← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

حيان: لا يجوز نصب أربعين على الظرف، لأنه ظرف معدود فيلزم وقوع العامل في كل فرد فرد من أجزائه والمواعدة لم تقع كذلك. وقال الطيبي: من فوائد صاحب التقريب في هذا المحل إشكال تقريره أن أربعين إما أن يكون منتصبا على الظرفية أو على المفعولية لظهور بعد غيرهما من المنصوبات أو امتناعه، والأول ممتنع لأن المواعدة لم تكن في أربعين، وكذلك الثاني، لأن المواعدة إنما تتعلق بالأحداث والمعاني، لانفس الحديث والأزمنة ولا جائز أن يقدر مضاف لأنه لو قدر إما أن يقدر المذكور إلى الوحي والمجيء، وهو ممتنع لأن تقدير مضافين إلى شيء واحد حذفا من اللفظ غير معهود في العربية أو أن يقدر أمر واحد منهما أو غيره والأول أيضا ممنوع لأن أحدهما غير مواعد من الظرفين بل كليهما. والثاني غير جائز لأن المنقول ذلك الأمر، على أن المواعدة تقتضي شيئين. وأجاب بأنا نختار الثالث ونقدر أمراً يتضمنهما لتصحيح المعنى واللفظ نحو الملاقات، فإنها تستقيم من الجانبين، واللقاء الموعود من الله لأجل الوحي ومن موسى لأجل المجيء لاستماعه، وغرض المفسرين من ذلك التقدير بيان المعنى، وأن الموعود من كل جانب ماذا؟ لا بيان الإعراب. وقال الشيخ سعد الدين: أربعين في موضع المفعول به باعتبار ما يتعلق بها من الأحوال والأفعال الصالحة لتعليق الوعد به ويكون من الظرفين وعد يتعلق به إلا أنه من الله تعالى الوحي وتنزيل التوراة ومن موسى المجيء والاستماع والقبول وكذلك الكلام في موضع تبين اختلاف الظرفين في باب المفاعلة. وقوله: (ثم اتخذتم العجل إلها:) فيه أمران: الأول: أنهم جعلوا اتخذ مما أبدل فيه الهمزة كما قالوا في ااتمن: أتمن، وكان القياس إبدالها ياء فيقال: ايتخذ. قال أبو حيان: ومن فوائد الشيخ بهاء الدين ابن النحاس: إن اتخذ مما أبدلت فيه الواو تاء على اللغة الفصحى، لأن فيه

стр. 632

لغة أنه يقال: وخذ بالواو فجاء هذا على الأصل في البدل وإن كان مبنيا على اللغة القليلة وهذا أحسن، لأنهم نصبوا على أن أتمن لغة رديئة وكان ﵀ يغرب بنقل هذه اللغة وخرجه الفارسي على أن التاء الأولى أصلية، لأن العرب، قالوا: تخذ بكسر الخاء بمعنى اتخذ، قال تعالى: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الثاني قال أبو حيان: يحتمل اتخذ هنا أن تكون متعدية لواحد، أي صنعتم عجلا، وعلى هذا التقدير يكون ثم جملة محذوفة يدل عليها المعنى، وتقديرها: وعبدتموه إلها، وأن تكون متعدية إلى اثنين، فيكون المفعول الثاني محذوفا لدلالة المعنى عليه، والتقدير: ثم اتخذتم العجل إلها. قال: والأول أرجح، إذ لو تعدى في هذه القصة إلى اثنين لصرح بالثاني، ولو في موضع واحد في نظائره، قال: ويترجح القول الثاني لاستلزام القول الأول حذف جملة، ولا يلزم في الثاني إلا حذف المفعول، وحذف المفرد أسهل. انتهى، والمصنف مشي على الثاني. قوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي مضيه. قال الشيخ سعد الدين: أن الضمير لموسى والمضاف محذوف، وقال أبو حيان: من تفيد ابتداء الغاية في البعدية التي تلي المواعدة إذ الظاهر عود الضمير على موسى ولا يتصور البعدية في الذات فلا بد من حذف، وأقرب ما يحذف مصدر يدل عليه لفظ واعدنا، أي من بعد مواعدة فلابد من ارتكاب المجاز في أحد الحرفين إلا إن قدر محذوف غير المواعدة، وهو أن يكون التقدير: من بعد ذهابه إلى الطور، فيزول التعارض إذ المهلة تكون بين المواعدة والاتخاذ ويبين المهلة قصة الأعراف إذ بين المواعدة والاتخاذ هناك جمل

стр. 633

كثيرة، وابتداء الغاية يكون عقب الذهاب إلى الطور فلم تتوارد المهلة والابتداء على شيء واحد فزال التعارض. وقوله: (والعفو محو الجريمة من عفا إذا درس)، ذكر غيره أن العفو بمعنى الترك وبمعنى الدروس، وبمعنى السهولة، وإن العفو عن الذنب يصح رجوعه إلي كل منها، فعلى الأول هو ترك ما يستحق الذنب من العقوبة، وهو ما ذكره الليث وعلى الثاني، وهو محو الذنب، وهو ما ذكره ابن الأنباري وعلى الثالث: هو الإعراض عن المؤاخذة كما يعرض عما يسهل على النفس بذله. قوله: (أي لكي تشكروا عفوه)، إصلاح لما في الكشاف، إذ قال: إرادة أن تشكروا، قال المحسوف: هذا بناء على مذهبه، والذي ألجأه إلى ذلك أن لعل تكون بمعنى الطمع والاشفاق، وكلاهما مستحيل في حق الله، فأوله بالإرادة بناء على مذهبه أن مراد الله تعالى قد يتخلف عن إرادته، وعندنا لا يصح ذلك لأن إرادته تستلزم الوقوع، ولو أراد الله أن يشكروا لشكروا كلهم، ولم يقع ذلك، فيحمل على ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ أخرج ابن أبي حاتم عن السدي: عن أبي مالك، قال: لعلكم في القرآن بمعنى كي، غير أية في الشعراء ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾،

стр. 634

يعني كأنكم تخلدون. قوله: (يعني التوراة الجامع بين كونه كتابا وحجة) ، إلى آخره. قال الطيبي: يريد أن الكتاب والفرقان عبارتان عن معبر واحد وهو التوراة بعد تأويلها بالصفتين وهو من باب الكناية التي يطلب بها نفس الموصوف نحو قولك: حي مستوى القامة عريض الأظفار، وتريد الإنسان، وأما الواو فهي الداخلة بين الصفات للإعلام باستقلال كل منهما. قوله: (وقيل الشرع الفارق بين الحلال والحرام) قال الطيبي: فالعطف إذن إما من باب قولك: ملائكته وجبريل أو من باب التجريد، لأن التوراة مشتملة على الشرع الفارق فجرد منها هذه الصفة لكما لها فيه ثم عطفت عليها، وهي هي. قوله: (بالبخع) بموحدة ثم معجمة ثم مهملة، يقال: بخع الشاة ذبحها، وبخع نفسه أهلكها، ومنه قوله ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ وفي الأساس: إن إطلاقه على المشقة التي هي غير القتل مجاز. قوله: (أو قطع الشهوات)، هذا ذكره بعض أرباب الحواشي، قال جماعة؛ ولا يجوز أن يفسر به، لإجماع المفسرين على أن المراد هنا القتل الحقيقي. قوله: (روى أن الرجل كان يرى) إلى آخره. أخرجه ابن جرير من طرق، عن ابن عباس وغيره. قال الشيخ سعد الدين: الضبابة:

стр. 635

شبه سحابة تغشى الأرض كالدخان. قوله: (والفاء الأولى للسببية)، قال الزمخشري: لا غير قال الطيبي: يعني ليست للعطف، كقولهم: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، وحكاه القطب، فقال: منهم من يخيل من قوله: لا غير، إنها ليست للعطف، وليس كذلك بل هي لهما معا والمعطوف عليه: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ﴾، لأن كلا منهما مقول قول موسى، انتهى، وكان المصنف حذف قوله: (لا غير) لهذه النكتة: ولم يتعرض المصنف للفاء الثالثة وقد قال القطب والطيبي: إنها فاء الفصيحة، وهي الفاء التي تدل على أن ما بعدها يتعلق بمحذوف هو سبب لما بعدها. قال القطب: فالفاء التي ما قبلها يكون سبب لما بعدها إن كان ما قبلها محذوفا فهي الفصيحة وإلا فهي للسببية. وقال الطيبي: قد سميت فصيحة لأنها تفصح عن محذوف هو سبب لما بعده، والأولى أن علة التسمية اختصاصها بكلام الفصحاء. وفي الحاشية للقطب، في قوله: ﴿انْفَطَرَتْ﴾: الفاء فصيحية وسميت الفاء فصيحية لأنه يستدل بها على فصاحة المتكلم، يقال: كلام فصيح، وكلمة فصيحة وصفت الفاء بها على الإسناد المجازي، وإنما اختصت بكلام البلغاء لأن المراد بالحذف الدلالة على أن المأمور لم يتوقف عن إتباع الأمر فظهر أثره في الحال وعلى أن المطلوب بالضرب الانفجار لا الضرب ومثل هذا المعنى الدقيق لا يذهب إليه إلا الفصيح. قوله: (والثانية للتعقيب)، قال الطيبي: حمل الفاء على التعقيب يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون قتل أنفسهم عين التوبة، فحينئذ يحتاج

стр. 636

إلى تقدير: فاعزموا على التوبة فاقتلوا لئلا يلزم عطف الشيء على نفسه. وثانيهما: أن يكون قتل أنفسهم تتمة للتوبة، فتكون التوبة مشتملة على القول المتعارف والفعل المخصوص، فيصح العطف بدون التقدير، وقال أبو حيان: جملة فاقتلوا أنفسكم، بدل من قوله: ﴿فَتُوبُوا﴾ إن قلنا إن التوبة هي نفس القتل، والفاء كهي في فتوبوا معها السببية، وللتعقيب إن قلنا: القتل تمام توبتهم والمعنى: فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم. وفي الحاشية المشار إليها: ذكر صاحب الكشاف في الفاء الثانية وجهين، لا يخلو واحد منهما عن إشكال، الأول: أنه جعل قوله فتوبوا كناية عن إرادة التوبة والعزم عليها، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾، وهذا وإن كثرت شواهده فهو على خلاف الأصل، والثاني: أنه جعل القتل من تمام التوبة حتى يتم له عطف القتل على التوبة، وهو أيضا مجاز، لأن القتل إذا كان جزءاً من التوبة فالواقع قبلها ليس بتوبة وإنما هو جزء توبة. فحاصل الوجهين: أن قوله فتوبوا مجاز، إما من باب التعبير بالمسبب عن السبب، وإما من باب التعبير عن الجزء بالكل، قال: ويحتمل أن يقال: إن هذه الفاء جاءت في كتاب الله وفي كلام الفصحاء لا تدل على تعقيب، بل تأتي كالتفسير لما أجمل أولا والتبيين لكيفية وقوعه، فمن ذلك هذه الآية فإن القتل كان نفس التوبة، ومنه: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، وتقول: قام فلان فأحسن

стр. 637

وخطب فأوجز، وأعطى فأجزل، والتعقيب ممتنع في هذه الأمثلة. قوله: (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، متعلق بمحذوف) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: الفاء الثالثة تحتمل وجهين، أحدهما أن تكون جزاء شرط محذوف، أي إن فعلتم فقد تاب عليكم، وأتى بلفظ قد ليصح دخول الفاء، وإنما انتظم في قوله لأنه لا معنى أن يقول الله لهم: إن فعلتم فقد تاب عليكم، وثانيهما أن تكون عطفا على محذوف أي إن فعلتم فتاب عليكم، ويكون خطابا من الله لهم على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، حيث عبر عنهم بطريق الغيبة بلفظ قومه. وهذا مع وضوحه قد خفي على كثيرين حتى توهموا أن المراد الالتفات من التكلم إلى الغيبة في فتاب، حيث لم يقل: فتبنا. انتهى. وأشار بهذا الأخير إلى الطيبي، فإنه قرر ذلك، فقال: أي قال لكم موسى توبوا إلى بارئكم فتبنا عليكم، قال: فإن قلت: من أين نشأ الالتفات؟ وكيف موقعه؟ قلت: من قوله: وإذ قال موسى لقومه، يعني أذكروا يابني إسرائيل وقت قول موسى لقومه: فتوبوا إلى بارئكم فامتثلتم أمره فتبتم فتبنا عليكم، فرجع إلى الغيبة، وفي الحاشية المشار إليها ما ذكره الزمخشري على الوجه الأول من تعلقه بشرط محذوف فيه إشكال، فإن الفعل الماضي إذا وقع جوابا للشرط ولم يقدر الجواب محذوفا لم يجز دخول الفاء إلا مع قد كقوله: من فعل فقد أحسن، ولا يصح أن يقال: من فعل فأحسن. وقال أبو حيان: قوله فتاب عليكم، لابد فيه من تقدير محذوف عطفت عليه هذه الجملة أي فامتثلتم ذلك فتاب عليكم، وتكون هاتان الجملتان مندرجتين تحت الإضافة إلى الظرف الذي هو إذ في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾، قال: وأجاز الزمخشري أن يكون مندرجا تحت قول موسى على تقدير شرط محذوف، كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم، فتكون الفاء إذ ذاك رابطة لجملة الجزاء بجملة الشرط المحذوفة هي وحرف

стр. 638

الشرط قال: وما ذهب إليه الزمخشري لا يجوز، وذلك أن الجواب يجوز حذفه كثيراً للدليل عليه، وأما فعل الشرط وحده دون الأداة، فيجوز حذفه إذا كان منفيا بلا في الكلام الفصيح، وأما حذف فعل الشرط وأداة الشرط معا وإبقاء الجواب فلا يجوز إذا لم يثبت ذلك من كلام العرب. وقال السفاقسي: فقد أجازه الفارسي في الحجة في قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، قال: الفاء جزاء لا عاطفة، أي إذا حبستموهما أقسما. قوله: (استعيرت للمعاينة) قال الطيبي: وفائدتها كمال الرؤية بحيث لا يضام فيها، وفي الحاشية المشار إليها: الجهر حقيقة في القول، واستعماله في رؤية العين مجاز، والمخافتة حقيقة في الصوت الخفي وتستعمل في رؤية القلب مجازا، الراغب: الجهر يقال لظهور الشيء بإفراط، إما بحاسة البصر نحو رأيته جهارا، ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ومنه جهر البئر إذا ظهر ماءها، والجوهر: فوعل منه سمى بذلك لظهوره للحاسة، وإما بحاسة السمع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾. قوله: (أو الحال من الفاعل) قال أبو حيان: على تقدير الحذف أي ذوي جهرة، أو على معنى جاهرين بالرؤية، لا على طريق المبالغة، نحو رجل صوم، لأن المبالغة لا تراد هنا. قوله: (قيل جاءت نار من السماء فأحرقتهم)، أخرجه ابن جرير

стр. 639

عن السدي. قوله: (وقيل: صيحة) أخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس. قوله: (والسماني) بتخفيف الميم والقصر وألفه للالحاق وواحده سماناه. قوله: (وأصله فظلموا بأن كفروا هذه النعمة)، قال الشيخ سعد الدين: وجه الدلالة ما ظلمونا على هذا المحذوف أنه نفى بطريق العطف تعليق الظلم بمفعول وأثبته بمفعول آخر، وهذا يقتضي سابقة إثبات أصل الظلم. وقال الطيبي: يريد أن الواو في ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ تستدعي معطوفا عليه هو مرتب على ما قبله كقوله تعالى: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾، قدر فيه: فعملا به وعلماه، وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، والفاء في فظلموا بها مجاز لغير الترتيب، على أسلوب قولك: أنعمت عليه فكفر أي ليشكر فكفر وضعوا الكفر موضع الشكر فظلموا ونحوه قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾، أي شكر رزق ربكم أنكم تكذبون، وإنما قال: فظلموا بأن كفروا هذه النعمة ولم يقل: فظلموا بأن لم يمتثلوا الأمر، لأنهم امتثلوا الأمر وهو الأكل، لكن ما عملوا بمقضاه أي الشكر. قوله: (أريحا)، قال في النهاية: بفتح الهمزة وكسر الراء والحاء

стр. 640

المهملة، اسم قرية بالغور قريبة من بيت المقدس. قوله: (أو أمرك حطة)، قال الطيبي: أي: شأنك حط الذنوب. قوله: (وقيل معناه: أمرنا حطة) أي: أن نحط في هذه القرية ونقيم بها. قال الإمام: هذا قول أبي مسلم وزيف بأنه لو كان المراد ذلك، لم يكن غفران خطاياهم متعلقا به، والآية دلت على أن غفران خطاياهم كان لأجل قولهم: حطة، قال الإمام: ويمكن الجواب عنه بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجداً مع التواضع كان الغفران متعلقا به. قال الطيبي: ويشكل بقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ويمكن أن يقال: أن الأمر بذلك القول لمحض التعبد، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدلوه بما اتجه لهم من الرأي فعذبوا لذلك. قوله: (قرأ نافع بالياء وابن عامر بها): صوابه: وابن عامر بالتاء الفوقية. وعندي أن هذا تحريف من الناسخ والمصنف

стр. 641

منزه عن ذلك. قوله: (أو على أنه مفعول قولوا) ، أي: قولوا هذه الكلمة. قال أبو حيان: هذا ليس بجائز، لأن القول لا يعمل في المفردات إنما يدخل على الجمل للحكاية، فيكون في موضع المفعول به إلا إن كان المفرد مصدراً، نحو قلت قولا، أو صفة لمصدر، نحو قلت حقا، أو معبرا به عن جملة نحو قلت شعراً وقلت خطبة، على أن هذا القسم يحتمل أن يعود إلى المصدر، لأن الشعر والخطبة نوعان من القول فصار كالقهقري من الرجوع، وحطة ليس واحدا من هذه، ولأنك إذا قلت حطة منصوبة بلفظ قولوا: فإن ذلك من الإسناد اللفظي لا المعنوي، وإذا كان من اللفظي لم يترتب على النطق به فائدة أصلا إلا مجرد الامتثال للأمر بالنطق بلفظ لا فرق بينه وبين الألفاظ الغفل التي لم توضع للدلالة على معنى، ويبعد أن يرتب الغفران للخطايا على النطق بمجرد لفظ مفرد لم يدل به على معنى، انتهى. قوله: (وأخرجه على صورة الجواب) إلى آخره، هو جواب سؤال مقدر، أي: كيف عطف وسنزيد على نغفر، وهو مجزوم، قال الطيبي: أراد أن الزيادة إذا كانت من وعد الله كانت أعظم مما إذا كانت مسببة عن فعلهم. قوله: (بدلوا بما أمروا به) ألى آخره. لم يذكر اللفظ الذي قالوه بدله. قد أخرج الشيخان من حديث أبي

стр. 642

هريرة مرفوعا، إنهم قالوا: حبة في شعرة وفي رواية في شعيرة، وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود، أنهم قالوا: هطى سمقا يا زيد وزبا، وهي بالعربية: حنطة حمراء قوية فيها شعرة سوداء. وأخرج ابن جرير عنه، إنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. وأخرج الحاكم عن ابن عباس، إنهم، قالوا: حنطة. والحاصل، إنهم عدلوا إلى لفظ حنطة عن لفظ حطة استهزاء بها، فأخرج ابن جرير عن ابن زيد، أنهم قالوا: ما يشاء موسى أن يلعب بنا [إلا لعب بنا] حطة حطة، أي شيء حطة؟ وقال بعضهم لبعض حنطة. قوله: (والرجز في الأصل ما يعاف عنه)، الراغب: أصل الرجز الاضطراب ومنه رجز البعير إذا تقارب خطوه، والرجز هنا الزلزلة، وقال غيره: أصله تتابع الحركات، والرجز العذاب المقلق بشدته قلقلة شديدة متتابعة شديدة. قوله: وقرئ بالضم، وهي لغة فيه، زاد غيره: إنها لغة بني الصعدات. قوله: (والمراد به الطاعون)، أخرجه ابن جرير عن ابن زيد وأورد فيه حديث الطاعون، رجزا نزل على من كان قبلكم، ثم أخرج

стр. 643

عن ابن عباس، إن كل شيء في القرآن من الرجز يعني به العذاب. قوله: (الأدرة) بالضم انتفاخ الخصية. قوله: من آس الجنة، بالمد، يخالفه ما أخرجه ابن المنذر، عن ابن عباس، أنها كانت من عوسج، وأخرج مثله عن الحكم. قوله: (متعلق بمحذوف تقديره: فإن ضربت فقد انفجرت) تابع فيه الزمخشري، وقال أبو حيان: تقدم الرد عليه في هذا التقدير في فتاب عليكم، بأن إضمار هذا الشرط لا يجوز، وفي قوله أيضا إضمار قد إذ يقدر (فقد تاب عليكم)، فقد انفجرت ولا يحفظ من لسانهم ذلك، إنما تكوك بغير فاء أو إن دخلت الفاء فلابد من إظهار قد، وما دخلت عليه قد يلزم أن يكون ماضيا لفظا ومعنى. نحو: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾، وإذا كان ماضيا لفظا ومعنى: استحال أن يكون بنفسه جواب الشرط فاحتيج إلى تأويل وإضمار جواب الشرط، ومعلوم أن الانفجار على ما قدر يكون مرتبا على أن يضرب، وإذا كان مرتبا على مستقبل وجب أن يكون مستقبلا، فإذا كان مستقبلا امتنع أن تدخل عليه قد التي من شأنها ألا تدخل في شبه جواب الشرط على الماضي إلا ويكون معناه ماضيا، نحو الآية، ونحو قولهم: إن تحسن إلي فقد أحسنت إليك ويحتاج إلى تأويل كما ذكرنا، وليس هذا الفعل بدعاء فتدخله الفاء فقط ويكون معناه الاستقبال، وإن كان بلفظ الماضي، نحو: إن زرتني فغفر الله لك، وأيضا فالذي يفهم من الآية: أن الإنفجار قد وقع وتحقق، ولذلك قال: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا

стр. 644

وَاشْرَبُوا﴾ وجعله جواب شرط محذوف على ما ذهب إليه يجعله غير واقع إذ يصير مستقبلا لأنه معلق على تقدير وجود مستقبل والمعلق على تقدير وجود مستقبل لا يقتضي إمكانه فضلا عن وجوده، فما ذهب إليه فاسد في التركيب العربي، فاسد من حيث المعنى، فوجب طرحه. فالفاء إذا إنما هي للعطف على جملة محذوفة، أي فضرب فانفجرت، لقوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾، أي: فضرب فانفلق، ويدل على هذا المحذوف وجوب الانفجار مرتبا على ضربه، إذ لو كان ينفجر بدون ضرب ما كان للأمر فائدة، ولكان تركه عصيانا، وهو لا يجوز على الأنبياء. انتهى. وقال الحلبي في الجواب: كأنه، يعني الزمخشري، يريد تفسير المعنى، لا الإعراب. وقال السفاقسي: أما حذف الشرط وفعله: فقد تقدم. وقد يقال هنا: أنه ليس من هذا القبيل لتقدم الأمر المضمن معنى الشرط، وهو قوله: إضرب، وأما فساد المعنى والتركيب فممنوع وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وقد قال ابن الضائع: وتقول: إن قام زيد فقد قام عمرو أمس، وهذا ليس بجواب في الحقيقة، إذ لا يتقدم المسبب على سببه وإنما الجواب محذوف، تقول: إن جنتنى فقد أعطيتك فهو مما استغنى فيه بالسبب عن مسببه، وهو كثير. قال السفاقسي: والتقدير في الإثنين على هذا النحو أي إن كذبوك فلا تأس؛ لأنه قد كذبت، أو فاصبر وإن ضربت بسيف أو لم يذكر، ونحوه، قد انفجرت، أو قدر واقعا لتحقيقه، قال: والحق أن فيه تكلفا وتعسفا،

стр. 645

ولكنه لا ينتهي إلى فساد المعنى والتركيب. وقال ابن هشام في المغني: بعد ذكره. إن هذا التقدير يقتضي تقدم الانفجار على الضرب؛ إلا أن قيل: المراد فقد حكمنا بترتيب الانفجار على ضربك. قوله: (يريد ما رزقهم من المن والسلوى وماء العيون) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: جعل الرزق بمعنى المرزوق ووصله إلى الطعام نظراً إلى كلوا أو إلى الماء نظراً إلى إشربوا، ولا قرينة على الأول، إلا أن يلاحظ ما سبق من قصد تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى ولعدم التعرض لذلك في هذه القصة فسر بعضهم الرزق بالماء وجعله مما يؤكل بالنظر إلى ما ينبت منه ومشروبا بحسب نفسه، ولم يرتضه المصنف، أما أولاً، فلأنه لم يكن أكلهم في التيه من زروع ذلك الماء وثماره. وأما ثانيا: فلأنه جمع بين الحقيقة والمجاز، ولا يندفع بكون من للابتداء، دون البعضية لأن ابتداء الأكل ليس من الماء بل مما ينبت منه بل الجواب أن من لا تتعلق بالفعلين جميعا وإنما هي على الحذف، أي كلوا من رزق الله وأشربوا من رزق الله فلا جمع، انتهى، وقال أبو حيان: من رزق الله متعلق باشربوا، وهو من إعمال الثاني على طريقة اختيار أهل البصرة، إذ لو كان من إعمال الأول لأضمر في الثاني ما يحتاجه، فكان يكون كلوا واشربوا منه، من رزق الله، ولا يجوز حذف منه إلا في ضرورة، انتهي. قوله: (وإنما قيده؛ لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد) إلى آخره. قال الطيبي: هذا الذي قال القاضي المقام ناب عنه؛ لأن الآية واردة في قوم مخصوصين. فالصواب: أن مفسدين حال مؤكدة، وهو الذي ذكره أبو البقاء، وقال الشيخ أكمل الدين: قيل:

стр. 646

جعل المفسدين حالاً مؤكدة فاسد، وذكر نحوه الشيخ سعد الدين. قوله: أجموا بكسر الجيم، يقال: أجمت الطعام إذا كرهته من المداومة عليه. قوله: (كانوا فلاحة) قال الطيبي: أي: أهل زراعات، فنزعوا إلى عكرهم أي: اشتاقوا إلى أصلهم، وقيل: العكر العادة والديدن. قوله: (تفسير وبيان وقع موقع الحال)، عبارة أبي البقاء (من) في بقلها لبيان الجنس وموضعها نصب على الحال من الضمير المحذوف وتقديره: مما تنبته الأرض كائنا من بقلها. قوله: (وقيل: بدل بإعادة الجار). قال أبو حيان: فمن، على هذا التقدير تبعيضية كهي في ﴿مِمَّا تُنْبِتُ﴾، ولا يمكن كونها حينئذ لبيان الجنس لأن اختلاف مدلود الحرفين يمنع البدل كاختلاف الحرفين قال: والمختار، كون (من) في الموضعين للتبعيض، وأن الثانية بدل من الأولى. قوله: (يقال هبط الوادي) إلى آخره. في الحاشية المشار إليها: يشير به إلى أن هبط لا يختص بالنزول من المكان العالي، بل قد تستعمل في الخروج من أرض إلى أرض مساوية لها، وإلى أرض أعلى كما في هبط من الوادي، قوله: (وإنما صرفه لسكون وسطه) أي: كما صرف هند ودعد لمعادلة أحد السببين بخفة الاسم لسكون وسطه.

стр. 647

قوله: (أو على تأويل البلد)، قال أبو حيان: أي ذهب باللفظ مذهب المكان والبلد لا الأرضية فذكره، فبقي فيه سبب واحد فانصرف. قوله: (وقيل: أصله مصرايم فعرب)، قال الشيخ سعد الدين: وإنما جاز الصرف على هذا لعدم الاعتداد/ بالعجمة لوجود التعريب والتصرف. قوله: (أحيطت بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه أو ألصقت بهم من ضرب الطين على الحائط) ، قال الطيبي: أي الاستعارة إما أن تكون في الذلة بأن شبهت الذلة بالقبة المضروبة على شيء شاملة له من كل جانب، ثم بولغ في التشبيه فحذف المشبه به، وأقيم المشبه مقامه فأثبت لها الضرب على طريق التخييلية، فتكون استعارة مكنية وإما أن يكون في الفعل، وهو ضربت فاستعير لمعنى ألصقت على سنن التبعية فتكون مصرحة، وقال الشيخ سعد الدين: أي أن في الذلة استعارة بالكناية، حيث شبهت بالقبة أو بالطين، وضربت استعارة تبعية تحقيقية بمعنى الإحاطة والشمول بهم أو اللزوم واللصوق، ولا تخييلية وعلى الوجهين فالكلام كناية عن كونهم أذلاء متصاغرين، فما يقال: المراد الاستعارة إما في الذلة تشبيها بالقبة، فهي مكنية، وإثبات الضرب تخييل وإما في الفعل، أعني ضربت، تشبيها لإلصاق الذلة ولزومها بضرب الطين على الحائط فتكون تصريحية تبعية، مما لا يرتضيه علماء البيان.

стр. 648

قوله: (رجعوا به أو صاروا أحقاء بغضبه)، قال أبو حيان: الباء على الأول للحال، وعلى الثاني: صلة، فعلى الأول تتعلق بمحذوف، وعلى الثاني: لا تتعلق. قوله: (وأصل البوء)، يجوز فيه فتح الباء وضمها، فكلاهما مصدر رباء. قوله: (ونظيره في الضمير قول رؤبة. يصف بقرة: فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق) التوليع: إختلاف الألوان والبهق بياض وسواد يظهر في الجلد، روى أن أبا عبيدة قال لرؤيه: إن أردت الخطوط فقل: كأنها، أو السواد والبلق، فقل كأنهما، فقال: أردت كان ذلك، ويلك. انتهى، وأول هذه الأرجوزة: وقاتم الأعماق خاوي المخترق .... مشتبه الأعلام لماع الخفق يكل وفد الريح من حيث انخرق .... شأز بمن عوه جدب المنطلق ناء من التصبيح تأى المغتبق .... تبدو لنا أعلامه بعد الغرق في قطع الآل وهبوات الدقق ..... خارجة أعناقها من معتنق تنشطته كل مغلاة الوهق .... مضبورة قرواءهر جاب فنق مائرة العضدين مصلاة العنق .... مسودة الأعطاف من وسم العرق

стр. 649

إذا الدليل استاف أخلاق الطرق .... كأنها حقباء بلقاء الزلق قود ثمان مثل أمراس الأبق .... فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق .... يحسبن شاما أو رقاعا من نبق فوق الكلى من دائرات المنطق. قال ابن دريد في شرح ديوان رؤبة: إنما يريد أتانا لأن هذه الصفة صفة أتان. قوله: (سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل) قلت: أخرج ابن جرير عن ابن جريج، قال: إنما سميت اليهود من أجل قولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قوله: (والياء في نصراني، للمبالغة كما في أحمري)، قال الشيخ سعد الدين: وذلك للدلالة على أنه منسوب إلى ذلك عريق فيه لا مجرد موصوف بالحمرة، وفي الصحاح: لم يستعمل نصرانى إلا بياء النسب، ويقال: نصران، قرية بالشام نسبت إليها النصارى. قوله: (سموا بذلك، لأنهم نصروا المسيح)، في الحاشية المشار إليها: ليس هذا خارجا عن قواعد الاشتقاق، فإنه يقال: لواحدهم: ناصر

стр. 650

، وفاعل لا يجمع على فعالي، بل على فاعلين كعاقلين، أو فعل كركع. أو فعلة ككتبة أو فعل كركب وتجر، وليس من صيغ جمعه فعالي، قال: وكذا قول من قال: إنهم سموا به لأنهم نزلوا قرية يقال لها ناصرة، من عمل بيت المقدس، ومنها ظهر أمر عيسى فإن: هذا الاشتقاق أيضا بعيد، فإن قياس النسبة إليه: ناصرى، والجمع ناصرون، قال: ولو قيل: إنه اسم جامد غير مشتق يخلص القائل من هذه الأمثلة، قلت: هذا القول الثاني، أخرجه ابن جرير بسند ضعيف، عن ابن عباس، قال: إنما سميت النصارى لأن قرية عيسى كانت تسمى ناصرة، وأخرج عن قتادة مثله، ويجاب عما اعترض به بأن هذا من شواذ النسبة التي جاءت على غير القياس، كقولهم: لحياني ورقباني ورازي، ودراوردي، ومروزي. قوله: (فمن صبا إذا خرج)، وقرأ نافع وحده بالباء إما لأنه خفف الهمزة أو لأنه من صبا إذا مال. في الحاشية المشار إليها: حاصله: أن من قرأ الصابئين بالهمزة فهو من صبا إذا خرج، يقال: صبأت النجوم إذا طلعت، ومن قرأ الصابيون بلا همزة فله وجهان أحدهما: إنه أراد الهمزة وحذفها تحفيفا، والثاني: إنه من صبا يصبو فهو صاب إذا مال وجمعه صابون. ومثله داعون، قال: ولهذه المسئلة نظيران، أحدهما، النبي، من همزه جعله مشتقا من النبأ، وهو الخبر، ومن لم يهمزه فله وجهان أحدهما أنه تخفيف من النبأ والثاني: أنه من نبا ينبو إذا أرتفع. النظير الثاني: البرية، فمن همزها فهي الخليقة من برأ الله والله الباري ومن لم يهمزها، فله وجهان، أحدهما أنه تخفيف من برا إذا خلق، والثاني: إنه

стр. 651

مشتق من البرا وهو التراب. قوله: (ومن مبتدأ خبره فلهم أجرهم، والجملة خبر إن، أو بدل من اسم إن: وخبرها فلهم أجرهم)، قال أبو حيان: إتفق المعربون والمفسرون على أن الجملة من قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ في موضع خبر إن، إذا كان من مبتدأ، وإن الرابطة محذوف، تقديره، من آمن منهم، ولا يتم ما قالوه إلا على تغاير الإيمانين، أعني الذي هو صلة الذين والذي هو صلة من، إما في التعلق أو في الزمان أو في الإنشاء والاستدامة. وأما إذا لم يتغاير فلا يتم ذلك لأنه يصير المعنى، إن الذين أمنوا من آمن منهم ومن كانوا مؤمنين، لا يقال من أمن منهم إلا على التغاير بين الإيمانين، وأعربوا أيضا (من) بدلا، فتكون منصوبة، موصولة، قالوا: وهي بدل من اسم إن قال: ومن أعربها مبتدأ فإنما جعلها شرطية ويحتمل أن تكون موصولة، فإذا كانت شرطية فالخبر الفعل بعدها، وإذا كانت موصولة فالخبر قوله: (فلهم أجرهم)، قالوا: وهي بدل من اسم إن وما بعدها ولا يتم ذلك أيضا إلا على تقدير تغاير الإيمانين، كما ذكرنا، قال: والذي نختاره إنها بدل من المعاطيف التي بعد اسم إن فيصح إذ ذاك المعنى: وكأنه قيل: إن الذين آمنوا من غير هذه الأصناف الثلاثة ومن آمن من الأصناف الثلاثة، (فلهم أجرهم). انتهى. وقال الشيخ سعد الدين: ما ذكره من كون (من) مبتدأ خبره فلهم؛ يشعر بأنه جعلها موصولة، إذ الشرطية خبرها الشرط مع الجزاء لا الجزاء وحده. قوله: (روى أن موسى لما جاءهم بالتوراة فرأو ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم)، إلى أخره. أخرجه ابن أبي حاتم، عن اين عباس. قوله: (ويجوز عند المعتزلة أن يتعلق بالقول المحذوف، أي: قلنا

стр. 652

: خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا)، قال الطيبي: الحاصل، أن لعلكم إذا كانت تعليلا، لقوله: خذوا واذكروا، كان على حقيقته لأنه راجع إليهم، وإذا علق بقلنا المقدر يكون تعليلا لفعل الله، فيجب تعليله بالإرادة على مذهبهم. قوله: (أعرضتم عن الوفاء)، في الحاشية: التولي حقيقة في الإعراض بالجسد، وأن يستدبرك الشخص بعد إقباله عليك، والمراد هنا المجاز، وهو الإعراض عن الطاعة والقبول. قوله: (اللام موطئة للقسم) ، قال أبو حيان: في لقد، لام الابتداء، في نحو لزيد قائم، ويحتمل أن يكون جوابا لقسم محذوف، ويكون قد أقسم على أنهم علموا الذين اعتدوا. قوله: (والسبت، مصدر سبتت اليهود: إذا عظمت يوم السبت)، قال القطب: فسره بالمصدر، لأن المنهي عنه الاعتداء فيه. لا الاعتداء على شيء في يوم السبت، وفي الحاشية يريد أنهم اعتدوا في التعظيم ولم يقوموا بحقه، وليس المراد نفي ظرفية الزمان، وهم وإن كان اعتداؤهم واقعا في ذلك اليوم فليس المراد إلا أنهم اعتدوا في ذلك التعظيم الذي أمروا به في ذلك اليوم فيتجاوزوا حدوده، وقال الحلبي: فيه نظر فإن هذا اللفظ موجود واشتقاقه مذكور في لسان العرب، قبل: فعل اليهود ذلك، اللهم إلا أن يريد هذا السبت الخاص المذكور في هذه الآية. قلت: لا وجه لهذا النظر كما لا يخفي ثم قوله: إن هذا الاشتقاق موجود في لسان العرب قبل فعل اليهود ذلك محل توقف فإن فعل اليهود من زمن موسى، وهو قبل انتشار لغة العرب، وفشو الاشتقاق فيها بدهر طويل فما أطلقت العرب السبت على مصدر سبتت اليهود إلا بعد فعلهم له بلا شك بل نفس تسمية العرب اليوم بالسبت وسائر الأيام بأسمائها المتداولة الآن متأخر عن زمن عيسى، فضلا عن موسى، وما كانوا، أعني العرب يسمون السبت إلا شيارا وكذا سائر الأيام كان لها في اللغة

стр. 653

العربية القديمة إسما غير هذه قال الشاعر في أسماء الأيام السبعة على اللغة القديمة: أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار أو لتالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار هذه أسماء أيام الأسبوع على الترتيب، ذكر ذلك الفراء في كتاب الأيام والليالي، وخلائق أخرهم أبو حيان في تذكرته، وقد بسطت ذلك في كتاب المزهر. قوله: (جامعين بين صورتي القرد والخسوء وهو الصغار والطرد، قال الحلبي: هذا التقدير بناء على أن الخبر لا يتعدد، فلذلك قدرهما بمعنى خبر واحد من باب (هذا حلو حامض). قوله: (قال مجاهد: ما مسخت صورتهم، ولكن قلوبهم)، أخرجه ابن جرير عنه، وقال إنه قول مخالف لظاهر القرآن والأحاديث والآثار المستفيضة، وإجماع المفسرين. قوله: (فجعلتا، أي: المسخة أو العقوبة)، قال أبو حيان: الظاهر أن الضمير عائد على المصدر المفهوم من كونوا، أي: فجعلنا كينونتهم قردة. قوله: (من الأمم)، قال الشيخ سعد الدين: بيان لما بين يديها وما خلفها على استعارتهما للزمان وإقامة ما موقع من تحقيرا لشأنهم في مقام العظمة والكبرياء، ويعنى بما قبلها السابقين الذين مضوا وكان في كتبهم

стр. 654

أنه تكون تلك المسخة فاعتبروا بها، وصح ألفا، لأن جعلها نكالاً للفريقين جميعا، إنما تحقق بعد القول والمسخ. قوله: (وقصته أنه كان فيها شيخ فقتل إبنه بنو أخيه طمعا في ميراته) إلى اخره. أخرج هذه القصة ابن جرير، وغيره، مطولة، ومختصرة من طرق عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وغيرهم، وفيها: أن الشيخ قتله ابن أخيه خلاف قول المصنف كالكشاف أن ابنه هو المقتول، وقد نبه القطب والطيبي على وهمه، قال الطيبي: قوله في آخر القصة: ولم يورث قاتل بعد ذلك يدل عليه، لأن المورث الأب لا ابنه المقتول، ولأن قاتل الابن لا يمنع الإرث من الأب بلا خلاف. قوله: (مكان هزو وأهله أو مهزوءا ينا أو الهزء نفسه) قال الطيبي: أي: أن هزءا مصدر، لا يصلح أن يقع مفعولاً ثانيا؛ لأنه على تأويل خبر المبتدأ فيقدر المضاف فهو إما على مكان هزء أو أهل هزء أو يجعل الهزء بمعنى المهزوء به، تسمية للمفعول به بالمصدر، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ أي: مصيدة أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة، نحو رجل عدل، ولخصه الشيخ سعد الدين، فقال: إشارة إلى أن اتخذ يتعدى إلى مفعولين هما المبتدأ والخبر كجعل وصير، فوقع المصدر خبراً عن الجماعة فاحتاج إلى التأويل بالحذف أو التجوز في المفرد أو في الحكم. قوله: (لأن الهزء في مثل ذلك جهل وسفه)، في الحاشية يشير إلى أن المزاح والهزل اليسير في غير الفتاوى والوقائع العظيمة مسموح به، وأما في مثل هذه الواقعة فهو سفه وعبث.

стр. 655

قوله: (نفى عن نفسه ما رمى به على طريقة البرهان وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة استفظاعا له) قال الطيبي: عني/ بقوله: طريقة البرهان، طريقة الكناية، حيث نفى عن نفسه أن يكون داخلا في زمرة الجاهلين وواحداً منهم وتمم المبالغة بالاستعادة، أي: أن الهزء في مقام الإرشاد كاد أن يكون كفراً فصحت الاستعاذة منه، فالمطابقة بين جواب موسى وبين كلامهم من حيث المعنى. قوله: (وكان حقه أن يقولوا: أي بقرة هي)؟ إلى أخره. قال الطيبي: يعني ما هي يسأل به عن الجنس وحقيقة الشيء وحقيقة البقرة: غير مسئول عنها، لأن الضمير راجع إلى البقرة المذكورة وهي بقرة فذة مبهمة فامتنع السؤال عن حقيقتها فرجع إلى صفاتها ثم إلى أقربها من الحقيقة وما تمتاز بها عن سائر أنواعها، كأنها صارت حقيقة أخرى على منوال. قوله: (فإن تفق الأنام وأنت منه .... فإن المسك بعض دم الغزال) وقال القطب: لما كان المراد السؤال عن الصفة كان حقه أن يقال: أي بقرة؟ أو كيف هي؟ فإن (ما هي) سؤال عن حقيقة الشيء، لكنهم لما سمعوا اتصافها بهذه الصفات العجيبة الشأن ولم يعرفوا من جنس البقر ما هو موصوف بهذه الصفة فكأنهم لم يعرفوا حقيقتها فأوردوا العبارة السائلة، عن حقيقتها وإن أرادوا صفتها، فلهذا حسن في الجواب ذكر

стр. 656

الصفات. قوله: (نواعم بين أبكار وعون) هو: للطرماح. وأوله. (طوال مشل أعناق الهوادي وقبله: ظعانن كنت أعهدهن قدما ... وهن لذى الأمانة غير خون حسان مواضع النقب الأعالي .... غراث الوشح صامئة اليرين ظعائن، جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج، وغراثي الوشاح كناية عن الهيفاء أي: رقيقة الخصر. وقوله: صامنة اليرين، كناية عن غلظ ساقها والبرين جمع برة، الخلخال، ومشل موضع الشلل من شللت الثوب، إذا خطته، وطوله: كناية على طول العنق، والهوادي جمع الهادي وهو العنق، فإضافة الأعناق إليه إضافة الشيء إلى نفسه، والناعمة اللذيذة اللينة وعون جمع عوان، وهي المرأة بين الحديثة والمسنة. قوله: (والمروى عنه ﵇: لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم)، أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن عكرمة مرفوعا ومرسلا، وأخرجه، ابن جرير بسند صحيح، عن ابن عباس موقوفا.

стр. 657

قوله: (أي: ما يؤمروا به، بمعنى يؤمرون به)، من قوله: ((أمرتك الخير فافعل ما أمرت به)) (أو أمركم بمعنى مأموركم)، في الحاشية المشار إليها: حاصلة: أن (ما) في يؤمرون، إما موصولة، أو مصدرية وعلى كل واحد منهما سؤال، فعلى الموصولة، كيف جاز حذف الجار والمجرور من الصلة؟ والجواب: أن أمر تتعدى بنفسها، تقول: أمرتك الخير، وحينئذ، فالأصل ما يؤمرونه، فالمحذوف الضمير وحده، كما في: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾. أي: بعثه الله. وعلى المصدرية، يكون التقدير: افعلوا أمركم، والأمر لا يفعل، وإنما يفعل المأمور به؟ والجواب: إن المصدر يطلق ويراد به المفعول، فهو معنى قوله: أو أمركم بمعنى مأموركم، وقال الشيخ سعد الدين: يتوهم من قوله: ما يؤمرونه/ بمعنى ما يؤمرون به: أن المراد إنه مثل (لا تجزى نفس عن نفس شيئا) في حذف الجار والمجرور دفعة أو تدريجا، أو أنه/ قبيل التدريج، حيث حذف الباء أولا ثم الضمير، والظاهر من العبارة أنه من قبيل حذف المنصوب من أول الأمر، لأن حذف الجار قد شاع في هذا الفعل، وكثر استعمال أمرته كذا حتى لحقت بالأفعال المتعدية إلى المفعولين، وصار ما يؤمرون، في تقدير تؤمرونه، وكذا جعل يؤمرون به هو المعنى دون التقدير، وأما جعل ما مصدرية، والمصدر بمعنى المفعول أي المأمور بمعنى المأمور به فقليل جداً، وإنما كثر في صيغة المصدر، وقال أبو حيان: ما هنا موصولة والعائد محذوف تقديره: ما تؤمرونه. وأجاز بعضهم أن تكون ما مصدرية، أي: فافعلوا أمركم، ويكون

стр. 658

المصدر بمعنى المفعول أي مأموركم وفيه، بعد، انتهى. وأما البيت فيأتي الكلام عليه في سورة. قوله: (وعن الحسن، سوداء شديدة السواد)، أخرجه ابن جرير. قوله: (قال الأعشى): تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب هو من قصيدته يمدح قيس بن معدي كرب، وتلك مبتدأ وخيلي خبر، ومنه حال أي: حاصلة من الممددح، والركاب الإبل التي يسار عليها، الواحدة راحلة، ولا واحد لها من لفظها، وأولادها فاعل صفر أي: سود، ويمكن أن يكون هن صفر جملة، وأولادها كالزبيب، جملة أخرى، أي خيلي وإبلي سود وأولادها سود. قوله: (وفيه نظر، لأن الصفرة بهذا المعنى لا تؤكد بالفقوع)، قال الطيبي: الجواب ما جاء عن الزجاج، هذه كلها صفات مبالغة في الألوان، وقد قال بعضهم: صفراء ههنا سوداء، قال الطيبي: لأن الصفراء إذا أكدت بالفقوع تدل على خلوص الصفرة فيها، ثم إذا روعي معنى الإسناد المجازي معها دل على أن المراد بذلك التأكيد: المبالغة في الصفرة لا الخلوص فيها، فدلت هاتان المبالغتان على أنها بلغت الغاية في بابها وكل لون إذا قوي واشتد أخذ بالعين كالسواد، ولهذا وصفت

стр. 659

الخضرة إذا قويت بالادهام. قوله: (وفي الحديث، لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد). قال الشيخ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه. قلت: أخرجه بهذا اللفظ ابن جرير، عن ابن حريج مرفوعا معضلا، وأخرجه بنحوه سعيد بن منصور عن عكرمة مرفوعا مرسلا، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة مرفوعا موصولاً، قال الشيخ سعد الدين: قوله: (لو لم يستثنوا لما بينت لهم) أي: البقرة، يؤكد المعنى إنا لمهتدون إلى البقرة وكلمة إن شاء الله تسمى استثناء لصرفها الكلام عن الجزم وعن الثبوت في الحال من حيث التعليق بما لا يعلمه إلا الله. وأخر الأبد، كناية عن المبالغة في التأبيد، والمعنى إلى الأبد الذي هو آخر الأوقات. قوله: (لم تذلل للكراب)، في الصحاح: كربت الأرض قلبتها للحرث، ويقال في المثل: الكراب على البقر. قوله: (ولا ذلول، صفة أخرى، بمعنى غير ذلول). قال أبو حيان: على أنه من الوصف والمفرد، قال: ومن قال، هو من الوصف بالجملة، وإن التقدير لا هي ذلول، فبعيد عن الصواب، وقال الشيخ سعد الدين: أشار إلى أن (لا) بمعنى غير فكأنها اسم على ما صرح به السخاوي، لكن لكونها في صورة الحرف ظهر إعرابها فيما بعدها، ويحتمل أن يكون حرفا كما تجعل إلا بمعنى غير، في مثل:

стр. 660

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، مع أنه لا قائل باسميتها. قوله: (ولا الثانية، مزيدة لتأكيد الأولى)، قال الشيخ سعد الدين: الثانية حرف زيدت لتأكيد النفي، والتأكيد لا ينافي الزيادة على أنه يفيد التصريح بعموم النفي، إذ بدونها ربما يحمل اللفظ على نفي الاجتماع، ولهذا سمى (لا) المذكورة للنفي. قال أبو حيان: ذكر الزمخشري، أن لا الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتأكيد الأولى ووافقه على جعل لا الثانية زايدة صاحب المنتخب. قال: وما ذهبا إليه ليس بشيء، لأن قوله: (لا ذلول)، صفة منفية، بلا، وإذا كان الوصف قد نفى بلا لزم تكرار لا النافية لما دخلت عليه تقول: مررت برجل لا كريم ولا شجاع، وقال تعالى: ﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾، ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾، ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ﴾، ولا يجوز أن تأتي بغير تكرار، لأن المستفاد منها النفي إلا إن ورد في ضرورة شعر فإذا آل تقديرهما إلى (لا ذلول مثيرة وساقية) كان غير جائز: لما ذكرناه من وجوب تكرار لا، وعلى ما قدراه. كان نظير جاءني رجل لا كريم، وذلك لا يجوز، انتهى.

стр. 661

قوله: (أي تحقيقه وصف البقرة) ، قال الطيبي: أي لم يتضمن قولهم بالحق إنما جاء به من قبل كان باطلا، وإنما أرادوا، الأن جئت بما يحقق لنا المراد منها. قوله: (مظهره لا محالة)، قال الطيبي: دل بناء اسم الفاعل وهو مخرج على المبتدأ على الثبات وتوكيد الحكم. قال القطب: وفسر الإخراج بالإظهار لأنه في مقابلة الكتم. قوله: (بالعجب)، هو العظم بين الإليتين وأصل الذنب. وهو أول ما يخلق وأخر ما يخلق. قوله: (روى عن عمر أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار) أخرجه أبو داود. قوله: وقساوة القلب، مثل في تبوه عن الاعتبار، قال القطب: أي استعارة تمثيلية، شبهت حال قلوبهم في نبوها عن الاعتبار وعدم تأثرها من الآيات بحال الحجارة وهي القسوة، ثم استعير لها هذه الصفة. قال: ولو قلنا في قلوبهم، استعارة بالكناية ونسبة القسوة إليها قرينتها، كان أنسب، بقوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾. قوله: (وثم لاستبعاد القسوة): قال القطب: يعني ثم موضعه للتراخي في الزمان، ولا تراخي هنا إذ قسوة قلوبهم في الحال لا بعد زمان، فهي محمولة على الاستبعاد مجازاً أي تبعد عن العاقل قسوة القلب

стр. 662

بعد ظهور تلك الآية العظيمة، قال: ومنهم من حمل الاستبعاد على التباعد في المرتبة، وليس بذاك. فإن معناه أن مدخول ثم أعلى كما في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ والمراد هنا، أن مدخولها بعيد عن الوقوع. انتهى. وقال أبو حيان: إنما يستفاد الاستبعاد من الجملة المتقدمة عليها المقتضية استبعاد ما بعدها. قال السفاقسي: كلامه لا يقتضي أن مطلق العطف بثم يقتضي الاستبعاد، بل ظاهره أن ذلك بحسب السياق. قوله: (أو أنها مثلها)، إلى آخره قال أبو حيان: لا حاجة إلى هذا التقدير، والأول أولى. قوله: (وإنما لم يقل: أقسى، لما في أشد من المبالغة) إلى آخره. قال الحلبي في حوار التعجب والتفضيل. قوله: (وأو للتخيير أو للترديد) إلى آخره. قال القطب: كأن سائلا يقول: أو في قوله، (أو أشد قسوة): يفيد الشك، وهو محال على الله تعالى: فدفعه بأن الشك ليس براجع إلى الله تعالى، بل إلى من يعرف حالهم: فإنه إذا عرف حالهم أمكنه أن تشبههم بالحجارة أو بشيء أشد منها. والحاصل أن الشك بالنسبة إلى المخاطب لا بالنسبة إلى المتكلم

стр. 663

انتهى. واختار أبو حيان: أن أو للتنويع، وكأن قلوبهم على قسمين، قلوب كالحجارة قسوة، وقلوب أشد قسوة منها، فأجمل ثم فصل. قوله: (والخشية، مجاز عن الانقياد) وهو أحد الرأيين. واختار ابن عطية الرأي الآخر، إنها حقيقة وأن الله يخلق للحجارة قدراً ما من الإدراك يقع به الخشية والحركة. قوله: (وقرأ ابن كثير، ونافع، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر، وحماد، بالياء ضما إلى ما بعدها، والباقون بالتاء. فيه تخليط، والصواب: أن ابن كثير وحده قرأ بالتحتية، والباقون بالفوقية. قوله: (الخطاب لرسول الله ﷺ والمؤمنين) أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس، وقال أبو حيان: هو لرسول الله ﷺ خاصة، خوطب بلفظ

стр. 664

الجمع تعظيما له. قوله: (كنعت محمد)، أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهم وجدوا صفته في التوراة: أكحل أغبر ربعة جعد الشعر حسن الوجه، فكتبوه: طويلا أزرق سبط الشعر. قوله: (وإنه الرجم) في الصحيحين أنهم جعلوا بدلها الجلد والتحميم، أي تسويد الوجه. قوله: (أو تأويله، فيفسرونه بما يشتهون)، هذا رأي من يقول: أن تحريفهم خاص بالمعنى، لا باللفظ، والأول/ مقابل باللفظ. قوله: (وقيل: هؤلاء من السبعين) إلى آخره، أخرجه ابن إسحاق، عن ابن عباس، واختاره ابن جرير، لأن كلهم قد سمع التوراة، فلا معنى لتخصيص فريق منهم بذلك. قوله: (من فعل قسوة، نظر من حيت إنها من الأمور الخلقية أو من العيوب، وكلاهما ممنوع فيه بناء البابين).

стр. 665

قوله: (وفيه نظر، إذ الإخفاء لا يدفعه) قال شيخنا العلامة الكافيجي جوابه: إن الإخفاء لا يدفع الحاجة في زعمهم الفاسد وإن لم يدفعها في نفس الأمر قوله: تمنى كتاب الله أول ليلة ... وأخره لاقى حمام المقادر وهو من قصيدة يرثي بها عثمان بن عفان ﵁، وأورده أبو حيان، بلفظ: وأخره لاقي حمام المقادر. قوله: (ومن قال إنه واد في جهنم) ، هو قول رسول الله ﷺ : أخرجه الترمذي، من حديث أبي سعيد الخدري، وابن جرير من حديث عثمان بن عفان، والبزار من حديث سعد بن أبي وقاص كلهم مرفوعا. وأخرجه ابن المنذر، عن ابن مسعود، وابن أبي حاتم عن النعمان بن بشير، موقوفا عليهما. وأخرجه ابن جرير، عن جماعة من التابعين. قوله: (لا فعل له) قال أبو حيان: وما ذكر، من قولهم. وأل مصنوع. قوله: (روي أن بعضهم قالوا:) إلى أخره. أخرج ابن جرير

стр. 666

القول الأول عن ابن عباس وجماعة من التابعين، وأخرج الثاني من طريق صحيحة عن ابن عباس. قوله: (جواب شرط مقدر): هو أحد القولين في مثل ذلك، والآخر أنه لا تقدير ولكن ضمن الاستفهام معنى الشرط فأجيب بالفاء. قوله: (ولذلك فسرها السلف بالكفر)، أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، وأبي هريرة، وابن جرير، عن أبي وائل ومجاهد وقتادة، وعطاء والربيع بن أنس. قوله: (لقوله: ولا يضار)، أي برفع الراء. قوله: (لما فيه من الإيهام، أن المنهي سارع إلى الانتهاء) هذا لا يناسب حال بني إسرائيل لأن حالهم على خلاف ذلك، فالصواب أن يقال: لما فيه من الاعتناء بشأن المنهي عنه، وتأكد طلب امتثاله، حتى كأنه امتثل وأخبر عنه. قوله: (وعطف قولوا عليه)، قال الإمام علم الدين العراقي: دليله القوي وقوع الأمر من بني إسرائيل على خلافه بعبادتهم العجل، ولو كان خبر ألزم منه الخلف في خبر من يستحيل منه ذلك فلا حاجة إلى الأمور اللفظية مع وضوح الأدلة القطعية. قوله: (وقيل تقديره: ألا تعبدوا، فلما حذف أن، رفع)، قال الحلبي والسفاقسي: في ادعاء حذف حرف التفسير نظر. قوله: (

стр. 667

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى* هو لطرفة بن العبد من معلقته المشهورة. وتمامه: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلد * والوغى: الحرب. وأصله الصوت: والتقدير: أن أحضر يقول: يا أيها اللائمي على حضور الحرب وشهود الملذات هل أنت مخلدي أن كففت عنهما. قوله: (متعلق بمضمر تقديره: وتحسنون أو أحسنوا) قال الحلبي: وينتصب إحسانا حينئذ على المصدر المؤكد لذلك الفعل المحذوف. وفيه نظر من حيث إن حذف عامل المؤكد منصوص على عدم جوازه. قوله: (وحسنى على المصدر كبشرى)، قال أبو حيان: يحتاج ذلك إلى نقل أن العرب تقول: حسن حسنى، كما تقول: بشر بشرى، ورجع رجعى، إذ مجئ فعلى مصدراً لا ينقاس. قال: والأرجح، إنه صفة لموصوف محذوف، أي كلمة حسنى أو مقالة حسنى على زوال معنى التفضيل، أي حسنة. قوله: (والمراد به ما فيه تخلق وإرشاد)، قال الطيبي: لأن المتكلم إما أن يتكلم من جهة نفسه، فينبغي ألا يصدر عنه إلا ما يدخل

стр. 668

تحت مكارم الأخلاق، وإما من جهة مخاطبه فينبغي ألا يتكلم إلا بما يرشده إلى طريق الحق والصراط المستقيم. قوله: (ثم توليتم على طريقة الالتفات)، قال الحلبي: إنما يجئ هذا على قراءة لا يعبدون بالغيبة، وأما على قراءة الخطاب (فلا التفات البتة، ويجوز أن يكون أراد بالالتفات الخروج من خطاب بني إسرائيل القدماء إلى خطاب) الحاضرين في زمن النبي ﷺ وقد قيل بذلك. ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾، قيل: يعني بهم الذين أسلموا في زمانه ﵊ كعبد الله في سلام، وأضرابه، فيكون التفاتا على القراءتين. قوله: (وأنتم تشهدون توكيد)، إلى آخره، قال الطيبى: لأنه إذا قيل أقر فلان احتمل أنه تكلم بما يلزم منه الإقرار، فأزيل الاحتمال بقوله شاهداً على نفسه أي أقر إقراراً يشبه شهادة من يشهد على غيره بإثبات البينة. قوله: (ثم أنتم) إلى آخره قال الطيبي: كان من حق الظاهر، ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد فتقتلون إلى أخره، أي صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها فأدخل (هؤلاء) وأوقع خبراً لأنتم، وجعل قوله: (تقتلون) جملة مبينة مستقلة لتفيد أن الذي تغير هو الذات نفسها نعيا عليهم بشدة وكاد أخذ الميثاق ثم تساهلهم فيه وقلة المبالاة. قوله: (روى أن قريظة)، إلى آخره. أخرجه، ابن جرير عن

стр. 669

ابن عباس، وغيره. قوله: (وكأنه شبه بالكسلان، قيل وجه الشبه أن كلا محبوس عن كثير من تصرفه. قوله: (أو مبهم) إلى آخره . قال الطيبي: كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾، هذا ضمير مبهم لا يعلم ما يعني به إلا ما يتلوه من بيانه. كقولهم: هي العرب تقول ما شاءت. قوله: (وإخراجهم بدل أو بيان) هو على القول الثالث خاصة. قوله: (وقرأ عاصم، تردون). هي شاذة. قوله: (قلت نزير لم تصله مريمه) هو مطلع أرجوزة لرؤبة يمدح فيها السفاح أو المنصور وبعده

стр. 670

ضليل أهواء الظبي تندمه .... هل تعرف الريم المحيل أرسمه الزير: بكسر الزاي من الرجال الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن. ومريم: المرأة التي تكثر زيارة الرجال، من رام يريم ريما، والضليل مبالغة الضلال صفة زير، والتندم: الندم فاعل ضليل على الإسناد المجازي، نحو: نهاره صائم. قوله: (إذ لم يثبت فعيل) قال أبو حيان: قد أثبته بعضهم وجعل منه ضهيد اسم موضع، ومدين إذا جعلنا ميمه أصلية وضهياء: مقصورة مصروفة، وهي المرأة التي لا تحيض، وقيل: التي لا ثدي لها. وقال ابن جني: ضهيد مصنوع لا يحتج به على إثبات فعيل. قوله: (ولا أرحام الطوامث)، قال القطب: لأن مريم ﵍، لم تحض. قوله: (ووسطت الهمزة) إلى آخره، حاصله وجهان أحدهما: إخراج الهمزة عن أصلها من استحقاقها المصدر واقحامها في أثناء الكلام للتأكيد وهو أيضا أصل وقانون من قوانين العربية، قال أبو البقاء: دخلت الفاء لتربط ما بعدها بما قبلها. والآخر إجراءها على الأصل وتقدير معطوف عليه. قوله: (ولذلك سحر تموه وسممتم له الشاة)، القصتان: في
следующие страницы →