Полный текст (415 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
المسألة السابعة عشرة:
يجوز نسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ ؛ لوقوعه، حيث نسخت عدة المتوفى عنها من الحول إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
يجوز نسخ الحكم ببدل مثله في التخفيف والتثقيل ؛ لوقوعه؛ حيث نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل؛ لأمرين:
أولهما: الوقوع؛ حيث وقع نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل، فقد ثبت أنه كان في أول الإسلام يجوز تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى وقت آخر أكثر أمناً، فنسخ ذلك إلى وجوب الإتيان بها في حالة الخوف وذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ)، ولا شك أن الصلاة حالة الخوف أثقل، وكذلك كان المسلم مخيراً في أول الإسلام بين الصيام والفداء عنه بالمال، ثم نسخ ذلك بتعيين الصيام فقط.
ثانيهما: القياس على تكليف العباد ابتداء، بيانه:
كما أنه إذا جاز أن لا يكلف الله عباده ابتداء، ثم يكففهم بالعبادات الشاقة، جاز أن ينتقل من الأخف إلى الأثقل ولا فرق،
стр. 142
والجامع: التكليف في كل.
* * *
المسألة العشرون:
إذا بلغ الناسخ النبي ﷺ ، ولم يبلغ بعض الأمة، فإنه لا يكون نسخا في حق من لم يبلغه ، فيجب على من لم يبلغه الناسخ العمل بالمنسوخ، ولا يلزمه العمل بالناسخ؛ لأمرين:
أولهما: أن أهل قباء لما جاءهم المخبر وقال لهم: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة واعتدوا بما مضى من صلاة الصبح فلم يقضوها ولم يؤمروا بذلك، فدل على أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم.
ثانيهما: أن المكلف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها قبل بلوغه بالناسخ. لكان آثماً عاصياً غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ النسخ إليه، ولو كان مخاطباً بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصياً بفعل ما خوطب به.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
يجوز نسخ القرآن بالقرآن؛ لأمرين:
أولهما: صريح قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)
стр. 143
ثانيهما: وقوعه؛ حيث وقع نسخ القرآن بالقرآن. فقد نسخ الفداء بالمال عن الصيام، قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، فنسخ ذلك بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
يجوز نسخ السنَّة المتواترة بالسنَّة المتواترة؛ لأمرين:
أولهما: القياس على القرآن: فكما يجوز نسخ القرآن بالقرآن، كذلك يجوز نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة ولا فرق، بجامع: أن كلاً منهما قطعي الثبوت.
ثانيهما: أن كلاً من الناسخ والمنسوخ في درجة واحدة من القوة وهي: قطعية الثبوت، فيقوى كل واحد منهما على نسخ الآخر.
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
يجوز نسخ السنة الآحادية بالسنة الآحادية؛ لأمرين:
أولهما: وقوعه؛ حيث روي أن النبي ﷺ قال - في شارب الخمر -: " إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه "، فأتي رسول الله ﷺ بسكران في الرابعة فجلده وخلَّى سبيله، فنسخ فعله ﷺ قوله، وكل منهما خبر آحاد، والوقوع دليل الجواز.
ثانيهما: الاتحاد في الرتبة من حيث السند؛ حيث إن الناسخ والمنسوخ يتَّحدان في أن كلاُّ منهما ظني الثبوت.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
يجوز نسخ السنة الآحادية بالسنة المتواترة ؛ لأن المتواتر
стр. 144
قطعي السند والآحاد ظني السند، والقطعي يقوى على نسخ الظني.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
يجوز نسخ السنة بالقرآن ؛ لأمرين:
أولهما: أن كلاً من القرآن والسنة وحي، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلاً.
ثانيهما: وقوعه؛ حيث نسخ تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسنة بالصلاة حالة الخوف وهو قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ)، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنة بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة للاتحاد في السند حيث إن كلاً منهما متواتر، والاتحاد في المصدر؛ حيث إن كلاً منهما من الله تعالى، فإذا كان كل واحد منهما قطعي الثبوت، ومصدره من الله تعالى، فإن كل واحد منهما يقوى على نسخ الآخر.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
لا يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد شرعاً؛ لأمرين:
أولهما: الاختلاف في الرتبة: فالقرآن قطعي السند وكذلك السنة
стр. 145
المتواترة، وخبر الواحد ظني السند والظني لا يقوى على نسخ القطعي.
ثانيهما: عدم الوقوع: فإنه بعد تتبع الأدلة واستقرائها لم نجد فيها أن متواتراً قد نسخه خبر واحد، فإذا لم يقع فإنه يدل على عدم الجواز.
* * *
المسألة الثامنة والعشرون:
الإجماع لا يكون منسوخاً: لأن الناسخ إما أن يكون نصاً أو إجماعاً آخر أو قياساً، وكلها باطلة، بيان ذلك:
أما كون الإجماع منسوخاً بنص فهذا باطل، لأن الناسخ لا بد أن يكون متأخراً عن المنسوخ، ومعلوم أن النص متقدم على الإجماع، والمتقدم لا ينسخ المتأخر.
أما كون الإجماع منسوخاً بإجماع آخر فهذا باطل أيضاً، لاستحالة انعقاده على خلاف إجماع آخر؛ حيث إنه لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ.
أما كون الإجماع منسوخاً بقياس فهذا باطل أيضاً؛ لأن القياس لا يكون على خلاف الإجماع؛ حيث اشترطنا في القياس: عدم مخالفته لنص أو إجماع، فعند مخالفة الإجماع للقياس فإن القياس يكون باطلاً، فلا يكون حجة، فلا يكون ناسخاً للإجماع.
* * *
المسألة التاسعة والعشرون:
الإجماع لا يكون ناسخاً: لأن الإجماع إنما يكون حجة
стр. 146
بعد عهد النبي ﷺ ؛ حيث إنه يعتمد على الاجتهاد، والنسخ إنما يكون في زمن النبي ﷺ ، وعلى هذا يستحيل اجتماعهما.
* * *
المسألة الثلاثون:
القياس يُنسخ بقياس أجلى وأقوى منه ، وبناء عليه: فإنه لما نفق الشارع على تحريم بيع البُر بالبُر متفاضلاً فإنا قسنا عليه التفاح؛ لعلة جمعت بينهما، ونتج عن هذا القياس: عدم جواز بيع التفاح بالتفاح متفاضلاً؛ قياساً على بيع البر بالبر، ولو نصَّ أيضاً على إباحة التفاضل في بيع الموز بالموز، وكان مشتملاً على علة أقوى من العلة التي في الأول، فإن هذا يقتضي إلحاق التفاح بالموز، فيكون هذا القياس ناسخاً للقياس الأول، فيكون - على هذا - القياس ناسخاً ومنسوخاً.
ولا ينسخ القياس بالنص ولا بالإجماع؛ لأنه لا قياس - أصلاً - مع النص والإجماع، ولا ينسخ القياس بقياس مساو له؛ لأنه يؤدي إلى ترجيح أحد المتساويين بدون مرجح وهو باطل، ولا ينسخ بقياس أدنى منه لأن ذلك يؤدي إلى العمل بالمرجوح، وترك الراجح.
* * *
المسألة الواحدة والثلاثون:
إذا نسخ حكم الأصل في القياس فإن حكم الفرع ينسخ تبعاً
стр. 147
لذلك؛ لأن حكم الفرع قد ثبت بالعلة التي اعتبرت لحكم الأصل، فإذا نسخ حكم الأصل فقد زال اعتبار أي علة لهذا الحكم، ومتى ما زال اعتبار العلة فقد زال اعتبار الحكم الذي ثبت بها، وبذلك يكون رفع حكم الأصل مستلزماً لرفع حكم الفرع.
فمثلاً: وجبت الكفارة على المُجامع في نهار رمضان لحديث الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ : " اعتق رقبة "، وعلة تلك الكفارة: " إفساد الصوم المحترم " عند كثير من العلماء؛ لذلك قاسوا على الجماع في نهار رمضان كل من أكل أو شرب عمداً في نهار رمضان فإنه تجب عليه الكفارة؛ نظراً لوجود العلة؛ حيث إنه أفسد صوماً محترماً، فلو نسخ حديث الأعرابي - مثلاً - فلا شك أنه سينسخ معه الحكم الذي اشتمل عليه، وهو: وجوب الكفارة في الجماع في نهار رمضان، وحكم الفرع - وهو وجوب الكفارة على الأكل والشارب عمداً في نهار رمضان - سيرتفع تبعاً لذلك، لأن العلة، وهي: انتهاك حرمة رمضان قد زال اعتبارها بسبب رفع حكم الأصل الذي استنبطت منه.
* * *
المسألة الثانية والثلاثون:
مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً ؛ لأن مفهوم الموافقة كالنص المنطوق به، فكما يجوز نسخ النص، والنسخ به، فكذلك يجوز نسخ المفهوم الموافق والنسخ به ولا فرق، والجامع: أن الحكم يؤخذ من اللفظ في كل منهما.
стр. 148
المسألة الثالثة والثلاثون:
مفهوم المخالفة يأتي منسوخاً: فيجوز نسخ حكم المسكوت الذي هو مخالف للمذكور مع نسخ الأصل، ودونه.
أما نسخ المفهوم المخالف مع أصله فهو واضح؛ حيث إنه إذا نسخ الأصل وهو النص المنطوق به ينسخ معه كل ما يفهم منه.
أما نسخ المفهوم المخالف مع بقاء أصله فقد وقع؛ حيث روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إنما الماء من الماء "، فقد نسخ مفهومه بما روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل "، وبقي أصله وهو وجوب الغسل بالإنزال.
* * *
المسألة الرابعة والثلاثون:
مفهوم المخالفة لا يكون ناسخاً ، لأن النص أقوى منه، فمفهوم المخالفة أضعف من النص المنطوق به، فلا يقوى على نسخه.
* * *
المسألة الخامسة والثلاثون:
طرق معرفة الناسخ من المنسوخ هي:
الأول: أن يعلم من اللفظ تقدم أحد الحكمين على الآخر، فيكون المتقدِّم منسوخاً، والمتأخِّر ناسخاً؛ كقوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، فإنه يفيد نسخ الإمساك بعد الإفطار، وكقوله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها "، وقوله: " كنت
стр. 149
نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، أما الآن فكلوا. . . ".
الثاني: أن يذكر الراوي - صراحة - وقت سماعه ذلك النص من النبي ﷺ فيقول: " سمعت عام الفتح كذا "، فيكون المنسوخ هو الذي تقدم على ذلك التأريخ.
الثالث: أن تجمع الأمة أو الصحابة ﵃ على أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر كنسخ رمضان لصيام يوم عاشوراء.
الرابع: أن يفهم الناسخ والمنسوخ من كلام الراوي صراحة، كقول علي ﵁: " أمرنا النبي ﷺ بالقيام للجنازة ثم قعد "، وكقول الراوي: " رخص لنا رسول الله ﷺ في المتعة ثلاثاً، ثم نهانا عنها ".
الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين لم يصحب النبي ﷺ إلا في أول الإسلام ثم انقطع، وأن راوي الخبر الآخر أسلم في آخر حياة النبي ﷺ ، فيكون نقل الثاني هو الناسخ وما نقله الأول هو المنسوخ، كخبر طلق بن علي: أن النبي ﷺ سئل عن الوضوء من مسِّ الذكر فقال: " هل هو إلا بضعة منك "، فهنا لا يجب الوضوء من مس الذكر، ولكن ذلك منسوخ بما رواه أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: " من مسَّ ذكره فليتوضأ "؛ لأن أبا هريرة أسلم في آخر حياة النبي ﷺ ، وبعد وفاة طلق بن علي.
стр. 150
المبحث الثاني الألفاظ ودلالتها على الأحكام
ويشتمل على مطالب:
المطلب الأول: في اللغات.
المطلب الثاني: في الاشتقاق.
المطلب الثالث: في الاشتراك.
المطلب الرابع: في الترادف.
المطلب الخامس: في التأكيد.
المطلب السادس: في التابع.
المطلب السابع: في الحقيقة.
المطلب الثامن: في المجاز.
المطلب التاسع: في النص.
المطلب العاشر: في الظاهر.
المطلب الحادي عشر: في التأويل.
المطلب الثاني عشر: في المجمل.
стр. 151
المطلب الثالث عشر: في المبيَّن، والمبيِّن، والبيان.
المطلب الرابع عشر: في حروف المعاني.
المطلب الخامس عشر: في الأمر.
المطلب السادس عشر: في النهي.
المطلب السابع عشر: في العموم.
المطلب الثامن عشر: في التخصيص.
المطلب التاسع عشر: في المطلق والمقيَّد.
المطلب العشرون: في المنطوق.
المطلب الواحد والعشرون: في المفهوم: مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة.
стр. 152
المطلب الأول
في اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية ؟
يجوز أن تكون اللغات والأسماء كالسماء والأرض والجنة والنار وغيرها من الأسماء كلها توقيفية، ويجوز أن تكون كلها اصطلاحية، ويجوز أن يكون بعض هذه اللغات توقيفية، وبعضها اصطلاحية، لأن الاستدلال على كونها توقيفية أو اصطلاحية، أو احتمال الأمرين يكون إما عن طريق العقل أو عن طريق الواقع.
أما العقل فإنه يجوز الأمور الثلاثة: حيث يجوز كونها توقيفية؛ لأن الله قادر على أن يخلق للناس العلم بهذه الأسماء والألفاظ، ويُسمعها بعضهم أو جميعهم، ويُخبرهم بأن هذه الأسماء قصدت للدلالة مع مسمياتها ومعانيها.
والعقل أيضاً يجوز كونها اصطلاحية بأن واحداً قد انبعثت داعيته أو جماعة انبعثت دواعيهم إلى وضع هذه الألفاظ بإزاء معانيها، ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار كما يفعل الوالدان بالولد الرضيع.
والعقل - أيضاً - يجوِّز كون بعضها توقيفي، وبعضها الآخر اصطلاحي؛ لأنه إذاً أمكن كل واحد من القسمين أمكن التركيب منهما جميعاً.
أما الواقع من هذه الأقسام فلا يمكن إلا ببرهان عقلي، أو
стр. 153
نقل وسمع قاطع، وهذا باطل؛ لأن العقل لا مجال له في اللغات ليستدل عليها به، ولعدم وجود النقل والسمع القاطع.
стр. 154
المطلب الثاني
في الاشتقاق
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
الاشتقاق هو: رد لفظ إلى لفظ آخر لموافقته له في حروفه الأصلية، ومناسبته له في المعنى، مثل: " كاذب " مشتق من " الكذب "، و " نَصَر " مشتق من " النصر ".
* * *
المسألة الثانية:
أركان الاشتقاق هي:
الركن الأول: لفظ موضوع لمعنى، وهو: المشتق منه.
الركن الثاني: لفظ آخر له نسبة إلى اللفظ الأول، وهو: المشتق.
الركن الثالث: المشاركة بين الحروف الأصلية والمعنى.
الركن الرابع: تغيير يلحق المشتق بزيادة أو نقصان.
стр. 155
مثال زيادة حرف: " كاذب " مشتق من " الكذب "، زيدت الألف.
مثال زيادة الحركة: " نَصَر " مشتق من " النصر "، زيدت حركة الصاد.
مثال نقصان الحرف: " خُفْ " مشتق من " الخوف " نقصت الواو.
مثال نقصان الحركة: " ضرب " مشتق من " ضَرَب " نقصت حركة الراء.
стр. 156
المطلب الثالث
في الاشتراك
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المشترك هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعاً أولاً كلفظ العين تطلق على الجارية، والباصرة، والذهب، والشمس. والقرء: يطلق على الحيض والطهر.
* * *
المسألة الثانية:
المشترك ممكن وواقع في اللغة: لقيام الدليل على إمكانه وجوازه، وقيام الدليل على وقوعه.
أما الدليل على إمكانه وجوازه: فهو أن المشترك يمكن أن يقع من واضعين: بأن وضع أحدهما لفظاً لمعنى، ثم وضع آخر ذلك اللفظ لمعنى آخر، كلفظ العين - يمكن أن يكون أحدهما وضعه للجارية، والآخر وضعه للباصرة، ثم اشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين في إفادة ذينك المعنيين.
ويمكن أن يقع من واضع واحد لغرض الإبهام.
стр. 157
أما الدليل على وقوعه فهو: أن " القرء " يطلق على " الطهر " و " الحيض "، فهو إما أن يكون متواطئاً أو يكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، أو يكون مشتركاً.
أما الأول: وهو: كونه متواطئاً - فهو باطل؛ لأن شرط التواطؤ: اتحاد المعنى، وهاهنا ليس كذلك.
أما الثاني: وهو كونه حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر - فهو باطل أيضاً، لأنه لو كان كذلك لتبادر المعنى الحقيقي إلى الذهن، ولكن الحق: أن الذهن - عند سماع هذا اللفظ مجرداً عن القرينة - يتردد بين " الطهر " و " الحيض "، فلم يبق إلا الثالث، وهو أنه مشترك بين هذين المعنيين، والتردد علامة الاشتراك.
والمشترك واقع في القرآن مثل: " القرء " و " عسعس " و " الصريم "، وواقع في السنة مثل " الشفق " الوارد في الحديث وهو: أن النبي ﷺ أقام العشاء حين غاب الشفق.
* * *
المسألة الثالثة:
يصح استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه في وقت واحد إذا أمكن الجمع بينها؛ لوقوعه؛ حيث قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، فالصلاة من الله تعالى: الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة الاستغفار، وهما معنيان متغايران، واستعمل لفظة " الصلاة " فيهما دفعة واحدة؛ حيث وقع الإخبار به، فدل ذلك على صحة استعمال المشترك في كل
стр. 158
معانيه في وقت واحد، والوقوع دليل الجواز.
ولأن كل عاقل يصح أن يقصد بقوله: " لا تنكح ما نكح أبوك " نهيه عن العقد وعن الوطء جميعاً من غيرِ تكرار اللفظ، ولا ينكر هذا إلا معاند، فثبت ما قلناه، وهو: أنه يصح أن يراد باللفظ المشترك جميع معانيه.
وبناء على ذلك: فإنه لا يقع طلاق المكره؛ لقوله ﷺ : " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " حيث إنا نحمل لفظ " إغلاق " على معنيين، وهما: " الجنون " و " الإكراه ".
وبناء على ذلك أيضاً يُخير أولياء الدم بين القصاص والدية في القتل العمد العدوان؛ حملاً لكلمة: " سلطانا " في قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) على معنييها وهما: القصاص والدية.
* * *
المسألة الرابعة:
أقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته:
القسم الأول: اللفظ المشترك بين مسميات متضادة لا يمكن الجمع بينها ولا الحمل عليها، كالقرء مشترك بين " الطهر " و " الحيض " وهما متضادان، والشفق مشترك بين البياض والحمرة وهما متضادان.
стр. 159
القسم الثاني: اللفظ المشترك بين مسميات مختلفة لا صلة لأحدها بالآخر كالعين، فإنها تطلق على معان كثيرة ومختلفة حقيقة. فتطلق على العين الباصرة، وعين الإراء، أو الشمس، والذهب، فهذه المعاني لا يوجد صلة بين بعضها والبعض الآخر.
القسم الثالث: اللفظ المشترك بين مسميات متناقضة مثل " إلى " على رأي القائل: إنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه.
القسم الرابع: اللفظ المشترك بين الشيء ووصفه مثل لفظ: " تأبَّط شرّا ".
القسم الخامس: اللفظ المشترك بين الفاعل والمفعول، مثل لفظ: " المختار "، يقال لمن اختار ثوباً إنه مختار، ويقال للثوب إنه مختار.
القسم السادس: الاشتراك في التركيب مثل قوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، فإن الذي بيده عقدة النكاح مشترك بين الزوج، والولي.
القسم السابع: الاشتراك في الحرف مثل: " الواو " تكون للقسم، وللعطف، وللابتداء، أو حرف " من " تكون للتبعيض، وبيان الجنس، وحرف " الباء " تكون للاستعانة والسببية.
* * *
المسألة الخامسة:
الاشتراك خلاف الأصل: لأن الأصل في اللسان العربي: أن يكون لكل لفظ معنى واحد فقط، أما أن يكون للفظ الواحد أكثر من معنى، وهو: المشترك فهو خلاف الأصل.
стр. 160
فالاشتراك مرجوح عند السامع، واللفظ الذي له معنى واحد راجح.
وعلى هذا: فإنه إذا دار اللفظ بين كونه مفرداً، وكونه مشتركاً حمل على الانفراد، دون الاشتراك.
ودل على أن اللفظ الذي له معنى واحد راجح: الاستقراء والتتبع للألفاظ العربية؛ حيث أثبت ذلك الاستقراء أن أكثر ألفاظ اللغة العربية ألفاظ منفردة ليس لها إلا معنى واحد، والكثرة تفيد الظن والرجحان، فيكون اللفظ المنفرد بمعنى واحد أكثر وجوداً من اللفظ الدال على معنيين فأكثر - وهو: المشترك - فيكون مرجوحاً؛ نظراً لقلته.
ولأن الاشتراك يؤدي إلى مفسدة ترجع إلى السامع، وهي: أن السامع قد لا يفهم المعنى المراد؛ لعدم القرينة الدالة عليه، ولا يستفسر من المتكلم، نظراً لهيبة المتكلم، أو لمانع منع السامع من الاستفسار، أو لضيق وقته، فيفهم السامع ذلك اللفظ فهماً غير صحيح، ثم يحكيه لغيره، وهكذا، وفي ذلك إفشاء للجهل وفساد كبير.
стр. 161
المطلب الرابع
في الترادف
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الترادف هو: توالي الألفاظ المفردة الدالة على مسمَّى واحد باعتبار واحد، مثل: " البُر والقمح " و " جلس وقعد ".
* * *
المسألة الثانية:
الترادف جائز عقلاً وواقع لغة: لأنه لا يترتب على فرض وقوعه محال.
ولأنه واقع في اللغة؛ حيث إنه بعد الاستقراء والتتبع لألفاظ اللغة ثبت وجود الترادف فيها:
إما بحسب اللغة: كالإنسان والبشر.
أو بحسب الشرع: كالفاسد والباطل.
أو بحسب العرف: كالأسد والسبع.
أو بحسب لغتين مختلفتين: مثل " الله " و " خُداي " بالفارسية.
стр. 162
والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الثالثة:
أسباب الترادف هي:
السبب الأول: أن يصدر اللفظان المترادفان من واضعين، فيضع أحدهما لفظاً لمعنى، ويشتهر في قبيلة ذلك الواضع، ثم يضع الشخص الآخر لفظاً آخر لذلك المعنى، ويشتهر ذلك في قبيلته، ثم اشتهر اللفظان، ولم يُعين أيُّ واضع.
السبب الثاني: أن يكون اللفظان المترادفان قد صدرا من واضع واحد، ويكون الهدف والقصد من وضعه للفظين لمعنى واحد فائدة هي: تكثير وسائل الإخبار عما في النفس، وتكثير الطرق إلى المطالب، والتوسع في مجال النظم والنثر، حيث إن المتكلم إذا عسر عليه النطق بأحد اللفظين فإنه يُعبر بلفظ آخر يكفي بالمراد.
* * *
المسألة الرابعة:
يشترط في اللفظين المترادفين: أن يدلان على المعنى دون زيادة أحدهما على الآخر، مثل: " الليث والأسد والغضنفر "، فالمفهوم من هذه الألفاظ واحد دون مزية أحدها على الآخر، وكذلك: " القمح والبر "، فإنه لا يتميز أحدهما على الآخر بشيء.
أما إذا كان أحد اللفظين يدل على المعنى مع زيادة لم يأت
стр. 163
بها اللفظ الآخر: فإنه لا يكون هذان اللفظان مترادفين؛ لاختلافهما في المدلول والمفهوم، فمثلاً: لفظ " السيف " و " الصارم " و " المهنَّد " قد تبدو للناظر أنها مترادفة، وهي في الحقيقة ليست كذلك؛ لأن مدلول ومفهوم " المهنَّد " يختلف عن مفهوم " السيف "؛ لوجود زيادة فيه دون " السيف "، حيث إنه يفهم منه نسبته إلى الهند، وكذلك " الصارم " يدل على السيف مع زيادة صفة الحدة وسرعة القطع، فعرف بذلك: أن تلك الألفاظ ليست مترادفة؛ لانعدام شرط الترادف.
* * *
المسألة الخامسة:
الترادف خلاف الأصل؛ حيث إن الأصل: أن لكل معنى لفظاً واحداً خاصاً به، فيكون الترادف - وهو: أن يكون للمعنى الواحد أكثر من لفظ واحد - خلاف الأصل.
وقلنا ذلك؛ لأنه ثبت بعد استقراء كلام العرب: أن لكل معنى لفظاً خاصاً به، وهذا في أكثر كلامهم، والكثرة تفيد الظن والرجحان، فيكون المعنى المنفرد بلفظ واحد أكثر وجوداً من المعنى الذي له لفظان فأكثر - وهو: المترادف - فيكون مرجوحاً؛ نظراً لقلَّته.
ولأنه لمَّا عرفنا المعنى بأحد اللفظين، وحصل المقصود، فالأصل عدم الثاني؛ لعدم الحاجة إليه، ولأنه يلزم منه تعريف المعرف، فيكون تحصيل حاصل وهو باطل.
* * *
المسألة السادسة:
يجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر في لغة واحدة
стр. 164
ولا يجوز من لغتين مختلفتين؛ لأن واضع أحد المترادفين موضع الآخر من لغة واحدة لا يلزم منه الإخلال والإفساد للمعنى؛ أي: أن صحة التركيب وفساده متعلق بالمعنى دون اللفظ، فإذا صح المعنى لم يبق محذور، لأن كلا اللفظين معروف لأهل هذه اللغة فكان ذلك جائزاً.
أما وضع أحد اللفظين موضع الآخر من لغتين فلا يجوز، فلا يصح أن تضع: " خداي أكبر " موضع " الله أكبر "؛ لأنه يلزم منه اختلاط اللغتين، ويلزم منه أيضاً: ضم مهمل إلى مستعمل؛ لأن اللفظ المرادف من اللغة الأخرى يُعتبر مهملاً بالنظر إلى أهل اللغة الأخرى الذين لا يفهمونه.
وبناء على هذا: فإنه يجوز نقل الحديث بالمعنى في لغة واحدة، دون اللغتين.
стр. 165
المطلب الخامس
في التأكيد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التأكيد هو: تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر مستقل بالإفادة.
* * *
المسألة الثانية:
يُفرَّق بين التأكيد والترادف: بأن اللفظ المؤكِّد - بكسر الكاف - يقوي اللفظ المؤكَّد - بفتح الكاف -.
أما اللفظان المترادفان فلا يقوي أحدهما الآخر، لأن اللفظ المرادف يدل على الذات لا على التقوية.
* * *
المسألة الثالثة:
التوكيد جائز عقلاً، وواقع لغة؛ لأنه لا يترتب على فرض وقوعه محال، ولوقوعه؛ حيث إنه بعد استقراء كلام العرب ثبت وجود ألفاظ مؤكدة لألفاظ أخرى مثل: " جاء زيد نفسه "، و " جاء العلماء كلهم " ونحو ذلك، والوقوع دليل الجواز.
стр. 166
المسألة الرابعة:
أقسام التأكيد هي:
القسم الأول: تأكيد اللفظ بنفسه، وهو نوعان:
النوع الأول: تأكيد اللفظ بنفسه إذا كان مفرداً مثل: " جاء محمد محمد ".
النوع الثاني: تأكيد اللفظ بنفسه إذا كان جملة، مثل قوله ﷺ : " والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً ".
القسم الثاني: أن يؤكد اللفظ بغيره، وهو أنواع:
النوع الأول: أن يكون المؤكد مفرداً، فيؤكد بألفاظ معروفة مثل: " النفس " و " العين "، كقولك: " جاء زيد نفسه أو عينه ".
النوع الثاني: أن يكون المؤكد مثنى، فيؤكد بلفظ: " كِلا " و" كلتا "، كقولك: " جاء الرجلان كلاهما "، و " جاءت المرأتان كلتاهما ".
النوع الثالث: أن يكون المؤكد جمعاً، فيؤكد بلفظ " كل " و" أجمعون "، كقولك: " جاء الرجال كلهم "، و " أكرمت العلماء أجمعين "، ويؤكد أيضاً بلفظ: " أكتع " و " أبتع " و " أبصع ".
стр. 167
المطلب السادس
في التابع
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التابع هو: أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها إشباعاً أو تأكيداً، كقولك: " عطشان نطشان "، و " جائع نائع "، و " شذر مذر "، و" شيطان ليطان "، و " حياك الله وبياك "، و " حقير نقير ".
* * *
المسألة الثانية:
يفرق بين التابعٍ والترادف بأن التابع - وهو: اللفظ الذي بعد الأول - لا يفيد شيئا غير تقوية الأول، فلا يفيد بدون المتبوع.
أما اللفظان المترادفان: فإن كل واحد من المترادفين يفيد المعنى لو انفرد؛ لأنه مثل مرادفه في الرتبة.
* * *
المسألة الثالثة:
وجه الاتفاق بين التابع والتأكيد: أن كلاً من التأكيد مع المؤكد، والتابع مع المتبوع: لم يفد عين ما أفاده الآخر، وإنما أفاد تقوية المعنى - فقط -.
* * *
المسألة الرابعة:
وجه الفرق بين التابع والتأكيد؛ أن التابع يُشترط فيه: أن يكون
стр. 168
على وزن متبوعه مثل: " عطشان نطشان "، و " جائع نائع "، و " حسن بسن ".
أما التأكيد مع المؤكد فلا يشترط ذلك فيه، مثل: " جاء زيد نفسه أو عينه ".
стр. 169
المطلب السابع
في الحقيقة
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
الحقيقة هي: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي كالأسد يطلق على الحيوان المفترس.
* * *
المسألة الثانية:
أقسام الحقيقة هي:
القسم الأول: حقيقة لغوية وضعية، وهي: الثابتة بالوضع اللغوي.
أي: أن يضع الواضع لفظاً لمعنى إذا أطلق ذلك اللفظ فُهم ذلك المعنى الموضوع له، مثل لفظ " الأسد " يفهم منه الحيوان المفترس فلا ينقدح في الذهن - عند إطلاقه - إلا هذا المعنى، فيكون حقيقة، وهذا هو المقصود بالحقيقة، وهي الأسبق إلى الذهن من الحقيقة العرفية والشرعية.
القسم الثاني: حقيقة عرفية وهي: قول خُصَّ في العُرف ببعض مسمَّياته وإن كان وضعها للجميع حقيقة، وهي:
стр. 170
إما أن يكون للاسم معنيان، فيستعمله أهل اللغة لمعنى واحد فقط دون الآخر أو يخصصونه به، ويعرف بينهم، مثل لفظ " الدابة "، فإنه خصِّص في العرف للفرس ولكل ذات حافر، مع أنه يطلق في اللغة على كل ما يدب على الأرض.
وإما إن يشيع استعمال الاسم في غير ما وضع له أصلاً بحيث لا ينكره أحد، كلفظ " الغائط " فإنه يطلق لغة على المطمئن والمنخفض من الأرض، ثم استعمل عرفاً في الخارج المستقذر من الإنسان، وهذا الاستعمال وإن كان مجازاً إلا أنه اشتهر وشاع حتى صار هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، ونُسي الأول.
القسم الثالث: حقيقة شرعية، وهي: اللفظ المستعمل في الشريعة على غير ما كان عليه في وضع اللغة، كالصلاة - مثلاً - فإنها في اللغة: الدعاء، فاستعمل هذا اللفظ في الشريعة على الأقوال والأفعال المخصوصة، فصارت حقيقة فيها.
والشارع نقل لفظ " الصلاة " وغيرها كالصوم، والزكاة، والحج عن مسمياتها ومعانيها اللغوية إلى معانِ أخر بينها وبين تلك المسمَّيات - بحسب اللغة - مناسبة معتبرة، واشتهرت بعد أن كانت لغوية، فصارت حقائق شرعية.
فالصلاة لغة: الدعاء، والزكاة لغة: النماء، والصوم لغة: الإمساك، والحج لغة: القصد، فنقل الشارع هذه الألفاظ من معانيها اللغوية السابقة واستعملها في معان أُخر شرعية، وليس هذا نقلاً مطلقاً، بل مع وجود علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.
دل على ذلك: الاستقراء والتتبع للألفاظ الشرعية التي
стр. 171
استعملها الشارع، حيث إنه ثبت - بعد هذا الاستقراء - أن الشارع قد استعمل لفظ " الحج " و " الصوم " و " الإيمان " و " الزكاة " و " الصلاة " في معان لها علاقة بمعناها اللغوي - كما سبق بيانه - وثبت أنه ليس نقلاً كلياً للفظ، بل يوجد ارتباط بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.
وبناء على ذلك: فإن تلك الألفاظ - وهي: الصلاة والزكاة ونحوها - إذا وجدت في كلام الشارع مجردة عن القرينة، تحمل على الحقيقة الشرعية دون اللغوية، ويكون المعنى واضحاً لا إجمال فيه.
стр. 172
المطلب الثامن
في المجاز
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المجاز هو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي لعلاقة.
* * *
المسألة الثانية:
المجاز واقع في اللغة: لأن اللغة العربية لغة فصيحة، والمجاز لا ينافي الفصاحة، بل ربما كان المجاز أبلغ من الحقيقة.
ولأن المجاز قد وقع في اللغة؛ حيث كانت العرب تستعمله كثيراً في لغتهم، كاستعمال لفظ " الأسد " للرجل الشجاع، ولفظ " الحمار " للرجل البليد، وقول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير. . . كرُّ الغداة ومرُّ العشي
стр. 173
المسألة الثالثة:
يشترط في المجاز: وجود العلاقة، وهذه العلاقة أنواع:
الأول: السببية: وهو إطلاق السبب على المسبِّب، كقولهم: " سال الوادي "، والمراد: سال الماء في الوادي، لكن لما كان الوادي سبباً قابلاً لسيلان الماء فيه: صار الماء من حيث القابلية كالمسبب له، فوضع لفظ الوادي موضعه.
الثاني: المسببية: وهو إطلاق المسبِّب على السبب، كتسمية المرض الشديد بالموت؛ لأن المرض الشديد عادة يؤدي إلى الموت.
الثالث: المشابهة: بأن يُسمى الشيء باسم مشابهة في صفة ظاهرة، كتسمية الرجل الشجاع بالأسد، ويُسمَّى المجاز الذي باعتبار المشابهة بالاستعارة.
الرابع: المجاورة: بأن يُسمَّى الشيء باسم مجاوره، كإطلاق " الراوية " على القربة، والراوية في الأصل اسم للجمل الذي يحمل تلك القربة، ولكنه أطلق على القربة لمجاورتها له.
الخامس: المضادة: بأن يُسمَّى الشيء باسم ضده، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، فقد أطلق على الجزاء سيئة مع أنه عدل، لكونها ضدها.
السادس: إطلاق اسم الشيء كله على ما أعد له، مثل قولهم: " الزوجة محللة "، ومعروف أن المحلَّل هو وطئها فقط.
السابع: النقصان: بأن يذكر المضاف إليه ويراد به مجموع المضاف مع المضاف إليه، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ).
стр. 174
الثامن: الكلية: بأن يطلق الجزء، والمراد به الكل، كقولك: " أنا أملك رأسين من الغنم "، فأطلق الجزء وهو: " الرأس "، وأراد جميع الجسم.
التاسع: الجزئية: بأن يطلق الكل، والمراد الجزء، كقوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ)، فقد أطلق الكل وهي: الأصابع، والمراد الجزء وهي: الأنامل منها فقط، لأن العادة أن الإنسان لا يدخل أصبعه في أذنه.
العاشر: تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه، كتسمية المعتَق عبداً باعتبار أنه كان كذلك.
الحادي عشر: تسمية الشيء باعتبار ما سيكون عليه، كتسمية الخمر في الدُّن بالمسكر، حيث إن الخمر في الدُّن ليس بمسكر، بل سيكون مسكراً إذا شُرب.
الثاني عشر: التعلق، وهو التعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول، واسم الفاعل، فإن كلاً منها يطلق على الآخر مجازاً.
فيطلق المصدر على اسم المفعول كقوله تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) أي: مخلوقه، ويطلق اسم المفعول على المصدر كقوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)) أي: الفتنة، ويطلق اسم الفاعل على اسم المفعول كقوله تعالى: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) أي: مدفوق، ويطلق اسم المفعول على اسم الفاعل كقوله تعالى: (حِجابًا مَّستُورُا) أي: ساتراً، ويطلق اسم الفاعل على المصدر كقولك: " قم قائماً " أي: قياماً، ويطلق المصدر على اسم الفاعل كقولك: " رجل عدل "، أي عادل.
стр. 175
الثالث عشر: إطلاق الأثر على المؤثر، كتسمية ملك الموت موتاً.
الرابع عشر: إطلاق المؤثر على الأثر، كقولك: " ما في الوجود إلا الله تعالى "، تريد آثاره، والدلالة عليه في العالم.
الخامس عشر: إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كإطلاق " المس " على الجماع.
السادس عشر: إطلاق اسم الملزوم على اللازم، كقوله تعالى: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ)، أي: يدل، والدلالة من لوازم الكلام.
السابع عشر: إطلاق اسم البدل على المبدل، كتسمية الدية بالدم، فيقولون: " أكل فلان دم فلان "، أي: ديته.
الثامن عشر: إطلاق اسم المبدل على البدل، كتسمية الأداء بالقضاء في قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ)، أي: أديتم.
* * *
المسألة الرابعة:
أسباب العدول من الحقيقة إلى المجاز هي:
السبب الأول: الحرص على بلاغة الكلام، قال بعض أهل اللغة: إن المجاز في الاستعمال أبلغ من الحقيقة، وأنه يلطف الكلام ويكسبه حلاوة، ويكسوه رشاقة، فمثلاً قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)، وقوله: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)) لو استعملت الحقيقة في ذلك لم تعط ما أعطي المجاز من البلاغة والإعجاز اللغوي.
السبب الثاني: تكثير الفصاحة، وتحريك الذهن، لأن فهم
стр. 176
المعنى منه يتوقف على قرينة، وفي ذلك غموض يحوِج إلى حركة الذهن، فيحصل من الفهم شبيه بلذة الكسب.
السبب الثالث: التعظيم والتبجيل كقولهم: " سلام الله على الحضرة العالية والمجلس الكريم "، فيعدل عن اللقب الصريح إلى المجاز تعظيماً محال المخاطب.
السبب الرابع: التنزه عن ذكر الحقيقة، فيُعبِّر العربي عن قضاء الوطر من النساء بالوطء، وُيعبر عن ذكر ما يخرج من الإنسان من القذارة بالغائط.
السبب الخامس: الحرص على اختصار الكلام، وإيجازه كقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا)، وقولهم: " رأيت أسداً يخطب ".
السبب السادس: تفهيم المعقول بصورة المحسوس لتلطيف الكلام وزيادة الإيضاح، كقوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ).
* * *
المسألة الخامسة:
الحقيقة لا تستلزم المجاز: فلا يلزم أن يكون لكل حقيقة مجاز؛ لأن كون اللفظ قد استعمل فيما وضع له لا يلزم منه أن يستعمل فيما عداه من المعاني، بل قد يكون له معنى واحد فقط.
* * *
المسألة السادسة:
أن المجاز يستلزم الحقيقة، فيلزم أن يكون لكل مجاز وجود حقيقة في شيء أَخر؛ لأن المجاز فرع والحقيقة أصل، ومتى ما
стр. 177
وجد الفرع لا بد أن يوجد الأصل.
* * *
المسألة السابعة:
المجاز خلاف الأصل: لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وقلنا ذلك؛ لأن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول، ويحتاج إلى المناسبة بين الموضوع الأصلي والمدلول المجازي، والنقل إلى المعنى الثاني، والمجاز أيضاً مخل بالفهم؛ إذا لم توجد قرينة، أو لم يتنبه للقرينة، أو تعددت المجازات.
أما الحقيقة فهي محتاجة إلى الأمر الأول - وهو: الوضع الأول - ومعلوم أن المفتقر إلى أمر واحد أغلب وجوداً وأرجح مما هو مفتقر إلى أمور كثيرة.
* * *
المسألة الثامنة:
نعرف الحقيقة من المجاز بالطرق التالية:
الطريق الأول: سبق الفهم: أي: يكون اللفظ حقيقة في المعنى الذي تبادر إلى فهم السامع مطلقاً، أي: بدون قرينة.
الطريق الثاني: العراء عن القرينة؛ حيث إن أهل اللغة إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى من المعاني اقتصروا على عبارة مخصوصة، بدون ذكر قرينة، فهذا هو الحقيقة، أما لو أراد المجاز فإنهم يذكرون معها قرينة.
الطريق الثالث: صحة الاشتقاق: أي: يكون أحد اللفظين
стр. 178
يصح فيه الاشتقاق والتصريف إلى الماضي والمستقبل واسم الفاعل واسم المفعول، واللفظ الآخر لا يصح فيه ذلك، فيكون الأول هو الحقيقة، والثاني هو المجاز؛ لأن تصريف اللفظ يدل على قوته وأصالته، وعدم تصريفه يدل على ضعفه وفرعيته، فلفظ " الأمر " يطلق على الطلب مثل: " اُدخل "، ويطلق على " الفعل " كقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)، فوجدنا العرب يصرفون الأمر الذي بمعنى الطلب فيقولون: أمر يأمر أمراً فهو مأمور، وهو: آمر، في حين أنهم لا يقولون ذلك في الأمر بمعنى الفعل.
الطريق الرابع: صحة نفي المجاز؛ حيث يصح أن يقال لمن سمي من الناس حماراً لبلادته: إنه ليس بحمار، ولكن لا يصح أن يقال: إنه ليس بإنسان في نفس الأمر؛ لأنه حقيقة فيه.
الطريق الخامس: الاطراد وعدمه، فالمطرد هو الحقيقة، وغير المطرد هو المجاز، كتسمية الرجل الطويل نخلة فهذا مجاز؛ لأنه لا يطرد؛ حيث لا يسمى كل طويل من شجر أو عصا ونحو ذلك بالنخلة.
الطريق السادس: إطلاق اللفظ على المستحيل يُعلم به أن هذا الإطلاق مجاز كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فإن السؤال بالنسبة إلى القرية مستحيل عادة.
* * *
المسألة التاسعة:
إذا دار اللفظ المتجرد عن القرائن بين الحقيقة والمجاز فإنه يحمل على الحقيقة، ولا يكون مجملاً ومشتركاً بين المعنيين، لأننا لو رأينا كل لفظ احتمل أن يكون حقيقة وأن يكون مجازاً وجعلناه مجملاً، للزم من ذلك أمران باطلان.
стр. 179
أولهما: بقاء كثير من ألفاظ الكتاب والسنة بدون أن يعمل بها، فيفضي ذلك إلى عدم الاستفادة منها؛ لأن حكم المجمل هو التوقف حتى يأتي دليل يرجح أحد المعاني، وهذا يؤدي إلى تعطيل كثير من النصوص بلا عمل، وهذا ظاهر البطلان.
ثانيهما: اختلال واضطراب مقصود الوضع اللغوي، أي: لا نفهم من أي لفظة أي معنى مقصود مما يؤدي إلى عدم تفاهم الناس في مخاطباتهم.
وعلى هذا لا يمكن صرف اللفظ إلى المجاز إلا بقرينة.
* * *
المسألة العاشرة:
إذا غلب المجاز في استعمال الناس أي: تعارف الناس واعتادوا على التخاطب بالمجاز دون الحقيقة، وانتشر ذلك بينهم: فإن اللفظ يحمل على المجاز، وتكون الحقيقة كالمتروكة المنسية التي لا تنقدح في أذهان المتخاطبين.
فلو قال شخص: " رأيت راوية "، أو قال: " رأيت غائطا "، أو قال: " وطئت زوجتي "، فإنه ينقدح في أذهان الناس أن المقصود بالأول هو: " وعاء الماء "، وفي الثاني: الشيء المستقذر الخارج من الإنسان، وفي الثالث: الجماع.
ولا تنقدح في أذهانهم الحقيقة وهي في الأول: الجمل الذي يستقى عليه، وفي الثاني: المكان المطمئن المنخفض من الأرض، وفي الثالث: الوطء بالرجل.
ففي هذه الأمثلة صارت الحقيقة منسية متروكة، والمجاز معروفاً سابقاً إلى الفهم، ولا يمكن صرفه إلى الحقيقة إلا بدليل.
стр. 180
المطلب التاسع
في النص
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
النص هو: اللفظ الذى يفيد معناه بنفسه من غير احتمال، كقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وقوله ﷺ : " أطعموا الجدات السدس "، فهذه النصوص تفيد معانيها بدون أي قرينة، ولا تحتمل أي معنى آخر ولو كان ضعيفاً.
* * *
المسألة الثانية:
لا يجوز إطلاق النص على الظاهر: فالنص له تعريفه الخاص به، والظاهر له تعريفه الخاص به، وذلك لأننا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر للزم من ذلك أمران هما على خلاف الأصل عند أهل اللغة.
أولهما: الترادف؛ حيث يكون معنى النص والظاهر واحداً، وهذا هو الترادف الذي هو على خلاف الأصل.
следующие страницы →