Полный текст (1 427 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
العامل، ولم يقيدوه بأن يكون مما يتعدى إلى واحد، وقد قال الفارسي: إن هذه القراءة تصح على حذف مضاف، وهو أن يقدر، ولكل ذي وجهة هو موليها، المعنى: إنه مول لكل ذي وجهة وجهتهم. قال ابن مالك في تعليل المنع، لأنها إما أن تزاد فيها، فلا نظير له، أو في أحدهما. فيلزم الترجيح بدون مرجح، جوابه: إنها تزاد في المتقدم منهما، وترجح بضعف طلب عامل له لتقدمه، كما في الآية. انتهى.
قوله: (استثناء من الناس)، قال الشيخ سعد الدين: يعني به البدل لأنه المختار في غير الموجب، فيكون مجروراً.
قوله: (وسمى هذه حجة) إلى آخره. حاصله تقدير أن المراد بالحجة، المتمسك حقا كان أو باطلا. أشار إليه الشيخ سعد الدين. وقال الزجاج: مالك علي حجة إني الظلم؟ أي مالك على حجة ألبتة ولكنك تظلمني، وإنما سمى ظلمه حجة، لأن المحتج به سماه حجة.
قوله: (ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم .... بهن فلول من قراع الكتائب).
وهو، من قصيدة للنابغة الذبياني، والفلول: كسور في حد السيف، واحدها فل بالفتح. والقراع الضراب، والكتائب: جمع كتيبة، وهي: الجيش والبيت: من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
قوله: (وإراداتي اهتداءكم)، فسر به لاستحالة حقيقة الترجي.
قوله: (لئلا يكون) العطف عليه هو الصواب إذ لا حاجة إلى
стр. 737
التقدير، مع وجود علة مصرحة يصح العطف عليها، ورجحه أبو حيان، قال: ولا يضر الفصل بالاستثناء وما بعده لأنه من متعلق العلة الأولى.
قوله: (وفي الحديث، تمام النعمة، دخول الجنة)، أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والترمزي، من حديث، معاذ بن جبل.
قوله: (وعن علي، تمام النعمة، الموت على الإسلام)، أخرجه.
قوله: (متصل بما قبله)، الكاف على هذا للتشبيه قطعا.
قوله: (أو بما بعده)، إلى آخره. قال أبو حيان: الكاف على هذا يحتمل أن تكون للتشبيه، وأن تكون للتعليل، قال: وهو، الأظهر، قال: ثم هذا القول، قد رده مكي، لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله، لاشتغاله بجوابه، قال: وما ذكره مكي، ليس بشيء.
قوله: (قدمه باعتبار المقصد ، وأخره في دعوة إبراهيم باعتبار الفعل) وجهه أبو حيان بأن المراد بالتزكية هنا، التطهير من الشرك)، وهناك الشهادة بأنهم خيار أزكياء وذاك متأخر عن تعليم الشرائع والعمل، وفيه نظر.
قوله: (واشكروا لي ما أنعمت به عليكم)، قال أبو حيان: إشارة إلى: أن أشكر، يتعدى/ لواحد بحرف جر والآخر بنفسه. ثم إنه ينشد هنا قول القائل:
ولو كان يستغني عن الشكر منعم
стр. 738
لرفعة شأن أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكره .... فقال اشكروني أيها الثقلان
قوله: (بل هل أحياء)، قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس هو عطفا على القول، بل هو أضراب على نهيهم إلى الأخبار بهذه الجملة. وقال أبو حيان: يحتمل أن يكون مندرجا تحت قول مضمر، أي بل قولوا هم أحياء. قال: لكن الأول أرجح، لقوله بعد: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قوله: (وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد) إلى آخره.
الراجح: أن حياتهم بالجسد، ولا يقدح في ذلك عدم الشعورية من الحي كما أوضحته بأدلته في كتاب البرزخ، وأعظم دليل ذلك: أن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات، المؤمنين والكفار بالإجماع فلو لم تكن حياة الشهيد بالجسد لاستوى هو وغيره ولم يكن له ميزة، فقوله: ولكن لا تشعرون).
أي: بحياتهم بأجسادهم، لكون ذلك من المغيب عنكم. ولذا قال ابن جرير في تفسيره: لا ترونهم فتعلموا أنهم أحياء.
قوله: (وعن الحسن، أو الشهداء) إلى آخره. وفي صحيح مسلم: عن ابن مسعود مرفوعا (أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى قناديل تحت العرش).
وأخرج أحمد عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الشهداء
стр. 739
على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا)).
قوله: (والآية نزلت في شهداء بدر): أخرجه ابن منده في كتاب الصحابة، من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبى صالح، عن ابن عباس.
قوله: (وكانوا أربعة عشر) ، حارثه بن سراقة، ورافع ابن المعلي، وذو الشمالين ابن عبد عمرو الخزاعي، وسعد بن خيثمة، وصفوان بن بيضاء، وعاقل بن البكير الليثي، وعبيدة بن الحارث وعمير بن الحمام، وعمير بن أبي وقاص، وكان سنة ستة عشر أو سبعة عشر عاما وعوف ومعوذ ابنا عقراء، ومبشر بن عبد المنذر، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ويزيد بن الحارث.
قوله: (عطف على بشيء)، قال الشيخ سعد الدين: هذا وجه نظر إلى تنكير نقص.
قوله: إذا مات ولد العبد، الحديث. أخرجه الترمذي من حديث أبي موسى، وحسنه.
стр. 740
قوله: (كل شيء يؤذى المؤمن فهو له مصيبة)، أخرجه ابن أبي الدنيا: في كتاب العزاء من حديث عكرمة مرسلا، بهذا اللفظ. وأخرجه الطبراني في الكبير موصولا، من حديث أبي أمامة بلفظ: ((ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة)، وله شواهد مرفوعة وموقوفة.
قوله: (وجمعها للتنبيه على كثرتها) ، الشيخ سعد الدين: جمع الصلوات للتكرير، كالتنبيه في لبيك، بمعنى أنه لا انقطاع لرأفته وذلك، لأن حمل الصلوات على عدة من ذلك، ثلاثة فما فوقها، مما ليس له كبير معنى.
قوله: (من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه)، قال الطيبي: ما وجدته في الكتب المعتبرة.
قلت: أخرجه، ابن أبي جاتم، والطبراني، والبيهقي في شعب
стр. 741
الإيمان: من حديث ابن عباس.
قوله: (علما جبلين)، واللام فيهما لازمة للغلبة.
قوله: (وهي العلامة)، في الصحاح: الشعائر، أعمال الحج، وكل ما جعل علما على طاعة الله، قال الأصمعي: الواحد شعيرة، وقيل شعارة.
قوله: (كان إساف)، إلى قوله: (فنزلت)، أخرجه بهذا اللفظ ابن جرير، عن الشعبي، وهو مرسل. وأوله؛ إن وثنا يسمى: إسافا، ووثنا يسمى: نائله. وزاد في آخره، قال، فذكر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثا، وفي الصحيحين وغيرهما أحاديث بمعنى ذلك.
قوله: (وبه قال أنس وابن عباس)، أخرج ابن جرير من طريق عاصم الأحول، قال: قال أنس بن مالك: الطواف بينها تطوع، وأخرج من طريق عطاء عن ابن عباس قال: لا جناح عليه ألا يطوف بهما. وأخرج الطبراني من وجه آخر، قال: لاجناح عليه أن يطوف بهما، فمن ترك فلا بأس.
قوله: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)، أخرجه بهذا اللفظ أحمد، من حديث حبيبه بنت أبي تجراة، والطبراني، من حديث
стр. 742
ابن عباس.
قوله: (صفة مصدر محذوف)، أي تطوعا.
قوله: (أو بحذف الجار)، يؤيده قراءة ابن مسعود، بخير، وبه جزم أبو حيان.
قوله: (أي الذين يتأتى منهم اللعن من الملائكة والثقلين) هو، قول قتادة والربيع: أخرجه عنهما ابن جرير. وأخرج عن/ عكرمة، أنهم كل شيء، حتى البهائم والخنافس، والعقارب، وأخرج عن مجاهد والضحاك، إنهم دواب الأرض، ويؤيده ما أخرجه، ابن ماجه، وابن جرير، وابن أبي جاتم، عن البراء بن عازب، قال: كنا مع النبي ﷺ ، في جنازة، فقال: إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، فتسمعه كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني دواب الأرض، فهذا تفسير مرفوع عن صاحب النبوة فينبغي أن يوقف عنده، ولا يتعداه، فإن قلت: جمع العاقل يأباه. قلت: هو على حد ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
стр. 743
قوله: ((عطفا على محل اسم الله لأنه فاعل في المعنى). قال أبو حيان: هكذا خرج هذه القراءة جميع من وقفنا على كلامه من المعربين والمفسرين وهذا الذي جوزوه ليس بجائز: لما تقرر في العطف على الموضع من أن من شرطه أن يكون ثم طالب ومحرز للموضع، لا يتغير، هذا إذا سلمنا أن لعنة هنا من المصادر التي تعمل، وأنه ينحل لـ (أن) والفعل والذي يظهر خلافه، لأن المراد الاستقرار، لا الحدوث، كقوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، فإنه ليس معناه، ألا أن يلعن الله على الظالمين. وقولهم: ذكاء الحكماء، فليس المعنى في ذلك ونحوه على الحدوث وتقدير المصدر منحلا، لأن والفعل بل هو مثل قولهم، له وجه القمر، وشجاعة الأسد فأضيفت الشجاعة للتخصيص والتعريف، لا على معنى أن يشجع الأسد. قال: فالصواب أن يخرج على إضمار فعل، أي ويلعنهم، أو على العطف على لعنة الله، على حذف مضاف، أي ولعنة الملائكة، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه، بإعرابه، أو على الابتداء، والخبر محذوف، أي يلعنوهم.
قوله: (أو النار)، إلى أخره. أقول لك: أن تجعل عائداً إلى اللعنة مرادا بها النار، فيكون استخداما لا إضمارا له قبل الذكر.
قوله: (تقرير الوحدانية) قال الإمام: لأنه لما قال: وإلهكم إله واحد أمكن أن يخطر ببال أحد، هب أن إلا هنا واحد فلعل إله غيرنا مغاير لإلاهنا، فأزال هذا الوهم ببيان التوحيد المطلق. الشيخ سعد الدين: لا إله إلا هو، بحسب صدر الكلام، نفى لكل إله سواه، وبحسب الاستثناء إثبات له ولألوهيته لأن الاستثناء من النفي إثبات، سيما إذا كان بدلاً،
стр. 744
فإنه يكون هو المقصود بالنسبة، ولهذا كان البدل الذي هو المختار، في كل كلام تام غير موجب بمنزلة الواجب في هذه الكلمة، حتى لايكاد يستعمل لا إله إلا الله بالنصب، ولا إله إلا إياه. فإن قيل: كيف يصح أن البدل هو المقصود، والنسبة إلى البدل فيه سلبية؟ قلنا: إنما وقعت النسبة إلى البدل بعد النقض بإلا، فالبدل هو المقصود بالنفي المعتبر في المبدل منه لكن بعد نفيه، ونفي النفي إثبات.
قوله: (وما سواه: إما نعمة أو منعم عليه) الشيخ سعد الدين: فإن قيل: الكفر والمعصية وسائر القبائح ليست بنعمة، ولا منعم عليها. قلنا: هي كلها من حيث القابلية والفاعلية وما يرجع إلى الوجود والتشبيه نعمة، ومرجع الشر والقبح إلى العدم.
قوله: (وهما خبران، أي: لابد لان، إذ لابدل للبدل، قاله الشيخ سعد الدينز وقال أبو حيان يجوز أن يكون الرحمن بدلا من هو.
قوله: (قيل: لما سمعه المشركون) إلى آخره، أخرجه الفريابي في تفسيره، وسعيد بن منصور في سننه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي الضحى مفصلا.
قوله: (وإنما جمع السموات وأفرد الأرض)، لأنها طبقات متفاصلة بالذات، مختلفة بالحقيقة، بخلاف الأرض) هذا قول الحكماء، وأما أهل السنة، فالأرضون عندهم طبقات متفاصلة بالذات، بين كل
стр. 745
أرض وأرض مسيرة خمسمائة عام، كذا وردت به الأحاديث والآثار، وقد استوعبتها في كتابي الذي سميته بالهيئة السنية في الهيئة السنية، قال أبو حيان: تكلم أهل الهيئة هنا بتخاليط كثيرة أخذوها بعقولهم، لا أصل لها في الشرع، وذكر بعض أهل البلاغة النكتة في إفراد الأرض نقل جميعها من حيث اللفظ، وهو: أرضون، ولهذا لما أريد ذكر جميع الأرضين. قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، ورب مفرد لم يقع في القرآن جمعه، لثقله وخفة المفرد، وجمع لم يقع في القرآن مفرده، لثقله وخفة الجمع كالألباب.
قوله: (أي ينفعهم، أو بالذي ينفعهم) أي: ما، إما مصدرية أو موصولة، والباء على الأول: للسبب، وعلى الثاني للحال.
قوله: (قدمه على ذكر المطر والسحاب، لأن منشأهما البحر)، هذا قول الحكماء، وقد وردت الأحاديث بخلاف ذلك أوردتها في الكتاب المشار إليه، وحاصلها أن السحاب من شجرة تثمره في الجنة، والمطر من بحر تحت العرش.
قوله: (وقرئ بضمتين)، لم يذكر أبو حيان هذه القراءة.
قوله: (عطف على أنزل) إلى أخره.
قال أبو حيان: لا يصح عطفه على أنزل ولا على أحياء لأنه على التقديرين يكون في حيز الصلة، فيحتاج إلى ضمير يعود على الموصول، وتقديره: وبث به فيها وحذف هذا الضمير لا يجوز، لأن شرط جوازه وهو مجرور بالحرف أن يجر الموصول بمثله، وهو مفقود هنا،
стр. 746
والصواب أنه على حذف الموصول أي وما بث، لفهم المعنى، وفي ذلك زيادة فائدة وهو جعله أية مستقلة، وحذف الموصول جائز شائع، في كلام العرب، وإن لم يقسه البصريون فقد قاسه غيرهم، وخرج عليه آيات من القرآن.
قوله: (مع أن الطبع يقتضي أحدهما)، قال الطيبي: يعني صعوده إن كان لطيفا خفيا ونزوله إن كان كثيفا.
فائدة: أخرج أبو الشيخ ابن حبان، في كتاب العظمة، عن قتادة، قال: كان آدم ﵊ يشرب من السحاب.
قوله: (وعنه ﷺ ، قال: ((ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها)))، قال الشيخ ولى الدين العراقي: لم أقف عليه.
قلت: لم يرد في هذه الآية ولا بهذا اللفظ، وإنما أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، في تفاسيرهم، وابن أبي الدنيا، في كتاب التفكر، وابن حبان في صحيحه عن عائشة، أن النبي ﷺ ، قال: ((أنزل الله علي الليلة، إن في خلق السموات واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب، ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها)) وأخرج ابن أبي الدنيا، عن سفيان رفعه، قال: (من قرأ أخر سورة آل عمران فلم يتفكر فيها ويله، قعد بإصبعه عشرا) قيل للأوزاعي: فما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرأهن وهو يعقلهن.
قوله: (واعلم أن دلالة هذه الآيات) ، إلى أخره، فإذا تأملت ما ذكره المصنف في تقرير الاستدلال بهذه الآيات عرفت صحة قول حجة الإسلام الغزالي، رضي الله تعالى عنه: ليس في الإمكان أبدع من هذا
стр. 747
العالم، وانزاح عنك ما ركب قلوب المعترضين من كلام الجهل، وقد ألفت في ذلك كتاب تشييد الأركان، فلينظر، فإن فيه نفائس.
قوله: (لقوله: إذ تبرأ)، زاد أبو حيان: ولقوله: يحبونهم، فأتى بضمير العقلاء.
قوله: (ولم يعلم هؤلاء الذين ظلموا)، إشارة إلى أنه من وضع الظاهر موضع المضمر للنداء عليهم بالظلم.
قوله: (وللحال)، إلى أخره. رجح الحالية، في، (وباؤوا) والعطف، في: (وتقطعت) ووجهه الشيخ سعد الدين: بأن العطف في ورأوا يؤدي إلى إبدال، إذ رأو العذاب من إذ يرون العذاب، وليس فيه كبير فائدة، ولأن الحقيق بالاستعظام والاستقطاع، هو تبرؤهم في حال رؤية العذاب، لا هو نفسه وأما تقطع ما بينهم من الوصل والأسباب، فمستقل في ذلك لا تبع للتبروء.
قوله: (مثل ذلك الإراء) تقدم ما فيه، في: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال الشيخ سعد الدين: واعتبر المصدر مجردا عن التاء، لئلا يحتاج في تذكير اسم الإشارة إلى تأويل، وقد روى إراء، وإراءة كإقام الصلاة وإقامة.
قوله: (نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس) ليس كذلك إنما نزلت في المذكورين في آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 748
آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وأما هذه الآية، فإنما نزلت في الكفار الذين حرموا البحائر والسوائب والوصائل، ونحوها، كما ذكرت ابن جرير، وغيره، ويوضح قوله بعد: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ كما ذكر مثل ذلك في المائدة في قصة تحريم البحائر: ونحوها. وأما والمؤمنون الذين حرموا، رفيع الأطعمة والملابس: فلم يقع منهم هذا القول ولهذا صدرت هذه الآية، بيا أيها الناس، وآية المائدة بيا أيها الذين أمنوا، ويؤيده أيضا، خطاب المؤمنين بعد انقضاء قصة الكافرين لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
قوله: (حلالا مفعول كلوا) قال أبو حيان: (من) على هذا لابتداء الغاية متعلقة بكلوا. وكذا قال الشيخ سعد الدين.
قوله: (ومن للتبعيض) قال أبو حيان: هو خاص بجعل حلالا حالا، وكذا قال الشيخ سعد الدين. قالا: ومن حينئذ، في موقع المفعول، أي كلوا بعض ما في الأرض.
قوله: أو الشهود المستقيمة): رده الشيخ سعد الدين، بأن ماليس كذلك، إما حلال بلا شبهة، فلا مانع منه، أو لا، فخارج بقيد الحلال، ولهذا فسره في الكشاف بالطاهر من كل شبهة. وأجاب أبو حيان عن الأول: بأن طيبا يكون صفة لحلالا، مؤكدة أو مبينة، لأن الحلال ما
стр. 749
كان مستلذا لا مستقذرا.
قوله: (وقرئ بضمتين: وهمزة جعلت ضمة الطاء كأنها عليها)، أي على الواو. والواو المضمومة قد تقلب، مثل أقيت وأجره. وفيه توجيه أخر، أنه جمع خطاه، من الخطأ إن كان سمع، وإلا فتقديرا، وعليه الأخفش.
قوله: (واستعير الأمر)، إلى آخره: الشيخ سعد الدين: يشير إلى أنه استعارة تبعية، ويتبعها المؤمنين. إلى أنهم بمنزلة المأمورين له، بناء على أن الأمر العلو. قوله: (وعدل عن الخطاب)، إلى آخره.
الشيخ سعد الدين: أي صرف عنهم الخطاب.
وذكروا بلفظ الغيبة لنداء الآخرين على ضلالتهم وأنهم أحقاء بأن يعرض عنهم ويصرف عن خطابهم لفرط جهلهم، فأندفع ما يوهم من أن ترك الالتفات والجرى على الخطاب أنسب بالنداء على ضلالتهم. واختار الطيبي: أن الآية عامة في الكفرة، وقررت بوجه مناسب للنظام، ذكرته في أسرار التنزيل.
قوله: (وقيل: في طائفة من اليهود) إلى آخره.
أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وسمى قائل ذلك، رافع بن خارجة ومالك بن عوف، الشيخ
стр. 750
الشيخ سعد الدين: يعني أن الضمير للناس على طريقة الالتفات، لكن في المراد بالناس الذين يقال لهم هذا القول، قولان. قيل المشركون. وقيل اليهود.
قوله: (الواو للحال أو العطف)، الأول: قاله الزمخشري، والثاني قاله ابن عطية، وصرح بأنها لعطف جملة كلام على جملة. قال أبو حيان: والقولان يجتمعان، فإن الجملة المصحوبة بلو في مثل هذا السياق شرطية، فإذا قيل: اضرب زيدا ولو أحسن إليك، المعنى: وإن أحسن إليك وكذا أعط السائل ولو جاء على فرس. فلو هنا للتنبيه على أن ما بعدها غير مناسب لما قبلها، لكنها جاءت لاستقصاء الأحوال التي يقع فيها الفعل، ولتدل على أن المراد وجود الفعل في كل حال، حتى في هذه الحال التي لا تناسب الفعل، ولذلك لا يجوز اضرب زيداً ولو أساء، ولا أعطو السائل، ولو كان محتاجا، قالوا: وفي الآية ونحوها عاطفة على حال مقدرة والمعطوف على الحال (حال)، فصح أنها حالية وعاطفة.
قوله: (على حذف مضاف) إلى آخره، أي إما عند المشبه أو المشبه به، والأرجح في الآية قول ثالث: وهو أنها من الاحتباك، وهو حذف جزء من كل طرف أثبت نظيره في الآخر، والتقدير: ومثل الذين كفروا معك يا محمد، كمثل الناعق من الغنم، وهذا هو الذي اختاره الكرماني شيخ الزمخشري.
وقال: إنه أبلغ ما يكون من الكلام، وقد نص عليه سيبويه، وقرره
стр. 751
ابن طاهر والشلوبين، وابن خروف، وقالوا: إنه من بديع كلام العرب.
قوله: (إلا أن يجعل ذلك من باب التمثيل المركب)، قال الطيبي: بأن يكون المعنى، ومثلهم في دعائهم الأصنام فيما لا جدوى فيه، كمثل الناعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء. قال: وهذا أحسن الوجوه المذكورة في الكتاب وأوفق لتأليف النظم، وذلك لأن العاطف في: (ومثل)، يستدعى معطوفا عليه، والمحسن أن يعطف على جملة، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ﴾ الآية.
إذا عطف على قوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ على سبيل البيان، فيكون المراد بالذين كفروا إياهم وضعا للمظهر موضع المضمر للإشعار بغلبة عدم الاهتداء وسلب العقول نعيا على المخاطب وتسجيلا على ضلالهم. وفي عطف الجملة الاسمية على الفعلية الإيذان بأن المضارع في قوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، المراد به الاستمرار.
قوله: (يقول الله: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري)، أخرجه الطبراني في مسند الشاميين والبيهقي في شعب الإيمان، والديلمي من حديث أبي الدرداء.
стр. 752
قوله: (والحديت ألحق بها " ما أبين من حي ")، أخرج أبو داود، والترمذي وحسنه عن أبي واقد الليثي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة)).
قوله: (أو استثناه الشرع) ، أي في حديث، أحلت لنا ميتتان ودمان، السمك والجراد، والكبد والطحال. أخرجه ابن ماجة والحاكم، من حديث ابن عمر.
قوله: (إنما خص اللحم بالذكر) إلى آخره. قال ابن عطية: خص اللحم ليدل على تحريم عينه، ذكى أم لم يذك.
قوله: (بالاستئثار)، قال الشيخ سعد الدين: أي طلب أن يؤثر نفسه على ذلك المضطر الآخر بأن ينفرد بتناوله فيهلك الأخر.
قوله: (المراد قصر الحرمة) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: فهو قصر إفراد، إن كان الخطاب للمؤمنين الذين حرموا المستلذات أو قلب، إن كان للكفار الذين حرموا السوائب ونحوها. وعليهما: هو إضافي لا حقيقي.
стр. 753
قوله: (أكلت دما إن لم أرعك بضرة .... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
هو من أبيات الحماسة، لأعرابي تزوج امرأة فلم توافقه، فقيل له: إن حمى دمشق سريعة في موت النساء، فحملها إلى دمشق، وقال هذا الشعر.
وقبله: دمشق خذيها واعلمي أن ليلة .... تمر بعودي نعشها ليلة القدر
وبعده: أمالك عمر إنما أنت حية .... إذا هي لم تقتل تعش آخر الدهر
ثلاثين حولا لا أرى منك راحة .... ليهنك في الدنيا لبا قمة العمر
قوله: (أكلت دما، قال التبريزي: أجود الوجوه في معناه. أي قتل لي قتيل فأخذت ديته، ويجوز أن يكون المراد أصابه جدب وحاجة، أو يعنى الدم دم الحية وهي سم، وارعك: أفزعك، وبعيدة مهوى القرط: كناية عن طول العنق.
قوله: (يعني الدية) قال الطيبي: قيل المراد المعلمين، وهو الدم والصوف يؤكل في الجذب، أي وقعت في الجدب.
قوله: (ومعنى في بطونهم: ملء بطونهم)، قال الشيخ سعد
стр. 754
الدين: بيان لحاصل المعنى، وأما التحقيق، فهو إنه جعل في البطن بتمامه كل الأكل بمنزلة ما لو قيل: جعل الأكل في البطن أو في بعض البطن، فهو ظرف متعلق بأكل، لا حال مقدرة على ما في تفسير الكواشي.
قوله: (كلوا في بعض بطونكم تعفوا) تمامه:
فإن زمانكم زمان خميص.
قال الزمخشري، في شرح أبيات الكتاب: تعفوا أي عن السؤال.
قوله: (عبارة عن غضبه عليهم قال الشيخ سعد الدين: لما ثبت بالنصوص من أن الله يسألهم، والسؤال كلام حمل نفي الكلام على ما ذكر. فهو كناية. قلت: بل هو على ظاهره، ونصوص السؤال محمولة على أنه على ألسنة الملائكة.
قوله: (وما تامة) إلى آخره. فيها قول رابع، إنها موصوفة وما بعدها صفة، والخبر محذوف وخامس، إنها هنا نافية، والمعنى: إن الله ما أصبرهم، أي ما جعلهم يصبرون.
قوله: (والأول، أوفق)، قال أبو حيان: لأن السابق إنما هو نفى كون البر تولية الوجه، والذي يستدرك إنما هو من جنس ما ينفى.
قوله: (والمراد بالكتاب، الجنس) أي: القرآن، قال الطيبي: هذا إيماء إلى بيان النظم وأن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المذكور في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، فإن أريد له الجنس كان هذا مثله، أو العهد فكذلك، لأن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين
стр. 755
الأول.
قوله: (سئل أي الصدقة أفضل)، الحديث، أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة.
قوله: (أو للمصدر) أي: الإيتاء.
قوله: (صدقتك على المسكين) الحديث، أخرجه انترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، من حديث سلمان بن عامر.
قوله: (لأن السبيل يرعف به)، أي يقدمه، من رعف تقدم، وفرس راعف سابق، ورعف أنفه سبق دمه.
قوله: (للسائل حق وإن جاء على فرسه)، أخرجه أحمد من حديث حسين بن علي، بلفظ: وإن جاء على فرسه، وأخرجه أبو داود، من حديث علي، وابن راهويه في مسنده، من حديث فاطمة
стр. 756
الزهراء، والطبراني، من حديث الهرماس ابن زياد، وأخرج أحمد في الزهد، عن سالم ابن أبي الجعد، قال: قال عيسى بن مريم ﵇: إن للسائل حقا وإن أتاك على فرس مطوق بالفضة.
قوله: (ومن الحديث، نسخت الزكاة كل صدقة)، وأخرجه ابن شاهين، في الناسخ والمنسوخ، من حديث علي مرفوعا، (نسخت الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة وقال: هذا حديث غريب. وفي إسناده، المسيب، ابن شريك، ليس عندهم بالقوى، وأخرجه الدارقطني والبيهقي.
قوله: (من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان) أخرجه ابن
стр. 757
المنذر في تفسيره، عن أبي ميسرة.
قوله: (كان في الجاهلية بين حنين): الحديث. قال الشيخ ولى الدين العراقي: لا أقف عليه. قلت: أخرجه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، وهو مرسل.
قوله: (لما روى عن على، أن رجلا قتل عبده) الحديث. أخرجه ابن أبى شيبة.
قوله: (وروي عنه: أنه قال: من السنة ألا يقتل مسلم بذي عهد، ولا حر بعبد)، أخرجه ابن أبي شيبة.
قوله: (وليس له دعوى نسخه، بقوله: النفس بالنفس، لأنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن)، قد وقفت على جواب، عن أية.
(النفس بالنفس، يقيس حداً ذكره ابن العربي من أئمة المالكية، في كتابه أحكام القرآن، قال: الآية أريد بها الأحرار المسلمون
стр. 758
لأن اليهود المكتوب ذلك عليهم في التوراة كانوا ملة واحدة، ليسوا منقسمين إلى مسلم وكافر، وكانوا كلهم أحراراً، لا عبيد فيهم، لأن عقد الذمة والاستعباد إنما أبيح للنبي ﷺ من بين سائر الأنبياء، لأن الاستعباد من الغنائم ولم يحل لغيره، وعقد الذمة لبقاء الكفار، ولم يقع ذلك في عهد نبي، بل كان المكذبون يهلكون جميعا بالعذاب، وآخر ذلك في هذه الأمة رحمة. انتهى.
ولم يجب أحد عن الآية بأحسن من هذا الجواب ولا أنفس.
قوله: (وهو ضعيف) عجب من المصنف، كيف ينسبه إلى الحنفية ويضعفه: وهو الأصح في مذهب الشافعي، والمصنف من أتباعه.
قوله: (إذ الواجب على التخيير) إلى آخره. ليس بشيء، لأن وجه الاستدلال من الآية، أنه رتب الدية على العفو بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ﴾ فدل على أن القتل العمد لم يوجب سوى القصاص، وأن الدية لا يوجبها إلا العفو عليها، قال الشيخ سعد الدين: لا يخفى أن النصوص صريحة في إيجاب القصاص على التعيين، ثم تجويز العفو.
قوله: (قيل: كتب على اليهود القصاص وحده، وعلى النصارى، العفو مطلقا) ، أي من غير دية ولا قصاص، أخرج ابن جرير عن قتادة، قال: إن الله رحم هذه الأمة وأطعمهم الدية وأحلها لهم ولم تحل لأحد قبلهم، فكان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو، وليس بينهما أرش، وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به، وجعل الله لهذه الأمة العفو
стр. 759
والقتل والدية، وقد استوفيت طرق الحديث في كتاب المعجزات والخصائص.
قوله: (لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدية)، أخرجه أبو داود، من حديث سمرة.
قوله: (كلام في غاية الفصاحة)، قد بينت ما فيه من وجوه البلاغة الكثيرة في أسرار التنزيل.
قوله: (روى عن علي) إلى أخره. أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف، وسعيد بن منصور في سننه.
стр. 760
والحاكم في مستدركه، (وعن عائشة) إلى أخره. أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور.
قوله: (من مرفوع بكتب) ، إلى آخره. قال أبو حيان. الأحسن ما قاله بعضهم: إن نائب الفاعل لكتب: الجار والمجرور، وهو عليكم، والوصية خبر متبدأ مقدر جوابا لسؤال، وكأنه قيل: ما المكتوب على أحدنا إذا حضره الموت؟ فقيل الوصية قال: وهذا أقل تكلفا من غيره.
قوله: (من يفعل الحسنات الله يشكرها) هو، لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وقيل: لكعب بن مالك. وتمامه: (والشر بالشر عند الله مثلان).
قوله: وكان هذا الحكم في بدء الإسلام فنسخ بأية المواريث، أخرجه أبو داود في ناسخه عن ابن عباس، وابن أبى شيبة، وابن جرير، عن ابن عمر.
стр. 761
قوله: وبقوله، ﵊ (إن الله أعطى كل ذي حق حقه) الحديث. أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه، من حديث عمرو ابن خارجه. قال الطيبي: ظاهره، أن الآية والحديث نسختا آية الوصية، والحق أن آية المواريث هي الناسخة، والحديث مبين لكونها ناسخة، لأن الحديث، لا ينسخ الكتاب.
قوله: (وفيه نظرا)، إلى آخره. حكاد الشيخ سعد الدين، ثم قال: والقول بأن المراد النسخ بمجموع الآية والحديث، بمعنى أن النسخ بالآية والحديث بينه، خلاف الظاهر وإن كان له وجه صحة على أصول الحنفية، حيث يجعلون مثل هذا الحديث في حكم المتواتر، ويسمونه المشهور، ويجوزون به نسخ الكتاب. قال: والظاهر أن الوصية للوارث المدلول عليه، بقوله: (للوالدين والأقربين)، كانت واجبة بحكم هذه الآية من غير تعيين لأنصبائهم، فلما نزلت آية المواريث بيانا للأنصباء بلفظ الأنصباء فهم منها النبي ﷺ أن المراد منه هذه الوصية التي كانت واجبة، كأنه قيل: إن الله أوصى بنفسه تلك الوصية، ولم يفوضها إليكم، فقام الميراث مقام الوصية، وكان هذا مع نسخ وجوب الوصية بآية المواريث، لأن فيها دلالة على رفع ذلك الحكم. انتهى.
قوله: (حقا على المتقين): مصدر مؤكد، أي حق ذلك حقا.
стр. 762
قال أبو حيان هذا تأباه القواعد النحوية، لأن ظاهر قوله على المتقين أن يتعلق بحقا أو يكون في موضع الصفة وكلا التقديرين يخرجه عن التأكيد، أما تعلقه به، فلأن المصدر المؤكد لا يعمل، إنما يعمل المصدر الذي ينحل بحرف مصدري والفعل أو المصدر الذي هو مدلول من اللفظ بالفعل.
قال السفاقسي: ويتخصص أيضا بالمعمول فيخرج عن التأكيد. قال أبو حيان: وأما جعله صفة لحقا، أي حقا كائنا على المتقين، فذلك يخرجه عن التأكيد، لأنه إذ ذاك تخصيص. قال الحلبي: لا يلزمه ذلك، فإنه لا يقول إن على المتقين يتعلق به، وقد نص على ذلك أبو البقاء.
قوله: (أي توقع وعلم). قال الشيخ سعد الدين: فإن التوقع وإن لم يستلزم الجزم لا ينافيه، فجاز الجمع بينهما، وإن كان استعماله فيما لا جزم لوقوعه أظهر وأكثر.
قوله: (فعليه بالصوم) . الحديث أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود.
قوله: (يهال هيلا): في الصحاح، هيلت، الدقيق: صببته من غير كيل.
قوله: (الوقوع الفصل بينهما) أي والفصل بين المصدر ومعموله لا يجوز. وقال الشيخ سعد الدين: بأنه جائز بناء على القول بجوازه في الظرف وإن لم يجز في غيره.
стр. 763
قوله: (وهو عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر). أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، عن معاذ بن جبل، لكن فيه، إن ذلك كان قبل نزول هذه الآية، وأنه نسخ بها.
قوله: (أو بـ كما كتب، على الظرفية)، قال أبو حيان: هذا خطأ، لأن الظرف محل للفعل والكتابة ليست واقعة في الأيام، وإنما الواقع فيها متعلقها. فلو قال إنسان لولده الذي ولد يوم الجمعة: سرني ولادتك يوم الجمعة. لم يكن يوم الجمعة ظرفا لسرني، لأنه ليس محل السرور.
قوله: (أو على أنه مفعول ثان لكتب على السعة)، قال أبو حيان: هذا أيضا خطأ، لأن الاتساع مبني على جواز وقوعه ظرفا لكتب، وقد تبين بطلانه.
قوله: (روي أن رمضان كتب على النصارى)، إلى آخره، أخرجه ابن جرير، عن السدي.
قوله: (أو راكب سفر)، قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى أن كلمة على استعارة تبعية، شبه تلبسه بالسفر باستعلاء الراكب واعتلائه على الركوب، يتصرف كيف يشاء، وإلا فمجرد الظرف لا يدل إلا على معنى الكون والحصول، أي كائنا على سفر.
стр. 764
قوله: (وبه قال أبو هريرة)، أخرجه ابن جرير، وصرح عنه، بأنه لو صام في السفر لم يصح، ولزمه القضاء بعد الإقامة.
قوله: (ورخص لهم في ذلك أول الأمر)، إلى قوله: ثم نسخ أخرجه البخاري، عن سلمة بن الأكوع.
قوله: (وقرئ يطوقونه، هو بالبناء للمفعول، من طوق.
قوله: (يطوقونه، بالإدغام) ، أي بإدغام التاء في الطاء من يتطوقونه.
قوله: (ويطيقونه، الأولى يضم الياء وتخفيف الطاء، والثانية، بفتح الياء وتشديد الطاء، كالياء بعدها فيهما. هذا مقتضى ما ذكره المصنف في أصلهما: ولم يذكر أبو حيان الأولى هكذا إنما ذكرها كالثانية بتشديد الطاء غير أن الياء الأولى مضمومة بناء للمفعول، وجعلهما معا يطيق يتطق والأصل: يطيوق. اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء وأدغمت فيها الياء.
قوله: (أو بدل من الصياء)، قال أبو حيان: هو بعيد من وجهين، كثرة الفصل بين البدل والمبدل، وكونه على عكس بدل الاشتمال، لأنه في الغالب يكون بالمصادر من الذوات، نحوه ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. وهذا بالذات من المصدر، قال: ويمكن توجيهه، لأنه حذف
стр. 765
مضاف، أي صيام شهر، فلذا قيده المصنف به. قال الشيخ سعد الدين: وإذا قدر المضاف فهو بدل كل أو على أنه مفعول ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾، قال أبو حيان: هذا لا يجوز، لأن تصوموا صلة لأن، وقد فصل بينه، وبين معمول الصلة بالخبر، وهو خير، ولا يجوز أن يقال: أن يضرب شديد زيداً، بخلاف أن يضرب زيداً شديد. وقد اعتمد الشيخ سعد الدين وقال: هذا الإيراد سيما معمول هو بمنزلة جزء من الكلمة، لأن المصدر كجزء من صلتها، وقال الطيبي: أقصى ما يقال فيه: إنه وإن كان مصدرا في المعنى فصورته صورة الفعل، فجاز الفصل بالنظر إلى الصورة.
قوله: (ورمضان مصدر رمض)، قال أبو حيان: يحتاج في تحقيق، أنه مصدر إلى صحة نقل، لأن فعلانا ليس مصدر فعل اللازم، بل إن جاء فيه كان شاذاً والأولى أن يكون مرتجلا لا منقولا.
قوله: (وأضيف إليه الشهر، وجعل علما)، قال الشيخ سعد الدين: أي مجموع المضاف والمضاف إليه، وإلا لم يحسن إضافة شهر إليه، كما لا يحسن إنسان زيد، ولهذا لم يسمع شهر رجب، وشهر شعبان قال: وبالجملة فقد أطبقوا أن العلم في ثلاثة أشهر هو مجموع المضاف والمضاف إليه، شهر رمضان، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وقال أبو حيان: ما ذكره الزمخشري من أن علم الشهر مجموع اللفظين غير معروف، وإنما اسمه رمضان، فإذا قيل فيه: شهر رمضان، فهو كما يقال: شهر المحرم، ونحو ذلك: ثم نبه على أنه علم جنس.
стр. 766
قوله: (كما منع داية)، إلى آخره، قال الطيبي: جعل المركب من شهر رمضان علما ومنع من الصرف، كما جعل ابن داية مع الإضافة علما، ومنع من الصرف، وداية البعير: موضع القتب.
قوله: (من صام رمضان)، تمامه: (إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة.
فائدة: أورد في الكشاف: من حديث: (من أدرك رمضان فلم يغفر له) قال الشيخ سعد الدين: ولا يوجد له تمام، فيما اشتهر من الكتب ويحتمل أن تكون من استفهامية، والمعنى: ما أدرك أحد فلم يغفر له، بمعنى أن كل من أدركه غفر له، فيكون كلاما تاما. انتهى. وليس كما قال، والحديث تمامه معروف، أخرجه البزار، من حديث عبد الله بن الحارث ابن جزء الزبيدي مرفوعا.
(أتاني جبريل، فقال: من أدرك رمضان فلم يغفر له، فأبعده الله، ثم أبعده، قل آمين).
стр. 767
قوله: (فعلى حذف المضاف)، قال الشيخ سعد الدين: وجاز الحذف من الإعلام، وإن كان من قبيل حذف بعض الكلمة، لأنهم أجروا مثل هذا العلم مجرى المضاف والمضاف إليه، حيث أعربوا الجزاء.
قوله: (وإنما سموه بذلك: إما لارتماضهم فيه)، قال الشيخ سعد الدين: من أرتمض الرجل من كذا اشتد عليه وأقلقه.
قوله: (أو الارتماض الذنوب)، فيه ورد بهذا حديث مرفوع، أخرجه الإصبهاني في الترغيب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما سمى رمضان، لأن رمضان رمض الذنوب).
قوله: (أو لوقوعه أيام رمض الحر حين، ما نقلوا أسماء الشهور في اللغة القديمة، قال أئمة اللغة: كان أسماء الشهور في اللغة القديمة:
موتمر، تاجر، بصان، خوان، حنين وزنه، الأصم، وعل، ناتق، عاذل، هواع براك على الترتيب. قال السجاوندي: سمي المحرم لتحريم القتال فيه، وصفر، لخلو مكة عن أهلها إلى الحروب، والربيعان، لارتباع الناس فيهما. أي إقامتهم، وجماديان: لجمود الماء، ورجب لترجيب العرب إياه، أي تعظيمه، وشعبان لشعب القبائل، ورمضان لرمض الفصال، وشوال لشول أذناب اللقاح وذو القعدة، للقعود فيه عن الحرب، وذو الحجة، لحجهم فيه. وقد ورد نحوه، عن أبي عمرو بن
стр. 768
العلاء، وقال في صفر، لأنهم كانوا ينزلون فيه بلاداً يقال لها صفر. ورجب، لأنهم كانوا يرجبون فيه النخل.
قوله: (أنزلت صحف إبراهيم)، الحديث أخرجه أحمد والطبراني، من حديث واثلة بن الأسقع.
قوله: (الفاء لوصف المبتدأ بما ضمن معنى الشرط) ، نظيره: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، قال أبو حيان: وهذا القول ليس بشيء، لأن الذي هنا صفة لعلم ولا يتخيل فيه شيء ما من العموم ولمعنى الفعل الذي هو أنزل لفظا ومعنى، بخلاف آية الموت، فإن الموت فيها ليس معينا، بل فيه عموم، وصلة الذي فيه مستقبلة وهي تفرون.
قوله: (ما يهدي إلى الحق)، قال الشيخ سعد الدين: أي من جنس ما هدى الله به، فليس إشارة إلى الهدى السابق، وفي ذلك دفع لسؤال التكرار.
قوله: (من أمر الشاهد بصوم الشهر)، قال الشيخ سعد الدين: ذكر في تفصيل الملل دون تعليم كيفية القضاء وفي تطبيق العلل ورد كل منها إلى معلل بالعكس فلم يقع بإزاء الشاهد بالصوم عليه، والجواب: أن أمر الشاهد بصوم الشهر توطئة وتمهيد، وفي الأمر بمراعاة العدة تعليم لكيفية القضاء، لأن معناه: فليراع عدة ما أفطر ليصومها من شهر
стр. 769
فيخرج عن العهدة.
قوله: (ويجوز أن يعطف على اليسر)، قال أبو حيان: لا يمكن هذا إلا بزيادة اللام وإضمار أن بعدها أو يجعل اللام لمعنى أن فلا تكون أن مضمرة بعدها وكلاهما ضعيف.
قوله: (وما يحتمل المصدر والخبر أي الذي هداكم إليه) فيه. أمور. أحدهما: أن التعبير بالخبر عن الموصول عبارة غريبة لا تعهد في كلام المعربين. الثاني: أن أبا حيان قال: إن في جعلها بمعنى الذي بعد، لأنه يحتاج إلى حذفين حذف العائد، وحذف مضاف يصح به الكلام أي على إتباع الذي هداكم، الثالث: قال أبو حيان الأولى تقدير العائد منصوبا، أي: هداكموه. لا مجرورا بإلى ولا باللام ليكون حذفه أسهل من حذفه مجروراً.
قوله: (أي فقل لهم، إني قريب)، قال أبو حيان: لابد من تقدير القول، لأنه لا يترتب على المشروط القريب، إنما يترتب عليه الاخبار عن القرب.
قوله: (هو تمثيل) إلى آخره، الشيخ سعد الدين: يعني أن القرب حقيقة في القرب المكاني. وقد استعمل هنا في الحال الشبيه بحال من قرب مكانه، مع اعتبار عدة أمور، فيكون لفظ قريب استعارة تبعية تمثيلية.
قوله: (روى أن أعرابيا)، الحديث، أخرجه، ابن جرير وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو الشيخ في تفاسيرهم، والدارقطني، في المؤتلف والمختلف من حديث معاوية بن حيدة.
стр. 770
قوله: (روى إن المسلمين)، الحديث: أخرجه أحمد من حديث كعب بن مالك، وأبو داود، من حديث، معاذ ابن جبل نحوه، مخصصا بما بعد اليوم، وأخرجه ابن جرير، عن ابن عباس، وفيه: إذا صلوا العشاء، كما قال المصنف.
قوله: (وعدى بإلى لتضمنه معنى الإفضاء)، الشيخ سعد الدين: فإن قيل: لم لا يجعل من أول الأمر كناية عن الإفضاء، كما يشير إليه كلام صاحب الأساس. قلنا: لأن المقصود هو الجمال، والإفضاء أيضا كناية عنه.
قوله: (وإيثاره هنا لتقبيح ما ارتكبوا)، جواب عن سؤال مقدر، وهو أنه لما ترك التصريح بلفظ الجماع إلى الكناية كان ينبغي ألا يكنى يمثل هذا اللفظ، فأجاب أنه لقصد استهجان ما صدر عنهم قبل الإباحة حتى لو كان لفظ أدل على القبح منه لكان مناسبا، وإن المقام مقام الإباحة، ألا ترى إلى قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وكذا في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ تنفيرا لهم عما نهوا عنه في الحج.
قوله: (إذا ما الضجيج ثنى عطفها ... تثنت فكانت عليه لباسا
стр. 771
عزاه الشيخ سعد الدين، إلى الجعدي. والضجيج: المضاجع: وثنى عطفها: أمال شقها. تثنت: مالت.
قوله: (والاختيان أبلغ من الخيانة، لأن الزيادة في البناء تدل على الزيادة في المعنى) .
قوله: (غبش الليل) بفتح الغين المعجمة والموحدة وشين معجمة بقية الليل، وقيل: ظلمة آخر الليل.
قوله: (واكتفى) إلى آخره. حاصله أنه جعل من الفجر بيانا لقوله: (الخيط الأبيض)، وحذف قوله: من غبش الليل المبين للخيط اكتفاء، قال أبو عبيد: المراد بالخيط الأسود، الفجر الأول، وإنه من باب وصف الشيء بما يؤول إليه، لأن الفجر يصير إلى السواد بعد وجوده، والمعنى: حتى يتبين لكم الفجر الثاني من الفجر الأول، وبهذا حصل الجواب عن سؤال الشيخ عز الدين بن عبد السلام، إن التشبيه في الفجر ظاهر، لأن طوله أكبر من عرضه، وأما الظلام فكرة فكيف يشبه بالخيط، وعلى هذا فيمكن أن يجعل من الفجر بيانا للخيط الأبيض والخيط الأسود معا، بناء على استعمال المشترك في معنييه، ويكون المقصود به دفع وهم من ظن أن المراد حقيقة الخيطين، فأبان أن المراد بهما الفجر بقسيميه، من صادق وكاذب وعلى هذا فلا حذف في الآية ولا اكتفاء، ويكون من باب اللف والنشر المجمل، لكن الإجمال هنا في النشر لا في اللف، على عكس ما تقدم. في قوله: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، وهو نوع غريب لم أر من نبه عليه.
قوله: (وبذلك) أي بذكر (من الفجر).
قوله: (خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل)، قال الطيبي: لأن
стр. 772
الاستعارة أن يذكر أحد طرفي التشبيه، ويراد الطرف الآخر، وهنا الفجر هو المشبه، والخيط الأبيض المشبه به، ولا يقال: بقي الأسود على الاستعارة لترك المشبه، لأنه لما كان في الكلام ما يدل عليه فكأنه ملفوظ.
قوله: (ويجوز أن تكون من، للتبعيض)، قال الطيبي: فيكون بدلاً من الخيطين أي مبين لكم بعض الفجر، وهو أول ما يبدو، وقال الشيخ سعد الدين: المعنى، على التبعيض حال كون الخيط الأبيض بعضا من الفجر، وعلى البيان: حال كونه هو الفجر، فأعربه حالا.
قوله: (وما روى أنها نزلت)، إلى أخره. أخرجه البخاري والنسائي من حديث سهل بن سعد. فقول المصنف، إن صح: فيه ما فيه.
قوله: (في تجهيز المباشرة) إلى آخره. أول من استنبط هذا الحكم من الآية، محمد بن كعب القرظي من أئمة التابعين، ووجهه: أن المباشرة إذا كانت مباحة إلى الانفجار لم يكن الاغتسال إلا بعد الصبح.
قوله: (فينفي صوم الوصال): قد استنبط ذلك من الآية النبي ﷺ ، كما أخرجه أحمد، من حديث بشر بن الخصاصة، قال الطيبي:
стр. 773
ووجهه إنه تعالى: جعله غاية للصوم، وغاية الشيء منقطعه ومنتهاه، وما بعد الغاية يخالف ما قبله. وإنما يكون كذلك إذا لم يبق بعد ذلك صوم.
قوله: (وعن قتادة)، إلى آخره. أخرجه، ابن جرير.
قوله: (وفيه دليل على أن الاعتكاف يكون في المسجد) قال صاحب التقريب: ليس فيها ما يدل على ذلك. قال الشيخ سعد الدين: بل ربما يدعى دلالة الآية على أن الاعتكاف قد يكون في غير المسجد، وإلا لما كان للتقييد فائدة قال: ويجاب بأن المباشرة في الاعتكاف حرام إجماعا فلو لم يكن ذكر في المساجد لبيان أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لزم اختصاص حرمة المباشرة باعتكاف يكون في المسجد، وهو باطل وفاقا، قال: وأيضا التقييد يدل على أن له مدخلا في علة الحكم، كالحكم المتعلق به: إما تحقق الاعتكاف أو حرمة المباشرة فيه. والثاني منتف إجماعا، فتعين الأول. قلت: هذا الذي ذكره الشيخ سعد الدين، ذكره الشيخ محي الدين النووي في شرح المهذب، فقال: وجه الدلالة من الآية أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد، لأنها منافية للاعتكاف، فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد.
قوله: (تلك حدود الله) أي الأحكام التي ذكرت، قال الشيخ سعد الدين: من، (باشروا)، (وابتغوا)، (وكلوا)، (واشربوا) للإباحة، (وأتموا الصيام) للإيجاب، (ولا تباشروا) وهذا للتحريم، قال: والنهي عن الإتيان والقربان في الحرام ظاهر، وأما في الواجب، والمندوب، والمباح فمشكل. وعن التعدي بالعكس، وما ذكر من كون منع القربان مبالغة في منع التعدي، وكون التعدي عبارة على ترك الطاعة والعمل
стр. 774
بالشرائع ومجاوزة حيز الحق إلى حيز الباطلة يدفع الإشكالين، لكن لابد من أدنى تأويل في اللفظ وهو أن تلك الأحكام ذوات حدود فلا تقربواها لئلا يؤدي إلى تجاوزها والوقوع في حيز الباطل.
وقال الطيبي: تسمية المحارم بالحدود ظاهرة وأما الأوامر: فلأنه تعالى منع الناس عن مخالفتها. وقال أبو حيان: تلك، الإشارة إلى ما تضمنته أية الصيام من أولها إلى آخره، وقد تضمنت عدة أوامر، والأمر بالشيء نهى عن ضده، فبهذا الاعتبار كانت عدة مناهي. ثم جاء آخرها النهي عن المباشرة في الاعتكاف، فأطلق على الكل حدود تغليبا للمنطوق به، وإلا فالمأمور بفعله، لا يقال فيه: فلا تقربوها.
قوله: (إن لملك حمى)، الحديث، أخرجه البخاري، من حديث النعمان بن بشير.
قوله: (ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه، فيستقيم منع القربان).
قوله: (أي لا يأكل بعضكم)، يشير إلى أن قوله: ولا تأكلوا أموالكم ليس بمقابلة الجمع بالجمع. كما في: اركبوا دوابكم بل المراد نهي كل عن أكل مال الآخر.
قوله: (أو نصب بإضمار أن): ضعفه أبو حيان، بوجهين، أحدهما: أنه على هذا يكون النهي عن الجمع، وهو لا يستلزم النهي عن كل على انفراد. وأجاب الشيخ سعد الدين، بأنه وإن لم يستلزمه لا ينافيه. والثاني: أن قوله: لتأكلوا علة لما قبله فلو كان النهي عن الجمع لم تصلح العلة له، لأنه: مركب من شيئين لا تصلح العلة أن ترتب على وجودهما بل على وجود أحدهما، وهو الإدلاء فقط.
стр. 775
قوله: (روي أن عبدان الحضرمي ادعى على امرئ القيس الكندي قطعة من أرض)، إلى قوله: فنزلت. أخرجه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير مرسلا.
قوله: (إنما أنا بشر) الحديث، أخرجه الشيخان من حديث أم سلمة: (وألحن بحجته): يقوم بها من صاحبه وأقدر عليها. من اللحن، بفتح الحاء: الفطنة.
قوله: (سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم)، إلى آخره. قال الشيخ ولى الدين: لم أقف له على إسناد.
قلت: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس، قال: سأل الناس رسول الله ﷺ عن الأهلة فنزلت هذه الآية، وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله لم خلقت الأهلة؟ فنزلت.
следующие страницы →