← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فهو كقولك: ليس بكثير الرماد كناية عن ليس بمضياف قال الطيبي: عن الزمخشري أنه قال في الفرق بين الهمزة وكيف أن كيف سؤال تفويض لإطلاقه فكأن الله فوض الأمر إليهم في أن يجيبوا بأي شيء أجابوا، ولا كذلك الهمزة، فإنه سؤال حصر وتوقيت. فإنك تقول: أجاءك راكبا أم ماشيا فتوقت وتحصر: ومعنى الإطلاق، قال صاحب المفتاح: كيف: سؤال عن الحال. وهو ينتظم الأحوال كلها، والكفار حين صدر الكفر عنهم لابد من أن يكونوا على أحد الحالتين، إما عالمين بالله تعالى وإما جاهلين به. فإذا قيل: كيف تكفرون بالله، أفاد، أفي حال العلم تكفرون بالله تعالى أم في حال الجهل؟ هذا معنى التفويض في الآية. قوله: (أو مع القبيلين) عطف على قوله: مع الذين كفروا. قوله: (النعم العامة) هي خلق ما في الأرض لهم، والخاصة بهم: إحياءهم بعد الموت. قوله: (وما يعم كل ما في الأرض) لا الأرض إلى آخره. أقول: بل تعم الأرض على وجه آخر عربي بليغ، وهو الاستغناء بالمضاف عن المضاف إليه مع إرادته، كقولهم: راكب الناقة طليحان، أي الناقة وراكبها، فثنى الخبر على اعتبار المضاف والمضاف إليه معا، ذكره في التسهيل وغيره، وكذلك الآية، فقوله: ما في الأرض في تقدير الأرض وما فيها.

стр. 562

قوله: (وجميعا: حال عن الموصول الثاني): في الحاشية المشار إليها: هذا جواب على تقدير سؤال، هل أريد بالتوكيد توكيد الضمير الذي في ((لكم)) وهو معمول الموصول الأول أي خلق لكم جميعا ما في الأرض؟. أو أريد توكيد الموصول الثاني؟ وهو: ما. فاختار أن يكون توكيداً للموصول الثاني لقربه، ولأن المنة بتعد يد النعم أظهر من المنة بتعديد المنعم عليهم، لأن تعداد النعم يتصل إلى كل واحد واحد. ولأن سياق الآيات إنما هو في تعداد النعم، ولهذا قال بعد هذا: ثم استوى إلى السماء فسواهن. وقال أبو حيان: انتصب جميعا على الحال من المخلوق، وهي حال مؤكدة، لأن لفظ ما في الأرض: عام. ومعنى جميعا: العموم فهو مرادف من حيث المعنى للفظة كل، كأنه قيل: ما في الأرض كله. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (قصد إليها) إلى آخره. قال الطيبي: في الأساس: ومن المجاز: استويت إليك قصدتك قصداً لا ألوى على شيء، ولما لم يكن في الاعتدال والاستقامة التواء سمي به القصد المستوى مجازاً بقرينة التعدية بإلى، ثم شبه بهذا القصد الذي يختص بالأجسام إرادته الخاصة تعالى عن صفات المخلوقين، ثم استعير لها ما كان مستعملا في المشبه به استعارة مصرحة تبعية. وفى الحاشية المشار إليها: الاستواء حقيقة الاعتدال والاستقامة وتمام الخلق والقوى. ومنه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ فأذا أطلق

стр. 563

في حق الباري تعالى: استحال إرادة الحقيقة فتعين حمله على المجاز. وله طريقان، أحدهما: استعمال الاستواء بمعنى الاستيلاء. قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق .... من غير قهر ودم مهراق وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ حيث وقع. والثانية: القصد المستوى إلى الشيء من غير تعريج على غيره مأخوذ من: استوى السهم، وعلامة هذا المجاز: أن يعدى بإلى والأول يعدى بعلى، وعلى الثاني: يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ لاستحالة إرادة الحقيقة، والمجاز الأول. قوله: (والمراد بالسماء: هذه الأجرام العلوية، أو جهات العلو). قال الطيبي: إنما عدل إلى هذا التأويل لفقدان المطابقة بين ذكر السماء والضمير في فسواهن إفرادا وجمعا. فاصل الكلام حينئذ: ثم استوى إلى فوق فسوى سبع سموات: ألا ترى حين جعل السماء في معنى الجنس أو الجمع كيف جعل الضمير

стр. 564

للسماء لحصول المطابقة. فإذن المعنى على التقديرين الأخيرين ثم أراد تسوية السموات فسواهن سبعا. كقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، لكن الأول أقضى لحق البلاغة ومقام إرادة تفضيل خلق السموات على الأرض بدليل إيثار (ثم) الدالة على التراخي في الرتبة أدعى له فإفراد السماء لإرادة جهة فوق مؤذن بالتفضيل إذ التعبير عنها بها تعظيم لها مع أن في تصوير الفوقية في هذا الجانب تصوير ضدها فيما يقابلها ولرتبة هذه الفائدة أبهم ضمير السموات ليشوق إلى ما يبينه ثم جيء بها مفسرا له فحصل من ذلك مزيد التفخيم لشأنها، وإن شئت فجرب ذوقك في قولك: ربه رجلا وقولك: رب رجل لتعرف الفرق، وليس في إرادة الجنسية تلك الفوائد ولا الجمعية مع أن تلك لغة غير فصيحة. وأما الفرق بين النصبين: فإن الضمير في فسواهن إذا رجع إلى السماء على المعنى، كان سبع سموات حالا، أي فسواهن كائنة سبع سموات أو سبع سموات متعددة على أنها حال موطنة نحو: ﴿أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وإذا كان الضمير مبهما، كان سبع سموات نصبا على التفسير والتمييز، نحو ربه

стр. 565

رجلا نص على هذين النصبين في سورة حم السجدة، وقال الشيخ سعد الدين: إثبات الجهات العلوية والسفلية: والأيام الستة أو الأربعة قبل خلق السماء والأرض مبنى عدى التقدير والتمثيل، ولا أرى باعثا على تفسير السماء بالجهات العلوية بعدما فسر الاستواء بالقصد إليها بمشيئته وإرادته، وهذا لا يقتضي سابقة الوجود. فلم يجعل ضمير فسواهن عائداً إليها باعتبار كونها عبارة عن الجهات، بل جعله مبهما مفسرا بسبع سموات مثل ربه رجلا ونعم رجلا، وفيه من التفخيم والتشويق والإبهام والتفسير والتمكن في النفس ونحو ذلك مالا يخفي، دون أن يجعل الضمير للسماء لكونها في معنى الجنس أو لكونها جمع سماة، فإن الجمعية لم تثبت والجنسية لم تكن كافية في عود ضمير الجمع المؤنث إليه مع فوات ما في الإبهاء ثم التفسير. انتهى. قوله: (وثم) لعله لتفاوت هذين الخلقين) قال أبو حيان: في القدر والعظم. قوله: (لا للتراخي في الوقت). قال أبو حيان: لأنه لا زمان إذ ذاك. قال: وقيل: لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال من جعل الرواسي والبركة فيها وتقدير الأقوات عطف بثم لما بين خلق الأرض

стр. 566

والاستواء، من تراخ. قوله: (فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ أخف من قول الكشاف: يناقض. ففي الحاشية المشار إليها أنه مأخوذ عليه لما فيه من سوء الأدب في إيراد السؤال. واللائق أن يقول: ما وجه الجمع بين ذا وذاك؟ قوله: (فإنه يدل على تأخير دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء). قال الشيخ سعد الدين: الجواب بأن يقدم خلق جرم الأرض على خلق السماء لا ينافي تأخر دحوها عنه ليس على ما ينبغي، لأن ثم تدل على تأخر خلق السماء عن خلق ما في الأرض من عجائب الصنع حتى أسباب اللذات والآلام وأنواع الحيوانات حتى الهوام، لا عن مجرد خلق جرم الأرض. وسيذكر في حم السجدة ما يدل على تأخر إيجاد السماء عن خلق الأرض ودحوها جميعا حتى قيل: إنه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ثم خلق السماء وما فيها في يومين، وكثير ذلك في الروايات فلا يفيد حمل ثم على تراخي الرتبة إلا أن يعول على رواية كون إيجاد السماء مقدما على إيجاد/ الأرض فضلا عن دحوها، على ما روى عن مقاتل، والأوجه، أن يحام حول تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ

стр. 567

بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. انتهى. وقال الإمام: ثم هنا من جهة تعديد النعم، كما تقول لصاحبك: أليس قد منحتك هذا ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فثم على هذا مجاز، لمجرد التعاقب. قلت: أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم، والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سعيد بن جبير، قال جاء رجل إلى ابن عباس ﵄، فقال: أرأيت أشياء تختلف على من القرآن؟ قال: هات ما اختلف عليك من ذلك، قال أسمع الله تعالى يقول: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ حتى بلغ: ﴿طَائِعِينَ﴾ فبدأ بخلق الأرض في هذه الآية قبل خلق السماء، ثم قال في الآية الأخرى: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فبدأ بخلق السماء في هذه الآية قبل خلق الأرض، فقال: ابن عباس: أما قوله: خلق الأرض في يومين، فإن الأرض خلقت قبل السماء، فكانت السماء دخانا فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض، فقال ابن عباس

стр. 568

: أما قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، يقول: جعل فيها، جبلا وجعل فيها نهرا، وجعل فيها، وجعل فيها شجرا، وجعل فيها بحوراً. وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس، أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السموات والأرض، فقال: ((خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الماء والشجر والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة أيام، فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة)) الحديث. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال، خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ

стр. 569

فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. قوله: (وهن، ضمير السماء إن فسرت بالأجرام، لأنه: جمع. قال الزجاج: وأحدها سماة. وقيل: سماوة. وقوله: (أو في معنى الجمع) قال أبو حيان: أي اسم جنس يصدق إطلاقه على المفرد والجمع، ويكون مرادا به هنا الجمع. قوله: (وإلا فمبهم يفسره ما بعده، كقوله: ربه رجلا). قال أبو حيان: الضمير الذي يفسره ما بعده عندهم منحصر في ضمير الشأن، ومرفوع باب نعم، والمرفوع بأول المتنازعين، والمجرور برب والمجعول خبره مفسرا له كقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ والمبدل منه مفسره وما ذكره الزمخشري ليس واحدا منها، إلا أن يجعل سبع سموات بدلاً، وهو الذي يقتضيه تشبيهه بربه رجلا، فإنه ضمير مبهم: ليس عائدا على شيء قبله لكنه يضعف أيضا لعدم ارتباطه بما قبله ارتباطا كليا لاقتضائه أنه أخبر بأخبارين، أحدهما أنه استوى إلى السماء، والآخر أنه سوى سبع سموات. والظاهر أن الذي استوى إليه هو بعينه المسوى. وقال السفاقسي: الظاهر أنه قصد البدلية، لأنه فسر سوى بمعنى عدل وقوم، فيتعدى إلى واحد، فيتعين أن يكون سبع سموات بدلاً منه، ولولا ذلك لجاز أن يكون عنده بمعنى صيره ويكون المفعول الثاني مفسرا له لأنه خبر المبتدأ في الأصل فرجع إلى المبتدأ الذي يفسره الخبر

стр. 570

وقوله: (هو الذي: يقتضيه تشبيهه بربه رجلا وأنه ضمير مبهم، هذا لا يقتضي إلا التفسير لا البدلية، وقوله، لكنه يضعف لعدم ارتباطه، بل هو مرتبط، لأنه فسر السماء بالعلو والاستواء بالقصد، قال: كأنه قيل: استوى إلى فوق، ثم عطف عليه، فسواهن على معنى السببية: أي لما قصد إلى العلو سوى سبع سموات، وليس الذي استوى إليه بعينه هو المسوى. انتهى. قوله: سبع سموات؛ بدل أو تفسير، قال أبو حيان: أعرب بعضهم سبع سموات بدلاً من الضمير على أن الضمير عاند على ما قبله. وهو صحيح. نحو أخوك مررت به زيد. قال: وأجازوا أن يكون مفعولا ثانيا لسوى ويكون بمعنى صير. وجعله بمعنى صير ليس بمعروف في اللغة. قوله: (أليس إن أصحاب الهيئة أثبتوا تسعة أفلاك)؟ قال الإمام: هي كرة القمر، ثم كرة عطارد ثم كرة الزهرة، ثم كرة الشمس، ثم كرة المريخ، ثم كرة المشترى، ثم كرة زحل والفلك الثامن الذي حصلت الكواكب فيه. والتاسع الفلك الأعظم، وهو يتحرك كل يوم وليلة على التقريب دورة واحدة. قوله: (قلت: فيما ذكروه شكوك) . أقول: هذه الأمور لا يجوز التعويل عليها لأنها أخبار صدرت عن فلاسفة اليونان في أحوال الملكوت الأعلى بغير علم، ولم يرد عن أحد من الأنبياء خبر يصدق شيئا منها.

стр. 571

وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قوله: (وبنيتا لشبههما بالموصولات). قلت: الأولى: أن يقال: لشبههما بالحروف في الافتقار إلى جملة كالموصولات، لأن مدار علة البناء على شبه الحروف، ويريد أن شبههما بالحروف في الوضع. قوله: (واستعملتا للتعليل والمجازاة)، قلت: هو لف ونشر مجمل، فإن إذ هي التي تستعمل للتعليل وإذا هي التي تستعمل للمجازاة، ولا يعرف ورود إذ للمجازاة، ولا إذا التعليل. وقد راسلني الخطيب عند كتابته على هذا المحل، فأجبته بذلك. وأنكر أبو حيان ورود إذ للتعليل ألبتة، وقال ابن هشام في المغني: الجمهور لا يثبتونه. وقال في إذا: إنها لا تعمل الجزم إلا في الضرورة. قوله: (ومحلهما النصب أبدأ بالظرفية): قال الطيبي: فيه نظر، لأن إذ قد تقع اسما نحو: إذ يقوم زيد. وقال ابن هشام في المغني: إن لها أربعة استعمالات، أحدها أن تكون ظرفا. وهو الغالب والثاني أن يكون مفعولا به، نحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ والغالب على المذكورة في أوائل القصص في التنزيل أن يكون مغعولا به

стр. 572

بتقدير اذكر نحو: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾، ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ وبعض المعربين يقول في ذلك: إنه ظرف لأذكر محذوفا وهذا وهم فاحش، لاقتضائه حينئذ الأمر بالذكر في ذلك الوقت، مع الأمر للإستقبال وذلك الوقت قد مضى قبل تعلق الخطاب بالمكلفين منا، وإنما المراد ذكر الوقت نفسه، لا الذكر فيه. والثالث: أن تكون بدلا من المفعول، نحو: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ فإذ: بدل اشتمال من مريم. والرابع: أن يكون مضافا إليها اسم زمان صالح للحذف، نحو: (يومئذ، وحينئذ) أو غير صالح له، نحو (إذ هديتنا). وزعم الجمهور: أن إذ لاتقع إلا ظرفا أو مضافا إليها، وأنها في نحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ ظرف لمفعول محذوف نحو. (واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم قليلا) وقال في إذا: الجمهور: على أن إذا لا تخرج عن الظرفية، وزعم أبو الحسن: أنها تجر بحتي، وزعم أبو الفتح: أنها تقع مبتدأ وخبرا. وزعم ابن مالك: أنها تقع

стр. 573

مفعولاً، وزعم أخرون أنها تقع في موقع جر بدلاً. قوله: (وأما قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ ونحوه: فعلى تأويل، اذكر الحادث إذ كان كذا، فحذف الحادث واقيم الظرف مقامه). في الحاشية المشار إليها: استشكل بعض المتأخرين ورود الأمر بذكر الأوقات، لا بذكر نفس ما جرى في الوقت. وكأنه يقول أي فائدة في تذكار ذلك الزمان؟ وأجيب عنه: بأن الشيء بالشيء يذكر، وقد يعظم الزمان بعظم ما يقع فيه ويشرف بشرفه. أما الأول: فكقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ والعابس أهله. وأما الثاني: فقال العلماء: إنما شرف شهر رمضان وليلة القدر والأيام المعلومات: بشرف الأعمال الواقعة فيها. فلذلك أمر بذكر الوقت، لأنه: عظم وشرف بما وقع فيه. قال: واعلم أن مسائل إذ متى أمكن أن يعمل فيها لفظ موجود وتبقى على الظرفية كان خيراً من أن يضمر لها فعلا ويجعلها مفعولا،

стр. 574

لأمرين: أحدهما: أن الإضمار خلاف الأصل. والثاني: أن جعلها من الظروف المتصرفة على خلاف قواعد النحاة. وقوله: (وعامله في الآية: قالوا: أو اذكر على التأويل المذكور) قال الطيبي: الثاني أوجه، لأن تقدير أذكر: يقتضي تذكيرا متجددا، فيكون كقصة مستقلة، ولا كذلك العطف، فيكون قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ تذكيرا لدلائل الأفاق، وهذه لدلائل الأنفس. وقال الشيخ سعد الدين: الأحسن أن يجعل هذا الأمر على تقدير، واذكر عطفا على محذوف قبله، أي أشكر النعمة في خلق الأرض والسماء، واذكروا ما، على تقدير انتصابه بقالوا: فهو ظرف، والجملة بما فيها عطف على ما قبلها، عطف القصة على القصة من غير التفات إلى ما فيها من الجمل إنشاء وأخبارا، ولهذا جعل صاحب الكشاف الوجه الأول أرجح، يعنى: كونه بإضمار اذكر. وقال أبو حيان، ذكروا في إعراب إذ هنا: ثمانية أقوال، ينزه عنها كتاب الله، والذي تقتضيه العربية نصبه بقوله: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ أي: وقت قول الله للملائكة ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ كما تقول: إذ جنتني أكرمك أي وقت مجيئك أكرمك، فهذا: وجه حسن سهل واضح قوله: (أو مضمر دل عليه مضمون الآية المتقدمة مثل وبدأ

стр. 575

خلقكم إذ قال) قال أبو حيان: هذا القول لا تحرير فيه. لأن ابتداء خلقنا: لم يكن وقت قول الله للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، لأن الفعل العامل في الظرف: لابد أن يقع، أما أن يسبقه أو يتأخر عنه فلا، لأنه: لا يكون له ظرفا. قوله: (وعن معمر، أنه مزيدا). قلت. هو أبو عبيدة معمر المثنى الإمام المشهور صاحب مجاز القرآن وغيره من المصنفات، توفى سنه تسع ومائتين، وقيل: بعد ذلك. قوله: (والملائكة جمع ملأك على الأصل) قال الطيبي: أي أصله: ملأك بالهمزة ثم ترك الهمزة لكثرة الاستعمال فلما جمعوه ردوه إلى الأصل. قوله: (والتاء لتأنيث الجمع) قال الشيخ سعد الدين: معناه لتأكيد تأنيث الجماعة، وعبارة المفصل: لتأكيد معنى الجمع. قوله: (وهو مقلوب مألك) في الحاشية المشار إليها: لفظ الملك مشتق من الألوكة، وهي الرسالة. ويقال لها: مألكة، فالأصل فيه مألك ثم قلب فصار ملأكا على وزن مفعل، ثم خفف بعد قلبه ونقلت حركة الهزة إلى اللام، فصار ملكا على وزن فعل، فكان قياس هذا أن يجمع على أفعال كجملة وأجمال وفرس وأفراس، لكنهم راعوا الأصل الثاني وهو ملأك، أعني بعد القلب وقبل أن يخفف فجمع على قياس نظائره.

стр. 576

فقوله: جمع على الأصل: لا يريد به الأصل الأول قبل القلب، وإلا كان قياسه: مألك. كمأدبة ومأدب، لكن يريد به ما تأصل بعد قلبه، وقبل تخفيفه. قوله: (من الألوكة. تصريح بأن ميمه زائدة، وهو رأي الجمهور، وذهبت طائفة إلى أنها أصلية، ثم اختلفوا هل هو من الملك بالفتح وهو القوة لقوتهم، أو من الملك بالكسر فهو فعل بمعنى مفعول، لأنهم مملوكون لله، قولان. وأحسن من الجميع قول النضر بن شميل: إنه غير مأخوذ من شيء. قال: إن العرب لا تشتق فعله وتصرفه وهو مما فات علمه. قوله: (وجاعل من جعل الذي له مفعولان) زاد في الكشاف: ومعناه، مصير. قوله: (ويجوز أن يكون بمعنى خالق) قال أبو حيان: فيتعدى إلى واحد، قال: وهذا القول عندي أجود لأنهم قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها، فظاهر هذا أنه مقابل لقوله: ﴿جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فلو كان الجعل الأول على معنى التصيير/ لذكره ثانيا فكان (أتجعل فيها خليفة من يفسد فيها) وإذا لم يأت كذلك كان معنى الخلق أرجح ولا احتياج إلى تقرير خليفة لدلالة ما قبله عليه. قوله: (والمراد به آدم ﵊. الراغب: إنما استخلف الله تعالى آدم: لقصور المستخلف عليه أن يقبل التأثير) من المستخلف، وذلك ظاهر كأن السلطان جعل الوزير بينه وبين رعيته إذ هم أقرب إلى قبولهم منه، وكذا الواعظ جعل بين

стр. 577

العامة والعلماء الراسخين فإن العامة أقبل منه من العالم الراسخ، وليس ذلك لعجزه، بل لعجز العامة عن القبول منه. قوله: (تعجب من أن يستخلف) قال الطيبي: أي ولدت الهمزة معنى التعجب لأنه لا يجوز أن يحمل على الإنكار لأنه لا يتصور من الملائكة. قوله: (من سبح في الأرض والماء، الراغب: التسبيح أصله: من السبح وهو سرعة الذهاب في الماء، واستعير لجري النجوم في الفلك ولجري الفرس. قوله: (وبحمدك في موضع الحال)، قال أبو حيان: وهي حال متداخلة لأنها حال في حال. وقال ابن الشجري: إن شئت علقت الباء بالتسبيح، أي: نسبح بالثناء عليك، وإن شئت قدرت نسبح متلبسين بحمدك. قوله: (أي متلبسين بحمدك على ما أهلتنا لمعرفتك ووفقتنا لتسبيحك. قال الطيبي: توجيه لتقييد التسبيح بالحمد أي تسبيحنا مقيد بشكرك ومتلبس به. قوله: (ونقدس لك، نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك) يشير إلى أن اللام للعلة، وهو أحد الأقوال فيها.

стр. 578

قال أبو حيان: والأحسن أن تكون معدية للفعل كهي في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، وسجدت لله. قوله: (إما بخلق علم ضروري بها فيه أو إلقاء في روعه وهو الإلهام)، زاد غيره: أو بإرسال ملك إليه، أو بخطاب الله تعادل له، أو بخلق الأصوات في الأجسام المسميات. قال الطيبي: وفي إيجاز البيان: وقع التعليم بالوحي في أصول الأسماء والمصادر ومباني الأفعال والحروف عند حصول أول اللغة في الإصطلاح ثم بزيادة الهداية في التصريف والاشتقاق. فأفادت هذه الآية أن علم اللغة فوق التحلى بالعبادة فكيف علم الشريعة التي هي الحكمة. قوله: (وآدم: اسم أعجمي، كآزر وشالخ، واشتقاقه من الأدمة أو الأدمة بالفتح) يعني أو من أديم الأرض، لما روي عنه ﵊: ((أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها فخلق منها آدم))، فلذلك أتى بنوه أخيافا أو من الأدم، والأدمة: بمعنى الألفة، تعسف كاشتقاق إدريس من الدرس، ويعقوب من العقب وإبليس من الإبلاس. قوله: (واشتقاقه)، مبتدأ وخبره: تعسف، أي إن ذلك إنما

стр. 579

يتأتى في الأسماء العربية. والعجمي: لا اشتقاق له. قال الشيخ أكمل الدين: واعترض عليه بأن توافق اللغتين غير منكر ولا دليل على أن الاشتقاق من خواص كلام العرب وأيضا آدم ﵊ كان يتكلم بالعربية فلا يلزم عدم الاشتقاق في المشبه به عدمه في آدم وأيد باشتقاق حواء من الحوة، وأجيب بأن الأصل عدم التوافق وبأن الاشتقاق من كلام العرب فإنهم أطبقوا على أن التفرقة بين اللفظ العربي والعجمي بصحة الاشتقاق، وإن آدم كان يتكلم بكل لسان على ما صح في النقل، ولكن كان غالبه بالسرياني، ويدل عليه أنها في أولاده، ثم إن تكلمه بالعربي لا مدخل له في عربية اسمه واشتقاقه والكلام فيه. ثم إن الاشتقاق في الأعلام القصدية، أي التي لا تكون علما بالغلبة، كأحمد وتغلب ويشكر مثلا، ليس له معنى إلا النقل عن مشتق، وذلك: لم يعرف في المشبه به، يعنى إدريس وإبليس، وأما في آدم فمن الأدمة، لا يناسبه ما ورد في براعة جماله وأن يوسف ﵊ كان جماله على الثلث من جماله، وكذلك من أديم الأرض على أن أدم من أديم الأرض غير مستعمل قبل جعله علما حتى يقال: إنه منقول. ثم أن المصنف منع الاشتقاق على قانون كلام العرب بأنها أعجمية، أما اشتقاقها في العجمية إن صح فلا مانع منه. صرح به في طالوت. انتهى. وأقول: قد صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. أنه قال: (إنما سمي لأنه خلق من أديم الأرض)، أخرجه

стр. 580

الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، وورد مثله عن على ابن أبي طالب وابن مسعود ﵄ أخرجه ابن جرير. وذلك يقوى كونه عربيا، وبه صرح الجواليقي (وغيره، قال الجواليقي) في المعرب: أسماء الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، كلها أعجمية ألا أربعة أسماء، وهي: آدم وصالح وشعيب ومحمد، وأديم الأرض. ظاهر وجهها والأدمة: لون يشبه لون التراب، قاله: الليث، ويقاربه قول الحافي في لون يقارب السواد. وقول الجوهري: السمرة والحزن ما غلظ من الأرض وصلب. والأخياف بخاء معجمة ومثناة تحتية وفاء: المختلفون. والحديث الذي أورده المصنف أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن مردوده والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الاخضر فجاء بنو آدم على قدر الأرض منها، الأحمر والأبيض، والأسود وبين ذلك، والسهل

стр. 581

والحزن والخبيث والطيب)) وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: (إنما سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله، أي أيس منها) وعلى هذا هو عربي، وقد اختاره ابن جرير، ووجه عدم صرفه بكونه لا نظير له في الأسماء، وفيه نظر من وجهين، أحدهما: أن ذلك ليس معدودا من موانع الصرف. والثاني: أن له نظائر. منها: أغريض للطلع وأحريض للعصفر، وسيف إصليت، أي صقيل. قوله: والهمة: معرفة ذوات الأسباب وخواصها وأسمائها. في الحاشية المشار إليها: اختلف الناس في الذي علم آدم على ثلاثة أوجه. أحدهما: أنه علم الألفاظ الموضوعة بإزاء الأعيان والمعاني عملا بظاهر قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ الثاني: أنه علم منافعها، فإن المزية في العلم إنما تحصل بمعرفة مقاصد المخلوقات ومنافعها، لا بمعرفة أن أسماءها كذا وكذا، وهذا: وأن قرب من المعنى، فهو بعيد من اللفظ. والثالث: وهو الذي سلكه الزمخشري أنه علم الأمرين معا جمعا بين مقتضى اللفظ والمعنى. فإذا قلنا بالأول ففيه وجهان، أحدهما: أنه علم الأسماء الموضوعة بكل لغة وعلمها أولاده، فلما افترقوا في البلاد وكثروا واقتصر كل قوم

стр. 582

على لغة. وهذا يقوى قول من قال: إن اللغات توقيفية. والثان: أنه علم لغة واحدة لأن الحاجة لم تدع إلا إليها. وأما بقية اللغات فبالتواضع. انتهى. قلت: القول الأول هو الوارد عن ابن عباس. قوله: (إذ التقدير أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه) قال أبو حيان: يحتمل هذا ويحتمل أن يكون التقدير: مسميات الأسماء فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. (قال: (ويترجح الأول لتعلق الإنباء به، في قوله: (أنبنوني بأسماء هؤلاء) ولم يقل: (أنبئوني بهؤلاء)، ويترجح الثاني بقوله: (ثم عرضهم)، لأن الأسماء لا تجمع كذلك قال الشيخ سعد الدين: إنما احتيج إلى اعتبار هذا الحذف ليتحقق مرحع ضمير (عرضهم) وينتظم أنبئوني بأسماء هؤلاء، ولم يجعل المحذوف مضافا، إلى مسميات الأسماء لينتظم تعليف الإنباء بالأسماء فيما ذكر بعد التعليم وفي الحاشية المشار إليا: إنما احتيج إلى إضمار المسميات لقوله تعالى: ثم عرضهم وإنما تعرض الأعيان، لا الأسماء ولأن قوله: ثم عرضهم، جمع من يعقل، والأسماء لا تعقل ولأن قوله: بأسماء هؤلاء، وأنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم: يدل على أن المراد المسميات. قوله: (فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه: وعوض عنه اللام، لقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قال أبو حيان: ما ذكره من التعويض ليس مذهب البصريين، بل هو مذهب بعض الكوفيين، ولو كانت أل عوضا عن الضمير لما جيء بالضمير معها في

стр. 583

قول النابغة: رجيب قطاب الجيب منها وقال السفاقسي: قد نقله ابن مالك في شرح التسهيل عن الكوفيين وبعض البصريين، واختاره. وإن كان بعض المتأخرين قد عد هذه المسألة من مسائل الإختلاف بين البصريين والكوفيين، فقد أنكر ذلك ابن خروف وقال: لا ينبغي أن يجعل خلافا، لأن سيبويه قد جعل الألف واللام عوضا عن الضمير في قوله: في باب البدل: ضرب زيد الظهر والبطن، وهو يريد ظهره وبطنه. قاله السفاقسي: وقول أبى حيان، لما جيء بالضمير معها، لا يلزم، لأنه قد يقال: إذا جيء بالضمير لم يقصد العوضية. وقال الشيخ سعد الدين: ظاهر كلام الكشاف: إن اللام عوض عن المضاف إليه، كما هو مذهب الكوفيين وقد نفى ذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ولم يقل به، في ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، فوجب أن يحمل على ما ذكرنا في ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وإن كان الظاهر على خلافه، أو يقال: ليس كل ما

стр. 584

يذكر من المحتملات مختاراً عنده. والذي ذكره هناك: أنه يجوز أن يكون تعويضا لاميا قائما مقام التعريف الإضافي، لا أن تكون عوضا عن المضاف إليه، كما يراه الكوفيون، لأنه قد ذكر في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ إن المعنى: هي مأواه وتركت الإضافة للعلم بها، وليست اللام بدلا من الإضافة وإنما معناها الدلالة على أنه أريد ما هي معين، وكذا في: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ إنه لم يصف الرأس إكتفاء بعلم المخاطب، يعني من جهة جعله خبراً عن إني: وعطفه على وهن العظم مني، وظهر أن المعنى على الإضافة من غير أن يكون اللام بدلا عن المضاف إليه. انتهى. قوله: (لأن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات ولا يكون المعروض نفس الأسماء) قال القطب: فيه نظر. لأنه كما يجوز أن يعرض المسمى ويستكشف اسمه كذلك يجوز أن يعرض الاسم ويستكشف عن مسماه. قلت: لكن الآثار الواردة تدفعه، فإنها مصرحة بأن المعروض المسميات، وطلب ذكر أسمائها. واعلم أن لي هنا سؤالاً، وذلك أن المسميات أعيان ومعان، وعرض الأعيان ظاهر، فكيف عرضت المعاني، كالألم واللذة والفرح والحزن والعلم والجهل والجوع والعطش والمصادر بأسرها؟ ولا محيص عن ذلك إلا بما قررته غير مرة أن المعاني إنما هي غير

стр. 585

مرئية في هذا العالم، وأما في عالم الملكوت فهي متشكلة بأشكال يختص بها بحيث ترى، وتنطق. وهذا نحو من عالم المثال الذي أثبته طائفة ولا يغتر بقول من أنكره، فنحن قد قامت الأدلة عندنا على إثباته، ويدل عليه الأحاديث الواردة في تشكل الإيمان والصلاة والقراءة والعلم والأيام والليالي والرحم وذكر كل ما ذكر ومحاورته. وقد ألفت في ذلك رسالة سميتها: المعاني الدقيقة في إدراك الحقيقة، وقد قال الشيخ عبد الغفار القوصي في كتاب التوحيد والمعاني. تتشكل ولا يمتنع لك على الله تعالى. قوله: (وتذكيره لتغليب ما اشتمل عليه من العقلاء). في الحاشية المشار إليها: حقه أن يقول: وإنما ذكر وجمع جمع من يعمل لأن جوابه يشمل الأمرين. قوله: (وقرئ: وعرضهن وعرضها على معنى مسمياتهن أو مسمياتها)، قال الشيخ سعد الدين: إنما اعتبر حذف المضاف: لأن العرض لا يصح في الأسماء، وكأنه أراد العرض المعقب بقوله تعالى: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، وإلا فعليه منع ظاهر لجواز أن يعرض الأسماء ويسأل عن معانيها، وإنما لم يجعل الضمير للمسميات المحذوف من قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ لأن اعتبار ذلك الحذف، إنما كان لأجل عرضهم. وأما على تقدير عرضهن أو عرضها فيصح عود

стр. 586

الضمير إلى الأسماء فلا يعتبر حذف المسميات ثمة مضافا إليه، بل هاهنا مضافا لئلا يكون نزعا للخف قبل الوصول إلى الماء فليتأمل. قوله: (تبكيت) في الأساس: بكته بالحجة وبكته غلبه وبكته:/ قرعه على الأمر وألزمه حتى عن بالجواب. قوله: (إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة أو أن خلقهم واستخلافهم، وهذه صفتهم لا تليق بالحكمة، وهو وإن لم يصرحوا به لكنه لازم مقالتهم) أقول: غير هذا التقدير أولى منه فقد ورد أنهم قالوا: لن يخلق ربنا خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم. أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس، فالتقدير: إن كنتم صادقين في قول ذلك، ومشى عليه الواحدي. وقال ابن جرير: الأولى أن تقدر إن كنتم، صادقين في أنى جعلت خليفة من غيركم أفسد وسفك الدماء وإن جعلتكم فيما أطعتم واتبعتم أمري فإنكم إذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من خلقي وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم فأنتم بما هو غير موجود من الأمور التي ستكون أحرى أن تكونوا غير عالمين فلا تسألوني ماليس لكم به علم فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي. قوله: (سبحان من علقمة الفاخر):

стр. 587

يأتي في سورة الإسراء قوله: (على وجه البسط): قال الشيخ سعد الدين: حيث تعرض للتفاصيل وإن كان ما لا يعلمون أوجز وأشمل، اللهم إلا إذا خص بما خفي من مصالح الإستخلاف، فحينئذ يكون هذا أشمل وأكمل. قال الطيبي: وإنما قال: أبسط ولم يقل: بيان له، لأن معلومات الله تعالى لانهاية لها. وغيب السموات والأرض وما يبدونه وما يكتمونه لم يكن قطرة من تلك الأبحر لكنه نوع بسيط لذلك المجمل. قوله: (تدل على شرف الإنسان ومزيد العلم) قال الإمام: هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم إلا بأن أظهر علمه، فلو كان في الإمكان وجود شيء أشرف من العلم كان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم. قوله: (وإلا عطفه بما يقدر عاملا فيه) ، قال أبو حيان: قيل: العامل في إذ هذه أبي. ويحتمل عندي أن يكون محذوفا دل عليه قوله: فسجدوا لأن السجود ناشىء عن الانقياد. قوله: قال الشاعر: (ترى الأكم فيه سجدا للحوافر). هو لزيد الخير وأوله: (بجمع تضل البلق في حجراته) ومعناه

стр. 588

: أن الأكم تخضع للحوافر فتناثر بها وفي الحاشية المشار إليها: أي أنك تجد خيلنا تستعلي على الأماكن المرتفعة ولا تستعصي عليها فكأنها مطيعة لها. وفي ديوان زيد الخيل: أغار زيد على طوائف من بني عامر فأصاب أسارى وقتل وقال: بني عامر هل تعرفون إذا غدا ..... أبو مكنف قد شد عقد الدوابر بجمع تضل البلق في حجراته .... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر وجمع كمثل الليل مرتجز الوغى كثير حواشيه سريع البوادر أبت عادل للورد أن يكره القنا .... رجاجة رمحي في غبير بن عامر وقال: وقلن له اسجد لليلى فاسجدا هو لأعرابي من بني أسد، وأوله: فعدن لها وهما أمبا خطامه. وأسجد بهمزة قطع أمر بوزن أكرم، يقال: أسجد البعير بوزن أكرم، أي طأطأ رأسه ليركب. قوله: (فاللام فيه كاللام في قول حسان): أليس أول من صلى لقبلتكم .... وأعرف الناس بالقرآن والسنن قال أبو حيان: اللام في: لآدم، للتبيين. وقبل هذا البيت: ما كنت أحسب أن الأمر منصرفا

стр. 589

عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن قوله: (قبلتكم): أي مستقبلا لقبلتكم. قوله: (ولأن ابن عباس روى: (أن من الملائكة ضربا يتوالدون يقال لهم: الجن. ومنهم: إبليس)). لم أقف عليه. قوله: (ولعل ضربا من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات) إلى آخره. قلت: كان الأولى بالمصنف الإعراض عن هذا الكلام والإضراب عنه صفحا. ولكن هذه ثمرة التوغل في علوم الفلاسفة وعدم التضلع بالأحاديث والآثار، والذي دلت عليه الآثار أن إبليس أبو الجن، كما أن أدم أبو الإنس، وأنه لم يكن من الملائكة طرفة عين وأن المصحح للاستثناء التغليب، لكونه: كان فيهم، أو هو منقطع. قوله: (روت عائشة ﵂، أنه ﵇ قال: ((خلقت الملائكة من نور، وخلق الجلد من مارج من نار)) أخرجه مسلم. وتمامه: ((وخلق آدم مما وصف لكم)). قوله: (لأنه كالتمثيل لما ذكرت). أقول: لو أمكن المصنف وأشباهه أن يحملوا كل حديث على التمثيل لفعلوا، وهذا غير لائق، وليت شعري إذا حمل ما ذكر في خلق الملائكة والجن على التمثيل ماذا يصنع في بقية الحديث أيحمل ما ذكره في خلق آدم على التمثيل وأنه ليس

стр. 590

مخلوقا من تراب كما هو ظاهر الآية. هذه إحالة للنصوص على ظواهرها فلنحذر هذه الطريقة، فإن مدار المعتزلة عليها، وهم: أول من أكثر منها، حتى إنهم أنكروا سؤال منكر ونكير. وعذاب القبر والميزان والصراط والحوض والشفاعة ودابة الأرض وحملوا جميع الأحاديث الواردة في ذلك على التمثيل، ثم عدوا ذلك إلى أحاديث لا يقدح تأويلها في العقيدة كحديث شكوى النار وتنفسها في كل عام مرتين: وشكوى الرحم وغير ذلك، فتبعهم في ذلك من تضلع في علوم الفلسفة والعقول، ولم يتبحر في الحديث فمشى في كل أية وحديث على هذا التأويل، وألغى اعتبار ظاهره، وهذا غير مناسب، بل الأولى الرجوع في الأحاديث إلى أئمة الحديث فما قالوا: إنه على ظاهره كغالب الأحاديث-: حمل على ظاهره، ويجنب فيه طريق التمثيل، إذ لا داعي له والتأويل خلاف الأصل، وما قالوا: إنه ليس على ظاهره- كأحاديث الصفات سلك به طريق التأويل والتمثيل، والطيبي رحمة الله عليه سلك هذا المنهاج لكونه محدثا، ورأيت في تذكرة الإمام تاج الدين ابن مكتوم بخطه: قال الإمام أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس، قد اختلف في معنى قوله ﵊، ((اشتكت النار)) فجعله قوم حقيقة، وقال: إن

стр. 591

الله تعالى قادر على أن ينطق كل شيء إذا شاء وحملوا جميع ما ورد من هذا أو نحوه في القرآن والحديث على ظاهره، وهو الحق والصواب وذهب قوم إلى أن هذا كله مجاز، وما تقدم هو الحق من حمل الشيء على ظاهره حتى يقوم دليل على خلافه. هذا لفظه بحروفه مع أن البطليوسي المذكور كان من الأئمة الأفراد المتبحرين في المعقولات والعلوم الفلسفية والتدقيقات، وهؤلاء الذين يقولون بالتأويل وإخراج هذه الأحاديث عن ظاهرها ويرون أن ذلك من التحقيق والتدقيق، وإن حملها على ظاهرها خلاف التحقيق والتدقيق. قوله: (إذ العبرة بالخواتيم): هذا مأخوذ من حديث ((الأعمال بالخواتيم))، أخرجه البخاري، من حديث سهل بن سعد. وابن حبان، من حديث معاوية وابن عدي، من حديث عائشة، والطبراني من حديث علي والبزار من حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهم. قوله: (السكنى: من السكون)، قال القطب: إشارة إلى قوله: (أسكن) معناه: اتخذ مسكنا، وليس معناه استقر فيها ولا تتحرك، وقال الشيخ سعد الدين: يعني أن أسكن أمر من السكنى بمعنى اتخاذ

стр. 592

المسكن لامن السكون بمعنى ترك الحركة ولهذا يذكر متعلقة بدون في، إلا أن مرجع السكنى إلى السكون. وقوله: (وأنت تأكيد أكدبه المسكن ليصح العطف عليه، إذ لا يجوز عند البصريين العطف على المرفوع المتصل بلا فصل) الطيبي: فإن قيل: كيف يصح العطف وزوجك لا يرتفع باسكن فإنك لا تقول: أسكن غلامك، إذ الغالب لا يؤمر بلفظ الحاضر، فيقال: قد اندرج الغائب في حكم الحاضر لقضية العطف على سبيل التغليب فينسحب عليه حكمه. قوله: (وإنما لم يخاطبها أولا تنبيها على أنه المقصود بالحكم، والمعطوف تبع) مأخوذ من كلام الراغب، حيث قال: إن قيل: ما الفرق بين أن يقال: افعل أنت وقومك كذا وبين أن يقال: إفعلوا كذا؟ قيل: الأول تنبيه على أن المقصود هو المخاطب والباقون تبع له، وأنه لولاه لما كانوا مأمورين بذلك، وعلى نحوه قال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾، وليس كذا إذا قال: افعلوا. قوله: (صفة مصدر محذوف) قال أبو حيان: انتصاب رغدا، قالوا: على أنه نعت لمصدر محذوف لمذهب أكلا رغداً، وقيل: هو مصدر في موضع الحال. والأول مخالف لمذهب سيبويه؛ لأنه ما جاء من هذا النوع جعله منصوبا على الحال من الضمير العائد على المصدر الدال عليه الفعل.

стр. 593

والثاني: بأنه مقصور على السماع. قوله: (إزاحة) أي إزالة، يقال: زاح عنى الأمر، زال وذهب. قوله: (من بين أشجارها الفائتة للحصر) في الحاشية المشار إليها: أي لا تنحصر، فالحصر فيها فائت، وقال الشيخ سعد الدين: معنى الفائتة للحصر، أنها سبقت الحصر ولم تبق محصورة يقال: فاتني بكذا أي سبقنى به وذهب به عني وجاريته وماريته حتى فته، وفي الصحاح: الفوت والفوات مصدر فاتني الشيء، فالمعنى: إنها فاتت الحصر، بمعنى لم يدركها الحصر. قوله: كما روى (حبك الشيء يعمى ويصم) أخرجه أبو داود من حديث أبي الدرداء مرفوعا. قال الميداني في الأمثال: معناه يخفى عنك معايبه ويصم أذنيك عن سماع مساوئه. وقال الشاعر في معناه: وكذبت طرفي فيك والطرف صادق .... وأسمعت أذني فيك مالم تسمع قوله: (والأولى ألا تعين) كذا قال ابن جرير، وقال إن العلم بها

стр. 594

علم لا ينفع وجهل لا يضر، قلت: وقد يقال: إن فيها نفعاما، وذلك إذا قلنا: إنها الكرم، ففيها إشارة إلى أن الخمر أم الخبائث لأن أصلها هو الذي كان السبب في الإخراج من الجنة أولا فيجتنب لئلا يكون مانعا من العود إليها في الآخرة. قوله: (أصدر زلتهما عن الشجرة وحملهما على الزلة بسببها) قال الطيبي: يشير إلى أن أزلهما على أن يكون الضمير (عنها) للشجرة مضمن لمعنى أصدر، وعن حينئذ للسببية، أي أن الشيطان إنما قدر على إصدار الزلة عن الشجرة بسبب الوسوسة، بأن يقول: هذه شجرة الخلد فكلا لتخلدا، أو لأن أكلها سبب لصيرورتكما ملكين، هذا هو المراد بقوله: فحملهما الشيطان على الزلة بسببها، أي بسبب الشجرة. قوله: (ونظير (عن) هذه) في قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ قال الشيخ سعد الدين: أي ما أصدرت فعله عن أمري، قال: وما يقال: أن في التضمين بورود الفعل المضمن على طريق الحال ليس بلازم. قوله: (أو أزلهما عن الجنة)، قال صاحب الانتصاف: يشهد له قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾، قال في الانصاف: وهو سهو، لأن الذي أعاد الضمير إلى الشجرة قدر (فأصدر الشيطان) زلتهما عن الشجرة وذلك لا ينافي إخراج الشيطان إياهما عن الجنة ولا يمكن نسبة الإخراج إلى الشجرة، ولقد كان هذا الوجه قويا وعن تأييده غنيا.

стр. 595

قوله: (فقيل: إنه منع من الدخول على جهة التكرمة) قال الطيبي: يريد أن الأمر بالخروج معلل بقوله: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ فدل على أن الجنة دار المقربين فلا يسكنها اللعين، فإذا دخل لغير التكرمة لا يمنع منه ويمكن أن يعبر بالأمر عن مطلق الطرد والإهانة. فلا يلزم على هذا وجوب الخروج. قوله: (وقيل: دخل في فم الحية حتى دخلت به). قلت: هو المراد، أخرجه، ابن جرير، عن ابن مسعود وابن عباس وأبي العالية ووهب بن منبه ومحمد بن قيس، وفيه التصريح بأنه تأولهما بذلك ولم يسند شيما من الأقوال المذكورة عن أحد. قوله: (أو هما وإبليس). قلت: هذا هو الوارد، أخرجه ابن جرير، عن ابن عباس، وزاد: والحية، وعن مجاهد وأبي العالية وأبي صالح والسدي فهو المعتمدة. والعداوة بين آدم وإبليس

стр. 596

والحية ظاهرة وفي الحديث. ((الحيات ما/ سالمناهن منذ حاربناهن)). قوله: (بعضكم لبعض عدو) حال استغنى فيها عن الواو بالضمير، قال الطيبي: ويجوز أن يكون جملة مستأنفة على تقدير السؤال. وقال أبوحيان: هذه الجملة في موضع الحال أي اهبطوا متعادين، والعامل فيها: اهبطوا، وصاحب الحال الضمير في اهبطوا، ولم يحتج إلى الواو لإغناء الرابط عنها، واجتماع الواو والضمير في الجملة الاسمية الواقعة حالا أكثر من انفراد الضمير، وأجاز مكي أن تكون مستأنفة إخباراً من الله تعالى بأن بعضهم لبعض عدو فلا يكون في موضع الحال، وكأنه فر من الحال، لأنه تخيل أنه يلزم من القيد في الأمر أن يكون مأمورا به أو كالمأمور، ألا ترى، أنك إذا قلت: قم ضاحكا كان المعنى الأمر بايقاع القيام مصحوبا بالحال، فيكون الحال مأمورا بها أو كالمأمور لأنك لم تسوغ له القيام إلا في حال الضحك، وما لا يتوصل إلى فعل المأمور به إلا به مأمور به. والله تعالى لا يأمر بالعداوة ولا يلزم ما يتخيل من ذلك لأن الفعل إذا كان مأمورا به من المسند إليه في حال من أحواله لم تكن تلك الحال مأموراً بها، لأن النسبة الحالية هي نسبة تقييدية لا نسبة إسنادية فلو كانت مأموراً بها لم تكن تقييدية والتقييدية غير الإسنادية فلو سلمنا كون الحال مأموراً إذا كان العامل فيها أمراً فلا يسوغ ذلك هنا، لأن الفعل المأمور به إذا كان لا يقع في الوجود إلا بذلك القيد ولا يمكن خلافه: لم يكن ذلك القيد مأمورا به لأنه ليس داخلا في حيز التكليف، وهذه الحال من هذا

стр. 597

النوع، فلا يلزم أن يكون الله تعالى أمر بها وهذه الحال من الأحوال اللازمة. انتهى كلام أبي حيان. قوله: (موضع استقرار أو استقرار)، قال أبو حيان: أي أنه اسم مكان أو مصدر، وبقى احتمال ثالث، إنه اسم مفعول، وهو ما استقر ملكهم عليه وجاز تصرفهم فيه، ذكره الماوردي. قوله: (ومتاع تمتع)، في الحاشية المشار إليها، يعني أن المتاع تارة يطلق ويراد به المصدر وتارة غيره والمراد هنا المصدر. قوله تعالى: (﴿إِلَى حِينٍ﴾ يراد به وقت الموت أو القيامة). قلت: القولان واردان، أخرج ابن جرير الأول عن ابن عباس ﵄، والثاني عن مجاهد. قال الطيب: الثاني مشكل بقوله: متاع بمعنى تمتع بالعيش، قال الكواشى: لكل إنسان مكان في الأرض يستقر فيه ويتمتع بما قسم له فيه مدة حياته وبعد مماته، قال الطيبي: هذا معنى قوله: في الأعراف ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾، فالمتاع بمعنى التحقير في الاستمتاع والتقليل في المكث على نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ

стр. 598

وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾. قال: ويمكن أن يجعل المتاع بمعنى التمتع في العيش على تقدير حصول الثواب والعقاب للمؤمن والكافر في القبر، وأما تمتع الكافر فعلى التهكم ثم التغليب. قال: والوجه الأول أظهر، وقال الشيخ: أكمل الدين: قوله إلى الموت لا يحتاج إلى تأويل وأما قوله: إلى يوم القيامة فيحتاج إلى ذلك فقيل: لأنه يبتدئ من الموت لإدخال مقدمات الشيء فيه أو لأنه ينتفع بمسكنه في القبر إلى أن يبعث، وقال الشيخ سعد الدين: الظرف واقع خبراً على مستقر ومتاع، فقيل: إلى يوم القيامة، لأن الاستقرار ثابت إلى يوم القيامة، لمكان القبر، وقيل: إلى الموت، نظرا إلى تعلقه بمتاع، إذ لا تمتع بعد الموت. قلت: ما حمل هذا المحمل على أحسن من هذا المحمل، ثم قال الشيخ سعد الدين: ومن جعله على تقدير التفسير بيوم القيامة أيضا متعلق بمتاع وجعل ابتداء يوم القيامة من الموت، لأن من مات فقد قامت قيامته. أو جعل مقدمات الشيء من جملته، فلا يخفى أن التفسيرين حينئذ واحد، أو جعل السكنى في القبر تمتعا في الأرض، وهذا أقرب. وقال أبو حيان: يمكن أن يفسر قوله ﴿مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾

стр. 599

بقوله: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. قوله: (استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين أعلمها) في الحاشية المشار إليها: التلقى حقيقة في استقبال من جاء من بعد واستعماله في الكلمات مجاز منه. وقال الشيخ بهاء الدين ابن عقيل: زيادة العمل خارجة عن مدلول التلقي لغة. وقال الطيبي: هو مستعار من استقبال الناس بعض الأعزة إذا قدم بعد الغيبة، لأنهم حينئذ. لا يدعون شيئا من الإكرام إلا فعلوه وإكرام الكلمات الواردة من الحضرة الإلهية العمل بها. قوله: وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع كلمات على أنها استقبلته وتلقته، قال الطيبي: وعلى هذه القراءة أيضا استعارة. قوله: وهي قولى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية. قلت: هذا أصح الأقوال في ذلك. أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس، وابن جرير عن مجاهد، والحسن وقتادة وابن زيد وقاله أيضا: سعيد بن جبير وأبو العالية ومحمد بن كعب والربيع بن أنس وخالد

стр. 600

بن معدان وعطاء الخراساني. وقال ابن جرير: أنه الموافق للقرآن. قوله: (وقيل سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره) أخرجه البيهقي في الزهد عن أنس مرفوعا وابن جرير عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية موقوفا. قوله: (وعن ابن عباس: قال: يا رب ألم تخلقني بيدك) قال في الحديث: أخرجه الفريابي وابن أبى الدنيا في التوبة وابن جرير وابن مردويه والحاكم في المستدرك وصححه. قال الطيبي: قوله (أراجعى)، صح في نسخة المصنف بالتخفيف، وفي نسخة زين المشايخ، بالتشديد: وهو السماع، وتوجيهه مشكل إلا أنه يجعل جمعا، وهو مستبعد أيضا. وقال الشيخ أكمل الدين: ذكر بعضهم أنه لا استبعاد مع ظهور كونه من أسلوب (ألا فارحموني يا إله محمد)، وأنت على هذا مبتدأ قدم عليه خبره، قال: وأقول: إن لم يكن في سياق الكلام ما يمنع أن يكون ارحموا خطابا لغير الله جاز أن يكون تقديره ياعباد إله محمد، حذف المضاف وأقيم المضاف إليه
следующие страницы →