Полный текст (1 427 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وإنه يصح ارتفاع كل ما عداه مع بقائه، ولهذا النظر قال أبو بكر ﵁: (سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته) وقال بعض الأولياء: غاية معرفة الله أن تعلم أنه يعرفك لا أنك تعرفه.
قوله: (تصوير لعظمته) إلى آخره. الصواب: حمل الكرسي على الحقيقة، كما دلت عليه الأحاديث والآثار.
قوله: (ما السموات السبع)، الحديث أخرجه ابن مردويه: من حديث أبي ذر.
قوله: (ولعله الفلك المشهور بفلك البروج)، هذا من خرافات الفلاسفة التي لا أصل لها، ولا يقوم عليها دليل.
قوله: (أي حفظة السموات والأرض)، قال الشيخ سعد الدين: بين مرجع الضمير، إذ ربما يتوهم أنه جمع فلا يصح مرجعا لضمير التثنية.
قوله: (إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي)، هذه الجملة صحيحة أخرجها مسلم، من حديث أبي بن كعب، والطبراني من حديث الأسقع البكري، وابن مردويه، من حديث ابن مسعود، وابن راهوية في مسنده من حديث عوف بن مالك، وأحمد والحاكم من حديث
стр. 842
أبي ذر.
قوله: (من قرأها بعث الله ملكا يكتب من حسناته، ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة)، لا أصل له.
قوله: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)، أخرجه بهذا اللفظ إلى هنا النسائي، وابن حبان، والدارقطني، من حديث أبي أمامة، والبيهقي في شعب الإيمان، من حديث الصلصال بن الدلهمس، ومن حديث علي ابن أبي طالب. قال الشيخ سعد الدين: لم يبق من شرائط دخول الجنة إلا الموت وكان الموت يمنع، ويقول: لابد من حضوري أو لا يدخل الجنة.
قوله: (ولا يواظب عليها إلا صديق، أو عابد)، هذه الجملة من حديث أخرجه البيهقي في الشعب، من حديث أنس مرفوعا. (من قرأ
стр. 843
أية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة حفظ إلى الصلاة الأخرى، ولا يحافظ عليها إلا نبي أو صديق أو شهيد.
قوله: (ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وداره وجار جاره والأبيات حوله)، هو في حديث على المشار إليه، بعد قوله: إلا الموت، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه أمنه الله على داره، ودار جاره، وأهل دويرات حوله.
قوله: (لما روى أن أنصاريا)، إلى آخره. أخرجه ابن إسحاق وابن جرير، عن ابن عباس. وسمى الأنصاري: الحصين من بني سالم بن عوف.
قوله: (قلب عينه ولامه) إذ اصله: طغوت، جعلت اللام مكان العين، والعين مكان اللام فصار: طوغوت: تحركت اللام وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصار طاغوت، وذهب بعضهم إلى أن التاء بدل من لام الكلمة، ووزنه فاعول، وقيل: هو مصدر كرهبوط، وحبروت.
قوله: ((طلب الإمساك من نفسه) على أن استفعل للطلب على بابه، والأوجه أنه بمعنى تمسك، وهي استعارة. في الكشاف: تمثيلية. قال الشيخ سعد الدين: شبه التدين بالدين الحق والثبات، على الهدى والإيمان بالتمسك بالعروة الوثقى، المأخوذة من الحبل المحكم المأمون قطعها ثم ذكر المشبه به وأراد المشبه.
قوله: (يقال: فصمته فانفصم إذا كسرته)، يشير إلى أنها بالفاء
стр. 844
كسر بلا بينونة، وبالقاف قطع ببينونة.
قوله: (والجملة خبر) إلى آخره، رجح أبو حيان في الجملتين الاستئناف المفسر، وعلى الحالية، العامل في الأولى ولي ومن الثانية يعني الطاغوت، أو حال من المستكن في الخبر، أو من الموصول، أو منهما.
رفع إلي سؤال في هذا المحل صورته بين لنا كيف صيغة الحال على كل فأجبت بما نصه: من القواعد المقررة في العربية إن صاحب الحال والحال يشبهان المبتدأ والخبر فكذلك الشبه يجوز أن يكون صاحب الحال واحدا ويتعدد حاله، كما يكون المبتدأ واحدا والخبر متعدداً ويجوز أن يكون صاحب الحال متعددا والحال متعدداً أو متحدا، ويشترط وجود الرابط لكل من الصاحبين، كما يشترط وجود الرابط لكل من المبتدأين، ومن القواعد المشهورة حتى في الألفية، إن الحال يأتي من المضاف إليه إذا كان المضاف عاملا، كما قال:
ولا تجز حالا من المضاف له .... إلا إذا اقتضى المضاف عمله
إذا تقرر ذلك، فالوجه الأول، وهو أنها حال من الضمير المستكن في ولى، هو الأوضح، وهو الذي رجحه أبو حيان، في البحر، فإن صيغة ولى صفة مشبهة، وفيه ضمير الفاعل، والحال يأتي من الفاعل كثيرا، وتقدير الكلام: الله ولي الذين آمنوا حال إخراجه إياهم من الظلمات إلى النور، أو حال كونه مخرجا لهم، أي تولاهم حيث أخرجهم، والحال قيد في العامل، فجملة الإخراج حال مبينة لهيئة التولي، وضمير يخرج المستتر فيه هو الرابط لجملة الحال لصاحبها، وإنما جعل من ضمير ولي لا من نفس ولى، لأنه واقع خبراً عن المبتدأ، والقاعدة أن الحال لا تأتي من الخبر، بل الفاعل أو المفعول، أو ما كان في معناهما، وهو المضاف إليه بشرطه، والمبتدأ على رأي، وأما الخبر فلا يأتي منه الحال، فكذلك عدل إلى الضمير
стр. 845
الذي هو فاعل، والوجه الثاني، وهو إنها حال من الموصول واضح أيضا، لأنه مجرور بإضافة الصفة المشبهة إليه فهو من قاعدة ما كان المضاف عاملا فيه فهو في معنى المفعول، ولهذا لو جئت بدل الصفة المشبهة بالفعل ظهرت المفعولية، وتقدير الكلام الله ولي المؤمنين حال كونهم مخرجين بهدايته من الظلمات، فإذا قدرت الحال من ضمير ولي كانت في تقدير مخرجا بالكسر، اسم فاعل، وإذا قدرتها من الذين، الذي هو في معنى المفعول، كانت في تقدير مخرجين بالفتح اسم مفعول، والوجه الثالث واضح أيضا، وهو أنها حال منها معا، فإن فيها رابطين، رابط بالأول، وهو ضمير يخرج المستتر الذي هو فاعل، ورابط بالثاني، وهو ضمير الذين آمنوا الذي هو مفعول يخرج، وهو وهم، وتقدير الكلام، على هذا، الله ولي المؤمنين حال كونه مخرجا لهم بالهداية وحال كونهم مخرجين بالاهتداء، وفي ذلك ملاحظة أخرى لقاعدة أصولية، وهو استعمال المشترك في معنييه.
قوله: (وقيل: نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام)، الوارد خلاف القولين. أخرج ابن المنذر، والطبراني في الكبير، عن ابن عباس، أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى، فلما بعث محمد كفروا به.
قوله: (لأن أتاه الله)، إلى آخره، قال الشيخ سعد الدين: شبه استعقاب الإيتاء المحاجة باستعقاب العلة المعلول، كما دخلت اللام في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ﴾ الآية على ما ليس بغرض تشبيها لها بما هو غرض، فهنا شبه بالعلة والسببية وثمة بالمعلولية والغرضية.
قوله: (أو وقت أن أتاه)، قال أبو حيان: أن أريد بذلك أنه على حذف مضاف ممكن على أن فيه بعدا من جهة أن المحاجة لم تقع وقت الإيتاء، لأن الإيتاء سابق على المحاجة، وإن أريد أن أن والفعل وقعت موقع المصدر الواقع موقع ظرف الزمان، كقولك: جئت خفوق النجم، ومقدم الحاج، وصياح الديك، فلا يجوز ذلك لأن النحاة مضوا على أنه
стр. 846
لا يقوم مقام ظرف الزمان إلا المصدر المصرح بلفظه، فلا يجوز جئت أن صاح الديك، ولا أجيء: أن يصيح الديك، قال الحلبي: كذا قال الشيخ. وفيه نظر، لأنه قال: لا ينوب عن الظرف إلا المصدر المصرح، وهذا معارض بأنهم نصوا على أن ما المصدرية تنوب عن الزمان، وليست بمصدر صريح. (وقال ابن هشام في المغني: ولا يشارك ما في النيابة عن الزمان أن، خلافا لابن جني، وتبعه الزمخشري، ومعنى التعليل ممكن وهو متفق عليه، فلا معدل عنه.
قوله: (أو بدل من آتاه الله) على الوجه الثاني. قال أبو حيان: قد تبين ضعفه، وقال أيضا: فالظرفان مختلفان، إذ وقت الملك ليس وقت قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، قال السفاقسي: وفيه نظر، لأنا قد بينا أولا أنه يجوز بأتاه ولم يرد به ابتداءه، بل زمان الملك، فكان الزمان الذي قال فيه إبراهيم يشمل على زمان الملك. وقال أبو البقاء: ذكر بعضهم أنه بدل من أن أتاه. وليس بشيء، لأن الظرف غير المصدر، فلو كان بدلاً لكان غلطا، إلا أن تجعل إذ بمعنى أن المصدرية، وقد جاء ذلك. قال الحلبي: وهذا بناء منه على أن أن مفعول من أجله وليست واقعة موقع الظرف، أما إذا كان أن واقعة موقع الظرف، فلا يكون بدل غلط، بل بدل كل من كل كما هو قول الزمخشري، وفيه ما تقدم بجوابه، مع أنه يجوز أن يكون بدلا من أن آتاه، وأن آتاه مصدر مفعول من أجله بدل اشتمال، لأن وقت القول لا تساعد مشتمل عليه وعلى غيره. قال الشيخ سعد الدين: على الوجهين يشكل موقع، (قال أنا أحي وأميت)، إلا أن يجعل استئنافا لجواب سؤال.
стр. 847
قوله: (وقراءة حمزه، رب، بحذف الياء).
قوله: (وهو في الحقيقة: عدول عن مثال خفي إلى مثال جلي)، يعني الانتقال من حجة إلى أخرى، كما مشى عليه في الكشاف، قال الإمام: للناس في هذا المقام طريقان، أحدهما: قول أكثر المفسرين، إن إبراهيم لما سمع تلك الشبهة من نمرور عدل عن ذلك إلى دليل أوضح منه.
وقالوا: إن الانتقال من دليل إلى آخر أوضح منه، جائز للمستدل، والثاني: إنه ليس انتقالا من دليل إلى آخر، وإنما هو من باب ما يكون الدليل واحدا لا أن يكون الانتقال لإيضاحه من مثال إلى مثال آخر، وإلا فالحجة الأولى قد تمت ولزمت، وما عارض به نمرود أمر باطل، وإذا كان كذلك، كان اللعين منقطعا، إلا أن إبراهيم ﵊ لما خاف الاشتباه والتلبيس على القوم دفع ذلك بمثال أوضح منه، وعلى الطريقة الأولى، قال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: ما كان ينبغي/ للنبي أن ينتقل بل كان عليه إزاحة الشبهة دفعا لوهم الإقحام، قلنا: إنما يكون ذلك إذا كان للشبهة قوة التباس على السامعين وأما في الشبهة الواهية فيحسن الإعراض عنها وعدم الالتفات، سيما مع المجادل الأحمق الخارج عن دائرة التوجيه، فإن الأليق بحاله الانتقال إلى دليل آخر لا يجد معه مجال الجواب أصلا ليلزم انقطاعه مع أول الأمر.
قوله: (تقديره: أو رأيت مثل الذي) إلى آخره، حاصله ثلاثة أوجه في تصحيح العطف، وقد استحسن أبو حيان الوجه الأول، لأن إضمار الفعل لدلالة المعنى عليه أسهل من العطف على المعنى، فإنهم نصوا على أنه لا ينقاس به، قال: ويحتمل أن لا يكون ذلك على حذف فعل ولا على العطف على المعنى، ولا على زيادة الكاف بل تكون الكاف إسما على ما يذهب إليه أبو الحسن، فتكون في موضع جر عطفا على الذي، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى مثل الذي مر، ومجيء الكاف اسما، فاعلة ومبتدأة ومجرورة ثابت، في لسان العرب، وتأويلها بعيد، فالأولى الحمل على هذا الوجه وإنما عرض لهم الإشكال
стр. 848
من حيث اعتقاد حرفية الكاف. انتهى، وقال الشيخ سعد الدين: تقرير المقام أن كلا من لفظة: (ألم تر ورأيت) تستعمل لقصد التعجب إلا أن الأولى تعلق بالمتعجب منه، فيقال ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى أنظر إليه فتعجب من حاله، والثانية تمثل التعجب منه، فيقال: أرأيت بمثل الذي صنع كذا، بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل، ولا يصح ألم تر إلى مثله أن يكون المعنى أنظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع، فلذا لم يستقم عطف كالذي مر على الذي حاج، واحتيج إلى التأويل في المعطوف، بجعله متعلقا بمحذوف، أي أرأيت كالذي مر ليكون من عطف الجملة، أو المعطوف عليه: نظرا إلى أنه في معنى أرأيت كالذي حاج ليصح العطف عليه فظهر أن عدم الاستقامة ليس بمجرد امتناع دخول كلمة إلى على الكاف اسمية كانت أو حرفية، حتى لو قلت: ألم تر إلى الذي حاج أو مثل الذي مر، فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب الكلام، وأن هذا ليس من زيادة الكاف في شيء، بل لابد في التعجب بكلمة أرأيت من أثبات الكاف أو ما في معناه، يقولون: أرأيت كزيد أو مثل زيد، وهو شائع في سائر اللغات، نعم. لو قيل: أرأيت زيداً كيف صنع قصداً إلى التعجب بكلمة كيف أو قرينة أخرى، فذلك باب آخر.
قوله: (وهو عزير)، أخرجه الحاكم، عن علي، وإسحاق ابن بشير، عن عبد الله بن سلام، وابن عباس، وقال: ابن سروخا.
قوله: (ويؤيده نظمه مع نمرود)، قال الطيبي: هو معارض بما بين قصته وقصة إبراهيم من التناسب المعنوي، فإن كليهما طلبا معاينة الأحياء. وقال الشيخ سعد الدين: المراد بنظمهما في سلك أنه سيق الكلام للتعجب من حالهما وكلمة الاستبعاد. في مثل هذا المقام تشعر
стр. 849
بالإنكار ظاهرا، وما يقال أنه قد انتظم مع إبراهيم أيضا غير مستقيم، وإنما ذلك مجرد مقارنة في الذكر، إذ لم يذكر على الوجه الذي ذكر إبراهيم وهو معنى الانتظام في السلك، نعم، لو قيل: الانتظام في سلك يدل على كونه مؤمنا ليكون الإتيان توضيحا وتمثيلا وتفصيلا لما سبق من الاخراج من الظلمات إلى النور وبالعكس لكان شيئا.
قوله: (والقرية بيت المقدس)، قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس المراد بها أهل القرية، بل نفسها بدليل قوله: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾، وأما قوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فلا خفاء في أن المراد به أهل القرية.
قوله: (وساغ أن يكلمه الله) إلى أخره، رده الطيبي والشيخ سعد الدين، بأن الإيمان إنما حصل بعد تبين الأمر والكلام قبله. وقال أبو حيان: لا نص في الآية، على أن الله كلمه شفاها.
قوله: (وقيل: إنه مات ضحى)، إلى آخره. أخرجه، سعيد بن منصور، عن الحسن وابن أبي حاتم، عن قتادة، لقوله: ليقضي البازي، من قول العجاج:
تقضي البازي إذا البازي كسر
أوله: أين خريان تقضي فانكدر
الجوهري: أنقض الطائر: هوى في طيرانه، ومنه انقضاض الكواكب ولم يستعملوا منه تفعل إلا مبدلا، قالوا: تقضي، فاثتثقلوا ثلاث
стр. 850
ضادات: فأبدلوا من أحداهن ياء وكسر الطائر: ضم جناحه حتى ينقض. والخربان: بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء جمع الخرب بفتحهما، وهو ذكر الحباري، وانكدر: أسرع وانقض.
قوله: (روى أنه أتى قومه على حماره)، إلى أخره. ابن عساكر، عن ابن عباس.
قوله: (أو الأموات الذين تعجبت من إحيائهم)، قال أبو حيان: هذا فيه بعد، لأنهم لم يحيوا له في الدنيا.
قوله: (وكيف منصوب بنشر)، زاد أبو حيان: (هذا فيه بعد)، نصب الأحوال وذو الحال مفعول ننشزها.
قوله: (والجملة حال من العظام)، أي: انظروا إليها محياه، قال أبو حيان: هذا ليس بشيء، لأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالاً، وإنما تقع حالا كيف وحدها نحو كيف ضربت زيداً، والذي يقتضيه النظر أن هذه الجملة بدل من العظام، وموضعه نصب، لأنه مفعول انظر.
قوله: (فاعل تبين مضمر) إلى آخره، قال أبو حيان: جعله من باب التنازع، وليس منه، لأنهم نصوا على أن شرطه اشتراك العاملين، وأدى ذلك بحرف العطف حتى لا يكون الفصل معتبرا، وليس العامل الثاني هنا مشتركا بينه وبين تبين الذي هو العامل الأول بحرف عطف ولا بغيره ولا هو معمول لتبين، بل هو معمول لقال الذي هو جواب، (لما) قال: ثم إن قوله: فحذف الأول لدلالة الثاني عليه مناقض لقوله: إنه مضمر يفسره ما بعده، لأن الحذف ينافي الاضمار. انتهى. وقال السفاقسي: قوله:
стр. 851
لأنهم نصوا، لم أر ذلك إلا لابن عصفور، وخالفه غيره. فأجاز الفارسي في (فهيهات هيهات العقيق وأهله) أن يكون من باب الإعمال، فقال: العقيق ارتفع بهيهات الثانية وأضمرت في الأولى. وأجاز ابن أبي الربيع في قام زيد أن يكون من باب الإعمال والاشتراك، وقد جعلوا من باب الإعمال. قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ ومسألتنا أولى، لأن العامل الثاني معمول لقال، وقال مرتبط بالأول بلما، وهذا كان في الاشتراك. قال: وقوله: إنه مناقض لأن الحذف ينافي الإضمار، ممنوع لا مكان أن يكون تجوز بالحذف وأراد به الإضمار، لأن الضمير المقدر محذوف في اللفظ. وأجاب الشيخ سعد الدين، عن هذا الأخير بأن المعنى بحذف الأول اسقط من اللفظ وجعل موضعه الضمير، وذكر الإمام أيضا أن جعله من التنازع تعسف، وأن القوى تبين له قدرة الله في الإمانة والإحياء.
قوله: (تبين له ما أشكل عليه)، قال أبو حيان: هذا تفسير معنى، لا تفسير إعراب، وتفسير الإعراب أن يقدر مضمرا يعود على كيفية الأحياء التي استغربها يعد الموت.
قوله: (قيل: طاووسا، وديكا وغرابا وحمامة) ، أخرجه، ابن أبي حاتم، على ابن عباس وذكر بدل الغراب الغرنوق.
قوله: (أو جمع)، قال أبو حيان: الصحيح أنه اسم جمع، كركب وسفر، لا جمع، خلافا لأبي الحسن.
стр. 852
قوله: (ولكن أطراف الرماح تصورها).
أوله: وما صيد الأعناق منهم جبله.
الصيد: بالتحريك الميل والاعوجاج، يعني أمالة الأعناق إنما هي من الرماح والصور الميل.
قوله:
وفرع يصير الجيد وحف كأنه .... على الليث قنوان الكروم الدوالح
هو لبعض بني سليم، والفرع: الشعر التام، والوحف بحاء مهملة وفاء: الشعر الكثير الأسود، والليث بكسر اللام، أخره مثناة فوقية صفحة العنق، وقنوان، جمع قنو وهو العنقود، والدوالح، بحاء مهملة المثقلات الحمل.
قوله: (قيل: كانت أربعة) أخرجه ابن جرير، من طريق ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم ن عن أهل الكتاب.
قوله: (وقيل: سبعة)، أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس.
قوله: (قال لهن: تعالين بإذن الله)، قال الشيخ سعد الدين: إما أن يتعلق بقل، فلا فائدة، أو بتعالين فلا وجه لتفسير ادعهن بذلك.
قوله: (روي أنه أمر بأن يذبحها)، إلى آخره، أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس.
قوله: (نزلت في عثمان)، لم أقف عليه.
стр. 853
قوله: ((والمن أن يعتد) من عده فاعتد أي صار معدوداً، ثم تعدى بالباء، فيقال: اعتد به، أي جعله معدوداً معتبرا على المنعم عليه.
قوله: (وثم للتفاوت)، قال ابن المنير، وتبعه الطيبي، عندي: فيه وجه آخر، وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف به وارخائه الطول في استصحابه، فلا يخرج بذلك عن الإشعار بتقييد الزمن ومعناه في الأصل تراخي زمن وقوع الفعل، ومعناه المستعار دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقاءه، ومثله (ثم استقاموا) أي داموا على الاستقامة دواما متراخيا، وكذا هنا، أي يدومون، على الإحسان، وترك الامتنان، وقريب منه أو مثله أن السين تصحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه، نحو: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وقد قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ فليس لتأخير الهداية سبيل، فتعين حمله على تنفيس دوام الهداية وتمادي أمرها.
قوله: (لعله لم يدخل الفاء) ، إلى آخره. قال الطيبي: تحقيقه، أن في تضمن معنى الشرط تعليقا للكلام، وفي زواله عن ذلك تحقيق للخبر، وإنما بنيت الجملة على التحقيق، لأنها واردة في الحث على الانفاق في سبيل الله لرفع منار المسلمين وإشادة الدين القويم.
قوله: (وإنما صح الابتداء بالنكرة لاختصاصها بالصفة)، هذا
стр. 854
في قول خاصة، وأما المعطوف عليه فلا يحتج إلى مخصص كما هو معلوم.
قوله: (وإن الذي حانت بفلج دمائهم)، هو للأشهب بن زميله، النهشلي، شاعر اسلامي، من طبقة الفرزدق، وقيل: لحريث بن مخفض، وتمامه:
هم القوم كل القوم يا أم خالد.
حانت: هلكت، وفلج: بفتح الفاء وسكون اللام وجيم، موضع في طريق البصرة، ودمائهم، نفوسهم، ويروى: (وإن الأولى) بدل، (وإن الذي).
قوله: (ضعفين)، قال أبو حيان: يحتمل عندي أن التثنية فيه للتكثير، لا شفع الواحد، أي ضعفا بعد ضعف أي أضعافا كثيرة، لأن النفقة لا تضاعف بحسنتين فقط، بل بعشر وسبعمائة وأزيد.
قوله: (أو للعطف، حملا على المعنى) قال الشيخ سعد الدين: الاعتراض بأن ليس المعنى على دخول إصابة الكبر في حيز التمني ليس بشيء، لأنه داخل في حيز التمني المنكر المنفي، أي لا يود أحدكم ولا يتمناه، وكذا، فأصابها إعصار، فإنه عطف على فأصابه، حتى أن تمنى حصول الجنة الموصوفة أيضا منكر منفي باعتبار هذين العطفين، والحاصل، أن الكلام إنكار واستبعاد لتمني هذا المجموع.
قوله: (فحذف المضاف لتقدم ذكره)، زاد الطيبي، والشيخ سعد
стр. 855
الدين، وكرر، من، دلالة على استقلال كل من الاتفاقين.
قوله: (حال مقدرة)، لأن الانفاق منه يقع بعد القصد إليه.
قوله: (أي وحالكم أنكم لا تأخذونه)، جعل الجملة حالية. وقيل: إنها مستأنفة.
قوله: (وعن ابن عباس) إلى أخره. أخرجه ابن أبي حاتم.
قوله: (والوعد في الأصل شائع في الخير والشر)، قال الفراء: يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا. فإذا اسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير الوعد والعدة وفي الشر الايعاد والوعيد.
قوله: (وبه قال الشيخ سعد الدين)، يعني أن يأمركم استعارة تبعية.
قوله: (والعرب تسمي البخيل فاحشا)، قال بعض الطائين:
قد أخذ المجد كما أراد .... ليس بفحاش يصر الزادا
وقال طرفه:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى .... عقيلة مال الفاحش المتشدد
قوله: (أي ومن يؤته الله) ، قال أبو حيان: إن أراد تفسير المعنى فصحيح، أو الأعراب فلا، إذ ليس في يؤت ضمر نصب على الحذف بل من مفعول مقدم لفعل الشرط، كما تقول: أيا تعط درهما أعطه درهما، قال الحلبي: يؤيد تقدير الزمخشري قراءة الأعمش: ومن يؤته الحكمة بإثبات هاء الضمير، ومن قراته مبتدأ لاشتغال الفعل بمعموله، وعند من
стр. 856
يجوز الاشتغال في أسماء الشروط والاستفهام يجوز في من النصب بإضمار فعل، ويقدره متأخرا، والرفع على الابتداء.
قوله: (أي أي خير كثير)، يريد أن التنكير يفيد التعظيم، كما أن الوصف أفاد التكثير.
قوله: (فيجازيكم عليه)، يعني أن إثبات العلم كناية عن الجزاء، وإلا فهو معمول.
قوله (إبداءها)، يعني إنما هي هو المخصوص لكن على حذف المضاف ليحسن ارتباط الجزاء بالشرط، ويدل على هذا تذكير الضمير في (فهو خير لكم) أي إخفاؤها.
قوله: (/وعن ابن عباس صدقة السر)، إلى آخره، أخرجه ابن أبي حاتم.
قوله: (وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب بالنون مرفوعا على أنه جملة فعلية مبتدأة أو اسمية معطوفة على ما بعد الفاء، أي ونحن نكفر، وقرأ نافع، وحمزة والكسائي به مجزوما على محل إلقاء وما بعده)، ورد سؤال من الإسكندرية، من القاضي بدر الدين الدماميني على هذا المحل من الكشاف صورته، استشكل هذا الفعل من وجهين أحدهما: أن ما بعد الفاء جملة لا محل لها من الإعراب لارفعا ولا نصبا ولا جرا، وهو واضح، ولا جزما، لأن الفاء الرابطة للجواب مانعة من جزم ما بعدها لو كان مما يقبل الجزم فكذا ما يقع موقعه، فكيف تقول: عطفا على محل ما بعد الفاء، والغرض ألا محل له.
وثانيهما: أن قوله: ومحزوما عطفا على محل الفاء وما بعده، لأنه جواب الشرط صريح في أن الفاء وما دخلت عليه في محل جزم وكذا قال غيره، لكنه مشكل لما تقرر من أن الجملة لا تكون ذات محل
стр. 857
من الاعراب إلا إذا كانت واقعة موقع المفرد وليس هذا من محال المفرد حتى تكون الجملة واقعة موقع ذات محل من الاعراب، وذلك لأن جواب الشرط إنما يكون جملة ولا يصح أن يكون مفرداً، فالموضع للجملة بالأصالة وأما جزم الفعل فليس بالعطف على محل الجملة، وإنما لكونه مضارعا وقع صدر الجملة معطوفة على جملة جواب الشرط الجازم، وهي لو صدرت بمضارع كان مجزوما فأعطيت الجملة المعطوفة حكم الجملة المعطوف عليها، وهو جزم صدرها، إذا كان فعلا مضارعا. انتهى.
قوله: (على ما بعد الفاء)، لأن محل ما بعدها وحده مرفوع، إذ لا أثر للعامل فيه ومحلها معه مجزوم.
قوله: (اللهم اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا)، أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة.
قوله. (روى أو ناسا من المسلمين)، الحديث، أخرجه النسائي والحاكم، عن ابن عباس، نحوه.
قوله: (وقيل: وهم أهل الصفة)، أخرجه ابن المنذر، عن ابن عباس.
قوله: (كانوا نحوا من أربعمائة)، إلى آخره.
قوله: (على لاحب يهتدي بمناره)، قيل: لو صدر بيت وتمامه:
إذا سافه العود الديا في جرجرا.
стр. 858
وقيل عجز بيت صدره: سرى بيديه ثم أج يسيرة.
سرى بيديه: مدهما في البر. أج للظليم: عدا، واللاحب الطريق الواسع، وسافه: بسين مهملة وفاء: شمه. والعود: بفتح العين والدال المهملتين: الجمل المسن الذي جاوز السن الباذل والمخلف، وجمعه: عودة والديافي: بالدال المهملة وتحتية وفاء: الضخم الجليل. والجرجره: صوت يردد البعير في حنجرته. ومعنى الشرط، على لا حب لامنارله فيهتدي به، كذا في حواشي الكشاف، قلت: وجدت البيت في ديوان امرئ القيس، من قصيدته التي أولها:
سما بك شوق بعدما كان أقصرا .... وحلت سليمى بطن قو فعرعرا
إلى أن قال:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه .... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عيناك إنما .... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وإني زعيم إن رجعت مملكا .... بسير ترى منه الفرائق أزورا
على لا حب لا يهتدى بمناره .... إذا سافه العود النباطي جرجرا
قال شارح ديوانه: النباطي: منسوب إلى النبط، وفي الصحاح: ديافي موضع بالجزيرة، وهو نبيط الشام.
стр. 859
قوله: (ونصبه على المصدر، فإنه كنوع من السؤال) جعله مصدراً ليسألون، وقال أبو حيان: هو مصدر لفعل محذوف دل عليه يسألون، أي لا يلحقون.
(نزلت في أبي بكر)، لم يقف عليه.
قوله: (تصدق بأربعين ألف دينار)، أخرجه ابن عساكر في تاريخه على عائشة.
قوله: (وقيل: في علي)، إلى آخره، أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس.
قوله: (وقيل في ربط الخيل)، إلي أخره. أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم من حديث عريب المليكي مرفوعا، قال الشيخ سعد الدين: كون هذا السبب لا يقتضي خصوص الحكم، بل العبرة بعموم اللفظ.
قوله: (وإنما كتب بالواو كالصلاة للتفخيم) المراد به إمالة الألف إلى مخرج الواو وقيل: لأن لغة الحيرة الربو بالواو الساكنة وهي قراءة العدوى، وكتبوها على لفظهم بها، وإنما كتبها أهل الحجاز كذلك، لأنهم
стр. 860
يعلمون الخط من أهل الحيرة.
قوله: (وهو وارد على ما يزعمون)، إلى آخره، فيه قول إنه على حقيقته، وإن الشيطان يصرع الإنسان حقيقة والأحاديث دالة له.
قوله: (وهو متعلق بلا يقومون) رده أبو حيان، بأن ما بعد إلا لا يتعلق بما قبلها إلا إن كان في حيز الاستثناء، وهذا ليس في حيز الاستثناء وكذلك منعوا تعلق (بالبيان والزبر) بقوله: ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا).
قوله: (ولكن عكس للمبالغة)، قال الطيبى: هذا يسميه ابن الأثير بالطرد والعكس لأن حق المشبه به أن يكون أعرف بجهة التشبيه وأقوى، فإذا عكس صار المشبه أقوى من المشبه به، وهو معنى قوله: كأنهم جعلوا الربا أصلا وقاسوا عليه البيع.
قوله: (إن الله يقبل الصدقة فيربيها) الحديث أخرجه الشيخان والترمذي من حديث أبي هريرة.
قوله: (ما نقصت زكاة من مال قط)، أخرجه أحمد، من حديث عبد الرحمن بن عوف، بلفظ: ما نقص مال من صدقة.
стр. 861
قوله: (روى أنه كان لثقيف، إلى قوله: فنزلت)، أخرجه أبو يعلى، عن ابن عباس.
قوله: (روى أنها لما نزلت)، إلى آخره، هو من تتمة الحديث قبله، قال في النهاية: مالي بهذا الأمر ولا يدان أي لا طاقة لي به، لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليدين، فكأن يديه معدمتان، لعجزه عن دفعه، ولا يدي لنا من قبيل لا أبا له بإقحام اللام لتأكيد الإضافة، وعند ابن الحاجب بحذف النون تشبيها بالمضاف.
قوله: (وقرأ نافع وحمزة بضم السين)، لم يقرأ به سوى نافع وحده، وقرأ حمزة بالفتح كالباقين.
قوله: (وأخلفوك وعد الأمر الذي وعدوا)، أوله: جد الخليط غداة البين وانجردوا.
والخليط المخالط، وانجرد بنا السير: امتد من غير لي على شيء. فمعناه: أسرعوا. وعدى الأمر: أصله، عدة الأمر فحذفت التاء للإضافة.
قوله: (وقيل: المراد التصدق الإنظار) ، رده الإمام بأن الأنظار قد علم مما قبل، فلا بد من حمله على فائدة جديدة.
قوله: (لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة) أخرجه أحمد، من حديث عمران ابن حصين، نحوه. قال الشيخ سعد الدين: فيؤخره مرفوع عطفا على يحل، والنفي على المجموع، يعني لا يكون حلول يعقبه تأخير، وإلا كان استثناء مفرغ في موقع الصفة،
стр. 862
لرجل أو الحال، والمعنى كلما كان هذا كان ذاك، وقد يقال: هو نصب بتقدير أن، أو رفع بحذف المبتدأ، أي فهو يؤخره، وليس بذاك.
قوله: (وعن ابن عباس، أنها أخر آية نزل بها جبريل)، أخرجه النسائي، وابن مردويه.
قوله: (وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة)، أخرجه الثعلبي، من طريق السدى الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
قوله: (وعاش رسول الله ﷺ بعدها إحدى وعشرين يوما).
قوله: (وقيل: احدى وثمانين)، أخرجه الفريابي، عن ابن عباس.
قوله: (وقيل: سبعة أيام)، أخرجه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير.
قوله: (وقيل: ثلاث ساعات).
قوله: (ويكون مرجع ضمير فاكتبوه)، زاد في الكشاف، وإلا لكان يقال: فاكتبوا الدين فلم يكن بذلك النظام الحسن، قال الشيخ سعد الدين: وانتقاء الحسن حينئذ أمر ذوقي يعترف به العارف بأساليب الكلام، وينبه عليه أنك لو قلت: إذا تداينتم إلى أجل مسمى فاكتبوا الدين كان أمرا بكتبه مالم يذكر في مضمون الشرط وتركا لما ذكر، فإن قيل: فليقل فاكتبوه: أي الدين لدلالة تداينتم عليه، قلنا: لا يعلم عود الضمير إليه لأن عوده إلى التداين الذي هو المصدر أو إلى أجل أظهر على أنه يوهم بكتابة ما هو باطل في نفسه، أعني التداين بمعنى معاملة الدين ومقابلته به. انتهى.
قوله: (وعن ابن عباس أن المراد السلم)، أخرجه البخاري.
стр. 863
قوله: (وقال لما حرم الله الربا أباح السلم)، أخرجه الثعلبي.
قوله: (من يكتب بالسوية) ، يشير إلى أن بالعدل، متعلق بكاتب، لا بالفعل لأن القصد هنا إلى بيان حال الكاتب أنه كيف ينبغي أن يكون، ولأن ذكر فاعل الفعل بلفظ اسم فاعله نكرة قليل الجدوى، بخلاف ما إذا قيد، وهذا معنى قوله: وهو في الحقيقة أمر المتداينين باختيار كاتب مع أن ظاهره أمر للكاتب.
قوله: (ففيه) قال الطيبي: يشير إلى أن الكلام مسوق لمعنى ومدمج فيه معنى آخر، يعني دل إشارة النص، وتقييد الكاتب بالعدل على إدماج معنى الفقاهة، لأن مراعاة العدل والتسوية بين الأمور الخطيرة لا يتمكن منها إلا الفقيه الكامل.
قوله: (مثل ما علمه) إلى آخره، قال الشيخ سعد الدين: يشعر بأن ما مصدرية أو كافة، ومفعول علم محذوف، أي يكتب على الوجه الذي علمه الله، ولم يظهر من كلامه أن الكاف في موقع المفعول المطلق، أو به، وإنه هل يتفاوت العامل إذا جعل الكلام من قبيل أحسن كما أحسن الله إليك، وأنه من أين يتأتى حديث النفع.
قوله: (ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر)، قال أبو حيان: هو قلق لأجل الفاء، وقال الشيخ سعد الدين: هو من قبيل ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، و ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ بإعمال ما بعد الفاء فيما قبلها.
قوله: (فيكون النهي)، إلى آخره، يعني لا يكون على هذا تأكيداً، لأن النهي عن امتناع مطلق الكتابة لا يدل على الأمر بالكتابة المخصوصة.
стр. 864
قوله: (والإملال والإملاء واحد)، الأول لغة الحجاز، والثاني لغة تميم.
قوله: (أو غير مستطيع) قال الشيخ سعد الدين، يشير إلى أن (لا يستطيع) جملة معطوفة على مفرد، وهو خبر كان.
قوله: (واطلبوا)، يشير إلى أن استشهدوا للطلب على بابه، قال أبو حيان: ويحتمل أن يكون بمعنى افعل أي واشهدوا كاستيقن بمعنى أيقن، واستعجل بمعنى أعجل.
قوله: (فاليشهد) قال الشيخ سعد الدين: الأنسب أن يقدر فالشهيدان رجل وامرأتان، أي فليستشهد، أو فاليشهد إذ المأمور هم المخاطبون، لا الشهداء، وقدر أبو حيان: فالشاهد، وقدر بعضهم فليكن، وهو مناسب لقوله: فإن لم يكونا.
قوله: (وكأنه قيل: إرادة أن يذكر) إلى آخره. قيل: النكتة في إشارة أو تضل فتذكر على أن تذكر إن ضلت هي شدة الاهتمام بشأن الإنكار بحيث صار ما هو مكروه في نفسه مطلوبا لأجله، ومن حيث كونه مفضيا إليه.
قوله: (وسموا شهداء) أي أطلق عليهم لفظ الشهداء على هذا الوجه، وهو ما إذا دعوا ليشهدوا بطريق المشارفة.
قوله: (كنى بالسآمة عن الكسل) يعني أن السآمة والملالة إنما تكون بعد الشروع فيه والإكثار منه، والمراد هنا النهي عن الكسل من أن يكتب ابتداء، فكني عنه بالسآمة، لكونها من لوازمه وروادفه.
قوله: (لأنه صفة المنافق)، من قوله: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.
قوله: (لا يقول المؤمن: كسلت)، أخرجه ابن أبي حاتم، عن
стр. 865
ابن عباس، موقوفا تحته نحوه.
قوله: (وهما مبنيان، من أقسط وأقام، على غير قياس، قال أبو حيان: بل الأول من قسط، بمعنى عدل، حكى ابن السكيت في كتاب الأضداد، عن أبى عبيدة، قسط جار، وقسط عدل، وأقسط بالألف عدل لا غيره. وكذا حكاه ابن القطاع، وقيل: إنه من القسط بالكسر، وهو مصدر بمعنى العدل، لم يشتق منه فعل، وليس من الأقساط وقيل: هو من قسط بضم السين، كما يقول: كرم من أكرم والثاني من قام بمعنى اعتدل فلا شذود فيهما.
قوله: (أو من قاسط)، بمعنى ذي قسط، أي على طريقة النسب، كلابن وتامر، كما قيد به لئلا يتوهم أنه اسم فاعل من المقسط.
قوله: (وقويم)، بمعنى مستقيم، أي أشد استقامة.
قوله: (بني أسد هل تعلمون بلاءنا .... إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا)
البلاء بالفتح القتال، يقال: أبلى فلان بلاء حسنا، إذا قاتل مقاتلة محمودة، واليوم الأشنع الذي ارتفع شره، وكونه ذا كواكب كناية عن شره وظلامه عن العين بحيث يرى الكواكب، أو عن كثرة الغبار، بحيث يستر ضوء الشمس.
قوله: (يحتمل البنائين) بناء الفاعل وبناء المفعول، قال بعضهم: والأولى الحمل عليهما معا.
قوله: (وهو نهيهما) راجع إلى بناء الفاعل.
стр. 866
قوله: (أو النهي عن الضرار بهما) راجع إلى بناء المفعول، والمنهي حينئذ المخاطبون، أو المتبايعان.
قوله: (أن يعجلا) يقال: أعجله عن المهم الجاه إلى تركه وعجل عنه تركه غير تام.
قوله: (لأنه ﵊ رهن درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من شعير أخذه لأهله)، أخرجه الأئمة الستة، من حديث عائشة، والبخاري، من حديث أنس.
قوله: (على اعتبار المقبض فيه) أي في لزومه، لا في صحته.
قوله: (وهو خطأ، لأن المنقلبة) إلى آخره، ذكره بعضهم أن ذلك لغة رديئة.
قوله: (وفيه مبالغات)، أي من حيث الإتيان بصيغة الأمر الظاهر في الوجوب والجمع بين ذكر الله والرب وذكره عقب الأمر بأداء الدين. وتسميته أمانة، وقد تقدم أولا ووسطا فى قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾.
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾.
قوله: (أي: يأثم قلبه، أو قلبه يأثم)، يشير إلى جواز إعراب قلبه فاعلا بآثم، ومبتدأ خبره آثم قدم عليه، والجملة خبر إن على الثاني دون الأول.
قوله: (العين زانية والأذن زانية).
стр. 867
قوله: (وقرئ قلبه بالنصب كحسن وجهه) يعني على التشبيه بالمفعول به. قال أبو حيان: ويجوز جعله بدلاً من اسم إن يدل بعض من كل.
قوله: (بدل البعض من الكل أو الاشتمال) قيل: إن أريد بقوله: يحاسبكم معناه الحقيقي فيغفر بدل اشتمال، كقولك: أحب زيداً علمه، وإن أريد به المجازاة فهو بدل بعض، كضربت زيداً رأسه، وقال الطيبي: الضمير المجرور في به يعود إلى ما في أنفسكم، وهو مشتمل على الخاطر السوء، وعلى ما يخفيه الإنسان من الوسواس وحديث النفس. والغفران والعذاب إنما يردان على ما اعتقده وعزم عليه من السوء، لا على حديث النفس فهو بهذا الاعتبار بدل البعض من الكل. قال أبو حيان: وقوع الاشتمال في الأفعال صحيح يدل على جنس تحته أنواع يشتمل عليه، وكذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواع ذلك الجنس، وأما بدل البعض من الكل فلا يمكن في الفعل، إذ الفعل لا يقبل التجزئ، فلا يقال في الفعل: له كل وبعض إلا بمجاز بعيد. وقال الحلبي: ما قاله أبو حيان ليس بظاهر، لأن الكلية والبعضية صادقتان على الجنس ونوعه، فإن الجنس كل، والنوع بعض:
قوله: متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
تلمم بدل من تأتنا، ومعناه تنزل. والحطب الجزل القوي الغليظ وتأجج اشتعل، وألفه إما للتثنية، وهو ضمير الحطب والنار، أو للحطب وحده، أو للنار بتأويل القبس، ووصف الحطب بالجزل إشارة إلى قوة النار وكثرة الضيفان. وفرط الاهتداء إلى النار.
قوله: (وإدغام الراء في اللام لحن) تابع فيه الزمخشري، وقد
стр. 868
رد عليه الناس قاطبة فإن ذلك قراءة أبي عمرو. وقال الشيخ سعد الدين: هذا على عادته في الطعن في القراءات السبع إذا لم تكن على وفق قواعد العربية، ومن قواعدهم أن الراء لا تدغم إلا في الراء لما فيها من التكرار الغائب بالإدغام في اللام، وقد يجاب بأن القراءات السبع متواترة، والنقلة بالمتواتر إثبات على قول النحاة. ففي ظني ولو سلم عدم التواتر فأقل الأمر أن تثبت لغة بنقل العدول وترجح بكونه إثباتا، ونقل إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو من الشهرة والوضوح بحيث لا مدفع له، ووجه من حيث التعليل ما بينهما من شدة التقارب، حتى كأنهما مثلان بدليل إدغام اللام في الراء في اللغة الفصيحة إلا أنه لمح تكرار الراء فلم يجعل إدغامه في اللام لازما. انتهى. وقال أبو حيان: منع إدغام الراء في اللام مذهب البصريين وقد أجازه الكوفيون، وحكوه سماعا منهم الكسائي والفراء، وأبو جعفر الرؤاسي، ووافقهم من البصريين رواية أبي عمرو، ويعقوب. ولسان العرب ليس محصورا فيما نقله البصريون فقط، والقراءات لا نجيء على ما علمه البصريون ونقلوه، بل القراء من الكوفيين يكادون يكونون مثل قراء البصرة وقد أجازوه، ورووه عن العرب فوجب قبوله، والرجوع فيه إلى علمهم ونقلهم، إذ من علم حجة على من لم يعلم، وممن روى ذلك عن أبي عمرو أبو محمد اليزيدي، وهو إمام في النحو، إمام في القراءات، إمام في اللغات. انتهى.
قوله: (يعنى القرآن أو الجنس) قال الشيخ سعد الدين: يعني أن الإضافة كاللام للتعيين والإشارة إلى حصته من الجنس، أو إلى الجنس نفسه وحينئذ قد تدل القرينة على البعضية فتصرف إلى البعض، وقد لا
стр. 869
، فتصرف إلى الكل، وهو معنى الاستغراق، وكما أن في جانب القلة تنتهي البعضية في المفرد إلى الواحد، ففي الجمع إلى القلة كذلك في جانب الكثرة يرتقي إلى أن يخرج منه فرد في المفرد، وفي الجمع إلى ألا يخرج منه جمع، لأن معناه ما فيه الجنسية من المجموع، وذلك لا يوجد في الواحد والاثنين وهذا معنى ما قيل: إن استغراق المفرد أشمل وإن الكتاب أكثر من الكتب، وما ذكر في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ أن الملك أعم من الملائكة يعني أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد أعم من قولك: ما من ملائكة. وهذا في النكرة المنفية مسلم للقطع بأن لا رجل نفى لكل فرد، بخلاف لارجال وكذا كل رجل، وكل رجال. وأما في العرف فلا، للقطع واتفاق أئمة التفسير والأصول والنحو على أن الحكم في مثل الرجال فعلوا كذا على كل فرد، لا على كل جماعة، فليتدبر. انتهى. وكذا قال أبو حيان معترضا به على الكشاف: دلالة الجمع إذا أضيف، أو دخلته أل دلالة العام على كل فرد فرد.
وقال الطيبي: مراد الزمخشري إنما تناول الواحد حين يراد به الجنس أكثر من تناول الجمع إذا أريد به الجنس، لأن كتابه يدل على ما نقله كل أحد إنه كتبه على سبيل الجمعية ومسمى به، ويمكن أن يخرج منه كتاب أو كتابان وهذا هو المراد من قول صاحب المفتاح: استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع.
فإن قيل: لا يتبادر من قوله: وملائكته وكتبه ورسله سوى الاستغراق والشمول قلنا: قد بينا أن الاستغراق الداخل على الجمع أفراده الجموع حقيقة وإرادة الأفراد مجاز، يؤيده قول إمام الحرمين: التمر أحرى بالاستغراق للجنس من التمور، فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظه، والتمور يرده إلى تخيل الوحدان، ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع، وفي صيغة الجمع مضطرب.
قوله: (أي يقولون لا نفرق) قال أبو حيان: كذا قدروه، ويجوز
стр. 870
أن يقدر بقوله، بالإفراد على لفظه.
قوله: (واحد في معنى الجمع) لوقوعه في سياق النفي.
قال الشيخ سعد الدين: من زعم أن معنى الجمع في أحد أنه نكرة في سياق النفي فعمت، وكانت بهذا الاعتبار في معنى الجمع كسائر النكرات فقد سها وإنما معناه ما ذكر في كتب اللغة أن أحدا اسم لمن
يصلح أن يخاطب، يستوي فيه الواحد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث، فحين أضيف بين إليه أو أعيد ضمير جمع إليه، أو نحو ذلك فالمراد به جمع من الجنس الذي يدل الكلام عليه، فمعنى لا نفرق بين أحد لا نفرق بين جمع من الرسل، ومعنى ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ فما منكم من جماعة، ومعنى ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾، كجماعة من جماعات النساء.
قوله: (دون مدى طاقتها)، أي لا يكون المكلف به غاية الطاقة.
قوله: (اعتمال) هو اضطراب في العمل ومبالغة واجتهاد.
قوله: (فيجوز أن يدعوا الإنسان به) إلى آخره. قال الطيبي: هذا تكلف، وقد ثبت في حديث مسلم أن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها، وقال صاحب الانتصاف: رفع الخطأ والنسيان كان إجابة لهذه الدعوة، وقد ورد أنه قال: عقيب كل دعوة قد فعلت.
стр. 871
قوله: (واعتداد بالنعمة) معناه أن ذكره بلفظ الدعاء على معنى التحدث بنعمة الله فيه.
قوله: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) أخرجه بهذا اللفظ. الطبراني، في الأوسط، من حديث ابن عمر.
قوله: (ولا تحمل بالتشديد للمبالغة) قال الطيبي: يريد أن التضعيف إذا كان لنقل من باب إلى آخر ليفيد فائدة لم يكن فيه مبالغة، وأما إذا لم يرد تلك الفائدة كانت مبالغة.
قوله: (من قتل الأنفس)، أي في التوبة.
قوله: (وقطع موضع النجاسة) زاد في الكشاف: من الجلد والثوب. وفسر الطيبي الجلد بالفروة وجلد الخف، وفسره جماعة بالبدن، وقالوا: إنه من جملة الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية في أبي داود.
стр. 872
قوله: (وخمسين صلاة في اليوم والليلة) هذا غلط، فإن بني إسرائيل لم تفرض عليهم خمسون قط، بل ولا خمس صلوات ولم تجمع الخمس إلا لهذه الأمة، وإنما فرض على بني إسرانيل صلاتان فقط، كما في الحديث.
قوله: (والتشديد هنا لتعدية الفعل) يعني للمبالغة كما سبق تقريره.
قوله: (روى أنه ﵊ لما دعى بهذه الدعوات، قيل له: فعلت)، أخرجه مسلم، والترمذي، عن حديث ابن عباس. قال الشيخ سعد الدين: الظاهر أنه دعاءه ﵊ بهذه الدعوات قراءته لهذا الآيات، ويحتمل أن يكون قد دعا بها فنزلت الآيات حكاية لها. قلت: الأول هو الوارد في الحديث السابق، والثاني: ورد بمعناه حديث مرسل، أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
قوله: (أنزل الله آيتين): الحديث. أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال الشيخ سعد الدين: الكتابة باليد تمثيل وتصوير لإثباتهما وتقديرهما بألفي عام تصوير لتقدمهما، لأن مثل هذا يقال لطول الزمان لا للتجريد.
قوله: (ومن قرأ الآيتين من أخر سورة البقرة كفتاه)، أخرجه الأئمة الستة من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري بلفظ (في ليلة كفتاه).
стр. 873
قوله: (السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن)، الحديث، أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، من حديث أبي سعيد الخدري، بالفسطاط اسم للخيمة والمدينة الجامعة، وسميت به السورة لاشتمالها على معظم أصول الدين وفروعه والإرشاد إلى كثير من مصالح العباد ونظام المعاش ونجاة المعاد، والبطلة السحرة، جمع باطل، سموا بذلك لانهماكهم أو الباطل أو لبطالتهم عن أمر الدين، ومعنى عدم استطاعتهم لها أنهم مع حذقهم لا يوفقون لتعليمها أو التأمل في معانيها أو العمل بما فيها، أو لايستطيعون النفوذ في قارئها، وقيل المراد إنها من المعجزات التي لايقدر الساحر أن يعارضها بالسحر، بخلاف المعجزات المحسوسة، فإنه قد يتمكن الساحر أن يحاول معارضتها بالسحر، وقال الطيبي: يمكن أن يراد السحرة من الموجودين، وهم أرباب البيان. لقوله: (إن من البيان لسحرا).
стр. 874
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة آل عمران
قوله: (إنما فتح الميم في المشهورة، وكان حقها أن يوقف عليها لإلقاء حركة الهمزة عليها ، ليدل على أنها في حكم الثابت لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج فإن الميم في حكم الوقت، كقولهم: واحد اثنان لالتقاء الساكنين فإنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يحرك في لام) تابع الزمخشري في ترجيحه، فذهب الفراء أن فتحة الميم هي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف، وتضعيفه مذهب سيبويه إنها لالتقاء الساكنين، وإن الهمزة ساقطة للدرج وقد نوزع في ذلك في مواضع، قال أبو حيان: ضعف مذهب القراء بإجماعهم، على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل، فما يسقط لا تلقى حركته، قاله أبو على. قال: وقوله: إن الميم في حكم الوقف وحركتها حركة الالقاء مخالف لإجماع العرب والنحاة أنه لا يوقف على متحرك البتة، سواء في ذلك حركة الاعراب والبناء والنقل والتقاء الساكنين والحكاية والاتباع، فلا يجوز في قد أفلح إذا حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى الدال أن يوقف على دال قد بالفتحة بل تسكنها قولا واحدا، قال، وأما تنظيره بقولهم: واحد اثنان بإلقاء حركة الهمزة على الدال، فإن سيبويه ذكر أنهم يشمون أخر واحد لتمكنه ولم يحك الكسر لغة فإن صح الكسر فليس واحد موقوفا عليه، كما زعم الزمخشري، ولا حركته حركة نقل من همزة الوصل ولكنه موصول بقولهم: اثنان فالتقى ساكنان دال واحد وثاء اثنان فكسر الدال لالتقائها وحذفت الهمزة لأنها لا تثبت في الوصل. قال: وأما قوله: فإنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يحرك في لام، فجوابه إن الذي قال إن الحركة لالتقاء الساكنين لما يرد بهما التقاء الياء والميم من ألم في الوقف بل أراد ميم الأخيرة ولام
стр. 875
التعريف كالتقاء نون من ولام الرجل إذا قلت: من الرجل قال: ومما ورد به مذهب الفراء واختيار الزمخشري إن فيه تدافعا وتناقضا فإن سكون أحد منهم إنما هو على نية الوقف عليها وإلقاء حركة الهمزة عليها إنما هو على نية الوصل، ونية الوصل توجب حذف الهمزة ونية الوقف على ما قبلها يوجب ثباتها وقطعها وهذا متناقض، قال: وهو رد صحيح. انتهى كلام أبي حيان ملخصا، وقال ابن الحاجب: ما رجحه في الكشاف من مذهب الفراء حمل على الضعيف لأن إجراء الوصل مجرى الوقف ليس بقوي في اللغة، ثم إنه خالفه في المفصل وجزم بقول سيبويه وذكر الجاربردي كلام ابن الحاجب وبعض ما ذكره أبو حيان، وقال: الوجه ما قاله سيبويه والجماعة، وأما الطيبي، فقال: لابد من القول بإجراء الوصل مجرى الوقف، لأن هذه الأسماء عنده معربة وسكونها سكون وقف لابناء، ومن ثم قال: حقها أن يوقف عليها، و (ألم) رأس آية بلا خلاف، ثم إن جعلت اسم السورة فالوقف عليها، لأنها كلام تام وإن جعلت على نمط التعديد لأسماء الحروف، إما قرعا للعصا أو تقدمة لدلائل الإعجاز فالواجب أيضا القطع والابتداء بما بعدها تفرقة بينهما وبين الكلام/ المستقل المفيد بنفسه، فإذا القول بنقل الحركة هو المقبول لأن فيه إشعاراً بابقاء أثر الهمزة المؤذن بالابتداء والوقف ولا كذلك القول بأن الحركة لالتقاء الساكنين، وإنما خالف في المفصل لأنه مختصر كتاب سيبويه، فهو كالنقل منه وهذا الكتاب مبني على الاجتهاد. انتهى. وقال الشيخ سعد الدين بعد تقرير كلام الزمخشري: فإن قيل: تعديد هذه الألفاظ إما على سبيل الدرج والوصل فلا ثبات للهمزة ولا نقل لحركتها، وإما على سبيل الوقف وقطع البعض عن البعض فلا وجه لنقل الحركة من هذه إلى تلك لأنه من أحكام الاتصال، قلنا: قطع معنى وحقيقة، فلذا يغتفر التقاء الساكنين، وثبتت الهمزة في
стр. 876
واحد اثنان وصل لفظا وصورة لعدم السكت، لأنه إنما يكون للراحة بعد النصب، ولا تعب، فلذلك أدغم الميم التي هي أخر لام في التي هي أول ميم، وجاز نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها تحقيقا، وهذا ليس من إجراء الوصل مجرى الوقف في شيء حتى يتوجه اعتراض ابن الحاجب بأنه ضعيف لا يبنى عليه القراءة المجمع عليها بأنه قوى عند الحاجة إلى التخفيف، فإن قيل: ما ذكر من حديث الوقف إنما يضع فيمن يجعل هذه الألفاظ على نمط التعديد، وأما فيمن يجعلها اسما للسورة فهو اسم مرتبط فيما بعده أو ما قبله قد يوقف عليه وقد لا يوقف، قلنا: قد سبق أنها على هذا التقدير محكية ومبنى الكلام على أصلها الذي يحل قبل التركيب والعلمية انتهى.
قوله: (وقرئ بكسرها) على توهم التحريك لالتقاء الساكنين، قال ابن الحاجب: لا وجه لكسرها إلا البناء لأنه لما فقد فى هذه الأسماء مقتضى الأعراب وهو التركيب وجب البناء لعدم الواسطة، وقال الشيخ سعد الدين: لقائل أن يقول: لا نسلم لعدم الواسطة بين المبني والمعرب، بمعنى ما فيه الإعراب، بل بمعنى ما من شأنه الإعراب بالفعل، وانتفاء التركيب إنما يوجب انتفاء الإعراب لا انتفاء كون الاسم من قبيل المعربات.
قوله: (وقرأ أبوبكر)، زاد أبو حيان في بعض طرقه، عن عاصم.
قوله: (روى أنه ﵇ قال: (اسم الله الأعظم في ثلاث سور)) الحديث، أخرجه الطبراني وابن مردويه، من حديث أبي أمامة، بلفظ (في ثلاث سور، سورة البقرة، وآل عمران، وطه)، قال أبو أمامة: فلتمستها فوجدت في البقرة، الله لا إله إلا هو الحي القيوم إلى
стр. 877
آخره.
قوله: (وهي في موضع الحال)، قال أبو حيان: أي محقا، قال: ويحتمل أن الباء المسببية، أي بسبب إثبات الحق.
قوله: (نزل عليك الكتاب نجوما) ، ثم قال: وأنزل التوراة والإنجيل جملة، أشار إلى ما ذكره الزمخشري، إن نزل تفيد التكثير والترديد. ورده أبو حيان، بأنه ورد في وصف القرآن أيضا أنزل في غير ما اية، فدل على أنها بمعنى، وكذا قراءة من قرأ المشدد بالتخفيف، وقال الحلبي: قد يعتقد أن في كلام الزمخشري تناقضا، حيث قال: إن نزل يقتضي التفخيم، وأنزل يقتضي الانزال الدفعي، لأنه جوز أن يراد بالفرقان القرآن وقد جامعه أنزل، ولكن لا ينبغي أن يعتقد ذلك، لأنه لم يقل إن أنزل للإنزال الدفعي فقط، بل يقول: إن نزل بالتشديد يقتضي التفريق وأنزل يحتمل ذلك ويحتمل الإنزال الدفعي، قال ابن هشام في المغنى: أشكل على الزمخشري قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ فقرن نزل بجملة واحدة وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ وذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية، وهي آية واحدة، وقال العلم العراقي: عندي وجه آخر، وهو أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ
стр. 878
إلى سماء الدنيا منجما في ثلاثة وعشرين سنة، فيجوز أن يقال فيه: نزل وأنزل، وأما بقية الكتب فلا يقال فيها إلا أنزل، وهذا الوجه أوجه وأظهر.
قوله: (واشتقاقهما من الورى والبخل ووزنها بتفعله وأفيعل تعسف، فيه أمور، الأول: قال الشيخ سعد الدين: القول بالاشتقاق منقول عن الفريقين البصريين والكوفيين، وقد جوز في طالوت مع كونه أعجميا أن يعتبر اشتقاقه من الطول الثاني، القول بأن اشتقاق التورية ورى الزناد بالكسر يرى إذا قدح وظهر منه النار، قول الجمهور لأن التوراة ضياء من الضلال، وذهب مؤرخ سدوسي إلى أنها مشتقة من ورا إذا عرض، لأن أكثر التوراة تلويح، الثالث: إن قوله: إن وزنه تفعله إن كان بفتح العين فهو قول بعض الكوفيين أو بكسرها فهو قول الفراء، وأما مذهب الخليل وسيبويه وسائر البصريين، فوزنها فوعلة، والأصل: وورية أبدلت الواو تاء، كذا أورده أبو حيان، وأصحاب الحواشي، الطيبي، والجاربردي، وزاد التفتازاني، أن الزمخشري ذهب إليه في الفصل الرابع.
قوله: (والنجل هو الماء الذي ينز من الأرض ويطلق على الوالد والولد، فهو من الأضداد، قاله الزجاجي، وقال الزجاج الإنجيل مأخوذ من النجل وهو الأصل، وقال أبو الفتح: هو من نجل إذا ظهر ولده أو من ظهور الماء من الأرض فهو مستخرج إما من اللوح المحفوظ، وإما من التوراة، وقيل: هو مشتق من التناجل وهو التنازع، سمى
стр. 879
بذلك لتنازع الناس فيه، وقيل: من نجل العين، فإنه وسع فيه ما ضيق في التوراة.
قوله: (لأنهما أعجميان) قال الطيبي: يدل على أنهما عربيان، دخول اللام فيهما، وقال الشيخ سعد الدين: دخول اللام في الأعلام الأعجمية محل نظر، وعبارة أبى حيان، عبرانيان.
قوله: (متعبدون) قال الشيخ سعد الدين: بفتح الباء، أي مكلفون مأمورون من تعبدته: اتخذته عبداً.
قوله: (أو القرآن، وكرر ذكره)، إلى آخره، هو الوارد عن السلف، أخرجه ابن جرير عن قتادة والربيع بن أنس، وأخرج عن محمد بن جعفر الزبيري، قال: الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره، قال ابن جرير: وهذا القول أولى، لأن صدر السورة نزل في محاجة النصارى للنبي ﷺ في أمر عيسى، الطيبي: يمكن أن يريد بقوله: وكرر ذكره إلى آخره. إن الكتاب أولا أطلق على القرآن ليثبت له الكلام، لأن اسم الجنس في مثل هذا إذا أطلق على فرد من أفراده يكون محمولا على كماله وبلوغه إلى حد هو الجنس كله، كأن غيره ليس حقه، كما لو قلت، لمن وهبت له كتابا وأنت تريد الامتنان عليه: لقد منحتك الكتاب، أي الكتاب الكامل في بابه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ واللام للجنس، والمراد المؤمنون كما في قوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ثم اقترن
стр. 880
بوصف من أوصافه لتتميم معنى الكلام وتوكيده، لأن من شأن الكتب السماوية أن تكون فارقة بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والحلال والحرام، فينتهي بذلك الوصف غايته، وإليه الإشارة بقوله: تعظيما وإظهارا لفضله ولو صرح أولا باسم القرآن واقترن به الوصف لم يكن كذلك، ولهذا كان الوجه الآخر دون هذا الوجه، قال صاحب الانتصاف: وفيه وجه آخر، وهو أن القرآن العظيم نزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ومن سماء الدنيا منجما في ثلاث وعشرين سنة، وأما بقية الكتب، فلا يقال فيها: إلا أنزل، وهذا أوجه وأظهر، قال الطيبي: لعله ذهل عن دقة المعنى ومال إلى أن تكرير القرآن لإناطة معنى زايد وهو التنزيل مرة والإنزال أخرى. وذهب عنه إلى أن المقام مقام مدح وتعظيم للكتاب، لا بيان إنزاله وتنزيله. وقال الإمام: الوجوه المذكورة كلها ضعيفة، أما حمل الفرقان على الزبور فبعيد لأن المراد من القرآن ما يفرق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وليس في الزبور إلا الوعظ فقط وأما حمله على القرآن فبعيد أيضا، لما يلزم من العطف من المغايرة. ولا مغايرة حينئذ. وأما حمله على الكتب فبعيد أيضا لما يلزم منه من عطف الصفة على الموصوف والمختار عندي: أن المراد بالفرقان المعجزات التي قرنها الله بإنزال هذه الكتب، أن أنزل الكتب وأنزل معها ما يفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة قال الطيبي: وهذا الذي ذكره الإمام هو على مقتضى الظاهر، وعلماء هذا الفن يهجرون سلوك هذا الطريق. وإذا سنح لهم ما يخالف الظاهر لا يلتفتون إلى الظاهر ويعدونه من باب النعيق وأما قوله: (ليس في الزبور إلا الموعظة): فجوابه إن الموعظة أيضا فارقة من حيث إنها زاجرة عن ارتكاب المناهي داعية إلى الإتيان بالأوامر صارفة عن الركون إلى الدنيا هادية إلى النزوع إلى العقبى وقربة تزلف إلى رضى الله عما يوجب سخطه سبحانه قوله: (لا يقدر على مثله منتقم) قال
следующие страницы →