← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29884

الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح

عبد الكريم النملة

Полный текст (415 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المعنى منه يتوقف على قرينة، وفي ذلك غموض يحوِج إلى حركة الذهن، فيحصل من الفهم شبيه بلذة الكسب. السبب الثالث: التعظيم والتبجيل كقولهم: " سلام الله على الحضرة العالية والمجلس الكريم "، فيعدل عن اللقب الصريح إلى المجاز تعظيماً محال المخاطب. السبب الرابع: التنزه عن ذكر الحقيقة، فيُعبِّر العربي عن قضاء الوطر من النساء بالوطء، وُيعبر عن ذكر ما يخرج من الإنسان من القذارة بالغائط. السبب الخامس: الحرص على اختصار الكلام، وإيجازه كقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا)، وقولهم: " رأيت أسداً يخطب ". السبب السادس: تفهيم المعقول بصورة المحسوس لتلطيف الكلام وزيادة الإيضاح، كقوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ). * * * المسألة الخامسة: الحقيقة لا تستلزم المجاز: فلا يلزم أن يكون لكل حقيقة مجاز؛ لأن كون اللفظ قد استعمل فيما وضع له لا يلزم منه أن يستعمل فيما عداه من المعاني، بل قد يكون له معنى واحد فقط. * * * المسألة السادسة: أن المجاز يستلزم الحقيقة، فيلزم أن يكون لكل مجاز وجود حقيقة في شيء أَخر؛ لأن المجاز فرع والحقيقة أصل، ومتى ما

стр. 177

وجد الفرع لا بد أن يوجد الأصل. * * * المسألة السابعة: المجاز خلاف الأصل: لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وقلنا ذلك؛ لأن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول، ويحتاج إلى المناسبة بين الموضوع الأصلي والمدلول المجازي، والنقل إلى المعنى الثاني، والمجاز أيضاً مخل بالفهم؛ إذا لم توجد قرينة، أو لم يتنبه للقرينة، أو تعددت المجازات. أما الحقيقة فهي محتاجة إلى الأمر الأول - وهو: الوضع الأول - ومعلوم أن المفتقر إلى أمر واحد أغلب وجوداً وأرجح مما هو مفتقر إلى أمور كثيرة. * * * المسألة الثامنة: نعرف الحقيقة من المجاز بالطرق التالية: الطريق الأول: سبق الفهم: أي: يكون اللفظ حقيقة في المعنى الذي تبادر إلى فهم السامع مطلقاً، أي: بدون قرينة. الطريق الثاني: العراء عن القرينة؛ حيث إن أهل اللغة إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى من المعاني اقتصروا على عبارة مخصوصة، بدون ذكر قرينة، فهذا هو الحقيقة، أما لو أراد المجاز فإنهم يذكرون معها قرينة. الطريق الثالث: صحة الاشتقاق: أي: يكون أحد اللفظين

стр. 178

يصح فيه الاشتقاق والتصريف إلى الماضي والمستقبل واسم الفاعل واسم المفعول، واللفظ الآخر لا يصح فيه ذلك، فيكون الأول هو الحقيقة، والثاني هو المجاز؛ لأن تصريف اللفظ يدل على قوته وأصالته، وعدم تصريفه يدل على ضعفه وفرعيته، فلفظ " الأمر " يطلق على الطلب مثل: " اُدخل "، ويطلق على " الفعل " كقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)، فوجدنا العرب يصرفون الأمر الذي بمعنى الطلب فيقولون: أمر يأمر أمراً فهو مأمور، وهو: آمر، في حين أنهم لا يقولون ذلك في الأمر بمعنى الفعل. الطريق الرابع: صحة نفي المجاز؛ حيث يصح أن يقال لمن سمي من الناس حماراً لبلادته: إنه ليس بحمار، ولكن لا يصح أن يقال: إنه ليس بإنسان في نفس الأمر؛ لأنه حقيقة فيه. الطريق الخامس: الاطراد وعدمه، فالمطرد هو الحقيقة، وغير المطرد هو المجاز، كتسمية الرجل الطويل نخلة فهذا مجاز؛ لأنه لا يطرد؛ حيث لا يسمى كل طويل من شجر أو عصا ونحو ذلك بالنخلة. الطريق السادس: إطلاق اللفظ على المستحيل يُعلم به أن هذا الإطلاق مجاز كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فإن السؤال بالنسبة إلى القرية مستحيل عادة. * * * المسألة التاسعة: إذا دار اللفظ المتجرد عن القرائن بين الحقيقة والمجاز فإنه يحمل على الحقيقة، ولا يكون مجملاً ومشتركاً بين المعنيين، لأننا لو رأينا كل لفظ احتمل أن يكون حقيقة وأن يكون مجازاً وجعلناه مجملاً، للزم من ذلك أمران باطلان.

стр. 179

أولهما: بقاء كثير من ألفاظ الكتاب والسنة بدون أن يعمل بها، فيفضي ذلك إلى عدم الاستفادة منها؛ لأن حكم المجمل هو التوقف حتى يأتي دليل يرجح أحد المعاني، وهذا يؤدي إلى تعطيل كثير من النصوص بلا عمل، وهذا ظاهر البطلان. ثانيهما: اختلال واضطراب مقصود الوضع اللغوي، أي: لا نفهم من أي لفظة أي معنى مقصود مما يؤدي إلى عدم تفاهم الناس في مخاطباتهم. وعلى هذا لا يمكن صرف اللفظ إلى المجاز إلا بقرينة. * * * المسألة العاشرة: إذا غلب المجاز في استعمال الناس أي: تعارف الناس واعتادوا على التخاطب بالمجاز دون الحقيقة، وانتشر ذلك بينهم: فإن اللفظ يحمل على المجاز، وتكون الحقيقة كالمتروكة المنسية التي لا تنقدح في أذهان المتخاطبين. فلو قال شخص: " رأيت راوية "، أو قال: " رأيت غائطا "، أو قال: " وطئت زوجتي "، فإنه ينقدح في أذهان الناس أن المقصود بالأول هو: " وعاء الماء "، وفي الثاني: الشيء المستقذر الخارج من الإنسان، وفي الثالث: الجماع. ولا تنقدح في أذهانهم الحقيقة وهي في الأول: الجمل الذي يستقى عليه، وفي الثاني: المكان المطمئن المنخفض من الأرض، وفي الثالث: الوطء بالرجل. ففي هذه الأمثلة صارت الحقيقة منسية متروكة، والمجاز معروفاً سابقاً إلى الفهم، ولا يمكن صرفه إلى الحقيقة إلا بدليل.

стр. 180

المطلب التاسع في النص وفيه مسائل: المسألة الأولى: النص هو: اللفظ الذى يفيد معناه بنفسه من غير احتمال، كقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وقوله ﷺ : " أطعموا الجدات السدس "، فهذه النصوص تفيد معانيها بدون أي قرينة، ولا تحتمل أي معنى آخر ولو كان ضعيفاً. * * * المسألة الثانية: لا يجوز إطلاق النص على الظاهر: فالنص له تعريفه الخاص به، والظاهر له تعريفه الخاص به، وذلك لأننا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر للزم من ذلك أمران هما على خلاف الأصل عند أهل اللغة. أولهما: الترادف؛ حيث يكون معنى النص والظاهر واحداً، وهذا هو الترادف الذي هو على خلاف الأصل.

стр. 181

ثانيهما: الاشتراك؛ حيث إنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن الذي يحتمل معنيين هو في أحدهما أظهر: النص والظاهر، وهذا هو الاشتراك الذي هو خلاف الأصل. * * * المسألة الثالثة: يجب على المكلف أن يعمل بالحكم الذي دل عليه النص ولا يتركه إلا إذا ثبت ناسخ له، فيترك المنسوخ ويعمل بالناسخ.

стр. 182

المطلب العاشر في الظاهر وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الظاهر: هو اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في أحدهما أظهر، كالصيغ التي جُعلت للعموم، مثل: " مَن دخل داري فأكرمه "، فإن لها معنيين: العموم والخصوص، والعموم أرجح. * * * المسألة الثانية: يجب على المكلف أن يعمل بالحكم الذي ظهر وترجح من اللفظ، ولا يجوز ترك ذلك المعنى الراجح إلا إذا قام دليل صحيح على تأويله، أو تخصيصه، أو نسخه.

стр. 183

المطلب الحادي عشر في التأويل وفيه مسائل: * * * المسألة الأولى: التأويل هو: حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده، وأمثلته ستأتي في المسألة الثانية. * * * المسألة الثانية: أنواع التأويل هي: النوع الأول: التأويل القريب، وهو: ما إذا كان المعنى المأؤَل إليه اللفظ قريباً جداً، فهذا يكفيه أدنى دليل. مثل: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ)، فإن القيام إلى الصلاة قد صرف عن معناه الظاهر إلى معنى قريب محتمل، وهو: العزم على أداء الصلاة، والمراد: إذا عزمتم على أداء الصلاة، والذي رجح هذا الاحتمال دليل وهو: أن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلفين بعد الشروع في الصلاة.

стр. 184

النوع الثاني: التأويل البعيد، وهو: ما إذا كان المعنى المأوَّل إليه اللفظ بعيداً جداً، فهذا يحتاج إلى دليل في غاية القوة. مثل قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)، فقد أؤَل ذلك بعضهم بأن المراد: مسح الرجلين بدلاً من غسلهما، وقد استدل على هذا التأويل بقراءة الجر في قوله: (وَأَرْجُلِكُمْ) وأن ذلك كان عطفاً على قوله: (بِرُءُوسِكُمْ) فقالوا ذلك نظراً إلى تلك القراءة، ولكن ما ثبت من الأحاديث الصحيحة التي أمرت بغسل الرجلين جعل هذا التأويل بعيداً جداً. النوع الثالث: التأويل المتوسط، وهو: ما كان المعنى المأوَّل إليه متوسطاً، فإن هذا يحتاج إلى دليل متوسط في القوة. والفقيه المجتهد هو الذي يُعين التأويل البعيد من القريب من المتوسط، ويوضح حدودها وذلك بدقة نظره، وقوة ملاحظته. * * * المسألة الثالثة: شروط التأويل هي: الشرط الأول: أن يكون المتأول من أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال. الشرط الثاني: أن يكون المعنى الذي أُوِّل إليه اللفظ من المعانى التي يحتملها اللفظ ظاهراً فيما صُرف عنه، محتملًا لما صُرف إليه. الشرط الثالث: أن يعتمد التأويل على دليل صحيح يدل دلالة واضحة وصريحة على صرف اللفظ من ظاهره إلى غيره، وهو إما

стр. 185

نص، أو قرينة، أو قياس، أو نحو ذلك مما هو أقوى من الظاهر. * * * المسألة الرابعة: حكم التأويل: إنه مقبول إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل العلماء في كل عصر من عهد النبي ﷺ إلى زماننا هذا عاملين به من غير أن ينكر عليهم أحد.

стр. 186

المطلب الثاني عشر في المجمل وفيه مسائل: المسألة الأولى: المجمل: هو ما له دلالة على معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه. * * * المسألة الثانية: أسباب الإجمال هي: السبب الأول: الاشتراك في اللفظ المفرد كالعين، والشفق، والقرء. السبب الثاني: الاشتراك في اللفظ المركب، كقوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، فالذي بيده عقدة النكاح مشترك بين أن يكون الزوج، وهو رأي الجمهور، أو هو الولي وهو رأي الإمام مالك. السبب الثالث: الاشتراك في الحرف كالواو في قوله تعالى:

стр. 187

(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ) مترددة بين أن تكون عاطفة وبين أن تكون للابتداء. السبب الرابع: التصريف في اللفظ، كلفظ: " المختار " في عبارة: " زيد المختار "، فلا يعرف هل زيد هو الذي اختار فيكون فاعلاً أو زيد هو الذي اختير فيكون مفعولاً به. السبب الخامس: التردد في مرجع الضمير كقوله ﷺ : " لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره "، فالضمير فى لفظ " جداره " يحتمل أن يعود إلى الغارز، أو إلى جاره. السبب السادس: التخصيص بالمجهول كقولهم: " اقتلوا المشركين إلا بعضهم "، لأن العام إذا خص بمجهول يصير الباقي محتملاً، فكان مجملاً. * * * المسألة الثالثة: الإجمال كما يكون في اللفظ فإنه يكون في الفعل؛ لذلك قلت في تعريفه: " ما له دلالة على معنيين " ولم أقل: " اللفظ الدال على معنيين "، ليشمل اللفظ والفعل، وقد ورد ذلك مثل: أن يفعل الرسول ﷺ فعلاً يحتمل وجهين متساويين، كما روي عنه ﷺ : " أنه جمع بين الصلاتين في السفر" فإن هذا مجمل؛ لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو سفر قصير، فلا يحمل على أحدهما إلا بدليل. * * * المسألة الرابعة: حكم المجمل: يجب أن نتوقف فيه، فلا يجوز العمل به حتى يأتي دليل خارجي يدل على أن المراد هو أحد المعنيين، لأن اللفظ المتردد بين معنيين إما أن يراد كل واحد منهما معاً

стр. 188

وهذا باطل لاستحالة العمل بمعنيين كل واحد منهما ضد الآخر، وإما أن لا يراد كل واحد منهما، وهذا باطل - أيضاً - لأنه يؤدي إلى خلو اللفظ عن المعنى، وهذا لا يتكلم به العقلاء. وإما أن يراد أحد المعنيين دون الآخر، وهو الصحيح لكننا لا نعرف المعنى المراد إلا بدليل خارجي. * * * المسألة الخامسة: المجمل إذا تعلق به حكم تكليفي لا يجوز بقاؤه بدون بيان بعد وفاة النبي ﷺ ؛ لأن تأخير بيانه تأخير للبيان عن وقت الحاجة وهذا لا يجوز، أما إن لم يتعلق به حكم تكليفي فيجوز بقاؤه مجملاً؛ لعدم وجود ضرورة تدعو إلى بيانه.

стр. 189

المطلب الثالث عشر المبيَّن، والمبيِّن، والبيان وفيه مسائل: المسألة الأولى: المبيَّن - بفتح الياء -: اسم مفعول من التبيين وهو: الموضَّح والمفسَّر، وهو: اصطلاحاً يطلق ويراد به الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان، وهو الواضح بنفسه. ويطلق ويراد به: ما وقع عليه البيان مما احتاج إليه، وهو: الواضح بغيره، وُيسمَّى ذلك الغير مبيِّناً. والمبيِّن - بكسر الياء -: اسم فاعل من بيَّن، يبيِّن فهو مبيِّن، أي: موضِّح لغيره، وهو: الدليل المبيِّن. والبيان: اسم مصدر بيَّن. وهو اصطلاحاً: الدليل، والدليل هو: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. * * * المسألة الثانية: المراد من البيان هو: الدليل؛ حيث إن البيان عام لما سبقه إجمال، ولما جاء ابتداء، ولا يكون خاصاً بالمجمل فقط، وقلنا

стр. 190

ذلك؛ لأن الواقع يشهد أن الشخص إذا دلَّ غيره على شيء فإنه يقال له: " بينه له " ويوصف بأنه: " بيان حسن " فهذا يصح إطلاقه، فإن لم يكن قد سبقه لفظ مجمل، والأصل في الإطلاق الحقيقة. ولأن النصوص الشرعية التي أوردت الأحكام ابتداء تُسمَّى بياناً قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) وأراد به القرآن، فلا يشترط فيه أن يكون بياناً لمشكل. * * * المسألة الثالثة: أقسام المبيَّن - بفتح الياء -: القسم الأول: المبيَّن بنفسه، وهو: الذي استقل بإفادة معناه بنفسه، أي: من غير أن ينضم إليه قول أو فعل، وُيسمَّى بالواضح بنفسه، وهو نوعان: النوع الأول: أن تكون إفادته للمراد بسبب راجع إلى اللغة كقوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، فإن إفادته شمول علمه تعالى جميع الأشياء ثبت عن طريق اللغة من غير توقف. النوع الثاني: أن تكون إفادته للمراد بسبب راجع إلى العقل كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فاللغة اقتضت طلب السؤال من القرية، وهو غير ممكن عقلاً، بل إن المقصود هو طلب السؤال من أهل القرية؛ لأن الأبنية لا يوجه إليها أسئلة، فتعين المضمر من غير توقف.

стр. 191

القسم الثاني: المبيّن بغيره، وهو: الذي لا يستقل بإفادة معناه، بل يفتقر إلى دليل يبينه من قول أو فعل، وذلك الدليل يُسمَّى مبيِّناً. * * * المسألة الرابعة: يحصل البيان بما يلي: أولاً: القول: أي يحصل البيان به وُيسمَّى البيان بالكلام، وهو: التلفظ صراحة بالمراد؛ لوقوعه في الشريعة؛ حيث بين الرسول ﷺ قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) بقوله: " فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالسانية نصف العشر " وهو كثير. ثانياً: الفعل: أي يحصل البيان به؛ لوقوعه في الشريعة؛ حيث إنه لما نزل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، بين النبي ﷺ كيفية الصلاة وكيفية الحج بفعله. ثالثاً: الكتابة، أي: يحصل البيان بالكتابة؛ لوقوعه؛ حيث روي عن النبي ﷺ أنه كتب إلى عماله في الصدقات، وكتب كتاباً بعثه مع عمرو بن حزم إلى أهل اليمن بين فيه الفرائض والسنن والديات. ولأن الكتابة تقوم مقام القول اللساني، والجامع: أن كلاً منهما يقوم بتأدية الذي في النفس. رابعاً: ترك الفعل، أي: يحصل البيان بترك الفعل، حيث

стр. 192

إن النبي ﷺ إذا ترك فعل شيء فإنه يتبين من ذلك نفي وجوب ذلك الشيء، لأن النبي ﷺ لا يقع في فعله محرم، ولا ترك واجب. خامساً: السكوت، أي: يحصل البيان بالسكوت، فلو سئل النبي ﷺ عن حكم حادثة، وسكت: فإن سكوته يدل على أنه لا حكم للشرع في هذه الحادثة، وهذا يعتبر بياناً لها؛ حيث إن النبي ﷺ لا يقرّ على الخطأ. سادساً: الإشارة، أي: يحصل البيان بالإشارة؛ لوقوعه؛ حيث روي أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهراً، فلم بلغ تسعة وعشرين يوماً دخل عليهن فقيل له: إنك آليت شهراً فقال: " الشهر هكذا وهكذا "، وأشار بأصابعه العشر وقبض إبهامه في الثالثة: يعني تسعاً وعشرين يوماً. * * * المسألة الخامسة: إذا اجتمع القول والفعل وكل واحد منهما صالح لأن يكون بياناً للمجمل، وكانا متفقين في الدلالة على حكم معين، فإن أحدهما يكون هو المبيِّن، والآخر يكون مؤكداً له من غير تعيين؛ لحصول المقصود به. * * * المسألة السادسة: إذا اجتمع القول والفعل، وكل واحد صالح لأن يكون بياناً للمجمل، وكانا مختلفين، أي: ما يفيده القول يخالف ما يفيده الفعل، فإنه يقدم القول مطلقاً سواء تقدم القول أو الفعل، أو لم يعلم شيء من ذلك؛ لأن القول يدل بنفسه على البيان بخلاف الفعل فإنه لا يدل على كونه بياناً إلا بواسطة دلالة القول عليه،

стр. 193

والدال بنفسه أقوى من الدال بغيره. وبناء على ذلك: فإنا قدمنا قوله ﷺ : " من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما حتى يحل منهما جميعاً "، على ما فعله علي ﵁ حيث طاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع. لذلك قلنا: إن القِران يكفي فيه طواف واحد وسعي واحد. * * * المسألة السابعة: يجوز البيان بالأدنى والمساوي، كما يجوز البيان بالأقوى؛ لأن المبيِّن أوضح من المبيَّن في الدلالة على المراد، فوجب العمل بالواضح وإن كان أدنى من المبيَّن أو مساوياً له. وبناء على ذلك: فإنه يجوز تخصيص وتقييد القطعي كالقرآن والسنة المتواترة بالظني كخبر الواحد والقياس، كما يجوز بيان المجمل القطعي بالظني. * * * المسألة الثامنة: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة: لأن وقت الحاجة وقت للأداء، فإذا لم يكن مبيناً تعذَّر الأداء، فالبيان إذن ضرورة من الضروريات التي لا بد منها.

стр. 194

ولأن تأخير البيان عن وقت الحاجة يعتبر تكليفاً بما لا يطاق وهو: لا يجوز، حيث لا قدرة للمكلف حينئذٍ على الامتثال. مثل: ما لو قال: " حجوا هذا العام "، ثم إذا جاء وقت الحج لم يبين لهم كيفية الحج وطريقته. * * * المسألة التاسعة: يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة وهو وقت وجوب العمل بمقتضاه؛ لأنه لا يترتب على فرض جوازه محال؛ وغاية ما في الأمر هو: جهل المكلف بما كلف به مدة منْ الزمن، وهذا ليس بمحال، ولا يؤدي إلى المحال. ولوقوع تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة في الشريعة، حيث إنه لما نزل قوله تعالي: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، أخرَّ بيان أفعال الصلاة وأوقاتها حتى بين ذلك جبريل ﵇، ثم بين الرسول ﷺ ذلك لأمته قائلاً: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، ولما نزل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) بين الرسول ﷺ طريقة الحج بعد ذلك بمدة قائلاً: " خذوا عني مناسككم " والوقوع دليل الجواز. وبناء على ذلك: فإنه يجوز للرسول ﷺ أن يؤخِّر التبليغ لما أوحي إليه من قرآن أو غيره إلى وقت الحاجة إليه.

стр. 195

المطلب الرابع عشر في حروف المعاني وفيه مسائل: المسألة الأولى: في " الواو " تأتي للمعاني التالية: أولاً: أنها تأتي عاطفة، وهي لمطلق الجمع من غير إشعار بخصوصية المعية أو الترتيب. فالواو تدل على جمع المعطوف والمعطوف عليه في حكم واحد من غير ملاحظة حصولهما معاً، أو أن أحدهما قبل الآخر، فإذا وجد ترتيب أو معيَّه فإنما هو من خارج دلالة الواو؛ لأن أهل اللغة يستعملون الواو في أبنية يمتنع فيها الترتيب كقولهم: " تقاتل زيد وعمرو "، فلو كانت للترتيب لما حسن هذا، حيث لا ترتيب فيه، وكذلك قولهم: " جاء زيد وعمرو قبله "، فلو كانت للترتيب: للزم التناقض. ولأنه لو قال قائل: " رأيت زيداً وعمراً "، فإنه يسبق إلى فهم السامع أنه رآهما معاً، ولا يسبق إلى فهمه أنه رأى زيداً قبل عمرو، وسبق الفهم يدل على الحقيقة، فلا تكون الواو للترتيب حقيقة.

стр. 196

وبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال: " إن دخلت الدار وكلمت زيداً فأنت طالق "، فإنه لا يقع الطلاق حتى تدخل وتكلم، ولا فرق في أيهما المقدم. ثانياً: أن الواو تأتي بمعنى " مع "، مثل: " سرت والليل ". ثالثاً: أن الواو تأتي بمعني " أو "، كقوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ). رابعاً: أن الواو تأتي للاستئناف، كقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ). خامساً: تأتي الواو بمعنى " رب " كقول الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس. . . إلا اليعافير وإلا العيس أي: ورب بلدة. سادساً: تأتي الواو للقسم، كقوله تعالى: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)). سابعاً: تأتي الواو بمعنى الحال، كقولك: " جاء زيد وهو يضحك ". وإذا أطلقت الواو فإنها تكون عاطفة متضمنة مطلق الجمع، ولا تستعمل في غير ذلك من المعاني إلا بقرينة.

стр. 197

المسألة الثانية: في " الفاء " تأتي للمعاني الآتية: أولاً: أنها تأتي عاطفة، وهي للترتيب والتعقيب؛ حيث إنها تفيد لغة: إن ما بعدها ثبت له الحكم بعد ثبوته لما قبلها من غير مهلة، فإذا قلت: " جاء زيد فعمرو"، أفاد هذا: أن عمراً ثبت له المجيء بعد مجيء زيد من غير تراخ بينهما في الزمان. والوقوع هذا دل على أنها للترتيب، ودل على أنها للتعقيب وقوعها في جواب الشرط كقولك: " إن دخلت الدار فأنت طالق "، فالطلاق يقع بعد الدخول مباشرة. وبناء على هذا: فإنه لو قال الزوج: " إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى فأنت طالق "، فإنه يلزم أنها لا تطلق حتى تدخل الدار الأولى قبل الثانية، فلو عكست لم تطلق؛ لأن الفاء للترتيب. ثانياً: تأتي الفاء بمعنى " الواو "، كقول امرئ القيس: بسقط اللوى بين الدخول فحومل والفاء عند التجرد تستعمل حقيقة في العطف والترتيب، والتعقيب، ولا تستعمل في غيره إلا بقرينة.

стр. 198

المسألة الثالثة: في " ثم ": تفيد التشريك في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه، والترتيب بينهما بمهلة كقولك: " جاء زيد ثم عمرو "، دل على ذلك الاستقراء والتتبع لكلام العرب، والاستعمال كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ). وبناء على ذلك: فإنه إذا قال: " وقفت على أولادي ثم على أولادهم "، فإنه لا يستحق أحد من البطن الثاني مع وجود أحد من البطن الأول. * * * المسألة الرابعة: في " أو " تأتي للمعاني التالية: أولاً: أنها تفيد أحد الشيئين أو الأشياء، وهي تقع بين اسمين، كقولك: " جاء زيد أو عمرو "، وبين فعلين كقولك: " خُط هذا الثوب أو ابن هذا الجدار ". ثانياً: أنها تأتي للشك، وهي المختصة بالخبر، كقولك: " جاء زيد أو عمرو "، دل على ذلك الاستقراء لكلام العرب، كقوله تعالى: (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ). ثالثاً: أنها تأتي للإباحة، كقولك: " جالس الفقهاء أو الأدباء ".

стр. 199

رابعاً: أنها تأتي للتخيير، وهي التي يمتنع فيه الجمع، كقولك: " تزوج هنداً أو أختها "، أما الإباحة فيجوز الجمع بينهما. خامساً: أنها تأتي بمعنى " الواو " فتكون لمطلق الجمع، كقوله تعالى: (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ). سادساً: أنها تأتي للإضراب، بمعنى " بل "، كقوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧))، أي: بل يزيدون. سابعاً: أنها تأتي بمعنى " إلا "، كقولك: " لأقتلن الكافر أو يُسلم "، أي: إلا أن يسلم. ثامناً: أنها تأتي بمعنى " إلى "، كقولك: " لألزمنك أو تقضيني حقي ". تاسعاً: أنها تأتي للتقسيم بين الأشياء، كقولك: " الكلمة اسم أو فعل أو حرف ". والأصل في: " أو " هو المعنى الأول وهي: تفيد أحد الشيئين أو الأشياء، فإن كانت في أمر أفادت التخيير بينهما، وإن كانت في نهي أفادت العموم، وحظر كل واحد منهما منفرداً أو هما معاً مجتمعين، كقولك: " لا تكلم زيداً أو عمراً " ولا تفيد غير ذلك من المعاني إلا بقرينة. وبناء على ذلك: فلو قال في النفي: " والله لا أكلم زيداً أو عمراً "، فإنه لو كلَّم واحداً منهما أو كلمهما معاً: حنث. ولو قال في الإثبات: " والله لأدخلن هذه أو هذه الدار " برَّ بدخول إحدى الدارين.

стр. 200

المسألة الخامسة: في " الباء " تأتي للمعاني التالية: أولاً: أنها تأتي للإلصاق، وهو: إضافة الفعل إلى الاسم فيلصق به بعد ما كان لا يضاف إليه لولا دخولها، وهو قسمان: القسم الأول: إلصاق حقيقي، كقولك: " مسحت برأسي "، و " مسكت بالقلم ". القسم الثاني: إلصاق مجازي، كقولك: " مررت بزيد ". ثانياً: أنها تأتي بمعنى الاستعانة، وهي: الداخلة على آلة الفعل، كقولك: " قطعت بالسكين ". ثالثاً: تأتي بمعنى المصاحبة، وهي التي يصلح في موضعها " مع "، كقولك: " جاء زيد بسلاحه ". رابعاً: تأتي بمعنى البدل كقوله ﷺ : " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم "، أي: ما أحب أن يكون لي بديلاً عنه حمر النعم. خامساً: تأتي بمعنى " عن " التي للمجاوزة، كقوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا). سادساً: تأتي للقسم، كقولك: " بالله لأقومن ". سابعاً: تأتي بمعنى " إلى "، كقولك: " قد أحسن بي "، أي: إليَّ. ثامناً: تأتي بمعنى " على " كقوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) أي: على قنطار. تاسعاً: أنها تأتي بمعنى " في " الظرفية الزمانية، كقوله تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ)، أي: وفي

стр. 201

الليل، والظرفية المكانية كقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) أي: في بدر. عاشراً: أنها تأتي بمعنى السبب كقوله تعالى: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ) أي: بسبب ذنبه. والأصل في استعمال " الباء " هو الأول وهو: أنها للإلصاق ولا تستعمل في غيره من المعاني إلا بقرينة. * * * المسألة السادسة: في " اللام " وتأتي للمعاني التالية: أولاً: تأتي للاختصاص حقيقة؛ وتستعمل للملك مجازاً؛ لأمرين: أولهما: أن الاختصاص معنى عام لجميع موارد استعمالها. ثانيهما: أن الملك اختصاص، وليس كل اختصاص ملكاً، أي: كل مالك مختص بملكه، مثال ذلك: " المال لزيد "، و " الباب للمسجد ". ثانياً: أنها تأتي للملك، كقولك: " هذا المال لزيد ". ثالثاً: أنها تأتي للاستحقاق، كقولك: " النار للكافرين " والفرق بين الاختصاص، والاستحقاق، والملك هو: أن ما صح أن يقع فيه التملك، وأضيف إليه ما ليس بمملوك له فاللام معه لام الاختصاص، كقولك: " الباب للمسجد "، أما ما لا يصح

стр. 202

له التملك فاللام معه لام الاستحقاق كقولك: " النار للكافرين "، أما ما عدا ذلك فاللام لام الملك. رابعاً: أنها تأتي للتعدية، كقولك: " ما أضرب زيداً لعمر ". خامساً: أنها تأتي للصيرورة، كقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، أي: ليصير لهم، وهذا عند البصريين. سادساً: أنها تأتي للتعليل، كقوله تعالى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا). والفرق بينهما: أن لام التعليل تأتي للتعليل، والترتيب، أما لام الصيرورة، فليس فيها إلا الترتيب. سابعاً: أنها تأتي بمعنى " في "، كقوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)، أي: في يوم القيامة. ثامناً: أنها تأتي بمعنى " من " كقولك: " سمعت له صراخاً " أي: منه. تاسعاً: أنها تأتي بمعنى " على "، كقول الرسول ﷺ لعائشة لما أرادت شراء بريرة وإعتاقها: " خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق "، أي: اشترطي عليهم. عاشراً: أنها تأتي بمعنى التمليك، كقولك: " وهبت لزيد ديناراً "، أي: ملَّكت الدينار زيداً. حادي عشر: أنها تأتي بمعنى " إلى "، كقوله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)، أي: إليها. ثاني عشر: أنها تأتي بمعنى " عند " الزمانية، كقوله تعالى:

стр. 203

(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)، وكقوله ﷺ : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ". والأصل في استعمال " اللام " أنها للاختصاص حقيقة، ولا تستعمل لأي معنى آخر من المعاني المذكورة إلا بقرينة. * * * المسألة السابعة: في " في " وتأتي للمعاني الآتية: أولاً: أنها تأتي ظرفية مكانية، كقولك: " تعلمت في الكلية، وتأتي ظرفية زمانية كقولك: " جئتك في المساء ". ثانياً: أنها تأتي بمعنى " على "، كقوله تعالى: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ). ثالثاً: أنها تأتي للسببية والتعليل، كقوله ﷺ : " دخلت امرأة الجنة في هرَّة ". رابعاً: أنها تأتي بمعنى: " إلى "، كقوله تعالى: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) أي: إليها. خامساً: أنها تأتي مؤكدة - وهي: التي يفيد الكلام بدونها - كقوله تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا)، أي: اركبوها. سادساً: أنها تأتي بمعنى " مع "، كقوله تعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ)، أي ادخلوا مع أمم. وتستعمل " في " للظرفية حقيقة، ولا تستعمل في غير ذلك إلا بقرينة.

стр. 204

المسألة الثامنة: في " مِنْ " وتأتي للمعاني الآتية: أولاً: إنها تأتي لابتداء الغاية في المكان وفي الزمان، كقولك في المكان: " لك من الأرض من هذا إلى هذا "، وكقولك في الزمان: " زرتك من الصباح إلى المساء ". ثانياً: أنها تأتي للتبعيض، كقولك: " كُل من هذا الطعام ". ثالثاً: أنها تأتي لتبيين الجنس. كقولك: " اشتريت متراً من الأرض "، ومنه قوله ﷺ : " التمس ولو خاتماً من حديد ". رابعاً: أنها تأتي بمعنى " على "، كقوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: على القوم. خامساً: أنها تأتي بمعنى " الباء "، كقوله تعالى: (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) أي: بطرف. سادساً: أنها تأتي بمعنى البدل، كقوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)) أي: بدلكم. سابعاً: أنها تأتي بمعنى " في "، كقوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أي: في الأرض. ثامناً: أنها تأتي بمعنى " عند "، كقوله تعالى: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي: عند الله. تاسعاً: أنها تأتي للتعليل، كقوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ)، أي: لأجل الصواعق. وتستعمل " مِنْ " لابتداء الغاية لكثرة استعمالها فيه، والكثرة يرجح بها، وعلى ذلك فلا تستعمل في غير ابتداء الغاية من المعاني إلا مجازاً فتحتاج إلى قرينة.

стр. 205

المطلب الخامس عشر في الأمر وفيه مسائل: المسألة الأولى: الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء. المسألة الثانية: لا تشترط إرادة الآمر المأمور به: لأن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ولم يرده؛ لأنه لو أراده لوقع؛ لأن الله تعالى فعال لما يريد. ولأنه يحسن أن يقول الرجل لعبده: " أمرتك بكذا ولم أرده منك "، ولو كان من شرط الأمر الإرادة لما حسن ذلك، كما لا يحسن أن يقول الرجل لعبده: " أردت منك كذا ولم أرده "؛ لما فيه من التناقض.

стр. 206

المسألة الثالثة: الأمر له صيغة موضوعة لغة له، وتدل عليه حقيقة، أي: بدون قرينة، كدلالة سائر الألفاظ الحقيقية على موضوعاتها ومعانيها، وهي: صيغة فعل الأمر: " افعل "، مثل: " أخرج "، والمضارع المجزوم بلام الأمر كقولك: " ليفعل "، واسم فعل الأمر كقوله تعالى: (عَليكم أَنفُسَكُم)، والمصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ). وإنما خصصنا صيغة " افعل " بالذكر؛ نظراً لكثرة دورانها في الكلام. وقلنا: إن للأمر صيغة قد وضعت له وهي: " افعل "؛ لأن العرب قد وضعوا لما لا يُحتاج إليه كثيراً أسماء كالأسد، والهر، والخمر، فمن باب أولى أن يضَعوا صيغة للأمر تدل عليه، وذلك لأن الحاجة داعية إلى معرفة الأمر، لكثرة مخاطبات الناس عن طريقه، حيث لا يمكن أن يتخاطبوا بغير صيغة، فدل هذا على أنهم وضعوا له صيغة هي: " افعل ". ولأن السيد لو قال لعبده: " اسقني ماء " فلم يسقه، فإنه يستحق عند عقلاء أهل اللغة الذم والتوبيخ، فلو لم تكن هذه الصيغة موضوعة للأمر لما استحق ذلك. وبناء على ذلك: فإنه إذا ورد لفظ: " افعل " في الكتاب والسنة فإنه ظاهر؛ حيث إنه له معنيان هما: إفادته للأمر " و " عدم إفادته له " ويرجح الأول، وهو إفادته للأمر بدون قرينة، ويعمل

стр. 207

على ذلك. * * * المسألة الرابعة: الأمر ليس بحقيقة في الفعل أي: أنه إذا فعل الرسول ﷺ فعلاً فلا يدل هذا على أن المفعول مأمور به حقيقة، لوجود فرق بين الأمر والفعل من وجوده هي كما يلي: الوجه الأول: أن الأمر هو: الاستدعاء بالقول على وجه الاستعلاء كما سبق، ولا يقال ذلك في الفعل، وإن قيل في الفعل تعريف الأمر السابق فإنه يحتاج إلى دليل يعتمد عليه، فيكون الأمر حقيقة في القول المخصوص لعدم الحاجة إلى دليل في ذلك. الوجه الثاني: إن الآمر بالقول يقال له إنه آمر، أما فاعل الفعل فإنه لا يقال له إنه آمر بذلك الفعل. الوجه الثالث: أن الفعل يصح نفي الأمر عنه، فتقول: " فعل ذلك ولم يأمر به "، ولكن لا يجوز قول ذلك في الأمر بالقول، فلا يقال: " أمر بذلك ولم يأمر به "؛ لأنه يلزم منه التناقض. وبناء على ذلك: فإنه إذا فعل الرسول ﷺ فعلاً أمام الصحابة ﵃، فإن هذا الفعل ليس بأمر لهم بأن يفعلوا مثله على الوجوب، أو على الندب؛ لأن النبي ﷺ قد يفعل الشيء وهو له خاصة، وقد يفعله على جهة النفل والفضل

стр. 208

والندب، وقد يفعله سجيَّة وخلقاً، لكن إذا أمر بالقول فإن الأمر يؤخذ من هذا القول فيكون للوجوب أو الندب على حسب الصيغة والقرينة. * * * المسألة الخامسة: صيغة " افعل " تستعمل لمعان هي: الأول: الوجوب، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). الثاني: الندب، كقوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، والصارف له من الوجوب إلى الندب هو: أن النبي ﷺ لم ينكر على الصحابة الذين لم يكاتبوا العبيد الذين كانوا تحت أيديهم مع أن فيهم خيراً للإسلام والمسلمين. الثالث: التأديب كقوله ﷺ لعمرو بن أبي سلمة: " يا غلام سم الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك ". والفرق بينهما: أن الندب خاص بالمكلفين، أما التأديب فهو عام للمكلفين ولغيرهم. الرابع: الإرشاد كقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ). والفرق بينه وبين الندب: أن المندوب مطلوب لمنافع الآخرة؛ ولذلك يوجد فيه ثواب، أما الإرشاد فهو مطلوب المنافع الدنيا، فلا ثواب فيه. الخامس: الإباحة، كقولك لشخص آخر: " كل من طعامي ". السادس: التهديد، كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ).

стр. 209

السابع: الإكرام، كقوله تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)). الثامن: الإهانة، كقوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩))، وتعريفه: أن يؤتى بلفظ دال على الإكرام، والمراد ضده. التاسع: التعجيز، كقوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ). العاشر: السخرية، كقوله تعالى: (كُونُوا قِرَدَةً). الحادي عشر: الدعاء، كقولك: " رب اغفر لي ". الثائي عشر: التسوية، كقوله تعالى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ) بعد قوله: (اصْلَوْهَا). الثالث عشر: التمني، كقوله ﷺ " كن أبا ذر "، أي: تمنى أن يكون ذلك الرجل المقبل هو أبو ذر. الرابع. عشر: الامتنان، كقوله تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ). والفرق بينه وبين الإباحة: أن الإباحة مجرد إذن، أما الامتنان فلا بد من اقترانه بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه. الخامس عشر: التكوين، كقوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ)، والفرق بينه وبين السخرية: أن التكوين: سرعة الوجود من العدم، وليس فيه انتقال إلى حال ممتهنة، بخلاف السخرية فإنه لغة: الذل والامتهان. السادس عشر: التحذير والإخبار عما يؤول إليه أمرهم، كقوله تعالى: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ).

стр. 210

السابع عشر: الخبر، كقوله ﷺ : " إذا لم تستح فاصنع ما شئت "، أي: إذا لم تستح صنعت ما شئت. الثامن عشر: التعجب، كقوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ). التاسع عشر: الالتماس، كقولك لنظيرك: " أعطني كتابا ". العشرون: المشورة، كقوله تعالى: (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ). الواحد والعشرون: التصبر، كقوله تعالى: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا). الثاني والعشرون: الاحتقار، كقوله تعالى: (أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ)، وذلك في قصة موسى ﵇ يخاطب السحرة. والفرق بينه وبين الإهانة: أن الإهانة تكون بالقول، أو بالفعل أو بالسكوت، والاحتقار يكون في الاعتقاد، يقال في ذلك: احتقره، ولا يقال: أهانه. الثالث والعشرون: التكذيب، كقوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). الرابع والعشرون: التحسير، كقوله تعالى: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ). الخامس والعشرون: التفويض، كقوله تعالى: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ). السادس والعشرون: الاعتبار، كقوله تعالى: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ). السابع والعشرون: الاحتياط، كقوله ﷺ : " إذا قام أحدكم

стр. 211

من النوم فلا يغمس يده في الأناء حتى يغسلها ثلاثاً "، بدليل قوله بعده: " فإنه لا يدري أين باتت يده ". * * * المسألة السادسة: صيغة الأمر: وهي: افعل، إذا تجردت عن القرائن تقتضي الوجوب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من المعاني السابقة الذكر كالندب والإباحة وغيرها يكون مجازاً، أي: لا يحمل على أي معنى مما سبق إلا بقرينة. وقلنا: إنها للوجوب؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)، حيث إن الله تعالى قد ذم إبليس لما امتنع عن السجود وأنكر عليه بقوله: (مَا مَنَعَكَ)، فلو لم يكن السجود واجباً عليه لما استحق الذم والتوبيخ على تركه؛ لأنه لا يذم أحد إلا بسبب تركه لواجب، حيث قلنا - فيما سبق -: إن الواجب هو: ما ذم تاركه شرعاً مطلقاً، فتكون الصيغة - وهي: افعل - تقتضي الوجوب عند التجرد. ولإجماع الصحابة ﵃ على أن الأمر يقتضي الوجوب؛ حيث إنهم كانوا يسمعون الأمر من الكتاب والسنة فيحملونه على الوجوب، ولهذا لم يرد عنهم أنهم سألوا النبي ﷺ عن المراد بهذا الأمر، بل كانوا يحملون جميع الأوامر على الوجوب إلا إذا اقترن به قرينة تصرفه عن الوجوب، ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك، فكان إجماعاً. من ذلك: استدلالهم على وجوب الصلاة عند ذكرها بالأمر المطلق الوارد في قوله ﷺ : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "،

стр. 212

واستدلالهم على وجوب الزكاة على المرتدين بالأمر المطلق الوارد في قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، واستدلالهم على وجوب أخذ الجزية من المجوس بقوله ﷺ : " سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب " وغير ذلك. وبناء على ذلك: فإن جميع الأوامر الواردة في الكتاب والسنة للوجوب إلا إذا وجدت قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره فإنها تعمل بما تقتضيه تلك القرينة، فمثلاً قوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)، فيه أمر يوجب الإشهاد على المراجعة، فإن ترك الإشهاد فهو آثم. * * * المسألة السابعة: صيغة الأمر - وهي: إفعل - اقتضت الوجوب بوضع اللغة؛ لأنه قد ثبت عن أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصياً، وإذا كان الأمر كذلك فإن الأمر المطلق يقتضي الوجوب. ولأن الوعيد مستفاد من اللفظ نفسه كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم.

стр. 213

وبناء على ذلك: فإنه يجب حمل الأمر على الوجوب سواء كان قد ورد من الشارع أو من غيره إلا ما خرج بدليل. * * * المسألة الثامنة: أيُّ قرينة قوية تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره سواء كانت نصاً، أو إجماعاً، أو قياساً، أو مفهوماً، أو مصلحة، أو ضرورة، أو سياق كلام، أو غير ذلك مما يراه المجتهد، لأن القرينة تعتبر دليلاً شرعياً، فلو لم نأخذ بها للزم من ذلك ترك دليل شرعي قد ثبت، وهذا لا يجوز. وبناء على هذا: فإن وليمة العرس ليست واجبة، والأمر الوارد في قوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: " أَوْلِم ولو بشاة " مصروف عن الوجوب إلى الندب بالقياس؛ حيث إنه طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة. * * * المسألة التاسعة: إذا وردت صيغة الأمر: وهي افعل: بعد الحظر - وهو النهي - فإنها تقتضي الإباحة؛ لأنه بعد الاستقراء والتتبع للأوامر الواردة بعد النهي في النصوص الشرعية لم نجد أمراً بعد حظر - إلا والمراد به الإباحة، كقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ,

стр. 214

وقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) وقوله ﷺ : " كنت قد نهيتكم عن ادخار. لحوم الأضاحي أما الآن فكلوا وادخروا ". ولأنه لو قال السيد لعبده: " لا تأكل من هذا الطعام "، ثم قال له بعد ذلك: " كل منه " فإن هذا الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة؛ لأنه لو لم يأكل لا يذم، ولو أكل لا يمدح، وهذا هو حد الإباحة. وبناء على ذلك: فإن النظر إلى المخطوبة مباح؛ لأنه أمر بعد النهي؛ حيث نهى عن النظر إلى المرأة الأجنبية، ثم أمر بالنظر إليها في قوله ﷺ : " اذهب فانظر إليها ". * * * المسألة العاشرة: الأمر المطلق لا يقتضي التكرار أي: لا يقتضي فعل المأمور به إلا مرة واحدة - فقط -، فلو قال السيد لعبده: " صم "، فإنه يخرج عن العهدة وتبرأ ذمته بصوم يوم واحد فقط، لأن قول القائل لغيره: " ادخل الدار " معناه: كن داخلاً، وبدخلة واحدة يوصف بأنه داخل، فكان ممتثلاً، وكان الأمر عنه ساقطاً. ولأنه لو قال: " والله لأصومن "، فإنه يَبرُّ بصوم يوم واحد، فكذلك الأمر المطلق ولا فرق.

стр. 215

وبناء على ذلك: فإن السارق إذا سرق مرة ثانية، فإن يده اليسرى لا تقطع، لأن الأمر في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) لا يقتضي التكرار؛ ولا يحتمله، فلا تقطع من الأيدي إلا يمين السارق فقط. وكذلك يبنى على ذلك: أن الزوج لو وكل شخصاً آخر بأن يطلق امرأته وقال له: " طلق زوجتي "، فإنه لا يجوز للوكيل أن يطلق إلا مرة واحدة؛ لأن الأمر يقتضي المرة الواحدة. * * * المسألة الحادية عشرة: الأمر المعلق بشرط لا يقتضي التكرار وإن تكرر الشرط؛ لأن العرف دل على ذلك؛ حيث إنه لو قال السيد لعبده: " إن دخلت السوق فاشتر ثوبا "، فإنه لا يفهم منه عرفاً إلا شراء ثوب واحد مرة واحدة عند دخوله السوق، ولا يفهم منه عرفاً تكرار شراء ثوب كلما دخل السوق. ولأن أهل اللغة فرقوا بين قول القائل: " أعط زيداً درهماً إذا طلعت الشمس "، وقوله: " أعط زيداً درهما كلما طلعت الشمس "، حيث إن الأولى تفيد: أنه لا يتكرر الإعطاء بتكرر طلوع الشمس، أما الثانية فإنها تفيد تكرر الإعطاء بتكرر طلوع الشمس بسبب كلمة "كلما"، فلو كان الأمر المعلق بشرط يقتضي التكرار: لما كان بين العبارتين فوق.
следующие страницы →