← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29884

الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح

عبد الكريم النملة

Полный текст (415 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من النوم فلا يغمس يده في الأناء حتى يغسلها ثلاثاً "، بدليل قوله بعده: " فإنه لا يدري أين باتت يده ". * * * المسألة السادسة: صيغة الأمر: وهي: افعل، إذا تجردت عن القرائن تقتضي الوجوب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من المعاني السابقة الذكر كالندب والإباحة وغيرها يكون مجازاً، أي: لا يحمل على أي معنى مما سبق إلا بقرينة. وقلنا: إنها للوجوب؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)، حيث إن الله تعالى قد ذم إبليس لما امتنع عن السجود وأنكر عليه بقوله: (مَا مَنَعَكَ)، فلو لم يكن السجود واجباً عليه لما استحق الذم والتوبيخ على تركه؛ لأنه لا يذم أحد إلا بسبب تركه لواجب، حيث قلنا - فيما سبق -: إن الواجب هو: ما ذم تاركه شرعاً مطلقاً، فتكون الصيغة - وهي: افعل - تقتضي الوجوب عند التجرد. ولإجماع الصحابة ﵃ على أن الأمر يقتضي الوجوب؛ حيث إنهم كانوا يسمعون الأمر من الكتاب والسنة فيحملونه على الوجوب، ولهذا لم يرد عنهم أنهم سألوا النبي ﷺ عن المراد بهذا الأمر، بل كانوا يحملون جميع الأوامر على الوجوب إلا إذا اقترن به قرينة تصرفه عن الوجوب، ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك، فكان إجماعاً. من ذلك: استدلالهم على وجوب الصلاة عند ذكرها بالأمر المطلق الوارد في قوله ﷺ : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "،

стр. 212

واستدلالهم على وجوب الزكاة على المرتدين بالأمر المطلق الوارد في قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، واستدلالهم على وجوب أخذ الجزية من المجوس بقوله ﷺ : " سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب " وغير ذلك. وبناء على ذلك: فإن جميع الأوامر الواردة في الكتاب والسنة للوجوب إلا إذا وجدت قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره فإنها تعمل بما تقتضيه تلك القرينة، فمثلاً قوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)، فيه أمر يوجب الإشهاد على المراجعة، فإن ترك الإشهاد فهو آثم. * * * المسألة السابعة: صيغة الأمر - وهي: إفعل - اقتضت الوجوب بوضع اللغة؛ لأنه قد ثبت عن أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصياً، وإذا كان الأمر كذلك فإن الأمر المطلق يقتضي الوجوب. ولأن الوعيد مستفاد من اللفظ نفسه كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم.

стр. 213

وبناء على ذلك: فإنه يجب حمل الأمر على الوجوب سواء كان قد ورد من الشارع أو من غيره إلا ما خرج بدليل. * * * المسألة الثامنة: أيُّ قرينة قوية تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره سواء كانت نصاً، أو إجماعاً، أو قياساً، أو مفهوماً، أو مصلحة، أو ضرورة، أو سياق كلام، أو غير ذلك مما يراه المجتهد، لأن القرينة تعتبر دليلاً شرعياً، فلو لم نأخذ بها للزم من ذلك ترك دليل شرعي قد ثبت، وهذا لا يجوز. وبناء على هذا: فإن وليمة العرس ليست واجبة، والأمر الوارد في قوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: " أَوْلِم ولو بشاة " مصروف عن الوجوب إلى الندب بالقياس؛ حيث إنه طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة. * * * المسألة التاسعة: إذا وردت صيغة الأمر: وهي افعل: بعد الحظر - وهو النهي - فإنها تقتضي الإباحة؛ لأنه بعد الاستقراء والتتبع للأوامر الواردة بعد النهي في النصوص الشرعية لم نجد أمراً بعد حظر - إلا والمراد به الإباحة، كقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ,

стр. 214

وقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) وقوله ﷺ : " كنت قد نهيتكم عن ادخار. لحوم الأضاحي أما الآن فكلوا وادخروا ". ولأنه لو قال السيد لعبده: " لا تأكل من هذا الطعام "، ثم قال له بعد ذلك: " كل منه " فإن هذا الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة؛ لأنه لو لم يأكل لا يذم، ولو أكل لا يمدح، وهذا هو حد الإباحة. وبناء على ذلك: فإن النظر إلى المخطوبة مباح؛ لأنه أمر بعد النهي؛ حيث نهى عن النظر إلى المرأة الأجنبية، ثم أمر بالنظر إليها في قوله ﷺ : " اذهب فانظر إليها ". * * * المسألة العاشرة: الأمر المطلق لا يقتضي التكرار أي: لا يقتضي فعل المأمور به إلا مرة واحدة - فقط -، فلو قال السيد لعبده: " صم "، فإنه يخرج عن العهدة وتبرأ ذمته بصوم يوم واحد فقط، لأن قول القائل لغيره: " ادخل الدار " معناه: كن داخلاً، وبدخلة واحدة يوصف بأنه داخل، فكان ممتثلاً، وكان الأمر عنه ساقطاً. ولأنه لو قال: " والله لأصومن "، فإنه يَبرُّ بصوم يوم واحد، فكذلك الأمر المطلق ولا فرق.

стр. 215

وبناء على ذلك: فإن السارق إذا سرق مرة ثانية، فإن يده اليسرى لا تقطع، لأن الأمر في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) لا يقتضي التكرار؛ ولا يحتمله، فلا تقطع من الأيدي إلا يمين السارق فقط. وكذلك يبنى على ذلك: أن الزوج لو وكل شخصاً آخر بأن يطلق امرأته وقال له: " طلق زوجتي "، فإنه لا يجوز للوكيل أن يطلق إلا مرة واحدة؛ لأن الأمر يقتضي المرة الواحدة. * * * المسألة الحادية عشرة: الأمر المعلق بشرط لا يقتضي التكرار وإن تكرر الشرط؛ لأن العرف دل على ذلك؛ حيث إنه لو قال السيد لعبده: " إن دخلت السوق فاشتر ثوبا "، فإنه لا يفهم منه عرفاً إلا شراء ثوب واحد مرة واحدة عند دخوله السوق، ولا يفهم منه عرفاً تكرار شراء ثوب كلما دخل السوق. ولأن أهل اللغة فرقوا بين قول القائل: " أعط زيداً درهماً إذا طلعت الشمس "، وقوله: " أعط زيداً درهما كلما طلعت الشمس "، حيث إن الأولى تفيد: أنه لا يتكرر الإعطاء بتكرر طلوع الشمس، أما الثانية فإنها تفيد تكرر الإعطاء بتكرر طلوع الشمس بسبب كلمة "كلما"، فلو كان الأمر المعلق بشرط يقتضي التكرار: لما كان بين العبارتين فوق.

стр. 216

وبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال لوكيله: " إن دخلت زوجتي الدار فطلقها "، فإنه لا يطلقها إلا مرة واحدة وإن تكرر الدخول ". * * * المسألة الثانية عشرة: إذا كرر لفظ الأمر نفسه كقوله: " صلِّ ركعتين صل ركعتين "، فإنه لا يقتضي التكرار، فيجب عليه أن يصلي ركعتين فقط، فلا يجوز حمل لفظ الأمر الثاني على واجب غيره؛ قياساً على اليمين؛ حيث إنه لو قال: " والله لأصومن، والله لأصومن " فإنه يبر بصوم يوم واحد فقط، فلم يكن للفظ الأمر الثاني أيُّ أثر، وقد وقع ذلك؛ حيث إن الرسول ﷺ قال: " والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً "، فلم يكن لهذا التكرار من أثر؛ حيث إنه ﷺ غزاهم مرة واحدة، وهي غزوة الفتح، وإذا كان الفعل لا يتكرر هنا فكذلك لفظ الأمر لا يقتضي تكرار الفعل، ولا فرق. وبناء على ذلك: فإنه لو قال لوكيله: " طلِّق زوجتى طلِّق زوجتي " فإنه لا يطلقها إلا مرة واحدة. وكذلك يبنى عليه: أنه لو قال لزوجته: " طلقي نفسك طلقي نفسك "، فإنها لا تطلق نفسها إلا مرة واحدة فقط.

стр. 217

المسألة الثالثة عشرة: الأمر المطلق يقتضي الفور، ولا يجوز تأخيره إلا بقرينة؛ لأن الأمر قد اقتضى الوجوب، فحمله على وجوب الفعل عقيبه مباشرة واجب؛ لأمرين: أولهما: أنه إذا فعل المأمور به فور صدور صيغة الأمر يكون ممتثلاً للأمر بيقين، دون شك. ثانيهما: أنه بمجرد تأخير الفعل يكون مُعَرضاً نفسه لخطر عدم القيام به ودرءاً لذلك واحتياطاً فإنه تجب المبادرة إليه. ولأن صدور صيغة " افعل " هو سبب للزوم الفعل، فيجب أن يقع الفعل عَقيب صدوره؛ قياساً على قول البائع للمشتري: " بعتك هذه الدار بكذا "، فإن ملكية الدار تنتقل فوراً إلى المشتري القابل لهذا دون تأخير، وقياساً على قول الزوج: " فلانة طالق "، فإن الطلاق يقع فوراً، فكذلك الأمر المطلق يقتضي الفور ولا فرق، والجامع أن كل لفظ اقتضى معنى يجب أن يقع ذلك عَقيبه. وبناء على ذلك: فإن قضاء ما فات من رمضان يجب على الفور، وإذا أخره بدون عذر فإنه يأثم، ولا يجوز فعل النوافل من الصيام حتى يؤدي ما عليه من رمضان.

стр. 218

وكذلك يبنى عليه: أنه إذا بلغ المال النصاب، وحال عليه الحول: فإنه يجب إخراجها على الفور، وإن أخر ذلك فهو آثم، لأن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) للفور. * * * المسألة الرابعة عشرة: الواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته، فيكون القضاء واجباً بالأمر الأول، ولا يحتاج إلى أمر جديد، فلو لم يصل الفجر في وقتها وطلعت الشمس فإنه يقضيها بنفس الأمر الأول، وهو: أمر الأداء؛ لأن الأمر أثبت وجوب الفعل في ذمة المكلف، وكل ما ثبت وجوبه في الذمة، فلا يمكن أن تبرأ الذمة منه إلا بشيئين: أولهما: أن يؤدى ذلك الفعل. ثانيهما: أن يبرئه من كان له حق عليه من الآدميين، فلا يسقط هذا الفعل إلا بأحد هذين الشيئين، وبخروج الوقت لم يحصل الأداء، ولا الإبراء، فلم يسقط الواجب، فتكون الذمة مشغولة بهذا الوجوب، ولا يزول هذا الشغل إلا بمزيل، وهو أحد الشيئين السابقين فقط. وبناء على ذلك: فإن دليل القضاء هو نفسه دليل الأداء،

стр. 219

فمن ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها يلزمه القضاء بالأمر الأول، فيكون الأمر الأول قد اشتمل على أمرين هما: " الفعل أداء " و " الفعل قضاء إن فاته الأداء ". * * * المسألة الخامسة عشرة: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء ما لم يدل عليه دليل، أي: أن الأمر المتعلق بأمر المكلِّف لغيره بفعل من الأفعال لا يكون أمراً لذلك الغير بذلك الأمر، فلو قال زيد لبكر: " مر عمراً بأن يشتري لي كذا "، فإن زيداً لا يكون آمراً عمراً بشراء تلك السلعة؛ لأنه لو كان الأمر بالشيء أمراً لذلك الغير: لكان ذلك مقتضاه لغة، ولو كان كذلك: لكان أمره ﷺ لأولياء الصبيان بقوله: " مروهم بالصلاة لسبع " أمراً للصبيان بالصلاة من الشارع، ولكن هذا ليس أمراً للصبيان من الشارع ولا إيجاباً عليهم؛ لأن الأمر موجه إلى الأولياء؛ حيث إنه أمر تكليف، ولذلك يذم الولي بترك هذا الأمر شرعاً. وأيضاً لو كان ذلك أمراً للصبيان لكانوا مكلَّفين بأمر الشارع، وهذا غير متصوَّر في حق الصبيان؛ لعدم فهمهم خطاب الشارع. وبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال لابنه: " قل لأمك:

стр. 220

أنت طالق "، فإن أراد التوكيل فهذا واضح، حيث إنها تطلق؛ لأن الابن يعتبر وكيلاً في طلاق أمه، أما إذا لم يرد شيئاً فإنه لا يلزم منه وقوع الطلاق على أمه. * * * المسألة السادسة عشرة: إذا خاطب الله تعالى النبي ﷺ بالأمر بفعل عبادة بلفظ ليس فيه تخصيص، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ)، فإن أمته تشاركه في حكم ذلك الأمر والفعل حتى يدل دليل على تخصيصه بذلك الحكم؛ لأن الصحابة ﵃ إذا اختلفوا في حكم من الأحكام الشرعية فإنهم يرجعون إلى أفعال النبي ﷺ ، كرجوعهم إلى فعله في الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال، ونحو ذلك، فلو كان مخصوصاً بهذا الحكم لما صح رجوعهم إلى فعله ﷺ ، فدل على مساواته بغيره في أحكام الشرع. ولأن بعض الصحابة يسأل الرسول ﷺ عن الأمر فيجيب عن حال نفسه، وهذا يدل على أنه لا فرق بينه وبينهم، كما روته أم سلمة ﵂ أن امرأة قبَّلها زوجها وهو صائم، فأتت النبي ﷺ فقالت له ذلك: فقال النبي - ﷺ : " ألا فأخبريها أني أفعل ذلك "، فلو كان الحكم مختصاً به لم يصلح فعله أن يكون جواباً لذلك.

стр. 221

وبناء على ذلك: فإن الأمة تدخل في الخطابات الموجهة إلى النبي ﷺ عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرج أحد إلا بدليل خارجي. * * * المسألة السابعة عشرة: إذا توجه الخطاب بالأمر إلى الصحابة ﵃ والأمة كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، وقوله ﷺ : " يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا "، فإن النبي ﷺ يدخل فيه، ولا يخرج إلا بقرينة؛ لأن ابن عمر قال: لما أمرنا رسول الله ﷺ أن نحل بعمرة قلنا: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ قال: " إني هديت ولبَّدت فلا أحل حتى أنحر هديي "، فلم ينكر عليهم النبي ﷺ سؤالهم، بل أقرَّهم عليه؛ لأنه يعرف أن الصحابة أرادوا بسؤالهم أن يفسر لهم انفراده عنهم بالحكم في هذه المرة، فلو لم يكن الرسول ﷺ داخلاً معهم في الخطابات الموجهة إليهم لما سألوه عن سبب عدم موافقته لهم، ولما أقرَّهم على ذلك. وبناء على ذلك: فإن الرسول ﷺ يدخل في الخطابات الموجهة إلى الأمة عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرج إلا بدليل خارجي.

стр. 222

المسألة الثامنة عشر: ْإذا توجه الأمر إلى واحد من الصحابة كرجم ماعز، وقطع يد سارق رداء صفوان بن أميَّة، فإن غيره يدخل ضمن هذا الأمر؛ لأن الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي ﷺ كانوا يرجعون إلى ما قضى به النبي ﷺ على أعيان وأشخاص منهم، فيأخذون تلك الأحكام المعينة ويعممونها له ولهم، كرجوعهم في حد الزنى إلى قصة ماعز، وفي المفوِّضة إلى قصة بروع بنت واشق، ونحو ذلك، ولم يوجد منكر لذلك، فهذا يدل على تساوي الجميع في تلك الأحكام. وبناء على ذلك: فإن بقية الصحابة يدخلون في الخطاب الموجه إلى فرد منهم عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرجون إلا بدليل خارجي. * * * المسألة التاسعة عشرة: الأمر يتعلق بالمعدوم على تقدير وجوده، ووجود شروط التكليف فيه، أي: أن الأمر يتناول المعدومين الذين علم الله تعالى أنهم سيوجدون على صفة التكليف؛ لإجماع الصحابة والتابعين على ذلك؛ حيث إن جميع الصحابة والتابعين كانوا يأخذون بأوامر الله وأوامر رسوله ﷺ ، ويطبقونها على من لم يوجد في زمان نزول تلك الأوامر، بدون نكير، فكان هذا إجماعاً منهم على أن الأوامر الشرعية تتناول من كان معدوماً حال الخطاب بالأمر.

стр. 223

ولقوله تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)، والمعدوم قد بلغه الأمر حين وجوده، فدلَّ على أن الأمر يتعلق بالمعدوم. وبناء على ذلك: فإن الأمر قد توجه إلى المعدومين عن طريق اللفظ والنص. ولا يخرج أي واحد منهم إلا بدليل، فمثلاً لو أن السيد خاطب عبيده قائلاً: " ليقف كل واحد منكم ساعة "، ثم اشترى عبداً جديداً فإنه يدخل معهم بالنص واللفظ.

стр. 224

المطلب السادس عشر في النهي وفيه مسائل: المسألة الأولى: النهي هو: استدعاء ترك الفعل بالقول على جهة الاستعلاء. * * * المسألة الثانية: النهي له صيغة موضوعة له في اللغة تدل بمجردها عليه وهي: " لا تفعل "؛ لإجماع أهل اللغة على أن " لا تفعل " صيغة للنهي؛ حيث إن السيد لو قال لعبده: " لا تدخل هذه الدار "، فلو دخلها فإنه يستحق العقوبة بإجماع عقلاء أهل اللغة، دون نكير، فكان ذلك إجماعاً منهم على أن ذلك اللفظ وضع للنهي. ولأن أهل اللغة قد قسموا الكلام: إلى " أمر " و " نهي " و" خبر " و " استخبار "، فجلعوا للأمر " افعل "، وللنهي " لا تفعل "، وللخبر " قد فعلت "، وللاستخبار " هل فعلت؟ ".

стр. 225

وبناء على ذلك: فإن صيغة " لا تفعل " من باب الظاهر، حيث إن لها معنيان: معنى راجح وهو طلب الترك، ومعنى مرجوح وهو: عدم إفادتها لشيء، فرجَّحنا إفادتها لطلب الترك، ويعمل على ذلك بدون قرينة. * * * المسألة الثالثة: صيغة " لا تفعل " تستعمل لمعان هي: الأول: التحريم، كقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا). الثاني: الكراهة، كقوله تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ). الثالث: الإرشاد، كقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). الرابع: الدعاء، كقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا). الخامس: التقليل والاحتقار، كقوله تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ). السادس: بيان العاقبة، كقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)). السابع: التسكين والتصبر، كقوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)). الثامن: اليأس، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ). التاسع: الشفقة، كقوله ﷺ : " لا تتخذوا الدواب كراسي ". العاشر: الالتماس، كقولك لمن هو في مرتبتك: " لا تضرب فلانا ".

стр. 226

الحادي عشر: التهديد، كقول السيد لعبده: " لا تفعل اليوم شيئا ". * * * المسألة الرابعة: صيغة النهي وهي: " لا تفعل "، إذا تجردت عن القرائن فإنها تقتضي التحريم حقيقة، ولا تحمل على غيره من المعاني السابقة إلا بقرينة؛ لإجماع الصحابة والتابعين؛ حيث كانوا يستدلون على تحريم الشيء بصيغة " لا تفعل " فيقولون: حرم القتل؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) وحرم الزنا، لقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ونحو ذلك، فقد كانوا ينتهون عن ذلك بمجرد سماعهم لتلك الصيغة، ويعاقبون من يفعل المنهي عنه، واستدلالهم على التحريم، وانتهائهم عن المنهي عنه، ومعاقبتهم لمن يفعل المنهي عنه دليل واضح على أن الصيغة حقيقة في التحريم، فإذا استعملت في غيره: كان ذلك مجازاً. وبناء على ذلك: فإن النهي في قوله ﷺ : " لا يبع بعضكم على بيع بعض "، يقتضي التحريم ابتداء، ولا يصرف عنه إلى غيره إلا بقرينة. * * * المسألة الخامسة: صيغة النهي الواردة بعد الأمر تقتضي التحريم، بخلاف

стр. 227

الأمر الوارد بعد النهي فإنا قلنا: إنه يقتضي الإباحة، وقلنا ذلك لوجود الفرق بينهما من وجوه: الوجه الأول: أن دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة الأمر على الوجوب؛ لعموم قوله ﷺ : " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال ". الوجه الثاني: أن الأصل في الأشياء العدم، فالقول بأن النهي بعد الأمر يقتضي التحريم فيه عمل بالأصل. الوجه الثالث: أن الشارع قد اعتنى بدرء المفاسد أشد من عنايته بجلب المنافع والمصالح، فالقول بأن النهي بعد الأمر للتحريم فيه عمل بهذا الأصل. وبناء على ذلك: فإن السيد لو قال لعبده: " كُلْ من هذا الطعام " ثم قال له: " لا تأكل منه " فإن أكل من ذلك الطعام فإنه يستحق العقوبة بلا قرينة. * * * المسألة السادسة: النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه على الفور ويقتضي التكرار؛ لأن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل، وعدم الإتيان بالفعل لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل الأزمنة، وبذلك يكون ترك الفعل مستغرقاً جميع الأزمنة، ومن جملتها الزمن الذي يلي النهي مباشرة، فيكون النهى مفيداً للتكرار كما هو مفيد للفور.

стр. 228

ولأن الناهي لا ينهى إلا عن قبيح، والقبيح يجب اجتنابه على الفور، وفي كل وقت. * * * المسألة السابعة: النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، وإن كان له أضداد فهو أمر بأحدها، فقوله: " لا تقم " هو أمر بالقعود؛ لأن المنهي يتحتم عليه ترك المنهي عنه، ولا يمكنه ترك المنهي عنه إلا بفعل ضده، وما تحتم فعله إلا لأنه مأمور به. وبناء على ذلك: فإن الرجل إذا قال لزوجته: " إن خالفت أمري فأنت طالق "، ثم قال لها: " لا تقومي " فقامت، فإنه يلزم أنها تطلق، لأن النهي عن الشيء أمر بضده. * * * المسألة الثامنة: النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقاً - أي: سواء كان المنهي عنه عبادة أو معاملة. والمراد بالفساد: عدم ترتب الآثار فأثر النهي في العبادات: عدم براءة الذمة، وأثر النهي في المعاملات: عدم إفادة الملك وعدم الحل. فالنهي عن البيع بعد النداء الثاني، والنهي عن بيع المزابنة، والنهي عن نكاح المتعة والشغار يقتضي فساد المنهي عنه؛ لأن

стр. 229

الشارع لا ينهى عن شيء إلا لأن المفسدة متعلقة بالمنهي عنه، أو لازمة له، ويلزم من ذلك أن الأشياء المنهي عنها فيها مفاسد، وإذا كانت كذلك فسيلحق الناس منها ضرر، وإزالة الضرر وإعدامه مناسب عقلاً وشرعاً، ولا يمكن ذلك إلا بقولنا: إن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقاً. ولإجماع الصحابة على ذلك؛ حيث إنهم استدلوا على فساد عقود الربا بالنهي الوارد في قوله ﵊: " لا تبيعوا الذهب بالذهب. . . "، واستدلوا على فساد نكاح المُحْرِم في الحج بالنهي عنه الوارد في قوله ﷺ : " لا ينكح المحرم ولا يُنكح "، فلو لم يكن النهي يقتضي فساد المنهي عنه لما استدلوا بتلك النواهي على فساد الأمور المنهي عنها، ولم ينكر أحد هذا الاستدلال فكان إجماعاً. وبناء على ذلك: فإن نذر صيام يوم العيد فاسد، ولو صام الناذر لا يصح صومه، ولا يسقط القضاء عنه؛ لأنه نهي عن صوم يوم العيد، والنهي يقتضي الفساد، فلا يكون صوم يوم العيد مشروعاً.

стр. 230

المطلب السابع عشر في العموم وفيه مسائل: المسألة الأولى: العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد. * * * المسألة الثانية: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، والعوارض: جمع عارض، والعارض هو الذي يذهب ويجيء، ولذلك سمي المال عرضاً في قوله تعالى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) لأنه يذهب ويجيء، فالعموم عارض للفظ قد يجيء إليه، وقد يزول عنه. وليس المراد من ذلك: أن العموم داخل في حقيقة اللفظ بحيث كلما وجد اللفظ يكون عاماً، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود ما ذكرناه. * * * المسألة الثالثة: العموم له صيغة في اللغة خاصة به موضوعة له تدل على

стр. 231

العموم حقيقة، ولا تحمل على غيره إلا بقرينة - وهي: صيغ العموم التي سيأتي ذكرها كأدوات الشرط والاستفهام، وكل اسم دخلت عليه " أل " الاستغراقية، و " كل " و " جميع " وغيرها مما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى؛ لإجماع الصحابة على أن تلك الصيغ للعموم؛ حيث كانوا يجرون تلك الألفاظ والصيغ على العموم إذا وردت في الكتاب والسنة، ولا يطلبون دليلاً على ذلك؛ نظراً لأن إفادتها للعموم أمر مسلم به عندهم، ولكنهم كانوا يطلبون دليل التخصيص: فإن وجدوا المخصص أخذوا به، وإن لم يجدوا أجروا تلك الصيغ على أصلها وحقيقتها، وهو العموم، وكانوا يفعلون ذلك دون نكير من أحد، فكان إجماعاً. ومن أمثلة ذلك: أنهم عاقبوا جميع السارقين والسارقات، وعاقبوا جميع الزناة والزانيات وذلك لورود صيغة العموم في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ومنها أنهم تمسكوا بقوله ﵇: " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " على عدم جواز قتال مانعي الزكاة حتى نبَّههم أبو بكر ﵁ على أن الرسول ﷺ قال: " إلا بحقها " حيث إنه استثناء، والاستثناء يدل على أن المستثنى منه عام. ومنها: احتجاج أبي بكر ﵁ على الأنصار لما قالوا: " منا أمير ومنكم أمير " بقوله ﷺ : " الأئمة من قريش " ولم ينكر عليه أحد. ومنها: احتجاجهم بقوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) على تحريم جميع أنواع الربا، واحتجوا بغير ذلك من النصوص التي وردت فيها صيغة من صيغ العموم على تعميم الحكم بسبب تلك الصيغة.

стр. 232

وأيضاً: أن القضاة والحكام والمفتين يبنون على أن تلك الصيغ والألفاظ تفيد العموم إذا نطق بها المتكلم فيحكمون أن جميع العبيد والإماء أحرار إذا قال السيد: " أعتقت عبيدي وإمائي "، ولو قال زيد لعمرو: " لي عليك ألف ريال "، فقال عمرو: " ما لك علي شيء "، لكان هذا إنكاراً لجميع الألف، لأنه نكرة في سياق نفي وهي تفيد العموم. وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) عام لجميع الناس دون استثناء. * * * المسألة الرابعة: صيغ العموم هي: الصيغة الأولى: أدوات الاستفهام، كقولك: " من عندك؟ ". ودلَّ على أنها من صيغ العموم: أنها إما أن تكون للعموم فقط، أو للخصوص فقط، أو لهما معاً بالاشتراك اللفظي، أو لا تكون لكل واحد منهما والكل باطل إلا الأول، وإليك بيان ذلك. لا يصح أن تكون موضوعة للخصوص فقط: لأنه لو كانت موضوعة له: لما حسن من المجيب أن يجيب بلفظ " كل " أو " جميع "، ولكنه يجوز أن يجيب: فلو قال: " من عندك؟ " فإنه يمكن للمجيب أن يقول: " عندي جميع الطلاب ".

стр. 233

ولا يصح أن تكون موضوعة للخصوص والعموم بالاشتراك اللفظي، لأنه يكون مجملاً، والمجمل لا يمكن أن يجاب عنه. بجواب معين إلا بعد عدة استفهامات عن الأقسام الممكنة: فلو قال: " من عندك؟ " فإن المجيب لا بد أن يقول: " أتسألني عن الرجال أم عن النساء؟ "، فإذا قال: أسالك عن الرجال فلا بد أن يقول: أتسألني عن العرب أم عن العجم؟ وهكذا إلى أن يأتي على جميع أحياء العرب مثلاً، وعلى جميع أصنافها من العلماء، والجهال، والبيض والسود ونحو ذلك، فثبت أنه لو صح الاشتراك لوجدت هذه الاستفهامات، لكنها غير واجبة؛ لأن أهل اللسان يستقبحون مثل هذه الاستفهامات؛ لأنها غير متناهية، فبطل كون تلك الصيغ موضوعة للعموم والخصوص بالاشتراك اللفظي. ولا يصح أن لا تكون تلك الصيغ موضوعة للعموم ولا للخصوص؛ لأنه يؤدي إلى أنه يوجد في الكتاب والسنة ألفاظ لا تفيد شيئاً وهذا باطل. فلما بطلت الأقسام الثلاثة الأخيرة لم يبق إلا الأول وهو: أنها موضوعة للعموم، وهو المطلوب. الصيغة الثانية: أدوات الشرط كمن، كقولك: " من نجح فله جائزة ". ودل على أنها للعموم: صحة الاستثناء مما دخلت عليه أداة الشرط فيصح أن تقول: " مَن دخل داري فأكرمه إلا زيداً "، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فيدل الاستثناء على أن المستثنى منه عام. الصيغة الثالثة: " كل " و " جميع ".

стр. 234

دل على أنها للعموم: أن أهل اللغة واللسان إذا أرادوا التعبير والغوص في الاستغراق فإنهم يفزعون إلى استعمال لفظ " كل " أو " جميع "، ولو لم يكونا مفيدين للعموم لما فزعوا إليهما. ولصحة الاستثناء مما دخلت عليه كل أو جميع فتقول: " كل الطلاب يكرمون إلا زيداً ". الصيغة الرابعة: الجمع المعرَّف بأل كالرجال، والمسلمين، والناس، بشرط: أن لا تكون " أل " هذه عهدية. ودل على ذلك: صحة الاستثناء من الجمع المعرَّف بأل فتقول: " أكرم الرجال إلا زيداً "، فلو لم يفد العموم لما صح الاستثناء منه. وأيضاً: أنه يؤكد بما يقتضي العموم، كقوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ). وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " والله لأصومن الأيام " للزمه أن يصوم جميع أيام العمر. الصيغة الخامسة: الجمع المعرَّف بالإضافة، كقولك: " أكرم طلاب الكلية ". ودل على أنها للعموم: صحة الاستثناء فتقول: " أكرم طلاب الكلية إلا زيدا "، وهو كما سبق. الصيغة السادسة: واو الجمع، كقوله: " قوموا ".

стр. 235

ودل على أنها للعموم: صحة الاستثناء، فلو قال: للطلاب الذين أمامه: " قوموا إلا زيدا " لصح، وهذا يدل على إفادة ذلك العموم. وبناء على ذلك: فإنه لو قال لوكلائه: " أعطوا زيداً مما في أيديكم عشرة "، للزم من ذلك أن كل واحد مأمور بإعطائه شيئاً، ويلزم أيضاً: أن كل واحد مأمور بإعطاءه عشرة غير ما يعطيه صاحبه. الصيغة السابعة: النكرة في سياق النفي، كقولك: " لا رجل في الدار ". دل على أنها تفيد العموم صحة الاستثناء من هذه النكرة، فتقول: " لا رجل في الدار إلا زيداً "، و " ما قام أحد إلا زيداً ". ولأنه لو لم تكن النكرة في سياق النفي تعم لما كان قول الموحِّد: " لا إله إلا الله "، نفياً لجميع الآلهة سوى الله تعالى. وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " والله لا آكل رغيفا "، يحنث إذا أكل رغيفاً فأكثر. الصيغة الثامنة: المفرد المحلَّى بأل، كقولك: " قدم الحاج " أي: جميع الحجاج. دل على أنه يفيد العموم صحة الاستثناء منه، كقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا).

стр. 236

ولأنه ينعت بما ينعت به العموم، كقوله تعالى: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ). وبناء على ذلك: فإن المرأة لو قالت: " قد أذنت للعاقد بهذا البلد أن يزوجني "، فإنه يجوز لكل عاقد أن يزوجها. وكذلك لو قال الزوج: " إذا قدم الحاج فأنتِ طالق "، فإنها لا تطلق إلا إذا قدم جميع حجاج هذه البلدة، فلو مات أحد حجاج هذه البلدة، أو لم يرجع فإنها لا تطلق. الصيغة التاسعة: المفرد المنكر المضاف إلى معرفة، كقولك: " أكرم عالم هذه المدينة ". ودل على أنها تفيد العموم: صحة الاستثناء في ذلك، فتقول: " أكرم عالم هذه المدينة إلا زيداً "، والاستثناء يدل على أن المستثنى منه عام. وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " زوجتي طالق وعبدي حر " ولم ينو معيناً، فإن جميع زوجاته طوالق أو جميع عبيده أحرار استدلالاً بهذه القاعدة. الصيغة العاشرة: الاسم الموصول سواء كان مفرداً كالذي، والتي، أو مثنى كالذين أو جمعاً كالذين واللاتي واللائي، ودل على أنها تفيد العموم: صحة الاستثناء، فتقول: " أكرم الذي نجح إلا زيداً ".

стр. 237

الصيغة الحادية عشرة: " سائر "، المشتقة من سور المدينة، كقولك: " أكرم سائر العلماء ". والدليل على كونها مفيدة للعموم: صحة الاستثناء. * * * المسألة الخامسة: الجمع المنكر في سياق الإثبات لا يفيد العموم؛ لأن الجمع المنكر صالح لكل مرتبة من مراتب الجماعة التي تبتدي من الثلاثة إلى العشرة، فيصح أن تقول: " رجال ثلاثة وأربعة وخمسة "، ولا يمكن ذلك في أقل من الثلاثة، إذن الثلاثة لا بد منها فثبت أنها تفيد الثلاثة فقط؛ لأنه أقل الجمع، ولا يحمل على ما زاد عليه إلا بدليل. وبناء على ذلك: فلو قال السيد لعبده: " أكرم علماء " فإنه تبرأ ذمة العبد إذا أكرم ثلاثة فقط. * * * المسألة السادسة: نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة بينهما من كل الوجوه التي يمكن نفيها عنهما؛ فإذا قال: " لا يستوي زيد وعمر "، فإن هذا يقتضي نفي المساواة في جميع الوجوه: في الكرم، والعلم، والخُلق وغير ذلك. وقلنا ذلك: لأن هذا من قبيل النكرة في سياق النفي،

стр. 238

والنكرة في سياق النفي من صيغ العموم - كما سبق - وهي تفيد العموم من جميع الوجوه. وبناء على ذلك: فإن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي؛ لقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ)، ونفي المساواة يقتضي نفيه من جميع الوجوه، فلو قتل المسلم بالكافر لحصل بينهما استواء في القصاص، ومعروف أن الكافر الذمي غير مساو للمسلم، بل هو أقل منه في العصمة. * * * المسألة السابعة: إذ كان الفعل متعدياً، ولم يذكر مفعوله ووقع ذلك الفعل في سياق نفي كقولك: " والله لا آكل "، أو وقع في سياق شرط كقولك: " إن أكلتِ فأنتِ طالق "، فإن ذلك يكون عاماً في جميع المأكولات، فلو أكل هذا الحالف أيَّ أكل فإنه يحنث وتجب عليه الكفارة، ولو أكلت الزوجة أي أكل فإنها تطلق، وقلنا ذلك لأن الفعل من باب النكرة، والنكرة إذا وقعت في سياق النفي فإنها تعم، وكذلك الفعل إذا وقع في سياق شرط فإنه يعم؛ لما سبق ذكره من أن النكرة في سياق النفي، وأدوات الشرط من صيغ العموم.

стр. 239

وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " إن أكلت فأنتِ طالق "، فإنها تطلق إن أكلت أيَّ شيء، لكن لو نوى أكلاً معيناً كالتفاح فإنها لا تطلق إن أكلت غيره كالبرتقال، لأن كلامه عام، وخصَّصه بالنية؛ لأن العام يقبل التخصيص. * * * المسألة الثامنة: دلالة العام ظنية، وليست قطعية، أي: أن تلك الصيغ والألفاظ تدل على العموم والخصوص، لكن دلالتها على العموم أرجح من دلالتها على الخصوص. وقلنا ذلك لأن هذه الصيغ تستعمل للعموم - كما سبق بيانه - ومع ذلك فقد كثر إطلاقها وإرادة الخصوص كثرة لا تحصى حتى أنه اشتهر قولهم: " ما من عام إلا وقد خصص إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، واستعمال تلك الألفاظ والصيغ في الخصوص كثيراً تجعل دلالتها على العموم ظنية؛ لأن احتمال إرادة الخصوص بها وارد وثابت بدليل. وبناء على ذلك: فإن أي دليل ظني كخبر الواحد، والقياس، والمفاهيم، يقوى على تخصيص العام؛ لأن الظني يقوى على تخصيص الظني.

стр. 240

المسألة التاسعة: أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ولا يطلق الجمع على الاثنين والواحد إلا مجازاً؛ لقوله ﷺ : " الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة رَكب "، ولقوله: " الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم "،، فقد فصل النبي ﷺ بين التثنية والجمع، وجعل للاثنين اصطلاحاً دون الجمع، فعلم أن التثنية ليست بجمع حقيقة. ولأن الثلاثة تنعت بالجمع، والجمع ينعت بالثلاثة فيقال: " ثلاثة رجال "، و " رجال ثلاثة " لكن التثنية لا تنعت بالجمع، ولا الجمع ينعت بالتثنية فلا يقال: " رجال اثنان " ولا " اثنان رجال "، فلو كان الاثنان أقل الجمع: لجاز نعت أحدهما بالآخر، لكن ذلك لا يجوز، فلا يكون الاثنان جمعاً. ولأن أهل اللغة فرقوا بين التثنية والجمع بالضمير المتصل والمنفصل والتأكيد، فقالوا في الجمع: " فعلوا " و " هم " و " جاء الزيدون أنفسهم "، ولم يقولوا ذلك في التثنية. وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " والله لا أكلم رجالاً "، فإنه يحنث إذا كلم ثلاثة رجال، ولا يحنث إذا كلَّم اثنين أو واحد.

стр. 241

وكذلك إذا نذر صوم أيام فإنه يلزمه ثلاثة أيام. وكذلك لو قال لزوجته: " أنتِ طالق طلقات "، فإنه يلزمه ثلاث طلقات. * * * المسألة العاشرة: العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، أي: أن اللفظ الوارد على سبب خاص لا يختص به، بل يكون عاماً لمن تسبب في نزول الحكم ولغيره؛ لأن الحجة في لفظ الشارع: فإن أورد الشارع الحكم، وهو مشتمل على صيغة من صيغ العموم: جعلنا الحكم عاماً سواء نزل ذلك الحكم بسبب أو بغير سبب، وإن أورد الشارع الحكم بلفظ خاص: خصصنا ذلك الحكم، فالمعتبر هو اللفظ. ولإجماع الصحابة ﵃ على تعميم الأحكام الواردة على أسباب خاصة كآيات الظهار التي نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجته، وآيات اللعان النازلة في عويمر العجلاني وزوجته، وآية السرقة النازلة في سرقة رداء صفوان بن أمية، وآية القذف النازلة في شأن عائشة - رضي الله عن الجميع - فقد علم الصحابة تلك الأحكام بدون نكير، فكان إجماعاً. وبناء على ذلك: فإن الأحكام الواردة على أسباب قد ثبتت

стр. 242

لأوس، ولعويمر، ولصفوان، ولعائشة وللحوادث المشابهة لها عن طريق اللفظ والنص. * * * المسألة الحادية عشرة: قول الصحابي: " أمر رسول الله ﷺ ، أو نهى، أو قضى، أو حكم، يقتضي العموم؛ لإجماع الصحابة والتابعين على ذلك؛ حيث كانوا يرجعون إلى هذه الألفاظ، ويحتجون بها في عموم الصور التي تحصل في أزمانهم. فقد قال ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة حتى أخبرنا رافع أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة، وإذا رأى أحد منهم شخصاً يبيع بالمزابنة أو المحاقلة منعوه استدلالاً بقول الصحابي: " نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمحاقلة "، وأخذوا بقول الصحابي: " أمر رسول الله ﷺ بوضع الجوائح "، وبقوله: " رخص رسول الله ﷺ في السَّلَم "، وبقوله: " رخص رسول الله ﷺ في العرايا "، وبقوله: " قضى رسول الله ﷺ بالشفعة للجار "، وكانوا يفعلون ذلك، ويستدلون بتلك الألفاظ، دون نكير، فكان إجماعاً. وبناء على ذلك: فإن النهي عن بيع المزابنة، والمنابذة، والملامسة، والمحاقلة، والغرر، والأمر بوضع الجوائح، والقضاء بالشفعة للجار، وفيما لم يقسم: عام وشامل للأشخاص الذين

стр. 243

نُهوا وأمروا وقضي في حقهم، ولمن جاء بعدهم ممن شابههم، وذلك عن طريق لفظ الصحابي ونصه. * * * المسألة الثانية عشرة: إذا قال الصحابي: كان النبي ﷺ يفعل كذا فإن هذا يفيد العموم؛ لأن الراوي إنما يحكي الفعل والحادثة بلفظ: " كان "، إذا ثبت عنده تكرار ذلك الفعل؛ حيث لا يُفهم من لفظ: " كان " إلا التكرار في مخاطباتنا العادية، فمثلاً يقول القائل: " كان زيد يأتي هذه المكتبة "، فإنا لا نفهم من ذلك عادة إلا أن زيداً يتردد عليها أكثر من مرة. وبناء على ذلك: فإن تعبير الصحابي بلفظ " كان " يدل على أن فعل النبي ﷺ الذي أداه هذا الصحابي بلفظ " كان " متكرر، ومعلوم أن ما تكرر وقوعه من فعله ﷺ أقوى مما وقع مرة واحدة، وهذا يفيد عند التعارض. * * * المسألة الثالثة عشرة: العبد يدخل تحت خطاب التكليف بالألفاظ العامة المطلقة، كلفظ: " الناس " و " المؤمنين " و " المسلمين " و " الأمة "، فهو كالحر، ولا فرق، ولا يخرج منها إلا بقرينة، لأن العبد من جملة من يتناوله اللفظ، فهو من الناس، ومن المؤمنين، ومن المسلمين،

стр. 244

ومن الأمة؛ حيث إن العبد يوصف بذلك فيقال: هذا العبد مسلم، ومؤمن، ومن الناس، ومن الأمة، ولا يوجد مانع من دخوله، لا شرعي، ولا عقلي. وبناء على ذلك: فإن العبد يدخل ضمن الخطابات الموجهة إلى الناس، والأمة، والمؤمنين والمسلمين، دخولاً أصلياً، ولا يخرج عن ذلك الخطاب إلا بدليل وسبب، كسقوط صلاة الجمعة والحج والجماعة بسبب اشتغاله بخدمة سيده، ولو أذن له سيده لوجبت عليه. * * * المسألة الرابعة عشرة: النساء يدخلن ضمن الجمع الذي تبيَّنت فيه علامة التذكير، كالمسلمين، والمؤمنين، وفعل: " اشربوا وكلوا " و " قاموا " ولا يخرجن إلا بدليل؛ لأن العرب اعتادوا أنه إذا اجتمع الذكور والإناث فإنهم يغلبون جانب التذكير في ألفاظهم وخطاباتهم، ولو كان الذكر واحداً، فإذا كان أمامك عدد من الرجال والنساء فإن الصحيح عند أهل اللغة هو قولك: " قوموا "، ولو قلت للرجال: " قوموا " وللنساء " قمن "، لعده أهل اللغة لكنة وعيَّاً. وقد وقع ذلك في قوله تعالى - وهو يخاطب آدم، وحواء، وإبليس - (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) فقال: (اهْبِطُوا) مع وجود حواء.

стр. 245

ولأن أكثر أوامر الشرع ونواهيه وخطاباته العامة وردت بلفظ التذكير كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ونحو ذلك، وانعقد الإجماع على أن النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر والنواهي. وبناء على ذلك: فإنه لو قال رجل لجمع من الرجال والنساء ومعهم زوجته - وهو يعلم بوجودها -: " طلقتكم " فإنها تطلق؛ لأنها تدخل في خطاب الرجال. ولو قال لمن أمامه من الرجال والنساء: " ملكتكم هذه الدار "، فإن النساء يشاركن في ملكية هذه الدار. * * * المسألة الخامسة عشرة: العام إذا أدخله التخصيص فإنه حقيقة فيما بقي بعد التخصيص مطلقاً؛ لأن المخصِّص قد أثر في المخصوص والمخرج - فقط -، ولم يؤثر في الباقي بعد التخصيص، فيبقى على ما هو عليه. فمثلاً: لفظ " السارق " قد وضع لجميع السارقين، وأنها تقطع يد كل واحد منهم، ولما جاء المخصص - وهو قوله ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق " - صرف دلالة لفظ: " السارق " عن بعض السارقين وبين أن هذا

стр. 246

البعض - وهما: المجنون والصبي - لا تقطع أيديهما إذا سرقا، وإذا صرفت دلالته عن هذين الشخصين فإن دلالة اللفظ - وهو السارق - على الأفراد غير المخصوصين باقية لم تتغير، ومستمرة على ما هي حقيقة، إذن المخصص لم يؤثر في الباقين، بل أثر في المخصص والمخرج، فتبقى دلالة اللفظ العام المخصوص حقيقة فيما بقي. وبناء على ذلك: فإن الأفراد الذين بقوا بعد التخصيص قد دل عليهم اللفظ العام وتناولهم حقيقة، أي: دخلوا في عمومه بدون قرينة، وأي لفظ دل على ما بقي بدون قرينة فإنه يكون أقوى من اللفظ الذي لا يدل إلا بقرينة، وهذا يفيد عند تعارض اللفظين. * * * المسألة السادسة عشرة: يجوز أن يخص العام إلى أن يبقى واحد؛ لوقوعه في القرآن؛ حيث قال تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وأراد بذلك عائشة ﵂ وقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) والمراد بالناس واحد وهو: نعيم بن مسعود الأشجعي كما ذكره المفسرون. ولوقوعه عند أهل اللغة؛ حيث كتب عمر إلى سعد بن أبي

стр. 247

وقاص ﵄ قائلًا: " قد انفذت إليك ألفي رجل "، وكان قد أرسل إليه ألفاً من الرجال والقعقاع بن عمرو، ولم ينكر عليه أحد. وبناء على ذلك: فإنه إذا كان للرجل أربع نساء وقال: " نسائي طوالق "، ثم قال: كنت قد أخرجت ثلاثاً: فإنه يقبل، حيث إن الباقية واحدة ويجوز تخصيص إلى أن يبقى واحد. * * * المسألة السابعة عشرة: المخاطِب - بكسر الطاء - والمتكلم يدخل في عموم خطابه مطلقاً؛ لأن السيد لو قال لعبده: " من أحسن إليك فأكرمه "، ثم أحسن إليه السيد، فإن أكرمه فإنه يستحق المدح والثناء، وإن لم يكرمه فإنه يستحق اللوم، وهذا باتفاق العقلاء من أهل اللغة، فاستحقاقه للمدح في الحالة الأولى وللذم في الحالة الثانية دليل على أن السيد داخل في عموم خطابه ومتناول له. وبناء على ذلك: فإن المخاطب يدخل في عموم خطابه ولا يخرج إلا بقرينة، فلو قال: " نساء المسلمين طوالق " فإن زوجته تطلق، لأن المخاطب والمتكلم يدخل في عموم كلامه.

стр. 248

ولو قال: " عندي لورثة أبي ألف ريال " فإنه يدخل معهم، ويكون له نصيب من هذه الألف. * * * المسألة الثامنة عشرة: يجب اعتقاد عموم اللفظ في حال علمنا به، وإذا اعتقد عمومه وجب العمل بذلك إذا جاء وقت العمل به قبل البحث عن المخصص، فإن وجدنا مخصصاً تركنا العام وعملنا بالمخصص وما بقي بعد التخصيص، وإن لم نجد مخصصاً له نستمر في العمل بالمخصص؛ لأن ترك التمسك بالعام لاحتمال وجود مخصص له يلزم منه ترك العمل بالدليل الثابت يقيناً من أجل دليل قد شك في ثبوته وهذا لا يجوز. ولأن الأصل عدم التخصيص، وذلك يوجب ظن عدم التخصيص، وهو: يكفي في ظن إثبات الحكم باللفظ العام والعمل به فور علمنا به. وبناء على ذلك: فإن اللفظ العام يجب أن يعمل به حال سماعنا به بدون قرائن. * * * المسألة التاسعة عشرة: الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع يقتضي العموم في

стр. 249

كل من المضاف والمضاف إليه فقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك، فلا تكفي صدقة من نوع واحد من الأموال. وقلنا ذلك لأن الجمع المضاف من صيغ العموم، وضمير الجمع من صيغ العموم - أيضاً، فإذاً يكون العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؛ عملاً بالظاهر. وتطبيق ذلك كما قلنا بالمثال. * * * المسألة العشرون: المفهوم له عموم، أي: يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه إما على موافقة المنطوق به، أو على مخالفته، قياساً على اللفظ، فكما أن اللفظ يثبت الحكم في جميع صور مسمياته فكذلك مفهومه يثبت الحكم في جميع صور مسمياته، فالرسول ﷺ لما قال: " في سائمة الغنم الزكاة "، فقد تضمن ذلك القول قولاً آخر، وهو: أنه لا زكاة في المعلوفة، ولو صرح بذلك: لكان عاماً. وبناء على ذلك: فإن قوله ﷺ : " إذا بلغ الماء قُلتين لم ينجس "، قد دل بمفهومه على أن ما دونهما ينجس بملاقاه النجاسة، وهذا عام لجميع صوره، أي: سواء تغير أو لا، كوثر بماء طاهر ولم يبلغ قلتين أو لم يُكاثر.

стр. 250

المسألة الواحدة والعشرون: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فقوله ﷺ لغيلان الثقفي - الذي أسلم وتحته عشرة نسوة -: " أمسك أربعاً وفارق سائرهن "، وهو لم يستفسر منه هل عقد على هذه النسوة بعقد واحد في زمن واحد، أو عقد عليهن بعقود متعددة في أزمان مختلفة؛ هذا يفيد العموم في جميع الأحوال؛ لأن ترك الرسول ﷺ الاستفصال من الحاكي في حكايته مع قيام الاحتمال الذي من شأنه أن يؤثر في الحكم، ينزل منزلة العموم في المقال، أي: أن الحكم - وهو: إمساك أربع ومفارقة الباقي عام في الحالتين المذكورتين سابقاً، وهذا يتبين فيه سماحة الإسلام ويسره. * * * المسألة الثانية والعشرون: المقتضَى لا عموم له، أي: أن الشيء الذي اقتضاه اللفظ لصدق الكلام، أو لصحته العقلية، أو لصحته الشرعية، يكون واحداً فقط؛ لأن ثبوت المقتضَى كان للضرورة حتى إذا كان الكلام مفيداً للحكم بدونه لم يصح إثباته لغة ولا شرعاً، وإذا كان للضرورة فإن الضرورة تقدّر بقدرها، ولا حاجة لإثبات
следующие страницы →