← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

واحد اثنان وصل لفظا وصورة لعدم السكت، لأنه إنما يكون للراحة بعد النصب، ولا تعب، فلذلك أدغم الميم التي هي أخر لام في التي هي أول ميم، وجاز نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها تحقيقا، وهذا ليس من إجراء الوصل مجرى الوقف في شيء حتى يتوجه اعتراض ابن الحاجب بأنه ضعيف لا يبنى عليه القراءة المجمع عليها بأنه قوى عند الحاجة إلى التخفيف، فإن قيل: ما ذكر من حديث الوقف إنما يضع فيمن يجعل هذه الألفاظ على نمط التعديد، وأما فيمن يجعلها اسما للسورة فهو اسم مرتبط فيما بعده أو ما قبله قد يوقف عليه وقد لا يوقف، قلنا: قد سبق أنها على هذا التقدير محكية ومبنى الكلام على أصلها الذي يحل قبل التركيب والعلمية انتهى. قوله: (وقرئ بكسرها) على توهم التحريك لالتقاء الساكنين، قال ابن الحاجب: لا وجه لكسرها إلا البناء لأنه لما فقد فى هذه الأسماء مقتضى الأعراب وهو التركيب وجب البناء لعدم الواسطة، وقال الشيخ سعد الدين: لقائل أن يقول: لا نسلم لعدم الواسطة بين المبني والمعرب، بمعنى ما فيه الإعراب، بل بمعنى ما من شأنه الإعراب بالفعل، وانتفاء التركيب إنما يوجب انتفاء الإعراب لا انتفاء كون الاسم من قبيل المعربات. قوله: (وقرأ أبوبكر)، زاد أبو حيان في بعض طرقه، عن عاصم. قوله: (روى أنه ﵇ قال: (اسم الله الأعظم في ثلاث سور)) الحديث، أخرجه الطبراني وابن مردويه، من حديث أبي أمامة، بلفظ (في ثلاث سور، سورة البقرة، وآل عمران، وطه)، قال أبو أمامة: فلتمستها فوجدت في البقرة، الله لا إله إلا هو الحي القيوم إلى

стр. 877

آخره. قوله: (وهي في موضع الحال)، قال أبو حيان: أي محقا، قال: ويحتمل أن الباء المسببية، أي بسبب إثبات الحق. قوله: (نزل عليك الكتاب نجوما) ، ثم قال: وأنزل التوراة والإنجيل جملة، أشار إلى ما ذكره الزمخشري، إن نزل تفيد التكثير والترديد. ورده أبو حيان، بأنه ورد في وصف القرآن أيضا أنزل في غير ما اية، فدل على أنها بمعنى، وكذا قراءة من قرأ المشدد بالتخفيف، وقال الحلبي: قد يعتقد أن في كلام الزمخشري تناقضا، حيث قال: إن نزل يقتضي التفخيم، وأنزل يقتضي الانزال الدفعي، لأنه جوز أن يراد بالفرقان القرآن وقد جامعه أنزل، ولكن لا ينبغي أن يعتقد ذلك، لأنه لم يقل إن أنزل للإنزال الدفعي فقط، بل يقول: إن نزل بالتشديد يقتضي التفريق وأنزل يحتمل ذلك ويحتمل الإنزال الدفعي، قال ابن هشام في المغنى: أشكل على الزمخشري قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ فقرن نزل بجملة واحدة وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ وذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية، وهي آية واحدة، وقال العلم العراقي: عندي وجه آخر، وهو أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ

стр. 878

إلى سماء الدنيا منجما في ثلاثة وعشرين سنة، فيجوز أن يقال فيه: نزل وأنزل، وأما بقية الكتب فلا يقال فيها إلا أنزل، وهذا الوجه أوجه وأظهر. قوله: (واشتقاقهما من الورى والبخل ووزنها بتفعله وأفيعل تعسف، فيه أمور، الأول: قال الشيخ سعد الدين: القول بالاشتقاق منقول عن الفريقين البصريين والكوفيين، وقد جوز في طالوت مع كونه أعجميا أن يعتبر اشتقاقه من الطول الثاني، القول بأن اشتقاق التورية ورى الزناد بالكسر يرى إذا قدح وظهر منه النار، قول الجمهور لأن التوراة ضياء من الضلال، وذهب مؤرخ سدوسي إلى أنها مشتقة من ورا إذا عرض، لأن أكثر التوراة تلويح، الثالث: إن قوله: إن وزنه تفعله إن كان بفتح العين فهو قول بعض الكوفيين أو بكسرها فهو قول الفراء، وأما مذهب الخليل وسيبويه وسائر البصريين، فوزنها فوعلة، والأصل: وورية أبدلت الواو تاء، كذا أورده أبو حيان، وأصحاب الحواشي، الطيبي، والجاربردي، وزاد التفتازاني، أن الزمخشري ذهب إليه في الفصل الرابع. قوله: (والنجل هو الماء الذي ينز من الأرض ويطلق على الوالد والولد، فهو من الأضداد، قاله الزجاجي، وقال الزجاج الإنجيل مأخوذ من النجل وهو الأصل، وقال أبو الفتح: هو من نجل إذا ظهر ولده أو من ظهور الماء من الأرض فهو مستخرج إما من اللوح المحفوظ، وإما من التوراة، وقيل: هو مشتق من التناجل وهو التنازع، سمى

стр. 879

بذلك لتنازع الناس فيه، وقيل: من نجل العين، فإنه وسع فيه ما ضيق في التوراة. قوله: (لأنهما أعجميان) قال الطيبي: يدل على أنهما عربيان، دخول اللام فيهما، وقال الشيخ سعد الدين: دخول اللام في الأعلام الأعجمية محل نظر، وعبارة أبى حيان، عبرانيان. قوله: (متعبدون) قال الشيخ سعد الدين: بفتح الباء، أي مكلفون مأمورون من تعبدته: اتخذته عبداً. قوله: (أو القرآن، وكرر ذكره)، إلى آخره، هو الوارد عن السلف، أخرجه ابن جرير عن قتادة والربيع بن أنس، وأخرج عن محمد بن جعفر الزبيري، قال: الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره، قال ابن جرير: وهذا القول أولى، لأن صدر السورة نزل في محاجة النصارى للنبي ﷺ في أمر عيسى، الطيبي: يمكن أن يريد بقوله: وكرر ذكره إلى آخره. إن الكتاب أولا أطلق على القرآن ليثبت له الكلام، لأن اسم الجنس في مثل هذا إذا أطلق على فرد من أفراده يكون محمولا على كماله وبلوغه إلى حد هو الجنس كله، كأن غيره ليس حقه، كما لو قلت، لمن وهبت له كتابا وأنت تريد الامتنان عليه: لقد منحتك الكتاب، أي الكتاب الكامل في بابه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ واللام للجنس، والمراد المؤمنون كما في قوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ثم اقترن

стр. 880

بوصف من أوصافه لتتميم معنى الكلام وتوكيده، لأن من شأن الكتب السماوية أن تكون فارقة بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والحلال والحرام، فينتهي بذلك الوصف غايته، وإليه الإشارة بقوله: تعظيما وإظهارا لفضله ولو صرح أولا باسم القرآن واقترن به الوصف لم يكن كذلك، ولهذا كان الوجه الآخر دون هذا الوجه، قال صاحب الانتصاف: وفيه وجه آخر، وهو أن القرآن العظيم نزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ومن سماء الدنيا منجما في ثلاث وعشرين سنة، وأما بقية الكتب، فلا يقال فيها: إلا أنزل، وهذا أوجه وأظهر، قال الطيبي: لعله ذهل عن دقة المعنى ومال إلى أن تكرير القرآن لإناطة معنى زايد وهو التنزيل مرة والإنزال أخرى. وذهب عنه إلى أن المقام مقام مدح وتعظيم للكتاب، لا بيان إنزاله وتنزيله. وقال الإمام: الوجوه المذكورة كلها ضعيفة، أما حمل الفرقان على الزبور فبعيد لأن المراد من القرآن ما يفرق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وليس في الزبور إلا الوعظ فقط وأما حمله على القرآن فبعيد أيضا، لما يلزم من العطف من المغايرة. ولا مغايرة حينئذ. وأما حمله على الكتب فبعيد أيضا لما يلزم منه من عطف الصفة على الموصوف والمختار عندي: أن المراد بالفرقان المعجزات التي قرنها الله بإنزال هذه الكتب، أن أنزل الكتب وأنزل معها ما يفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة قال الطيبي: وهذا الذي ذكره الإمام هو على مقتضى الظاهر، وعلماء هذا الفن يهجرون سلوك هذا الطريق. وإذا سنح لهم ما يخالف الظاهر لا يلتفتون إلى الظاهر ويعدونه من باب النعيق وأما قوله: (ليس في الزبور إلا الموعظة): فجوابه إن الموعظة أيضا فارقة من حيث إنها زاجرة عن ارتكاب المناهي داعية إلى الإتيان بالأوامر صارفة عن الركون إلى الدنيا هادية إلى النزوع إلى العقبى وقربة تزلف إلى رضى الله عما يوجب سخطه سبحانه قوله: (لا يقدر على مثله منتقم) قال

стр. 881

الطيبي: هذه المبالغة يفيدها إيراده قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعد ذكر التوحيد وذكر إنزال الكتب الفارقة بين الحق والباطل تم توكيده بأن وبإيقاع قوله: " الذين كفروا ". أصله للموصول وبناء (لهم عذاب شديد) عليه ثم تذييل المذكور بقوله: والله عزيز ذو انتقام المشتمل على إعادة اسم الذات المقرون بصفة العزة وإضافة ذي إلى الانتقام ومجيئه نكرة والتفكير للتعظيم. قوله: " والنقمة عقوبة المجرم "، زاد أبو حيان، بمبالغة في ذلك. وقبل هي السطوة والانتصار. قوله: " والفعل منه نقم " قال أبو حيان: يقال: نقم ونقم إذا أنكر، وانتقم عاقب. قوله: " فعبر عنه بالسماء والأرض "، قال الطيبي: يعني إن الذي يقتضيه الظاهر أن يقال لا يخفى عليه شيء في العالم فكنى عنه بالسماء والأرض لأن مؤداهما واحد لأن العالم إذا أطلق يتبادر إلى الذهن السماء والأرض وما فيهما عرفا، وسبيل هذه الكناية سبيل قولك: في الكناية عن الإنسان هو حي مستوى القامة عريض الأظفار، وإنما اختير تلك العبارة على الظاهر ليدل على مزيد تصوير جزئيات العالم ودقائقه وخفاياه ليكون الكلام أدل على الوعيد. وأنه تعالى يجازيهم على كفرهم بكتب الله وتكذيبهم بآياته. قوله: (وقيل: هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان ربا). الإشارة إلى قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ قاله الجاربردي: وضعفه. وهو المجزوم به في الكشاف، لأن الطيبي قال: يمكن أن يكون عاما وإيراد هذا الوصف من الأوصاف لأنه يندمج فيها على سبيل التعريض للاحتجاج على النصارى. قوله: " فإن وفد نجران "، إلى آخره، أخرجه ابن إسحاق والبيهقي

стр. 882

في الدلائل، عن محمد بن سهل ابن أبي أمامة. قوله: " وأصله يرد إليها غيرها " قال الطيبي: وذلك أن العرب تسمى كل جامع يكون مرجعا أما. قوله: " لأنه وصف معدول عن الأخر "، هو رأي أكثر النحويين قالوا: لأن الأصل في أفعل التفضيل ألا يجمع إلا مقرونا بالألف واللام كالكبر والصغر، فعدل عن أصله وأعطى من الجمعية مجرداً مالا يعطى غيره إلا مقرونا- وقال ابن مالك: التحقيق أنه معدول عن آخر مراد به جمع المؤنث، لأن الأصل في أفعل التفضيل أن يستغنى فيه بأفعل عن فعل لتجرده عن الألف واللام والإضافة كما يستغنى بأكبر عن كبر في نحو رأيتها في نسوة أكبر منها، فلا يثنى ولا يجمع، لكنهم أوقعوا فعلا موقع أفعل فكان ذلك عدلا من مثال إلى مثال، وتابعه أبو حيان، وقال: فآخر على هذا معدول عن اللفظ الذي كان المسمى أحق به، وهو أخر لاطراد الأفراد في كل أفعل يراد بها المفاضلة في حال التنكير، قوله: " وهذا العدل بهذا الاعتبار صحيح لأنه عدل من نكرة إلى نكرة. قوله: " ومن وقف على " إلا الله " " هذا القول هو المختار عند أكثر أهل السنة، خصوصا المحدثين. وقد رجحه الطيبي وبسطه في الاتقان. قوله: " ما ستأثر ". أي تفرد " قوله: استئناف " فهم منه أبو حيان

стр. 883

أنه خبر مبتدأ محذوف ". وقال الشيخ سعد الدين: الظاهر أنه لا حاجة إلى تقدير مبتدأ، أي هم يقولون على ما يشعر به كلام المكثرين. قوله: " قلب ابن آدم بين إصبعين " الحديث. أخرجه أحمد والترمذي، من حديث أم سلمة، والشيخان من حديث عائشة. قوله: " وقيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا " يعني أن الكلام كناية أو مجاز، إذ لا يحسن من الله الإزاغة ليسأل نفيها، وهذا قول الزمخشري، بناء على مذهبه من الاعتزال قوله: " وقيل: إنه بمعنى أن ". قوله: " فإن الإلهية تنافيه " يعني أن العدول عن المضمر وهو إنك المناسب لربنا إنك إلى الظاهر بغير لفظ السابق، وهو ربنا للدلالة على أن الحكم مرتب على ما يدل عليه كما في التعليق/ بالوصف فإنه يشعر بالعلية قاله الطيبي والتفتازاني قوله: " أي من رحمته أو طاعته على معنى البدلية " فيه: أمران الأول، قاله أبو حيان، إثبات البدلية ما تنكره أكثر النحاة، بل هي لابتداء

стр. 884

الغاية، كما قاله المبرد، أو التبعيض على أنها صفة لشيئا، فلما قدمت صارت حالاً وذكر أبو عبيدة، إنها بمعنى عبد، وهو ضعيف جدا انتهى. الثاني، قال الجاربردي: بين المصنف معنى من ولم يبين معنى يغني، قال المطرزي: أغنى عن كذا أي نحه عني، فمعنى الآية لن يبعد عنهم شيئا أي عذابا بدلاً من رحمة الله أو طاعته إنما يبعد عنهم العذاب الرحمة أو الطاعة لا الأموال والأولاد. قوله: " متصل بما قبله " أي فيكون منصوب المحل، قوله " " أي لنا تغني عنهم كما لن تغن عن أولئك " قال أبو حيان: هذا ضعيف، للفصل بين العامل والمعمول بالجملة التي هي، ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ إذا قدرت معطوفة فإن قدرتها إعتراضية، وهو بعيد جاز قوله: " أو توقد بهم كما توقد بأولئك "، قال الحلبي: فيه نظر لأن الوقود على القراءة المشهورة، الأظهر فيه أنه اسم لما يوقد به وإذا كان اسما فلا عمل له. فان قيل: إنه مصدر، وعلى قراءة الحسن بالضم صح قوله: " وهو مصدر دأب "، إلى آخره. قال في الأساس: دأب الرجل في عمله: اجتهد فيه ومن المجاز: هذا دأبك. أي هذا شأنك وعملك. قوله: " أو استئناف "، تفسير لحالهم، قال الطيبي، والشيخ سعد الدين: هو مبني على أن الكاف مرفوع المحل، فإن شأنهم وحالهم يشمل الأمرين، ما فعلوا، وهو التكذيب وما فعل بهم وهو أخذهم بذنوبهم. وإما على النصب، فهو استئناف لبيان السبب. قوله: " فإنه ﵊ جمعهم بعد بدر " أخرجه ابن إسحاق وأبو داود وابن جرير والبيهقي، في الدلائل، عن ابن عباس.

стр. 885

قوله: (والأغمار) جمع غمر وهو من الرجال من لم يجرب الأمور. قوله: " نحن الناس "، أي الموصوفون بالشجاعة والشدة. ذكره الجاربردي. قوله: " وقرأ حمزة والكسائي بالياء " إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين حاصل الفرق أن المعنى على الخطاب أمر النبي ﷺ بأن يخبرهم من عند نفسه بمضمون الكلام، حتى لو كذبوا كان التكذيب راجعا إليه. وعلى الغيبة أمره بأن يؤدي إليهم ما أخبر الله تعالى به، من الحكم بأنهم سيغلبون بحيث لو كذبوا كان التكذيب راجعا إلى الله تعالى. فعلى الخطاب الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، وعلى الغيبة بلفظه. والأظهر، أن الأمر بالعكس، وكأنهم جعلوا ضمير بلفظه لما أخبروه، والحق أنه للنبي ﷺ ، كالمنصوب في آخره والمرفوع في يحكى أي أمر أن يحكى لهم بلفظه هذا الوعيد على الوجه الذي يناسب، ولا خفاء أنه لا يناسب أن يقول لهم سيغلبون بلفظ الغيبة، فأحسن التدبير انتهى. قوله: " يرى المشركون " إلى آخره. حكى في ضمير الفاعل من يرونهم قولين. أحدهما أنه للمشركين. والثاني أنه للمؤمنين، وكلاهما ضعيف لأنه خلاف قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ وما أجاب به، من أن التقليل وقع أولا والتكثير بعد الملاقاة فخلاف الظاهر، والتحقيق أنه لليهود المخاطبين بقوله: ﴿

стр. 886

قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ وهم الذين كفروا في الآية قبلها، كما بينه سبب النزول فقراءة " ترونهم " بالخطاب على نسق قد كان لكم، وقراءة الغيبة على الالتفات وهم: في " يرونهم " للمشركين وفي مثليهم " للمؤمنين "، وكان ذلك هو الواقع، فإن المؤمنين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، كما أخرجه البخاري، عن البراء، وكان المشركون قريبا من ألف كما أخرجه البيهقي في الدلائل، وابن جرير عن علي، وهذا التقدير قل من يجيء إليه، وفي تفسير ابن جرير، عن قتادة ما معناه أنه لو كان الضميران لواحد لقال: ترونهم مثليكم، وهذا في غاية الدقة والحسن، وقد قال الشيخ سعد الدين: لا يليق بنظم القرآن أن يجعل خطاب يرونهم لغير من له الخطاب قد كان لكم. قوله: (فلما لاقوهم) ضبطه أصحاب الحواشي بالفاء أي خالطوهم والتفوا عليهم في الأساس: أرسلت الصقر على الصيد فلافه، أي التف عليه وجعله تحت رجليه وما تصافحوا حتى تلافوا ولا ففناهم. قال الطيبي: وفي بعض النسخ بالقاف. قال: والأول أنسب. قوله: " والنصب على الاختصاص ". قال أبو حيان: ليس بجيد، لأن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرة، قال: والوجه أنه على المدح في الأولى وعلى الذم في الثانية أي أمدح فيه وأذم أخرى. انتهى. وقد فسر الطيبي الاختصاص بالمدح، فإن معنى أذكر فيه لا يخفى شأنها، وهي التي تجاهد في سبيل الله. قال: وعلى هذا كافرة منصوبة على الذم لأنها مقابلة لها، وقال الحلبي: لا يعني الزمخشري

стр. 887

الاختصاص المنسوب له في النحو. نحو. " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ". إنما عنى النصب بإضمار فعل لائق. وأهل البيان يسمون هذا النحو اختصاصا. وكذا قال السفاقسي، لم يرد الاختصاص الاصطلاحي. إنما أراد المعنوي وكثيراً ما يقع له ذلك في كتابه. قوله: " أو الحال من فاعل إلتقتا ". قال أبو البقاء: والتقدير التقتا مؤمنة وكافرة. وفئة وأخرى على هذا توطئة للحال. قوله: " رؤية ظاهرة معاينة " قال الشيخ سعد الدين: يقتضي أن هذه رؤية عين وهو الابصار فيكون مثليهم حالاً لا مفعولاً ثانيا لكن المعنى على المفعولية فالوجه إنه متعد إلى مفعولين، لكونه بمعنى العلم، علما يستند إلى معاينة لا بمنزلة أن يقال: يبصرونهم، فليتأمل. قوله: " سماها شهوات مبالغة "، قال الطيبي: يعني حين أوقع الشهوات مبهما أولا ثم بين بالمذكورات، على أن الأعيان هي عين الشهوات كأنه قيل: زين حب الشهوات التي هي النساء فجرد من النساء شيء يسمى الشهوات، وهي نفس الشهوات، نحو في البيضة عشرون رطلا حديداً. قوله: " والمزين هو الله ". أخرجه ابن أبي حاتم، عن عمر بن الخطاب. قوله: " ولعله زينة ابتلاء " إلى آخره، قال الطيبي: الأول هو الذي يناسب المقام. لقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وقوله: ﴿قُلْ

стр. 888

أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾. قوله: " والقنطار مائة ألف دينار "، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح، عن أنس، قال: سئل رسول الله ﷺ ، عن قول الله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ قال: " القنطار ألف دينار ": " ملي مسك ثور ". أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري، قال: القنطار ملء مسك الثور ذهبا. والمسك بفتح الميم الجلد. قوله: " فعلال أو فيعال فعلى الثاني نونه زائدة، من قطر يقطر، وبه جزم ابن دريد قوله: " والمقنطرة مأخوذة منه " قال المرزوقي: من شأن العرب أن يشتقوا من لفظ الشيء الذي يريدون المبالغة في وصفه ما يتبعونه تاكيداً أو تنبيها عن تناهيه، من ذلك: ظل ظليل، وداهية دهياء، وشعر شاعر. قوله: " بدرة مبدرة " أي كاملة. قوله: " والمسومة المعلمة " أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. قوله: " أو المرعية " أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس، بلفظ: الراعية، قوله: " أو المطهمة " أخرجه ابن جرير، عن مجاهد قال الشيخ سعد الدين: وهي التامة الخلق. قال: ولم يبين اشتقاق ذلك، وكأنه من السوم في البيع لأنها تسام كثيراً أو من السومة لأنها علم في الحسن.

стр. 889

قوله: " ويرتفع جنات " قال الشيخ سعد الدين: الأظهر في ترتفع الرفع ابتداء كلام بمعنى وجه يرتفع، ويحتمل النصب عطفا على متعلق، وإنما لم يجعل عند ربهم في موضع الخبر لجنات، لأن الظاهر تعلقه بالفعل على معنى ثبت تقواهم عند الله شهادة لهم بالإخلاص ولأن ما عند الله هو الثواب. ونحوه، ولا يسمع عند الله الجنة قوله: " ويؤيده قراءة من جرها بدلا من خير "، قال: أبو حيان: هي قراءة يعقوب، قال: وجوز فيها أن يكون تصبا بإضمار أعني، أو بدلاً من موضع بخير، لأنه نصب ووجه التأييد، أنها حينئذ بيان للخبر، كما أن هو جنات تفسير له: قاله الطيبي: قوله: (وهما لغتان): الكسر لغة الحجاز، والضم لغة تميم، وقيل بالكسر الاسم وبالضم المصدر. قوله: " أو بأحوال الذين اتقوا ذلك أعدلهم جنات " قال الطيبي: يعني العبادة، مظهر أقيم موضع المضمر لتلك العلة قال: ويمكن أن يقال: والله بصير بالعباد المتقين وبما يصلحهم ويرد بهم وأن إيثار الآخرة على الدنيا وزينتها خير لهم، فلذلك أنبأهم هو خير لهم. قوله: " صفة للمتقين " أي للذين اتقوا أو للعباد، قال أبو حيان: الأول أظهر. وقال الشيخ سعد الدين: في الأول إنه بعيد جداً لا سيما إذا جعل اللام متعلقا بخبر لكثرة الفواصل. ولهذا عبر عنه في الكشاف بقوله: ويجوز. قال وأما جعله صفة للعباد، فبعيد من جهة المعنى حيث خص كونه بصيرا بالعباد المخصوصين وقال الطيبي: الأنسب، أن يجعل قوله: " الذين يقولون " الآية واردا على المدح تربية لمعنى وضع

стр. 890

المظهر موضع المضمر. قوله: (وتوسيط الواو بينهما للدلالة على استقلال كل واحد منهما وكما لهم فيها) قال أبو حيان: لا نعلم العطف في الصفة بالواو يدل على الكمال، قال الحلبي: قد علمه علماء البيان، قوله: " شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. قال الشيخ سعد الدين: يعني أنه استعارة تصريحية تبعية، حيث شبه بالشهادة دلالته على الوحدانية بما نصب من الأدلة العقلية وترك من الأدلة السمعية، وكذلك الإقرار والاحتجاج من الملائكة وأولي العلم من المثقلين، قال: ولا يبعد على قواعد الملة سلوك الملائكة طريق الاستدلال والاحتجاج، على أن الاحتجاج لا يلزم أن يكون للاكتساب بل للإثبات على الغير، فإن قيل: الإقرار مع مطابقة القلب حقيقة الشهادة لا شبيهة بها ولو سلم أنه لابد من زيادة خصوص فهي ممكنة من الملائكة والثقلين، فأي حاجة إلى اعتبار المجاز وإن بني ذلك على امتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز، فكذلك الجمع بين معنيين مجازيين كالدلالة والإقرار قلت: الدلالة والإقرار، من إفراد معنى مجازي هو الأمر المشبه بالشهادة، لا معنيان مجازيان ليمتنع إرادتهما، وإنما لم يعتبر تقدير إعادة الفعل ليكون الأول مجازاً والثاني حقيقة لأنه خلاف الظاهر مع الغنية عنه بالمجاز المستفيض، انتهى. قوله: " مقيما للعدل "، قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى أن الباء للتعدية ولم يجعله من قبيل قام بالأمر، إذا ثبت متلبسا له مباشرا له على طريقة الاستعارة، من القيام بمعنى الانتصاب مبالغة في تجنب وصفه من صفات المخلوقين. قوله: " وإنما جاز إفراده بها "، إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: بين جواز إفراد المعطوف عليه بالحال كالمعطوف في نافلة، وبقي بيان جهة تأخيره عن المعطوفين، وكأنها الدلالة على علو زينتهما وقرب

стр. 891

منزلتهما. قوله: " ولم يخرجا زيد وعمرو راكبا "، إلى آخره. قال أبو حيان: بل هو جائز ويحمل على أقرب مذكور كما في الوصف، لو قلت: جاءني زيد وعمرو الطويل، كأن الطويل صفة لعمرو ولا لبس فيه فكذلك الحال، ولا يتعين في قوله: نافلة، أن يكون حالا عن يعقوب إذ يحتمل أن يكون مصدراً كالعافية والعاقبة، ومعناه زيادة، فيكون شاملا لإسحاق ويعقوب لأنهما زيداً لإبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره، إذا كان إسحاق إنما وهبه على الكبر وبعد أن عجزت سارة وأيست من الولادة وقال الحلبي: مراد الزمخشري، يمنع، جاء زيد وعمرو راكب إذا أريد أن الحال منهما معا أما إذا أريد أنها حال من واحد منهما فإنما يجعل لما يليه لعود الضمير على أقرب مذكور. قوله: لأنها حال مؤكدة "، قال أبو حيان: ليس من الحال للمؤكدة، لأنه ليس من باب، ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ ولا من باب، أنا عبد الله شجاعا، فليس قائما بالقسط بمعنى شهد ولا مؤكدا لمضمون الجملة السابقة، بل هي حال لازمة لأن القيام بالقسط وصف ثابت لله تعالى وقال السفافسي: في هذا الإعتراض نظر، لأن قيامه بالعدل يؤكد تحقق الشهادة فتكون مؤكدة لمضمون الجملة. وقال الحلبي: مؤاخذته له في قوله: مؤكدة غير ظاهرة، وذلك أن الحال على قسمين، إما مؤكدة وإما مبينة وهي الأصل فالمبينة لا جائز أن تكون هنا لأن المبينة تكون منتقلة والإنتقال هنا محال، إذ عدل الله لا يتغير فإن قيل: لنا قسم ثالث، وهي/ الحال اللازمة، فكأن للزمخشري مندوحة عن قوله مؤكدة، إلى قوله: لازمة، فالجواب أن كل مؤكدة لازمة وكل لازمة مؤكدة فلا فرق بين

стр. 892

العبارتين ويدل على ملازمة التأكيد للحال اللازمة وبالعكس الإستقراء. وقوله: " ليس معنى قائما بالقسط معنى شهد ممنوع بل معنى شهد مع متعلقه وهو أنه لا إله إلا هو، مساو لقوله قائما بالقسط. قوله: " أو الصفة للمنفي "، أي إله. قوله: " وقرئ القائم بالقسط على البدل عن، هو "، قال أبو حيان: لا يجوز ذلك، لأن فيه فصلا بين البدل والمبدل منه بأجنبي وهو العطوفان لأنهما معمولان بغير العامل في المبدل منه ولو كان العامل في المعطوف هو العامل في المبدل منه لم يجز أيضا، لأنه إذا اجتمع العطف والبدل قدم البدل على العطف، انتهى. وقدح الشيخ سعد الدين فيه بأنه قول بالإبدال من البدل. قوله: " ورفعهما على البدل من الضمير الظاهر "، إذ المراد الضمير الأخير، وصرح الشيخ سعد الدين، بأنه الأول، حيث قال: لأنه مثل القائم بالقسط بعينه، فيكون بدلاً أو خبر مبتدأ محذوف قوله: " وقد روي في فضلها "، الحديث. أخرجه الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، من حديث ابن مسعود، بسند ضعيف. قوله: " جملة مستأنفة مؤكدة "، قال الطيبي: أي مذيلة معترضة على أسلوب، قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ قال: وإنما كانت مزيلة، لأن الشهادة بالوحدانية وبالعدل والعزة والحكمة، هي: أس الدين وقاعدة الإيمان. ولاشك أن

стр. 893

الدين أعظم من الإعتقاد الذي هو التصديق. ثم إن الدين صدر بإن وخصص بقوله: عند الله، وهو كناية عن رفعة المنزلة، ثم التعريف في الخبر الذي هو الإسلام جاء لقصر المسند على المسند إليه. قوله: " للأولى "، قال الشيخ سعد الدين يعني شهد الله أنه، إلى آخره. وقيل: مضمون قوله: أنه لا إله إلا هو. وقيل قوله، " لا إله إلا هو "، المذكور ثانيا، قال: والأول أوجه وأنسب بسوق كلامه المشعر بأن (إن الدين عند الله الإسلام) إيذان وإعلام من الله بمضمون ذلك لا داخل في حكم الشهادة. قوله: " قرأ الكسائي بالفتح على أنه بدل "، إلى آخره. قال أبو حيان: هذا التخريج ليس بجيد، لأن فيه الفصل بين البدل والمبدل منه بالعطف وبالحال لغير المبدل منه، وكلاهما لا يجوز. وخرجه الطبري على حذف العاطف، أي وإن الدين. وفيه ضعف من حيث الإضمار وطول الفصل. قال: والصواب، أنه معمول للحكيم على إسقاط الجار أي الحكيم بأن، فهو أسهل وأقل تكلفا، قال: والحامل للزمخشري وأمثاله على الإتيان بالتخاريج المتكلفة: العجمة وعدم الإمعان في تراكيب كلام العرب وحفظ أشعارها، ولن يكفي النحو وحده في علم الفصيح من كلام العرب، بل لابد من الإطلاع على كلام العرب والتطبع بطباعها والاستكثار من ذلك. قوله: " وقرئ إن بالكسر وأن بالفتح على وقوع الفعل على الثاني واعتراض ما بينهما أو إجراء شهد " إلى آخره. أنكر أبو حيان التخريج الأول. قوله: " وقيل، هم النصارى "، أخرجه ابن جرير عن محمد بن جعفر

стр. 894

ابن الزبير. قوله: " أخلصت نفسي وجملتي له "، يعني أن الوجه مجاز عن نفس الشيء وذاته أو عن جملة الشخص تعبيراً عن الكل بأشرف الأجزاء، قاله الشيخ سعد الدين قوله: " عطف على التاء "، زاد أبو حيان أو مبتدأ خبره محذوف أي كذلك. قوله: " أو مفعول معه "، قال أبو حيان: لا يجوز لأنه يقتضي المشاركة والمتبعون لم يشاركوا النبي ﷺ في إسلام وجهه هو إنما أسلموا هم وجوههم، ولا يجوز أكلت رغيفا وعمراً، على معنى أنه أكل رغيفا آخر، قال: ويجوز أن يكون في موضع جر عطفا على الجلالة، أي بالحفظ والنصيحة. وقال الحلبي: فهم المعنى وعدم الإلباس يسوغ للمفعول معه، وأي مانع من أن المعنى فقل أسلمت وجهي لله مصاحبا لمن أسلم وجهه لله أيضا. وهذا معنى صحيح مع القول بالمعية. قوله: " فقد نفعوا أنفسهم ". قال الشيخ سعد الدين: يعني أن اهتدوا، كناية عن هذا المعنى، وإلا فلا فائدة في الشرطية، وكذا الكلام في " إنما عليك البلاغ ". قوله: " أي التوراة أو جنس الكتب السماوية ". ومن للتبعيض أو البيان. ذكر الطيبي ما معناه أنه لف ونشر غير مرتب وأنه إن أريد التوراة فمن للبيان، أو جنس الكتب المنزلة فمن للتبعيض، قال واللام في الكتاب على الأول للعهد وعلى الثاني للجنس، ووجه التعظيم في التنكير عليه أن التوراة وإن كانت بعضا من الكتب لكنها حصة عظيمة القدر.

стр. 895

قوله: " روي أنه ﵊ دخل مدراسهم، إلى قوله فنزلت "، أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والمدارس موضع صاحب دراسة كتبهم، ويطلق أيضا على الموضع الذي يقرأ فيه اليهود التوراة. قوله: " وقيل، نزلت في الرجم "، أخرجه ابن جرير عن ابن جريج. قوله: " وهم قوم عادتهم الإعراض "، والجملة حال، قال الطيبي: على هذا التفسير الجملة تذييل على رأي الأكثر ومعترضة على رأي الزمخشري، وأيا ما كان فهي مؤكدة لمعنى ما سبق، لا حال كما ذكره القاضي نعم إنما تكون حالاً إذا لم يفسر بأنهم قوم عاداتهم الإعراض. انتهى. قوله: " روي إن أول راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس وثم يأمر بهم إلى النار ". قوله: " الضمير لكل نفس على المعنى "، قال الطيبي: يعني ذكر الضمير وجمعه باعتبار معنى النفس، كما اعتبر في قولهم ثلاثة أنفس بتأويل الأناسي. قوله: " الميم عوض من ياء "، قال الشيخ سعد الدين: وأوثر الميم لقربه من الواو التي هي حرف علة وشدد لكونه عوضا من حرفين: "

стр. 896

قوله: فإن الميم عنده تمنع الوصفية "، قال الشيخ سعد الدين: لأن بالاختصاص والتعويض يخرج عن كونه منصرفا وصار مثل جهل، إذ الميم بمنزلة صوت مضموم إلى اسم بقاءهما على معنييهما بخلاف مثل سيبويه، وخالويه حيث صار الصوت جزء الكلمة. انتهى. وقال الزجاج: وزعم سيبويه أن هذا الاسم لا يوصف لأنه قد ضمت الميم إليه وما بعده منصوب على النداء. والقول عندي أنه صفة فكما لا تمتنع الصفة مع " ياء " فلا تمتنع مع الميم، قال أبو علي: قول سيبويه عندي أصح لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد اللهم، ولذلك خالف سائر الأسماء ودخل في حيز مالا يوصف نحو جبريل. فإنهما صار بمنزلة صوت مضموم إلى اسم فلم يوصف. قوله: " فالملك الأول عام والآخران بعضان منه " قال الطيبي: لأن لام الجنس إذا دخلت على المفرد صلحت لأن يراد بها جميع الجنس وأن يراد بها بعضه بحسب القرائن فالملك الأول مطلق شامل في جنسه، لأن الملك الذي يقع عليه ممالكيته ، ليس ملكا دون ملك. بخلاف الثاني والثالث، لأنهما حصتان من الجنس لتقييدهما بالايتاء والنزع، ولأن المراد نزع الملك من العجم والروم وإيتاءه المسلمين، قال: ويحتمل أن يراد بالملك الأول العهد والمعهود ملك العجم والروم، بشهادة سبب النزول. والثاني والثالث مظهر أن وضعا موضع المضمر إشعاراً بالعلية وإن تصرفه فيه ليس كتصرف المالك المجازي بل تصرف تسخير وقهر يؤتيه من يشاء كيف يشاء وينزعه ممن يشاء كيف يشاء، لا اعتراض لأحد عليه في تصرفه سبحانه ومن ثم عقبه بقوله: " وتعز من تشاء وتذل من تشاء " قال: ولعل هذا الوجه أظهر والمقام له أدعى، ولما تقرر أن المعرف إذا أعيد كان الثاني غير الأول، ولأن قوله: تؤتي

стр. 897

الملك، إلى آخره، بيان على سبيل الاستئناف، لقوله: مالك الملك. فلا يكون المبين خلاف المبين. قوله: " وقيل، المراد بالملك النبوة " أخرجه ابن جرير، عن مجاهد. قوله: " ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات والشر مقضي بالعرض، إذ لا يوجد شر جزئ ما لم يتضمن خيرا كليا " رفع إلى سؤال من بعض الفضلاء، يسأل في تقرير هذا الكلام، فكتب عليه ما نصه، لاشك إن الشرائع كلها متفقة على النظر إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وكذلك أحكام القضاء والقدر جارية على سنن ذلك وإن خفى وجه ذلك على الناس في كثير منها ولهذا ورد في الحديث، " لا تتهم الله على نفسك " فإذا علم ذلك من المعلوم أن الله قدر الخير والشر كان مظنة أن يقول قائل: كيف قدر الشر وهو خلاف ما علم نظيره إليه شرعا وقدر أو هذه هي الشبهة التي تمسك بها المعتزلة. والجواب إن الشر اليسير إذا كان وسيلة إلى خير كثير كان ارتكابه مصلحة لا مفسدة، ألا ترى إن الفصد والحجامة وشرب الدواء الكريه وقطع السلعة ونحوها من الأمور المؤلمة لكونه وسيلة إلى حصول الصحة بحسن ارتكابها في مقتضى الحكمة ويعد خيراً لا شراً وصحة لا مرضا لاستلزامه ذلك. فكذلك كل ما قضاه الله من الشر فإنما قضاه بحكمة بالغة وهو وسيلة إلى خير أعضم وأعم نفعا ولهذا ورد، لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين وورد " لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب

стр. 898

العجيب " فتقدير الذنوب وإن كانت شراً فليست لكونها مقصودة في نفسها بل لغيرها وهو السلامة من داء العجب التي هي خير عظيم، قال بعض المحققين: ولهذا قيل: يا من إفساده إصلاح، يعني أنما قدره من المفاسد فلتضمنه مصالح عظيمة اغتفر ذلك القدر اليسير في جنبها لكونها وسيلة إليها وما مدى إلى الخير فهو خير فكل شر قدره الله لكونه لم يقصد بالذات بل بالعرض لما يستلزمه من الخير الأعظم يصدق عليه بهذا الاعتبار إنه خير فدخل في قوله " بيدك الخير " فلهذا اقتصر عليه على وجه إنه شامل لما قصد أصلا ولما وقع استلزاما وهذه من مسألة ليس من الإمكان أبدع مما كان التي قدرها الغزالي وألفنا في شرحها كتاب تشييد الأركان فلينظره من أراد البسط والله أعلم. قوله " روى أنه ﷺ لما خط الخندق، إلى قوله: فنزلت " أخرجه بطوله بدون نزول الآية، البيهقي وأبو نعيم في الدلائل عن عمرو بن عوف المزني، وأخرجه ابن جرير عن قتادة مختصرا، وفيه نزول الآية. قال الشيخ سعد الدين: ضمير صد عنها ومنها للصخرة والمستكن للضربة وضمير لا بتيها للمدينة وهما حرتان يكتنفانها والحرة كل أرض

стр. 899

ذات حجارة سود كأنها محترقة من الحر، واللوب: الحوم حول الماء للعطش عند الازدحام وقيل العطش، واللام في، لكان، جواب قسم محذوف والحيرة: بكسر الحاء مدينة بقرب الكوفة، وتشبيه القصر بأنياب الكلاب في نباحها وصغرها وانضمام بعضها إلى بعض. قوله: " وإخراج الحي من الميت "، إلى أخره، أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود وابن عباس. قوله: " وقيل إخراج المؤمن من الكافر " إلى آخره أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر ين الخطاب. قوله: " مندوحة " أي سعة. في الأساس: ندحت المكان ندحا، وسعته، ولك في هذه الدار منتدح، متسع، ولك عنه مندوحة أي سعة. قوله: " يصح أن يسمي ولاية " قال الطيبي: فيه إشارة إلى أن (من) في التنزيل بيانية (وفي شيء) خبر ليس. قوله: " توم عدوي ثم تزعم أنني .... صديقك ليس النوك عنك بعازب

стр. 900

وقبله: فليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني في المغايب النوك: الحمق، والعازب: الغائب. قوله: " أن تخاف من جهتهم ما يجب اتقاؤه "، قال الطيبي: يشير إلى أن اتقاؤه مصدر أقيم مقام المفعول به قوله: " أو اتقاء " أي أنه مفعول مطلق. قوله: " والفعل معدى بمن لأنه بمعنى تحذروا وتخافوا " قال الشيخ سعد الدين: هذا يشعر بأن حذر وخاف يجيء متعديا بمن بخلاف اتقى فإنه ليس إلا متعديا بنفسه ولم نجد في كتب اللغة خاف وحذر إلا متعديا بنفسه. قوله: " قال عيسى ﵊، كن وسطا وامش جانبا " قال الطيبي: أي ليكن جسدك مع الناس وقلبك في حظيرة القدس. وقال الشيخ سعد الدين: أي كن وسطا في معاشرتهم ومخالفتهم وامش جانبا من موافقتهم فيما يأتون ويذرون. قوله: (يوم منصوب بنود) أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها أو جزاء أعمالها من الخير والشر حاضرة، لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له/. (أمدا بعيدا) قال أبو حيان: الظاهر في بادئ النظر حسن هذا التخريج وترجيحه على غيره لكن في جواز هذه المسألة ونظائرها خلاف، وهي أن يكون الفاعل ضميراً عائدا على شيء اتصل بالمعمول للفعل، نحو غلام هند ضربت وثوبي أخويك يلبسان ومال زيد أخذ، فذهب الكسائي وجمهور البصريين جواز هذه المسألة ومنها الآية على تخريج الزمخشري أن الفاعل بتود هو ضمير عائد على شيء اتصل بمعمول " تود " وهو يوم لأن يوم مضاف إلى تجد كل نفس، والتقدير يوم وجدان

стр. 901

كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود. وذهب الفراء وأبو الحسن الأخفش وغيره من البصريين إلى أن هذه المسائل وأمثالها لا تجوز لأن هذا المعمول فضلة فيجوز الاستغناء عنه وعود الضمير على ما اتصل به ولهذه العلة امتنع زيداً أضرب وزيدا أظن قائما، والصحيح جواز ذلك. قال الشاعر: أجل المرء يستحث ولايد .... ري إذا يبتغي حصول الأماني أي المرء في وقت ابتغائه حصول الأماني يستحث أجله ولا يدري، قال أبو حيان: وما عملت من سوء يجوز أن يكون في موضع نصب معطوفا على ما عملت من خير فيكون المفعول الثاني، إن كان تجد متعديا إلى مفعولين أو الحال إن كان متعديا إلى واحد محذوفا أي وما عملت من سوءا محضراً، وذلك نحو ضربت زيداً قائما وعمرا إذا أردت وعمراً قائما، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون " تود في موضع الحال " أي وادة تباعد ما بينها: وبين ما عملت من سوء فيكون الضمير في بينه عائداً على ما عملت من سوء وأبعد الزمخشري في عودة على اليوم لأن أحد القسمين اللذين أحضرا له في ذلك اليوم هو الخير الذي عمله ولا يطلب تباعد وقت إحضار الخير إلا بتجوز إذ كان يشمل على إحضار الخير والشر فتود تباعده لتسلم من الشر ودعه لا يحصل له الخير والأولى عوده إلى ما عملت من سوء لأنه أقرب مذكور ولأن المعنى أن السوء يتمنى في ذلك اليوم التباعد منه. قوله: " أو بمضمر نحو أذكر " إلى أخره. قال الطيبي: الحاصل أنه يجوز على تقدير أذكر ناصبا لليوم في وما عملت وجهان الابتداء وتود خبره والعطف على ما عملت. قال: ويجوز أن يكون تود استئنافا كأن قائلا لما ألقي إليه الجملة الأولى سأل ما حال الناس في حال ذلك اليوم المهول. أجيب، تود الآية. قوله: " ولا تكون ما شرطية لارتفاع " تود قال الشيخ سعد الدين:

стр. 902

عليه اعتراض مشهور وهو أنه إذا كان الشرط ماضيا والجزاء مضارعا جاز فيه الرفع والجزم من غير تفرقة بين إن الشرطية وأسماء الشرط ولا يمتنع إطباق القراء على أحد الجائزين وإن كان مرجوحا، كقوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ وما يقال إن المراد الارتفاع على وجه اللزوم، إنما هو من جهة أن ورد كذلك ولا محال لتغيير نظر القرآن كما لزم في قول زهير: وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم محافظة على الوزن وقد يجاب بأن رفع المضارع في الجزاء شاذ كرفعه في الشرط نص عليه المبرد وشهد به الاستعمال حيث لم يوجد إلا في ذلك البيت. انتهى. وقال أبو حيان: الرفع مسموع من لسان العرب كثيرا بل قال أصحابنا أنه أحسن من الجزم ثم أورد منه غير بيت زهير قول أبي صخر: ولا بالذي إن بان عنه حبيبه .... يقول ويخفى الصبراني لجازع قول الآخر: وإن سل ريعان الجميع مخافة ... يقول جهارا ويلكم لا تنفروا وقول الآخر:

стр. 903

وإن بعدوا لا يأمنون اقترابهم .... تشوف أهل الغائب المتنظر وقول الآخر: فإن كان لا يرضيك حتى تردني .... إلى قطري لا إخالك راضيا وقول الأخر: أن يسألوا الخير يعطوه وإن خيروا .... في الجهد أدرك منهم طيب أخبار قال: فهذا الرفع كما رأيت كثير ونصوص الأئمة على جوازه في الكلام إلا أنه يمتنع أن يكون ما في الآية شرطا لعلة أخرى لا لكون تود مرفوعا، وذلك لأن مذهب سيبويه أن النية بالمرفوع التقديم ويكون إذ ذاك دليلا على الجواب لا نفس الجواب، وحينئذ يؤدي إلى تقديم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناة لأن ضمير وبينه عائد على اسم الشرط وهو (ما) فيصير التقدير تود كل نفس لو أن بينها وبينه أمدا بعيداً ما عملت من سوء وذلك لا يجوز، وقال السفاقسى: الظاهر جواز أن يكون (ما) في الآية شرطا، وقد أجازه أبو البقاء. ورفع تود ليس بمانع على ما تقدم ولا ما ذكره أبو حيان، ولو تنزلنا معه على مذهب سيبويه، لأن الجملة لاشتمالها على ضمير الشرط يلزم تأخيرها، وإن كانت متقدمة في النية، ألا ترى أن الفاعل إذا أشمل على ضمير يعود على المفعول يمتنع تقديمه على المفعول عند الأكثر، وإن كان متقدما عليه في النية. وقال ابن هشام في المغني: امتنع الزمخشري من تخريجه على رفع الجواب مع مضي فعل الشرط، مع تصريحه في المفصل بجواز الوجهين في نحو، إن قام زيد أقوم ولكنه لما رأى الرفع

стр. 904

مرجوحا لم يستسهل تخريج القراءة المتفق عليها عليه يوضح لك هذا أنه جوز ذلك في قراءة شاذة مع كون فعل الشرط مضارعا وذلك على تأويله بالماضي فقال: قرئ " أينما تكونوا يدرككم الموت " برفع يدرك فقيل هو على حذف الفاء ويجوز أن يقال إنه محمول على ما يقع موقعه وهو، أينما كنتم كما جاء ولا ناعب على ما يقع موقع ليسوا مصلحين، وهو ليسوا بمصلحين، وقد يرى كثير من الناس كلام الزمخشري في هذه المواضع متناقضا والصواب ما بينت لك، انتهى. تنبيه، قال الشيخ ولي الدين العراقي في حاشيته على الكشاف، ومن خطه نقلت، ذكر أبو حيان من الأبيات الدالة على الرفع. قولة: " إن تسألوا الخير يعطوه "، البيت: هو سبق ذهن أو قلم، فإن هذا ليس من أبيات الرفع، فإن المضارع فيه، وهو يعطوه، البيت مجزوم بحذف نونه، قلت: إنما أورده لقوله في تمامه وإن خيروا في الجهد أدرك منهم طيب أخبار، فإن فعل الشرط فيه ماض، والجواب وهو أدرك مضارع مرفوع وهذه صورة المسألة وأما إن يسألوا الخير يعطوه فالفعلان فيه مضارعان مجزومان وليس ذلك صورة المسألة فالشيخ ولي الدين هو الذي سهى في اعتراضه. قوله: " وقرئ ودت وعلى هذا يصح أن يكون شرطية " قال الشيخ سعد الدين: قد يقال إن في الصحة كلاما لأن الجملة على تقدير الموصولية حال أو عطف على تجد والشرطية لا تقع حالاً ولا مضافا إليه الظرف فلم يبق إلا عطفها على أذكر وهو بتقدير صحته يخل بالمعنى وهو كون هذه الحالة والودادة في ذلك اليوم، ولا محيص سوى جعلها حالاً بتقدير مبتدأ، أي وهي ما عملت من سوء ودت. قوله: " ولكن الحمل على الخبر أوقع " عبارة الكشاف الحمل على الابتداء وهي أحسن لأنها كما قال الشيخ سعد الدين تشعر بأنها إذا

стр. 905

جعلت شرطية لا تكون في موقع المبتدأ بل المفعول لأن عملت لم تشتغل بضميره بل بقي مسلطا عليه. قوله: " كرره للتوكيد والتذكير "، قال الشيخ سعد الدين: الأحسن ما قيل أن ذكره أولاً للمنع عن موالاة الكافرين وثانيا للحث على عمل الخير والمنع عن عمل السوء. قوله: " إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم إلى آخره " قال الطيبي: فهو على الأول تتميم وعلى الثاني تكميل كمل به ليجمع بين صفتي القهر والرحمة تحريضا على الإنابة. قوله: " المحبة ميل النفس " إلى آخره. قال الغزالي في الإحياء: الحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء المستلذ فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقا والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب ماذا قوي سمي مقتا ولا تظن أن الحب مقصور على مدركات الحواس الخمس حتى يقال: إن الله سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب؛ لأنه ﷺ سمى الصلاة قرة عين وجعلها أبلغ المحبوبات ومعلوم أنه ليس للحواس الخمس فيها حظ، بل جنس سادس مظنته القلب، والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب أشد إدراكا من العين وجمال المعاني المدركة بالفعل أعظم من جمال الصور الظاهرة للإبصار فيكون لا محالة لذة القلوب مما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى، ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة فلا ينكر إذا حب الله لا من قعد به القصور في درجة البهائم في يجز إدراك الحواس

стр. 906

أصلا، وقال الطيبي: فسر المتكلمون محبة العبد لله بأنها محبة طاعته وخدمته أو ثوابه أو إحسانه وأما العارفون فقد قالوا العبد يحب الله لذاته وأما حب طاعته وثوابه فهي درجة نازلة والقول الأول ضعيف، وذلك أنه لا يمكن أن يقال في كل شيء أنه إنما كان محبوبا لأجل معنى أخر فلا بد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوبا لذاته، فكما يعلم أن اللذة محبوبة لذاتها كذلك يعلم أن الكمال محبوب لذاته وأكمل الكمالات لله تعالى فيقتضي كونه محبوبا لذاته من ذاته، وقال صاحب الفرائد، بعدما حكى نحواً من هذا المعنى وهذا أبلغ أنواع الحب، فعلى هذا حب العبد لله تعالى حقيقة بل المحبة الحقيقية مستحقة لله تعالى إذ كل ما يحب من المخلوقات فإنما يحب بخصوص أثر من آثار وجوده قال الطيبي: ويقال لما عظم ذاته وبين جلالة سلطانه بقوله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآيات تعلق قلب العبد بمولى عظيم الشأن ذي الملك والملكوت والجلال والجبروت ثم لما ثني بنهي المؤمنين عن موالاة أعدائه وحذر عن ذلك غاية التحذير كرر فيها ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ونبه على وجوب استئصال تلك الموالاة، بقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ الآية، وأكد ذلك بالوعيد الشديد وذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ الآية، زاد ذلك التعلق أقصى غايته واستأنف. قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ كأنه تعالى يشير إلى أن عبيدي لم يتمالكوا أنفسهم عند ذلك بأن لا يسألوا بأي شيء ينال كمال المحبة وموالاة ربنا، فقيل لهم: بعد قطع موالاة أعدائنا تنال تلك الدرجة بالتوجه إلى متابعة حبيبنا إذ كل طريق سوى طريقه مسدود. قوله: " جواب الأمر "، هو رأى عزى للخليل وأكثر المتأخرين

стр. 907

على أن مثل ذلك جواب شرط مقدر. قوله: " وقيل: نزلت في وفد نجران " إلى آخره. أخرجه ابن إسحاق وابن جرير، عن محمد بن جعفر ابن الزبير. قوله: " وقيل: في أقوام "، إلى آخره. أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، عن الحسن، مرسلا. قوله: " أو بدل من الأولين "، قال أبو البقاء: لا يجوز أن يكون بدلاً من آدم، لأنه ليس بذرية، ورده أبو حيان، بأن الراغب، قال: الذرية يقال للواحد والجمع والأصل والنسل كقوله: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي آباءهم. قوله: " فينتصب به إذ " أي بسميع على التنازع. قاله الشيخ سعد الدين فاندفع قول أبي حيان: إن النصب بسميع لا يجوز، للفصل بينه وبين إذ بعليم. إن كان خيراً وهو أجنبي، وكذا إن كان صفة لأن اسم الفاعل إذ وصف قبل: أخذ معموله لا يجوز إذ ذاك أن يعمل، وإن كان الحلبي رده أيضا بأن هذا القدر غير مانع، لأنه يتسع في الظرف وعديله مالا يتسع في غيره، ولذلك يقوم على ما في حيز ال الموصولة، وما في حيز أن المصدرية. قوله: " بفتح الحاء المهملة والنون المشددة " وهي تأنيث اسم عبراني

стр. 908

قوله: " وكان يحيى وعيسى ابني خالة من الأب " قال الطيبي: قيل: كلام المصنف يدل على أن إيشاع ومريم بنتا عمران، لكن مريم من حنة، وإيشاع من غيرها لما ذكر أن حنة كانت عاقرا/ إلى أن عجزت وإيشاع كانت أكبر سنا من مريم ثم قال بعيد هذا: فقال لهم زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها فتكون إيشاع أخت مريم وخالتها. قيل في العذر لا يبعد أن عمران تزوج أم حنة فولدت إيشاع وكانت حنة ربيبته، ثم تزوج حنة بعد ذلك بناء على أن ذلك كان جائزا في شريعتهم، فولدت مريم فتكون إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها أيضا، وهو يوافق قوله بعد هذا رغب أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أختها حنة فذكر أن حنة أخت إيشاع، فتكون إيشاع وحنة أختين من الأم " قال الطيبي: والظاهر ما روى محي السنة في المعالم، أن زكريا وعمران زوجا أختين، وكانت إيشاع بنت فاقود أم يحيى عن زكريا، وحنة بنت فاقود أم مريم عند عمران، وعليه ينطبق قول المصنف أولا: وروي أنها أي: حنة كانت عاقرا. إلى قوله: فحملت بمريم، وقوله. ثانيا: أنا أحق بها، عندي خالتها، وثالثه رغب في أن يكون له في إيشاع ولد مثل ولد أختها، إلى قوله: فإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك. وأما الحديث، رواه الشيخان " فإذا أنا يا بني الخالة، عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا " وما ذكره المصنف هنا فكأن يحيى وعيسى ابني الخالة فتأويله ما ذكره صاحب التقريب أن يحيى وأم عيسى وهي مريم: " ولدا خالة "، لأن إيشاع أم يحيى، وحنة أم مريم أختان. والغرض، أنه كان بين يحيى وعيسى هذه الجهة من القرابة وكان عيسى ابن بنت خالة يحيى، فأطلق عليه ابن الخالة لأن ابن بنت الخالة كابن الخالة إطلاقا مجازيا عرفيا وكثيرا ما يطلق الرجل اسم الخالة على بنت خالته لكرامتها عليه، ولكونه مربوبا عندها. هذا وجه التوفيق. انتهى.

стр. 909

قوله: " روي أنها كانت عجوزاً عاقراً "، إلى آخره أخرجه ابن جرير، عن ابن إسحاق، بتمامه، وعن عكرمة، نحوه " قوله: وكان هذا النذر مشروعا في عهدهم في الغلمان " أخرجه ابن جرير، عن قتادة والربيع قوله: " فلعلها بنت الأمر على التقدير " قال الطيبي: أي على تقدير العرف والعادة، أي إن كان ذكرا كان محرراً. قوله: " ونصبه على الحال "، لم يبين مماذا. وقد قيل: إنه حال في " ما " وهو الأرجح، فالعامل نذرت، وقيل: من الضمير الذي في الجار والمجرور فالعامل استقر. قال أبو حيان: ويحتمل أن ينصب على المصدر، أي تحريرا لأنه في معنى نذرت قال: وعلى الحالية، هي مقدرة إن كان بمعنى مخلصا للعبادة ومصاحبة إن كان بمعنى معتقا. قوله: " الضمير لما في بطنها، وتأنيثه لأنه كان أثنى، وجاز انتصاب انثى حالاً عنه؛ لأن تأنيثها علم منه " قال أبو حيان: هذا يؤول إلى أن أنثى حال مؤكدة، ولا يخرجه تأنيثه لتأنيث الحال على أن تكون الحال مؤكدة. وقال السفاقسي مراده أن الأصل تذكير الضمير باعتبار لفظ ما، أي وضعت ما في بطني أنثى، ولكن أنث لتناسب الحال المؤنثة، والضمير في الأصل للمذكر، وليس مراده من تأنيثة لتأنيث الحال عود الضمير على الحال حتى يلزمه أن تكون الحال مؤكدة. قوله: " وإنما قالته تحسرا أو تحزنا " إلى آخره، جواب سؤال مقدر، أي إذا كان علم اللطيف الخبير محيطا بما وضعت، فأي فائدة في قولها: إني وضعتها أنثى؟ لأن الإخبار إما للفائدة أو لازمها.

стр. 910

والجواب أن ذاك مقتضى الظاهر، وربما تجعل الإخبار ذريعة إلى الامتنان أو التهديد أو إلى إظهار التحسر وهذا منه. قوله: " وهو استئناف من الله تعظيما لموضوعها، أي ولدها الذي وضعته، وتجهيلا لها بشأنها ". معناه كما قال الطيبي: أنه تعالى يحكى حالها لغيرها، وشكى عنها تحسرها وحزنها على الموضوع. المعنى: اسمعوا قولها، وانظروا إلى تحسرها وحزنها تحقيراً للمولود العظيم الشأن فاحكموا بجهلها بذلك. قوله: " على أنه من كلامها تسلية " إلى آخره، فعلى هذا لا يكون قوله: " والله أعلم بما وضعت " تجهيلا لأم مريم، بل نفيا لعلمها، لأن العبد ينظر إلى ظاهر الحال، ولا يعرف أسرار الله في كل شيء. قوله: (بيان لقوله: " والله أعلم ") إلى آخره. قال الطيبي: وذلك أن قوله: " والله أعلم بما وضعت " وارد على تفخيم المولود وفضله على الذكر. يعني أنه قد تعورف بين الناس فضل الذكر على الأنثى، والله سبحانه هو الذي اختص بعلمه الشامل فضل هذه الأنثى على الذكر، فكان قوله. " وليس الذكر كالأنثى " بيانا لما اشتمل عليه الكلام الأول من التعظيم. قوله: " واللام فيهما للعهد " قال الطيبي: أما التي في الأنثى فمعهود بقولها: " إني وضعتها أنثى " وأما التي في الذكر فبقولها: إني نذرت لك ما في بطني محرراً: لأن المحرر لا يكون إلا غلاما، أو طلبت أن ترزق ذكراً.

стр. 911

قوله: " وما بينهما " اعتراض. قال الطيبي: هذا إنما يصح على قراءة وضعت على الغيبة، لأنه كلام الله وأما على التكلم فلا، لأنه حينئذ من كلام أم مريم. وقال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: فعلى قراءة الغيبة، أو الخطاب يكون المعترضتان من كلام الله من غير حكاية، وما فيه الاعتراض أعني " إني وضعتها " " وإني سميتها " من كلام امرأة عمران، فكيف ذلك؟ قلنا: هما أيضا من كلام الله، لكن حكاية عن امرأة عمران ولا بعد في الاعتراض بكلام غير محكي بين كلامين محكيين، والحق أن هذا اعتراض في أثناء كلام واحد من متكلم واحد، وهو قوله: " قالت رب " إلى آخره. كما تقول: ضرب زيد عمراً ونعم ما فعل وبكرا وخالدا. فليتأمل. قوله: " ما من مولود ". الحديث. أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة. قال الطيبي: قوله: إلا والشيطان يسمه، كقوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾. في أن الواو داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق فتفيد

стр. 912

الحصر على التأكيد. قوله: " ومعناه أن الشيطان يطمع " إلى آخره. تبع الزمخشري في تأويل الحديث، وأخرجه عن ظاهره والزمخشري ماش في ذلك على منهج المعتزلة، فإنهم أنكروا الحديث، وقدحوا في صحته. قال الإمام: طعن القاضي عبد الجبار في هذا الخبر، وقال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل. وذلك إن الشيطان إنما يدعوا إلى الشر من له تمييز، ولأنه لو تمكن من هذا لجاز أن يهلك الصالحين، وأيضا لما خص عيسى وأمه دون سائر الأنبياء، ولأنه لو وجد النخس " لدام أثره ". قال الإمام: وبمثل هذه الوجوه لا يجوز دفع الخبر الصحيح. وقال صاحب الانتصاف: الحديث مدون في الصحيح فلا يعطله الميل إلى ترهات الفلاسفة. وقال الطيبي: لا يبعد اختصاص عيسى وأمه بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، ويمكنه الله من المس مع عصمتهم من الإغواء. وقال الشيخ سعد الدين: طعن الزمخشري في صحة الحديث بمجرد أنه لم يوافق هواه، وإلا فأي امتناع في أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما يرى ويسمع وليست تلك المسة للإغواء ليدفع بأنه لا يتصور في حق المولود حين يولد.

стр. 913

قال: ثم أوله الزمخشري على تقدير الصحة بالمراد بالمس الطمع في إغوائه، واستثناء مريم وابنها لعصمتهما. ولما لم يخص هذا المعنى بهما عم الاستثناء لكل من يكون على صفتهما. وهذا إما تكذيب للحديث بعد تسليم صحته، وإما قول بتعليل الاستثناء والقياس عليه. قال: وليت شعري من أين ثبت تحقق طمع الشيطان ورجاءه وصدقه في أن هذا المولود محل إغوائه: ليلزمنا إخراج كل من لا سبيل له إلى إغوائه، فلعله يطمع في إغواء من سوى مريم وأمها، ولا يتمكن منه. قلت: والعجب من البيضاوي أشد فإنه تبع الزمخشري في تأويله، وقال: معناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها، فإن الله عصمهما. ووجه الأشدية أن الزمخشري ألحق بمريم وابنها سائر المعصومين، لأن الضرورة داعية على هذا التأويل إلى ذلك، والبيضاوي اقتصر على استثنائهما فأدى كلامه إلى أن كل من سواهما يتأثر في إغوائه، ومنهم بقية المعصومين، وهو باطل قطعا. والصواب أن الحديث على ظاهره. وفي بعض طرقه أنه ضرب بينه وبينهما حجاب، وأن الشيطان أراد أن يطعن بإصبعه فوقعت الطعنة في الحجاب، وفي بعض الطرق عن ابن عباس: " ما ولد مولود إلا وقد استهل غير المسيح " أخرجه ابن جرير. نعم، قال الشيخ سعد الدين: قد يشكل على ظاهر الحديث أن إعادة أم مريم كانت بعد الوضع، فلا يصح حملها على الإعاذة من المس الذي يكون حين الولادة. قال والجواب أن المس ليس إلا بعد الانفصال وهو الوضع ومعه الإعاذة، غايته أنه عبر عنه بالمضارع لقصد الاستمرار بخلاف الوضع

стр. 914

والتسمية قوله: " فرضي بها "، قال الطيبي: فسر القبول بالرضى وذلك أن من يهدي إلى أحد شيئا يرجو منه قبول هديته بوجه حسن، فشبه النذر بالإهداء ورضوان الله عنها بالقبول. قوله: " أو يسلمها " عطف بيان على إقامتها. قوله: " للسدانة " أي خدمة بيت المقدس. قوله: " روى أن حنة لما ولدتها "، إلى آخره. قال الطيبي: بيان تسليمها، قلت: وقد أخرجه ابن جرير عن عكرمة وقتادة والسدي. قوله: " وصاحب قرابينه " هو الذي على أمر القرابين في البيت الذي ينزل فيه النار، والقربان ما يتقرب به إلى الله. قوله: " ويجوز أن يكون مصدراً على تقدير مضاف "، إنما احتاج إليه لأن القبول بالفتح اسم لما يتقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلد. قوله: " أي بذي قبول حسن "، قال أبو حيان: أي ذي قبول حسن وهو الاختصاص. قوله: " مجاز عن تربيتها ". قال الطيبي أي استعاره فإن الزارع لم

стр. 915

يزل يتعهد زرعه بأن يسقيه عند الاحتياج ويحميه عن الآفات ويقلع ما عسى أن ينبت فيه من شوك لئلا يخنقه. وقال الشيخ سعد الدين هو بطريق الاستعارة، أو ذكر الملزوم وإرادة اللازم. قوله: " سمي به لأنه محل محاربة الشيطان " قال أبو حيان: سمي به لتحارب الناس عليه وتنافسهم فيه وهو مقام الإمام من المسجد قوله: " روي أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب " إلى آخره. أخرجه ابن جرير عن الربيع ابن أنس. قوله: " قيل تكلمت صغيرة " قلت: قد أجمع اللذين تكلموا في المهد فبلغوا أحد عشر نفسا وقد نظمتهم فقلت: تكلم في المهد النبي محمد .... ويحيى وعيسى والخليل ومريم وميرة جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها: تزني ولا تتكلم
следующие страницы →