← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والحية ظاهرة وفي الحديث. ((الحيات ما/ سالمناهن منذ حاربناهن)). قوله: (بعضكم لبعض عدو) حال استغنى فيها عن الواو بالضمير، قال الطيبي: ويجوز أن يكون جملة مستأنفة على تقدير السؤال. وقال أبوحيان: هذه الجملة في موضع الحال أي اهبطوا متعادين، والعامل فيها: اهبطوا، وصاحب الحال الضمير في اهبطوا، ولم يحتج إلى الواو لإغناء الرابط عنها، واجتماع الواو والضمير في الجملة الاسمية الواقعة حالا أكثر من انفراد الضمير، وأجاز مكي أن تكون مستأنفة إخباراً من الله تعالى بأن بعضهم لبعض عدو فلا يكون في موضع الحال، وكأنه فر من الحال، لأنه تخيل أنه يلزم من القيد في الأمر أن يكون مأمورا به أو كالمأمور، ألا ترى، أنك إذا قلت: قم ضاحكا كان المعنى الأمر بايقاع القيام مصحوبا بالحال، فيكون الحال مأمورا بها أو كالمأمور لأنك لم تسوغ له القيام إلا في حال الضحك، وما لا يتوصل إلى فعل المأمور به إلا به مأمور به. والله تعالى لا يأمر بالعداوة ولا يلزم ما يتخيل من ذلك لأن الفعل إذا كان مأمورا به من المسند إليه في حال من أحواله لم تكن تلك الحال مأموراً بها، لأن النسبة الحالية هي نسبة تقييدية لا نسبة إسنادية فلو كانت مأموراً بها لم تكن تقييدية والتقييدية غير الإسنادية فلو سلمنا كون الحال مأموراً إذا كان العامل فيها أمراً فلا يسوغ ذلك هنا، لأن الفعل المأمور به إذا كان لا يقع في الوجود إلا بذلك القيد ولا يمكن خلافه: لم يكن ذلك القيد مأمورا به لأنه ليس داخلا في حيز التكليف، وهذه الحال من هذا

стр. 597

النوع، فلا يلزم أن يكون الله تعالى أمر بها وهذه الحال من الأحوال اللازمة. انتهى كلام أبي حيان. قوله: (موضع استقرار أو استقرار)، قال أبو حيان: أي أنه اسم مكان أو مصدر، وبقى احتمال ثالث، إنه اسم مفعول، وهو ما استقر ملكهم عليه وجاز تصرفهم فيه، ذكره الماوردي. قوله: (ومتاع تمتع)، في الحاشية المشار إليها، يعني أن المتاع تارة يطلق ويراد به المصدر وتارة غيره والمراد هنا المصدر. قوله تعالى: (﴿إِلَى حِينٍ﴾ يراد به وقت الموت أو القيامة). قلت: القولان واردان، أخرج ابن جرير الأول عن ابن عباس ﵄، والثاني عن مجاهد. قال الطيب: الثاني مشكل بقوله: متاع بمعنى تمتع بالعيش، قال الكواشى: لكل إنسان مكان في الأرض يستقر فيه ويتمتع بما قسم له فيه مدة حياته وبعد مماته، قال الطيبي: هذا معنى قوله: في الأعراف ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾، فالمتاع بمعنى التحقير في الاستمتاع والتقليل في المكث على نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ

стр. 598

وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾. قال: ويمكن أن يجعل المتاع بمعنى التمتع في العيش على تقدير حصول الثواب والعقاب للمؤمن والكافر في القبر، وأما تمتع الكافر فعلى التهكم ثم التغليب. قال: والوجه الأول أظهر، وقال الشيخ: أكمل الدين: قوله إلى الموت لا يحتاج إلى تأويل وأما قوله: إلى يوم القيامة فيحتاج إلى ذلك فقيل: لأنه يبتدئ من الموت لإدخال مقدمات الشيء فيه أو لأنه ينتفع بمسكنه في القبر إلى أن يبعث، وقال الشيخ سعد الدين: الظرف واقع خبراً على مستقر ومتاع، فقيل: إلى يوم القيامة، لأن الاستقرار ثابت إلى يوم القيامة، لمكان القبر، وقيل: إلى الموت، نظرا إلى تعلقه بمتاع، إذ لا تمتع بعد الموت. قلت: ما حمل هذا المحمل على أحسن من هذا المحمل، ثم قال الشيخ سعد الدين: ومن جعله على تقدير التفسير بيوم القيامة أيضا متعلق بمتاع وجعل ابتداء يوم القيامة من الموت، لأن من مات فقد قامت قيامته. أو جعل مقدمات الشيء من جملته، فلا يخفى أن التفسيرين حينئذ واحد، أو جعل السكنى في القبر تمتعا في الأرض، وهذا أقرب. وقال أبو حيان: يمكن أن يفسر قوله ﴿مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾

стр. 599

بقوله: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. قوله: (استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين أعلمها) في الحاشية المشار إليها: التلقى حقيقة في استقبال من جاء من بعد واستعماله في الكلمات مجاز منه. وقال الشيخ بهاء الدين ابن عقيل: زيادة العمل خارجة عن مدلول التلقي لغة. وقال الطيبي: هو مستعار من استقبال الناس بعض الأعزة إذا قدم بعد الغيبة، لأنهم حينئذ. لا يدعون شيئا من الإكرام إلا فعلوه وإكرام الكلمات الواردة من الحضرة الإلهية العمل بها. قوله: وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع كلمات على أنها استقبلته وتلقته، قال الطيبي: وعلى هذه القراءة أيضا استعارة. قوله: وهي قولى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية. قلت: هذا أصح الأقوال في ذلك. أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس، وابن جرير عن مجاهد، والحسن وقتادة وابن زيد وقاله أيضا: سعيد بن جبير وأبو العالية ومحمد بن كعب والربيع بن أنس وخالد

стр. 600

بن معدان وعطاء الخراساني. وقال ابن جرير: أنه الموافق للقرآن. قوله: (وقيل سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره) أخرجه البيهقي في الزهد عن أنس مرفوعا وابن جرير عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية موقوفا. قوله: (وعن ابن عباس: قال: يا رب ألم تخلقني بيدك) قال في الحديث: أخرجه الفريابي وابن أبى الدنيا في التوبة وابن جرير وابن مردويه والحاكم في المستدرك وصححه. قال الطيبي: قوله (أراجعى)، صح في نسخة المصنف بالتخفيف، وفي نسخة زين المشايخ، بالتشديد: وهو السماع، وتوجيهه مشكل إلا أنه يجعل جمعا، وهو مستبعد أيضا. وقال الشيخ أكمل الدين: ذكر بعضهم أنه لا استبعاد مع ظهور كونه من أسلوب (ألا فارحموني يا إله محمد)، وأنت على هذا مبتدأ قدم عليه خبره، قال: وأقول: إن لم يكن في سياق الكلام ما يمنع أن يكون ارحموا خطابا لغير الله جاز أن يكون تقديره ياعباد إله محمد، حذف المضاف وأقيم المضاف إليه

стр. 601

مقامه وأعرب بإعرابه وسقط التنظير به وعاد الاستبعاد. وقال الشيخ سعد الدين: (أراجعي أنت) اسم فاعل أضيف إلى المفعول وأنت فاعله، لاعتماده على الاستفهام وإن شئت فمبتدأ، وأما نسخة زين المشايخ: أراجعي بتشديد الياء فحملها على سهو القلم أقرب من أن تجعل راجعي جمعا مضافا إلى ياء المتكلم خبر أنت، أي أنت راجعون كما في قوله. ألا فارحموني يا إله محمد، وعلى النسختين فوقوع الجملة الاستفهامية جزاء الشرط محل بحث. قلت: قوله: أرايت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ على أسلوب قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، وسيأتي الكلام فيه فيخرج على هذا الحديث ما يذكر هناك. قوله: (وهو الاعتراف بالذنب)، إلى آخره. الراغب: التوبة ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ ضروب الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة. قوله: (أو الاختلاف المقصود) إلى آخره، في الحاشية المشار

стр. 602

إليها: يعني أن القصة تعاد لزيادات تذكر فيها لم تذكر أول مرة. قال الطيبي: ويسمى هذا الأسلوب في البديع: بالترديد. قوله: (الشرط الثاني، مع جوابه جواب الشرط الأول). قال أبو حيان: لا يتعين عندي أن تكون من شرطية بل يجوز أن تكون موصولة، بل يترجح ذلك، لقوله: في قسيمة: والذين كفروا وكذبوا، فأتى به موصولا ويكون قوله: فلا خلاف جملة في موضع الخبر، وأما دخول الفاء فيها، فإن الشروط المسوغة لذلك موجودة هنا. قوله: (وما مزيدة أكدت به إن) إلى أخره، قال الكواشي. (ما) تؤكد أول الفعل والنون آخره، وقال صاحب المرشد، زيدت ما هنا لتأكيد الفعل الذي بعد حرف الشرط شبهوها بلام القسم المؤكدة للفعل، نحو: والله لأعطين وهي أكدت أول الفعل، والنون المشددة آخره، كذلك ههنا. قوله: (واقتضاه العقل): هذا ونحوه في الكتاب: مشية قلم مما في الكشاف، فإن ذلك ليس مذهبنا. قوله: (وقرئ هدى على لغة هذيل)، قال ابن جني: هي

стр. 603

قراءة أبي الطفيل، وعيسى بن عمر الثقفي، وهي: لغة فاشية في هذيل وغيرهم أن يقلبوا الألف من آخر المقصور إذا أضيف إلى ياء المتكلم ويدغموها في ياء الإضافة. قوله: (وأصلها: أية) أي بتشديد الياء (أو أوية) أي بسكون الواو. هذا قول الفراء. قوله: (فأبدلت عينها أي ألفا) استثقالا للتضعيف، كما أبدلت في قيراط وديوان. قوله: (أو أيية أو أوية أي بفتحات. هذا قول الخليل وسيبويه. قوله: (فأعلت)، أي بقلب الياء أو الواو التي هي العين ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، وسلمت اللام شذوذاً والقياس العكس. قاله أبو حيان، قال ابن هشام، في تذكرته: إذا اجتمع حرفان مستحقان للإعلال، فالقياس أن يجعل الثاني دون الأول نحو هوى وشوى وطوى، ويشذ في كلامهم أن يعل الأول دون الثاني، كغاية، وطاية، وتايه، وأية.

стр. 604

قوله: (أو آيية، كقايلة)، هذا قول الكسائي. قوله: (فحذفت الهمزة تحقيقا)، قال أبو حيان: لئلا يلزم فيه من الإدغام مالزم في دابة فيثقل. قوله: (ولعله أن حط عن الأمة لم يحط عن الأنبياء)، قلت: ولا عن الأمم السابقة بأسرهم، فإن عدم المؤاخذة بالنسيان من خصائص هذه الأمة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. قوله: (قال ﵇: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل) أخرجه بدون قوله: ثم الأولياء، الترمذي، وصححه، والنسائى، وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث سعد ابن أبى وقاص، وأخرجه الحاكم من حديث أبى سعيد، بلفظ: الأنبياء ثم العلماء، ثم الصالحون. قوله: (روي أنه ﵇، أخذ حريراً وذهبا بيده، وقال: هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها) أخرجه الأربعة من حديث على بلفظ: هذان حرام.

стр. 605

قوله: (وإسرائيل لقب) . قال الشيخ سعد الدين: لكونه علما يشعر بمدح بملاحظة الأصل. أي صفوة الله أو عبد الله. فكذا مثل عبد الله علما إذا قصد به الأشعار بأنه عبد الله تشريفا. قوله: (ومعناه بالعبرية، صفوة الله، وقيل: عبد الله). قال الشيخ أكمل الدين: قيل: إن أسرا بمعنى الصفوة، وإيل هو الله تعالى، وقيل: إسرا، معناه العبد، زاد في الحاشية المشار إليها، ولذا زعموا أن جبريل وميكائيل، بمعنى عبد وإيل هو الله. قوله: (وقيل: أراد بها ما أنعم على آبائهم وعليهم) قال الشيخ سعد الدين: فيه جمع بين الحقيقة والمجاز، حيث جعل قوله: عليكم مراداً به ما أنعم عليهم وعلى آبائهم، فينبغي أن يحمل على حذف أو اعتبار معنى جامع بأن يجعل الخطاب لجميع بني إسرائيل الحاضرين والغائبين. وفى الحاشية المشار إليها: إن أراد بهذا أنه أراد الأمرين معا بلفظ واحد، وهو اللفظ المذكور في هذه الآية التي يفسرها، فهو مشكل، فإنه: جمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد. فإنه قال: (نعمتي التي أنعمت عليكم) فتناولها للنعمة على الموجودين حقيقة، وتناولها للنعمة على الأباء مجاز، وإن أراد به أنه أراد المعنيين بلفظين مختلفين فهو حسن، فإنه ذكر في هذه الآية ما يصلح للموجودين، وذكر في الآية هي، قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، ما أنعم به على الأباء

стр. 606

قوله: (والعهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد)، قال الشيخ سعد الدين: لأنه نسبة بينهما بمنزلة مصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول ولا خفاء في أن الفاعل هو الموفي فإن أضيف إليه/ مثل أوفيت بعهدي، ومن أوفى بعهده، فهو مضاف إلى الفاعل. وإن أضيف إلى غيره، مثل: (أوف بعهدكم) وأوفيت بعهدك، تكون الإضافة إلى المفعول. قوله: (وما روي عن ابن عباس أوفوا بعهدي في اتباع محمد أوف بعهدكم في رفع الإصار والأغلال) أخرجه ابن جرير بسند صحيح عنه. قوله: (وعن غيره: أوفوا بأداء الفرائض) إلى أخره. هو أيضا عن ابن عباس، أخرجه ابن جرير عنه، لكن بسند ضعيف. قوله: (وهو أكد في إفادة التخصيص: من إياك نعبد). في الحاشية المشار إليها؛ لأن نعبد لما لم تستوف مفعولها كانت هي الناصبة لإياك فكانت جملة واحدة بخلاف قوله: فارهبون، فإنها قد استوفت مفعولها، فلابد من تقدير فعل عامل في إياك ويحب كونه مؤخراً عن إياك، لكون الضمير منفصلا فيصير التقدير: إرهبوا إياي فارهبون، فيكون الأمر بالرهبة متكرراً، ويقوى تكررها عطف الثانية بالفاء المقتضية للتعقيب، فكأنه قال: ترهبون رهبة بعد رهبة، ولاشك في أن هذا المعنى مفقود في إياك

стр. 607

نعبد. قوله: (لما فيه مع التقديم من تكرار المفعول، والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط، كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئا فارهبون) قال الطيبي: هذا الذي قاله القاضي على خلاف رأي صاحب الكشاف لأنه جعل التركيب من باب الإضمار على شريطة التفسير لقوله: هو من قولك: زيداً رهبته، فإن هذا التركيب أكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد، إذا قدرت المفسر بعد المنصوب لتكرير الجملة المفيدة للتخصيص بخلاف إياك نعبد، فإن فيه تقديما فقط. قال صاحب المفتاح: وأما زيداً عرفته، فأنت بالخيار، إن شئت قدرت المفسر قبل المنصوب وحملته على التأكيد، وإن شئت قدرته بعده وحملته على باب التخصيص، والمقام يقتضي الثاني لسباق الكلام وسياقه، وأما إذا جعل من باب الشرط فلا وجه أن يقابل بقوله: إياك نعبد، إذ لا مناسبة بينهما، نعم لو قدر إن كنتم تخصون أحداً بالرهبة فخصوني بها أفاد التخصيص لكن تقدير الشرط أحط وأضعف من إياك، لأن التقديم يستدعي وقوع الفعل جزما، والشرط على الفرض والتقدير. قال: فإن قلت: كيف عطف الجملة المؤكدة على مؤكدها والعطف يقتضي المغايرة؟ قلت: المغايرة حاصلة. لأن المراد من التكرار الترقي من الأهون إلى الأغلظ، فإن في التعقيب اتصال الراهبة برهبة هي أعلى منها من غير تخلل شيء آخر، كقولهم: الأفضل فالأفضل، والأكرم فالأكرم، لم يريدوا به افضلين وأكرمين، بل الترقي انتهاء الوسع والإمكان. قال صاحب الكشاف، في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ أي كذبوه تكذيبا عقب تكذيب، ففيه إشعار بمزيد

стр. 608

الاختصاص، ثم قوله أكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد يقتضي أنه أكد منه وحده، لكن إذا ضم معه إياك نستعين كان هذا أكد لتصريح التكرار والتعميم في نستعين. انتهى. وقال الشيخ أكمل الدين، بعد إيراده لما لم يجز أن تكون عاطفة: كانت جزائية وعليه أكثر المحققين، وكونها جزائية لا ينافي الإضمار على شريطة التفسير، فيكون أكد من إياك نعبد لوجهين: ما ذكره، وما ذكره القاضي أيضا، قال: وقال بعضهم: إن جعله من باب الإضمار على شريطة التفسير وهم، لأن حرف العطف لا يتوسط بين المفسر والمفسر، وأيضا من شرط باب الإضمار أن يكون الفعل مشتغلا عن الاسم بضميره أو متعلقه لو سلط عليه هو أو مناسبة لنصبه لتوسط الفاء فالجواب أن لا يجعل من باب الإضمار بل هو منصوب بفعل محذوف يدل عليه (فارهبون) كما في باب الإضمار لا أنه فرد من أفراده، قال: وذكر بعضهم في تحقيق هذا المقام ما معناه، أن الفاء لا يجوز أن تكون عاطفة، لأنها لا تجامع الواو، وكذلك في قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ ونحو ذلك قال: ثم إن لم يكن بعد الفعل ما يشغله من ضمير أو متعلقه. فهو معمول الفعل المذكور قدم على الفاء الجزائية أو إرادة التخصيص وعوضا عن فعل الشرط كما ذكروا في نحو: أما زيد فمنطلق، أو معمول فعل مقدر، وتقدر الفاء داخلة عليه، وتقديره مهما يكن من شيء فربك كبر وإن كنت غافلا فاعبد الله، إذ لا بد من

стр. 609

فعل محذوف يريد التعميم والمبالغة، ويقدر في كل موضع بحسب ما يليق به ولو قدر في الجمع مهما يكن من شيء لم يكن به بأس، ثم لما حذف الفعل وجعل مفعوله عوضا عن فعل الشرط لفظا، زحلقت الفاء إلى المفسر على معنى أن الفاء العاطفة التي كانت فيه أولا جعلت فيه جزائية بعد الحذف لئلا يلزم تقديم ما في حيز الجزاء على فائه، وإن كان بعد الفعل ما يشغل، كالذي نحن فيه، فلا يجوز أن يكون معمول المذكور لاشتغاله عنه بضميره، بل هو معمول فعل محذوف هو الجزاء في الحقيقة، والمذكور تأكيد له، ولما وجب حذفه للمفسر قائما مقامه لفظا وأدخل الفاء عليه لأنه لابد منه الدلالة على الجزاء، ولا يدخل على معمول المحذوف لتمحضه عوضا عن فعل الشرط، والفاء لا تدخل على الشرط فكذا على ما هو عوض، فتعين أن تدخل على المفسر، فلا يمكن جعل الفاء عاطفة لئلا يكون عطف المفسر على المفسر، وما ذكره صاحب المفتاح من أن الفاء عاطفة، والتقدير: وإياي ارهبوني فأرهبون فقد أراد أنها فى الأصل كذلك، لا في الحال. انتهى. قال أبو حيان: الفاء في قوله: فارهبون دخلت في جواب أمر مقدر، التقدير تنبهوا فارهبون. قال بعض أصحابنا: الذي ظهر فيها بعد البحث أن الأصل في زيدا فاضرب تنبه فاضرب زيداً ثم حذف تنبه فصار فاضرب زيداً، فلما وقعت الفاء صدراً قدموا الاسم إصلاحا للفظ وإنما دخلت الفاء هنا لتربط هاتين الجملتين، وإذا تقرر هذا فتحتمل الآية وجهين: أحدهما: أن يكون التقدير، واياي فارهبون. والثاني: أن يكون التقدير: وتنبهوا فارهبون، ثم قدم المفعول فانفصلت وأخرت الفاء حين قدم المفعول وفعل الأمر الذي هو تنبهوا

стр. 610

محذوف فالتقى بعد حذفه حرفان الواو العاطفة والفاء التي هي جواب الأمر فتصدرت الفاء فقدم المفعول وأخرت الفاء إصلاحا للفظ ثم أعيد المفعول على سبيل التأكيد ولتكميل الفاصلة، وعلى هذا التقدير الأخير لا يكون إياي معمولاً لفعل محذوف، بل معمولاً لهذا الفعل الملفوظ به ولا يبعد تأكيد الضمير المنفصل بالضمير المتصل كما أكد المتصل بالمنفصل في ضربتك إياك. انتهى. رقال الشيخ سعد الدين في تقدير الأكدية: قد سبق أن مثل زيد ضربت يفيد الاختصاص فإذا نقل إلى الإضمار على شريطة التفسير مثل: زيدا ضربته ودلت القرينة على أن المحذوف يقدر مؤخراً كان أكد في إفادة الاختصاص؛ لأن الاختصاص عبارة عن إثبات ونفي فإذا تكرر الإثبات صار أكد على أن الإثبات اللاحق يمكن أن يعبر عن وجه الاختصاص بقرينة كونه تفسيرا للسابق وأن لم يكن هناك شيء من أدوات الحصر، وحينئذ يتكرر الاختصاص بدخول الفاء والفعل مثل زيدا فاضرب. وعليه قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾، ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي إن كنت عاقلا فالله اعبد وإن فرحوا بشيء فليخصوه بالفرح. وذكر في الكشاف في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: اختص ربك بالتكبير أو دخول الفاء لمعنى الشرط، كأنه قيل: مهما يكن من شيء، فلا تدع تكبيره. وقريب من هذا ما يقال: إن مثله على حذف أما، أي: أما زيداً فاضرب، وقد يجمع بين الطريقين أعني دخول الفاء وتكرير الإثبات، بأن يجعل الفعل مشغولاً بالضمير، نحو زيداً فاضربه، وعليه: فإياي فارهبون فتكرير التعلق تأكيد للاختصاص وتعليقه بالشرط العام الذي

стр. 611

هو وقوع شيء ما تأكيد على تأكيد. قال: وهذا تقرير واضح موضح للمقصود. قال: ونقل عن صاحب الكشاف، أنه قال: في إياي فارهبون: وجوه من التأكيد، تقديم الضمير المنفصلة وتأخير المتصل والفاء الموجبة معطوفا ومعطوفا عليه، تقديره: اياي ارهبوا فارهبون، أحدهما: مضمر، والثاني: مظهر، وما في ذلك من تكرار الرهبة، وما فيه من معنى الشرط بدلالة الفاء. كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئا فارهبون. قوله: (وكذلك قال ﵇ ((لو كان موسى حيا لما وسعه إلا إتباعي)) أخرجه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما من حديث جابر، وسببه: أن عمر استأذنه في جوامع كتبها من التوراة ليقرأها ويزداد بها علما إلى علمه. وهذا الحديث استدل به جماعة على تحريم الاشتغال بفن المنطق. قال بعض أهل الحديث: إذا لم يوسعه عذرا في الكتاب الذي جاء به موسى هدى ونوراً فكيف بما وضعه المتخبطون من فلاسفة اليونان إفكا وزورا. قوله: (وأول كافر وقع خبرا عن ضمير الجمع) إلى آخره. في الحاشية: لما كان أول الخطاب المجموع بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾

стр. 612

ويستحيل أن يكون الجماعة أول كافر سلك فيه إحدى طريقين، إما تأويل الكافر بالجنس فأتى بلفظ مفرد معناه الجمع كالفوج والفريق، أو تأويل ولا تكونوا بأنه ليس المراد نهي المجموع، بل نهي كل واحد عن أن يكون أول كافر. قوله: (المراد التعريض) . قال الطيبي، أي بما يجب عليهم لمقتضى حالهم ولما تكلموا به من الاستقباح والبشارة. قال: والتعريض أنواع، منها: أن يشار به بمقتضى الحال على طريقة قوله: أروح لتسليم عليك واغتدى .... وحسبك بالتسليم متى تقاضيا. قال: وهذا الموضع من هذا القبيل. قوله: (وأول أفعل لا فعل له) لاستثقال إجماع الواوين. قوله: (من وأل) بمعنى لجأ. قوله: (يستبدلوا): في الحاشية المشار إليها هذا جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلا قال: الباء إنما تدخل على الثمن، فأجاب بأن المراد الاستبدال، ولو قلت: استبدل صح دخولها على كل واحد منهما. وقال الطيبي: تقديره: أن الاشتراء استعارة للاستبدال، وإن لم تكن استعارة له لزم أن يكون الثمن في قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هو المشترى والثمن المتعارف هو المشترى به وها هنا المشترى به الآيات، لأن الباء تدخل على الثمن فلما دخل على آيات صار هو المشترى به، وصار ثمنا قليلا هو المبيع، وهذه استعارة لفظية لا معنوية، فاستعير الشراء لمجرد للاستبدال من غير نظر

стр. 613

إلى التشبيه، كما يستعار لأنف الإنسان المارن ويمكن أن يكون استعارة معنوية بولغ أولاً، بأن شبه الاستبدال في كونه مرغوبا فيه بالبيع والشراء ثم زيد في المبالغة، بأن قلبت القضية، وجعل الثمن مبيعا والمبيع ثمنا، ونحوه في القلب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ فجعلت الآيات في الابتذال والامتهان وكونها ذرائع إلى سائر متاعهم، كالدراهم المبذولة لقضاء الحوائج، ومقام التقريع والبغي على بني إسرائيل وسوء صنيعهم يقتضي هذه المبالغة. قوله: (واللبس الخلط، وقد يلزمه جعل الشيء مشتبها بغيره) إلى آخره، عبارة الكشاف: الباء التي في الباطل إن كانت صلة مثلها في قولك: لبست الشيء بالشيء، وخلطته به كان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ماليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى يتميز بين حقها وباطلكم، وإن كانت باء الإستعانة كالتي في قولك: كتبت بالقلم، كان المعنى: ولا/ تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه. قال الطيبي: والفرق أن الخلط يستدعي مخلوطا ومخلوطا به. قال الجوهري: خلطت الشيء بغيره خلطا، فاختلط. فإذا جعلت صلة كان بالباطل: مفعولا مثل الأول فخلطهم أن يكتبوا شيئا آخر مثل المنزل فإذا كتبوا اختلط مع الحق فالمنهي الكتبة نفسها لأنها مستلزمة للإختلاط، ومن ثم قال: ولا تكتبوا فيختلط الحق بالباطل، فإذا جعلت للاستعانة كان المنهى جعل مكتوبهم سببا للاشتباه، ولهذا قال، ولا تجعلوا الحق مشتبها بباطلكم أي بسبب باطلكم، وقال: الذي تكتبونه أي الذي أنتم مشتغلون به، وهو دأبكم وعادتكم. فقوله: ملتبسا ثاني مفعولي جعل، وقال أبو حيان: الظاهر، أن

стр. 614

الباء في قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ للالتصاق: كقولك: خلطت الماء باللبن: فكأنهم نهوا عن أن يخلطوا الحق بالباطل، وجوز الزمخشري أن تكون الباء للاستعانة وساق عبارته، ثم قال: وهذا فيه بعد عن هذا التركيب وصرف عن الظاهر بغير ضرورة تدعو إلى ذلك، وكذا قال الشيخ سعد الدين قد يرجح الأول بأنه أظهر وأكثر. فائدة: في الحاشية المشار إليها، على كلام الكشاف مؤاخذة لطيفة، فإنه سمي باء التعدية صلة، والذي يستعمله أكثر المصنفين. في مثل هذا أن الصلة بمعنى الزيادة. قوله: (أو نصب بإضمار أن على أن الواو للجمع) ، أي لا تجمعوا لبس الحق وكتمانه. قال الطيبي: فإن قيل: فعلى هذا يلزم جواز فعلهم اللبس بدون الكتمان وعكسه، كما في مسألة: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قلت: لا نسلم جواز فعل كل واحد منهما على الانفراد، فإن نهي الجمع لا يدل على جواز البعض ولا على عدمه وإنما يعلمان من دليل آخر. أما في مسئلة السمك فمن الطب، وأما في الآية فلإشتداد قبح كل منهما. بقي أن يقال: إذا كان كذلك فما فائدة الجمع والجواب؟ إن فائدته المبالغة في البغي عليهم وإظهار قبح أفعالهم من كونهم جامعين بين الفعلين اللذين إذا انفرد كل منهما كان مستقلا في القبح. وعلى قراءة الجزم، وإن دل على المبالغة لكن تفوت فائدة البغي عليهم إنتهى. وذكر القطب نحوه. قوله: (ويعضده أنه في مصحف ابن مسعود ﴿وَتَكْتُمُونَ﴾) أي

стр. 615

وانتم تكتمون، بمعني كاتمين، زاد المصنف على الكشاف، قوله: (أي وأنتم تكتمون) لأن المتكتمين تعقبوا عليه حيث قال: وتكتمون بمعنى كاتمين قال أبو حيان: هذا تقدير معنى لا تقدير إعراب لأن الجملة المثبتة المصدرة بمضارع إذا وقعت حالا تدحل عليها الواو، والتقدير الإعرابي هو أن يضمر قبل المضارع مبتدأ تقديره وأنتم تكتمون الحق. قال: ولا يظهر تخريج هذه القراءة على الحال، لأن الحال قيد في الجملة السابقة وهم نهوا عن لبس الحق بالباطل على كل حال فلا يناسب ذلك التقييد بالحال، إلا أن تكون الحال لازمة، وذلك: بأن يقال: لا يقع لبس الحق بالباطل إلا ويكون الحق مكتوما قال: ويمكن تخريج هذه القراءة على وجه آخر وهو أن يكون الله تعالى قد نعى عليهم كتمهم الحق مع علمهم أنه حق فتكون الجملة الخبرية عطفت على جملة النهي على مذهب من يرى ذلك، وهو سيبويه وجماعة ولا يشترط التناسب في عطف الجمل. قال: وكلا التخريجين تخريج شذوذ. قوله: (يعني صلاة المسلمين) قال الشيخ سعد الدين: يؤيد أن اللام في الصلاة والزكاة والراكعين للإشارة إلى المعلوم المعين ويجوز أن تكون للجنس والدلالة على أن صلاة غير المسلمين ليست بصلاة. قوله: (فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، هذا حديث مرفوع، أخرجه الشيخان. من حديث ابن عمر. قوله: (قال الأضيط السعدي). لاتذل الضعيف علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه هو الأضبط بن قريع، من شعراء الدولة الأموية.

стр. 616

وقبله: لكل ضيق من الأمور سعة ... والمسء والصبح لابقاء معه وبعده: وصلى وصال البعيد إن وصل الحب .... ـل وأقص القريب إن قطعه فأقبل من الدهر ما أتاك به .... من قر عينا بعيشه نفعه قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه علك: لغة في لعلك. وتركع، وهو الركوع من الانحناء والميل وأراد به الانحطاط من المرتبة والسقوط من المنزلة. قوله: (تقرير)، قال الشيخ سعد الدين: عندهم يقال للحمل على الإقرار والإلجاء إليه وللتحقيق والتثبيت، وكلاهما مناسب ههنا. قوله: (ويتناول كل خير) قال الشيخ سعد الدين: أي يطلق عليه، ولم يرد هنا إنهم يأمرون بكل خير. قوله: (وتتركونها من الترك كالمنسيات) ، قال القطب والطيبي: أشار بالكاف إلى أن المراد بقوله: تنسون تتركون، على الاستعارة التبعية لأن أحداً لا ينسى نفسه بل يحرمها من الخير ويتركها كما يترك الشيء المنسي مبالغة لعدم المبالاة والغفلة فيما ينبغي أن يفعله. قوله: (وعن ابن عباس، أنها نزلت في أحبار اليهود) إلى آخره. أخرجه الواحدي في أسباب النزول. من طريق الكلبي عن أبي

стр. 617

صالح، عن ابن عباس. قوله: (وأنتم تتلون الكتاب، تبكيت كقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾) قال الطيبي: يعني كما وقع وأنتم تعلمون حالا من فاعل لا تلبسوا على سبيل التبكيت وإلزام الخصم، كذلك وأنتم تتلون الكتاب، حال من فاعل أتأمرون الناس بالبر للتبكيت. قوله: (شكيمته)، في الصحاح: فلان شديد الشكيمة إذا كان شديد النفس أبيا، وفلان ذو شكيمة إذا كان لا ينقاد. قوله: (روى أنه ﵇ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)، أخرجه أحمد وأبو داود وابن جرير، من حديث عبد العزيز أخي حذيفة بن اليمان. وحزبه: بحاء مهملة وزاي وباء موحدة: أي أهمه ونزل به، وضبطه الطيبي بالنون وحكى الموحدة عن ضبط النهاية، وعزى الحديث لرواية حذيفة، وإنما هو: من رواية أخيه. وفزع إلى الصلاة: أي لجأ إليها. قوله: (قال أوس بن حجر): فأرسلته مستيقن الظن أنه .... مخالط ما تحت الشراسيف جائف

стр. 618

حجر بفتح الحاء والجيم كما ضبطه أصحاب المؤتلف والمختلف وبيته هذا من قصيدة أولها: تكرر بعدي من أميمة صائف ... فبرك فأعلى ثولب فالمخالف وقبل هذا البيت: فيسر سهما راشه يمناكب .... لؤام ظهار فهو أعجف شاسف يصف رمية السهم إلى الحمار الوحشي، قال الأصمعي: ظن ظنا يقينا، أي مصيبا. والشراسيف أطراف الأضالع والرخصة في أطراف الصدر المشرفة. وجايف بالجيم يصيب الجوف فتصير الرمية جائفة. قوله: (قال ﵇: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) أخرجه النسائي والحاكم من حديث أنس ﵁، ويأتي تمامه في سورة آل عمران. قال الطيبي: وفى حديث أبي داود أنه ﷺ ، قال: ((أقم الصلاة أرحنا بها يا بلال)). قيل: كان اشتغاله بالصلاة راحة له، فإنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تبعا، وكان يستريح بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالى، وما أقرب الراحة من قرة عين الراغب. الصلاة جامعة للعبادات وزائدة عليها لأنها لا تصح إلا ببذل

стр. 619

مال ما جار مجرى الزكاة فيما يستر به العورة ويطهر به البدن وإمساك في مكان مخصوص يجرى مجرد الاعتكاف، والتوجه إلى الكعبة تجري مجرى الحج، وذكر الله ورسوله يجري مجرى الشهادتين ومجاهدة في مدافعة الشيطان جارية مجرى الجهاد وإمساك عن الأطيبين جاري مجرى الصوم وفيها ماليس في شيء من العبادات الأخرى من وجوب القراءة وإظهار الخشوع والركوع والسجود وغير ذلك. قال الطيبي. وفيها ما قال ﷺ . ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) الذي هو أصل ذلك كله. قوله: (أي عالمي زمانهم): أخرجه ابن جرير عن مجاهد وأبي العالية وقتادة. وقال الشيخ سعد الدين: يعني ليس المراد بالعالمين جميع ما سوى الله ليلزم تفضيلهم على الملانكة، ولا جميع الناس ليلزم تفضيلهم على نبينا وأمته ففسر بعالمي زمانهم، ووجهه أن العالم اسم لكل موجود سواه، فيحمل على الموجودين بالفعل فلا يتناول من مضى أو من يوجد بعدهم على أنه لو سلم العموم في العالمين فلا دلالة على التفضيل: من كل جهة عموما، ولا من جهة القرب والمكانة عند الله خصوصا. وفي الحاشية المشار إليها: التفضيل في شيء لا يلزم منه التفضيل مطلقا، وذلك لأن شخصا لو فاق في نظم الشعر، وفاق آخر في علم القرآن والفقه، لا يلزم من تكريم الأول أنه يطلق عليه أنه أفضل من الفقيه المفسر. ومعنى تفضيلهم على جميع العوالم أن الله تعالى بعث منهم رسلا كثيرا لم يبعثهم من أمة ففضلوا بهذا النوع من التفضيل على سائر الأمم.

стр. 620

قوله: (لا تقضى عنها شيئا من الحقوق) زاد في الكشاف. فشيئا مفعول به. قوله: (وعلى هذا تعين أن يكون مصدرا) بخلاف أجزأ عنه بالهمزة بمعنى أغنى عنه، فإنه لازم فلا يكون شيئا إلا مصدراً. قوله: (وإيراده منكراً مع تنكير النفس للتعميم ، والإقناط الكلى، تبع في ذلك صاحب الكشاف. وفي الحاشية المشار إليها: إن هذا على مذهب المعتزلة، فإنهم ينكرون الشفاعة للعصاة ويحتجون بهذه الآية، وأهل السنة يقدرون لا تجزى نفس عن نفس كافرة شيئا لما ثبت من الآيات والأخبار الصحيحة. قوله: (والجملة صفة ليوما والعائد فيها محذوف) إلى آخر هـ. قال أبو حيان: هذه الجملة صفة لليوم، والرابط محذوف، فيجوز أن يكون التقدير: لا تجزى فيه، فحذف حرف الجر والضمير دفعة واحدة، ويجوز أن يكون التقدير: لا يجزيه فيكون قد حذف حرف الجر، فاتصل الضمير بالفعل ثم حذف الضمير، فيكون الحذف بتدريج أو عداه إلى الضمير الأول اتساعا. قال: وما ذهبوا إليه من تعيين الرابط أنه فيه أو الضمير: هو الظاهر. وقد يجوز على رأي الكوفيين ألا يكون ثم رابط ولا تكون الجملة صفة، بل مضافا إليها يوم محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: واتقوا يوما، يوم لا تجزي فحذف يوم لدلالة يوما عليه، فلا تحتاج الجملة إلى ضمير، ويكون إعراب ذلك المحذوف، بدلاً وهو بدل كل من كل. ولم يجز البصريون ما أجازه الكوفيون من حذف المضاف وترك المضاف

стр. 621

إليه على خفضه في يعجبني القيام زيد، ولا يبعد ترجيح حذف يوم لدلالة ما قبله عليه بهذا المسموع الذي حكاه الكسائي. قوله: (كما حذف في قوله: أو مال أصابوا). قال القالي في أماليه: حدثنا أبوبكر بن دريد: أنا عبدالرحمن، على عمه الأصمع، قال: خرج أعرابي إلى الشام فكتب إلى بني عمه كتبا فلم يجيبوه عنها، فكتب إليهم: ألا أبلغ معاتبتي وقولي ... بني عمي فقد حسن العتاب وسل هل كان لي ذنب إليهم ... هم منه فاعتبهم غضاب كتبت إليهم كتبا مرارا ... فلم يرجع إلى لهم جواب فما أدري أغيرهم ثناء .... وطول العهد أم مال أصابوا فمن يك لا يدوم له وفاء

стр. 622

وفيه حين يغترب انقلاب فعهدي دائم لهم وودي .... على حال إذا اشهدوا وغابوا وقال ابن الشجري، في أماليه: قائلها الحرث بن كلدة يعاتب بني عمه وإنما قال: أم مال أصابوا، لأن الغنى في أكثر الناس يغير الإخوان على إخوانهم وهي من ألطف عتاب وأحسنه. قال الشيخ سعد الدين: فمن ذلك ما قاله أبو الهول: في صديق له أيسر فلم يجده كما يجب. لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة .... فأصبحت فيها بعد عسر أخا يسر لقد كشف الإثراء منك خلائقا .... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر قوله: (أي من النفس الثانية العاصية أو من الأولى) قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى أن/ المختار، هو أن يرجع إلي النفس العاصية ليلائم قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ فإن الضمير فيها للنفوس العاصية، وكذا في ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ وليوافق ما ذكر في موضع آخر ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ ولأنه حيث أريد هذا المعنى

стр. 623

أضيفت الشفاعة إلى الشافع مثل: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، وما يقال في ترجيح الوجه الثاني أن المقصود نفي أن يدفع العذاب أحد عن أحد فنفى جميع ما يتصور في ذلك من الطرق أعني الإعطاء لنفس الحق وهو الجزاء وبدله وهو الفدية أو ترك الإعطاء مع اللطف وهو الشفاعة أو القهر وهو النصرة، غايته أنه لم يراع في الذكر الترتيب وغير في طريق النصرة الأسلوب حيث لم يقل ولا هي أي النفس المجازية بنصرها إلى المجزية، إشارة إلى أن هذا الطريق مستحيل بحيث لا يصح أن يسند إلى أحد وأنه لا خلاص لهم بهذا الطريق البتة، ولا محالة لما في تقديم المسند إليه من تقوى الحكم مردود بأن المقصود بسوق الآية نفى اندفاع العذاب وعدم الخلاص لأن المناسب بوجوب الاتقاء وإنما نفى الدافع بالعرض مع أن عود الضمير في: لا يؤخذ منها عدل إلى النفس الثانية في غاية الظهور، وإن حمل، ولاهم ينصرون على ما ذكر: تكلف. وقال أبو حيان: الضمير في: منها: عائد على النفس المتأخرة، لأنها: أقرب مذكور، ويجوز أن يعود على نفس الأولى، وقد يظهر ترجيحه لأنها هى المحدث عنها، في قوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾، والنفس الثانية مذكورة على سبيل الفضلة لا العمدة. قوله: (وكأنه أريد بالآية نفى أن يدفع العذاب أحد عن أحد من كل وجه يحتمل) إلى أخره، قال الطيبي: هذا على التقسيم العقلي، وأما البياني فإن الآية من أسلوب الترقي، ولذلك أختار في تفسير تجزى، تقضى على لغة يعنى كأنه قيل: النفس الأولى غير قادرة على اختصاص صاحبها من قضاء الواجبات وتدارك التبعات؛ لأنها مشغلة عنها بشأنها ثم إن قدرت على سعى ما مثل الشفاعة فلا تقبل منها وأن زادت عليها بأن تضم معها النداء، فلا يؤخذ منها، وإن حاولت الخلاص بالقهر

стр. 624

والغلبة وأنى لها ذلك فلا يتمكن منه، كالترقى من السعي إلى السعي. قوله: (والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفي من النفوس الكثيرة، وتذكيره بمعنى العباد والأناسي)، قال الحلبي: يعني أنه قصد بها المذكور، ولكن قد نص النحاة على أن مثل هذا ضرورة، فالأولى أن يعود على الكفار الذين اقتضتهم الآية كما قال ابن عطية. وقال الشيخ سعد الدين: أشار إلى أنه ليس الضمير عائدا إلى النفس المنكرة من حيث كونها لعمومها بالنفي في معنى الكثرة، على ما يقع في بعض العبارات بل إلى ما تدل هي عليه من النفوس الكثيرة حتى إن هذا يكون من قبيل ما تقدم ذكره يعني بدلالة لفظ آخر. مثل: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ فإن الضمير عائد إلى لفظ أحد؛ لأنه في معنى الجماعة، ثم استشعر أنه لما عاد الضمير إلى النفوس كان المناسب: هن بالتأنيث لاهم بالتذكير، فأجاب بأنه لتأويل النفوس بالعباد والأناس، كما تقول: ثلاثة أنفس بالتاء مع تأنيث النفس، لتأويل النفوس بالأشخاص أو الرجال وقال الطيبي: حق الظاهر أن يقال: ولا هي تنصر فخولف بأن جمع الضمير والمرجوع إليه مفرد، وذكره وهو مؤنث، فالجمع باعتبار أن النفس المنكرة في سياق النفي دلت على أن هناك نفوسا كثيرة، وكل واحد منها: لا تجزي عن الأخرى شيئا، والتذكير لتأويل أن تلك الأنفس عبيد مقهورون مذللون تحت سلطان الله وملكه. وفي الحاشية المشار إليها: لو قيل: إن النفس المذكورة في الآية لما كان المراد عمومها دخل فيها الذكور والإناث، فغلب المذكر كان حسنا.

стр. 625

وقال أبو حيان: منهم من جعل الضمير في (ولاهم) عائدا على النفسين معا، لأن التثنية جمع. قوله: (وأصل آل: أهل، لأن تصغيره أهيل) ، ذهب الكسائي إلى أن أصله أول من آل يؤول رجع قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ونقل عن العرب، أنهم قالوا في تصغيره: أويل وبهذا القول جزم الجوهري، وصححه الواحدي، واختاره ابن البانش، ورد الأول باختلاف أهل وآل معنى، فإن الأصل القرابة، والآل من يؤول إليك في قرابة أوراي أو مذهب وبأن الألف لم يثبت بدلاً من الهاء في غير هذا الموضع. قوله: (وفرعون لقب من ملك العمالقة ككسرى) وقيصر لملكي الفرس والروم، قال الشيخ سعد الدين: يشبه أن يكون مثل فرعون وقيصر وكسرى من علم الجنس ولذا منع الصرف، ولكن جمعه باعتبار الأفراد، مثل: الفراعنة والقياصرة والأكاسرة يدل على أنه علم شخص يسمى به كل من يملك ذلك وضعا ابتدائيا. قال: والعمالقة أولاد عمليق من لاوذ بن بن إرم بن سام بن نوح. قوله: (ولعتوهم اشتق منهم تفرعن الرجل). في الحاشية: يشير به إلى أن الاشتقاق أصله أن يكون من المصادر لا من الأسماء وقل

стр. 626

من الأسماء كهذا. قوله: (وكان فرعون موسى مصعب بن ريان، وقيل: اسمه وليد)، والأشهر في اسمه الثاني، قاله: ابن إسحاق وأكثر المفسرين. قوله: (يسومونكم: يبغونكم)، قيل: المعروف تفسير يسومونكم: يتولونكم ويذيقونكم مع أن يبغونكم متعد إلى واحد فلا يصح أن يفسر به ما عدى إلى المفعولين، لكن قال الراغب: السوم الذهاب في ابتغاء الشيء فهو لفظ لمعنى مركب من الذهاب والابتغاء وأجرى مجرى الذهاب في قولهم سامت الإبل ومجرى الابتغاء في قولهم: سمته الخسف، ومنه، قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. قوله: (ونصبه على المفعول) أي الثاني. قوله: (بيان ليسومونكم): تبع عبارة الكشاف. وعبارة أبي حيان، بدل من يسومونكم، بدل الفعل من الفعل، نحو قوله تعالى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ وهي أصوب لأن عطف البيان لا يكون في الأفعال ولا في الجمل، قال ابن هشام في المغني: مما افترق فيه عطف البيان والبدل: أن عطف البيان لا يكون جملة ولا تابعا لجملة، ولا فعلا ولا تابعا لفعل بخلاف البدل. والمفهوم من كلام الشيخ سعد الدين: أنه لم يقصد هنا بالبيان عطف البيان، بل البيان المعنوي، أي التفسير فإنه قال: ويذبحون بيان لقوله: يسومونكم. وهو حال أو

стр. 627

استئناف، وقد حكى القولين مع البدل أبو حيان. وفي الحاشية المشار إليها جعل المصنف يذبحون بيانا وتفسيرا لقوله: يسومونكم، فكأن قائلا قال: فما الذي ساموهم إياه؟ فقال: يذبحون، ويستحيون، إلا أن هذا يعارضه ما في سورة إبراهيم، وهي قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ﴾ والظاهر من حرف العطف المغايرة والواقعة واحدة. ويبعد أن تدخل الواو على المضارع إذا كان حالا مثبتا. وقال أبو حيان: قال الفراء: الموضع الذي حذفت فيه الواو تفسير لصفات العذاب، والموضع الذي فيه الواو يبين أنه قد مسهم من العذاب غير الذبح. قوله: (لأن فرعون رأي في المنام)، أخرج ابن جرير عن السدي، أن فرعون رأى في المنام: أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة، فسألهم عن رؤياه فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على وجهه هلاك مصر. قوله: يسلوككم فيه أو بسبب انجائكم أو ملتبسا بكم). قال الطيبي، والشيخ سعد الدين: يعني أن في الباء ثلاثة أوجه، أولها الاستعانة والتشبيه بالآلة فتكون استعارة تبعية، وثانيها: السببية الباعثة بمنزلة اللام، وثالها: المصاحبة فيكون الظرف مستقراً على هذا وعلى الوجهين لغوا. زاد الطيبي: وفرق بين باء السببية والاستعانة فإن باء الاستعانة

стр. 628

كالآلة وإن البحر فرق بواسطتهم، والسببية أذنت بأن الله تعالى فرقه بسببهم ولأجل انجائهم، لكن ليس فيه أنه فرق بواسطتهم أم لشيء آخر، وعلى الملابسة ليس فيها نصوصية الأمرين. وقال صاحب الانتصاف: يضعف الأول إن آلة التفريق للبحر هي العصا، بدليل قوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ قوله: كقوله: تدوس بنا الجماجم والتريبا. هو: للمتنبي، وأوله: كأن خيولنا كانت قديما ... تسقى في فحوفهم الحليبا فمرت غير نافرة عليهم .... تدوس بنا الجماجم والثريبا قال الطيبي: التريب جمع تريبة، وهي عظام الصدر، والعرب تسقى كرام خيولهم اللبن، يقول: كأن خيولنا كانت تسقى اللين في فخوذ رؤس الأعداء فألفتها فهي تطأ رؤوسهم وصدورهم ونحن عليها فلا تنفر. قوله: (أراد به فرعون وقومه) إلى آخره. قلت: الأحسن فيه أنه من باب راكب الناقة طليحان اعتبارا للمضاف والمضاف إليه، لا من باب حذف المعطوف عليه أو المعطوف الذي ذكره المصنف. قوله: (روى أنه تعالى أمر موسى ﵇: أن يسري ببنى إسرائيل) الحديث، أخرجه ابن جرير، عن ابن عباس، وفيه: فأوحى

стр. 629

الله تعالى إلى موسى، أن قل بعصاك هكذا، فقال موسى بعصاه على الحيطان هكذا فصار فيها كوى أي أشار بها إلى حيطان الماء، قال في الأساس: قال بيده أهوى بها، وقال برأسه: أشار، وقال الحائط: سقط. وقال: وبالجملة: فالعرب تستعمل القول في غير الكلام، وقال في النهاية: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام فتقول: قال بيده أي أخذه وقال برجله، أي مشى، وقال بثوبه أي رفعه، وقال بالماء على يده، أي قلب، ويقال: قال بمعنى مال وأقبل وضرب، وغير ذلك- والكوى بالكسر جمع كوة بالفتح، كبدرة وبدر، وبالضم جمع كوة. وفي الحاشية المشار إليها العرب تستعمل القول مجازاً في الشروع في الفعل والإشارة إليه قال: ومن عادة الزمخشري ألا يطيل في القصص، ولا يذكر منها إلا ما لابد منه في تفسير الآية، أو ما ثبت في الحديث الصحيح، وإنما ذكر هذه القصة لأن للسلف تأويلين في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، أحدهما: وأنتم في حال الانجاء ينظر بعضكم إلى بعض، كما ذكر فى القصة من تشبيك الماء وصيرورته كوى، والثاني: وأنتم بعد أن صعدتم من البحر تنظرون إلى غرفهم. وقال الطيبي: أي ينظرون من النظر بالبصر، والظاهر الإطلاق. قال الراغب: النظر نظران، نظر بصر ونظر بصيرة، والأول كالخادم للثاني، ولما احتملت الآية المعنيين، قيل معناها: وأنتم تشاهدونه ولا تشكون فيه وعلى ذلك حمل قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. وقيل معناها:

стр. 630

وأنتم تعتبرون بذلك. قوله: (لما عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وعد الله موسى أن يعطيه التوراة) قلت: هذا الذي ذكره من عودهم إلى مصر تبعا لما في الكشاف لا يعرف ولم يرد في شيء من الأخبار أنهم عادوا إلى مصر بعد خروجهم منها، والقرآن ناطق بخلاف ذلك في عدة مواضع، وهو أنهم كانوا بالشام، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ فإنها مفسرة بالشام، ولم يأت موسى للميعاد إلا بطور سينا، وهو بالشيء لا بمصر، وقد صرح بما ذكرته الإماء أبو جعفر ابن جرير فقال: قد كتب الله لهم الأرض المقدسة بعد أن أخرجهم من مصر، فلما امتنعوا من قتال الجبارين حرمها عليهم وعاقبهم بالتيه إلى أن دخلها أولادهم مع يوشع، ولم يخبرنا أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجهم منها: قال: فإن قيل، فإن الله تعالى قال: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قيل: إن الله أورثهم وملكهم إياها ولم يردهم إليها وجعل مساكنهم الشام. وقال الشيخ بهاء الدين ابن عقيل في تفسيره لم يصرح أحد من المفسرين والمؤرخين بأنهم دخلوا مصر/ بعد خروجهم منها. قوله: (واعدنا) ، لأنه تعالى وعده الوحي ووعده موسى الجيء)، قال الشيخ سعد الدين: كثيرا ما يسلك صاحب الكشاف هذه الطريقة أعني جعل تعلق المفاعلة بالنسبة إلى كل من المشاركين شيئا آخر. وقال أبو

стр. 631

حيان: لا يجوز نصب أربعين على الظرف، لأنه ظرف معدود فيلزم وقوع العامل في كل فرد فرد من أجزائه والمواعدة لم تقع كذلك. وقال الطيبي: من فوائد صاحب التقريب في هذا المحل إشكال تقريره أن أربعين إما أن يكون منتصبا على الظرفية أو على المفعولية لظهور بعد غيرهما من المنصوبات أو امتناعه، والأول ممتنع لأن المواعدة لم تكن في أربعين، وكذلك الثاني، لأن المواعدة إنما تتعلق بالأحداث والمعاني، لانفس الحديث والأزمنة ولا جائز أن يقدر مضاف لأنه لو قدر إما أن يقدر المذكور إلى الوحي والمجيء، وهو ممتنع لأن تقدير مضافين إلى شيء واحد حذفا من اللفظ غير معهود في العربية أو أن يقدر أمر واحد منهما أو غيره والأول أيضا ممنوع لأن أحدهما غير مواعد من الظرفين بل كليهما. والثاني غير جائز لأن المنقول ذلك الأمر، على أن المواعدة تقتضي شيئين. وأجاب بأنا نختار الثالث ونقدر أمراً يتضمنهما لتصحيح المعنى واللفظ نحو الملاقات، فإنها تستقيم من الجانبين، واللقاء الموعود من الله لأجل الوحي ومن موسى لأجل المجيء لاستماعه، وغرض المفسرين من ذلك التقدير بيان المعنى، وأن الموعود من كل جانب ماذا؟ لا بيان الإعراب. وقال الشيخ سعد الدين: أربعين في موضع المفعول به باعتبار ما يتعلق بها من الأحوال والأفعال الصالحة لتعليق الوعد به ويكون من الظرفين وعد يتعلق به إلا أنه من الله تعالى الوحي وتنزيل التوراة ومن موسى المجيء والاستماع والقبول وكذلك الكلام في موضع تبين اختلاف الظرفين في باب المفاعلة. وقوله: (ثم اتخذتم العجل إلها:) فيه أمران: الأول: أنهم جعلوا اتخذ مما أبدل فيه الهمزة كما قالوا في ااتمن: أتمن، وكان القياس إبدالها ياء فيقال: ايتخذ. قال أبو حيان: ومن فوائد الشيخ بهاء الدين ابن النحاس: إن اتخذ مما أبدلت فيه الواو تاء على اللغة الفصحى، لأن فيه

стр. 632

لغة أنه يقال: وخذ بالواو فجاء هذا على الأصل في البدل وإن كان مبنيا على اللغة القليلة وهذا أحسن، لأنهم نصبوا على أن أتمن لغة رديئة وكان ﵀ يغرب بنقل هذه اللغة وخرجه الفارسي على أن التاء الأولى أصلية، لأن العرب، قالوا: تخذ بكسر الخاء بمعنى اتخذ، قال تعالى: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الثاني قال أبو حيان: يحتمل اتخذ هنا أن تكون متعدية لواحد، أي صنعتم عجلا، وعلى هذا التقدير يكون ثم جملة محذوفة يدل عليها المعنى، وتقديرها: وعبدتموه إلها، وأن تكون متعدية إلى اثنين، فيكون المفعول الثاني محذوفا لدلالة المعنى عليه، والتقدير: ثم اتخذتم العجل إلها. قال: والأول أرجح، إذ لو تعدى في هذه القصة إلى اثنين لصرح بالثاني، ولو في موضع واحد في نظائره، قال: ويترجح القول الثاني لاستلزام القول الأول حذف جملة، ولا يلزم في الثاني إلا حذف المفعول، وحذف المفرد أسهل. انتهى، والمصنف مشي على الثاني. قوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي مضيه. قال الشيخ سعد الدين: أن الضمير لموسى والمضاف محذوف، وقال أبو حيان: من تفيد ابتداء الغاية في البعدية التي تلي المواعدة إذ الظاهر عود الضمير على موسى ولا يتصور البعدية في الذات فلا بد من حذف، وأقرب ما يحذف مصدر يدل عليه لفظ واعدنا، أي من بعد مواعدة فلابد من ارتكاب المجاز في أحد الحرفين إلا إن قدر محذوف غير المواعدة، وهو أن يكون التقدير: من بعد ذهابه إلى الطور، فيزول التعارض إذ المهلة تكون بين المواعدة والاتخاذ ويبين المهلة قصة الأعراف إذ بين المواعدة والاتخاذ هناك جمل

стр. 633

كثيرة، وابتداء الغاية يكون عقب الذهاب إلى الطور فلم تتوارد المهلة والابتداء على شيء واحد فزال التعارض. وقوله: (والعفو محو الجريمة من عفا إذا درس)، ذكر غيره أن العفو بمعنى الترك وبمعنى الدروس، وبمعنى السهولة، وإن العفو عن الذنب يصح رجوعه إلي كل منها، فعلى الأول هو ترك ما يستحق الذنب من العقوبة، وهو ما ذكره الليث وعلى الثاني، وهو محو الذنب، وهو ما ذكره ابن الأنباري وعلى الثالث: هو الإعراض عن المؤاخذة كما يعرض عما يسهل على النفس بذله. قوله: (أي لكي تشكروا عفوه)، إصلاح لما في الكشاف، إذ قال: إرادة أن تشكروا، قال المحسوف: هذا بناء على مذهبه، والذي ألجأه إلى ذلك أن لعل تكون بمعنى الطمع والاشفاق، وكلاهما مستحيل في حق الله، فأوله بالإرادة بناء على مذهبه أن مراد الله تعالى قد يتخلف عن إرادته، وعندنا لا يصح ذلك لأن إرادته تستلزم الوقوع، ولو أراد الله أن يشكروا لشكروا كلهم، ولم يقع ذلك، فيحمل على ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ أخرج ابن أبي حاتم عن السدي: عن أبي مالك، قال: لعلكم في القرآن بمعنى كي، غير أية في الشعراء ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾،

стр. 634

يعني كأنكم تخلدون. قوله: (يعني التوراة الجامع بين كونه كتابا وحجة) ، إلى آخره. قال الطيبي: يريد أن الكتاب والفرقان عبارتان عن معبر واحد وهو التوراة بعد تأويلها بالصفتين وهو من باب الكناية التي يطلب بها نفس الموصوف نحو قولك: حي مستوى القامة عريض الأظفار، وتريد الإنسان، وأما الواو فهي الداخلة بين الصفات للإعلام باستقلال كل منهما. قوله: (وقيل الشرع الفارق بين الحلال والحرام) قال الطيبي: فالعطف إذن إما من باب قولك: ملائكته وجبريل أو من باب التجريد، لأن التوراة مشتملة على الشرع الفارق فجرد منها هذه الصفة لكما لها فيه ثم عطفت عليها، وهي هي. قوله: (بالبخع) بموحدة ثم معجمة ثم مهملة، يقال: بخع الشاة ذبحها، وبخع نفسه أهلكها، ومنه قوله ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ وفي الأساس: إن إطلاقه على المشقة التي هي غير القتل مجاز. قوله: (أو قطع الشهوات)، هذا ذكره بعض أرباب الحواشي، قال جماعة؛ ولا يجوز أن يفسر به، لإجماع المفسرين على أن المراد هنا القتل الحقيقي. قوله: (روى أن الرجل كان يرى) إلى آخره. أخرجه ابن جرير من طرق، عن ابن عباس وغيره. قال الشيخ سعد الدين: الضبابة:

стр. 635

شبه سحابة تغشى الأرض كالدخان. قوله: (والفاء الأولى للسببية)، قال الزمخشري: لا غير قال الطيبي: يعني ليست للعطف، كقولهم: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، وحكاه القطب، فقال: منهم من يخيل من قوله: لا غير، إنها ليست للعطف، وليس كذلك بل هي لهما معا والمعطوف عليه: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ﴾، لأن كلا منهما مقول قول موسى، انتهى، وكان المصنف حذف قوله: (لا غير) لهذه النكتة: ولم يتعرض المصنف للفاء الثالثة وقد قال القطب والطيبي: إنها فاء الفصيحة، وهي الفاء التي تدل على أن ما بعدها يتعلق بمحذوف هو سبب لما بعدها. قال القطب: فالفاء التي ما قبلها يكون سبب لما بعدها إن كان ما قبلها محذوفا فهي الفصيحة وإلا فهي للسببية. وقال الطيبي: قد سميت فصيحة لأنها تفصح عن محذوف هو سبب لما بعده، والأولى أن علة التسمية اختصاصها بكلام الفصحاء. وفي الحاشية للقطب، في قوله: ﴿انْفَطَرَتْ﴾: الفاء فصيحية وسميت الفاء فصيحية لأنه يستدل بها على فصاحة المتكلم، يقال: كلام فصيح، وكلمة فصيحة وصفت الفاء بها على الإسناد المجازي، وإنما اختصت بكلام البلغاء لأن المراد بالحذف الدلالة على أن المأمور لم يتوقف عن إتباع الأمر فظهر أثره في الحال وعلى أن المطلوب بالضرب الانفجار لا الضرب ومثل هذا المعنى الدقيق لا يذهب إليه إلا الفصيح. قوله: (والثانية للتعقيب)، قال الطيبي: حمل الفاء على التعقيب يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون قتل أنفسهم عين التوبة، فحينئذ يحتاج
следующие страницы →