Полный текст (415 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
عدم قبول روايته، لأن الحاكم قد يتوقف في الحكم بشهادة الراوي لأسباب غير الجرح، كعداوة، أو تهمة قرابة، أو صداقة، فيكون الحاكم قد ترك العمل بشهادة الراوي لواحد من تلك الاحتمالات، لا لانتفاء العدالة، وعليه: فلا يحكم عليه بالجرح والتفسيق مع وجود تلك الاحتمالات.
* * *
المسألة التاسعة والثلاثون:
يُكتفى في الجرح والتعديل بقول واحد ليس من عادته التساهل في التعديل أو المبالغة في الجرح ، فإذا عدَّل شخص عارف بأمور التعديل راوياً من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونقبل رواية الراوي المعدَّل، وكذا لو جرَّح شخص عارف بأمور الجرح راوياً من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونرد رواية ذلك الراوي المجرَّح؛ لأن العدالة شرط من شروط قبول الرواية، والشرط لا يزيد في إثباته على مشروطه، ومعروف أن الأصل - وهو الرواية - يكفي فيه واحد، فتعديل الراوي وتجريحه تبع للرواية وفرع لها؛ لأنه إنما يُراد لأجلها، فإذا كانت الرواية يكفي فيها راوٍ واحد، فكذا ما هو تبع وفرع لها.
* * *
المسألة الأربعون:
تعديل العبد والمرأة للراوي مقبول؛ قياساً على روايتهما ، بيانه: كما أن رواية العبد والمرأة مقبولة، فكذلك تعديلهما
стр. 107
للراوي مقبول، ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما خبر يجب فيه الصدق.
* * *
المسألة الواحدة والأربعون:
إذا عدَّل الثقة العدل شخصاً، أو جرَّحه، فإنه يجب ذكر سبب التعديل والجرح .
وقلنا: يجب بيان سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل لا يكون محصلاً للثقة بالعدالة؛ حيث إن العادة قد جرت بتسارع الناس إلى ذلك، بناء على الظاهر، وكم من شخص قد خدع غيره بمظهره، حيث يظهر التقى، والصلاح، والعلم، ومخافة الله تعالى، ويُعبر بتعبيرات تدل على ذلك في المجالس والمحافل، فإذا دققنا في شأنه وحالته وأموره الخاصة وجدناه على خلاف ظاهره تماماً، حيث وجدناه يتساهل في كسب ماله فلا يأخذه من طرقه المشروعة.
وبعض الأشخاص تجده يظهر أنه عالم وصالح لطائفة من النبلاء أو العلماء؛ نظراً لطمعه في منصب وجاه، بينما هو على خلاف ذلك، كذلك تجد أناساً يتساهلون في تعديل شخص، بينما يتشدَّدون في تعديل آخر، وهكذا، والأمثلة على ذلك كثيرة، فيجب أن يُبين المعدل أسباب تعديله لأي شخص، ثم نتأكد منها، فإن كانت صحيحة قبلنا ذلك، وإن كانت غير ذلك بينا وجه الخطأ فيه.
وقلنا: يجب بيان سبب الجرح؛ لاختلاف الناس فيما يجرح
стр. 108
به، فلعل الجارح اعتقد شيئاً جارحاً، وغيره لا يراه جارحاً، فبعضهم قد جرح بعض الرواة بكونه يبول قائماً، وبعضهم قد جرحه بسبب أنه يركض على برذونه، وبعضهم قد جرحه بسبب كثرة كلامه، ونحو ذلك. وكل ما سبق لا يُجرح به الراوي، وبعضهم قد يُجرح شخصاً آخر؛ للتقليل من قيمته العلمية أو للنيل منه حتى لا يُفضَّل عليه، وهكذا، فلا بد من ذكر سبب الجرح حتى نتأكد منه، فإن كان صالحاً قبلناه، وإن كان فاسداً رددناه.
المسألة الثانية والأربعون:
إذا ذكر اسم راوي الحديث، وهذا الاسم معدَّل، ولكنه اشتبه باسم رجل آخر مجروح فإن خبره لا يقبل ، نظراً للاشتباه بالاسم الثاني، وذلك لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح، فلا تقبل روايته، بل يتوقف حتى يُعلم هل هو المجروح أو غيره.
* * *
المسألة الثالثة والأربعون:
إذا عدَّل زيد الراوي؛ وجرَّحه بكر ، فإنا ننظر في سبب التعديل وسبب الجرح، فإن كان أحدهما أقوى من الآخر رجحنا الأقوى، وإن كانا متساويين في القوة: تساقطا، وتوقفنا في هذا الراوي؛ قياساً على الأدلة إذا تعارضت.
стр. 109
المسألة الرابعة والأربعون:
إذا ورد التعديل والتجريح من واحد ، فإن علمنا المتأخر منهما، قدمنا المتأخر وعملنا به؛ لكونه ناسخاً للمتقدم، وإن لم نعلم المتأخر منهما، فإنا نتوقف حتى يثبت جرحه أو تعديله.
* * *
المسألة الخامسة والأربعون:
إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين فإنا نقدم الجرح على التعديل وإن كثر عدد المعدِّلين، لأن الجارح اطلع على زيادة في العلم عن الراوي قد خفيت على المعدِّل؛ فالمعدلون وإن كثروا ليسوا يُخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون فلم ينفوا ما قاله المجرحون، فلا ينتفي ذلك العلم الذي أخبر به الجارحون بسبب كثرة عدد المعدلين، فلا يلتفت إلى الكثرة مع وجود زيادة في الجرح.
* * *
المسألة السادسة والأربعون:
رواية المحدود في القذف مقبولة بشرط: أن يكون قد أخرج القول بالقذف مخرج الشهادة، أما إن أخرج القول مخرج القذف فإن روايته لا تقبل، لدليلين:
أولهما: الوقوع؛ حيث إن عمر قد جلد أبا بكرة واثنين معه حدَّ القذف لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا، ولم تتم الشهادة، ومع ذلك فقد قبل أهل الحديث ما رواه أبو بكرة من الأحاديث، وبعضها موجود في صحيح البخاري ومسلم.
стр. 110
ثانيهما: أن الشاهد العدل يغلب على الظن صدقه، ولكن لم يكمل العدد في الشهادة على الزنا، ونقصان عدد الشهادة لم يكن من جهته، ولا من فعله، وبناء على نقصان الشهادة أقام الإمام الحد عليه، وذلك لا يقدح بعدالة المحدود بالقذف، ولذا قبلت روايته.
* * *
المسألة السابعة والأربعون:
ألفاظ الصحابي في نقل الخبر هي:
الأول: قول الصحابي: " سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا ".
أو قال: " أخبرني رسول الله بكذا "، أو قال: " حدثني بكذا "، أو قال: " شافهني بكذا "، حجة يجب قبوله والعمل به؛ لصراحته في أنه لا يوجد واسطة بين الصحابي ورسول الله ﷺ ، ولعدم تطرق أي احتمال إلى هذه الرواية.
الثاني: قول الصحابي: " قال رسول الله ﷺ "، أو " أخبر رسول الله ﷺ "، أو " حدَّث رسول الله "، حجة يجب قبوله؛ لاتفاق السلف على قبول ذلك؛ حيث إنهم لم يفهموا من ذلك إلا السماع من النبي ﷺ مباشرة؛ حيث إن الظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة العربية، وطرق استعمالاتها، أنه لا يُعبر بمثل هذا اللفظ إلا إذا كان سامعاً ذلك من النبي ﷺ ، حتى لو فرض أن الصحابي قد سمعه من غير النبي ﷺ من الصحابة فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي ﷺ ؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ولأن مراسيل الصحابة مقبولة.
стр. 111
الثالث: قول الصحابي: " أمر رسول الله ﷺ بكذا "، أو " نهى عن كذا "، أو " حرم كذا "، أو " أباح كذا "، أو " فرض كذا "، أو نحو ذلك، حجة يجب العمل به، لإجماع الصحابة السكوتي على قبول ذلك والعمل به، حيث إن بعض الصحابة كانوا ينقلون الحديث بمثل تلك الألفاظ، ويقبل الصحابة الآخرون ذلك، ويعملون به من غير نكير، ومن ذلك ما قاله بعض الصحابة: أمر رسول الله ﷺ بوضع الجوائح، وفرض زكاة الفطر صاعاً من تمر، ونهى عن المخابرة والوصال.
الرابع: قول الصحابي: " أُمرنا بكذا "، أو " نُهينا عن كذا "، أو " أوجب علينا كذا "، أو " حرم علينا كذا "، أو " أبيح لنا كذا "، ونحو ذلك، يفيد أن الآمر والناهي هو الرسول ﷺ ولا يحمل على غير ذلك، لذلك يجب العمل به؛ لأن مراد الصحابي من قوله هذا هو الاحتجاج لإثبات الأحكام الشرعية، فيجب حمل الأمر أو النهي على أنه صدر ممن يحتج بقوله، وهو الرسول ﷺ ، ولا يحمل على أنه صدر ممن لا يحتج بقوله من الأئمة والولاة والعلماء.
الخامس: قول الصحابي: " من السنة كذا "، أو " السنة جارية بكذا "، أو " مضت السنة بكذا "، يفيد أن المراد هو: سنة الرسول ﷺ ، فيحمل على ذلك دون غيره، فيكون حجة ويعمل على ذلك لأنه مراد الصحابي من هذا التعبير أن يعلمنا الشرع،
стр. 112
فيجب حمل قوله هذا على أنه صادر من الشرع، وهو سنة رسول الله ﷺ .
وكذلك إذا قال التابعي أو من بعدهم: " من السنة كذا "، فانه يحمل على سنة رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يمكن لأي عالم من التابعين أو غيرهم ممن ثبتت عدالته أن يقول ذلك ويطلق إلا وهو يريد سنة رسول الله ﷺ ؛ حيث إنه هو الذي تجب طاعته.
السادس: قول الصحابي: " عن النبي ﷺ " يفيد أنه سمعه من النبي ﷺ لأن الصحابي لا يمكن أن يطلق ذلك إلا إذا ثبت عنده أنه سمعه من النبي ﷺ حقيقة؛ حيث إن عدالته تمنعه من إطلاق ذلك إذا لم يسمعه من النبي ﷺ .
السابع: قول الصحابي: " كنا نفعل "، أو " كانوا يفعلون " وأطلق، فإنه لا يكون حجة، لأن الحجة في إقراره ﷺ ، والإقرار هنا منتف في غير عهده، فيحتمل أنه رأي جماعة.
الثامن: قول الصحابي: " كنا نفعل في عهد رسول الله ﷺ ، أو " كانوا يفعلون في عهده ﷺ ، يكون كالمسند فيكون حجة؛ لأنه يعتبر من السنة التقريرية؛ حيث إن الظاهر من
стр. 113
حال الصحابة أنهم لا يقدمون على أمر من أمور الدين والنبي ﷺ بين أظهرهم إلا إذا كان عالماً به.
والتاسع: قول الصحابي: " كانوا يفعلون كذا "، يفيد حكاية الإجماع؛ لأن اللفظ في هذه العبارة يدل دلالة واضحة على أن الصحابي يحكي هذا الفعل عن الجميع؛ لأنه قال ذلك في معرض الاحتجاج به على حكم معين، فيجب أن يحمل على من قولهم حجة، وهو الإجماع.
* * *
المسألة الثامنة والأربعون:
ألفاظ الراوي غير الصحابي في نقل الخبر تختلف باختلاف موقف الشيخ المروي عنه من هذا الراوي والعكس مما سيتبين على التفصيل الآتي:
أولاً: قراءة الشيخ على الراوي وهو يسمع تجوز الرواية عنه والعمل به سواء قرأ إملاء من حفظه أو من مكتوب.
ثانياً: إذا قصد الشيخ إسماع الراوي خاصة، فإن الراوي يقول: " حدثني فلان "، أو " أخبرني فلان ".
ثالثاً: إذا قصد الشيخ إسماع الراوي مع غيره فإن الراوي يقول: " حدثنا فلان "، أو " أخبرنا فلان ".
стр. 114
رابعاً: إذا لم يقصد الشيخ إسماع الراوي منفرداً ولا مع جماعة فإنه يقول: " سمعته يقول كذا "، أو يقول: " سمعته يخبر بكذا ".
خامساً: قراءة الشيخ الحديث على الراوي أقوى من قراءة الراوي على الشيخ، لأنه هو طريق النبي ﷺ ، ولأن ذلك أبعد عن الخطأ والسهو والغلط؛ لكون الشيخ يقرأ ما تحقق منه، فيكون أحق فيما هو المقصود، وهو تحمل الأمانة بصفة تامة.
سادساً: قراءة الراوي على الشيخ وهو يسمع، وقول الشيخ بعد ذلك: " سمعت ذلك "، أو قوله: " الأمر كما قرئ علي "، تجوز الرواية عنه مع العمل بذلك.
سابعاً: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو يسمع، ثم قال الراوي: هل سمعت أيها الشيخ؛ فسكت الشيخ، فإنه تجوز الرواية عنه، ويجب العمل بذلك بشرط: أن لا يوجد لدى الشيخ أي مانع من الإنكار إذا أخطأ الراوي في القراءة؛ لأنه لو لم تكن قراءة الراوي على الشيخ صحيحة، لكان سكوت الشيخ عن الإنكار مع القدرة عليه فسقاً؛ لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح، وذلك بعيد جداً عن العدل والثقة، أما إذا غلب على ظننا وجود مانع من الإنكار لدى الشيخ كغفلة أو قلة مبالاة، أو نوم، أو إكراه على السكوت، ففي هذه الحالة لا يكتفى بسكوته، بل لا بد من نطقه بلفظ " نعم " أو نحو ذلك مما يدل على موافقته على صحة ما قرئ عليه.
стр. 115
ثامناً: إذا قرأ الراوي على الشيخ، وأراد - هذا الراوي - أن يُحدِّث بما قرأه على الشيخ فإنه يقول: " أخبرنا أو أنبأنا أو حدثنا فلان قراءة عليه "، فلا يجوز أن يقول: " حدثنا أو أخبرنا " مطلقاً بدون ذكر لفظ " قراءة عليه "؛ لأن هذا يوهم: أن الشيخ هو الذي قرأ على الراوي، وهذا ليس بصحيح، حيث إن الحقيقة: أن الراوي هو الذي تولى القراءة على الشيخ، وفرق بين أن يقرأ الشيخ على الراوي وبين أن يقرأ الراوي على الشيخ؛ حيث إن الأولى أقوى من الثانية كما سبق بيانه.
ثاسعاً: إذا قال الشيخ: " حدثنا "، يجوز للراوي أن يبدلها بقوله: " أخبرنا " أو العكس، ولا مانع من ذلك؛ لأن معنى " حدثنا " و " أخبرنا " واحد في اللغة؛ لاشتقاقه من الخبر والحديث، فهما لفظان لمعنى واحد.
عاشراً: إذا قال الشيخ للراوي عنه: " أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي "، فإن ذلك يُسمَّى: " إجازة ".
حادي عشر: إذا قال الشيخ للراوي عنه: " خذ هذا الكتاب فأروه عني ".
أو قال: " خذ هذا وحدث به عني فقد سمعته من فلان "، فإن هذا يُسمَّى " مناولة ".
ثاني عشر: تجوز الرواية بالإجازة والمناولة، فيقول الراوي:
стр. 116
" حدثني فلان إجازة " أو " أخبرني فلان إجازة "؛ لأن الطريق - وهو قول الراوي: " حدَّثنا فلان عن فلان " - إنما هو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، ومعرفة صحة الحديث حاصلة بالإجازة والمناولة؛ لأن الظاهر من حال المجيز العدل الثقة أنه لا يُجيز شيئاً إلا إذا علم صحته، وإلا كان - بإجازته رواية ما لم يروه - فاسقاً وهو لا يمكن في العدل. وإذا علمت الرواية بإجازته: جازت الرواية عنه.
ثالث عشر: الراوي المجاز لا بد أن يقول: " حدثني فلان إجازة "، ولا يجوز أن يقول: " حدثني أو أخبرني " مطلقاً، بدون ذكر " إجازة "؛ لأن ذلك يوهم أن الرواية بالتحديث على الحقيقة والسماع؛ لأنها الأصل المتبادر إلى الذهن، فمنعاً لذلك الوهم قلنا: لا بد من ذكر لفظ: " إجازة ".
رابع عشر: إذا قال الشيخ: " خذ هذا الكتاب وهو مسموعي " ولم يقل: " اروه عني "، فإنه لا تجوز الرواية عنه مطلقاً؛ لأن علامة الإذن في الرواية هي عبارة: " اروه عني "، وهي لم توجد هنا، فيحتمل احتمالاً قوياً أن الشيخ لم يقل: " اراوه عني " نظراً لكونه يعرف أن في هذا الكتاب خللاً قد منع من إذنه لروايته عنه، فلم يجوز ذلك، فامتنع من قوله: " اروه عني ".
стр. 117
خامس عشر: إذا وجد الراوي شيئاً من الأحاديث مكتوباً بخط الشيخ الذي يعرفه ويثق بأنه خطه: فإن ذلك يسمى " وِجادة ".
سادس عشر: لا تجوز الرواية في الوجادة، فلا يجوز أن يقول: " حدثني فلان أو أخبرني فلان إجازة "، ولا غيرها؛ لأن روايته بذلك شهادة عليه بأنه قاله، وهذا ليس بصحيح، فيكون كذباً، ولكن الشخص إذا وجد صحيفة مكتوبة بخط شيخه له أن يقول: " رأيت مكتوباً في كتاب بخط ظننت أنه خط فلان "، يقول ذلك لأن الخط قد يشبه الخط.
سابع عشر: إذا قال الشيخ: " هذا خطي " يقبل قوله، ولكن لا يروى عنه ما لم يأذن بروايته عنه بصريح قوله بأن يقول: " اروه عني "، أو يكون الإذن بقرينة حاله في الجلوس لرواية الحديث.
ثامن عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب ووجده، ولم يذكر سماعه ولا قراءته، لكن غلب على ظنه سماعه كما يراه من خطه الذي توثَّق منه، فإنه يجوز له روايته والعمل به؛ لأن الرواية قد بُني أمرها على حسن الظن وغلبته، والمسامحة، ومراعاة الظاهر من الحال، ألا ترى أن الرواية تقبل من العبيد والنساء، ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، كل ذلك يدل على خفتها، فإذا وجد الراوي سماعه، وغلب على ظنه أنه سمعه كما يراه من خطه الذي توثق منه فإنه تجوز الرواية بذلك والعمل به.
стр. 118
تاسع عشر: إذا روى الراوي كتاباً عن بعض المحدثين فيه مائة حديث، ولكنه شك في سماع حديث واحد منها، ولم يستطع تعيين ذلك الحديث المشكوك فيه، فإنه لا يجوز أن يروي شيئاً من جميع تلك الأحاديث المائة؛ لأن الرواية تعتبر شهادة، والشهادة لا تجوز مع الشك والتردد؛ حيث إنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي لم يسمعه من شيخه، فلذلك يتركها جميعها احتياطاً.
عشرون: إذا غلب على ظن الراوي أن حديثاً قد سمعه من شيخه، ولكنه لم يقطع بذلك السماع، فإنه يجوز أن يرويه ويعمل به، لأن الراوي العدل الثقة إذا غلب على ظنه وجود شيء فهو صدق يجب العمل به، في حين أنه لا معارض لذلك، وغالب الأحكام مبناها على غلبة الظن.
واحد وعشرون: إذا روى الراوي حديثاً عن شيخ، ولكن الشيخ قد أنكر ذلك إنكاراً صريحاً وقال: " كذب علي " أو " ما رويت له قط "، فلا يقبل هذا الحديث، ولا يعمل به؛ لأن كل واحد من الشيخ والراوي موصوف بالعدالة والثقة، وكل منهما مكذَّب للآخر فيما يدعيه، فلا بد أن يكون أحدهما كاذب، وهذا موجب للقدح في الحديث، لكن هذا لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين؛ لأنه وقع الشك في كذبه، والأصل العدالة، وهي متيقنة، فلا يترك اليقين بالشك، ولذلك؛ فإن رواية كل واحد منهما تقبل في غير ذلك الحديث الذي أنكره الشيخ.
стр. 119
ثاني وعشرون: إذا أنكر الشيخ الحديث الذي رواه عنه الراوي إنكاراً غير صريح؛ حيث يقول: " لست أذكر ذلك الحديث "، فإنه لا يقدح في الحديث، بل يُقبل ويُعمل به، لأن الراوي العدل الثقة قد جزم بهذه الرواية عن ذلك الشيخ في حين أن الشيخ لم يكذبه، ولم ينكر حديثه على وجه الجزم، فيقتضي ذلك ترجيح صدق الراوي، واذا كان صادقاً فيجب قبول الحديث الذي رواه والعمل به، أما قول الشيخ فيحمل على أنه نسي الحديث، لأن النسيان غالب على الإنسان.
* * *
المسألة التاسعة والأربعون:
زيادة الثقة في الحديث يختلف الحكم في قبولها أو عدم ذلك باختلاف تعدد المجالس أو عدم ذلك، وكون الراوي قد انفرد بالزيادة أو لا على التفصيل الآتي:
أولاً: إن عُلم تعدد المجلس، قبلت الزيادة اتفاقاً؛ لأنه لا يمتنع أن يذكر النبي ﷺ الزيادة في مجلس، ويتركها في مجلس آخر، فيكون راوي الزيادة قد حضر المجلس الذي ذكرت فيه تلك الزيادة، أما الآخر فلم يحضر ذلك المجلس.
ثانياً: إن جهلنا أن المجلس متعدد أو متحد فإنا نقبل تلك الزيادة، لأن ذاكر تلك الزيادة قد توفرت فيه شروط الراوي ومنها: العدالة والثقة، فيترجح صدقه، وإذا ترجح صدقه فيجب قَبول قوله.
стр. 120
ثالثاً: إن علمنا أن المجلس واحد، وعلمنا أن ناقل الزيادة وتاركها متساويان في جميع شروط الراوي، فإن تلك الزيادة تقبل مطلقاً، لأن العدل الثقة لو انفرد بنقل حديث لقبل، فكذلك لو انفرد بزيادة، ولا فرق، بجامع: رواية العدل الثقة الجازم لكل منهما، في حين أن الراوي الآخر الذي لم يذكر تلك الزيادة لم يخالفه، كل ما في الأمر أنه لم يذكر الزيادة، وهذه ليست مخالفة صريحة.
وزيادة الراوي مثل ما روى بعضهم: " أن النبي ﷺ دخل الكعبة وصلى بين العمودين اليمانيين "، وروى آخر: " أن النبي ﷺ دخل الكعبة وكبَّر ".
* * *
المسألة الخمسون:
إذا عمل الرواي بخلاف الحديث الذي رواه ، فإنه يعمل بالحديث الذي رواه، ويترك عمل الراوي مطلقاً؛ لأن الراوي قد توفرت فيه شروط الرواية، وقد جزم بروايته للحديث عن النبي ﷺ ، فيجب العمل بهذا الحديث؛ لأن قول الرسول ﷺ حجة، وقول الراوي وعمله ليس بحجة، فلا يقدم ما ليس بحجة على ما هو حجة.
ويؤيد ذلك: أنه يحتمل أن الراوي قد نسى الحديث أو حمل الحديث على أحد محامله وقد أخطأ فيه، أو أنه خالفه لدليل أقوى منه في ظنه فلا يترك الحديث الذي جزم به من أجل شيء قد دخله الشك والاحتمال.
стр. 121
المسألة الواحدة والخمسون:
إذا عمل أكثر الأمة بخلاف حديث من الأحاديث ، فإنا نعمل بالحديث، ونترك عمل أكثر الأمة؛ لأن عمل أكثر الأمة حجة ظنية، وخبر الواحد، وإن كان يفيد الظن في سنده إلا أنه أقوى من عمل أكثر الأمة؛ لأن الراوي العدل قد جزم بسنده إلى النبي ﷺ ، فيكون قولاً للنبي ﷺ وقوله حجة فيعمل به.
* * *
المسألة الثانية والخمسون:
إذا خالف القياس خبر الواحد فإنا نعمل بخبر الواحد ؛ لإجماع الصحابة السكوتي على ذلك، حيث إن بعض الصحابة كانوا يبحثون عن حكم الحادثة في كتاب الله فإن لم يجدوا فيه، بحثوا في السنة، فإن لم يجدوا حكمها اجتهدوا بأنواع الاجتهادات، ومنها القياس، فلا يستدلون بقياس ولا بغيره من أنواع الاجتهادات إلا إذا لم يجدوا نصاً سواء كان هذا النص متواتراً أو آحاداً، ولم ينكر عليهم أحد؛ إذ لو وجد إنكار لبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك، فكان إجماعاً سكوتياً.
من ذلك: أن عمر ﵁ كان قد قضى بالإبهام بخمس عشرة من الإبل، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تلي الخنصر بسبع، وفي الخنصر بست، حكم بذلك لما عرف أن النبي ﷺ قد قضى في اليد بخمسين، وكانت
стр. 122
اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع، فحكم عمر لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، وهذا يعتبر قياساً على الخبر، ووافقه من سمع من الصحابة على ذلك، فلما علم بكتاب عمرو بن حزم في الديات؛ حيث إن النبي ﷺ قال فيه: " وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل "، رجع إليه ورجع إليه من وافقه من الصحابة.
* * *
المسألة الثالثة والخمسون:
خبر الواحد فيما تعم به البلوى ، لكثرة تكرره ووقوعه، كأن يتعلق بأحكام الوضوء أو الصلاة كقوله ﷺ : " من مس ذكره فليتوضأ " مقبول؛ لإجماع الصحابة السكوني على قبوله، فقد قبلوا خبر عائشة وهو: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل "، وقبلوا خبر رافع: أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة دون نكير من أحد، فكان إجماعاً.
ولأن الراوي لهذا الخبر فيما تعم به البلوى عدل ثقة قد جزم بتلك الرواية فغلب على ظننا صدقه، وإذا كان كذلك فيجب قبول ما رواه.
* * *
المسألة الرابعة والخمسون:
خبر الواحد الوارد بإثبات حد أو ما يجري مجراه مما تسقطه الشبهة يقبل مطلقاً؛ قياساً على غيره من الأخبار، فكما أن خبر الواحد في غير الحد من سائر الأحكام الشرعية يُقبل،
стр. 123
فكذلك يقبل خبر الواحد الوارد بإثبات حد ولا فرق، بجامع: أن الراوي فيهما عدل ثقة جازم في الرواية، ولم يعارضه مثله، ولأن الأدلة المثبتة لحجية خبر الواحد لم تفرق بين ما ورد بإثبات حد أو بغير ذلك.
* * *
المسألة الخامسة والخمسون:
تجوز رواية الحديث بالمعنى بشروط هي:
الشرط الأول: أن تتوفر في الراوي شروط الرواية السابقة الذكر مع معرفته بدلالات الألفاظ، وصيغ الخطابات، وأساليبها، واستعمالاتها.
الشرط الثاني: أن يُبدل لفظة بما يرادفها، ولم يختلف الناس في هذا الترادف، كأن يبدل لفظة " الجلوس " بلفظة " القعود ".
الشرط الثالث: أن لا يكون اللفظ في الحديث من باب المتشابه كأحاديث الصفات، فإن كان منها فإنه لا يجوز روايتها بالمعنى لأن الذي تحتمله هذه الأحاديث من وجوه التأويل لا ندري أن غيره من الألفاظ يساويه أو لا.
الشرط الرابع: أن لا يكون اللفظ الوارد في الحديث ممَّا تعبّدنا الشارع بلفظه، فإن كان منه كلفظ " التشهد " و " الأذان " و " التكبير " فإنه لا يجوز نقله بالمعنى.
الشرط الخامس: أن لا يكون الحديث من جوامع الكلم،
стр. 124
فإن كان منها كقوله: " العجماء جبار "، وقوله: " البينة على المدعي "، و " لا ضرر ولا ضرار "، فإنه لا يجوز نقله بالمعنى.
فإذا توفرت هذه الشروط فإنه يجوز رواية الحديث بالمعنى؛ لوقوع ذلك من الصحابة ﵃ حيث كان النبي ﷺ يقيم الخطب في الجمع، وفي بعض الوقائع يتكلم بكلام فيه الأوامر والنواهي وقد رواها الصحابة بألفاظ تختلف عن ألفاظ البعض الآخر مع أن المقصود واحد، ولم ينكر ذلك أحد.
ولأنه يجوز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال لفظة عربية بلفظة أعجمية تساويها وترادفها، فمن باب أولى نقل لفظة عربية بلفظة أخرى عربية ترادفها بجامع: استبدال لفظة بما يرادفها دون زيادة ولا نقصان.
* * *
المسألة السادسة والخمسون:
مرسل الصحابي - وهو أن يروي الصحابي حديثاً عن النبي ﷺ وهو لم يسمعه منه شفاهاً، بل سمعه من صحابي آخر - مقبول مطلقاً؛ لإجماع الصحابة على ذلك؛ حيث كان بعضهم يرسلون الأحاديث فيقبل الآخرون ذلك بدون نكير من أحد، وأكثر روايات الصحابة عن النبي ﷺ لم يسمعوها من النبي ﷺ مباشرة، بل بواسطة صحابي آخر، ومنها ما رواه ابن عباس أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فلما سئل عنه أسنده إلى الفضل بن عباس، وما رواه ابن عمر: أن النبي ﷺ -
стр. 125
قال: " من صلَّى على جنازة فله قيراط "، ثم أسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة.
* * *
المسألة السابعة والخمسون:
مرسل غير الصحابي - وهو: أن يقول الذي توفرت فيه شروط الرواية وهو لم ير النبي ﷺ : قال رسول الله ﷺ - مقبول مطلقاً؛ لأن من عادة الراوي العدل أنه لا يرسل الحديث إلا إذا تيقن من ثبوت هذا الحديث أو غلب على ظنه ذلك، أما إن شك فيه فإنه لا يرسله، بل يذكر الشيخ الذي حدثه به؛ لتكون العهدة على ذلك الشيخ، وهذه عادة مستمرة لهم، وإذا كانت هذه عادتهم فإن الحديث المرسل يكون ثابتاً والثابت يُقبل وُيعمل به، يؤيد ذلك قول إبراهيم النخعي: " إذا رويت عن عبد الله - يقصد عبد الله بن مسعود - فقد حدثني واحد، وإذا أرسلت فقد حدَّثني جماعة عنه ".
* * *
المسألة الثامنة والخمسون:
إذا تعارض المرسل مع المسند فإنه يُقدم المسند ؛ لأنه قد اتُّفق على قَبوله والاحتجاج به، أما المرسل فقد اختُلف فيه، والنفس تسكن للمسند؛ حيث عرفنا رجال الحديث بخلاف المرسل.
стр. 126
المسألة التاسعة والخمسون:
أفعال النبي ﷺ أقسام إليك بيانها وحكم كل قسم:
القسم الأول: أفعال فطرية وهي: الأفعال التي فطر الله عليها البشر كالقيام والقعود، وهواجس النفس، فهذه لا أسوة فيها، ولايتبع النبي ﷺ في شيء منها.
القسم الثاني: أفعال صدرت منه ﷺ على وفق العادات كطريقة شربه، وأكله، وملبسه، وتوسده يده أثناء نومه، ولبس الأبيض من الثياب، فهذه تباح منا ومنه ﷺ ، لأنه لم يُقصد بها التشريع، ولم تقع تلك الأفعال على سبيل الطاعة.
القسم الثالث: أفعال لم يتبين أمرها، ولم يوجد دليل على وقوعها قربة أو عادة، كالاضطجاع بعد الفجر، ونزوله بالأبطح، ومبيته بذي طوى، فيستحب للأمة اتباع النبي ﷺ في هذه الأفعال، ويندب إلى ذلك، ولا يجب، لعدم وجود الدليل الذي يدل على الوجوب، فيحمل على أن فعله أرجح من تركه، وهو الندب.
القسم الرابع: أفعال قد فعلها ﷺ لبيان مجمل ولتقييد مطلق، كصلاته وحجه: فإن هذا حكمه حكم المبيَّن، فإن كان المبين واجباً فهو واجب، وإن كان المبيَّن مندوباً فهو مندوب؛ لأن البيان لا يتعدَّى رتبة المبين، ومتى تعداه لا يكون بياناً له.
القسم الخامس: أفعال خاصة به ﷺ كالزواج بأكثر من أربع
стр. 127
وجواز زواجه بدون مهر، فإن هذا لا يجوز أن نتأسى به في تلك الأفعال.
القسم السادس: أفعال قد فعلها ﷺ وثبت أنها على وجه القربة، ولم تكن بياناً لمجمل أو غيره، ولم يقم دليل على أنها خاصة به، وعلمنا صفتها من الوجوب أو الندب، وذلك بنصه ﷺ ، أو بغير ذلك من الأدلة، فإنا متعبَّدون بالتأسي بها؛ لإجماع الصحابة ﵃ فقد كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله ﷺ والتأسي بها وهو: أن يفعلوا مثل ما فعل، كرجوعهم إلى تزويجه لميمونة وهو محرم، وفي تقبيله الحجر الأسود، وجواز تقبيله لزوجته وهو صائم، ونحو ذلك.
ولقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) حيث جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة.
* * *
المسألة الستون:
تقرير النبي ﷺ - وهو: كف النبي ﷺ عن الإنكار على ما علم به من قول أو فعل - حجة، ويعتبر قسماً من أقسام السنة؛ لإجماع الصحابة ﵃ فقد كانوا يحتجون بتقريره ﷺ على الجواز بدون نكير، ومن أمثلة ذلك: قول أنس ﵁ لما سئل عن الفعل بعد عرفة: " كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبِّر فلا ينكر عليه "، وقول أبي بن كعب: " الصلاة في ثوب واحد سنة كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ولا يُعاب علينا ".
стр. 128
ولأن الله تعالى أرسل نبيه بشيراً ونذيراً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلو سكت عما يُفعل أمامه مما يخالف الشرع لم يكن ناهياً عن المنكر، فثبت أنه ما سكت عنه إلا لجواز فعله.
стр. 129
ما يشترك فيه الكتاب والسنة وهو: النسخ، والألفاظ ودلالتها على الأحكام
وهو يشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في النسخ.
المبحث الثاني: الألفاظ ودلالتها على الأحكام.
وإليك بيانهما:
стр. 130
المبحث الأول
النسخ
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
النسخ: هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه .
فلا بد من وجود خطاب ثابت بخطاب شرعي متقدم، فجاء خطاب آخر من الشارع - فجأة - وهو: متأخر عن الأول فرفع ذلك الحكم.
مثل: أن الله سبحانه قد حكم بأن عدة المتوفى عنها زوجها حول كامل، وذلك بخطاب شرعي وهو قوله تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)، بعد ذلك بزمن رفع هذا الحكم بخطاب متأخر عنه وهو قوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).
فالنسخ هو: قطع لدوام الحكم فجأة، لا بيان انتهاء مدته، والفرق بينهما كالفرق بين فسخ الإجارة، وانقضاء مدتها: فلو استأجر شخص منزلاً - مثلاً - سنة كاملة، فإن المستأجر والمؤجر يعلمان - عند ابتداء العقد - أنه عند انتهاء السنة سيرتفع حكم الإجارة، لكن لو انهدم المنزل فجأة في أثناء السنة فإن للمستأجر الفسخ مع عدم علمه عند ابتداء العقد بانهدام المنزل، وهذا هو
стр. 131
فسخ الإجارة فيقاس على ذلك نسخ الحكم.
* * *
المسألة الثانية:
شروط النسخ أربعة:
الشرط الأول: أن يكون الحكم المنسوخ قد ثبت بخطاب متقدم، أما لو ثبت الحكم بدليل العقل، أو البراءة كاستباحة الناس للخمر على عادة كانت لهم، فرفع ذلك، فإن ذلك ليس بنسخ، لأنه لم يثبت الحكم السابق بخطاب متقدم.
الشرط الثاني: أن يكون الحكم المنسوخ مطلقاً لم يُحدد بمدة معلومة، فيأتي الناسخ فجأة دون انتظار من المكلفين.
الشرط الثالث: أن يكون الناسخ خطاباً شرعياً، فلو ارتفع الحكم بموت المكلف أو جنونه، أو غير ذلك من العوارض الأهلية فليس هذا بنسخ.
الشرط الرابع؛ أن يكون الناسخ منفصلاً عن المنسوخ متأخر عنه، فإن اتصل واقترن به كالشرط أو الغاية فإنه يسمى تخصيصاً.
* * *
المسألة الثالثة:
النسخ والتخصيص يشتركان في أن كلاَّ منهما قصر للحكم على بعض مشتملاته، إلا أن النسخ: قصر للحكم على بعض الأزمان، والتخصيص، قصر للحكم على بعض أفراده.
стр. 132
المسألة الرابعة:
الفروق بين النسخ والتخصيص هي:
الأول: أن النسخ يشترط فيه أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ، بخلاف التخصيص فلا يشترط فيه ذلك، فقد يقترن مع العام، وقد يفترق عنه.
الثاني: أن النسخ يجوز وروده على الأمر بمأمور واحد كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام، أما التخصيص فلا يدخل ولا يرد على الأمر بمأمور واحد مثل: " أكرم زيداً " فلا يجوز تخصيصه؛ لأنه لا يكون إلا من متعدِّد.
الثالث: أن التخصيص تبقى معه دلالة اللفظ العام على ما تحته حقيقة، أي: أن اللفظ العام يبقى حجة فيما بقي بعد التخصيص، أما النسخ فلا تبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته حينما يرد النسخ على الأمر بمأمور واحد.
الرابع: أنه لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى، ويجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى.
الخامس: إن التخصيص لا يكون إلا لبعض أفراد العام، أما النسخ فقد يرفع جميع أفراد العام، وقد يرفع بعضه.
السادس: أن التخصيص لا يرد إلا على العام، أما النسخ فإنه يرد على العام والخاص.
السابع: أن النسخ لا يجوز إلا بالنص وهي: الكتاب والسنة، أما التخصيص فإنه يجوز بالنص وبالإجماع والقياس والقرائن.
стр. 133
المسألة الخامسة:
النسخ جائز عقلاً؛ لأمور:
أولها: أنه ليس في الأمر بالشيء بعد النهي عنه إلا ما في تحريك الجسم بعد تسكينه، وتبييضه بعد تسويده، وإذا كان تحريك الشيء بعد تسكينه جائزاً، وجب أن يكون الأمر بالشيء بعد النهي عنه جائزاً، وهذا هو النسخ.
ثانيها: أنا نعلم اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان، فلا يمتنع أن يأمر الله تعالى بالفعل في زمان لعلمه سبحانه أن العباد لهم مصلحة فيه في هذا الزمان، ثم ينهاهم عنه ويحرمه عليهم في زمن آخر؛ لأن مصلحتهم في الزمن الثاني تقتضي ذلك، كما يفعل الطبيب بالمريض؛ حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في زمن آخر.
ثالثها: أنه إذا جاز أن يخلق الله تعالى خلقاً على صفة ثم ينقله إلى صفة أخرى، فخلقه الله تعالى طفلاً ثم نقله إلى الشباب، ثم إلى الكهولة ثم إلى الشيخوخة ثم إلى الموت بدون اختيار للعبد، ولم يكن ذلك قبيحاً في شرع ولا عقل، فإنه يجوز أن يكلف الله خلقه بعبادة ثم ينقلهم عنها.
* * *
المسألة السادسة:
النسخ جائز شرعاً لأمرين:
أولهما: وقوعه في الشريعة، حيث نسخ وجوب التربص حولاً كاملاً عن المتوفى عنها زوجها بالتربص أربعة أشهر وعشراً، ونسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس إلى التوجه إلى الكعبة، والوقوع دليل الجواز.
стр. 134
ثانيهما: إجماع الصحابة؛ حيث أجمعوا على أن شريعة محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع السابقة، إما بالكلية، وإما فيما يخالفها فيه.
* * *
المسألة السابعة:
من حِكَم النسخ ما يلي:
الحكمة الأولى: تهيئة نفوس الناس إلى تقبل الحكم الأخير، وهذا يكون في النسخ من الأخف إلى الأشد. مثل: تحريم الخمر؛ حيث بيَّن الله تعالى ما في الخمر من الإثم والنفع، وإن إثمه أكبر من نفعه، ثم منع ثانياً الصلاة حالة السكر، ثم حرم الخمر في جميع الأوقات، وكذلك فعل في تحريم الربا.
الحكمة الثانية: الابتلاء والامتحان، وهذا يكون في النسخ من الأشد إلى الأخف؛ ليظهر المؤمن الحق فيفوز، ويظهر المنافق فيهلك، كنسخ ثبات الواحد للعشرة، ونسخ أمر إبراهيم بذبح ابنه.
* * *
المسألة الثامنة:
النسخ بعد الاستقراء والتتبع قد وقع وتناول الأحكام الشرعية الجزئية التكليفية الفرعية العملية التي تحتمل كونها مشروعة أو غير مشروعة في نفسها في زمن النبوة، أي أن مصلحتها تتغير: فتكون في وقت نافعة، وفي وقت آخر ضارة على ما يعلمه الله تعالى.
стр. 135
ولم يتناول النسخ ما يلي من الأحكام:
١ - الأحكام التي تتعلق بأصول الدين كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر، والأسماء والصفات.
٢ - الأحكام الكلية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك.
٣ - الأحكام التي لا تحتمل عدم المشروعية وهي أمهات الأخلاق والفضائل، كالعدل، والأمانة، والصدق، والوفاء، فهذه حسنها لا يتغير بتغير الأزمان، ولذلك لا يمكن أن تنسخ.
٤ - الأحكام التي لا تحتمل المشروعية وهي: أمهات الرذائل، مثل الكذب، والظلم، والخيانة، والغدر، فهذه لا يمكن أن تنسخ، لأن قبحها لا يتغير بمرور الزمن.
٥ - الأحكام التي ارتبط بها ما ينافي النسخ كالتأبيد مثل: الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وتحريم زوجاته ﷺ .
* * *
المسألة التاسعة:
يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها، ويجوز العكس، ونسخهما معاً ، وذلك لوقوعه: فقد نسخت التلاوة والحكم معاً؛ حيث قالت عائشة ﵂: " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن، فكانت العشر منسوخة الحكم والتلاوة معاً بخمس رضعات.
ونسخ الحكم وبقيت التلاوة؛ حيث نسخ حكم آية الاعتداد بالحول الثابت بقوله تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ
стр. 136
إِخْرَاجٍ) بالاعتداد بأربعة أشهر وعشراً الثابت بقوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).
ونسخت التلاوة وبقي الحكم؛ حيث نسخت تلاوة: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله " وبقي حكمها وهو: الرجم للمحصن.
* * *
المسألة العاشرة:
يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله وامتثاله ، فيجوز أن يقول الشارع مثلاً في رمضان: " حجوا في هذه السنة "، ثم يقول قبل ابتداء الحج: " لا تحجوا "؛ وقلنا ذلك لأمرين:
أولهما: أن النسخ قبل التمكن من الفعل رفع لتكليف قد ثبت على المكلف فكان نسخاً، ولا يترتب على ذلك محال، ولا بداء، ولم يرد اشتراط فعل المنسوخ، بل اشترط: كون الناسخ متأخراً عن المنسوخ، وقد حصل فكان جائزاً.
ثانيهما: وقوعه: فقد أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ بذبح ابنه فقال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)) , ثم نسخ ذلك قبل التمكن من الذبح
стр. 137
بقوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧))، فهنا قد وقع النسخ قبل التمكن من الفعل، والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
الزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وليست من جنس المزيد عليه ، كأن يوجب الله تعالى الصلاة، ثم يوجب الصوم، فهذه الزيادة ليست نسخاً بالاتفاق، لأن حقيقة النسخ لم تتحقق هنا؛ حيث إنا قلنا: إن النسخ رفع الحكم، وهنا لم يرتفع الحكم، وهو وجوب الصلاة ولم يتبدل ولم يتغير بزيادة الصوم، فبقي حكم المزيد عليه - وهو الصلاة - بعد الزيادة كما كان ثابتاً قبلها، فلا يوجد تنافي.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
الزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وهي من جنس المزيد عليه كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، فهذه الزيادة ليست نسخاً؛ لأن حقيقة النسخ لم توجد؛ حيث إن هذه الزيادة لم ترفع حكماً، فالمزيد عليه باق على حاله بعد الزيادة كما كان قبل الزيادة، فهذه الزيادة كالزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه ولا فرق، فكما أن وجوب الصلاة لم يتغير بزيادة الصوم، فكذلك الحال بالنسبة لزيادة صلاة على صلاة أخرى ولا فرق.
стр. 138
المسألة الثالثة عشرة:
الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الجزء بالكل ، أي: تتعلق بالمزيد عليه بأن تكون جزءاً من المزيد عليه، كزيادة تغريب عام على جلد مائة في حد الزاني البكر، فكان حد الزاني البكر يتكون من جزأين: أحدهما: جلد مائة الوارد في القرآن الكريم، والآخر: تغريب عام الوارد في السنة، فهذه الزيادة ليست نسخاً؛ لأن حقيقة النسخ لم توجد، فلم يوجد رفع الحكم وتبديله عند تلك الزيادة، بل إن هذه الزيادة تقرير للحكم المزيد عليه، وتثبيت له؛ لأن ضم شيء إلى شيء آخر يثبت المضموم إليه ويُقرره: فزيادة التغريب على جلد مائة لم تخرج الجلد عن كونه واجباً، مثل إيجاب الصوم بعد إيجاب الصلاة.
ومثل لو أن إنساناً معه كيس فيه عشرة ريالات فأضاف إليها ريالاً فإنه لا يقال: إنه رفع وأزال ما في الكيس، بل يقال: أضاف إليه زيادة
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط ، أي: تكون الزيادة شرطاً للمزيد عليه، فلا يعمل بالمزيد عليه إلا بهذا الشرط، كزيادة النية في الطهارة؛ حيث إن الشارع أمر بالطهارة مطلقاً، ثم زيد شرط النية لها، فهذه الزيادة ليست نسخاً - أيضاً -؛ لأن حقيقة النسخ - وهي رفع الحكم - لم توجد هنا.
فمثلاً قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) اقتضى أمرين هما:
стр. 139
" وجوب الصلاة " والآخر " الإجزاء " حيث تجوز - على هذا اللفظ - الصلاة بدون طهارة، فلما جاءت الزيادة - وهي: اشتراط الطهارة للصلاة - فالحكم وهو الوجوب لم يرتفع بها، بل هو باق على حاله بعد الزيادة وقبلها؛ حيث بقي الأمر به، أما المرتفع بهذه الزيادة فهو " الإجزاء "؛ حيث أصبحت الصلاة لا تجزئ إلا بالطهارة، وارتفاع الإجزاء - فقط - جعل المرتفع بعض ما تناوله اللفظ الذي هو قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وهذا يُسمَّى تخصيصاً لا نسخاً.
والخلاصة: أن الزيادة مطلقاً ليست بنسخ عندنا، وبناء على ذلك فإن تلك الزيادة ثابتة وإن كان ثبوتها جاء بخبر الواحد فنقبلها، لذلك زدنا التغريب على الجلد مائة، وقبلنا خبر: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "، ولم نعتبره نسخاً لما جاء في القرآن، بل يزاد عليه.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
نسخ جزء العبادة أو شرط من شروطها ليس بنسخ؛ لأمرين:
أولهما: الوقوع؛ حيث وقع أنه نسخ الشارع شرط عبادة من العبادات ولم تكن تلك العبادة قد نسخت بالكلية مثل: استقبال بيت المقدس الذي هو شرط لصحة الصلاة، فقد نسخ هذا
стр. 140
الشرط ولم يكن نسخه نسخاً لحكم الصلاة، بل إن العبادة - وهي الصلاة - باقية بحالها لم تتغير، وإنما التغير قد تناول شرطها فقط، وكذلك نسخ عشر رضعات بخمس، ونسخ هذا الجزء - وهو الخمس - لم يكن نسخاً لكل العشر، والوقوع دليل الجواز.
ثانيهما: أن حقيقة النسخ هو: رفع الحكم الشرعي، ولم توجد هذه الحقيقة هنا؛ حيث إن نقص الجزء أو الشرط لم يرفع حكم تلك العبادة من الوجوب أو الندب أو غيرهما، فلا يكون نسخاً، وذلك كمن أخذ ريالاً من كيس فيه عشرة ريالات، فإن الباقي بعد نقص الريال باق على حاله لم يرتفع أو لم يتأثر بشيء.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
يجوز نسخ الحكم من غير أن يأتي ببدل عنه؛ لأمرين:
أولهما: أن حقيقة النسخ: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه، ورفع الشيء يتحقق في نفسه، وإن لم يثبت له خلف وبدل، فليس في حقيقة النسخ تعرض للخلف والبدل.
ثانيهما: وقوعه؛ حيث إن تقديم الصدقة بين يدي المناجاة لرسول الله ﷺ كان واجباً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)، والوقوع دليل الجواز.
стр. 141
المسألة السابعة عشرة:
يجوز نسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ ؛ لوقوعه، حيث نسخت عدة المتوفى عنها من الحول إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
يجوز نسخ الحكم ببدل مثله في التخفيف والتثقيل ؛ لوقوعه؛ حيث نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل؛ لأمرين:
أولهما: الوقوع؛ حيث وقع نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل، فقد ثبت أنه كان في أول الإسلام يجوز تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى وقت آخر أكثر أمناً، فنسخ ذلك إلى وجوب الإتيان بها في حالة الخوف وذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ)، ولا شك أن الصلاة حالة الخوف أثقل، وكذلك كان المسلم مخيراً في أول الإسلام بين الصيام والفداء عنه بالمال، ثم نسخ ذلك بتعيين الصيام فقط.
ثانيهما: القياس على تكليف العباد ابتداء، بيانه:
كما أنه إذا جاز أن لا يكلف الله عباده ابتداء، ثم يكففهم بالعبادات الشاقة، جاز أن ينتقل من الأخف إلى الأثقل ولا فرق،
стр. 142
والجامع: التكليف في كل.
* * *
المسألة العشرون:
إذا بلغ الناسخ النبي ﷺ ، ولم يبلغ بعض الأمة، فإنه لا يكون نسخا في حق من لم يبلغه ، فيجب على من لم يبلغه الناسخ العمل بالمنسوخ، ولا يلزمه العمل بالناسخ؛ لأمرين:
أولهما: أن أهل قباء لما جاءهم المخبر وقال لهم: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة واعتدوا بما مضى من صلاة الصبح فلم يقضوها ولم يؤمروا بذلك، فدل على أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم.
ثانيهما: أن المكلف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها قبل بلوغه بالناسخ. لكان آثماً عاصياً غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ النسخ إليه، ولو كان مخاطباً بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصياً بفعل ما خوطب به.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
يجوز نسخ القرآن بالقرآن؛ لأمرين:
أولهما: صريح قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)
стр. 143
ثانيهما: وقوعه؛ حيث وقع نسخ القرآن بالقرآن. فقد نسخ الفداء بالمال عن الصيام، قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، فنسخ ذلك بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
يجوز نسخ السنَّة المتواترة بالسنَّة المتواترة؛ لأمرين:
أولهما: القياس على القرآن: فكما يجوز نسخ القرآن بالقرآن، كذلك يجوز نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة ولا فرق، بجامع: أن كلاً منهما قطعي الثبوت.
ثانيهما: أن كلاً من الناسخ والمنسوخ في درجة واحدة من القوة وهي: قطعية الثبوت، فيقوى كل واحد منهما على نسخ الآخر.
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
يجوز نسخ السنة الآحادية بالسنة الآحادية؛ لأمرين:
أولهما: وقوعه؛ حيث روي أن النبي ﷺ قال - في شارب الخمر -: " إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه "، فأتي رسول الله ﷺ بسكران في الرابعة فجلده وخلَّى سبيله، فنسخ فعله ﷺ قوله، وكل منهما خبر آحاد، والوقوع دليل الجواز.
ثانيهما: الاتحاد في الرتبة من حيث السند؛ حيث إن الناسخ والمنسوخ يتَّحدان في أن كلاُّ منهما ظني الثبوت.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
يجوز نسخ السنة الآحادية بالسنة المتواترة ؛ لأن المتواتر
стр. 144
قطعي السند والآحاد ظني السند، والقطعي يقوى على نسخ الظني.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
يجوز نسخ السنة بالقرآن ؛ لأمرين:
أولهما: أن كلاً من القرآن والسنة وحي، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلاً.
ثانيهما: وقوعه؛ حيث نسخ تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسنة بالصلاة حالة الخوف وهو قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ)، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنة بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة للاتحاد في السند حيث إن كلاً منهما متواتر، والاتحاد في المصدر؛ حيث إن كلاً منهما من الله تعالى، فإذا كان كل واحد منهما قطعي الثبوت، ومصدره من الله تعالى، فإن كل واحد منهما يقوى على نسخ الآخر.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
لا يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد شرعاً؛ لأمرين:
أولهما: الاختلاف في الرتبة: فالقرآن قطعي السند وكذلك السنة
стр. 145
المتواترة، وخبر الواحد ظني السند والظني لا يقوى على نسخ القطعي.
ثانيهما: عدم الوقوع: فإنه بعد تتبع الأدلة واستقرائها لم نجد فيها أن متواتراً قد نسخه خبر واحد، فإذا لم يقع فإنه يدل على عدم الجواز.
* * *
المسألة الثامنة والعشرون:
الإجماع لا يكون منسوخاً: لأن الناسخ إما أن يكون نصاً أو إجماعاً آخر أو قياساً، وكلها باطلة، بيان ذلك:
أما كون الإجماع منسوخاً بنص فهذا باطل، لأن الناسخ لا بد أن يكون متأخراً عن المنسوخ، ومعلوم أن النص متقدم على الإجماع، والمتقدم لا ينسخ المتأخر.
أما كون الإجماع منسوخاً بإجماع آخر فهذا باطل أيضاً، لاستحالة انعقاده على خلاف إجماع آخر؛ حيث إنه لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ.
أما كون الإجماع منسوخاً بقياس فهذا باطل أيضاً؛ لأن القياس لا يكون على خلاف الإجماع؛ حيث اشترطنا في القياس: عدم مخالفته لنص أو إجماع، فعند مخالفة الإجماع للقياس فإن القياس يكون باطلاً، فلا يكون حجة، فلا يكون ناسخاً للإجماع.
* * *
المسألة التاسعة والعشرون:
الإجماع لا يكون ناسخاً: لأن الإجماع إنما يكون حجة
следующие страницы →