Полный текст (1 427 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
قوله: " وما بينهما " اعتراض. قال الطيبي: هذا إنما يصح على قراءة وضعت على الغيبة، لأنه كلام الله وأما على التكلم فلا، لأنه حينئذ من كلام أم مريم.
وقال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: فعلى قراءة الغيبة، أو الخطاب يكون المعترضتان من كلام الله من غير حكاية، وما فيه الاعتراض أعني " إني وضعتها " " وإني سميتها " من كلام امرأة عمران، فكيف ذلك؟ قلنا: هما أيضا من كلام الله، لكن حكاية عن امرأة عمران ولا بعد في الاعتراض بكلام غير محكي بين كلامين محكيين، والحق أن هذا اعتراض في أثناء كلام واحد من متكلم واحد، وهو قوله: " قالت رب " إلى آخره. كما تقول: ضرب زيد عمراً ونعم ما فعل وبكرا وخالدا. فليتأمل.
قوله: " ما من مولود ". الحديث. أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة.
قال الطيبي: قوله: إلا والشيطان يسمه، كقوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾.
في أن الواو داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق فتفيد
стр. 912
الحصر على التأكيد.
قوله: " ومعناه أن الشيطان يطمع " إلى آخره. تبع الزمخشري في تأويل الحديث، وأخرجه عن ظاهره والزمخشري ماش في ذلك على منهج المعتزلة، فإنهم أنكروا الحديث، وقدحوا في صحته. قال الإمام: طعن القاضي عبد الجبار في هذا الخبر، وقال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل.
وذلك إن الشيطان إنما يدعوا إلى الشر من له تمييز، ولأنه لو تمكن من هذا لجاز أن يهلك الصالحين، وأيضا لما خص عيسى وأمه دون سائر الأنبياء، ولأنه لو وجد النخس " لدام أثره ".
قال الإمام: وبمثل هذه الوجوه لا يجوز دفع الخبر الصحيح.
وقال صاحب الانتصاف: الحديث مدون في الصحيح فلا يعطله الميل إلى ترهات الفلاسفة.
وقال الطيبي: لا يبعد اختصاص عيسى وأمه بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، ويمكنه الله من المس مع عصمتهم من الإغواء.
وقال الشيخ سعد الدين: طعن الزمخشري في صحة الحديث بمجرد أنه لم يوافق هواه، وإلا فأي امتناع في أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما يرى ويسمع وليست تلك المسة للإغواء ليدفع بأنه لا يتصور في حق المولود حين يولد.
стр. 913
قال: ثم أوله الزمخشري على تقدير الصحة بالمراد بالمس الطمع في إغوائه، واستثناء مريم وابنها لعصمتهما. ولما لم يخص هذا المعنى بهما عم الاستثناء لكل من يكون على صفتهما. وهذا إما تكذيب للحديث بعد تسليم صحته، وإما قول بتعليل الاستثناء والقياس عليه.
قال: وليت شعري من أين ثبت تحقق طمع الشيطان ورجاءه وصدقه في أن هذا المولود محل إغوائه: ليلزمنا إخراج كل من لا سبيل له إلى إغوائه، فلعله يطمع في إغواء من سوى مريم وأمها، ولا يتمكن منه.
قلت: والعجب من البيضاوي أشد فإنه تبع الزمخشري في تأويله، وقال: معناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها، فإن الله عصمهما. ووجه الأشدية أن الزمخشري ألحق بمريم وابنها سائر المعصومين، لأن الضرورة داعية على هذا التأويل إلى ذلك، والبيضاوي اقتصر على استثنائهما فأدى كلامه إلى أن كل من سواهما يتأثر في إغوائه، ومنهم بقية المعصومين، وهو باطل قطعا.
والصواب أن الحديث على ظاهره. وفي بعض طرقه أنه ضرب بينه وبينهما حجاب، وأن الشيطان أراد أن يطعن بإصبعه فوقعت الطعنة في الحجاب، وفي بعض الطرق عن ابن عباس: " ما ولد مولود إلا وقد استهل غير المسيح " أخرجه ابن جرير.
نعم، قال الشيخ سعد الدين: قد يشكل على ظاهر الحديث أن إعادة أم مريم كانت بعد الوضع، فلا يصح حملها على الإعاذة من المس الذي يكون حين الولادة. قال والجواب أن المس ليس إلا بعد الانفصال وهو الوضع ومعه الإعاذة، غايته أنه عبر عنه بالمضارع لقصد الاستمرار بخلاف الوضع
стр. 914
والتسمية قوله: " فرضي بها "، قال الطيبي: فسر القبول بالرضى وذلك أن من يهدي إلى أحد شيئا يرجو منه قبول هديته بوجه حسن، فشبه النذر بالإهداء ورضوان الله عنها بالقبول.
قوله: " أو يسلمها " عطف بيان على إقامتها.
قوله: " للسدانة " أي خدمة بيت المقدس.
قوله: " روى أن حنة لما ولدتها "، إلى آخره. قال الطيبي: بيان تسليمها، قلت: وقد أخرجه ابن جرير عن عكرمة وقتادة والسدي.
قوله: " وصاحب قرابينه " هو الذي على أمر القرابين في البيت الذي ينزل فيه النار، والقربان ما يتقرب به إلى الله.
قوله: " ويجوز أن يكون مصدراً على تقدير مضاف "، إنما احتاج إليه لأن القبول بالفتح اسم لما يتقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلد.
قوله: " أي بذي قبول حسن "، قال أبو حيان: أي ذي قبول حسن وهو الاختصاص.
قوله: " مجاز عن تربيتها ". قال الطيبي أي استعاره فإن الزارع لم
стр. 915
يزل يتعهد زرعه بأن يسقيه عند الاحتياج ويحميه عن الآفات ويقلع ما عسى أن ينبت فيه من شوك لئلا يخنقه. وقال الشيخ سعد الدين هو بطريق الاستعارة، أو ذكر الملزوم وإرادة اللازم.
قوله: " سمي به لأنه محل محاربة الشيطان " قال أبو حيان: سمي به لتحارب الناس عليه وتنافسهم فيه وهو مقام الإمام من المسجد قوله: " روي أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب " إلى آخره. أخرجه ابن جرير عن الربيع ابن أنس.
قوله: " قيل تكلمت صغيرة " قلت: قد أجمع اللذين تكلموا في المهد فبلغوا أحد عشر نفسا وقد نظمتهم فقلت:
تكلم في المهد النبي محمد .... ويحيى وعيسى والخليل ومريم
وميرة جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها: تزني ولا تتكلم
стр. 916
وماشطة في عهد فرعون طفلها .... وفي زمن الهادي المبارك تختم
قوله: " وكان رزقها ينزل عليها من الجنة "، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس.
قوله: روى أن فاطمة أهدت لرسول الله ﷺ رغيفين، الحديث، أخرجه أبو يعلي في مسنده من حديث جابر وقد سقت لفظه في كتاب المعجزات.
قوله: " يستعار هنا وثم وحيث للزمان "، قال الزجاج: هنالك، في موضع نصب لأنه ظرف يقع في المكان وفي الأحوال.
والمعنى: ومن الحال دعاء زكريا كما يقول من هاهنا؟ قلت: كذا ومن هنالك قلت كذا أي من ذلك الوجه ومن تلك الجهة على المجاز.
قوله: " أي من جنسهم، كقولهم زيد يركب الخيل "، قال الزجاج: معناه أتاه النداء من هذا الجنس كما تقول ركب فلان في السفن أي في هذا الجنس وإنما ركب في سفينة واحدة، الشيخ سعد الدين: هو على طريقة نسبة حكم الفرد من الجنس إلى الجنس نفسه، نحو فلان يركب الخيل ويلبس الديباج وإن لم يلبس ولا يركب إلا واحدة، قلت وأوجه منه أنه من العام المراد به الخصوص.
قوله: " فإن المنادي كان جبريل وحده "، أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود.
قوله: " على إرادة القول "، أي إضماره، هو مذهب البصريين.
стр. 917
قوله: " ولأن النداء نوع منه " هو مذهب الكوفيين.
قوله: " كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدة الحويدرة " ويقال الحادرة لقب الشاعر اسمه قطبة ابن أوس/ ابن محصن ابن جرول، شاعر جاهلي، وإنما لقب الحادرة بقول زبان بن سيار الغزاري له:
كأنك حادرة المنكبيـ ...... ن رصعاء تنقض في حائر.
قوله [والحاضر الضخم] وكان الحادر ضخم المنكبين، أخرج أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني من طريق الأصمعي عن عمه قال سمعت شيخا من بني كنانة من أهل المدينة يقول: كان حسان ابن ثابت إذا قيل له: [كأنه] تنوشدت الأشعار في موضع كذا وكذا فهل أنشدت كلمة الحويدرة:
بكرت سمية غدوة فتمتع ..... وغدت غدو مفارق لم يربع
قوله: " روى أنه مرفى صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت "، أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن قتادة موقوفا
стр. 918
وأخرجه ابن عساكر في تاريخه على معاذ بن جبل مرفوعا.
قوله: " ناشئا منهم أو كائنا من عداد من لم يأت كبيرة ولا صغيرة ".
قال الطيبي: من على الأول للإبتداء وعلى الثاني للتبعيض.
قوله: " وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال "، أي انتزع منه، يريد أن الجواب بعد انطباق معناه على معنى السؤال ينبغي أن يراعى فيه حسن المناسبة بين الألفاظ كأنه لما سأل أنه يتلقى هذه النعمة بالشكر أجيب: بأن أيتك ألا تقدر على شيء من الكلام إلا على شكري قاله الطيبي.
قوله: " والإستثناء منقطع " إلى آخره. قال السفاقسي تعقب ابن الشجري في أماليه النصب على الإستثناء، قال ولكنه مفعول به منتصب بتقدير حذف الخافض فالأصل ألا تكلم الناس إلا رمزاً بتحريك الشفتين بلا لفظ من غير إبانة بصوت فالعامل الذي قبل إلا مفرغ في هذا النحو للعمل فيما بعدها بدليل أنك لو حذفت إلا وحرفي النفي استقام الكلام تقول في نحو ما لقيت إلا زيداً لقيت وما خرج إلا زيد خرج زيد وكذا لو قلت أتيك أن تكلم الناس رمزاً استقام وليس كذلك لو قلت ليس القوم في الدار إلا زيداً أو إلا زيد ثم حذفت النفي وإلا فقلت: القوم في الدار زيداً أو زيد، لم يستقم فكذا المنقطع نحو ما خرج القوم إلا حماراً، لو قلت: خرج القوم حماراً، لم يستقم.
قوله:
متى ما نلتقي فردين ترجف .... روانق إليتيك وتستطارا
стр. 919
قال ابن الشجري في أماليه كان عمارة ابن زياد العبسي يحسد عنترة على شجاعته إلا أنه كان يظهر تحقيره ويقول لقومه إنكم قد أكثر تم من ذكره ولوددت أني لقيته خاليا حتى أريحكم منه وحتى أعلمكم أنه عبد فبلغ عنترة ما يقول عمارة فقال:
أحولي تنقض أستك مدرويها .... لتقتلني فها أنا ذا عمارا
متى ما نلتقي فردين ترجف .... روانف إليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه .... أصابع لا ترى فيها انتشارا
حسام كالعقيقة فهو كمعي .... سلاحي لا أفل ولا فطارا
ومطرد الكعوب أحص صدق ..... تخال سنانه في الليل نارا
ستعلم أينا للموت أدنى ..... إذا دانيت بي الأسل الحرار
وخيل قد دلفت بخيلي .... عليها الأسد تهتصر اهتصارا
قال ابن الشجري: المذروان جانبا الإليتين المقترنان ومن كلام العرب جاء ينفض مذرويه إذا جاء يتهدد، وفردين ويروى خلوين أي خاليين من الفاعل والمفعول معا ويروى بزدين أي بارزين وترجف تضطرب والرانفة طرف الإلية الذي يلي الأرض إذا كان الإنسان قائما، وأراء بالروانف التثنية، لأنه ليس للا ليتين إلا راتفتان ولذلك ثني ضمير تستطارا. قال ابن الشجري: ومعنى تستطار تستخف. ويحتمل. قوله: تستطارا وجهين من الإعراب أن يكون مجزوما معطوفا على جواب الشرط وأصله تستطاران فقطت نونه للجزم والألف على هذا ضمير عائد
стр. 920
على الروانف وعاد إليها وهي جمع ضمير تثنية لأنها من الجموع الواقعة في موقع التثنية نحو قولك وجوه للرجلين فعاد الضمير على معناها دون لفظها إذ المعنى رانفتا إليتيك كما أن معنى الوجوه من قولك حيا الله وجوهكما معنى الوجهين لأنه لا يكون لواحد أكثر من وجه كما أنه ليس للإلية إلا رانفة واحدة.
الوجه الثاني أن يكون نصبا على الجواب بالواو بتقدير وأن تستطار فالألف على هذا لإطلاق القافية والتاء للخطاب وهي في الوجه الأول للتأنيث ويجوز أن تجعل التاء في هذا الوجه أيضا لتأنيث الروانف والعقيقة الشقة من البرق واللمع الضجيج. قوله: لا أفل ولا فطارا أي لا فل فيه ولا فطر والفل: الثلم. والفطر، الشق. وموضع قوله كالعقيقة رفع وصف لحسام ففي الكاف ضمير عائد على الموصوف وانتصاب أفل على الحال من المضمر في الكاف والعامل في الحال ما في الكاف من معنى التشبيه والتقدير حسام يشبه العقيقة غير منفعل ولا منفطر.
قوله: ومطرد الكعوب أي ليس في كعوبه اختلاف والكعوب من الرمح العقد ما بين كل أنبوبين كعب والأحص الأملس والصدق الصلب والأسل الرماح والحرار العطاش والدليف المشي الرويد وهو فويق الدبيب وهو مشي الكتيبة وتهتصر تجتذب أقرانها. انتهى.
قوله: " وإرهاصا " قال الشيخ سعد الدين: هو تأسيس النبوة بطريق الخوارق قبل البعثة كإظلال الغمام لنبينا ﷺ في طريق الشام. وقال الطيبي: أي تأسيسا وإحكاما، من الرهص وهو الساق الأسفل من الجدار الأساس: ومن المجاز رهص الشيء أثبته وأسسه.
стр. 921
قوله: " فإن الإجماع على أنه تعالى لم يستنبئ امرأة "، قلت: دعوى الإجماع عجيب، فإن الخلاف في نبوة نسوة موجود، خصوصا مريم، فإن القول بنبوتها شهير، بل قال الشيخ تقي الدين السبكي في الحلبيات إلى ترجيحه، وقال: إن ذكرها مع الأنبياء في سورة الأنبياء قرينة قوية لذلك: " قوله: قرفها اليهود " وهو بالقاف وراء وفاء، يقال: قرفت الرجل: عبته، وهو يقرف بكذا، أي: يرمي به ويتهم.
قوله: " والمراد تقرير كونه وحيا "، إلى آخره.
قال الطيبي: تقريره أن مقتضى الظاهر أن يقال: ذلك من أنباء الغيب، وما سمعت هذا النبأ من أحد، ولا قرأته في كتاب لأن هذا متوهم منه، فاحتيج إلى دفع التوهم، لا المشاهدة فإنها منتفية، لاشك في انتفائها، فلا يحتاج إليه.
فلم نفيت المشاهدة، وترك ذلك. وخلاصة الجواب أن المراد من نفي المشاهدة إثبات الحجة، والاحتجاج على أهل الكتاب أن يقال بطريق التقسيم الحاصر، ولاشك أن عدم السماع والقراءة محقق عند اليهود، وقد علموا ذلك علما يقينا لا ريب فيه، وإنما كانوا ينكرون الوحي.
فأريد إثبات المطلوب بطريق برهاني، فقيل: طريق العلم فيما انبئكم به، إما السماع والقراءة، وإما الوحي والإلهام وإما الحضور والمشاهدة، فالأولان منتفيان عندكم، بقي الثالث. فنفى تهكما بهم، وإنما خص هذه دون الأولى للتهكم، لأنه لو نفى الأول لم يكن من التهكم في شيء لمجال الوهم فيه دونه.
قوله: أو بقوله: " أيهم يكفل ".
قال الشيخ سعد الدين: تعلقه بالقول لا يفيد فائدة يعتد بها.
قوله: " بدل من إذ قالت الأولى ".
قال الحلبي: فيه بعد لكثرة الفاصل بين البدل والمبدل منه.
стр. 922
قوله: في زمان متسع، كقولك: لقيته سنة كذا.
أي مع أنك لم تلقه إلا في جزء من أجزاء السنة، فيكون قوله: (إذ يختصمون) إشارة إلى جميع ذلك الزمان، وكذا إذ قالت الملائكة، فكل من زمان الاختصام، وزمان البشارة على طريقة لقيته سنة كذا، قاله الطيبي.
قوله: " وعيسى معرب أيسوع، معناه السيد ".
قوله: أي يكلمهم حال كونه طفلا وكهلا. إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى أن الحال مجموع المعطوف والمعطوف عليه، لا أن كلا منهما مستقل بالحالية. انتهى والذي ذكره أبو حيان: أن كلا حال.
فإن قلت: ما الفائدة في البشارة بكلامه كهلا، والناس في ذلك سواء؟
قلت: التبشير بحياته إلى سن الكهولة.
قوله: " كلام مبتدأ " قال أبو حيان: فإن عنى أنه استئناف إخبار من الله، أو عن الله على اختلاف القرائتين فمن حيث ثبوت الواو، لابد أن يكون معطوفا على شيء قبله، فلا يكون ابتداء كلام إلا أن يدعى زيادة الواو في " ويعلمه "، فحينئذ يصح ان يكون ابتداء كلام، وإن عنى أنه ليس معطوفا على ما ذكر، فكان ينبغي أن يبين ما عطف عليه، وأن يكون الذي عطف عليه ابتداء كلام حتى يكون المعطوف كذلك.
قال الحلبي: هذا الاعتراض غير لازم، لأنه لا يلزم من جعله كلاما مستأنفا أن يدعى زيادة الواو، لا أنه لابد من معطوف عليه، لأن
стр. 923
النحويين وأهل البيان نصوا على أن الواو تكون للاستئناف، بدليل أن الشعراء يأتون بها في أوائل أشعارهم من غير تقديم شيء يكون ما بعدها معطوفا عليه والأشعار مشحونة بذلك، ويسمونها الاستئناف.
وقال السفاقسي: عطف الجمل على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون من الجمل الصالحة لمعمول ما تقدم، فيكون حكمها في العطف حكم المفرد في التشريك، نحو: كان زيد قائما وعمرو قاعدا.
الثاني: أن تكون فعلية تقدم قبلها معمول عامل يصح أن يكون الفعل معطوفا عليه باعتبار عامله وهذا العطف إنما هو باعتبار العامل دون متعلقة من فاعل ومفعول، لاختلاف المتعلقات، كقولك: أريد أن يضرب زيد عمراً، ويكرم بكر خالداً، فعطف يكرم خاصة دون متعلقة على يضرب خاصة، ألا ترى أن معنى التشريك في الفعلين حاصل مراد دون متعلقهما.
الثالث: أن يكون المراد من عطف الجملتين حصول مضمونهما خاصة، كقولك: قام زيد، وخرج عمرو، كأنك قلت: حصل قيام زيد، وخروج عمرو، ولخصته من شرح المفصل لابن الحاجب.
قال السفاقسي: فيمكن أن يكون المراد بقوله كلاما مبتدأ أي مستقلا، وهو الوجه الثالث، ويكون عطف على قوله: وإذ قالت: باعتبار حصول مضمون الجملتين، ويصح أن يكون معطوفا بالمعنى الثاني على معمول القول، وهو قوله: " إن الله يبشرك "، أي قالت ويعلمه، وهو غيرما ذكر من الوجهين. انتهى.
قوله: " أو عطف على يبشرك أو وجيها ".
قال أبو حيان: القولان بعيدان لطول الفصل ولا يقع مثله في لسان العرب، وقال الشيخ سعد الدين: إنما يحسنان بعض الحسن على قراءة
стр. 924
الياء، وأما على قراءة النون فلا يحسن إلا بتقدير القول، أي إن الله يبشرك بعيسى وبقوله: نعلمه أو وجيها ومقولا فيه نعلمه.
قوله: منصوب بمضمر على إرادة القول. إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: لا يتأتى هذا على عطف نعلمه على يبشرك إذ يكون التقدير إن الله يبشرك، وبقول عيسى كذا عطفا على الخبر ولا رابط إلا بتكلف عظيم. قال أبو حيان: هذا الوجه ضعيف إذ فيه إضمار شيئين القول ومعموله وهو أرسلت، والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكدة. قال: والأولى أن يكون على إضمار جعل، تقديره ويجعله رسولا.
قوله: مضمنا معنى النطق. إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: لا يخفى إن في هذا نوع خروج عن قانون التضمين.
قوله: " الضمير للكاف "، قال ابن هشام: وقع مثل ذلك في كلام غيره، ولو كان كما زعموا لسمع في الكلام مررت بكالأسد.
قوله: " روى أنه ربما كان يجتمع عليه ألوف من المرضى من أطاق منهم أتاه ". إلى آخره، أخرجه ابن جرير عن وهب بن منبه.
قوله: " عطف على رسولا "، إلى آخره. قال أبو حيان: هو عطف
على (بأية) إذ الباء فيه للحال، أي وجئتكم مصحوبا بأية من ربكم ومصدقا، ومنعوا كونه معطوفا على رسولا أو وجيها، لأنه يستلزم حينئذ كون ضمير بين يدي غائبا إلا أن قد رسولاً بإضمار أرسلت.
стр. 925
قوله: " مقدر بإضماره "، أي بإضمار فعل دل عليه قد جئتكم: أي وجئتكم لأجل.
قوله: " أو مردود على قوله: قد جئتكم بأية "، أي فيكون عطفا على (بأية)، فعلى هذا هو من عطف المفردات وعلى ما قبله من عطف الجمل أشار إليه الشيخ سعد الدين وقال: إن الأول هو التحقيق إذ لا وجه لعطف المفعول له على المفعول به إلا أن جعل (بأية) حالا، فإنه يستقيم العطف له ولمصدقا. انتهى. وقال أبو حيان: لا يستقيم ما قاله المصنف، لأن (بأية) في موضع الحال، (ولأحل) تعليل ولا يصح عطف التعليل على الحال، لأن الواو توجب التشريك في جنس المعطوف عليه، فإن عطفت على مصدر أو مفعول به أو حال أو ظرف أو تعليل أو غير ذلك.
شاركه في ذلك المعطوف. قال الحلبي: ويحتمل أن يجاب بأنه أراد الرد على (بأية) من حيث/ دلالتها على عامل مقدر.
قوله: " والثروب " جمع ثرب وهو سخم رقيق يغشى الكرش.
قوله: " ونظيره قوله ﵊: " قل أمنت بالله ثم استقم " " أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، على سفيان الثقفي، أن رجلا قال: يا رسول الله مرني بأمر في
стр. 926
الإسلام لا أسأل أحداً عنه بعدك. قال: " قل أمنت بالله ثم استقم ".
قوله: " من الحور "، قال الشيخ سعد الدين: كأنه نسب إليه، وزيادة الألف من تغييرات النسب قوله: " ومنه الحوريات " قال ابن خلدة:
فقل للحواريات يبكين غيرنا .... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
قوله: " قصارون " أخرجه ابن جرير، عن أبي أرطاة.
قوله: " أو الحجة أمة محمد فإنهم شهدوا على الناس "، أخرجه الفريابي بسند صحيح عن ابن عباس، وما قاله الشيخ سعد الدين في توجيه مرجوحيته من خفاء وجه الدلالة على هذا المعهود ممنوع بأن هذه الأمة لم تزل مشهورة بين الأمم بهذا الوصف كما دلت عليه الأحاديث والآثار.
قوله: غيلة، هي بالكسر النوع من الإغتيال وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله.
قوله: " والمكر من حيث إنه في الأصل "، إلى آخره، ذهبت طائفة إلى أن اللفظ ليس بمتشابه وإن المكر عبارة عن التدبير المحكوم الكامل ثم اختص بالتدبير في إيصال الشر خفية وذلك غير ممتنع.
стр. 927
قوله: " أي متوفي أجلك "، إلى آخره.
قال الطيبي: أي قوله: (إني متوفيك) بمعنى مميتك كناية تلويحية عن العصمة لأن التوفي لازم لتأخيره إلى أجل كتب الله له وتأخيره ذلك لازم لإماته الله إياه حتف أنفه وهو لازم لعصمته من أن يقتله الكفار.
قوله: " توفيت مالي " قال الطيبي: ما موصولة، أي الذي لي.
قوله: " روي أنه رفع نائما " أخرجه ابن جرير عن الربيع.
قوله: " وقيل أماته الله سبع ساعات "، أخرجه ابن جرير عن ابن إسحاق قال: النصارى يزعمون أنه توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه.
قوله: " يعلونهم " قال الشيخ وسعد الدين: تفسير للفوقية بأنها رتبة شرفية لا مكانية.
قوله: " تفسير للحكم " قال الشيخ سعد الدين: اعترض بأن الحكم مرتب على الرجوع إلى الله وذلك في القيامة لا محالة فكيف يصح في تفسيره العذاب في الدنيا؟ وأجيب بوجوه: الأول أن المقصود التأبيد وعدم الإنقطاع من غير نظر إلى الدنيا والآخرة كما في قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
الثاني أن المراد بالدنيا والآخرة مفهومها اللغوي أي الأول والآخر ويكون ذلك عبارة عن الدوام وهذا أبعد من الأول جداً.
الثالث أن المرجع أعم من الدنيوي والأخروي، وكونه بعد جعل الفوقية الثانية إلى يوم القيامة لا يوجب كونه بعد ابتداء يوم القيامة وعلى هذا فتوفية الأجور أيضا تتناول نعيم الدارين ولا يخفى إن في لفظ كنتم، في قوله (فيما كنتم فيه تختلفون) بعد نبوة عن هذا المعنى وأن المعنى أحكم بينكم في الآخرة فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا.
стр. 928
الرابع أو العذاب في الدنيا هو الفوقية عليهم والمعنى أضم إلى عذاب الفوقية السابقة عذاب الآخرة وهذا بعيد من اللفظ جداً إذ معنى أعذبه في الدنيا والآخرة ليس إلا أني أفعل عذاب الدارين إلا أن يقال إن اتحاد الكل لا يلزم أن يكون باتحاد كل جزء فيجوز أن يفعل في الآخرة تعذيب الدارين بأن يفعله به عذاب الآخرة وقد فعل في الدنيا عذاب الدنيا فيكون تمام العذابين في الآخرة.
قوله: " جملة مفسرة للتمثيل "، إلى آخره، قال الطيبي أي أنها بيان لما يدل على وجه التشبيه بأخذ الزبدة والخلاصة التي يعطيها التركيب وهي كونه وجد من غير أب.
قوله: " خطاب للنبي ﷺ على طريق التهيج "، قال الطيبي: في هذا الأسلوب فائدتان. إحداهما أنه صلوات الله عليه وسلامه إذا سمع مثل هذا الخطاب تحرك منه الأريحية فيزيد في الثبات على اليقين، وثانيهما أن السماع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع عما يورث الإمتراء لأنه صلوات الله وسلامه لجلالته إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره، وإلى هذين المعنيين الإشارة بقوله: لزيادة الثبات وأن يكون لطفا لغيره.
قوله: " أي من البينات الموجبة للعلم " قال الطيبي: أي اللام في العلم للعهد وهو تلخيص الدليل الموجب، لأن عيسى ﵊ مخلوق من مخلوقاته وليس بابن له سبحانه ولا تفاوت بين عيسى وبين آدم المخلوق من التراب المكون بكلمة التسخير ويدل على أن البينة الموجبة للعلم ذلك قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يعني إذا عاندوا الحق بعد ذلك لم يبق إلا الدعوة إلى الملاعنة
стр. 929
وتعجيزهم بالمباهلة التي تستأصلهم من سنيحهم.
فقوله: الحق، وقوله: العلم، يعبران عن تلخيص الدليل.
قوله: " من قولهم بهلت الناقة إذا ترتكتها بلا صرار " هو خيط يشد فوق حلمة الناقة لئلا يرضعها فصيلها.
قوله: " روي إنهم دعوا إلى المباهلة " إلى آخره. أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طرق عن ابن عباس وغيره مفرقا.
قوله: " بالفصل في أمر صاحبكم "، قال الطيبي: يعني به ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي فصل بينكم وبين اليهود حيث قلتم عيسى ابن الله وثالث ثلاثة، وقالوا: هو ساحر كذاب، وقول الحق هو عيسى.
قوله: " فإن أبيتم إلا إلف دينكم "، قال الطيبي: الاستثناء مفرغ لأن في أبى معنى النفي، يعني إن لم تقبلوا دين الإسلام ولم ترغبوا في شيء إلا إلف دينكم.
قوله: " فوادعوا الرجل " في النهاية: الموادعة المتاركة وإعطاء كل واحد الآخر عهدا ألا يقاتله.
قوله: " فقال أسقفهم " هو اسم سرياني لرؤساء النصارى وعلمائهم.
стр. 930
قوله: " روي أنه لما نزلت: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الحديث " أخرجه الترمذي وحسنه، من حديث عدي بن حاتم.
قوله: " تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيم وزعم كل فريق أنه منهم وترافعوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت " أخرجه ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس.
قوله: " أي أنتم هؤلاء الحمقى "، قال الطيبي: يعني قصد باسم الإشارة وهو " هؤلاء " تحقير شأنهم وتركيك عقولهم.
قوله: " جادلتم فيما لكم به علم مما وجدتموه في التوراة والإنجيل " قال الإمام: فيما لكم به علم، لم يصقد بالعلم حقيقته. وإنما أراد: هب إنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه فيكف تحاجون فيما لا علم لكم به ألبتة.
قوله: " وقيل هؤلاء بمعنى الذين " هو مذهب الكوفيين.
قوله: " ها أنتم، أصله أأنتم " إلى آخره. قال أبو حيان: لا يحسن لأن
إبدال همزة الاستفهام هاء لم يسمع، لا يحفظ من كلامهم هتضرب زيداً بمعنى أتضرب زيداً إلا في بيت نادر، ثم الفصل بين الهاء المبدلة منها وهمزة أنتم لا يناسب لأنه إنما يفصل لاستثقال اجتماع الهمزتين وهنا قد زال الاستثقال بإبدال الأولى هاء.
стр. 931
قوله: " والله يعلم علم ما حاججتم فيه " الطيبى فإن قلت لم زيد (علم)؟ قلت: ليس الكلام في التهديد وأن الله يعلم محاجتهم فيجازيهم على عنادهم بل في إزالة الجهل وبيان حقيقة المجادلة أو بطلانها ولذلك أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية.
قوله: " وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام " الذي في الكشاف إن المراد من قوله مسلما أنه ﵇ كان على ملة الإسلام أي التوحيد. قال الطيبي: وينصره قوله: " وما كان من المشركين ".
قوله: " كلابس ثوبي زور " أوله " المتشبع بما لم يعط " والحديث أخرجه مسلم من حديث عائشة.
قوله: " وقيل اثنى عشر من أحبار خيبر " إلى آخره. أخرجه ابن جرير عن السدي.
قوله: " متعلق بمحذوف أي دبرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد "، إلى آخره، قال ابن المنير فيه إشكال لوقوع أحد في الواجب لأن الاستفهام للإنكار إيجاب، ويمكن أن يقال روعيت صورة الاستفهام وإن لم يكن المراد حقيقته فحسن دخول أحد فيه، وقيل عامل اليهود رجالا من قريش فلما أسلموا تقاضوهم إلى
стр. 932
أخره، أخرجه ابن جرير عن ابن جريج.
قوله: " عن النبي ﷺ ، أنه قال عند نزولها " كذب أعداء الله " ما من شيء في الجاهلية إلا هو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤاداة إلى البر والفاجر " أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير، مرسلا، قال الشيخ سعد الدين: قوله تحت قدمي أي منسوخ متروك. وقال الطيبي. مثل لإبطال الشيء.
قوله: " وعموم المتقين ناب عن الراجع الجزاء إلى " من "، قال الشيخ جمال الدين ابن هشام الظاهر إنه لا عموم فيها وإن المتقين متساوون لمن تقدم ذكره، وإنما الجواب محذوف تقديره يحبه الله.
قوله: " قيل إنها نزلت في أحبار حرفوا التوراة وبدلوا نعمت محمد ﷺ " أخرجه ابن جرير عن عكرمة.
قوله: " وقيل نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به " أخرجه ابن جرير عن مجاهد والشعبي، وأخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن أبي أوفى " أن رجلا أقام سلعة له في السوق فحلف والله لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين " فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية.
стр. 933
قوله: " وقيل في ترافع كان بين أشعث بن قيس ويهودي في أرض وتوجه الحلف على اليهودي " أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث ابن مسعود.
قوله: " يفتلونها بقراءته فيميلونها عن المنزل إلى المحرف " قال الطيبي: أي يفتلون الألسنة في القراءة لتصير الصحيحة محرفا ويحسب المسلمون أن المحرف من التوراة فيلتبس عليه الأمر. الأساس فتلته صرفته فانفتل.
قوله: " أو يعطفونها بشبه الكتاب " الطيبي. قال صاحب المغرب: استعطف ناقته أي عطفها بأن جذب زمامها ليميل رأسها. والمراد بها الإيهام في الكلام أي كانوا يوهمون المسلمين أن ذلك من نفس الكتاب، ومن ثم قال بشبه الكتاب والضمير في " لتحسبوه " راجع إلى هذا المضاف المحذوف، والفرق أنهم على الأول كانوا يتركون النص ويقرون ما بدلوا به.
قوله: (" وقيل إن أبا رافع القرظي والسيد النجراني قالا يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا فقال " معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني " فنزلت) أخرجه ابن
стр. 934
إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس.
تنبيه: قول المصنف في سياق الحديث: فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله وأن نأمر بغير عبادة الله، قال الزمخشري فيما نقله الطيبي: نأمر بعبادة غير الله أحسن طباقا لما سبق في المتن لأن الكلام لم يقع في نفيهم عن أنفسهم الأمر بغير عبادة الله بل بعبادة الله ألا ترى إلى قوله ﷺ : " أن نعبد غير الله " ولم يقل أن نفعل غير عبادة الله. قال الطيبي: والحديث مروي في معالم التنزيل للبغوي، بلفظ، معاذ الله أن نأمر بعبادة غير الله قلت: ولفظ الكتب التي خرجته منها فقال معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله. ثم قال الطيبي: والزمخشري وجد الرواية كما ذكرها فلم تطوع له نفسه لفصاحته أن يقبله لنبوء المقام عنه فذكر ما ذكر وكان على ما ذكر لله دره قال ولناصر الرواية الأخرى أن يقول: إن قولهم: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا يحتمل أنهم توهموا الشركة في العبادة بين الله وبين رسول الله ﷺ فنفى ذلك على الوجه الأبلغ أي معاذ الله أن نأمر بغير عبادة الله يعني أمري مقصور بالأمر بعبادة الله لا يتجاوز إلى غير عبادته فكيف أمر بعبادتي؟.
قوله: " وقيل قال رجل: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ " إلى آخره. أخرجه عبد ابن حميد في تفسيره عن الحسن، قال: بلغني، فذكره.
стр. 935
قوله: " كالجماني " أي وافر الجمة.
قوله: " والرقباني " أي غليظ الرقبة.
قوله: " وتكون (لا) مزيدة " أي لا مؤسسة لأنه يصير المعنى حينئذ: ما كان له ألا يأمركم/ أن تتخذوا فيكون له الأمر بالإتخاذ وهو فاسد.
قوله: " دليل على أن الخطاب للمسلمين " إلى آخره. قال الطيبي: يعني هذه الفاصلة ترجح قول من قال: إن الآية نزلت فيهم لا في أبي رافع والسيد. قال ويجوز أن يقال للنصرانيين أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون أي منقادون مستعدون لقبول الدين الحق إرخاء للعنان واستدراجا.
قوله: " وسماهم ربيين تهكما بهم ". قال الحلبي: هذا بعيد جداً إذ لا قرينة تبين ذلك.
قوله: " موطنة " من وطؤ الموضع صار وطيئا ووطأته أنا توطئة فهذه اللام كأنها وطأت طريق جواب القسم أي سهلت فهم الجواب على السامع.
قوله: " وما تحتمل الشرطية ولتؤمنن ساد مسد جواب القسم والشرط "، قال أبو حيان: في جعل ما شرطية خدش لطيف، وذلك لأنه إذا كانت شرطية كان الجواب محذوفا لدلالة جواب القسم عليه والمحذوف لابد وأن يكون من جنس المثبت ومتى قدر الجواب هنا من جنس جواب القسم لم يجز، لأنه تعد وجملة الجواب من ضمير يعود على اسم الشرط إذ ضمير به عائد على الرسول لا على ما، وإن قدر من غير جنسه لم يجز. قال: وقوله: (لتؤمنن) ساد مسد الجوابيين مخالف لما نصوا عليه من أن جواب الشرط محذوف إلا إن عني من حيث تفسير المعنى لا تفسير
стр. 936
الإعراب انتهى. وقال الحلبي في كلام المصنف نظر من حيث إن لام التوطئة إنما تكون مع أدوات الشرط وتأتي غالبا مع أن. أما مع الموصول فلا، فلو جوز في اللام أن تكون موطنة وأن تكون للإبتداء ثم ذكر في " ما " الوجهين من حملنا كل واحد على ما يليق به.
قوله: " وتحتمل الخبرية " أي الموصولة فهي مبتدأ والعائد محذوف أي أتيتكموه والخبر محذوف أي يوقنون به. قاله الشيخ سعد الدين.
قوله: " لأجل ايتائي " إلى آخره.
قال أبو حيان: ظاهره أن اللام متعلقة بقوله: (لتؤمنن به)، وهو ممنوع، لأن لام القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
وقال الشيخ سعد الدين: ظاهر كلامه، أن اللام متعلقة بقوله: (لتؤمن). وليس كذلك، بل هو بيان للمعنى، وأما بحسب اللفظ فمتعلق بأقسم المحذوف صرح بهذا في الكشاف، في قوله: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ﴾.
قوله: " ثم مجيء رسول مصدق " قال الطيبي: الحاصل أن أخذ الميثاق وارد على شيء له موجبان، أحدهما قوله: " لما أتيتكم من كتاب "، أي إنكم أهل كتاب وعلم، تعرفون أمارات النبوة وشواهد على صدق من ادعاها، لاسيما وذكره مسطور في كتابكم. وثانيهما: قوله: " ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ليؤمنن به " وتقريره أن يقال: أن أصوله موافقة لأصولكم في التوحيد ومع هذا هو مصدق للتوراة والإنجيل، وإنهما من عند الله فعلى هذا قوله: لأجل أني آتيتكم تعليل لقوله: "
стр. 937
لتؤمنن به " لا لأخذ الميثاق فيجتمع عليه القسم والسببان للتوكيد.
قوله: " ولما بمعنى حين "، قال أبو حيان: هو خلاف مذهب سيبويه، ولم يقدر المصنف جوابا (لما) وقدره الزمخشري، وجب عليكم الإيمان به ونصرته.
قوله: " أو لمن أجل ما أتيتكم "، قال أبو حيان: يلزم على هذا أن تكون اللام في (لما) زائدة لا موطئة لأن الموطئة لا تدخل على حروف الجر إنما تدخل على أدوات الشرط.
قوله: " فحذف إحدى الميمات "، قال ابن جني: هي الأولى قال الحلبي: وفيه نظر لأن الثقل إنما حصل بعدها ولذا كان الصحيح في نظائره إنما هو حذف الثواني وقد ذكر أبو البقاء أن المحذوف هي الثانية لضعفها لكونها بدلا وحصول التكرير بها.
قوله: " كعبر وعبر "، يقال: ناقة عبر أسفار وعبر أسفار وهي المعدة للأسفار. قال الشيخ سعد الدين: وكذا جمل عبر أسفار وجمال عبر أسفار يستوي في ذلك الواحد والجمع والمؤنث مثل الفلك: الذي لا يزال يسافر عليها.
قوله: " جمع أصار " هو حبل قصير يعقد به أسفل الجنادي " الوتد ".
قوله: " عطف على الجملة المتقدمة والهمزة متوسطة بينهما للإنكار أو محذوف تقديره أيتولون فغير دين الله يبغون "، قال ابن هشام في المغنى: الأول هو مذهب سيبويه والجمهور، وجزم به الزمخشري في
стр. 938
مواضع وجوز هنا هذا الوجه الثاني ويضعفه ما فيه من التكلف وأنه غير مطرد، أما الأول، فلدعوى حذف الجملة، فإن قوبل بتقديم بعض المعطوفان، فقد يقال: إنه أسهل منه لأن التجوز فيه على قولهم أقل لفظا مع أن في هذا التجوز تنبيها على أصالة شيء في شيء، أي أصالة الهمزة في التصدر، وأما الثاني فلأنه غير ممكن في نحو ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ وتعقبه الشيخ شمس الدين ابن الصائغ في حاشيته على المغني فيقول: أي مانع من تقدير الأمد بر للموجودات " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت "، على الاستفهام التقديري المقصود به تقدير ثبوت الصانع والمعنى أيبتغي المدبر فلا أحد قائم على كل نفس بما كسبت لا يمكن ذلك بل المدبر موجود فالقائم على كل نفس هو هو، وقال البدر ابن الدماميني في حاشية المغني، لا نسلم عدم الإمكان، يجوز أن يقدر أهم ضالون فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت لم يوجدوه، والهمزة للإنكار التوبيخي. انتهى.
قوله: " وتقديم المفعول، لأنه المقصود بالإنكار "، وقال الطيبي: يعني أن المقام يقتضي إنكار المعبود من دون الله، ليكون الدين كله لله، بدليل قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فوجب لذلك التقديم، وقال أبو حيان: لا تحقيق فيما ذكره الزمخشري، لأن الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجه إلى الذوات إنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات فالذي أنكر انما هو الابتغاء الذي متعلقه غير دين الله وإنما جاز تقديم المفعول من باب الاتساع ولشبه يبغون بالفاصلة. قال الحلبي، بعد إيراده وأين المعنى من المعنى.
стр. 939
قوله: " أو مخلصون في عبادته "، قال الشيخ سعد الدين:
تفسير للإسلام المعدي باللام مع التقديم.
قوله: " واستدل به على أن الإيمان هو الإسلام ". إلى آخره.
قال الطيبي: الذي عليه النظم أن الإسلام هو التوحيد والتعريف فيه للعهد المجازي التقديري، وكان مشتملا على الإيمان بالله وكتبه ورسله مقيداً بالاستسلام فينبغي أن يحمل الإسلام على ذلك ولأن دينا تمييز وتبيين للإسلام والدين مشتمل على التصديق والأعمال الصالحة والإسلام كذلك لأن المبين لا يكون على خلاف المبين وعلى هذا حمل الإسلام على الدين في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وتعريف الخبير ينفي غير الإسلام أن يكون دينا، كما أن عدم القبول فيما نحن بصدده ينفيه، وإن لتأكد الإثبات كما أن لن لتأكيد النفي، فحق لذلك قول السلف الصالح: الراغب في الآية قولان: أحدهما أن الإسلام ههنا الاستسلام إلى الله وتفويض الأمر إليه سبحانه وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان وفي كل شريعة، والدين في اللغة الطاعة وفي التعارف وضع إلهي يتساق به الناس إلى النعيم الدائم.
فبين تعالى أن من تحرى طاعته من غير استسلام له على ما يأمر به ويصرفه فيه فلن يقبل منه شيء من أعماله، والثاني أن المراد بالإسلام شريعة محمد ﵊ فبين أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته فغير مقبول منه. وهذا الوجه داخل في الأول لأنه علم من الإسلام الانقياد لأوامر الله من صحة نبوته وظهر صدقه.
стр. 940
قوله: " وشهدوا عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل " قال الطيبي: إذ لا يجوز أن يكون معطوفا على " كفروا "، لأنه لا يساعده المعنى، وقال الشيخ سعد الدين: لأن الظاهر تقييد المعطوف عليه، وشهادتهم هذه لم تكن بعد إيمانهم بل معه أو قبله، وقيل: لأنهم ليسوا جامعين بين الكفر والشهادة، ورد بالمنع بل هم جامعون لكن لا يفيد تقديم الشهادة، ألا ترى أنه صح جعله حالا مع أنه أجدر بمقارنة العامل.
قوله: " ونظيره فأصدق وأكن "، قال الحلبي: وجه تنظيره بالآية توهم وجود ما يسوغ العطف عليه في الجملة كذا يقول النحاة جزم على التوهم أي لسقوط الفاء، إذ لو سقطت لا يجزم في وجوب التحضيض، وكذا يقولون: توهم وجود فجر، وفي العبارة- بالنسبة إلى القرآن- سوء أدب ولكنهم لم يقصدوا ذلك حاش لله، وكان تنظيره بغير ذلك أولى. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ إذ هو في قوة إن الذين صدقوا وأقرضوا قال: وظاهر عبارته. أن الأول يؤل لأجل الثاني، وليس بظاهر، بل ينبغي تأويل الثاني باسم ليصح عطفه على الاسم الصريح قبله، بأن يقدر معه أن المصدرية، وأن شهدوا أي وشهادتهم. ولهذا تأولوا: " للبس عباءة وتقر عيني " إذ التقدير: وقرة عيني، وإلى هذا ذهب أبو البقاء فقال: التقدير بعد أن آمنوا وأن شهدوا. انتهى. وكذا قال الراغب: تقديره بعد إيمانهم وأن شهدوا فيكون أن مقدرا، نحو قولها: للبس عباءة وتقر عيني، لكن في الفعل أظهر لانتصاب تقر.
قول: " وأصلحوا ما أفسدوا ".
стр. 941
قال الشيخ سعد الدين: يعني أن مجرد الندم على ما مضى من الارتداد والعزم على تركه في الاستقبال غير كاف. بل لابد من تدارك لما أخلوا به من الحقوق على أن أصلح متعد محذوف الفعل أو من دخول في الصلاح في الأمر الظاهر والباطن على أنه لازم من قبيل أصبحوا، دخلوا في الصباح.
قال الطيبي: هذا الثاني أبلغ، لأنه ن باب قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾.
قوله: " قيل إنها نزلت في الحارث بن سويد " إلى آخره.
أخرجه النسائي، وابن حبان، والحاكم عن ابن عباس.
قال الطيبي: الجلاس. قال الزمخشري: بالتخفيف، وقيل:
стр. 942
بالتشديد.
قوله: " ريب المنون "، حوادث الدهر.
قوله: " فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها ". قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس المراد أنهم يتوبون ولا تقبل توبتهم، بل هم من قبيل من لا يحصل له قبول التوبة، بناء على عدم التوفيق للتوبة، فهو من قبيل الكناية دون المجاز، حيث أريد بالكلام معناه لينتقل منه إلى الملزوم.
قوله: " لما كان الموت على الكفر سببا لامتناع قبول الفدية أدخل الفاء هنا للإشعار به ".
قال الطيبي: حاصل السؤال أن الآيتين سواء في صحة إدخار الفاء لتصور السببية، وحاصل الجواب الفرق وذلك أن المرتد قد يرجى منه الرجوع إلى الإيمان، فلا يترتب عليه عدم التوبة، بخلاف الميت على الكفر، نعوذ بالله، فإن عدم قبول الفدية مترتب على الموت حالة الكفر لا محالة، والحاصل منع السببية في الأولى لجواز تخلف الثاني عن الأول وتقريره أن التي عريت عن الفاء واردة على الكناية وجعل الموصولة مع صلتها ذريعة إلى تحقيق الخبر.
كقوله:
(إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت دونها غول)
قوله: " والتي حلت بها موجبة، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 943
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ والفرق أن الصلة على القول الأول منبهة على تحقيق الخبر ملوحة إليه فتكون كالأمارة، فإن الكفر بعد الإيمان والتمادي عليه عناد وليس بموجب لعدم قبول التوبة فحقق الخبر للتغليظ بخلاف الموت على الكفر فإنه موجب للدمار والهلاك ألبتة فإخلاء الفاء ثمة وإدخالها هنا لذلك.
قوله: " على البدل من " ملء " أو الخبر لمحذوف "، قال الشيخ سعد الدين: لابد من تقدير وصف ليحسن البدل ولا دلالة عليه وجعله خبر محذوف إنما يحسن إذا جعلت الجملة صفة أو حالا ولا يخلوا عن ضعف.
قوله: " ولو افتدى به، محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا " قال ابن المنير: هذه الواو للمصاحبة تستدعي شرطا آخر يعطف عليه الشرط المقترنة به ضرورة والعادة أن يكون المنطوق به منبها على ما سكت عنه بالأولى كقولك: أكرم زيداً ولو أساء، تقديره: أكرم زيدا إن أحسن وإن أساء، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ وهنا ولو افتدى لا يقتضي إضمار محذوف ينبه المذكور عليه، لأن افتداءهم بملء الأرض ذهبا أجدر بقبول الفدية فلذلك قدر الزمخشري فدية حتى يجعل ملء الأرض ذهبا فدية خالصة أولى من أصل الفدية. وأما تطبيق الآية عليه فعسير، وغايته أن قبول الفدية بملء الأرض ذهبا بأن يؤخذ قهراً كأخذ الدية، وتارة يقول المفتدى: أنا أفعل هذا ولا يفي به، وتارة يقول ذلك والفدية عتيدة
стр. 944
وتسليمها لمن يؤمل/ قبولها منه، فالمذكور في الآية أبلغ الأحوال وهو أن يبذله محققا، ونظيره ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ فإذا لم يقبل هذا فلأن لا يقبل قوله: أبذل أو أقدر عليه. وما جرى مجراه أولى فتكون
الواو على حالها. وكقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ مصرح به، والمراد به لا خلاص لهم من الوعيد، وإلا فقد علم أنهم لا يقدرون يومئذ على فلس. كما تقول: لا أبيعك هذا بألف دينار ولو سلمتها إلي في يدي، وهذا من السهل الممتنع، وقال أبو حيان- في تقدير المصنف-: هذا المعنى، ينبو عنه هذا التركيب ولا يحتمله، والذي يقتضيه هذا التركيب وينبغي أن يحمل عليه أن الله تعالى أخبر أن من مات كافراً لا يقبل منه ما يملأ الأرض من ذهب على كل حال يقصدها ولو في حال افتدائه من العذاب، لأن حالة الافتداء هي حالة لا يمتن فيها المفتدى على المفتدي منه إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدي، وقد قررنا في نحو هذا التركيب أن لو تأتي منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء وما بعدها جاء تنصيصا على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها، كقوله: أعطوا السائل لو جاء على فرس، ورد السائل ولو بظلف محرف كان هذه الأشياء ممالا ينبغي أن يؤتى به لأن كون السائل على فرس يشعر بغناه فلا يناسب أن يعطي وكذلك الظلف المحرق لا غنى فيه فكان يناسب ألا يرد السائل وكذلك حالة الفداء تناسب أن يقبل منه ملء الأرض ذهبا لكنه لا يقبل ونظيره ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ لأنهم نفوا أن يصدقهم على كل حال
стр. 945
حتى في حالة صدقهم وفي الحالة التي ينبغي أن يصدقوا فيها. ولو هنا، لتعميم النفي والتأكيد له. انتهى. الطيبي: في تقرير كلام المصنف، حاصلة أن الكلام وارد على اللفظ وعلى المعنى معا فيجعل ملء الأرض ذهبا عين الفدية فيعتبر اللفظ بحسب عود الضمير في به والمعنى بحسب وقوعه موقعه وإفادة المبالغة المقصودة فكأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا.
قوله: " أو المراد، ولو افتدى بمثله "، إلى آخره. قال الطيبي: لابد من تقدير كلام ليستقيم المعنى وهو أن يقال ولو افتدى به وبمثله، وقال أبو حيان: لا حاجة إلى تقدير مثل في قوله ولو افتدى به وكأن الزمخشري تخيل أن ما نفي أن يقبل لا يمكن أن يفتدي به فاحتاج إلى إضمار " مثل " حتى يغابر بين ما نفي قبوله وبين ما يفتدي به. وليس كذلك، لأن ذلك على سبيل الفرض والتقدير، وكذا قال السفاقسي: الحق أنه لا حاجة إلى ما ذكر من التقدير.
قوله: " أي لن تبلغوا حقيق البر "، قال الشيخ سعد الدين: يريد أن اللام للجنس والحقيقة، ومعنى نيله: الوصول إليه والإتصاف به أو للعوض عن تعريف الإضافة فيقع على نوع من الجنس ومعنى نيله إصابته ووجدانه.
قوله: " روي أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال يا رسول الله إن أحب أموالي إلى بيرحا "، الحديث أخرجه الشيخان والنسائي من حديث أنس. وبيرحا قال في النهاية: كثيرا ما يختلف فيها المحدثون،
стр. 946
فيقولون: بيرحا بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها والمد فيهما والقصر وهي اسم مال وموضع بالمدينة، وقال الزمخشري في الفائق إنها فيعلى من البراح وهي الأرض الظاهرة. ونقل عنه الشيخ سعد الدين أنه قال: وشيوخ مكة يروونها بكسر الباء فإن صح، فهو إضافة إلى (رحا): اسم قبيلة، وبخ بخ كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرر للمبالغة وهي مبنية على السكون فإن وصلت كسرت ونونت وربما شددت وقوله مال رائح يقال لصنعة الإنسان إذا كانت قريبة من بلده رائح أي يروح نفعه وثوابه إليه. ويروى مال رابح كقولك لابن وتامر.
قوله: " وجاء زيد ابن حارثة بفرس "، الحديث أخرجه ابن المنذر عن محمد ابن المنكدر مرسلا وفيه أن الفرس يقال له سبل، ورواه ابن جرير عن عمرو بن دينار مرسلا وعن أيوب السختياني معضلا.
قوله: " كل الطعام أي كل المطعومات " قال الشيخ سعد الدين لما كانت كلمة كل عند الإضافة إلى المفرد المعرف لعموم الأجزاء مثل أكلت الزمان وكان القصد هنا إلى عموم أفراد المطعوم حمل الطعام على المطعومات بدلالة اللام أو قدر مضافا وهو جمع عام بالإضافة فوقعت كلمة كل لتأكيد العموم المستفاد من اللام أو الإضافة.
قوله: " وهو مصدر نعت به "، قال الشيخ سعد الدين: فإطلاقه على
стр. 947
المطعومات بمعنى الفاعل أو على حذف المضاف.
قوله: " قيل: كان به عرق النسا " إلى آخره. أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما، عن ابن عباس مرفوعا بسند صحيح. وعرق النسا: بوزن العصا، عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ.
قوله: " نعي عليهم "، قال الشيخ سعد الدين: من نعى عليه عقوبة شهره بها.
قوله: " كالنبيط والنميط ": قال ابن هشام فيما نقلت عن خطه في بعض تعاليقه. بكة علم البلد الحرام، ومكة لغة فيه، كما قالوا: النبيط والنميط في اسم موضع بالدهناء ونحوه من الاعتقاب، أمر راتب وراتم وطين لازب ولازم وحمى مغبطه ومغمطة.
قوله: " روى أنه ﵊، سئل عن أول بيت وضع للناس، فقال: (المسجد الحرام ثم بيت المقدس) وسئل كم بينهما؟ فقال: (أربعون سنة) " أخرجه الشيخان من حديث أبي ذر.
стр. 948
قوله: " جرهم " حي من اليمن أصهار إسماعيل ﵊.
قوله: " العمالقة "، هم قوم من ولد عمليق بن لاود بن إرم بن سام بن نوح، وهم أمم تفرقوا في البلاد.
قوله: " الضراح " بالضاد المعجمة، ومن رواه بالمهملة فقد صحف ذكره الطيبي: وقيل: هو أول بين بناه آدم فانطمس في الطوفان، أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة عن ابن عباس.
قوله: " مبتدأ محذوف خبره "، أي منها. قال أبو حيان: أو خبر مبتدأ محذوف، أي أحدهما. قال الحلبي: وهو المختار.
قوله: " وقيل عطف بيان " قاله الزمخشري: قال أبو حيان: ورد عليه لأن آيات نكرة ومقام إبراهيم معرفة ولا يجوز التخالف في عطف
стр. 949
البيان بإجماع البصريين والكوفيين. وقال السفاقسي: يحتمل أن يكون الزمخشري أطلق عطف البيان وأراد به البدل كالجماعة تسامحا وكذا قال ابن هشام في المغني، قد يكون عبر عن البدل بعطف البيان لتأخيهما ويؤيده قوله: في، ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ إن من وجدكم عطف بيان لقوله ﴿حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وتفسير له، وإنما يريد البدل لأن الخافض لا يعاد إلا معه، قال: وهذا إمام الصنعة سيبويه يسمي التوكيد صفة وعطف البيان صفة.
قوله: " وسبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه " أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.
قوله: " جملة ابتدائية أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام، لأنه في معنى: أمن من دخله أي ومنها أمن من دخله "، قال أبو حيان: ليس هذا بواضح لأن تقديره وأمن الداخل، هو مرفوع عطفا على مقام إبراهيم، وفسر بها الآيات، والجملة من قوله ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ لا موضع لها من الإعراب فتدافعا إلا إن اعتقد أن ذلك معطوف على محذوف يدل عليه ما بعده فيمكن التوجيه فلا يجعل قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ في معنى (وأمن داخله) إلا من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب، وقال الحلبي: هذه مشاحة لا طائل تحتها ولا تدافع فيما ذكر لأن الجملة متى كانت في تأويل المفرد صح عطفها عليه، قال: ثم
стр. 950
المختار أن يكون قوله مقام إبراهيم خبر مبتدأ مضمر لا كما قدروه حتى يلزم الإشكال المتقدم.
قوله: " أو فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله " اقتصر بذكرهما من الآيات الكثيرة وطوى ذكر غيرهما كقوله ﵊: " حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة ".
هنا فوائد: الأولى هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد من حديث أنس بن مالك ولم يخرجه في المسندة. وأخرجه النسائي في سننه والحاكم في المستدرك وقال إنه صحيح على شرط مسلم والبيهقي في السنن ولفظه عند الجميع " حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة " وليس فيه لفظ ثلاث الذي استشهد به المصنف، قال الطيبي: فعلى هذا لا يكون من الباب وقد وقع الكلام في ذلك قديما وألف فيه الإمام أبو بكر ابن فورك، الثانية: قال الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح المنهاج: في كتاب الزهد لأحمد بن حنبل في هذا الحديث زيادة لطيفة وهي: (أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن) قلت: وقد
следующие страницы →