنما قال: " معنى الاستعلاء " دون معنى " على "؛ لأن الاستعارة في الحرف تقع أولاً في متعلق معناه كالاستعلاء والظرفية والابتداء مثلا، ثم تسري إليه بتبعية.

стр. 323

وقوله: " تمثيل " (١) أي تصوير فإن المقصود من الاستعارة تصوير المشبه بصورة المشبه به إبرازا لوجه الشبه فيه بصورته في المشبه به، فإذا قلت: رأيت أسدا يرمي فقد صورته في شجاعته بصورة الأسد وجراءته. ومن الناس من زعم أن الاستعارة في " على " تبعية تمثيلية. قال: أما كونها تبعية فلجريانها أولا في متعلق معنى الحرف، وتبعيتها في الحرف. وأما كونها تمثيلية فلكون كل من طرفي التشبيه حالة منتزعة من عدة أمور. فورد عليه أن انتزاع كل من طرفيه من أمور عدة يستلزم تركبه من معان متعدة، ومن البيّن أن متعلق معنى كلمة " على " وهو الاستعلاء معنى مفرد، كالضرب ونظائره، فلا يكون مشبها به في تشبيه تزكب طرفاه، وإن ضم إليه معنى آخر، وجعل المجموع مشبها به لم يكن معنى الاستعلاء مشبها به في هذا التشبيه، فكيف يسري التشبيه والاستعارة منه إلى معنى الحرف! والحاصل أن كون " على " استعارة تبعية يستلزم كون الاستعلاء مشبها به، وأن تركب الطرفين يستلزم أن لا يكون مشبها به، فلا يجتمعان. وأجيب عنه بأن انتزاع كل من طرفيه من عدة أمور لا يوجب تركبه، بل يقتضي تعددا في مأخذه، وهو مردود بأن المشبه مثلا إذا كان منتزعا من أشياء متعددة فإما أن ينتزع بتمامه من كل واحد منها، وهو باطل، فإذا أخذ كذلك من واحد منها كان أخذه مرة ثانية من واحد آخر لغوا، بل تحصيلا للحاصل. وإما أن ينتزع من كل واحد منها بعض منه، فيكون مركبا بالضرورة. وإما أن لا يكون هناك لا هذا ولا ذاك، وهو أيضاً باطل، إذ لا معنى لانتزاعه حينئذ من تلك الأمور المتعددة. على أن هذا الزاعم قد صرّح في تفسير قوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) بأنه لا معنى لتشبيه المركب بالمركب إلا أن تنتزع كيفية من أمور عدة، فتشبه بكيفية أخرى مثلها، فيقع في كل واحد من الطرفين أمور متعددة، وأنت خبير بأن أمثال ذلك مما لا يشتبه على ذي مسكة، إلا أن جماعة قد غفلوا في هذا المقام

стр. 324

عن رعاية القواعد، فزلت بهم أقدامهم. وإن شئت مزيد تحقيق فاعلم أن قوله (على هدى) يحتمل وجوها ثلاثة: الأول: ما مر من تشبيه تمسكهم بالهدى باعتلاء الراكب. الثاني: أن تشبيه هيئة منتزعة من المتقي والهدى وتمسكه به بالهيئة المنتزعة من الراكب والمركوب، واعتلائه عليه، فيكون هناك استعارة تمثيلية، تركب كل من طرفيها، لكنه لم يصرح من الألفاظ التي هي بإزاء المشبه به إلا بكلمة " على " فإن مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة، وما عداه تبع له، يلاحظ معه في ضمن ألفاظ منوية، وإن لم تكن مقدرة في نظم الكلام، وستعرف الفرق بينهما، فلا يكون في " على " استعارة أصلا، بل هي على حالها قبل الاستعارة، كما إذا صرّح بتلك الألفاظ كلها. الثالث: أن يشبه الهدى بالمركوب على طريقة الاستعارة بالكناية، وتجعل كلمة " على " قرينة لها، على عكس الوجه الأول، فمن اعتبر هنا تلك الهيئة، وحكم بأن الاستعارة تبعية فقد اشتبه عليه الفرق بين الوجه الأول والثاني. وما يتوهم من أن عبارة " المفتاح " في استعارة " لعلّ " بينة في اجتماع التبعية والتمثيلية، فهو مضمحل بما لخصناه في شرحه عليه، على وجه لا مزيد عليه (١). انتهى قوله: (وقل صرحوا به) قال الطيبي: أي بإرادتهم معنى الاستعلاء والركوب فيما يشبه الآية (٢). قوله: (في قولهم: امتطى الجهل) قال الطيبي: أي اتخذ الجهل مطية، وهو تشبيه (٣). قال الشيخ أكمل الدين: يعني كالمطية (٤) وقال الشريف: إن جعل بمنزلة قولك: ركب مَطَى الجهل كان استعارة بالكناية، وإن جعل في قوة قولك: اتخذ الجهل مطية كان تشبيها، وأيّاً ما كان فتشبيه الجهل بالمطية مقصود منه، وهو المراد بكونه مصرحا به.

стр. 325

وقيل: امتطى استعارة تبعية، شبه اتصافه بالجهل واستقراره عليه بامتطاء المطية، واستعير لفظ المشبه به للمشبه، وسرت الاستعارة إلى الفعل، وذكر المفعول قرينة لها. وفيه بحث؛ إذ لا فرق حنيئذ بينه وبين قوله (على هدى) في أن تشبيه الهدى والجهل بالمركب ليس مقصودا فيهما، فكيف يجعل مصرحا به في أحدهما دون الآخر (١). انتهى. قوله: (واقتعد غارب الهوى). قال الطيبي: هو استعارة، إما تحقيقية، أو تخييلية، " واقتعد " ترشيح لها، نحو قوله: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعُرِّيَ أَفْرَاسُ الصّبَا وَرَوَاحِلُهْ (٢). وقال الشيخ أكمل الدين: في " الهوى " استعارة مكنية، وفي " غارب " استعارة تخييلية (٣). وقال الشريف: شبه الهوى بالمطية على طريقة الاستعارة المكنية، وخيل بإثبات الغارب، ورشح بذكر الاقتعاد (٤). قوله: (ونكر (هدى) للتعظيم). قال أبو حيان: وقد يكون ثم صفة محذوفة، أي على هدى، أيّ هدى. قال: وحذف الصفة لفهم المعنى جائز (٥). قوله: (لا يبلغ كنهه) قال: الشريف: أي نهايته. وفي الأساس: سله عن كنه الأمر، أي حقيقته وكيفيته، واكتنه الأمر بلغ كنهه

стр. 326

وغايته (١). قوله: (ولا يقادر قدره). الأساس: قدرت الشيء أقدره، وهذا شيء لا يقادر قدره، وفلان يقادرني، أي يطلب مساواتي، وتقادر الرجلان طلب كل واحد مساواة الآخر (٢). قوله: (ومثله (٣) قول الهذلي: فلا وَأَبِي الطَّيرِ المُرِبَّةِ بِالضُّحَى. . . على خَالدٍ لقد وقعتَ على لَحْمٍ). هو لأبي خراش خويلد بن مرة الهذلي، يرثي خالد بن زهير. وقال الطيبي: كان الزمخشري يقول: ما أفصحك يا بيت! والمربة اللازمة، من أَرَبَّ بالمكان إذا أقام به. ولقد كان خالد هذا رفيع الشأن، علِيَّ القدر، فاستعظم لحمه حيث نكره، وبسبب تعظيمه اللحم استعظم الطير الواقعة عليه، حيث أقسم بأبيها، والإقسام بالشيء دليل تعظيمه، وكذلك الكنى تدل على التعظيم. ثم إن جعلت " لا " زائدة كان جواب القسم " لقد وقعت " وفيه إشعار من حيث الالتفات بالتعظيم، ومن حيث أن سبب الإقسام بها كونها واقعة على ذلك اللحم فيه تعظيم الشيء بنفسه، وإن لم تجعل " لا " زائدة، بل ردا لكلام سابق، أي ليس الأمر كما زعمت وحق أبي الطير، يكون جواب القسم ما دلت عليه " لا " ثم ابتدأ بإنشاء قسم آخر، أي والله لقد وقعت على لحم، كقوله تعالى (لا أقسم بيوم القيامة) فيكون صفة للطير على تأويل الطير المقول في حقه ذلك (٤). وقال الشيخ أكمل الدين: الاستشهاد بقوله " على لحم " أي أَيِّ لحم، وأبو الطير إما أن يريد به خالدا، وهو الأظهر، لوقوعها عليه، كما يقال: أبو التراب، وإما أن يريد أبا ذلك النوع من الطير؛ لأنه لما استعظمها بوقوعها عليه استعظم أباها؛ لأنه أصلها وأقسم به، أو الطير نفسها، والأب مقحم، وصدر القسم ب " لا " كما في (لا أقسم) ويجوز أن يكون بأبي الشاعر، ومعناه وحق أبي، وحق الطير، فيكون الطير

стр. 327

مجروراً بحذف حرف القسم، كما في قولهم: اللهِ لأفعلنّ (١). وقال الشيخ سعد الدين الشعر في " ديوان الهذليين " هكذا: لَعَمْرُ أبي الطير المربّة غدوة. . . على خالد لقد علقنَ على لحم فلا وأبي لا تأكلُ الطيرُ مثلَهُ. . . عَشِيَّةَ أمسى لا يَبِيْنُ مِن السِّلْمِ برفع " الطير المربة " على أنه فاعل فعل يفسره " لقد علقن " أي لقد علقت الطير (٢). انتهى. قلت: والذي رأيته أنا في " ديوان هذيل " ثلاثة أبيات لا رابع لها، وهي: لعمر أبي الطير الموبة غدوة (٣). . . على خالد لقد وقعت على لحم وإئكِ (٤) لو أبصرتِ مَصْرَعَ خالدٍ. . . بِجَنْبِ السِّتَارِ بَيْنَ أَبرقَ فالحَزْمِ لأَيْقَنْتَ أَنَّ البكرَ غيرُ رَزِيَّةٍ. . . ولا النَّابَ، لا ضَمَّتْ () ٥ يداكِ على غُنْمِ (٦) قال ابن عبد البر في " الاستيعاب ": أبو خراس كان من فرسان العرب، وكان يعدو على قدميه فيسبق الخيل، فحسن إسلامه، ومات في زمن عمر بن الخطاب من نهش حية (٧). قوله: (وقد أدغمت النون في الراء بغنة، وبغير غنة) قال الشيخ سعد الدين: هذا بحسب العربية، وأما بحسب الرواية عن القراء فالأكثر أنه لا غنة مع الراء واللام (٨). وقال الشريف: المشهور عند القراء أن لا غنة مع الراء واللام، وقد وردت عنهم في بعض الراويات الغنة معهما، ولا نزاع في جوازها بحسب العربية (٩). قوله: (كرر فيه اسم الإشارة) إلى آخره

стр. 328

قال الشريف: محصول ما ذكره أن تكرير (أولئك) أفاد اختصاصهم بكل واحد منهما على حدة، فيكون كل منهما مميزا لهم عمن عداهم، ولولاه لربما فهم اختصاصهم بالمجموع، فيكون هو المميز، لا كل واحد (١). قوله: (من الأثرتين) بفتح الهمزة والمثلثة، أي الاختصاصين. قوله: (ووسط العاطف لاختلاف مفهوم الجملتين) إلى آخره. قال الشريف: يعني أن (على هدى) و (المفلحون) مع كونهما متناسبتين معنيان مختلفان مفهوما ووجودا؛ فإن الهدى في الدنيا، والفلاح في العقبى، وإثبات كل منهما أمر مقصود في نفسه، والجملتان المشتملتان عليهما المتحدتان في المخبر عنه واقعتان بين كمالي الاتصال، والانفصال، فلذلك أدخل العاطف بينهما. وأما (كالأنعام) و (الغافلون) فهما وإن اختلفا مفهوما فقد اتحدا مقصودا؛ إذ لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة، فالجملة الثانية هاهنا (٢) المشاركة للأولى في المحكوم عليه مؤكدة لها، فلا مجال للعاطف بينهما (٣). قوله: (و (هم) فصل يفصل الخبر عن الصفة، ويؤكد النسبة) قال بعض أرباب الحواشي: الأول: مذهب البصريين، وهو تفصيل لكونه فصلا؛ لأنه فصل بين كونه خبرا أو صفة. والثاني: مذهب الكوفيين، وعبروا عنه بكونه عمادا؛ لأن الخبر اعتمد على المبتدإ، وعلى كل واحد من المذهبين إشكال. أما الأول فقد جاء الفصل حيث استحالت الصفة في نحو (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ) [سورة المائدة ١١٧] و (كانوا هم الظالمين) [سورة الزخرف ٧٦] (تجدوه عند الله هو خيرا) [سورة المزمل ٢٠] والضمير لا يوصف. وأما الثاني: فلأنه مبني على أنه لا يجوز أن يقال: زيد هو العالم أبوه، وهو ممنوع لا يثبت بمجرد الدعوى. انتهى. وقال الشيخ علم الدين السخاوي في " شرح الأحاجي ": إن كان الفصل إنما

стр. 329

سمي فصلا لأنه يفصل بين الخبر والصفة فليس هو في نحو: كان زيد هو خيرا منك فصلا؛ لأنه لا ريبة في أن ما بعده لا يكون صفة. والذي يقال في هذا: أن هذا الضمير المتوسط بين المبتدإ والخبر دخل لأمرين: أحدهما: الفصل بين ما يكون صفة أو خبرا. والثاني: التأكيد قال الشيخ أبو العلاء (١): ولو قيل: دخل ليعلم أن الذي بعده يصلح أن يكون نعتا لكان وجها حسنا (٢). قوله: (أو مبتدأ) قال الشريف: قسيم لقوله: " فصل " (٣) قو له: (و (المفلحون) خبره) قال الطيبي: فعلى هذا تكون الجملة من باب تقوي الحكم، أو من التخصيص على نحو هو عارف (٤). قوله: (و (المفلحون) بالحاء والجيم الفائزون (٥) بالمطلوب) مراده تفسير اللفظ من حيث اللغة، وإلا فالقراءة بالحاء، لا غير، ولم ترد قراءة شاذة بالجيم. قال في " الصحاح " في باب الجيم: الفلج الظفر والفوز، وقد فلج الرجل على خصمه يفلج فلجاً (٦). وقال في باب الحاء: الفلاح الفوز والبقاء والنجاة (٧).

стр. 330

قوله: (نحو فلق) أي شق (وفلذ) أي. قطع (وفلا) يقال: فلوته بالسيف، أي ضربته به. قوله (وتعريف المفلحين للدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة، أو الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة. المفلحين وخصوصياتهم) قال الطيبي: فالتعريف على الأول للعهد، وعلى الثاني للجنس، فعلى الأول هو قصر المسند على المسند إليه، فالفلاح لا يتعدى إلى غيرهم، وعلى الثاني عكسه، فلا يتعدون من الفلاح إلى صفة أخرى (١). وقال الشريف: اللام على الأول لتعريف العهد الخارجي، ولا حاجة إلى اعتبار قصر، كما إذا قلت: الزيدون هم المنطلقون، إشارة إلى المعهودين بالانطلاق، ولك أن تعتبر كلمة (هم) فصلا، وتقصد قصر المسند على المسند إليه إفرادا، نفيا لما عسى أن يتوهم من أن المعهودين بالفلاح في الآخرة يندرج فيهم غير المتقين أيضاً. وعلى الثاني: لتعريف الجنس المسمى بتعيين (٢) الحقيقة. ثم إن المعرّف بلام الجنس قد يقصد به تارة حصره في المبتدإ إما حقيقة، أو ادعاء، نحو زيد الأمير، إذا انحصرت الإمارة فيه، أو كان كاملا فيها، كأنه قيل: زيد كل الأمير، وقد يقصد به أخرى أن المبتدأ هو عين ذلك الجنس ومتحد به، لا أن ذلك الجنس مفهوم مغاير للمبتدإ منحصر فيه على أحد الوجهين، فهذا معنى آخر للخبر المعرّف بلام الجنس غير الحصر (٣). قوله: (ورد بأن المراد بالمفلحين) إلى آخره قال الطيبي: الأحسن في الجواب أن المراد بالمتقين المجتنبون للشرك، فيدخل العاصي في هذا الحكم العام. قال: فإن قلت: كيف جاز أن يكون العاصي مفلحا؟ قلت: كما جاز أن يكون مصطفى في قوله (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا

стр. 331

مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) [سورة فاطر ٣٢] * * * قوله: (ولم يعطف قصتهم على قصة المؤمنين، كما عطف في قوله تعالى (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) [ سورة الانفطار ١٣، ١٤] لتباينهما في الغرض) إلى آخره. نوزع فيه بأن المقصود من الأولى بيان انتفاع المتقين بالكتاب، واهتدائهم به اللازم عنه أنهم يؤمنون (١)، ومن الثانية بيان عدم انتفاعهم به، وعدم اهتدائهم المعبر عنه باستواء الإنذار وعدمه اللازم عنه أنهم لا يؤمنون، فاتحد الغرض منهما، وهو بيان الحال، كما اتحد في آيتي (إن الأبرار. . . وإن الفجار) غرض بيان المآل. وأجاب الشيخ سعد الدين بأن الحكم على الكفار بذلك لا يقتضي كون الكتاب بهذه المثابة غرضا مسوقا له الكلام (٢). قوله: (وإنَّ من الحروف التي شابهت الفعل) إلى آخره قال ابن يعيش في " شرح المفصل ": إنما عملت " إنَّ وأخواتها " لشبهها بالأفعال، وذلك من وجوه: منها: اختصاصها بالأسماء، كاختصاص الأفعال بالأسماء. ومنها: أنها على لفظ الأفعال؛ إذ كانت على أكثر من حرفين، كالأفعال. ومنها: أنها مبنية على الفتح، كالأفعال الماضية. ومنها: أنها يتصل بها المضمر المنصوب، ويتعلق بها كتعلقه بالفعل في نحو " ضربك " و " ضربه " و " ضربني " فلما كان بينها وبين الأفعال ما ذكرنا من المشابهة كانت داخلة على المبتدإ والخبر، وهي مقتضية لهما جميعا. ألا ترى أَنَّ " إنَّ " لتأكيد الجملة، و " لكن " لاستدراك الخبر، فلا بد من الخبر لأنه المستدرك، ولابد من المبتدإ ليعلم خبر من قد أستدرك، و " ليت " في قولك: ليت زيدا قادم تمنّ لقدوم زيد، و " لعلّ " ترج، و " كأنَّ " تقتضي مشبها ومشبها به. فلما اقتضتهما جميعا جرت مجرى الفعل المتعدي، فلذلك نصبت الاسم، ورفعت الخبر، وشبهت من الأفعال بما قدم مفعوله على فاعله، فقولك: إن زيدا قائم، بمنزلة ضرب زيدا رجل، وإنما قدم المنصوب فيها على المرفوع فرقا بينها

стр. 332

وبين الفعل، فالفعل من حيث كان الأصل في العمل جرى على سنن قياسه في تقدم المرفوع على المنصوب؛ إذ كانت رتبة الفاعل متقدمة على المفعول، وهذه الحروف لما كانت في العمل فروعا على الأفعال، ومحمولة عليها جعلت دونها بأن قدم المنصوب فيها على المرفوع حَطًّا لها عن درجة الأفعال؛ إذ تقديم المفعول على الفاعل فرع، وتقديم الفاعل أصل. وذهب الكوفيون إلى أن هذه الحروف لم تعمل في الخبر الرفع، وإنما تعمل في الاسم النصب، لا غير، والخبر مرفوع على حاله، كما كان مع المبتدإ. وهو فاسد؛ لأن الابتداء قد زال، وبه وبالمبتدإ كان يرتفع الخبر، فلما زال العامل بطل أن يكون هذا معمولا فيه، ومع ذلك فإنا وجدنا كل ما عمل في المبتدإ عمل في خبره، نحو كان وأخواتها، وظننت وأخواتها، لما عملت في المبتدإ عملت في الخبر، وليس فيه تسوية بين الأصل والفرع؛ لأنه قد حصلت المخالفة بتقديم المنصوب على المرفوع. انتهى (١) قوله: (وتذكر في معرض الشك) وهو معنى قول الشيخ عبد القاهر إنما تذكر في الخبر حيث كان للمخاطب ظن بخلاقه (٢). قوله: (وتعريف الموصول إما للعهد) إلى آخره قال الشيخ سعد الدين: يريد أن تعريف " الذي " كتعريف ذي اللام، قد يكون للعهد، وقد يكون للجنس (٣). قوله: (والمراد به ناس بأعيانهم) إلى آخره قلت: أخرج ابن جرير وغيره بسند صحيح عن ابن عباس أن المراد به الكفار من اليهود خاصة (٤). وهو الظاهر بقرينة إيلائه المؤمنين من أهل الكتاب، ولأن السورة مدنية، وأكثر الخطاب فيها لليهود، وقد خوطب كفار قريش بمثل ذلك في سورة يس في قوله

стр. 333

(وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [سورة يس ١٠]. أخرج أبو نعيم في " دلائل النبوة " عن ابن عباس أنها في كفار قريش (١). وقد جرت عادة الله في القرآن أنه حيث ذكر في السور المكية أمرا ذكر في المدنية مثله، لأجل أهل الكتاب، كما ذكرت ولادة يحيى وعيسى في سورة مريم، وهي مكية، ثم دكرت في سورة آل عمران لأنها مدنية لأجل أهل الكتاب. قوله: (صمم) في الصحاح: صمم في السير، أي مضى (٢) قوله: (وفي الشرع إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول به) هو حد الإمام فخر الدين ذكره بعد قوله: إن المتكلمين صعب عليهم حد الكفر (٣). وخرج بالضرورة ما علم بالاستدلال، أو بخبر الواحد، ولهذا لم يكفر أحد بذنب (٤)، ولا ببدعة. وقال تلميذه الزنجاني (٥): هذا الحد غير واف بالمقصود إذ الإنكار يختص

стр. 334

بالقول، والكفر يحصل بالفعل، وإنكار ما ثبت بالإجماع قد يخرج عن الضروريات. وأيضاً فإنا قد نكفر المجسم والخارجي، وبطلان قولهما ليس من الضروريات، وكذا الطاعن في عائشة ﵂، وبراءتها ثبتت بالقرآن (١)، والأدلة اللفظية غير موجبة للعلم (٢)، فيخرج عن الضروريات. وأقول: الجواب عن الفعل قد تولاه الإمام بنفسه (٣)، وأشار إليه المصنف بقوله: (وإنما عُدَّ لُبْسُ الغيار) إلى آخره. وخروج ما ثبت بالإجماع عن الضروريات ممنوع، وكذا بطلان قول المجسم. وأما الخارجي فإنا لا نكفره ما لم يخالف قاطعا، والدلالة اللفظية تفيد العلم بانضمام القرائن، وهي موجودة في براءة عائشة رضي الله تعالى عنها. قوله: (وسواء بمعنى (٤) الاستواء، نعت به كما نعت بالمصادر)

стр. 335

قال الشريف: أي كما تجري المصادر على ما اتصف بها كذلك سواء يجري على ما يتصف بالاستواء، أي يجعل وصفا له معنويا، إما نعتا نحويا، كما في (كَلِمَةٍ سَوَاءٍ) [سورة آل عمران ٦٤] وإما غيره، كما في الآية (١). الطيبي: روي عن صاحب " الكشاف ": " الوصف بالمصدر، نحو رجل صوم، وعدل على وجهين: أن يقدر مضاف محذوف، أي ذو صوم، وذو عدل، وأن يجعل أنه تجسم من الصوم والعدل مبالغة، والمبالغة هاهنا أن الإنذار وعدم الإنذار نفس السواء " (٢). قوله: (رفع بأنه خبر إنَّ، وما بعده مرتفع به على الفاعلية) هذا أحد الأوجه في إعراب مثل هذا التركيب، وحاصل الأوجه فيه عشرة، ذكرتها في " أسرار التنزيل " (٣). وقد قدح أبو حيان في هذا الوجه بأنَّ في وقوع الجملة فاعلاً خلافا، ومذهب جمهور البصريين أن الفاعل لا يكون إلا اسما مفردا، أو ما هو في تقديره (٤). قوله: (أو بأنه خبر لما بعده، بمعنى إنذارك وعدمه سيان عليهم) هذا الوجه رجحه الإمام ووجهه. بأن المراد وصف الإنذار وعدمه بالاستواء، وما كان وصفا فهو بالخبرية أليق (٥). ووجهه غيره بأن سواء اسم غير صفة، فالأصل فيه أن لا يعمل، وأيضا المقصود من الوصف بالمصادر المبالغة في شأن مَحَالِّها، كأنها صارت عين ما قام بها، فمعنى قولنا: زيد عدل أنه عين العدل، كأنه تجسم منه، وإذا أولت بمعنى اسم الفاعل كمستو مثلا فات ذلك المقصود، وكذا (٦) إن حملت على حذف المضاف. أورده الشريف (٧).

стр. 336

وقال ابن يعيش في " شرح المفصل ": الفعل هنا في تأويل المصدر، والمعنى سواء عليهم الإنذار، وعدم الإنذار، والإنذار وما عطف عليه مبتدأ في المعنى، وسواء الخبر، وقد تقدم، وسواء مصدر في معنى اسم الفاعل، والتقدير مستو، ألا ترى أن موضع الفائدة الخبر، والشك إنما وقع في استواء الإنذار وعدمه، لا في نفس الإنذار، ولفظ الاستفهام لا يمنع من ذلك؛ إذ المعنى على اليقين والتحقيق، لا على الاستفهام، وإنما الهمزة هنا مستعارة للتسوية، وليس المراد منها الاستفهام، وإنما جاز استعارتها للتسوية لاشتراكهما في معنى التسوية ألا ترى أنك تقول في الاستفهام: أزيد عندك أم عمرو، وأزيد أفضل أم خالد، والشيآن اللذان يسأل عنهما قد استوى علمك فيهما. ثم تقول في التسوية: ما أبالي أفعل أم لم يفعل، فأنت غير مستفهم وإن كان اللفظ للاستفهام، وذلك لمشاركته الاستفهام في التسوية؛ لأن ما أبالي أفعل أم لم يفعل، أي هما مستويان عندي في علمي، كما كان في الاستفهام، هذا هو التحقيق من جهة المعنى (١). وقال أبو حيان: إنما أخبر هنا عن الجملة إن جعلت فاعلاً بسواء، أو مبتدأ وإن لم تكن مصدرة بحرف مصدري حملا على المعنى. قال: وكلام العرب منه ما طابق اللفظ المعنى، قام زيد، وزيد قائم، وهو أكثر كلام العرب. ومنه ما غلب فيه حكم اللفظ على المعنى، نحو علمت أقام زيد أم قعد، لا يجوز تقديم الجملة على " علمت " وإن كان ليس ما بعد " علمت " استقهاما، بل الهمزة فيه للتسوية. ومنه ما غلب فيه المعنى على اللفظ، وذلك نحو الإضافة للجملة الفعلية، نحو: عَلَى حِيْنَ عَاتَبْتُ المَشييْبَ عَلَى الصِّبَا (٢). . . . . . . . . . . . . . . . .. إذ قياس الفعل أن لا يضاف إليه، لكن لوحظ المعنى، وهو المصدر، فصحت

стр. 337

الإضافة. انتهى (١). * * * تنبيه: منع الأصبهاني هذا الوجه ألبتة، ووجهه بأن الجملة لا تقع مبتدءا قط، وأن الاستفهام لا يتقدم خبره عليه. وقال ابن يعيش: قال قوم: سواء مبتدأ، والفعلان بعده كالخبر؛ لأن بهما تمام الكلام وحصول الفائدة، فكأنَّهم أرادوا إصلاح اللفظ، وتوفيته حقه (٢). قوله: (أما لو أطلق وأريد به اللفظ) في " شرح اللب " للسيد (٣): إن الإسناد إلى الفعل مرادا لفظه نوعان: تارة يسند إليه باعتبار اللفظ، مع عدم اعتبار المعنى، كقولهم: زعموا مطية الكذب، أي هذا اللفظ مطية الكذب. وتارة يسند إليه باعتبار اللفظ، مع اعتبار معناه، كقوله تعالى (وإذا قيل لهم آمنوا) أي إذا قيل لهم هذا القول. انتهى. قوله: (أو مطلق الحدث المدلول عليه ضمنا على الاتساع، فهو كالاسم في الإضافة) قال ابن السراج في " الأصول ": الأصل والقياس أن لا يضاف اسم إلى فعل، ولا فعل إلى اسم، ولكن العرب اتسعت في بعض ذلك، فخصت أسماء الزمان بالإضافة إلى الأفعال؛ لأن الزمان مضارع للفعل؛ لأن الفعل له بني، وصارت إضافة الزمان إليه كإضافته إلى مصدره؛ لما فيه من الدلالة عليهما (٤). قوله: (كقوله تعالى (واذا قيل لهم آمنوا) مثال لما أريد لفظه (٥). (وقوله: (يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ) [سورة المائدة ١١٩]. مثال لما أريد به مطلق الحدث، ففيه لف ونشر مرتب.

стр. 338

قوله: (وقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) هو مثل يضرب لمن خبره خير من مرآه. قال أبو عبيد في " كتاب الأمثال ": من أمثالهم: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. كان الكسائي يدخل فيه " أن " " والعامة لا تذكر " أن " والوجه ما قاله الكسائي، وكان يرى التشديد في الدال، فيقول: المُعَيْدِّيِّ ويقول: إنما هو تصغير رجل من مَعَدٍّ. قال أبو عبيد: ولم أسمع هذا من غيره. قال: وأخبرني ابن الكلبي أن هذا المثل ضرب للصقعب بن عمرو النهدي، قاله النعمان بن المنذر، وهذا على معنى من قال: هو قضاعة ابن معد (١). وأما المفضل (٢) فحكي عنه أنه قال: المثل للمنذر بن ماء السماء، قاله لشقة بن ضمرة سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه، فقال: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فأرسلها مثلا، فقال له شقة: أبيت اللعن، إن الرجال ليسوا بجزر يراد منهم الأجسام، وإنما المرء بأصغريه، قلبه ولسانه، فذهب مثلا، وأعجب المنذر بما رأى من عقله وبيانه، ثم سماه باسم أبيه فقال: أنت ضمرة بن ضمرة (٣). قال ابن السكيت: هو تصغير مَعَدِّيِّ (٤). وقال الميداني في " الأمثال ": يروى تسمع، وأن تسمع، ولأن تسمع. قال: وعدي تسمع بالباء؛ لتضمنه معنى تحدث (٥). وفي " شرح اللب " للسيد: وقع الإسناد في هذا المثل إلى الفعل، فإما أن يحمل على حذف " أن " أي أن تسمع، فيكون الإسناد في الحقيقة إلى المصدر، دون الفعل، أو على تنزيل الفعل منزلة المصدر من غير تقدير، أي سماعك

стр. 339

بالمعيدي، وذلك لأن الفعل يدل على المصدر والزمان، فجرد في بعض المواضع لأحد مدلوليه. انتهى. وقد ضمن بعض الأدباء هذا المثل في بيت، فقال: لَعَمْرُ أَبِيْكَ تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِّيَّ. . . بَعِيْدِ الدَّارِ خَيْرٌ أَنْ تَرَاْهُ (١). قوله: (وإنما عدل هاهنا عن المصدر إلى الفعل، لما فيه من إيهام التجدد) مأخوذ من كلام الإمام فخر الدين حيث قال: فائدة العدول إفادة أن هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت، وذلك يفيد حصول اليأس، وقطع الرجاء منهم الذي هو مقصود الآية، والمصدر لا يفيد ذلك (٢). قوله: (وحسن دخول الهمزة وأم عليه لتقرير معنى الاستواء وتأكيده، فإنهما جردتا عن معنى الاستفهام لمجرد الاستواء) إلى آخره. قال ابن يعيش: قد أجرت العرب أشياء اختصوها على طريقة النداء؛ لاشتراكهما في الاختصاص، فاستعير لفظ أحدهما للآخر، من حيث شاركه في الاختصاص، كما أجروا التسوية مجرى الاستفهام إذ كانت التسوية موجودة في الاستفهام، فكما جاءت التسوية بلفظ الاستفهام لاشتراكهما في معنى التسوية كذلك جاء الاختصاص بلفظ النداء لاشتراكهما في معنى الاختصاص وإن لم يكن منادى. والذي يدل أنه غير منادى أنه لا يجوز دخول حرف النداء عليه، لا تقول: أنا أفعل كذا يا أيها الرجل، إذا عنيت نفسك، ولا نحن نفعل كذا يا أيتها العصابة (٣). انتهى. قلت: ومن هاهنا تعلم أن قول المصنف: (كما جردت حروف النداء عن الطلب لمجرد التخصيص في قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة) غير مطابق؛ لأن باب الاختصاص لم تجرد فيه حروف النداء، بل لا وجود لحروف النداء فيه أصلا، وإنما الأسماء فيه شابهت المنادى، وهي التي جردت. وقد تؤل العبارة على أنه أراد بالحروف الكلمات الجارية في الاختصاص،

стр. 340

وهي الأسماء التي صورتها صورة المنادى، لا الحروف التي هي " يا " وأخواتها. وعبارة " الكشاف ": " جرى هذا على صورة الاستفهام، ولا استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء، ولا نداء " (١) وهي في غاية الحسن. وأصل هذا قول سيبويه: جرى هذا على طريقة الاستفهام، كما جرى على طريقة النداء قولهم: اللهم اغفر لتا أيتها العصابة، ولا استفهام في الحقيقة، ولا نداء (٢). وقال ابن الحاجب: اعلم أن في كلامهم جملا لمعان في الأصل، ثم نقلوها إلى معان أخر، مع تجريدها عن أصل معناها، وهذا في أبواب: منها: قولهم: سواء عليَّ أقمت أم قعدت، سؤال عن تعيين مع التسوية بينهما، ثم نقل إلى الخبر بمعنى التسوية، من غير سؤال. ومنها قولهم: أيها الرجل أصله تخصيص المنادى بطلب إقباله عليه، ثم نقل إلى معنى الاختصاص مجردا عن معنى طلب الإقبال في قولك: أما أنا فافعل كذا أيها الرجل (٣). قال صاحب " الانتصاف ": وحاصل ذلك استعمال الحرف في أعم معناه، والهمزة المعادلة لـ " أم " موضوعة في الأصل للاستفهام عن أحد متعادلين في عدم التعيين فنقلت إلى مطلق المعادلة وإن لم تكن استفهاما، والنداء في الأصل لتخصيص المنادى بالدعاء، فنقل إلى مطلق التخصيص، ولا نداء، كتخصيص الدابة بذوات الأربع وإن كانت في الأصل لكل ما دبَّ ودرج (٤). وقال بعض أرباب الحواشي: تلخيصه أن النداء فيه تنبيه للمنادى (٥) وإقبال عليه، والاستفهام فيه استخبار وإشعار باستواء الأمرين في المستفهم عنه، أهو حاصل أم لا، فقد انسلخ في قولنا: اللفم اغفر لنا أيتها العصابة أحد المعنيين، وهو التنبيه؛ لأن الإنسان لا ينبه نفسه، وبقي معنى الإقبال على نفسه، كما انسلخ معنى الاستخبار في قوله (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) وبقي معنى الاستواء،

стр. 341

فهذا معنى تشبيه سيبويه لإحدى المسألتين بالأخرى. وقال صاحب " التقريب ": في هذا نظر؛ لأنهما لو كانا للاستواء لما أخبر عنه بسواء، فلعل المراد أنهما كانا للاستفهام عن مستويين، فجردا عن الاستفهام، بقي أنهما للمستويين، ولا تكرار لإدخال سواء عليه؛ لأن المعنى أن المستويين في العلم مستويان في عدم النفع، وإنما جردا عن الاستفهام ليقع فاعلاً لسواء؛ لأن الاستفهام يمنع ذلك لصدريته، ولكونه لأحد الأمرين، والاستواء يقتضي متعددا، فبالتجريد ارتفع المانعان (١). قوله: (والإنذار التخويف) زاد ابن عطية: ولا يكاد يكون إلا في تخويف يسع زمانه للاحتراز، فإن لم يسع (٢) زمانه للاحتراز كان إشعارا، ولم يكن إنذارا (٣). قوله: (وقرئ أأنذرتهم " بتحقيق الهمزتين، وتخفيف الثانية بين بين) زاد في " الكشاف ": " والتحقيق أعرب وأكثر " (٤). قوبه: (وقلبها ألفا، وهو لحن) إلى آخره تابع فيه صاحب " الكشاف " (٥) وأخطأ في ذلك؛ لأنه ثابت في السبعة، لأنها رواية لورش (٦). قال الكواشي (٧): ما زعمه الزمخشري فيه نظر؛ لأن من يقلبها ألفا يشبع الألف

стр. 342

إشباعا زائدا على مقدار الألف الخارجة عادة، ليكون الإشباع فاصلا بين الساكنين، وهما الألف المقلوبة والنون (١). قال الطيبي: وذكر ابن الحاجب في وجه من قرأ (محياي) بإسكان الياء وصلا هذا المعنى (٢)، وقيل: طريق التخفيف ليس بخطإ، وأنشد للفرزدق (٣): . . . . . . . . . . . فَارْعَيْ فَزَاْرَةُ، لا هَنَاكِ المَرْتَعُ (٤) أي هَنَاكِ وقال حسان: سَألَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللهِ فَاحِشَة (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. قال الطيبي: وإذا ثبت مثله في كلام الفصحاء، ونقل عمن ثبتت عصمته من الغلط وجب القبول. وأما القراء فهم أعدل من النحاة فوجب المصير إلى قولهم. قال: فإن قلت: هذا طعن فيما هو من القراءة السبعة الثابتة بالتواتر، وهو كفر. قلت: ليس بكفر؛ لأن المتواتر ما نقل بين دفتي المصحف الإمام، وهذا من قبيل الأداء، ونحوه المد، والإمالة، وتخفيف الهمزة بين بين (٦). انتهى. وذكر مثله الشيخ أكمل الدين، والشريف (٧). وقال أبو حيان: هي قراءة ورش، وهي صحيحة متواترة لا تدفع ببعض المذاهب؛ لأن منع الجمع بين ساكنين على غير حده إنما هو مذهب البصريين (٨). قوله (وبحذف الاستفهامية، وبحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها).

стр. 343

قال الطيبي: القراءتان شاذتان (١). وقال ابن الجني في " المحتسب ": حذف الهمزة قراءة ابن محيصن (٢)، وهو للتخفيف كراهة اجتماع الهمزتين، والقرينة مجيء " أم " وقد حذفت في غير موضع. قال: فإن قيل: لعل المحذوف في الآية همزة أفعل. قلنا: قد ثبت جواز حذف همزة الاستفهام، فيجب أن يحمل هذا عليه، وأما همزة أفعل في الماضي فما أبعد حذفها (٣). وقال الشيخ سعد الدين في القراءة الثانية: يحتمل أن يكون ذلك مع إقرار همزة أنذرتهم، ومع حذفها حتى تكون القراءة عليهم أنذرتهم، أو عليهم نذرتهم. قال: ولا وجود لواحدة من القراءتين (٤). وقال الشيخ أكمل الدين: إلقاء حركة حرف الاستفهام لم يقرأ به أحد (٥). وقال الشريف: هذه القراءة عليهمَ نذرتهم بفتح الميم وسكون النون بلا همزة أصلا. وأما القراءة بفتح الميم والهمزة معا فهي مع كونها غير مروية عن أحد مخالفة للقياس، وموجبة للثقل (٦). قوله: (لا يؤمنون) جملة مفسرة لإجمال ما قبلها) قال أبو حيان: لأن عدم الإيمان هو استواء الإنذار وعدمه (٧). قوله: (فلا محل لها) سئل الشيخ شمس الدين بن أبي الفتح البعلي (٨)، تلميذ الشيخ جمال الدين

стр. 344

ابن مالك عن معنى قولهم: جملة لها محل لها من الإعراب، وجملة لا محل لها، فألَّف في ذلك كراسة. وحاصل ما قاله ابن السراج في " الأصول ": أن معنى ذلك، أي لو وقع موقع الجملة اسم مفرد لكان مرفوعا مثلا. قوله: (أو حال مؤكدة، أو بدل عنه (١)، أو خبر إنّ) عبارة " الكشاف ": " إما جملة مؤكدة للجملة قبلها، أو خبر لـ " إن " (٢) ولم يذكر الحالية، فإما أن تكون عبارة المصنف كذلك، وتحرفت من النساخ، فكتبوا لفظة " حال " موضع لفظة " جملة " وإما أن يكون لا تحريف، فإن الحال منقول أيضاً. قال أبو حيان: يحتمل (لا يؤمنون) أن يكون له موضع من الإعراب، إما خبرا بعد خبر، أو خبر مبتدإ محذوف، أي هم (لا يؤمنون) وجوزوا فيه أن يكون في موضع الحال، وهو بعيد، ويحتمل أن يكون لا موضع له من الإعراب، فتكون جملة تفسيرية، أو تكون جملة دعائية، وهو بعيد (٣). انتهى. وقال الشيخ أكمل الدين في وجهي " الكشاف ": منهم من رجح الوجه الأول؛ لأن حسن الاعتراض باعتبار أن من حقه أن يساق مساق التأكيد، لما عسى أن يختلج في وهم وإن تم المقصود دونه لفظا ومعنى، وليس ذلك فيما نحن فيه؛ لأنه أقوى في الإبانة عما سيق له الكلام من قوله " لا يؤمنون " على ما لا يخفى. ومنهم من رجح الثاني؛ لأن فيه التأكيد والاهتمام بشأنها؛ لتخللها في أثناء الكلام، وفيه معنى العلية. قيل: ولم يذكر أن يكون خبرا بعد خبر؛ لأنه يذهب بالفخامة (٤). انتهى.

стр. 345

وقال الشريف: جعل (لا يؤمنون) تأكيدا وبيانا للاستواء في عدم الاهتداء أولى من أن يجعل خبرا، وما قبله اعتراضا؛ لأن ما تقدمه أقوى وأظهر منه في إفادة ما سيق له الكلام، فبالحري أن تكون عمدة فيه، لا معترضة مستغنى عنها. فإن جعل (لا يؤمنون) خبرا كان له محل من الإعراب، وكذا إن جعل بيانا للجملة قبله إن أجري مجرى التوابع. هذا إذا كان ما قبله جملة، وإن قدر أنه اسم فاعل مع فاعله تعين أن يكون (لا يؤمنون) تقريرا وبيانا لمضمونه؛ لأن الاعتراض عنده لا يكون إلا جملة لا محل لها من الإعراب (١). انتهى. ومن هنا يعلم أن التأكيد الذي ذكره صاحب " الكشاف " غير الحال المؤكدة، وغير التفسير اللذين ذكرهما المصنف، بل هو الجاري مجرى التوابع في التأكيد والبيان، فيكون له محل من الإعراب على حسب ما قبله، وهو الرفع، بخلاف ما ذكره المصنف فإنه لا محل له على التفسير، ومحله النصب على الحال. قوله: (والجملة قبلها اعتراض) قال الطيبي: الفرق بين المعترضة والمؤكدة - على أن المعترضة أيضاً مؤكدة - هو أن المعترضة أحسن موقعا وألطف مسلكا، وفيه مع التأكيد الاهتمام بشأنها؛ لتخللها بين الكلام (٢). قوله: (سيما الأمثال) قال ابن يعيش في " شرح المفصل ": لا يستثنى ب " سيما " إلا ومعه جحد، لو قلت: جاءني القوم سيما زيد لم يجز حتى تأتي ب " لا ". قال: ولا يستثنى ب " لا سيما " إلا فيما يراد تعظيمه (٣). وقال ابن هشام في " المغني ": " سِيٌّ " من " لا سِيِّمَا " اسم بمنزلة " مثل " وزنا ومعنى، وعينه في الأصل واو، وتشديد يائه، ودخول " لا " عليه، ودخول الواو على " لا " واجب. قال ثعلب: من استعمله على خلاف ما جاء في قوله:

стр. 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَلا سِيَّمَا يَومٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ (١) فهو مخطئ. ويجوز في الاسم الذي بعد " ما " الجر على الإضافة، و " ما " زائدة بينهما، والرفع على أنه خبر لمحذوف، و " ما " موصولة، أو نكرة موصوفة بالجملة، أي " ولا مثل الذي هو " أو " ولا مثل شيء هو " فإن كان نكرة جاز نصبه أيضاً على التمييز، و " ما " كافة عن الإضافة (٢). * * * قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) تعليل للحكم السابق، وبيان ما يقتضيه) قال الطيبي: تقريره أن الآية جارية مجرى السبب الموجب لكون الهدى لا ينفع فيهم، فإنه تعالى لما أظهر عليهم تصميمهم على الكفر بقوله (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) اتجه لسائل أن يقول: فما بالهم كذلك؟ فأوقع قوله تعالى (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) إلى ساقته جوابا منطويا على بيان الموجب. وقد بولغ في المعنى حيث جعل الختم على القلوب ليمنع من الفكر في الدلائل المعقولة الصرفة، وعلى السمع لأن لا ينفذ في القلوب بسببه الدلائل المصنوعة، وجعل على البصر الغشاوة لأن لا يصل إليها الدلائل المبصرة، فيستدلوا بها على وجود منشئها، فسد الطريق عليهم من كل وجه (٣). قوله: (والختم الكتم) عبارة " الكشاف ": " الختم والكتنم أخوان " (٤) قال القطب: أي في الاشتقاق الأكبر؛ لقرب اللفظ واشتباك المعنى؛ لأن في الختم - وهو ضرب الخاتم على الشيء - معنى الكتم، فإن المختوم مكتوم (٥). قال الشيخ أكمل الدين - بعد إيراده -: وهو كلام صحيح، لكنه بعيد المناسبة، فإن الكتم فيما نحن فيه لا يصلح تفسيراً للختم (٦). الشريف: " أخوان " أي متشاركان في العين واللام، ومتناسبان في المعنى (٧).

стр. 347

قوله: (سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه؛ لأنه كتم له، والبلوغُ آخره، نظرا إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه) مأخوذ من كلام الراغب حيث قال: الختم والطبع الأثر الحاصل عن نقش شيء، ويتجوز به يقال: ختمت كذا في الاستيثاق من الشيء والمنع منه، نظرا إلى ما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، ويقال ذلك ويعنى بلوغ آخر الشيء نظرا إلى أنه آخر فعل في إحراز الشيء، ومنه قيل: ختمت القرآن. انتهى (١). وعلم بذلك أن قول المصنف: (والبلوغ آخره) معطوف على الاستيثاق، عطف قسيم على قسيم. قوله: (والغشاوة فِعالةٍ، من غَشَّاه إذا غَطَّاه، بنيت لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة). قال الزجاج: كل ما اشتمل على الشيء مبني على " فِعالةِ " نحو العمامة والقلادة، وكذلك أسماء الصناعات، فإن الصناعة مشتملة على كل ما فيها، نحو الخياطة والقصارة، وكذلك ما استولى على اسم، فاسم ما استولى عليه الفِعالةِ نحو الخلافة والإمارة (٢). قوله: (ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة) هي عبارة " الكشاف " (٣) وهو أحد مسالك أهل السنة، يجعلون إحداث الهيئة الآتية فعل الله حقيقة، وتسميتها ختما وتغشية مجاز (٤).

стр. 348

والأقوى أنهما ختم وتغشية حقيقيتان، والأحاديث صريحة في ذلك: منها: ما أخرج البزار (١) عن ابن عمر رفعه قال: " الطابع معلق بقائمة العرش، فإذا اشتكت الرحم، وعمل بالمعاصي، واجترئ على الله بعث الله الطابع فيطبع على قلبه، فلا يعقل بعد ذلك شيئا " (٢) وكثير من هذه الأحاديث ونحوها يحملها من لم يتضلع من الحديث على المجاز والاستعارة. والأقوى - كما قاله البغوي في " شرح السنة " (٣) وغيره - إجراؤها عنى الحقيقة؛ إذ لا مانع من ذلك، والتأويل خلاف الأصل، ولا يصار إليه إلا لمانع، وهو مفقود هنا. قوله: (وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم) إلى آخره مأخوذ من كلام الراغب حيث قال: قد قيل: للإنسان ثلاثة أنواع من الذنوب، يقابلها من الدنيا ثلاث عقوبات: الأَوَّلُ: الغفلة عن العبادات، وذلك يورث جسارة على ارتكاب الذنوب، وهو

стр. 349

المشار إليه بقوله: " إن المؤمن إذا أذنب أورث في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه " (١) والثاني: الجسارة على ارتكاب المحارم (٢)، إما لشهوة تدعوه إليها، أو شرارة تحسنه في عينه فتورثه وقاحة، وهي المعبر عنها بالرين في قوله تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [سورة المطففين ١٤]. والثالث: الضلال، وهو أن يسبق إلى اعتقاد مذهب باطل، وأعظمه الكفر، فلا يكون تلفت منه بوجه إلى الحق، وذلك يورثه هيئة تمرنه على استحسانه المعاصي، واستقباحه الطاعات، وهو المعبر عنه بالطبع والختم في قوله (وختم على سمعه وقلبه) [سورة الجاثية ٢٣] و (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) [سورة النحل ١٠٨] وبالأقفال في قوله (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [سورة محمد ٢٤] إلى غير ذلك (٢) قوله: (وسماه على الاستعارة ختما وتغشية، أو مَثُّلَ قُلُوبَهُم) إلى آخره. قال الطيبي: لا يخلو هذا الكلام عن تسامح (٤)؛ لأن ظاهره جعل التمثيل قسيما للاستعارة، ونوعا من المجاز لقوله أول الكلام: " ولا ختم على الحقيقة " فإن عنى بالتمثيل ما هو واقع على سبيل التشبيه، بأن يكون وجهه منتزعا من عدة أمور غير حقيقية، فهو ليس بمجاز، وإن أراد به الاستعارة التمثيلية، فهو ليس قسيما للاستعارة، بل هو قسم منها. قال: والجواب أن المراد الثاني، والعذر أن الاستعارة التمثيلية غلب عليها اسم التمثيل، ولا يكاد يطلق عليها اسم الاستعارة، وبقية الاستعارات يطلق عليها اسم الاستعارة مطلقا. وذلك أنهم إذا أرادوا أن بعض أنواع الجنس له مزية على سائر أنواعه

стр. 350

يخرجونهم من ذلك الجنس، ويجعلونه جنسا آخر. وإذا جعل هنا استعارة فهي مكنية عن قلوب متخلية، على صورة شيء مستوثق منه، ثم نسب إليها لازم ذلك الشيء، وهو الختم، بعد التخييل (١). قوله: (ناعية عليهم) أي مظهرة، من قولهم: فلان نعى على فلان ذنوبه، أي أظهرها وشهرها. قوله: (فذكروا وجوها من التأويل) ذكر المصنف منها سبعة، وزاد الإمام فخر الدين أوجها: منها: أنهم أعرضوا عن التدبر، ولم يصغوا إلى الذكر، وكان ذلك عند إيراد الله عليهم الدلائل، فأضيف ما فعلوا إلى الله؛ لأن حدوثه إنما اتفق عند إيراده دلائله عليهم، كقوله في التوبة (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) [سورة التوبة ١٢٥] أي ازدادوا بها كفرا إلى كفرهم. ومنها: أن الختم على قلوب الكفار من الله تعالى، والشهادة منه عليهم بأنهم لا يؤمنون، وعلى قلوبهم بأنها لا تعي الذكر، ولا تقبل الحق، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق، كما يقول الرجل لصاحبه: أريد تختم على ما يقوله فلان، أي تصدقه وتشهد بأنه حق، فأخبر الله تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون، وأخبر في هذه الآية أنه قد شهد بذلك، وحققه عليهم (٢). قوله: (الثاني أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم) إلى آخره قال الطيبي: هو الذي عناه السكاكي بقوله: التشبيه التمثيلي متى فشا استعماله على سبيل الاستعارة سمي مثلا (٣). والفرق بين هذا التمثيل والذي سبق في تقرير أهل السنة أن هناك الاستعارة واقعة في الختم فقط، على سبيل التبعية، وهنا الاستعارة في الجملة برأسها (٤). قوله: (سال به الوادي) قال الميداني في " الأمثال ": يقال لمن وقع في أمر شديد (٥).

стр. 351

قوله: (وطارت به العنقاء) قال أبو عبيد في " الأمثال ": من أمثالهم طارت به العنقاء (١) قال الخليل: سميمتا عنقاء؛ لأنه كان في عنقها بياض كالطوق (٢). وقال أبو البقاء الكعبري في " شرح المقامات ": كان بأرض أهل الرس جبل صاعد في السماء، قدر ميل، به طيور كثيرة، منها العنقاء، وهي عظيمة الخلق، لها وجه كوجه الإنسان، وفيها من كل حيوان شبه من أحسن الطير، وكانت تأتي هذا الجبل في السنة مرة قتلتقط طيره، فجاعت في بعض السنين وأعوزها الطير فانقضت على صبي فذهبت به، ثم ذهبت بجارية، فشكوا ذلك إلى نبيهم حنظلة بن صفوان في زمن الفترة، فدعا عليها فهلكت، وقطع نسلها (٣). وفي " ربيع الأبرار ": عن ابن عباس خلق الله في زمن موسى ﵇ طائرا اسمها العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجهها كوجه الإنسان، وأعطاها من كل شيء، وخلق لها ذكرا مثلها، وأوحى إليه أني خلقت طائرين عجيبين، وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس، فتناسلا وكثر نسلهما، فلما توفي موسى ﵇ انتقلت فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش وتخطف الصبيان، إلى أن نبئ خالد بن سنان العبسي (٤) قبل النبي صلى الله عليه

стр. 352

وسلم، فشكوا إليه، فدعا عليها، فانقطع نسلها وانقرضت (١). وقال الغزويني (٢) في " عجائب المخلوقات ": العنقاء أعظم الطير جثة وأكبره، كان يخطف الفيل في قديم الزمان بين الناس (٣)، فتأذوا منه إلى أن سلب يوما عروسا بحليها، فدعا عليه حنظلة النبي ﵊، فذهب الله به إلى بعض جزائر البحر المحيط، تحت خط الاستواء، وهي جزيرة لا يصل إليها الناس (٤). وما أحسن قول الصفي الحلي (٥): لمَّا رَأَيْتُ بَنِيْ الزَّمَانِ وَمَا بِهِمْ. . . خِلٌّ وَفِيٌّ لِلشدَائِدِ اصطُفِيْ أَيْقَنْتُ أنَّ المُسْتَحِيْلَ ثَلاثَةٌ. . . الغُولُ وَالعَنْقَاءُ والخِل الوَفِيْ (٦) قوله: (والقسر) بسين مهملة ساكنة، الإكراه والقهر قوله: (كقوله تعالى (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) الآية) [سورة البينة ١]. قال الطيبي: فإنهم كانوا يقولون قبل البعثة: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا حتى يبعث النبي الموعود به الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) [سورة البقرة ٩٠] فحكى الله ذلك عنهم، كما كانوا يقولون، على سبيل الوعيد والتهديد، ولو كان هذا ابتداء إخبار منه تعالى لكان الانفكاك متحققا موجودا عند مجيء الرسول ﷺ (٧). انتهى.

стр. 353

قوله: (ووحد السمع للأمن من اللبس، واعتبار الأصل، فإنه مصدر في أصله) قال الطيبي: في " المغرب ": السمع الأذن، وأصله المصدر، قيل: وقد يطلق مجازا على القوة الحالّة في الغشاء المفترش عند الصماخ، بها تدرك الأصوات، فعلى هذا الوجه المراد بالسمع الآلة، ولم يلمح فيه الأصل (١). وفي بعضر الحواشي: هذه العلة أوردها أكثر المفسرين على صورة يلحقها خلل، فأصلحها المصنف، وذلك أنهم قالوا: السمع مصدر، فلا يثنى ولا يجمع، والقلوب والأبصار أسماء أعضاء فجمعت. واستشعر الزمخشري كان سائلاً يقول: ليس المراد بالسمع هنا المصدر، فإنه لا يختم على المصدر، وإنما (٢) يختم على العضو، فأصلح الجواب بأن قال: السمع في أصله مصدر (٣)، ثم نقل إلى هذه الجارحة المخصوصة، فروعي أصله مع نقله إلى العضو المخصوص، وملاحظة الأصل ليست ببعيد عند النحاة، فإنهم قالوا في قوله تعالى (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى) [سورة المعارج ١٧] بالنصب: إنه حال، والعامل فيها (لظى) وهي اسم لجهنم، ولكن لما كان أصلها مأخوذا من التلظي روعي الأصل، فعملت لمحي الحال. قوله: (أو على تقدير مضاف، مثل: وعلى حواس سمعهم) قال الطيبي: فعلى هذا الوجه السمع مصدر، وليس بمعنى الأذن (٤). قوله: (ويؤيده العطف على الجملة الفعلية) قال الطيبي: أي واستقر على أبصارهم غشاوة (٥). قوله: (وقرئ بالنصب) قال الطيبي: القراءات كلها شواذ، والمشهور غِشاوة بكسر الغين المعجمة مع الألف بعد الشين، والرفع (٦). قوله: (على تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة)

стр. 354

قال أبو حيان: يؤيده ظهوره في قوله (وجعل على بصره غشاوة) (١) قوله: (أو على حذف الجار) إلى آخره. قال أبو حيان: هذا ضعيف. قال: ويحتمل عندي أن يكون اسما وضع موضع مصدر، من معنى ختم: غَشَّى، كأنه قيل: تغشية، على سبيل التأكيد، ويكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوما عليها مُغَشَّاة (٢). قوله: (وعشاوة بالعين غير المعجمة) قال الطيبي: هو من قولهم: عشي يعشى إذا صار أعشى، وعشا يعشو إذا جعل نفسه كأنه أعشى، قال الله تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) [سورة الزخرف ٣٦]. قوله: (والعذاب كالنكال) قال السجاوندي: العذاب إيصال الألم إلى الحي مع الهوان، فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب. قوله: (ولذلك سمي نقاخا) أي الماء الحلو، وهو بضم النون، بعدها قاف، آخره خاء معجمة. قال في " الكشاف ": " لأنه ينقخ العطش، أي يكسره " (٤). وفي الصحاح: النقاخ الماء العذب الذي ينقخ الفؤاد ببرد (٥). قال العرجي (٦): وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ. . . وإنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلا بَرْدا (٧) قوله: (وفراتا)

стр. 355

قال في " الكشاف ": " لأنه يرفته، على القلب " (١) قال بعض أرباب الحواشي: يعني أن حق الاشتقاق أن يقال: فراتا؛ لأنه يفرته، فقلبوا وقدموا الفاء على الراء، كما قالوا: صعق، وصقع، وجذب، وجبذ، ففرت مقلوب رفت. قال الشريف: وعلى هذا فوزن فرات عُفال (٢). وفي " الأساس ": رفت الشيء فته بيده، كما يرفت المدر والعظم البالي (٣). قوله: (فادح) بالفاء أوله، وآخره مهملة. في " الصحاح ": فدحه الدَّين: أثقله، وأمر فادح إذا عاله وبهظه (٤). أي أثقله وشق عليه. قوله: (فكما أن الحقير دون الصغير، فالعظيم فوق الكبير) قال الطيبي: يعني إذا كان الحقير مقابلاً للعظيم، والصغير للكبير، يلزم أن يكون العظيم فوق الكبير؛ لأن العظيم لا يكون حقيرا؛ لأن الضدين لا يجتمعان، والكبير قد يكون حقيرا، كما أن الصغير قد يكون عظيما؛ لأن كلا منهما ليس بضد للآخر (٥). قوله: (ومعنى التنكير في الآية) إلى آخره قال الشيخ سعد الدين: يريد أنه للنوعية، والعذاب لما وصف بالعظيم كان المعنى نوعا عظيما منه، فليس القصد إلى تنكيره للتعظيم. وذكر التعامي دون العمى وإن كانوا من أهل الطبع إشارة إلى أن ذلك من سوء اختيارهم، وشؤم إصرارهم (٦). وذكر الشريف مثله، وزاد: وقيل: هو للتعظيم، أي غشاوة أيَّ غشاوة (٧). قوله: (وهم أخبث الكفرة)
следующие страницы →