Полный текст (1 427 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
لأن هذه الجمل محدث بها عن الجنة وأحوالها. انتهى.
قوله: ونظيره قوله: (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) أي: الغنى والفقير. في الحاشية المشار إليها تنظيره عود الضمير في قوله: وأتوا به [إلى ما رزقوه في الدنيا والآخرة بقوله: (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) وهاهنا القياس وأتوا بهما] متشابهين فهو على عكس ما نظر به غير أن كلام الكشاف ما يجيب عن هذا السؤال لأنه قال في أخر كلامه: ولو رجع الضمير إلى المتكلم به لقيل أولى به، فهذه الآية نظيرة تلك في أن كل واحدة منهما رجع الضمير فيها إلى المعنى لا إلى اللفظ، فقياس هذا أن يقال: وأتوا بهما، فقيل: به وقياس تلك أن يقال به، فقيل: بهما، وكذا قال الطيبي ونظيره في رجوع الضمير إلى المعنى دون اللفظ ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ إذ لو اعتبر اللفظ لقيل: أولى به على الإفراد، لأن الضمير في الشرط- وهو أن يكن- راجع إلى المشهود عليه في قوله: (شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن) أي: المشهود عليه غنيا أو فقيرا فالله أولى به ليتطابق الشرط والجزاء لكن لما كان المانع من الشهادة على الأقرباء غالبا أما خوف الفقر عليهم إذا كانوا أغنياء أو تضررهم بها إذا كانوا فقراء عم
стр. 527
الصنفين بتثنية الضمير، أي الله أعلم بجنس المتصف بصفة الغنى وبجنس المصتف بصفة الفقر، سواء كان مشهوداً عليه أو غيره، وأعلم بمصالحه وبما ينفعه فيدخل في هذا العام المشهود عليه دخولا أوليا وهذا أيضا كناية إيمائية يدل عليه قوله: بجنس الغنى والفقير. انتهى.
قوله: قال ابن عباس: (ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء). أخرجه مسدد في مسنده وهناد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث.
قوله: (مطهرة مما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهن كالحيض والدرن ودنس الطبع وسوء الخلق) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: معنى تطهيرهن مما ذكر أنها منزهة عن ذلك مبرأة عنه بحيث لا يعرض لهن لا التطهير الشرعي بمعنى إزالة النجس/ الحسي والحكمي كما في الغسل عن الحيض ليلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز. نعم في إطلاق التطهير تشبيه للدنس بالأقذار والأحداث.
قوله: وإذا العذاري بالدخان تقنعت ... واستعجلت نصب القدور فملت
قال المرزوقي، في شرح الحماسة. العذارى جمع عذراء يقول: إذا أبكار النساء صبرت على دخان النار حتى صار كالقناع لها ولم
стр. 528
تصبر على إدراك ما في القدور بعد نصبها لشدة الحاجة، فملت أي: شوت في الملة وهو الرماد الحار قدر ما تعلل به نفسها من اللحم لدفع ضرر الجوع المفرط من اشتداد السنة. وتخصت العذارى بالذكر لفرط حياتهن ولتصونهن عن كثير مما يبتذل فيه غير هن فجعل نصب القدور مفعول استعجلت على السعة. وجواب إذا، قوله بعده:
دارت بأرزاق العفاة مغالق .... بيدي من قمع العشار الجلة
والبيت من قصيدة، لسلمى بن ربيعة من بني أسد بن ضبة.
أولها: حلت تماضر غربة فاحتلت .... فلجأ وأهلك باللوى فالحلة
وكأن في العينين حب قرنفل .... أو سنبلا كحلت به فانهلت
زعمت تماضر أنني إما أمت .... يسدد أبينوها الأصاغر خلتي
تربت يداك وهل رأيت لقومه .... مثلى على يسرى وحين تعلتى
رجلا إذا ما النائبات غشينه .... أكفى لمعضلة وإن هي جلت
ومناخ نازلة كفيت وفارس ... نهلت قناتي من مطاه وعلت
стр. 529
قوله وإذا العذارى: البيت.
قوله: ولذلك قيل للأثافي خوالد، قال في الصحاح: لبقائها بعد دروس الأطلال.
قوله (فإن قيل: الأبدان مركبة) ، إلى آخره. قال الطيبي. ذكر الراغب نحو هذا الجواب. ثم قال: ليس لذلك القول وجه إلا التوقيف، ولا مدخل للاجتهاد فيه والذي يستبعده المتفلسفون هو أنهم يريدون أن يتصوروا أبدانا متناولة الأطعمة لا استحالة له فيها ولا تغير لها ولا يكون منها فضلات، وتصور ذلك محال وذلك لأن التصور هو إدراك الوهم ما أدركه الحس. ومالا يدركه الحس جزءه ولا كله كيف يمكن تصوره ولو كان للإنسان سبيل إلى تصور ذلك لما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.
وما قال رسول الله ﷺ مخبراً عن الله تعالى: ((أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)).
قوله: (التمثيل)، قال الطيبي: لم يرد به التشبيه التمثيلي [أو الاستعارة التمثيلية بل أعم. وقال الشيخ سعد الدين: المراد
стр. 530
بالتمثيل] التشبيه مطلقا سواء كان في المفرد أو المركب على وجه الاستعارة أو غيرها.
قوله: (ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء).
قلت: أخرج الرامهرمزي في الأمثال عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ ألف مثل).
قوله: كما مثل في الإنجيل غل الصدور بالنخالة والقلوب القاسية بالحصاة- ومخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير)، نص على ما حكاه الإمام في الأول: لا تكونوا كمنخل خرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم.
وفى الثاني: قلوبكم كالحصاة التي لا تطبخها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الرياح.
وفي الثالث: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم.
قوله: (أسمع من قراد) قال الميداني: لأنه يسمع صوت
стр. 531
أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرك لها، وقال الشيخ سعد الدين: تزعم العرب إنه يسمع الهمس الخفي.
من وقع مناسيم الإبل على مسيرة سبع ليال، وقال القمي في الأمثال: زعموا أنه يحس بالإبل في ليلة القرب: وهي الليلة التي تصبح منها الإبل على الماء، فيتحرك لذلك حركة لا يخفى أنها قد أحست بإقبال الإبل والناس لا يشعرون قال: وفي لطف إحساس كثير من الحيوان عجب عجيب وإن في ذلك لعبرة لأولى الألباب، فتبارك الله أحسن الخالقين.
قوله: (وأعز من مخ البعوض)، يضرب لمن تكلف الأمور الشاقة.
قوله: (وأيضا لما أرشدهم إلى ما يدل على أن المتحدي به وحي) إلى آخره. وقال الإمام: إنه تعالى لما بين أن القرءان معجز أتى بشبهة أوردها الكفار قدحا في ذلك وأجاب عنها. وتقرير الشبهة أنه جاء في القرءان ذكر النحل والذباب والعنكبوت، وهذه الأشياء لا تليق بكلام البلغاء فضلاً عن كلام المجيد، وأجاب أن صغر هذه الأشياء، لا يقدح في البلاغة.
إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة. قال الطيبي: فعلى هذا نظم الآية بما قبلها نظم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ
стр. 532
أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ في كونها جملة مستطردة، كما ذكره الإمام: قلت: وفيه إشارة إلى مناسبة وضع هذه الآية هنا، ولم توضع في سورة العنكبوت أو الحج عقب المثل المستنكر، لأنه جواب عن شبهة أوردت على إقامة الحجة على حقيقة القرءان بأنه معجز فكان ذكرها هنا أنسب.
قوله: (فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها).
قال الشيخ سعد الدين: هو تفسير للفظ الحياء ونوع تنبيه على معناه الوجداني المغني عن التعريف.
وقال الشيخ أكمل الدين، الحق أن الكيفيات النفسانية لا تحتاج إلى تعريف لكونها وجدانيات، فإن عرفت كان التعريف لفظيا. قال: والظاهر أنه عرفه هنا ليبنى عليه كيفية جواز إطلاقه على الله تعالى.
قوله: (فقيل: حيي الرجل، هي لغة حكاها أبو زيد خلافا لقول أبي البقاء: إنه لم يستعمل منه فعل بلا سين.
قوله) (إذا اعتلت نساه وحشاه) النسا بالفتح والقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين، ثم يمر بالعرقوب حتى يبلغ
стр. 533
الحافر، والحشا: الربو وهو النفس العالي، قاله: القطب والطيبي والشيخ سعد الدين، وقاد الشيخ سعد الدين وغيره: الحشا ما انضمت عليه الضلوع والجمع أحشاء.
قلت: يريد الأول قول الشماخ:
تلاعبني إذا ما شئت خود ... على الأنماط ذات حشا قطيع
أي: ذات نفس عال من سمنها.
قوله: (إذا وصف به الباري تعالى، كما جاء في الحديث: ((إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه)). أخرجه البيهقي في الزهد، من حديث آنس بنحوه، وابن أبي الدنيا في كتاب العمر من حديث سلمان بنحوه.
قوله: ((إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردها صفرا حتى يضع فيهما خيرا)). أخرجه أبو داود، والترمذي، وحسنه،
стр. 534
والحاكم، وصححه من حديث سلمان، يدون قوله: حتى يضع فيها خيراً. وأخرجه الحاكم من حديث أنس هذه الجملة نحوه. والصفر: الخالي.
قوله: (فالمراد به الترك اللازم للانقباض، كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما). قال صاحب الانتصاف: التأويل في الحديث لازم، لأنه إثبات، وأما الآية فلا تحتاج إلى التأويل، لأن الحياء مسلوب عنه تعالى، فهو كقوله: إنه تعالى، ليس بجسم ولا عرض، وتعقبه القطب، بأن نفي الحياء في الآية ليس سلبا محضا، بل عدم الحياء عن ما من شأنه الحياء، فإن نفى الحياء مطلقا وصف مذمة، فإنه يقال للخائض فيما لا ينبغي: لا حياء له وذلك محال على الله تعالى سلبا، فوجب التأويل في السلب كالإثبات، وقال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: هب أن إثبات الاستحياء لله تعالى كما في الحديث يحتاج إلى تأويل، وأما نفيه كما في الآية فلا يحتاج إلى ذلك كما في قولهم: لله ليس بجوهر ولا عرض وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، و ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ونحو ذلك: فأي
стр. 535
حاجة إلى جعل لا يستحي من قبيل التمثيل أو المقابلة أعنى المشاكلة، قلنا إذا نفيت أمثال ذلك على الإطلاق، بمعنى أنها ليست من شأنه فإنه لا يتصف بها، كما في الأمثلة المذكورة لم يحتج إلى تأويل، وأما إذا نفيت على التقييد فقد رجع النفي إلى القيد، وأفاد ثبوت أصل الفعل أو إمكانه لا أقل، فاحتاج إلى تأويل، كما إذا قيل: لم يلد ذكرا ولم يأخذه نوم في هذه الليلة، وليس بعرض قارن الذات. وقال الطيبي: الفرق بين قولنا: إن الله تعالى ليس بجسم ولا عرض، وما في الآية والحديث هو أن القصد في ذلك التنزيه: ومالا يجوز أن ينسب إليه تعالى. وفي الآية القصد إلى تجويز ضرب المثل وأن الحياء غير مانع منه، وفي الحديث القصد إلى ترك تخييب العبد وأن الحياء مانع من التخييب فالمقاصد مختلفة والمقامات متباينة، فهما قريبان من ترتب الحكم على الوصف المناسب، فلابد من اعتبار المجاز.
قوله: (ونظيره، قول من يصف إبلا:
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه .... كرعن بسبت في إناء من الورد)
هو للمتنبي، قال الطيبي: أي تركن، والضمير للنوق وكرع الماء يكرع كروعا إذا تناوله بفيه من موضعه والسبت بكسر السين المهملة: جلود البقر المدبوغة بالقرظ، شبه مشافر الإبل به، وعنى بالإناء
стр. 536
النقرة فيها الماء، وبالورد الأزهار، ويصف الإبل وكثرة مياه الأمطار المحفوفة بالأزهار، فكأن الماء يعرض نفسه عليها.
والإبل تستحي من رد الماء إذا كثر عرض نفسه عليها فتكرع فيه بمشافر كأنها السبت. والبيت من قصيدة يمدح بها أبا الفضل محمد بن الحسين بن العميد، أولها:
نسيت وما أنسى عتابا على الصد .... ولا خفرا زادت به حمرة الخد
ومن يصحب اسم ابن العميد محمد ... يسر بين أنياب الأساود والأسد
يمر من السم الوحي بعاجز ... ويعبر من أفواههن عن درد
كفانا الربيع العيس من بركاته ... فجاءته لم تسمع حداء سوى الرعد
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه .... كرعن بسبت في إناء من الورد
كأنا أرادت شكرنا الأرض عنده .... فلم يخلنا جو هبطناه من رفد
قوله: (وأنما عدل به عن الترك لما فيه من التمثيل).
стр. 537
قال الشيخ سعد الدين: بين الاستعارة التمثيلية وبين التشبيه في المصدر تنبيها على أنها استعارة تبعية، وبه يظهر أن المستعار في الاستعارة التمثيلية قد يكون لفظا مفرداً دالاً على معنى مركب.
قوله: (وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيئه على المقابلة لما وقع في كلام الكفرة). قال الطيبي: لم يرد بالمقابلة المعنى المصطلح عليه في البديع، وهي أن يجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وبين ضديهما. بل أراد المشاكلة. وهي: أن تذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته لكن المشاكلة على التقدير. إذ لولا قولهم: أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت على سبيل الإنكار لم يحسن قوله إن الله لا يستحي، جوابا عنه. وذكر نحوه الشيخ أكمل الدين والشيخ سعد الدين. وزاد أن المشاكلة ليس بحقيقة، كما هو ظاهر، وأن وجه التجوز ليس بظاهر، قال: وظاهر كلامهم أن مجرد وقوع مدلول هذا اللفظ في مقابلة ذاك جهة التجوز.
قلت: وقد كنت سئلت قديما عن المشاكلة ما علاقتها؟ فأجبت بما نصه، قد رأيت بعض متأخري أهل البيان إدعى في نوع المشاكلة أنه واسطة بين الحقيقة والمجاز، قال: وليس بحقيقة لأنه استعمال اللفظ فيما لم يوضع له ولا مجاز لعدم العلاقة المعتبرة.
والصواب أنه مجاز قطعا، والعلاقة في مثل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ
стр. 538
سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الشكل والشبه الصورى، كما يطلق على الإنسان والفرس على الصورة المصورة.
قوله: (وضرب المثل اعتماده) زاد في الكشاف وصنعه.
قوله: (وأصله وقع شيء على آخر) قال الراغب: الضرب إيقاع شيء على شيء، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها، كضرب الشيء باليد والعصا والسيف ونحوها. وضرب الدراهم اعتبارا بضربه بالمطرقة، وقيل له الطبع اعتبارا بتأثير السكة فيه، وبذلك شبه السجية، فقيل لها: الضريبة والطبيعة، والضرب في الأرض: الذهاب فيها وهو ضربها بالأرجل، وضرب الخيمة بضرب أوتادها بالمطرقة، وتشبيها بضرب الخيمة قال تعادلى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي: التحفتهم الذلة التحاف الخيمة، ومنه استعير
стр. 539
﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ وضرب المثل هو من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره.
قوله: (وأن بصلتها مخفوض المحل عند الخليل بإضمار من منصوب بافضاء الفعل إليه بعد حذفها عند سيبويه) قال ابن مالك في شرح الكافية: يجوز أن يتعدى الفعل اللازم بحرف الجر إلى إن وأن وغيرهما، نحو عجبت [من أنك منطلق، ومن أن قام زيد ومن قعود عمرو، ويجوز حذف حرف الجر من أن وإن، فيقال]: عجبت أنك ذاهب وأن قام زيد، ولا يجوز حذفه من غيرهما، فلا يقال: عجبت قعود عمرو.
ومذهب الخليل والكسائي في أي وإن، إنهما في محل جر بعد حذف حرف الجر. ومذهب سيبويه والفراء إنهما في محل نصب، ويؤيد قول الخليل قول الشاعر: أنشد الأخفش:
وما زرت ليلى أن تكون حبيبة ... إلى ولا دين بها أنا طالبه
فجر المعطوف على أن فعلم أن أن في محل جر.
تنبيه: قول المصنف: منصوب بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها كلام مطلق لم يقصد به خصوص هذا الموضع، فإنه يجوز هنا أن تكون منصوبا لا على حذفها، بل على تعدية الفعل بنفسه إليه فإن استحي
стр. 540
يتعدى بنفسه
أيضا. قالت شاعرة:
وإني لأستحييه والثوب بيننا ... كما كنت أستحييه وهو يراني
وقد نبه على ذلك في الكشاف، فقال: وفيه لغتان، التعدي بالجار والتعدي بنفسه. تقول: استحييت منه واستحييته وهما محتملان هنا. هذه عبارته، قال في الحاشية المشار إليها: يعني التعدية بنفسها وبحرف الجر فإن عديت بنفسها فموضع (أن يضرب) النصب بالمفعولية، فإن عديت بحرف الجر كانت على الوجهين المشهورين في موضع أن وما بعدها إذا حذف منها حرف الجر، هل هي في موضع نصب أو جر؟ فحاصله أن فيها طريقين، طريقة قاطعة بأن محله نصب وطريقة بأن في محله قولين، أحدهما النصب والآخر الجر. انتهى.
قوله: (وما إبهامية تزيد النكرة إبهاما وشياعا) وتسد عنها طرق التقييد، كقولك: أعطني كتابا ما أي أي كتاب كان، أو مزيدة للتأكيد، كالتى في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الشيخ سعد الدين: جعل صاحب الكشاف ههنا ما الإبهامية قسيما للصلة وفي المفصل قسيما من حروف الصلة، مثلها في ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ وكأنه مال هنا إلى أنها اسم على ما هو رأي البعض، فمعنى مثلا ما أي مثل
стр. 541
ويتفرع على الإبهام الحقارة مثل أعطه شيئا ما، والفخامة مثل لأمر ما يسود، والنوعية مثل أضربه ضربا (ما) ففي الجملة تؤكد ما إفادة تنكير الاسم قبلها قال: وبين فائدة المزيدة بقوله للتأكيد لئلا يتوهم أنها لغو يجب صيانة الكلام الفصيح عنه.
وقال الطيبي: إذا كانت ما إبهامية تعطى معنى التنكير في مثلا وتزيد في شيوعه، ولهذا قلنا أي مثل كان والمؤكدة تؤكد معنى مضمون الجملة ويعضده ما في المفصل: قولك ما أن رأيت زيداً. الأصل ما رأيت، ودخول أن صلة أكدت معنى النفي وقال الشيخ أكمل الدين: الإبهامية: قال بعضهم إنها اسمية للصفة لأنها في معنى مثلا أي: مثلا حقيرا كان أو صغيراً، قال: وذكر بعضهم أن ما في الكشاف هو الوجه، لثبوت زيادة ما لهذه الفائدة نصا في مثل ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ و ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ فالحمل على ما ثبت أولى، قال: وقوله: أو مزيدة للتأكيد، يعني أنها لتأكيد الكلام، لا لزيادة الإبهام والشيوع.
قال بعضهم: وحينئذ يحتمل أن تكون لتأكيد ضرب المثل فيكون معناه إن الله يضرب المثل حقا. وأن تكون لتأكيد نفي الاستحياء، فمعناه إن الله لا يستحي ألبته أن يضرب مثلا، وقال أبو حيان: ما إذا نصب بعوضة زائدة للتأكيد، أو صفة للمثل تزيد النكرة شياعا، كما تقول: ايتني برجل
стр. 542
ما، أي: أي رجل كان. وقيل: ما نكرة وتنصب بدلا من مثلا. وقال ابن هشام في المغني: قال الزجاج: ما في قوله: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ حرف زائد للتوكيد عند جميع البصريين. قال ابن هشام: ويؤيده سقوطها في قراءة ابن مسعود ﵁ وبعوضة بدل. وقيل: (ما) اسم نكرة صفة لمثلا أو بدل منه، وبعوضة عطف بيان على (ما).
قوله: (ولا نعنى بالمزيد اللغو الضائع) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: معنى كونها صلة ومزيدة أنها لا يتغير بها أصل المعنى، ويشكل ببعض الحروف المفيدة للتأكيد، مثل إن واللام حيث لا تعد صلة وإن اشترط عدم العمل انتقض باللام حيث لم تعمل، وزيادة بعض الحروف الجارة حيث عملت، وقد تكون حروف الصلة لتزيين اللفظ وزيادة فصاحته، وقال الشيخ أكمل الدين: ليس معنى الزيادة التي تكون لغوا، فإنه لا يصح في الكلام المعجز، وإنما المراد بها ألا تكون موضوعة لمعنى أو جزء التركيب وإنما تفيد وثاقة وقوة للتركيب. وقال بعضهم في الفرق بينها وبين الحروف الموضوعة للتأكيد الغير الزائدة، كلام القسم ولام التأكيد ونحوهما إن هؤلاء موضوعة لتأكيد هو جزء معنى التركيب كالجص الذي يوضع بين اللبنتين، والحرف الزائد وإن كان موضوعا لمعنى التأكيد إلا أنه لا دخل له في التركيب بل خارج عنه كما إذا أوصل خشبة بخشبة وضع على مفصلهما ضبة فتلك الضبة ما صارت جزءا من ذلك المركب، بل لا يفيد إلا
стр. 543
توثيقا وزيادة متانة، وكذلك القول في سائر الزيادات. انتهى.
وهذا الكلام الأخير للقطب.
قوله: (وبعوضة عطف بيان لمثلا) ، قال أبو حيان: نصب بعوضة، إما على أن تكون صفة (لما) إذا جعلنا (ما) بدلا من (مثل) ومثلا: مفعول بيضرب، وتكون (ما) إذ ذاك قد وصفت باسم الجنس المنكر لإبهام ما أو عطف بيان ومثلا مفعول بيضرب أو بدلا من مثل، أو مفعول ليضرب، وانتصب مثلا حالاً من النكرة مقدما عليها أو مغعولا ليضرب ثانيا، والأول هو (المثل) على أن يضرب [يتعدى إلى اثنين، أو مفعولاً أول ليضرب ومثلا، المفعول الثاني وعلى تقدير اسقاط الجار، والمعنى أن يضرب مثلا] ما بين بعوضة فما فوقها، وحكوا له: عشرين ما ناقة فجملا قال: والذي نختاره من هذه الاعاريب: أن ضرب يتعدى لواحد وذلك الواحد هو مثلا، لقوله تعالىء: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ ولأنه المقدم في التركيب، وما صفة تزيد النكرة شياعا، وبعوضة بدل لأن عطف البيان، مذهب الجمهور فيه: أنه لا يكون في النكرات. انتهى.
قوله: (أو مفعول ليضرب ومثلا حال تقدمت عليه). قال الشيخ سعد الدين: لإخفاء في أنه لا معنى لقولنا: يضرب بعوضة إلا يضم مثلا إليه فتسميته مثل هذا مفعولا ومثلا حال بعيد جدا، وتوهم كونه حالاً موطئة غلط ظاهر، فإن مثلا هو المقصود، وإنما يستقيم لو جعل مثلا
стр. 544
بعوضة حالا ومثلا صفة له، مثل ﴿أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. وقال الشيخ أكمل الدين: ذكر بعضهم أن الحال على هذا تكون موطنة ليستقيم المعنى وقل ما يجيء هذا القسم مقدما على صاحبه. فلهذا ضعف هذا الوجه.
قوله: (أوهما مفعولاه: لتضمنه معنى الجمل).
قال الطيبي: قيل هذا أبعد الوجوه لندرة مجيء مفعولي جعل وأمثاله نكرتين، لأنهما من دواخل المبتدأ والخبر. قال الشيخ أكمل الدين: ورد بأن البعوضة فما فوقها فيه معنى التعميم والوصف أيضا؛ لأنه يفيد معنى صغيراً وأصغر.
قال: وكون ضرب بمعنى جعل طريقة المجاز لأن ضرب جعل خاص، ويكون مثلا هو المفعول الثانى.
[وقال الشيخ سعد الدين: هذا على أن مثلا هو الثاني] وبعوضة هو الأول، ومع التنكير لحصول الفائدة إذ القصد بها إلى أصغر صغير.
قوله وعلى هذا تحتمل (ما) وجوها أخر أن تكون موصولة، قلت: هذا صريح في أنها لا تحتمل المحصولية على قراءة النصب، وليس كذلك فقد ذكر ابن جرير عدم قراءة النصب أنها موصولة حذف صدر صلتها، ثم أورد على نفسه أن [النصب] حينئذ لا وجه له. وأجاب
стр. 545
بأن له وجهين أحدهما: أن ما لما كانت في محل نصب وكانت بعوضة صلتها أعربت بإعرابها.
كما في قول حسان:
فكفى بنا فضلا على من غيرنا
فإن غيرنا أعربت بإعراب من، والعرب تفعل ذلك خاصة في (من، وما)، تعرب صلاتهما بإعرابهما. والثاني: أنه على تقدير ما بين بعوضة إلى ما فوقها فحذف بين ونصب بعوضة لإقامته مقامه ثم حذف (إنى) إكتفاء بالفاء. على قولهم. (أحسن ما قرنا فقد ما)، أي ما بين قرن إلى قدم. انتهى.
قوله: (حذف صدر صلتها)؛ قال أبو حيان؛ أي: الذي هو بعوضة، قال: وهذا يتمشى على مذهب الكوفيين. لعدم اشتراطهم في جواز حذف هذا الضمير طول الصلة والبصريون يشترطون ذلك.
قوله: (وموصوفة) أي: نكرة بصفة كذلك، أي حذف صدر الجملة التي هي الصفة، أي: هو.
قوله: (واستفهامية)، إلى قوله: ونظيره: (فلان لا يبالي بما يهب مادينار ماديناران)، قال صاحب الانتصاف: لا يستقيم المعنى على ما أشار إليه لأن هذا الاستفهام إنما يقع للانكار تنبيها بالأدنى على
стр. 546
الأعلى، كما يقال: فلان يعطي الأموال ما الدينار وما الديناران، وأما ههنا فهم أنكروا ضرب المثل بالذباب، فلا يستقيم أن تكون البعوضة فما فوقها في الصغر أو الكبر على اختلاف المذهبين، تنبيها بالأقل على الأكثر إذ هي وما فوقها الأكئر في الحقارة ولا تجد لتصحيح المعنى وجها.
قال: وإنما أطلت لأنه موضع ضيق يبعد فهمه، وحسبك بمعنى انعكس فيه فهم الزمخشرئي، وقال صاحب الانتصاف: لو تأمل كلام الزمخشري لوجد جواب اعتراضه فيه لأنه قال: أجيبوا بأن الله لا يستحي أن يضرب [من الأمثال ما يشاء، فما البعوضة فما فوقها وذلك أن المسلوب عنه تعالى أن يستحي أن يضرب] مثلا وهو نكرة في سياق النفي فيعم كل مثل على اختلاف أنواعه، فما البعوضة فما فوقها في الكبر إذ الكل في الجواز سواء.
أو فما البعوضة فما فوقها في الحقارة إذا المبالغة في تحقيره لا يخرجه عن كونه مثلا، والكل جائز، ولا يلزم في الاستفهام (بما) أن يكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى بل قد يكون للإنكار على من سمع قاعدة قد تقررت، فسال عن بعض جزئياتها وقال: لم جاز هذا مع وضوح الدليل على جواز الكل لاشتراك الجميع في علة واحدة، وليس بعجيب ما وهم فيه فظنه من ضيق مجال هذا البحث، فقد قال الشاعر:
وكرم من عانب قولا صحيحا .... وافته من الفهم السقيم
стр. 547
وفي الحاشية المشار إليها: ادعى بعض الفضلاء أن هذا الوجه غلط من المصنف وأن فهمه انعكس فيه فإن تمثيله بقوله: فلان لا يبالي بما يهب، ما دينار ماديناران عكس هذا المثال، فإن من سمح بإعطائه الكثير كان سماحه بإعطاء القليل أولى، فما وجه سؤالك، عن الدينار والدينارين إذ هو داخل تحت قولك: لا يبالي بما وهب من باب الأولى، [وأما هذا فإذا لم يستحي من ضرب الأمثال بالأشياء الكاملة الجليلة لا يكون ضرب المثل بالبعوض جانزا من باب الأولى].
لأنهم إنما استنكروا حقارتها، ولو ضربت بشيء شريف أو جليل لما استنكروه. قال: وجوابه أن المصنف لم يدع أنه من باب الأولى حتى يرد عليه ما قيل، ولكن إذا ذكرت قاعدة كلية يندرج تحتها جزئيات، فسأل سائل على جزئياتها واحدة واحدة توجه الإنكار عليه كما لو قيل: يحرم الربا في كل مطعوم، فقال قائل: فما تقول في السفر جل والتفاح [اللوز؟ فإنك تقول له: قد قلت: إنه يحرم الربا في كل مطعوم، فما سؤالك عن التفاح] وغيره؟ كذلك ههنا، قال إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا، ومثلا نكرة في سياق النفي يعم البعوض والذباب والعنكبوت وغيرها.
قوله: (والبعوض فعول)، [في الكشاف: والبعوض]. في أصله صفة على فعول كالقطوع والخموش فغلبت، واشتقاقه من البعض، وهو القطع كالبضع والعضب.
قوله: (غلب على هذا النوع) يعني غلب استعمال هذه الصفة في هذا الحيوان/ المعروف.
قوله: (كالخموش) قال الشيخ أكمل الدين: يعني أنه أيضا في
стр. 548
الأصل صفة فغلبت، وهو بفتح الخاء: البعوض في لغة هذيل، سميت به لكثرة خمشه أي خدشه.
قوله: (أو في المعنى الذي جعلت فيه مثلا، وهو الصغر والحقارة)، قال الشيخ أكمل الدين، هذا الوجه هو الذي مال إليه المحققون لمطابقته البلاغة ولما سبق له الكلام، وأما الوجه الأخر فلا يظهر إلا إذا خضت بمورد النزول وإنه كان في الذباب والعنكبوت وفي هذا الوجه: الترقية معنوية والصغر في الحجم، وفيه الترقي من الأدنى إلى الأعلى في الحقارة.
قوله: (كجناحها، فإنه ﵇ ضربه مثلا للدنيا).
أي في قوله: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة). أخرجه الترمذي من حديث سهل بن سعد.
قوله: (روى أن رجلا بمنى خر على طنب فسطاط).
فقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: ((ما من مسلم يشاك شوكة)) الحديث أخرجه، مالك والبخاري ومسلم والترمذي، قال الطيبي عند بعضهم: أراد بقوله: شوكة المعنى، لا العين، وهي المرة
стр. 549
من شاك: ولو أراد العين لقال: بشوكة. قال: وفيه نظرا، يقال: شيك الرجل فهو مشوك إذا دخل في جسمه شوكة. وجزم التفتازاني والشيخ أكمل الدين بأن المراد المرة من المصدر لا واحد الشوك الذي هو العين. والفسطاط: بيت من شعر قوله: (كنخبة النملة)، قال في النهاية: النخبة، بالخاء المعجمة: العضة والقرصة.
يقال: نخبت النملة تنخب، إذا عضت.
لقوله ﷺ : ((ما أصاب المسلم من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة)) قال الطيبي: لم أقف له على رواية. وقال الشيخ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه بهذا اللفظ.
قوله: (أما حرف يفصل ما أجمل ويؤكد ما به صدر ويتضمن معنى الشرط) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنه ليس باسم، على ما يتوهم من قولهم: أما زاد فمنطلق، معناه: مهما يكن من شيء، مع شيوع العبارة عنه بالكلمة دون الحرف ثم هي ليست بحرف شرط، بل فيها معنى الشرط، ونبه بقوله: ولذلك يجاب بالفاء على ما يعلم به تضمنها معنى الشرط. وسره: أنهم لما حاولوا الدلالة على أن الواقع بعده مما يتعلق به (بشيء من الجملة جعلوه في موضع الملزوم أعني الشرط، وما يتعلق به في
стр. 550
موضع) اللازم، أعني الجزاء فدل على لزوم الحكم، وأنه كائن البتة، ولا محالة. وإلى هذا أشار ببيان فائدته.
وذكر ابن الحاجب في تحقيق معناها ووجه جواز تقديم ما في حيز الفاء عليها. أنها لتفصيل ما في نفس المتكلم من أقسام متعددة، فقد تذكر الأقسام، وقد يذكر قسم ويترك الباقي. كقوله تعادلى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ والتزموا حذف الفعل بعدها لجريه على طريقة واحدة كما التزموا حذف متعلق الظرف إذا وقع خبراً، مثل زيد في الدار لأن المعنى: مهما يكن من شيء أو يذكر من شيء، والتزموا أن يقع بينها وبين جزائها ما يكون كالعوض من الفعل المحذوف، ثم اختلفوا فيما يتعلق به ذلك الواقع. والصحيح أنه أحد أجزاء الجملة الواقعة بعد الفاء قدم عليها لغرض العوضية. وذلك: لأن وضعها لتفصيل الأنواع وما ذكر بعدها أحد الأنواع المتعددة. وذكره باعتبار ما يتعلق به من الجملة الواقعة بعد الفاء والغرض من التقديم الدلالة على أنه هو النوع المراد تفصيل جنسه، وكان قياسه أن يقع مرفوعا على الابتداء؛ لأن الغرض الحكم عليه بحسب ما بعد الفاء لكنهم خالفوا الابتداء إيذانا من أول الأمر بأن تفصيله باعتبار الصفة التي هو عليها في الجملة الواقعة بعد الفاء من كونه مفعولاً أو ظرفا أو مصدرا أو غير ذلك. ألا ترى أنك (تفرق) بين يوم الجمعة في قولك: يوم الجمعة ضربت فيه، وقولك: ضربت في يوم الجمعة، وإن كان في الموضعين مضروبا فيه إلا أنه ذكر في الأول ليدل على أنه حكم عليه، ولما كان الحكم بوقوع الضرب فيه علم أن الضرب واقع صفة وفي الثاني ذكر ليدل على أنه الذي وقع الضرب فيه من أول الأمر. فلما كان كذلك قصد أن يكون الواقع بعد (أما) من أول
стр. 551
الأمر على حسب ما هو عليه في جملته ولزم أن يكون على معناه وإعرابه الذي كان له، وبطل القول بكونه معمول الفعل المحذوف مطلقا أو بشرط أن لا يكون هناك مانع، وتبين وجه ما قيل أن لها خاصية في تقديم الصحيح لما يمتنع تقديمه. وحاصله التنبيه على أن الواقع بعدها هو المقصود بالتفصيل والتخصيص من بين ما في الجملة الواقعة بعد الفاء.
تنبيه: وقع في المغني لابن هشام أما حرف شرط وتفصيل وتوكيد.
قال الشيخ بدر الدين، ابن الدماميني، في حاشيته: فهو، معترض، فقد صرح غير واحد من النحاة، أن (أما) ليست بحرف شرط، بل فيها معنى الشرط، قال الشيخ بهاء الدين السبكي، في شرح التلخيص: (أما) من الأدوات التي يحصل بها التعليق وليست شرطا وبذلك صرح شيخنا أبو حيان، ونقل عن بعض أصحابه إنها حرف إخبار تضمن معنى الشرط، ولو كانت أداة شرط لاقتضت فعلا بعدها لكنها أغنت عن الجملة الشرطية وعن أدوات الشرط، وهي من أغرب الحروف لقيامها مقام أداة شرط وجملة شرطية، ولكونها تدل على الشرط، حكم أن معنى أما زيد فذاهب: الإخبار بأنه سيذهب في المستقبل، لأن زيد ذاهب جواب الشرط، ولا يكون جوابه إلا مستقبلا. هذا كلامه.
قال الدماميني: وقد يقال: إنه جعلها حرف شرط باعتبار تضمنها لمعنى الشرط لا باعتبار أنها موضوعة للشرط، والإضافة تكون
стр. 552
بأدنى ملابسة. انتهى.
وقال أبو حيان في شرح التسهيل: قال بعض أصحابنا أما حرف إخبار متضمن معنى الشرط. فإذا قلت: أما زيد فمنطلق: فالأصل إن أردت معرفة حال زيد فزيد منطلق ثم حذفت أداة الشرط وفعل الشرط، وأنيبت أما مناب ذلك. ولو كانت شرطا لكان ما بعدها متوقفا عليها، وأنت تقول (إما عالما فعالم) فهو، عالم. ذكرته أنت أولم تذكره بخلاف إن قام زيد قام عمرو فقيام عمرو متوقف على قيام زيد، وأجيب بأنه قد يجيئ الشرط على ما ظاهره عدم التوقف عليه. كقوله: (من يك ذابت فهذا بتى) ألا ترى أن بته موجود، كان لغيره بت أو لم يكن. وكقولهم: إما عالم فعالم، فالمعنى: مهما تذكره عالما فذكرك حق، لأنه عالم ولا يكون ذكره حقا حتى تذكره فقد تضمنت معنى الشرط وأنابوا (أما) مناب الشرط وفعله (فجاءت الفاء تلي (أما) فأرادوا أن يصلحوا اللفظ فأولوها شينا آخر حتى لا يجئ الجزاء تاليا أداة الشرط).
وفي البسيط، قال ابن السيد: أما حرف إخبار يتضمن معنى الشرط ونقض بنحو، أما زيدا فاضرب. وقد ألغز الشيخ علم الدين السخاوي في أما هذه فقال:
стр. 553
وأية كلمة في حكم شرط .... وجاك جوابها ينيبك عنها
وقد جمعوا حروف الشرط عدا ... وما عدت لعمر أبيك منها
قوله: (ولذلك يجاب بالفاء) قالي الشيخ أكمل الدين: استدلاله على تضمنه معنى الشرط بدخول الفاء في جوابه فيه نظر لأن دخوله بعد كونه للشرط فلا يكون علة له، قال: والجواب: أن معنى الشرط علة للدخول والدخول دليل عليه فاختلفت جهة التوقف.
قوله: (وفي تصدير الجملتين به إحماد). قال الطيبي. ليس من أحمدته أي صادفته محموداً. وإنما هو من أحمدت صنيعه وأحمدت الأرض رضيت سكناها وجاورته فأحمدت جواره.
قاله في الأساس في قسم المجاز، وقيل: حكم بكونه محموداً كالإكفار حكم بكونه كافرا.
قوله. (والضمير في أنه للمثل أو لأن يضرب). قال أبو حيان: الاظهر الأول. كقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ فميز المشار إليه بالمثل والتقسيم ورد عدد شيء واحد فظهر أنه عائد على المثل.
قوله: (وذا بمعنى الذي وما بعده صلته).
قال أبو حيان: والعائد محذوف إذ فيه شرط جواز الحذف والتقدير
стр. 554
ما الذي أراده الله.
قوله: (والمجموع خبر ما) قال الشيخ سعد الدين: بإطباق النحاة وإن كان المبتدأ نكرة والخبر معرفة.
قوله (ليطابق الجواب السؤال) أي: في كونه جملة اسمية على الأول وفعلية على الثاني.
قوله (والإرادة نزوع النفس) إلى آخره ذكر الإماء أنه لا حاجة إلى تعريف الإرادة، لأنها من الضروريات فإن الإنسان يدرك بالبديهة التفرقة بين إرادته وعلمه وقدرته وألمه ولذته، ثم حدها بأنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الأخر لا في انوقوع بل في الإيقاع. قال: واحترزنا بهذا القيد الأخير عن القدرة.
قوله: (فقيل: إرادته لأفعاله أنه غير ساه) إلى أخره.
هذا قول النجار، من المعتزلة. فالإرادة عنده من الصفات السلبية لا الثبوتية.
قوله: (وقيل: علمه باشتمال الأمر) إلى آخره. هذا رأي الجاحظ والكعبي وأبي الحسن البصري منهم.
стр. 555
((قوله: والحق أن ترجيح أحد مقدوريه على الأخر، وتخصيصه بوجه دون وجه)) إلى آخره. هذا رأي الأشاعرة، فهي صفة ذاتية قديمة زائدة على العلم. (وقوله: بوجه دون وجه: إحتراز عن القدرة، فإنها لا تخصص الفعل ببعض الوجوه بل هي موجدة للفعل مطلقا.
قوله: (ومثلا: نصب على التمييز).
قال الشيخ سعد الدين: قد كثر في الكلام التمييز عن الضمير، وقد يكون في اسم الإشارة وتمامها بنفسها من جهة أنه تمتنع إضافتها وذلك إذا كانا مبهمين لا يعرف المقصود بهما، مثل ياله رجلا ويالها من قصة ويالك من ليل، ونعم رجلا وأشباه ذلك.
والعامل هو الضمير واسم الإشارة، فقد جوزوا إعمالها كما في سائر الأسماء الجامدة المبهمة التامة بالتنوين ونحوه. وأما إذا كان المرجع والمشار إليه معلوما كما في قولنا: جاءني رجل فلله دره رجلا، ويالك رجلا، في الخطاب المعين، وقال الله عز قائلا أو من قاتل، ولقيت زيدا قاتله الله شاعراً، وانتفع بهذا سلاحا، فالتمييز عن النسبة وهو نفس المنسوب إليه، كما في قولك: كفى بزيد رجلا، ويلم أيام الشباب معيشة وأمثال ذلك. ومعلوم أن هذا في الآية إشارة إلى المثل، فالتمييز على النسبة، وهي: نسبة التعجب والإنكار إلى المشار إليه. وقال أبو حيان: انتصاب مثلا على التمييز أي من مثل. وهو المختار. وجاء على معنى التوكيد لأنه
стр. 556
من حيث أشير إليه علم أنه مثل، فجاء التمييز بعده مؤكدا للاسم الذي أشير إليه.
قوله: (أو الحال، كقوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ قال أبو حيان: هو حال من اسم الإشارة أي: ممثلا به، والعامل فيه اسم الإشارة.
وقال الشيخ سعد الدين: ذو الحال هو اسم الإشارة وأما العامل: فهو الفعل. كما في قولك: لقيت هذا فارسا إلى زيد، ولا حاجة إلى جعل العامل اسم الإشارة وذي الحال الضمير المجرور الذي في أشير إليه مثلا، وعلى هذا فالتمثيل بقوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ في مجرد أن الحال اسم جامد، وإلا ففي الآية العامل في الحال اسم الإشارة. مثل: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ انتهى.
وجوز أبو البقاء، أن يكون صاحب الحال اسم الله أي: متمثلا. ثم قال الشيخ سعد الدين: وإيقاع مثلا تمييزاً أو حالا من هذا. يشعر بأنه إشارة إلى المثل لا إلى ضرب المثل على ما هو أحد محتملي الضمير في أنه الحق.
قوله: (أو بيان للجملتين) إلى آخره، قال الطيبي: كلتا الجملتين مشتملة على الكثرة وعلى معنى الضلالة والهدى، وبين قوله: (يعلمون أنه الحق من ربهم، ويقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) فبين بقوله: (
стр. 557
يضل) إلى آخره ذلك وكشف المعنى.
قوله: (قليل إذا عدوا كثير إذا شدوا).
هو للمتنبي من قصيدة يمدح بها على بن يسار وقبله:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مزد
ثقال/ إذا لالقوا خفاف إذا دعوا
قوله:
إن الكرام كثير في البلاد وإن .... قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا
قوله: قال رؤبة: فواسقا عن قصدها جوائرا
أوله: يذهبن في نجد وغورا غابرا.
يصف نوقا يمشين في المفاوز ويذهبن عن استقامة الطريق غورا عطف على محل الجار والمجرور. فواسقا: خوارجا. والقصد الطريق المستقيم. وجوائرا: من جار عن القصد، عدل عنه. قال ابن الأعرابي: لم يسمع قط في كلام الجاهلية، ولا في أشعارهم فاسق.
стр. 558
وهذا عجيب وأنه كلام عربي.
قوله: (التغابي) بالغين المعجمة والموحدة، من تغابي: أي تغافل.
قوله: (واستعماله في إبطال العهد من حيث أن العهد يستعار له الحبل).
قال الطيبي: أي لما سمعوا العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، كما في قولهم: إن بيننا وبين القوم حبالا، أي عهدا، جسروا أن يستعملوا النقض في إبطال العهد، وذلك: أنه شبه العهد بالحبل لما فيه من ثبات الوصلة تشبيها بليغا حتى إنه حبل من الحبال، ثم أخذ الوهم في تصويره بصورة الحبل وتخييله بالحبل واختراع ما يلازم الحبل من النقض (ثم إطلاق النقض) المحقق على ذلك المخترع على سبيل الاستعارة التخييلية ثم إضافته إلى العهد المتخيل لتكون قرينة مانعة، من إرادة المعنى الحقيقي ولو لم يذكر النقض لم يعلم أن العهد مكان الاستعارة. فما، في قوله: (ما هو من روادفه) واقعة على النقض، والضمير في روادفه للحبل.
وقال الشيخ سعد الدين: يعني أنه استعارة بالكناية، حيث سكت عن الحبل المستعار، ونبه عليه بذكر النقض، حتى كأنه قيل: ينقضون حبل الله أي عهده. والنقض استعارة تحقيقية تصريحية حيث شبه إبطال
стр. 559
العهد بإبطال تأليف الجسم وأطلق اسم المشبه به على المشبه لكنها إنما جازت وحسنت بعد اعتبار تشبيه العهد بالحبل، فهذا الاعتبار صار قرينة على استعارة الحبل للعهد قال: وبهذا ظهر أن الاستعارة بالكناية قد توجد بدون التخييلية، وإن قرينتها قد تكون استعارة تحقيقية.
قوله: (والعهد الموثق)، بفتح الميم مصدر، بمعنى الوثوق أو اسم موضع، أي موضع الوثوق. قاله القطب.
قوله: (وهذا العهد إما العهد المأخوذ بالعقل) إلى آخره.
الذي اختاره ابن جرير، القول الثاني وأنها نزلت (في منافقي) أهل الكتاب.
قوله: (الضمير للعهد) منهم من رجعه إلى الله تعالى.
فعلى الأول: هو من إضافة المصدر إلى المفعول.
وعلى الثاني: من إضافته إلى الفاعل. قاله أبو البقاء.
قوله: (ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر) هذا ذكره الزمخشري وتبعه أبو البقاء. ورد بأن النحويين لم يذكروا مفعالا في صيغ المصادر، حتى إن أبا العباس ابن الحاج وابن مالك لم يذكرا ذلك مع أنهما من أكثر الناس استيعابا للأبنية المصادر. وأصل مفعال أن يكون وصفا كمطعام ومسقام. قال ابن عقيل: ويجوز حمل كلام الزمخشري
стр. 560
على إرادة أنه اسم واقع موقع المصدر كعطاء، وبه صرح ابن عطية.
قوله: (يحتمل كل قطيعة) إلى آخره. قال ابن جرير - بعد حكايته- هذا المذهب غير بعيد من الصواب إلا أن الله تعالى قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه فوصفهم بقطع الأرحام، فهذه: نظير تلك، غير أنها وإن كانت كذلك، فهي دالة على ذم الله تعالى كل قاطع قطع ما أمر الله بوصله رحما أو غيره.
قوله: (وبه سمى الأمر الذي هو أحد الأمور). قال الطيبي: أي القصد والشأن، لأن الأمر المصطلح عليه جميعه أوامره.
قوله: (وأن يوصل) يحتمل النصب والخفض)، زاد أبو البقاء، والرفع على تقدير المبتدأ أي: هو.
قوله: (واشتراء النقض بالوفا)، قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى أنهم جعلوا بإطلاق الخاسرين عليهم بمنزلة التاجرين على طريق الاستعارة المكنية حيث استبدلوا شيئا يشيء.
قوله: (بإنكار الحال) إلى آخره، يعني: أن كيف سؤال عن الحال فيكون إنكارا لحال الكفر، وهو ليس بمطلوب.
والمطلوب: إنكار الكفر. وحاصل الجواب أن إنكار حال الكفر إنكار الكفر بطريق برهاني.
لأن كل شيء يوجد لا ينفك من حال. فالحال من لوازم الشيء، وإذا نفى اللازم انتفى الملزوم قطعا.
стр. 561
فهو كقولك: ليس بكثير الرماد كناية عن ليس بمضياف قال الطيبي: عن الزمخشري أنه قال في الفرق بين الهمزة وكيف أن كيف سؤال تفويض لإطلاقه فكأن الله فوض الأمر إليهم في أن يجيبوا بأي شيء أجابوا، ولا كذلك الهمزة، فإنه سؤال حصر وتوقيت.
فإنك تقول: أجاءك راكبا أم ماشيا فتوقت وتحصر: ومعنى الإطلاق، قال صاحب المفتاح: كيف: سؤال عن الحال. وهو ينتظم الأحوال كلها، والكفار حين صدر الكفر عنهم لابد من أن يكونوا على أحد الحالتين، إما عالمين بالله تعالى وإما جاهلين به. فإذا قيل: كيف تكفرون بالله، أفاد، أفي حال العلم تكفرون بالله تعالى أم في حال الجهل؟ هذا معنى التفويض في الآية.
قوله: (أو مع القبيلين) عطف على قوله: مع الذين كفروا.
قوله: (النعم العامة) هي خلق ما في الأرض لهم، والخاصة بهم: إحياءهم بعد الموت.
قوله: (وما يعم كل ما في الأرض) لا الأرض إلى آخره.
أقول: بل تعم الأرض على وجه آخر عربي بليغ، وهو الاستغناء بالمضاف عن المضاف إليه مع إرادته، كقولهم: راكب الناقة طليحان، أي الناقة وراكبها، فثنى الخبر على اعتبار المضاف والمضاف إليه معا، ذكره في التسهيل وغيره، وكذلك الآية، فقوله: ما في الأرض في تقدير الأرض وما فيها.
стр. 562
قوله: (وجميعا: حال عن الموصول الثاني): في الحاشية المشار إليها: هذا جواب على تقدير سؤال، هل أريد بالتوكيد توكيد الضمير الذي في ((لكم)) وهو معمول الموصول الأول أي خلق لكم جميعا ما في الأرض؟. أو أريد توكيد الموصول الثاني؟ وهو: ما. فاختار أن يكون توكيداً للموصول الثاني لقربه، ولأن المنة بتعد يد النعم أظهر من المنة بتعديد المنعم عليهم، لأن تعداد النعم يتصل إلى كل واحد واحد.
ولأن سياق الآيات إنما هو في تعداد النعم، ولهذا قال بعد هذا: ثم استوى إلى السماء فسواهن. وقال أبو حيان: انتصب جميعا على الحال من المخلوق، وهي حال مؤكدة، لأن لفظ ما في الأرض: عام. ومعنى جميعا: العموم فهو مرادف من حيث المعنى للفظة كل، كأنه قيل: ما في الأرض كله.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (قصد إليها) إلى آخره.
قال الطيبي: في الأساس: ومن المجاز: استويت إليك قصدتك قصداً لا ألوى على شيء، ولما لم يكن في الاعتدال والاستقامة التواء سمي به القصد المستوى مجازاً بقرينة التعدية بإلى، ثم شبه بهذا القصد الذي يختص بالأجسام إرادته الخاصة تعالى عن صفات المخلوقين، ثم استعير لها ما كان مستعملا في المشبه به استعارة مصرحة تبعية.
وفى الحاشية المشار إليها: الاستواء حقيقة الاعتدال والاستقامة وتمام الخلق والقوى. ومنه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ فأذا أطلق
стр. 563
في حق الباري تعالى: استحال إرادة الحقيقة فتعين حمله على المجاز. وله طريقان، أحدهما: استعمال الاستواء بمعنى الاستيلاء. قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق .... من غير قهر ودم مهراق
وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ حيث وقع.
والثانية: القصد المستوى إلى الشيء من غير تعريج على غيره مأخوذ من: استوى السهم، وعلامة هذا المجاز: أن يعدى بإلى والأول يعدى بعلى، وعلى الثاني: يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ لاستحالة إرادة الحقيقة، والمجاز الأول.
قوله: (والمراد بالسماء: هذه الأجرام العلوية، أو جهات العلو).
قال الطيبي: إنما عدل إلى هذا التأويل لفقدان المطابقة بين ذكر السماء والضمير في فسواهن إفرادا وجمعا.
فاصل الكلام حينئذ: ثم استوى إلى فوق فسوى سبع سموات: ألا ترى حين جعل السماء في معنى الجنس أو الجمع كيف جعل الضمير
стр. 564
للسماء لحصول المطابقة. فإذن المعنى على التقديرين الأخيرين ثم أراد تسوية السموات فسواهن سبعا. كقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، لكن الأول أقضى لحق البلاغة ومقام إرادة تفضيل خلق السموات على الأرض بدليل
إيثار (ثم) الدالة على التراخي في الرتبة أدعى له فإفراد السماء لإرادة جهة فوق مؤذن بالتفضيل إذ التعبير عنها بها تعظيم لها مع أن في تصوير الفوقية في هذا الجانب تصوير ضدها فيما يقابلها ولرتبة هذه الفائدة أبهم ضمير السموات ليشوق إلى ما يبينه ثم جيء بها مفسرا له فحصل من ذلك مزيد التفخيم لشأنها، وإن شئت فجرب ذوقك في قولك: ربه رجلا وقولك: رب رجل لتعرف الفرق، وليس في إرادة الجنسية تلك الفوائد ولا الجمعية مع أن تلك لغة غير فصيحة. وأما الفرق بين النصبين: فإن الضمير في فسواهن إذا رجع إلى السماء على المعنى، كان سبع سموات حالا، أي فسواهن كائنة سبع سموات أو سبع سموات متعددة على أنها حال موطنة نحو: ﴿أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وإذا كان الضمير مبهما، كان سبع سموات نصبا على التفسير والتمييز، نحو ربه
стр. 565
رجلا نص على هذين النصبين في سورة حم السجدة، وقال الشيخ سعد الدين: إثبات الجهات العلوية والسفلية: والأيام الستة أو الأربعة قبل خلق السماء والأرض مبنى عدى التقدير والتمثيل، ولا أرى باعثا على تفسير السماء بالجهات العلوية بعدما فسر الاستواء بالقصد إليها بمشيئته وإرادته، وهذا لا يقتضي سابقة الوجود.
فلم يجعل ضمير فسواهن عائداً إليها باعتبار كونها عبارة عن الجهات، بل جعله مبهما مفسرا بسبع سموات مثل ربه رجلا ونعم رجلا، وفيه من التفخيم والتشويق والإبهام والتفسير والتمكن في النفس ونحو ذلك مالا يخفي، دون أن يجعل الضمير للسماء لكونها في معنى الجنس أو لكونها جمع سماة، فإن الجمعية لم تثبت والجنسية لم تكن كافية في عود ضمير الجمع المؤنث إليه مع فوات ما في الإبهاء ثم التفسير. انتهى.
قوله: (وثم) لعله لتفاوت هذين الخلقين) قال أبو حيان: في القدر والعظم.
قوله: (لا للتراخي في الوقت).
قال أبو حيان: لأنه لا زمان إذ ذاك.
قال: وقيل: لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال من جعل الرواسي والبركة فيها وتقدير الأقوات عطف بثم لما بين خلق الأرض
следующие страницы →