← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قوله: (انا دعوة إبراهيم) أي: أثر دعوته، أو الدعوة نفسه. قوله: (والحكمة ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام) ، كثرت عبارات المفسرين في تفسير الحكمة، فقال قتادة: هي السنة، وقال مجاهد: فهم القرآن، وقال مالك: هي الفقه في الدين، وقال مقاتل: العلم والعمل به، وقال محمد بن يعقوب: كل ثواب من القول ورث فعلا صحيحا. وقيل: هي القرآن، كررها تأكيدا، وقيل: وضع الأشياء مواضعها. قال أبو حيان: وهذه الأقوال، متقاربة، ويجمعها قولان، الكتاب والسنة، لأنها المبينة لما أبهم من القرآن والمظهرة لوجوه الأحكام. قوله: (إلا من استمهنها وأذلها)، إلى آخره، إشارة إلى أن

стр. 702

الأولى نصب نفسه على المفعول به، واقتصر في توجيه ذلك على نقله عن المبرد وثعلب، إن سفه، بالكسر متعد، وزاد أبو حيان، أن يكون ضمن معنى ما يتعدى، أي جهل، كما قال الزجاج وابن جني، أو أهلك كما قال أبو عبيدة، وفي حاشية الطيبي: قال صاحب الفرائد: الوجه أن سفه ضمن معنى جهل وعدي تعديته: كأنه قيل: جهل نفسه لخفة عقله أي لم يعرفها بالتفكر. قوله: (وبالضم لازم)، أبو حيان: سفه بالضم، معناه صار سفيها، كفقه إذا صار فقيها. قال: فلا علم إذا جهل العليم ... ولا رشد إذا سفه الحليم قوله: (ويشهد له ما جاء في الحديث: (الكبر: أن تسفه الحق: وتغمص الناس)، أخرجه ابن حيان والحاكم، من حديث أبي هريرة. قوله: (وقيل: أصله سفه نفسه على الرفع، فنصب على التمييز نحو غبن رأيه وألم رأسه، وقول جرير:

стр. 703

ونأخذ بعده بذباب عيش .... أجب الظهر ليس له سنام) فيه أمور الأول، قال أبو حيان: هذا رأي الكوفيين الذين يجوزون تعريف التمييز. الثاني: ما ذكره من التمييز، ذكره الزمخشري في الكشاف، وخالفه في المفصل، فقال: إنه على التشبيه بالمفعول به لا على التمييز. ورده أبو حيان بأن النصب على التشبيه بالمفعول خاص، عند الجمهور بالصفة ولا يجوز في الفعل، تقول: زيد حسن الوجه ولا يجوز حسن الوجه، ولا يحسن الوجه. قال: وعرف بذلك أن البيت ليس نظيراً للآية لأن النصب فيه بعد أجب، وهو اسم، وفي الآية بعد فعل. وأشار الشيخ سعد الدين إلى أن مراد صاحب الكشاف، أنه في الآية على التمييز وأن التعريف قد يدخله كما دخل المشبه بالمفعول الذي حقه التنكير لكونه في معنى المميز واقعا موقعه كما في البيت فالتنظير بالبيت لذلك؛ لا لأن الآية والبيت سواء في التمييز أو التشبيه بالمفعول. انتهى. نعم، القول بأن الآية على التشبيه بالمفعول ثابت عن غير الزمخشري، حكاه أبو حيان ورده. الثالث: نسبة المصنف البيت إلى جرير سهو، وإنما هو للنابغة الذبياني بالاجماع، يمدح النعمان بن المنذر، وقبله: فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والبلد الحرام ويروى: والشهر الحرام، أبو قابوس: كنية النعمان وأراد

стр. 704

بالربيع طيب العيش، وبالشهر الحرام الأمن، والأجب: الجمل المقطوع السنام الذي لا يتمسك لراكبه، وذناب الشيء: بالكسر، عقبه، أي يبقى بعده في طرف عيش لا خير فيه. الرابع: حاصل ما حكاه المصنف في نصب نفسه، ثلاثة أقوال: المفعولية، والتمييز، وعلى نزع الخافض وفاته ثلاثة أقوال: التضمين، والتشبيه بالمفعول، كما حكيناهما، وأن يكون توكيدا لمؤكد محذوف، تقديره: سفه. قوله: (نفسه) حكاه مكي. قوله: (مشهود له بالاستقامة) ، قال الطيبي: فسر الصلاح بالاستقامة، لأنه مقابل للفساد الذي هو خروج الشيء عن حال استقامته. قوله: (ظرف لاصطفينا) أو تعليل له أو منصوب بإضمار أذكر)، قال أبو حيان: على هذين القولين لا ينتظم (قال أسلمت) مع ما قبله إلا إن قدر، يقال، فحذف حرف العطف أو جعل جوابا للكلام مقدر، أي: ما كان جوابه؟ فقيل: قال، أسلمت. قال: فالأوجه أن العامل في (إذ)،

стр. 705

(قال أسلمت). وقال الشيخ سعد الدين: إنما لم يجعل الظرف متعلقا بـ (قال أسلمت) على ما هو ظاهر في مثل إذ جاء زيد قام عمرو، لأن الأنسب فيه العطف، لكونه من نمط. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾، فدل تركه العطف على أنه من تتمة ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾. إلى آخره. قوله: (روى أنها نزلت لما دعى عبد الله بن سلام ابني أخيه سملة ومهاجرا إلى الإسلام، فأسلم سلمة وأبي مهاجر)، لم أقف عليه في شيء من كتب الحديث ولا التفاسير المسندة. قوله: (التوصية هي التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة. زاد الراغب: مقترنا بوعظ. قوله: (أو لقوله: أسلمت، نظيره، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾، بعد قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، قال ابن عطية: وهذا القول أصوب، لأنه أقرب مذكور، قال: وعوده على الملة يرجح بأن المفسر يكون مصرحا به وعلى عوده لأسلمت لا يكون مصرحا به، والعود على المصرح به أولى، وبأنه أجمع من عودة على الكلمة إذ الكلمة بعض الملة، ومعلوم أنه لا يوصى إلا بما كان أجمع للفلاح والفوز، ورجح الشيخ سعد الدين العود على (أسلمت)، بأن قوله: (وصى) عطف على، (قال أسلمت)، فالمعنى: قال ذلك في حق نفسه، ووصى به بنيه، أن يذكروه حكاية على أنفسهم، ورجح العود على الملة بترك

стр. 706

المضمر إلى المظهر في إبراهيم وبعطف يعقوب عليه. انتهى. وثم قول ثالث أنه راجع إلى الكلمة المتأخرة وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ كذا حكاه أبو حيان، (والأجه في تقريره أن يجعل عاندا على مقول القول، وهو: يا بني. إلى أخره أي وصاهم بهذه القولة. وهذا: عندي أرجح، ونطيره: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾، فقد ضمير فأسرها يوسف ولم يبدها، عاند إلى مقول القول. ورابع أنه عاند إلى كلمة التوحيد وإن لم يجر لها ذكر، على حد ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾. وخامس، أنه عائد إلى الوصية الدال عليها وصي. قوله: (والأول أبلغ)، قال الزجاج: لأن أوصي يصدق بالمرة الواحدة، ووصى لا يكون إلا لمرات كثيرة. قوله: (ويعقوب: عطف على إبراهيم) قال أبو حيان: ويحتمل الابتداء والخبر محذوف. قوله: (على إضمار القول عند البصريين، متعلق بوصي عند الكوفيين) هذه قاعدة مشهورة، وقع الخلاف فيها بين الفريقين، وهو أنه إدا وردت جملة مقولة بعدما فيه معنى القول دون حروفه فالبصريون يخرجونها على حذف القول، والكوفيون لا، بل يجرونها على الحكاية بما

стр. 707

فيه معنى القول وقد أوضحت هذه القاعدة في كتاب الأشباه والنظائر في العربية. قوله: (رجلان من ضبة أخبرانا .... أنا رأينا رجلا عريانا) / وضبة اسم قبيلة. قوله: (وبنوا إبراهيم كانوا أربعة؛ إسماعيل، وإسحاق، ومدين، ومدان، وقيل: ثمانية، وقيل: أربعة عشر) القول، بأنهم ثمانية، أخرجه ابن سعد في طبقاته عن الكلبي فذكر الأربعة المذكورين، وبشقاق وذمران، وأشيق، وشوح، وأخرج عن الواقدي، قال: ولد إبراهيم ثلاثة عشر، إسماعيل من هاجر وإسحاق من سارة، وماذي، وذمران، وشرجح، وشبق، الأربعة: من قنطور، ونافس، ومدين، وكيشان، وشروخ، وأشيم، ولوط، وبشقان، وذمران، وأشيق، السبعة من حجوى. وأخرج عن الكلبي، كان اسم إسماعيل: أشمويل، فعرب، وله: إثنا عشر ابنا.

стр. 708

قوله: (وبنو يعقوب: اثنا عشر)، أخرجه ابن جرير، عن ابن عباس. قوله: (دوبين): كذا ذكره بالنون، وذكره آخرون دوبيل باللام، قال الحسين بن أحمد بن عبد الرحيم البيساني: وهو باللام أصح وأثبت. قوله: (وبنيامين)، عبارة كثيرين، ابن يامين، قال ابن إسحاق ومعناه بالعربية شداد. قوله: ظاهره النهي عن الموت) إلى آخره. تقريره أن النهي في اللفظ متعلق بالموت، وذلك ليس بمقدور لهم وإنما ينهي المكلف عماله تركه. فالمعنى النهي عن الكون عن حالة يدركه الموت وهو عليها كقولهم: لا رأيتك ههنا، فإن، لفظ النهي فيه للمتكلم، وهو في الحقيقة للمخاطب، أي لا تكونن ههنا، فإن كنت ههنا رأيتك، وكذا لا تصل إلا وأنت خاشع، فإن لفظ النهي فيه متعلق بالصلاة ومطلق الصلاة لا ينهى عنها، فالمعنى: النهي عن الكون عن حالة هي غير حالة الخشوع. فالآية من باب الكناية التلويحية، حيث كنى فيها بنفي الذات عن نفى الحال والنكتة في ذلك الدلالة على كون الفعل الداخل عليه حرف النهي شبيها بالمنهي الذي حقه ألا يقع ولو وقع كان بمنزلة العدم، كما أن الأمر عند هذا الفعل، في، مت وأنت شهيد، تنبيه على كونه بمنزلة المأمور الذي حقه أن يقع. قوله: (روى أن اليهود قالوا لرسول الله ﷺ ألست تعلم أن يعقوب أوصى لبنيه باليهودية يوم مات، فنزلت: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ الآية لم أقف عليه.

стр. 709

قوله: (أم منقطعة) إلى آخره تقرير لكون الخطاب في الآية لليهود، وقد ضعفه صاحب الكشاف، بأنهم لو شهدوا ذلك الوقت وسمعوا وصية يعقوب لظهر لهم كونه على ملة الإسلام ووصيته لبنيه بذلك فكيف يقال لهم في مقام الرد عليه والإنكار لمقالتهم، أكنتم حاضرين حين وصى يعقوب بما ينافي دعوتكم، بل ينبغي أن يقال: أكنتم حاضرين حين وصى باليهودية وبما يحقق دعوتكم مثلا، تقول لمن يرمي زيدا بالفسق: أكنت حاضرا حين شرب أو قتل أو زنى ولا تقول حين صام وصلى وزكى. قال الشيخ سعد الدين: وقد يجاب بوجهين، أحدهما: أن الاستفهام حينئذ يكون للتقرير، أي كانت أوائلكم حاضرين حين وصى بنيه بملة الإسلام والتوحيد، وأنتم عالمون بذلك فما لكم تدعون عليهم اليهودية. والثاني: إن تم الإنكار عند قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ ويكون قوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ﴾ بيان فساد ادعائهم لا داخلا في حيز الإنكار، أي ما كنتم شهداء حين قال: لبنيه ما تعبدون من بعدي، وحين أجرى وصية الدين. فكيف تدعون اليهودية وأن يعقوب وصى بها، ثم بين بطلان دعواهم وتوجه الرد عليهم بقوله: (قالوا: نعبد) إلى آخره ولا يلزم من كونه استئنافا أن يدخل في حيز الاستفهام. قوله: (أو متصله بمحذوف تقديره، أكنتم غائبين أم كنتم شهداء)، قال أبو حيان: لا نعلم أحدا أجاز حذف هذه الجملة، ولا يحفظ ذلك في شعر ولا غيره فلا يجوز: أم زيد، وأنت تريد: أقام عمرو أم زيد؟ وإنما سمع حذف أم المتصلة مع المعطوف لأن الثواني المقابلات يجوز

стр. 710

حذفها إذا دل عليها المعنى. وقال ابن عطية: أم هنا للاستفهام على جهة التوبيخ قال: وأم: تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية: وحكى الطبرى، أن أم يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره. وهذا منه، ومنه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾. انتهى. ونقل ابن هشام في المغني، تجويز الزمخشري هذا ولم يتعقبه، بل قال: وجوز ذلك الواحدي أيضا وقدر، (أبلغكم ما تنسبون إلى يعقوب؟ من إيصائه ببنيه باليهودية، أم كنتم شهداء. قوله: وقرئ: حضر بالكسر، هي لغة، ومضارعها يحضر بالضم، وهو شاذ، إذ قياسه الفتح، لكن العرب اشتغنت فيه بمضارع المفتوح. قوله: بدل من إذ حضر: أغرب القفال فزعم أن إذ قال ظرف لحضر. قوله: و ((ما) يسأل به عن كل شيء)، قال الشيخ سعد الدين: استدل على إطلاق (ما) على ذوى العقول بإطباق أهل العربية على قولهم: (من) لما يعقل من غير تجوز في ذلك. حتى لو قيل. (من) لمن لا يعقل من لم يفعل كان لغوا من الكلام بمنزلة أن يقال لذى عقل عاقل. فائدة: قال الراغب: لم يعن، بقوله: ما تعبدون من بعدي العبادة المشروعة فقط، وإنما عنى جميع الأعمال، كأنه دعاهم ألا يتحروا في أعمالهم غير وجه الله ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الأصنام، وإنما

стр. 711

خاف أن تشغلهم دنياهم ولهذا قيل: ما قطعك عن الله فهو طاغوت. قوله: لقوله ﵇: (عم الرجل صنو أبيه)، أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة. والصنوان: نخلتان من عرق واحد. قوله: كما قال في العباس (هذا بقية آبائي)، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث مجاهد مرسلا، والطبراني في المعجم الكبير، وفي حديث ابن عباس، وفي المعجم الصغير من حديث الحسن ابن علي مرفوعا، بلفظ: احفظوني في العباس فإنه بقية أبائي. قال الشيخ سعد الدين: يعني أن الذي بقي من جملة أبائي، يقال: بقية القوم، لواحد بقي منهم، ولا يقال: بقية الأب للأخ، والحاصل أن بقية الشيء يكون من جنسه. قوله: ( فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا) هو لزيادة بن واصل السلمي. وقبله عزتنانساء بني عامر ... فسمنا الرجال هوانا

стр. 712

مبينا بضرب كولغ ذكور الذئا .... ب تسمع للهام فيه رنينا ورمي على كل عزافة .... ترد الشمال وتعطى اليمينا فلما تبين: البيت، قال شارح أبيات سيبويه: ويروى فلما تبين أشباحنا. والنون في الأفعال الثلاثة للنسوة اللاتي أسرن وفدين قلن جعل الله إيانا فداكم، وألف أبينا: للإطلاق. قوله: (إلها واحدا بدل)، قال أبو حيان أو حال مؤطئة، نحو رأيتك رجلا صالحا: فالمقصود إنما هو الوصف، وجئ باسم الذات توطئة للوصف. قوله: (أو نصب على الاختصاص)، رده أبو حيان بأن النحاه نصوا على أن المنصوب الاختصاص لا يكون نكرة ولا مبهما. قوله: (ونحن له مسلمون حال) قال أبو حيان: الأبلغ أن تكون معطوفة على نعبد فيكونوا أجابوا بشيئين، وهو من باب الجواب المربي على السؤال وكذا قال ابن عطية إنه أمدح. قوله: (ويحتمل أن يكون اعتراضا) ، رده أبو حيان، بأن النحاة نصوا على أن جملة الاعتراض لا تقع إلا في أثناء كلام، وقال ابن هشاء في المغني: للبيانيين في الاعتراض اصطلاحات مخالفة لاصطلاح النحويين، والزمخشري: يستعمل بعضها كما في هذه الآية ويرد عليه مثل ذلك من لا يعرف هذا العلم كأبي حيان، توهما منه أنه لا اعتراض إلا ما يقوله

стр. 713

النحوي، وهو الاعتراض بين شيئين متطالبين. قوله: (والأمة في الأصل المقصود)، زاد الراغب كالعمدة والعدة، للمعود والمعد. قوله: (قال ﵇، (لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم)، قال الشيخ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه. قلت: أخرج ابن أبي حاتم من مرسل الحكم بن ميناء، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي المتقون، فكونوا أنتم بسبيل من ذلك، فانظروا ألا لا يلقاني الناس يحملون الأعمال وتلقوني بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي) قال الطيبي: هو نفي في معنى النهي، والواو للجمع، كهي في قوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله. قوله: (أي بل تكون) إلى آخره. مما قيل إنه منصوب على الإغراء، أي الزموا. قوله: (حال من المضاف)، هو رأى ابن الشجري، قال: وذكر حنيفا وإن كانت الملة مؤنثة حملا على المعنى، لأنها: بمعنى الدين. والحال من المضاف إليه إذا كان المضاف غير عامل فيه ممنوع عند

стр. 714

الأكثر، وعليه أبو حيان، وقليل عند البعض، وعليه ابن مالك، وقيل: إن حنيفا نصب بإضمار فعل، أي نتبع. قال أبو حيان: وهو قريب. قوله: (وما كان من المشركين) قال الشيخ سعد الدين: الظاهر أنه عطف على حنيفا. قوله: (والأسباط: جمع سبط) ، قال الراغب: أصل السبط انتشار في سهولة. وقال أبو حيان: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل، من السبط وهو التتابع فهم جماعة متتابعون، ويقال: سبط عليه العطاء، إذا تابعه، ويقال: هو مقلوب بسط. وقيل: أصله من السبط وهو الشجر الملتف، والسبط الجماعة الراجعون إلى أصل واحد. قوله: (واحد: لوقوعه في سياق النفي عام فساغ أن يضاف إليه بين) ليس هذا الذي ذكره صاحب الكشاف وإنما قال: أحد: في معنى الجماعة بحسب الوضع. قال الشيخ سعد الدين: لأنه اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، ويشترط أن يكون استعماله مع كلمة كل أو في كلام غير موجب، وهذا غير الأحد الذي، هو أول العدد، في مثل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، قال: وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي، على ما يسبق إلى كثير من الأوهام. ألا ترى، إنه لا يستقيم لا يفرق بين رسول من الرسل إلا بتقدير عطف، أي رسول ورسول، ﴿لَسْتُنَّ

стр. 715

كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾، ليس في معنى كامرأة منهن. انتهى. قوله: (من باب التعجيز والتبكيت) إلى أخره. قال الشيخ سعد الدين: لما كان ظاهر الكلام إن الذي آمن به المؤمنون مثلا، يحصل به الاهتداء كما يحصل بدينهم، وليس كذلك. دفعه بوجهين، أحدهما: أن ذلك على سبيل الفرض والتقدير، قصداً إلى التبكيت والإلزام، يعني إن حصلوا دينا مثل دينكم في الاستقامة وآمنوا به فقد اهتدوا، لكن ذلك منتف، لأن طريق الحق واحدا فلا طريق إلى الاهتداء إلا هذا الدين. وثانيهما: أن الباء ليست صلة أمنوا، بل الاستعانة، وآمنوا: بمعنى أوجدوا الإيمان الشرعي ودخلوا فيه من غير احتياج إلى تقدير صلة. أي فإن دخلوا في الإيمان بواسطة شهادة مثل شهادتكم، قولا واعتقادا. وعلى الوجهين: ما، موصولة عبارة عن الدين أو الشهادة، وأما على زيادة الباء: فما مصدرية. قوله: (وهو: المناوأة والمخالفة)، قال بعضهم: ولا يكاد يقال في العداوة على وجه الحق شقاق، إنما يقال في الباطل. قوله: (فإن كل واحد من المتخالفين في شق)، أي جانب. وقيل: إن اشتقاقه، من المشقة، لأن كل واحد منهما: يحرص على ما يشق على صاحبه. قوله: (أو وعيد)، قال الطيبي: أو للتنويع، لا للترديد، لأنه لا مانع من حمل الكلام على الوعد والوعيد معا. قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ إلى آخره. قال أبو حيان: العرب تسمى ديانة

стр. 716

الشخص بشيء واتصافه به صبغة. قال الشاعر: وكل أناس لهم صبغة ..... وصبغة همدان خير الصبغ صبغنا على ذاك أبناءنا .... فأكرم بصبغتنا في الصبغ الطيبي: على الأقوال الثلاثة التي صدر بها المصنف تكون من باب الاستعارة التصريحية التحقيقية، والقرينة الإضافة إلى الله تعالى. والجامع على الأول، أي على أن يراد بالصبغة الحلية التأثر والظهور، وعلى الوجوه الثلاثة: الظهور والبيان، قال: وهذا أنسب من قول المشاكلة، لأن الكلام عام في اليهود والنصارى وتخصيصه/ بصبغ النصارى: لا وجه له، وقال الشيخ سعد الدين: اختصاص الغمس في المعمودية بالنصارى لا ينافي صحة اعتبار المشاكلة في إيمان الفريقين، لأن ذلك الفعل كائن فيما بينهم في الجملة. قوله: (ونصبها على أنه مصدر مؤكد)، أي لنفسه، لكونه: مضمون جملة لا محتمل لها غيره، وهي (آمنا بالله) ومعطوف عليه. قوله: (ولمن ينصبها على الإغراء) إلى آخره، جواب عن كلام الزمخشري، فإنه قال: ونحن له عابدون، متصل بقوله: (أمنا) ومعطوف عليه، وهذا العطف يرد قول من زعم، أن صبغة بدل من ملة أو نصب على الإغراء لما فيه من فك النظم، وإخراج الكلام عن التامة واتساقه، فأجاب المصنف بأنه إذا قدر القول لا يلزم ذلك. قال الطيبي: ومراده، أنه يقدر، وقولوا: (نحن له عابدون) ليصح عطفه

стр. 717

على الزموا صبغة الله، واتبعوا ملة إبراهيم صبغة. قال: والحق: أن كلا من قوله: (ونحن له مسلمون) ، (ونحن له عابدون)، (ونحن له مخلصون) اعتراض وتذييل للكلام الذي عقب به بقوله على ألسنة العباد بتعليم الله تعالى، لا عطف. وتحريره: أن قوله ونحن له مسلمون مناسب لآمنا، أي نؤمن بالله وبما أنزل على الأنبياء، ونستسلم له وننقاد لأوامره ونواهيه. وقوله: ونحن له عابدون ملائم لقوله: صبغة الله، لأنها دين الله تعالى فالمصدر كالمصدر لكن لما سبق من الإيمان والإسلام. وقوله: ونحن له مخلصون، موافق لقوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، وفي ذكر هذا المعنى بعد ذلك ترتيب أنيق، لأن الإخلاص شرط في العبادة. وفيه من حديث جبريل ﵊، حين سأل على الإحسان، بعد سؤاله عن الإيمان والإسلام ومثل هذا النظام يفوت مع تقرير الإغراء والبدل. انتهى. وقال الشيخ سعد الدين في تقدير كلام الزمخشري: في كل من الإغراء والبدل فصل بين المعطوف والمعطوف عليه، أعني جملتي (أمنا) و، ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾، بالأجنبي الذي لا يتعلق بما تتعلق به الجملتان، إذ لم يدخل البدل ولا الإغراء في حيز قولوا، بل الأول من حيز عامل ملة إبراهيم، والثاني مستقل وبمنزلة التأكيد والبيان، لقوله قولوا ففي هذا فك لنظام الكلام وإخراج له عن الالتئام مع أن في الإبدال شيئا آخر، وهو الفصل بين البدل والمبدل منه بما لا يتعلق بعامله. فإن قيل: نحن لا نجعله عطفا على (آمنا)، بل على فعل الإغراء، بتقدير: أي الزموا صبغة الله. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾، ولو سلم ففيما ذكرتم أيضا فصل

стр. 718

بين المعطوف والمعطوف عليه وكذا بين المؤكد والتأكيد بالأجنبي، فإن قوله ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ لا يدخل شيء منها في حيز قولوا، قلنا: لا وجه لارتكاب الإضمار بلا دليل مع ظهور الوجه الصحيح وما ذكر من الفصل وإن لم يتعلق بقولوا لفظا فقد تعلق به معنى، فلا فك للنظم. انتهى. تنبيه: قدر الزمخشري الإغراء على القول به بعليكم، وتعقبه أبو حيان، بأن الإغراء إذا كان بالظرف أو المجرور لا يجوز حذفه قال: والوجه تقديره بالزموا. انتهى. ولذا قدره المصنف بإلزموا. قوله: ((في الله)، أي في شأنه واصطفائه نبيا من العرب). الطيبي: فإن قلت: كيف قيد المطلق وهو في الله بقيد النبوة، وليس ثم قرينة التقييد؟ قلت: القرينة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، والكلام تعريض باليهود وأنهم كتموا ما في التوراة من دلائل النبوة. وقال الشيخ سعد الدين: القرينة، قوله: وما أنزل إلينا سابقا. وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ﴾، تعريض بكتمانهم شهادة الله بنبوة محمد ﷺ لاحقا. قوله: (روى أن أهل الكتاب قالوا: الأنبياء كلهم منا فلو كنت نبيا لكنت منا، فنزلت)، لم أره في شيء من كتب الحديث ولا التفاسير

стр. 719

المسندة، ولو ورد لكان قرينة ثالثة لما تقدم. قوله: (وعلى قراءة ابن عامر)، إلى آخره، ظاهره أن الاتصال لا يتأتى على قراءة الغيبة، وأنها لا تكون عليها إلا منقطعة وهو المصرح به في الكشاف. قال الطيبي: لأنه لا يحسن في المتصلة أن يختلف الخطاب من مخاطب إلى غيره كما يحسن في المنقطعة، فاندفع بذلك تجويز أبي حيان له فيها تخريجا على الالتفات. قوله: (والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب)، هذا هو الذي اتفق عليه أهل التفسير. أخرجه ابن جرير، عن مجاهد والحسن، والربيع، وقتادة، وابن زيد، لكن الأخيران: قالا: إنه في كتم أهل الكتاب بعث النبي ﷺ والشهادة له بالنبوة والأولون قالوا: إنه في كتمهم الشهادة لإبراهيم بالحنيفية: وبراءته من اليهودية والنصرانية. قوله: (أو منَّا لو كتمنا) ، هذا احتمال ذكره الزمخشري، ولا يعرف للمفسرين، ورده أبو حيان، لأن الآية إنما تقدمها الإنكار لما نسبوه إلى إبراهيم، فاللائق أن يكون الكلام مع أهل الكتاب، لا مع

стр. 720

الرسول والمؤمنين. قوله: ومن، للابتداء، كما في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾، قال أبو حيان: ظاهره، أن من الله، في موضع الصفة لشهادة، أي كائنة من الله، وهو وجه الآية، وقيل: إنها متعلقة بالعامل في الظرف، وهو: عنده. أي كائنة عنده من الله. قال: والفرق بينه وبين الأول أن العامل في ذلك الظرف والمجرور اثنان، وفي هذا واحد. وقيل: هي متعلقة بكتم بحذف مضاف أي كتم من عباد الله شهادة عنده من الله. قوله: (وقرئ بالياء)، لم يذكر أبو حيان هذه القراءة، مع استيعابه جميع الشواذ، وكونه من أهل الفن، فينبغي التوقف عند نقل هذه إلى أن توجد في كتاب أحد. من أهل فن القراءة. قوله: (وفائدة تقديم الإخبار به) إلى آخره. قال أبو حيان: هذا قول الزمخشري وغيره، وذهب قوم إلى أن الآية متقدمة في التلاوة متأخرة في النزول وأنزل قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية ثم نزل ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ نص على ذلك ابن عباس وغيره، ويدل على هذا ويصححه حديث البراء ابن عازب، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً وكان يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية، فقال السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فقال الله ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآية، أخرجه الشيخان، وإذا كان كذلك

стр. 721

، فمعنى قوله: سيقول، إنه مستمرون على هذا القول وإن كانوا قد قالوه فحكمه الاستقبال. لأنهم كما صدر عنهم هذا القول في الماضي فهم أيضا يقولونه في المستقبل، وليس هذا من وضع المستقبل موضع الماضي، وإن كان معنى سيقول كما زعم بعضهم، لأن ذلك لا يتأتى مع السين لبعد المجاز فيه. انتهى كلام أبي حيان. وما نقله على نص ابن عباس: صحيح، أخرجه أبو داود في الناسخ والمنسوخ، وابن جرير وغيرهما، من طرق عنه مصرحة بأن نزول سيقول بعد قول اليهود، وبعد (قد نرى تقلب وجهك في السماء)، كما أوردتها في التفسير المسند، وفي أسباب النزول، لكن ظاهر تقرير ابن جرير كالوجه الأول، وإنه من إعلام الله نبيه بما هم قائلوه ليعدلهم الجواب. قوله: (واعداد الجواب)، قال في الكشاف؛ لأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، قال في الانتصاف: ولهذا أدرج النظار في أثناء مناظرتهم العمل بالمقتضى الذي هو كذا، السالم عن معارضة كذا، فيقولون:- درء للمعارض قبل ذكر الخصم، وهذه الآية من أحسن ما يستدل به عليه. قوله: (والقبلة في الأصل)، إلى آخره. هو كلام الراغب، وتقريره أنها في الأصل للهيئة، ولما استعملت في المكان أبقيت على وزنها.

стр. 722

قوله: (بارتسام أمره): في الصحاح، رسمت له كذا فارتسمه أي امتثله. قوله: (وكذلك: إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة، أي كما جعلناكم مهتدين) إلى آخره مشى عليه أبو حيان، فقال: الكاف للتشبيه، وذلك إشارة إلى جعلهم على هدى، المفهوم: من قوله: يهدي من يشاء وقال القرطبي: معنى التمثيل الذي تعطيه الكاف هو الصفة والحالة، لا التنظير والتشبيه، والمشار إليه ما يفهم من مضمون قوله: يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وهو الأمر العجيب الشأن، أي تعظيم المسلمين واختصاصهم بالهداية المأخوذ من قوله يهدي من يشاء، وتعظيم التوجه إلى الكعبة الماخوذ من قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وقال الشيخ سعد الدين: الإشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعده، لا إلى جعل أخر يقصد تشبيه هذا الجعل به، على ما يتوهم من أن المعنى مثل جعل الكعبة قبلة، جعلناكم أمة وسطا، وإذا تحققت فالكاف مقحم إقحاما كاللازم، لا يكادون يتركونه في لغة العرب وغيرهم، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام. قلت: صدق الشيخ سعد الدين وبر، وهذا المعنى الذي يجيء إليه مازال يختلج في ضميري في جميع الآيات التي وردت في القرآن بهذه الصفة، مثل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾، ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وكنت أرى

стр. 723

(جوازه فيما يتحمله) كثيرون من جعل الإشارة إلى شيء مفهوم مما سبق إلى أن ظفرت، بنقل عن ابن الأنباري فصرح بما نحوت إليه وقد سقته موضحا في سورة الأنعام من كتابي أسرار التنزيل وهذا الكلام من الشيخ سعد الدين مقوله. قوله: (وسطا أي خياراً أو عدولا)، قال أبو حيان بعد حكاية القولين: الثاني ورد، عن رسول الله ﷺ ، وتظاهرت به عبارات المفسرين فيجب المصير إليه في تفسير الوسط. قلت: الأمر كما قال، فقد أخرج البخاري وأحمد، والترمذي والنسائي، والحاكم، وابن جرير وغيرهم، من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلاً، وأخرجه ابن جرير من حديث أبي هريرة مرفوعا، وأخرجه أيضا عن ابن عباس ومجاهد والربيع، وعبد الله بن كثير وعطاء وقتادة، ثم قال ابن جرير، العدل هو معنى الخيار، لأن الخيار من

стр. 724

الناس عدولهم، قال: وأنا أرى أن الوسط هنا: هو الوسط الذي بين الطرفين، لأنهم متوسطون في الدين ن فلا هم أهل غلو فيه، كالنصارى غلوا فيه بالترهب، وقولهم في عيسى ما قالوا، ولا أهل تقصير، كاليهود بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم ولكنهم أهل توسط واعتدال، وأحب الأمور إلى الله تعالى أوسطها. فائدة: قال في المغرب: الخيار جمع خير وهم خلاف الأشرار، والوسط بالتحريك اسم العين ما بين الجوانب، كمركز الدائرة، وبالسكون ما بين الطرفين من الأماكن المبهمة، ولا يقع إلا ظرفا تقول: جلست في وسط الدار بالفتح، وجلست وسط الدار بالسكون. قوله: (التهور)، هو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة. قوله: (روى أن الأمم يوم القيامة يجحدون) إلى آخره. أخرجه البخاري والترمذي والنسائي والبيهقى في الشعب من حديث أبى سعيد وهو هنا مروي بالمعنى، لا باللفظ. قوله: (وهذه الشهادة) إلى أخره. اختيار لأن المراد بقوله، عليكم شهيدا أي مزكيا لكم شاهدا، بعدالتكم، وهو أحد القولين في الآية. والثاني أن المراد، أنه حجة عليهم لا يطالب بشهيد كما يطالب به سائر الأنبياء. قوله: (وقدمت الصلة) إلى أخره، وهو مبني على ما اختاره. قال الطيبي: هو من باب قصر الفاعل على المفعول، أي لا يتجاوز

стр. 725

تزكية الرسول ﷺ والشهادة بعدالة أحد سواهم. قوله: (فإنه ﵇ كان يصلى إليها بمكة، فلما هاجر أمر بالصلاة/ إلى الصخرة تاليفا لليهود)، هو في حديث البراء بدون أخره، وأخرجه ابن جرير، وابن أبى حاتم عن ابن عباس، بلفظ: أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، أن النبي ﷺ خير أن يوجه وجهه كيف يشاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألف أهل الكتاب. قوله: (لقول ابن عباس: كانت قبلته بمكة بيت المقدس، إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، أحد الضميرين للنبي ﷺ والآخر لبيت المقدس، والأثر أخرجه البيهقي من حديث مجاهد، عن ابن عباس، قال: (كان رسول الله ﷺ ، يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه). قوله: (فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ) وهو الجهة التي كان عليها، أي ومارددناك إلى ما كنت عليه. قوله: (وعلى الثاني: المنسوخ) يعني أنت الآن على ما ينبغي أن تكون عليه، وما كنت عليه قبل هذا كان أمرا عارضا. قوله: (ينكص)، النكوص الأحجام عن الشيء. قوله: (فإن قيل) إلى آخره، الشيخ سعد الدين: حاصل السؤال

стр. 726

أن التعلم يشعر بحدوث العلم في المستقبل، وعلمه أزلى. وأجاب بوجوه ثلاثة. حاصل الأول: إن المراد علم مقيد بالحادث، فالحدوث راجع إلى القيد، وحاصل الثاني: التجوز في إسناد فعل بعض خواص الملك إليه تنبيها على كرامة القرب والاختصاص، وفي قوله: أشد دلالة بينه على أن ذلك ليس باعتبار حذف المضاف وحاصل الثالث: التجوز بإطلاق السبب وهو العلم على المسبب وهو التمييز، فإن قيل: إن أريد التمييز في الوجود العيني فهو حاصل قبل التحويل أو في الوجود العقلي، فحاصل في علم الله بل عينه، وغير مسبب على علم الله في علم المخلوق، فكيف يعبر عن التمييز في علم المخلوق، أجيب بأن المراد الأول، ولاخفاء في أنه لا يكون إلا بعد الوجود، أعني التمييز، وفي الكشاف في موضع آخر، وجه رابع، وهو التمثيل أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم. انتهى. وفي غيره وجه خامس، أنه إن أريد بالعلم الجزاء أي ليجازي الطائع والعاصي، وكثيرا ما يقع التهديد في القرآن، وفي كلام العرب يذكر العلم، نحو: أنا أعلم، بمن قال لك: أريد عصاك، والمعنى: أنا أجازيه على ذلك قال أبو حيان: ويؤكد كونه بمعنى التمييز، تعديه بمن، لأن العلم لا يتعدى بمن، إلا إذا أريد به التمييز، لأن التمييز، هو الذي يتعدى بمن. قلت: ويؤيده أيضا، أنه الوارد عن ابن عباس، أخرجه ابن جرير، بسند صحيح عنه، في قوله: (إلا لنعلم) قال: إلا لتمييز أهل اليقين

стр. 727

من أهل الشك. قوله: (والعلم، إما بمعنى المعرفة) والله تعالى، لا يوصف بها، قلنا: ذاك لشيوعها فيما يكون مسبوقا بالعدم، وليس العلم الذي بمعنى المعرفة كذلك، إذ المراد به الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين، أو معلق لما في (من) من معنى الاستفهام. رده أبو البقاء، بأنه حينئذ لا يبقي لمن ما يتعلق به لأن ما بعد الاستفهام لا يتعلق بما قبله، ولا يصح تعلقها بيتبع، لأنها في المعنى متعلقة بيعلم، وليس المعنى أي فريق يتبع. وأجاب الطيبي، والشيخ سعد الدين بأنه حال من فاعل يتبع، أو مميزا عنه بدلالة فحوى الكلام. قوله: (واللام هي الفاصلة) أي الفارقة بين أن المخففة والنافية، لا بينها وبين المشددة على ما وقع في تفسير الكواشي. قوله: (وقرئ لكبيرة بالرفع، فتكون كان زائدة): قال أبو حيان: هذا ضعيف لأن كان الزائدة لا عمل لها، وهنا قد اتصل بها الضمير، فعملت فيه، ولذا استكن فيها، والذي ينبغي أن يجعل لكبيرة خبر مبتدأ محذوف، أي لهي كبيرة، فالجملة خبر كان. وقال الشيخ سعد الدين: إذا أراد، (إن كانت مع اسمها مزيدة): كانت كبيرة: خبراً بلا مبتدأ، وأن المخففة واقعة بلا جملة، ومثله خارج عن القياس والاستعمال، وإن أراد، إن كانت وحدها مزيدة والضمير باق على الرفع بالابتداء فلا وجه لاتصاله واستكانه، وغاية ما يتحمل، أنه لما وقع بعد كانت وكان من جهة المعنى في موقع اسم كان جعل متصلا مستكنا تشبيها بالاسم، وإن كان مبتدأ تحقيقا والأوجه في هذه القراءة أن يجعل في كانت ضمير

стр. 728

القصة، ويقدر بعد اللام مبتدأ، أي وإن كانت القصة للتحويلة كبيرة. انتهى. قوله: (الثابتين) إنما قيد الذين هدى الله بالثابتين، لأنه مقابل لقوله: ممن ينقلب على عقبيه، لما روى (أنه ﵊ لما وجه إلى الكعبة قالوا: كيف بمن ماتوا)؟ إلى آخره. أخرجه الشيخان عن البراء، وأحمد والترمذي والحاكم، عن ابن عباس. قوله: (قد نرى، أي ربما) زاد في الكشاف، ومعناه كثرة الرؤية، كقوله: قد أترك القرن مصفرا أنامله. قال أبو حيان: رب على مذهب المحققين للتقليل، فقوله: فمعناه كثرة الرؤية مضاد لمدلوله، ثم هذا المعنى الذي ادعاه، وهو كثرة الرؤية، لا يدل عليه اللفظ. لأنه لم يوضع لمعنى الكثرة، وهذا التركيب، أعنى تركيب قد مع المضارع، وإنما فهمت الكثرة من متعلق الرؤية، وهو التقلب الذي هو مطاوع التقليب وفعله قلب، وقال الطيبي والشيخ سعد الدين: أن أصل قد في المضارع للتقليل، وقد استعيرت هنا للتكثير لمناسبة التضاد، كرب، فإنها للتقليل ثم تستعار للتكثير، وقال ابن المنير: إذا بالغت العرب عبرت عن المعنى بضد عبارته، ومنه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾، (وكان رسول الله ﷺ يقع

стр. 729

في روعه، ويتوقع من ربه أن يحوله) إلى آخره. في الصحيحين من حديث البراء، (وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت). وروى ابن إسحاق من حديثه، كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء، وينتظر أمر الله، وللنسائي، من حديثه، كان يحب أن يصلي نحو الكعبة، فكان يرفع رأسه إلى السماء، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، وأخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ: عن أبي العالية، أن رسول الله ﷺ ، قال: لجبريل: وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، فقال: ادع ربك، فجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، والروع: بضم الراء القلب. قوله: (أو فلنجعلنك على جهتها) قال الشيخ سعد الدين: من ولاه، دنى منه، ووليته إياه: أدنيته منه. قوله: (ترضاها، تحبها) قال الطيبي: أي الرضى مجاز عن المحبة. الراغب. قيل، لم يقصد بقوله: ترضاها، إنك ساخط القبلة التي كنت عليها، بل إنه ﷺ ألقى في روعه أن الله يريد تغيير القبلة، فكان يتشوقه ويحبه، وقيل: تحبها، لأن مرادك لم يخالف مرادي وهذه منزلة يشد إليها أولو الحقائق، ويذكرون أنها فوق التوكل، لأن قضية التوكل الاستسلام لما يجري عليه من القضاء، كأعمى يقوده بصير،

стр. 730

وهذه المنزلة أن يحرك الحق سره بما يريد فعله. قوله: (لمقاصد دينية) إلى أخره. قال الشيخ سعد الدين: أي أن ميله إلى الكعبة لم يكن من جهة هوى النفس، وإجابة الله إياه لم تكن لمجرد ميله، بل لموافقة إرادته وحكمته. قوله: (والبعيد يكفيه مراعاة الجهة)، هذا اختيار من المصنف لأحد القولين في المذهب، والمصحح خلافه. قوله: روى أنه ﷺ ، قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أخرجه الشيخان من حديث البراء. قوله: (ثم وجه إلى الكعبة في رجب قبل الزوال، قبل قتال بدر بشهرين)، أخرجه أبو داود في الناسخ والمنسوخ، عن سعيد بن المسيب مرسلا، وليس فيه قبل الزوال، لكن يؤخذ من الحديث الآتي. قوله: (وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمى المسجد مسجد القبلتين، هذا تحريف للحديث، فإن قصة بني سلمة لم يكن فيها النبي ﷺ إماما، ولا هو الذي تحول في الصلاة. أخرج النسائي عن أبي سعيد المعلى، قال: كنا نغدوا إلى (المسجد، فزرنا) يوما،

стр. 731

ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر فقلت: لقد حدث أمر فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فقلت لصاحبي: تعالى نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما، ثم نزل رسول الله ﷺ ، فصلى بالناس الظهر يومئذ. وأخرج أبو داود في الناسخ، عن أنس، أن النبي ﷺ وأصحابه، كانوا يصلون نحو بيت المقدس إلا أن القبلة قد تحولت إلى الكعبة، فمالوا كما هم ركوع إلى الكعبة، وأخرج الشيخان عن ابن عمر، قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. قوله: (لتلصلب) الأساس، من المجاز، تصلب فلان في الأمر، إذا اشتد فيه. قوله: (وبالغ فيه من سبعة أوجه)، وصلها الشيخ سعد الدين إلى أكثر: فإنه قال: لما في الكلام من وجوه المبالغة كالقسم واللام الموطئة، وإن الفرضية وإن التحقيقية واللام في حيزها، وتعريف الظالمين، والجملة الاسمية، وإذا الجزائية، وإيثار طريقة الظالمين. على أنك إذا ظالم أو الظالم، لإفادتها أن ذلك مقرر محقق، أنه معدود في زمرتهم وإيقاع الاتباع على ما سماه أهوالا. قوله: (الضمير لرسوله الله ﷺ وإن لم يسبق ذكره)، قال أبو حيان: ليس كذلك، بل هذا من باب الالتفات، لعدم ضمائر الخطاب له ﷺ في الآيات السابقة، لكن الشيخ سعد الدين، حكى هذا، وقال: إنه ليس

стр. 732

بشيء، ولم يبين وجوه رده، وبينه الطيبي: فقال: الآيات السابقة وردت في شأن القبلة، وهذه وردت في شأنه ﷺ ، فليس بينهما مناسبة ومن ثم ابتدى بقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ من غير عطف، فلو رجع الضمير إلى السابق أو هم نوع اتصال، ولم يحسن ذلك الحسن، وتقرير النظم أنه تعالى لما ذكر أمر القبلة، وقول السفهاء، وطعنهم مع علمهم أن التحويل حق، لأنه كان مذكورا عندهم أن رسول الله ﷺ يصلى إلى القبلتين جاء بهذه الآية على سبيل الاستطراد بجامع المعرفة الجلية مع الطعن فيه، والدليل على أن هذه الآية مستطردة قوله بعد ذلك: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. قوله: (أو التحويل)، قال الطيبى: يريد أن نظم الآي السابقة والأتية تستدعيه، لأن الكلام فيها في أمر القبلة. قوله: (عن عمر، أنه سأل عبد الله بن سلام) إلى آخره، أخرجه، الثعلبي، من حديث ابن عباس. قوله: (تخصيص لمن عاند، واستثناء لمن آمن) ، قال الطيبي: أي إخراج، فهو استثناء معنوي لا اصطلاحي، قال: ووجه ما ذكره، أن قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ﴾ يدل من حيث المفهوم أن غير ذلك الفريق لا يكتمون. قوله: (وإما خبر مبتدأ محذوف)، لم يبين كون اللام/ عليه لماذا وقد قال الطيبى: إنها للعهد، ولا يجوز أن تكون للجنس، لأنه لا معنى لقولك المذكور: جنس الحق الكائن من ربك، اللهم إلا على الادعاء كما في قولك: حاتم الجود. وقال الشيخ سعد الدين: إنها حينئذ للجنس كما

стр. 733

في، (ذلك الكتاب)، ومعناه أن ما جاءك من العلم أو ما يكتمون هو الحق، لا ما يدعون ويزعمون، ولا معنى حينئذ للعهد، ثم قال: ومما يجب التنبه له، أن ما ذكر في بيان العهد والجنس تقرير للحاصل المراد، لا تقرير لموقع مفردات الكلام فلا يتوهم أن في الأول حذف مبتدأ، ولا في الثاني حذف خبر هو متعلق من ربك مع موصول به. قوله: (ومن ربك حال)، قال الشيخ سعد الدين: أي مؤكدة، مثل هو الحق مبينا. قوله: (أو مفعول يعلمون) ويكون مما وقع فيه الظاهر موقع المضمر، أي وهم يعلمونه كائنا من ربك. وجوز ابن عطية أن يكون بفعل محذوف تقديره: إلزم، ويدل عليه قوله بعده: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. قوله: (إما تحقيق الأمر)، أي بأن يكون الخطاب عاما. قاله الطيبي: قال: إنه أبلغ الوجهين لأن الخطاب من العظم بحيث لا يختص بالخطاب أحد دون أحد. قوله: (أو أمر الأمة) قال الطيبي: فيكون من باب: ﴿يا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ عظم الرسول ﷺ بتوجيه الخطاب إليه، والمراد أمته لأنه إمامهم وقدوتهم، اعتبارا لتقدمه وإظهاراً لرتبته. قوله: (على الوجه الأبلغ) عبارة الكشاف: بألطف وجه. قال الشيخ سعد الدين: بمعنى أن من كانت أمة لك كان امتراؤد امتراءك.

стр. 734

وعندي: إن المصنف أشار إلى أبلغية، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (بخلاف) فلا تمتروا، وفلا تكونن ممتريا، على ما حققته في أسرار التنزيل. قوله: (أي هو موليها وجهه أو الله موليها إياه) إلى أخره. الشيخ سعد الدين. يعني أن ضمير هو يجوز أن يكون لكل، والمفعول المحذوف وجهه. وأن يكون الله، والمفعول المحذوف ضمير كل. واختار الأول لظهور المرجع، وأما على قراءة الإضافة، فضمير هو، لله قطعا: إذ لا ذكر للغير، واللام مزيدة في المفعول، لتقدمه. وكون عامله اسم فاعل، فلها جهتان. انتهى. قال أبو حيان: ما ذكره الزمخشري في توجيه هذه القراءة فاسد، لأن العامل إذا تعدى لضمير الاسم لم يتعد إلى ظاهره المجرور باللام، لا يجوز، لزيد ضربته، ولا لزيد أنا ضاربه، لما يلزم فيه من تعدي الفعل المتعدي لواحد إلى اثنين. وقد أورد الشيخ سعد الدين، هذا السؤال، فأجاب عنه، فقال: فإن قيل: العامل مشتغل بالضمير، فكيف يعمل في المتقدم؟ قلنا العامل محذوف، والمذكور تفسير له. أي لكل جهة الله مول. موليها. انتهى. وقد قال الشيخ أبو حيان عقب كلامه السابق: ولا يجوز أن يقدر عامل في لكل جهة يفسره. قوله: موليها: لتقديرنا زيداً أنا ضاربه، أي أضرب زيدا أنا ضاربه فتكون المسئلة من باب الاشتغال لأن المشتغل عنه لا يجوز أن يجر بحرف الجر.

стр. 735

تقول: زيداً مررت به، أي لابست زيداً، ولا يجوز، بزيد مررت به. انتهى. وليس هذا الذي قدره الشيخ سعد الدين، لأنه قدره متأخرا، والذي نفى أبو حيان تقديره أن يكون مقدما فتأمل، ثم قال أبو حيان: ولا يصح في توجيه هذه القراءة أن تكون لكل وجهة في موضع المفعول الثاني لموليها والأول الضمير المتصلة به العائد إلى أرباب القبلات لنص النحويين على أن هذه اللام لاتزاد فيما يتعدى لاثنين. انتهى. ووجهها بعضهم، بأن لكل وجهة مفعول أول على حذف المضاف، أي لكل صاحب وجهة، وضمير موليها مفعول ثان، وهو مردود بما رد به الذي قبله، وقال ابن عطية: اللام متعلقة بقوله: فاستبقوا، أي استبقوا الخيرات لكل وجهة، ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم به، فقدم المجرور على الأمر للاهتمام بالوجهة، قال أبو حيان: وهذا توجيه لا بأس به. وقال السفاقسي: لم ينص الزمخشري على أن الهاء ضمير المفعول، فيجوز أن يكون عنده ضمير المصدر أي مولي التولية، كقوله: (هذا سراقة للقرآن يدرسه، أي يدرس الدرس، ويدل عليه ذكره للمثال بعدها، ولو كانت ضمير المفعول لذكرها، وعلى هذا فيكون المثال مطابقا، لأن ضمير المصدر لا تأثير له في المسئلة، وقد ذكر الفارسي، هذا التخريج في الحجة، وجعل الهاء ضمير التولية، قال: وقول أبي حيان، إن المشتغل عنه لا يجوز أن يجر بحرف الجر، قد أجازه بعضهم وحمل عليه قراءة من قرأ. ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ ونقله أبو حيان نفسه في شرح التسهيل، قال: وقوله: إنهم منعوا زيادة اللام فيما يتعدى لاثنين تبع فيه ابن مالك في شرح الكافية، وفيه نظر فقد أطلق ابن عصفور وغيره أن المفعول يجوز إدخال اللام عليه للتقوية إذا تقدم على

стр. 736

العامل، ولم يقيدوه بأن يكون مما يتعدى إلى واحد، وقد قال الفارسي: إن هذه القراءة تصح على حذف مضاف، وهو أن يقدر، ولكل ذي وجهة هو موليها، المعنى: إنه مول لكل ذي وجهة وجهتهم. قال ابن مالك في تعليل المنع، لأنها إما أن تزاد فيها، فلا نظير له، أو في أحدهما. فيلزم الترجيح بدون مرجح، جوابه: إنها تزاد في المتقدم منهما، وترجح بضعف طلب عامل له لتقدمه، كما في الآية. انتهى. قوله: (استثناء من الناس)، قال الشيخ سعد الدين: يعني به البدل لأنه المختار في غير الموجب، فيكون مجروراً. قوله: (وسمى هذه حجة) إلى آخره. حاصله تقدير أن المراد بالحجة، المتمسك حقا كان أو باطلا. أشار إليه الشيخ سعد الدين. وقال الزجاج: مالك علي حجة إني الظلم؟ أي مالك على حجة ألبتة ولكنك تظلمني، وإنما سمى ظلمه حجة، لأن المحتج به سماه حجة. قوله: (ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم .... بهن فلول من قراع الكتائب). وهو، من قصيدة للنابغة الذبياني، والفلول: كسور في حد السيف، واحدها فل بالفتح. والقراع الضراب، والكتائب: جمع كتيبة، وهي: الجيش والبيت: من تأكيد المدح بما يشبه الذم. قوله: (وإراداتي اهتداءكم)، فسر به لاستحالة حقيقة الترجي. قوله: (لئلا يكون) العطف عليه هو الصواب إذ لا حاجة إلى

стр. 737

التقدير، مع وجود علة مصرحة يصح العطف عليها، ورجحه أبو حيان، قال: ولا يضر الفصل بالاستثناء وما بعده لأنه من متعلق العلة الأولى. قوله: (وفي الحديث، تمام النعمة، دخول الجنة)، أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والترمزي، من حديث، معاذ بن جبل. قوله: (وعن علي، تمام النعمة، الموت على الإسلام)، أخرجه. قوله: (متصل بما قبله)، الكاف على هذا للتشبيه قطعا. قوله: (أو بما بعده)، إلى آخره. قال أبو حيان: الكاف على هذا يحتمل أن تكون للتشبيه، وأن تكون للتعليل، قال: وهو، الأظهر، قال: ثم هذا القول، قد رده مكي، لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله، لاشتغاله بجوابه، قال: وما ذكره مكي، ليس بشيء. قوله: (قدمه باعتبار المقصد ، وأخره في دعوة إبراهيم باعتبار الفعل) وجهه أبو حيان بأن المراد بالتزكية هنا، التطهير من الشرك)، وهناك الشهادة بأنهم خيار أزكياء وذاك متأخر عن تعليم الشرائع والعمل، وفيه نظر. قوله: (واشكروا لي ما أنعمت به عليكم)، قال أبو حيان: إشارة إلى: أن أشكر، يتعدى/ لواحد بحرف جر والآخر بنفسه. ثم إنه ينشد هنا قول القائل: ولو كان يستغني عن الشكر منعم

стр. 738

لرفعة شأن أو علو مكان لما أمر الله العباد بشكره .... فقال اشكروني أيها الثقلان قوله: (بل هل أحياء)، قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس هو عطفا على القول، بل هو أضراب على نهيهم إلى الأخبار بهذه الجملة. وقال أبو حيان: يحتمل أن يكون مندرجا تحت قول مضمر، أي بل قولوا هم أحياء. قال: لكن الأول أرجح، لقوله بعد: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قوله: (وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد) إلى آخره. الراجح: أن حياتهم بالجسد، ولا يقدح في ذلك عدم الشعورية من الحي كما أوضحته بأدلته في كتاب البرزخ، وأعظم دليل ذلك: أن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات، المؤمنين والكفار بالإجماع فلو لم تكن حياة الشهيد بالجسد لاستوى هو وغيره ولم يكن له ميزة، فقوله: ولكن لا تشعرون). أي: بحياتهم بأجسادهم، لكون ذلك من المغيب عنكم. ولذا قال ابن جرير في تفسيره: لا ترونهم فتعلموا أنهم أحياء. قوله: (وعن الحسن، أو الشهداء) إلى آخره. وفي صحيح مسلم: عن ابن مسعود مرفوعا (أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى قناديل تحت العرش). وأخرج أحمد عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الشهداء

стр. 739

على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا)). قوله: (والآية نزلت في شهداء بدر): أخرجه ابن منده في كتاب الصحابة، من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبى صالح، عن ابن عباس. قوله: (وكانوا أربعة عشر) ، حارثه بن سراقة، ورافع ابن المعلي، وذو الشمالين ابن عبد عمرو الخزاعي، وسعد بن خيثمة، وصفوان بن بيضاء، وعاقل بن البكير الليثي، وعبيدة بن الحارث وعمير بن الحمام، وعمير بن أبي وقاص، وكان سنة ستة عشر أو سبعة عشر عاما وعوف ومعوذ ابنا عقراء، ومبشر بن عبد المنذر، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ويزيد بن الحارث. قوله: (عطف على بشيء)، قال الشيخ سعد الدين: هذا وجه نظر إلى تنكير نقص. قوله: إذا مات ولد العبد، الحديث. أخرجه الترمذي من حديث أبي موسى، وحسنه.

стр. 740

قوله: (كل شيء يؤذى المؤمن فهو له مصيبة)، أخرجه ابن أبي الدنيا: في كتاب العزاء من حديث عكرمة مرسلا، بهذا اللفظ. وأخرجه الطبراني في الكبير موصولا، من حديث أبي أمامة بلفظ: ((ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة)، وله شواهد مرفوعة وموقوفة. قوله: (وجمعها للتنبيه على كثرتها) ، الشيخ سعد الدين: جمع الصلوات للتكرير، كالتنبيه في لبيك، بمعنى أنه لا انقطاع لرأفته وذلك، لأن حمل الصلوات على عدة من ذلك، ثلاثة فما فوقها، مما ليس له كبير معنى. قوله: (من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه)، قال الطيبي: ما وجدته في الكتب المعتبرة. قلت: أخرجه، ابن أبي جاتم، والطبراني، والبيهقي في شعب
следующие страницы →