Полный текст (415 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
البعض - وهما: المجنون والصبي - لا تقطع أيديهما إذا سرقا، وإذا صرفت دلالته عن هذين الشخصين فإن دلالة اللفظ - وهو السارق - على الأفراد غير المخصوصين باقية لم تتغير، ومستمرة على ما هي حقيقة، إذن المخصص لم يؤثر في الباقين، بل أثر في المخصص والمخرج، فتبقى دلالة اللفظ العام المخصوص حقيقة فيما بقي.
وبناء على ذلك: فإن الأفراد الذين بقوا بعد التخصيص قد دل عليهم اللفظ العام وتناولهم حقيقة، أي: دخلوا في عمومه بدون قرينة، وأي لفظ دل على ما بقي بدون قرينة فإنه يكون أقوى من اللفظ الذي لا يدل إلا بقرينة، وهذا يفيد عند تعارض اللفظين.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
يجوز أن يخص العام إلى أن يبقى واحد؛ لوقوعه في القرآن؛ حيث قال تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وأراد بذلك عائشة ﵂ وقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) والمراد بالناس واحد وهو: نعيم بن مسعود الأشجعي كما ذكره المفسرون.
ولوقوعه عند أهل اللغة؛ حيث كتب عمر إلى سعد بن أبي
стр. 247
وقاص ﵄ قائلًا: " قد انفذت إليك ألفي رجل "، وكان قد أرسل إليه ألفاً من الرجال والقعقاع بن عمرو، ولم ينكر عليه أحد.
وبناء على ذلك: فإنه إذا كان للرجل أربع نساء وقال: " نسائي طوالق "، ثم قال: كنت قد أخرجت ثلاثاً: فإنه يقبل، حيث إن الباقية واحدة ويجوز تخصيص إلى أن يبقى واحد.
* * *
المسألة السابعة عشرة:
المخاطِب - بكسر الطاء - والمتكلم يدخل في عموم خطابه مطلقاً؛ لأن السيد لو قال لعبده: " من أحسن إليك فأكرمه "، ثم أحسن إليه السيد، فإن أكرمه فإنه يستحق المدح والثناء، وإن لم يكرمه فإنه يستحق اللوم، وهذا باتفاق العقلاء من أهل اللغة، فاستحقاقه للمدح في الحالة الأولى وللذم في الحالة الثانية دليل على أن السيد داخل في عموم خطابه ومتناول له.
وبناء على ذلك: فإن المخاطب يدخل في عموم خطابه ولا يخرج إلا بقرينة، فلو قال: " نساء المسلمين طوالق " فإن زوجته تطلق، لأن المخاطب والمتكلم يدخل في عموم كلامه.
стр. 248
ولو قال: " عندي لورثة أبي ألف ريال " فإنه يدخل معهم، ويكون له نصيب من هذه الألف.
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
يجب اعتقاد عموم اللفظ في حال علمنا به، وإذا اعتقد عمومه وجب العمل بذلك إذا جاء وقت العمل به قبل البحث عن المخصص، فإن وجدنا مخصصاً تركنا العام وعملنا بالمخصص وما بقي بعد التخصيص، وإن لم نجد مخصصاً له نستمر في العمل بالمخصص؛ لأن ترك التمسك بالعام لاحتمال وجود مخصص له يلزم منه ترك العمل بالدليل الثابت يقيناً من أجل دليل قد شك في ثبوته وهذا لا يجوز.
ولأن الأصل عدم التخصيص، وذلك يوجب ظن عدم التخصيص، وهو: يكفي في ظن إثبات الحكم باللفظ العام والعمل به فور علمنا به.
وبناء على ذلك: فإن اللفظ العام يجب أن يعمل به حال سماعنا به بدون قرائن.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع يقتضي العموم في
стр. 249
كل من المضاف والمضاف إليه فقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك، فلا تكفي صدقة من نوع واحد من الأموال.
وقلنا ذلك لأن الجمع المضاف من صيغ العموم، وضمير الجمع من صيغ العموم - أيضاً، فإذاً يكون العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؛ عملاً بالظاهر.
وتطبيق ذلك كما قلنا بالمثال.
* * *
المسألة العشرون:
المفهوم له عموم، أي: يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه إما على موافقة المنطوق به، أو على مخالفته، قياساً على اللفظ، فكما أن اللفظ يثبت الحكم في جميع صور مسمياته فكذلك مفهومه يثبت الحكم في جميع صور مسمياته، فالرسول ﷺ لما قال: " في سائمة الغنم الزكاة "، فقد تضمن ذلك القول قولاً آخر، وهو: أنه لا زكاة في المعلوفة، ولو صرح بذلك: لكان عاماً.
وبناء على ذلك: فإن قوله ﷺ : " إذا بلغ الماء قُلتين لم ينجس "، قد دل بمفهومه على أن ما دونهما ينجس بملاقاه النجاسة، وهذا عام لجميع صوره، أي: سواء تغير أو لا، كوثر بماء طاهر ولم يبلغ قلتين أو لم يُكاثر.
стр. 250
المسألة الواحدة والعشرون:
ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فقوله ﷺ لغيلان الثقفي - الذي أسلم وتحته عشرة نسوة -: " أمسك أربعاً وفارق سائرهن "، وهو لم يستفسر منه هل عقد على هذه النسوة بعقد واحد في زمن واحد، أو عقد عليهن بعقود متعددة في أزمان مختلفة؛ هذا يفيد العموم في جميع الأحوال؛ لأن ترك الرسول ﷺ الاستفصال من الحاكي في حكايته مع قيام الاحتمال الذي من شأنه أن يؤثر في الحكم، ينزل منزلة العموم في المقال، أي: أن الحكم - وهو: إمساك أربع ومفارقة الباقي عام في الحالتين المذكورتين سابقاً، وهذا يتبين فيه سماحة الإسلام ويسره.
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
المقتضَى لا عموم له، أي: أن الشيء الذي اقتضاه اللفظ لصدق الكلام، أو لصحته العقلية، أو لصحته الشرعية، يكون واحداً فقط؛ لأن ثبوت المقتضَى كان للضرورة حتى إذا كان الكلام مفيداً للحكم بدونه لم يصح إثباته لغة ولا شرعاً، وإذا كان للضرورة فإن الضرورة تقدّر بقدرها، ولا حاجة لإثبات
стр. 251
العموم فيه ما دام الكلام مفيداً بدونه، ويبقى فيما وراء موضع الضرورة - وهو استقامة الكلام - فلا يثبت العموم فيه؛ قياساً على أكل الميتة فإنه لما أبيح للضرورة قدِّر بقدرها، وهو: سدُّ الرَمَق - فقط - فكذلك هنا.
وبناء على ذلك: فإن من تكلَّم في صلاته ناسياً، أو مخطئاً، بطلت صلاته ولا إثم عليه، وعليه الإعادة، لأن قوله ﷺ : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " لا عموم له، فيكون المرفوع حكماً واحداً وهو: " الإثم " المقتضي للعقوبة في الآخرة، ولم يرفع الحكم الدنيوي وهو: الإعادة.
стр. 252
المطلب الثامن عشر
في التخصيص
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده.
مثاله: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، هذا عام لجميع المطلقات الحوامل وغيرهن، ولكن هذا خُصص بقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، فأخرجت الحوامل من عموم اللفظ - وهو: المطلقات - وجعل عدتها وضع الحمل، فلم يبقى لفظ العموم - وهو المطلقات - على عمومه، بل قصره على بعض أفراده.
* * *
المسألة الثانية:
تخصيص العموم يجوز مطلقاً، أي: سواء كان اللفظ العام أمراً، أو نهياً، أو خبراً؛ لوقوعه في الكتاب والسنة، والوقوع دليل الجواز، ومن أمثلة وقوعه في الأمر قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوَا) مع أن الصبي والمجنون لا تنقطع أيديهما إذا
стр. 253
سرقا، ومن أمثلته في النهي قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) مع أن بعض القربان غير منهي عنه، ومن أمثلته في الخبر قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مع أنها لم تؤت السموات والأرض وملك سليمان.
* * *
المسألة الثالثة:
التخصيص بالحسِّ - وهو: الدليل المأخوذ من أحد الحواس الخمس وهي: البصر، والسمع، واللمس، والذوق، والشم - هذا جائز، لوقوعه، والوقوع دليل الجواز، مثل قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)، ونحن نشاهد أشياء لم تدمرها الريح كالجبال والسماء والأرض.
* * *
المسألة الرابعة:
التخصيص بالعقل جائز؛ لوقوعه في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، فالعقل اقتضى بنظره عدم دخول الصبي والمجنون بالتكليف بالحج، لعدم فهمهما، والوقوع دليل الجواز.
стр. 254
المسألة الخامسة:
تخصيص الكتاب بالكتاب جائز؛ لوقوعه في قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) حيث ورد مخصصاً لقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، أي: لا يجوز نكاح المشركات إلا نساء أهل الكتاب المحصنات، والوقوع دليل الجواز.
ولأن العام والخاص من الكتاب دليلان قد ثبتا فيجب العمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين على حسب القدرة، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
* * *
المسألة السادسة:
يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة سواء كانت السنة قولية أو فعلية، لوقوعه في قوله ﷺ : " لا يرث القاتل "، وقوله: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم "، حيث وردا مخصِّصين لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ).
ووقوعه في رجم ماعز بن مالك فإنه خصص قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) فأصبحت الآية قاصرة على الزاني البكر، والزانية البكر.
والوقوع دليل الجواز.
ولأن العام من الكتاب والخاص من السنة المتواترة دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
стр. 255
المسألة السابعة:
يجوز تخصيص السنة المتواترة بمثلها، وتخصيص السنة الأحادية بمثلها؛ لوقوعه في قوله ﷺ : " لا زكاة فيما دون خمسة أوسق "، حيث ورد مخصصاً لقوله ﷺ : " فيما سَقَت السماء العشر "، والوقوع دليل الجواز.
ولأن العام من السنة المتواترة، والخاص منها دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهذا أولى من إلغاء أحدهما بالكلية، وكذلك في العام من الآحاد والخاص منها.
* * *
المسألة الثامنة:
يجوز تخصيص السنة المتواترة والآحادية بالكتاب؛ لقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) حيث إن السنة شيء من الأشياء، والتخصيص بيان، فيكون الكتاب مخصصاً لها.
ولأن العام من السنة المتواترة والآحاد، والخاص من الكتاب دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
* * *
المسألة التاسعة:
يجوز تخصيص الكتاب والسنة والمتواترة بخبر الواحد؛
стр. 256
لإجماع الصحابة ﵃ حيث كان البعض منهم يخصص العام من الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد بدون نكير، فكان إجماعاً.
من ذلك: أنهم خصصوا قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) بقوله ﷺ : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة " وهو خبر واحد وهو أبو بكر ﵁.
وخصصوا عموم قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) بما روي أنه ﷺ قال: " لا تنكح المرأة على عمَّتها ولا على خالتها ".
ولأن العام في الكتاب والسنة المتواترة والخاص من خبر الواحد دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) مخصص بقوله ﷺ : " ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر "، ولذلك فإن متروك التسمية، حلال أكله.
* * *
المسألة العاشرة:
يجوز تخصيص الكتاب والسنة بتقرير النبي ﷺ ، لأن تقرير النبي ﷺ لذلك الواحد على ذلك الفعل وسكوته عن الإنكار عليه
стр. 257
دليل على جواز ذلك الفعل - مثلاً -، وهو مقابل بالنص العام من الكتاب أو السنة، فهما دليلان قد ثبتا، فيجب في هذه الحالة العمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
وبناء على ذلك: فإنه لو وجد عام من النص، وأقر النبي ﷺ على فعل يخالف دلالة ذلك النص، فإن العام لا يكون حكمه متناولاً لهذا الفعل، بل يكون مراداً به غيره.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
الإجماع يُخصص العام من الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع أولى من عام الكتاب والسنة؛ لأنه نص، والنص قابل للتأويل، والإجماع غير قابل له، فيكون الإجماع أقوى والقوي يخصِّص الضعيف.
ولوقوعه؛ حيث إن العلماء قد أجمعوا على أن قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) مخصص بالإجماع على أن العبد يجلد خمسين جلدة على النصف من الحر، ومستند هذا الإجماع هو: القياس على الأمة؛ حيث ورد النص على أنها تجلد نصف ما على الحرة، فقال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، فقاس العلماء العبد على الأمة، وأجمعوا على هذا القياس.
стр. 258
المسألة الثانية عشرة:
مفهوم الموافقة والمخالفة يخصصان العام من الكتاب والسنة؛ لأن الخاص من مفهوم الموافقة والمخالفة، والعام من الكتاب والسنة، دليلان قد ثبتا وتعارضا ظاهراً، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
ومثال التخصيص بمفهوم الموافقة: لو قال شخص: " كل من دخل داري فاضربه "، ثم قال: " إن دخل زيد فلا تقل له أف "، فإن مفهوم ذلك يدل على تحريم ضرب زيد، وإخراجه من العموم.
ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة قوله ﷺ : " في أربعين شاة شاة "، قد خصص بمفهوم قوله ﷺ : " في سائمة الغنم الزكاة "، فتكون الزكاة واجبة في الغنم السائمة فقط، أما المعلوفة فتخرج عن الوجوب، والذي أخرجها المفهوم.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
القياس يخصص العام من الكتاب والسنة؛ لأن الخاص من القياس، والعام من الكتاب والسنة دليلان قد ثبتا، ولا يمكن أن نقدم العام على الخاص؛ لأنه يلزم منه إلغاء الخاص بالكلية وهذا
стр. 259
لا يجوز، أما تقديم الخاص فلا يوجب ذلك، بل فيه عمل بالخاص وعمل بما بقي بعد التخصيص، وهذا فيه جمع بين الدليلين.
وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) لم يبق على عمومه؛ حيث إن من وجب عليه حد في النفس ثم لجأ إلى الحرم فإنه يقتص منه ولو كان داخل الحرم، وخصصنا ذلك من عموم الآية السابقة بالقياس؛ حيث قسناه على من جنى داخل الحرم، فإن قتله جائز أخذاً من قوله تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ).
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
إذا تعارض الخاص مع العام كأن يقول السيد لعبده: " أكرم الطلاب " وروي عنه أنه قال: " لا تكرم زيدا " وهو من الطلاب فإن النص الخاص يخصص اللفظ العام، فيكرم جميع الطلاب إلا زيداً، وهذا يكون مطلقاً، أي: سواء علمنا تاريخ نزول كل واحد منهما، أو لم نعلم، وسواء تقدم العام على الخاص، أو العكس، أو جهل التاريخ فلم نعلم أيهما المتقدم والمتأخر، أو كانا مقترنين في النزول؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يفعلون ذلك.
فمثلاً قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) نص عام يدل على أن جميع الأولاد يرثون من آبائهم، ولكن الصحابة
стр. 260
خصصوه: أولاً بما روي أن النبي ﷺ قال: " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " فخرج الولد الكافر، وخصصوه ثانياً بما روي أن النبي ﷺ قال: " لا يرث القاتل " فخرج الولد القاتل، وخصصوه ثالثاً بما رواه أبو بكر أن النبي ﷺ قال: " نحن الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " فخرج أولاد الأنبياء، ولم ينقل إلينا أنهم بحثوا هل العام نزل قبل الخاص، أو الخاص قبله؛ فدل على أن الخاص يخصص العام مطلقاً.
ولأن في ذلك جمعاً بين دليلين قد ثبتا كما سبق قوله مراراً.
وبناء على ذلك: فإن الخاص يخصص العام بدون البحث عن تأخر أحدهما أو تقدُّمه أو نحو ذلك، فمثلاً قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) يفيد العموم، فالقاتل يقتل سواء كان المقتول مسلماً أو كافراً، ولكن قد خصصنا هذا العام بقوله ﷺ : " لا يقتل مؤمن بكافر "، وعليه: فلا يقتل المسلم بالكافر الذمي، ولم نبحث عن تاريخ نزول أحدهما.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
قول الصحابي وفعله ومذهبه لا يخصص العموم؛ لأن العام دليل ظاهر فيما اقتضاه من التعميم، ولم يوجد له ما يصلح أن يكون معارضاً له سوى فعل الصحابي أو قوله وهو غير صالح
стр. 261
لمعارضته؛ حيث إن فعله غير مستند إلى نص يدل على أن المراد بذلك العام الخاص، بل يكون مستنداً إلى ما يظنه دليلاً أقوى منه: فيحتمل أن يكون دليلاً ويحتمل أن يكون غير دليل، وإذا قدرنا كونه دليلاً فيحتمل أن يكون أقوى من العموم، ويحتمل أن لا يكون، وهذه الاحتمالات متساوية، ولا مرجح، أما العام فهو دليل لا يحتمل شيئاً، فيقدم غير المحتمل على المحتمل، وعليه فلا يقوى قول الصحابي ومذهبه وفعله على تخصيص العام من الكتاب والسنة.
وبناء على ذلك فإن قوله ﷺ : " من بدَّل دينه فاقتلوه " يبقى على عمومه حيث إن المرأة والرجل إذا بدَّلا دينهما فإنهما يقتلان، ولا يؤخذ بمذهب ابن عباس وهو: أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
العُرف لا يخصص العام؛ لأن أفعال الناس وعاداتهم وأعرافهم لا تكون حجة على الشرع، فيبقى اللفظ على عمومه ولا يوجد له معارض، والعادات والأعراف لا تصلح أن تكون معارضة، فوجب العمل بعموم اللفظ.
стр. 262
وبناء على ذلك: فإن الرسول ﷺ لو قال: " نهيتكم عن أكل الطعام "، وكانت عادتهم جارية بأكل طعام معين كالأرز - مثلاً - فإن النهي يكون على جميع الأطعمة ولا تؤثر العادة على هذا العموم.
المسألة السابعة عشرة:
لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه؛ لأن المخصص يجب أن يكون منافياً للعام، وذكر بعض العام بحكم العام غير مناف له فحكمهما واحد فامتنع التخصيص؛ لعدم وجود ما يقتضيه.
وبناء على ذلك: فإن قوله ﷺ : " أيما إهاب دبغ فقد طهر " يبقى على عمومه؛ حيث إن كل جلد ميتة يطهر بالدباغ من غير فرق بين مأكول اللحم وغيره وبين الشاة وغيرها، ولا يُخصص ذلك بما روي أنه ﷺ مرَّ على شاة ميمونة فوجدها ميتة فقال: " هلا أخذوا جلدها فانتفعوا به، دباغها طهورها ".
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
قصد الذم والمدح من اللفظ العام لا يُخصص العام؛ لأن قصد الذم والمدح وإن كان مقصوداً ومطلوباً للمتكلم لكن هذا لا
стр. 263
يمنع من قصد العموم معه؛ لأنه لا منافاة بين قصد الذم والمدح وبين العموم، وقد أتى بصيغة العموم، وقصد المدح والذم ليس ْمن مخصِّصاتها، فتبقى على ما هي عليه مفيدة للعموم.
وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)) يصلح للاستدلال به على وجوب زكاة الحلي؛ لكون العموم مقصوداً، والذم لم يخرج اللفظ عن العموم.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
عطف الخاص على العام لا يُخصص العام، فمثلاً
قوله ﷺ : " لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده "، يعمل
على أن لفظ " كافر " عام لجميع الكفار: الذمي والمستأمن، والحربي، فإذا قتل المسلم أحد هؤلاء الثلاثة فإنه لا يقتل به قصاصاً، لأن لفظ " كافر " نكرة وردت في سياق نفي فاقتضت العموم؛ لأنها صيغة من صيغ العموم، والمعارض الموجود وهو عطف الخاص عليه - وهو قوله: " ولا ذو عهد في عهده " - لا يصلح أن يكون معارضاً له؛ لأن مقتضى العطف هو: الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم الذي عطف عليه، لا الاشتراك فيه في جميع الوجوه، وإذا كان كذلك لم يكن عطف الخاص منافياً لتعميم المعطوف عليه، وإذا وجد
стр. 264
المقتضي للتعميم ولم يوجد المعارض له وجب القول بالتعميم.
وبناء على هذا: يكون قوله: " ولا ذو عهد في عهده "، معطوفاً على لفظ: " لا يقتل "، فيكون التقدير: وأيضاً لا يقتل ذو عهد وهو ما يزال في عهده.
* * *
المسألة العشرون:
الشرط - وهو: أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من حروف الشرط مثل: " إن " أو " إذا " أو أخواتهما - من مخصصات العموم المتصلة، مثل قولك: " أكرم الطلاب إن نجحوا "، فإنه لو اقتصر على قوله: " أكرم الطلاب " لوجب أن يكون جميع الطلاب يجب إكرامهم، أي: سواء كانوا ناجحين أو راسبين، ولما أتى بالشرط وهو: إن نجحوا " خصص المكرمين وبينهم وهم الناجحون فقط.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
يجب أن يكون الشرط متصلاً بالمشروط اتصالاً عادياً بحيث
стр. 265
لا يصح الفصل بينهما بالزمن فصلاً تحكم العادة بأن الشرط غير تابع للمشروط، فلا يجوز أن يقول: " أكرم الطلاب " ثم يسكت مدة طويلة، ثم يقول: " إن نجحوا ".
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
يجوز تقديم الشرط وتأخيره، وإن كان وضعه الطبيعي هو صدر الكلام والتقدم على المشروط لفظاً لكونه متقدماً عليه في الوجود، فتقول: " إن نجح الطلاب فأكرمهم "، وتقول: " أكرم الطلاب إن نجحوا ".
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
الشرط الواقع بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى جميع الجمل، كقولك: " أكرم الرجال وتصدَّق على المساكين إن دخلوا الدار "، فهذا بمثابة قولنا: " أكرم الرجال إن دخلوا الدار، وتصدَّق على المساكين إن دخلوا الدار " ولا فرق.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
حالات اتحاد الشرط والمشروط وتعدُّدهما، أو تعدُّد أحدهما واتحاد الآخر: تسع حالات وهي:
الحالة الأولى: أن يتَّحد الشرط والمشروط، كقولك: " إن دخل زيد الدار فأكرمه "، فيتوقف المشروط على هذا الشرط وحده وجوداً وعدماً.
الحالة الثانية: أن يتَّحد الشرط ويتعدد المشروط بحرف
стр. 266
" الواو "، كقولك: " إن نجحت تصدقت بدرهم وصمت يوماً "، فيقتضي الشرط الجمع بين التصدق والصيام.
الحالة الثالثة: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بحرف " أو "، كقولك " إن نجحت فإني سأتصدق أو أصوم يوماً "، فيقتضي الشرط حصول التصدق وحده، أو الصيام وحده.
الحالة الرابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو " ويتّحد المشروط كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدَّقت بألف ريال " فلا يمكن أن يوجد المشروط - وهو: التصدق بالألف - إلا بعد حصول الشرطين معاً وهما: النجاح والشفاء.
الحالة الخامسة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو " ويتعدد المشروط بحرف " الواو " أيضاً كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدقت وصمت يوما "، فيقتضي هذا: أنه لا يمكن وجود المشروطين وهما: التصدق ووالصيام إلا إذا وجد الشرطان وهما: النجاح والشفاء معاً.
الحالة السادسة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو " ويتعدد المشروط بحرف " أو "، كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدقت أو صمت يوما "، فحصول الشرطين وهما النجاح والشفاء يقتضي حصول أحد المشروطين على التخيير، فإما التصدق أو الصيام.
الحالة السابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو " ويتحد المشروط، كقولك: " إن نجحت أو شفي أبي سأتصدق بدرهم "، فلا بد هنا من حصول أحد الشرطين حتى يجب عليه التصدق.
الحالة الثامنة: أن يتعدَّد الشرط بلفظ " أو " ويتعدد المشروط بحرف " الواو "، كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو، نجح فأعطه
стр. 267
كتاباً ودرهماً "، فلا بد من حصول أحد الشرطين وهما: البناء أو النجاح حتى يستحق المشروطين معاً وهما: الكتاب والدرهم.
الحالة التاسعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو " ويتعدَّد المشروط بحرف " أو " أيضاً، كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتاباً أو درهماً "، فلا بد - هنا - من حصول أحد الشرطين وهما البناء أو النجاح حتى يستحق أحد المشروطين وهما: الكتاب أو الدرهم.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
الصفة - وهو: اللفظ المُشعر بمعنى يتصف به بعض أفراد العام - من مخصصات العموم المتصلة، نقول: " أكرم الطلاب الناجحين "، فلفظ " الطلاب " عام يشمل الناجحين والراسبين، ولما وصف الطلاب بالناجحين أخرج الطلاب الراسبين، فيخص الناجحون بالإكرام فقط.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
حالات الصفة مع الجمل ثلاث هي:
الحالة الأولى: إن وقعت الصفة بعد جمل، كقولك: " أكرم العلماء والأدباء، والتجار الطوال "، فإن الصفة ترجع إلى جميع الجمل وتخصصها، فكأنك قلت: أكرم العلماء الطوال، والأدباء الطوال، والتجار الطوال.
الحالة الثانية: إن وقعت الصفة قبل جمل، كقولك: أكرم الطوال من العلماء والتجار، فإن الصفة تعود إلى جميع الجمل وتخصصها فيكون المراد: أكرم الطوال من العلماء والطوال من التجار فقط.
стр. 268
الحالة الثالثة: إن وقعت الصفة وسطاً بين جملتين كقولك: " أكرم العلماء الطوال والتجار "، فإن الصفة تعود إلى الجملة التي قبلها وتخصِّصها فقط، أما ما بعدها فلا ترجع إليه، والتقدير: أكرم العلماء الطوال، أما التجار فأكرمهم جميعاً: طوالهم وقصارهم.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
الغاية - وهي: أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من أحرف الغاية وهي: اللام، وحتى، وإلى، من المخصصات المتصلة مثل: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار "، فهنا بين أن إكرام العلماء ليس عاماً لجميع الأزمنة، بل مخصص إلى غاية دخولهم الدار فقط.
* * *
المسألة الثامنة والعشرون:
الغاية إذا كانت متعددة فلها حالتان هما:
الحالة الأولى: أن تكون الغاية متعددة وكانت على الجمع بحرف " الواو "، كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار وبأكلوا الطعام "، فهنا يستمر الإكرام إلى تمام الغايتين معاً وهما: دخول الدار، وأكل الطعام دون ما بعدهما.
الحالة الثانية: أن تكون الغاية متعددة وكانت على التخيير بحرف " أو "، كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار أو يدخلوا السوق "، فيقتضي ذلك استمرار الإكرام إلى تمام إحدى الغايتين - أيهما كانت - دون ما بعدها.
* * *
المسألة التاسعة والعشرون:
الغاية إذا ذكرت بعد جمل متعددة كقولك: " أكرم العلماء
стр. 269
والتجار إلى أن يدخلوا الدار "، فإن الغاية ترجع إلى الجملتين معاً أي: إكرام العلماء يستمر إلى غاية دخولهم الدار، وإكرام التجار يستمر إلى غاية دخولهم الدار، وهذا مطلقاً، أي: سواء كانت الغاية واحدة كما مثلنا، أو متعددة على الجمع بالواو، كقولك: " أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار والسوق "، أو على الجمع بأو كقولك: " أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار أو يدخلوا السوق "، وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في وقتها كقولك: " أكرم العلماء إلى أن تطلع الشمس "، أو غير معلومة الوقت كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار ".
* * *
المسألة الثلاثون:
الاستثناء - وهو: قول متصل يدل بحرف " إلا " أو إحدى أخواتها على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول - من أهم المخصصات المتصلة، مثل قولك: " أكرم الطلاب إلا زيدا "، فقولك: " أكرم الطلاب " يقتضي إكرام جميع الطلاب، ولما قلت: " إلا زيدا " بيَّنت أن زيداً غير مراد بالقول الأول، فلا يكرم، أي: لا يشمله الإكرام.
* * *
المسألة الواحدة والثلاثون:
يشترط الصحة الاستثناء: أن يكون الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه حقيقة، فتقول: " نجح الطلاب إلا زيداً " بدون انقطاع، أو يكون في حكم المتصل بأن يكون انفصاله بسبب ضرورة كانقطاع نفَسه، أو بلع ريقه، أو سعال، أو ما أشبه ذلك.
стр. 270
وقلنا ذلك: لأن الاستثناء غير مستقل بنفسه، فهو جزء من الكلام أتي به لإتمامه وإفادته، لذلك لا يفيد شيئاً إلا إذا اتصل به مباشرة، لكن لو انفصل الاستثناء عن المستثنى منه لم يكن ذلك الاستثناء متمماً لذلك الكلام الأول وذلك قياساً على الخبر مع المبتدأ، فكما أن الخبر لا يفيد شيئاً بدون المبتدأ، والمبتدأ لا يفيد شيئاً بدون الخبر فكذلك المستثنى لا يفيد شيئاً بدون المستثنى منه.
وبناء على ذلك: فإن المتكلم لو فصل بين المستثنى منه والمستثنى، فإن المستثنى لا يؤثر على المستثنى منه إلا إذا فصله بشيء اضطر إليه كسعال ونحوه، كما لو قال: " علي ألف ريال استغفر الله إلا مائة " فإنه لا يصح الاستثناء؛ لأنه فصل بشيء يستطيع تركه.
* * *
المسألة الثانية والثلاثون:
يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه إذا كان متصلاً به، فيجوز أن تقول: " قام إلا زيداً القوم "، وتقول: " القوم إلا زيداً ذاهبوان "؛ لوقوعه في كلام العرب كقول الشاعر:
فما لي إلا آل أحمد شيعة. . . وما لي إلا مشعب الحق مشعب
والتقدير: ما لي شيعة إلا أحمد، وما لي مشعب إلا مشعب الحق.
стр. 271
ولأنه لا يخل بالفهم.
وبناء على ذلك: فإن الشخص لو قال: " له علي إلا عشرة، مائة درهم "، فإنه استثناء صحيح، ويكون المتكلم قد أقر بتسعين.
* * *
المسألة الثالثة والثلاثون:
يشترط لصحة الاستثناء: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فلا يصح الاستثناء من غير الجنس، فلا يقال: " رأيت الناس إلا حمارا "، لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس، وإذا ورد استثناء من غير الجنس فهو مجاز وليس حقيقة.
وقلنا ذلك؛ لأن الاستثناء من الجنس قد كثر استعماله كثرة شائعة، حتى إذا أطلق يتبادر منه أنه من الجنس، والتبادر أمارة الحقيقة، فكان حقيقة في الاستثناء من الجنس، فإذا ورد استثناء من غير الجنس فقد ورد على خلاف الحقيقة فيكون مجازاً.
ولأن الاستثناء من غير الجنس عيب عند عقلاء أهل اللغة، فلو قال: " قدم الحاج إلا الحمير " لعابه أهل اللغة، وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافاً إلى أهل اللغة.
وبناء على ذلك: فإن المكلف لو قال: " علي لزيد ألف درهم إلا ثوباً " فإن هذا لا يصح.
стр. 272
المسألة الرابعة والثلاثون:
لا يجوز استثناء كل المستثنى منه بحيث لا يبقى منه فرد، فلا يجوز أن تقول: " له علي عشرة إلا عشرة "، وقلنا ذلك لأن استثناء الكل يفضي إلى العبث؛ حيث إنه نفي بعد إثبات.
وبناء على ذلك فإنه لو قال المكلف: " له علي عشرة إلا عشرة "، فإن العشرة تلزمه، كذلك لو قال: " أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً " فإنه يلزمه الطلاق بالثلاث، لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه.
* * *
المسألة الخامسة والثلاثون:
لا يجوز استثناء الأكثر، أي: لا يجوز أن يكون المستثنى أكثر من الباقي بعد الاستثناء؛ لأن استثناء الأكثر عيب عند أهل اللغة، قال ابن جني: " ولو قال قائل: هذه مائة إلا تسعين ما كان متكلماً بالعربية، وكان كلامه عياً ولكنة ".
ولأن الاستثناء على خلاف الأصل عند العرب؛ لأنه إنكار بعد إقرار، والأصل: عدم الإنكار، لكن لما كان الإنسان قد يغفل عن بعض ما أقر به أجيز استثناء القليل لدفع الضرر، وأما الأكثر فلا يعقل أن يغفل عنه الإنسان، فلم يجز فيه الاستثناء جرياً على الأصل في الكلام.
وبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال: " أنت طالق ثلاثاً إلا
стр. 273
اثنتين "، فإنه يلزم الزوج جميع المستثنى منه، وهي: التطليقات الثلاث ويكون الاستثناء لغواً.
وكذلك لو قال: " له علي عشرة إلا تسعة "، فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغواً، فتلزمه العشرة.
* * *
المسألة السادسة والثلاثون:
لا يجوز استثناء نصف المستثنى منه، بل الذي يجوز استثناء أقل من النصف؛ لما سبق من الدليلين المذكورين في المسألة السابقة.
وبناء على هذا: فإنه لو قال: " له علي عشرة إلا خمسة "، فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، أي: تلزمه العشرة كلها ويكون الاستثناء لغواً.
* * *
المسألة السابعة والثلاثون:
الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو يرجع إلى جميع الجمل؛ لاتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة يعتبر نوعاً من العي والركاكة فيما لو أراد إرجاعه إلى الجميع، كما لو قال: " إن شرب زيد الخمر فاضربه إلا أن يتوب، وأن زنا فاضربه إلا أن يتوب "، فإذا ثبت استقباح ذلك عند أهل اللغة فلم يبق - للتخلص من ذلك - إلا أن يجعل استثناء
стр. 274
واحداً في آخر الجمل ويعود إلى جميعها فتقول: " إن شرب زيد الخمر فاضربه، وإن زنا فاضربه إلا أن يتوب ".
ولأن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس البعض أولى من البعض، فوجب العود إلى الجميع كالعام.
وبناء على ذلك: فإن الاستثناء الوارد في قوله ﷺ : " لا يُؤم الرجل في أهله، ولا يُجلس على تكرمته إلا بإذنه "، راجع إلى الجملتين معاً، فيكون التقدير: لا يؤم الرجل في أهله إلا بإذنه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.
* * *
المسألة الثامنة والثلاثون:
يفرق بين الاستثناء والتخصيص بالمنفصل من وجهين:
أولهما: أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال، فتقول: " أكرم الطلاب إلا زيداً "، وقد سبق بيان ذلك.
أما التخصيص بالمنفصل فلا يشترط فيه ذلك: فيجوز أن يكون متصلاً، وأن يكون منفصلاً.
ثانيهما: أن الاستثناء يتطرق إلى ما يدل على معناه دلالة ظاهرة كقولك: " أكرم الطلاب إلا زيدا "، ويتطرق إلى ما نص على معناه كقولك: " له علي عشرة إلا ثلاثة ".
стр. 275
أما التخصيص بالمنفصل فإنه يجوز في الظاهر - وهو العام فقط - كقولك: " أكرم الطلاب " ثم تقول: " لا تكرم زيدا "، لأن دخول زيد في عموم الطلاب ظني؛ لأن دلالة العموم ظنية، ولكن لا يصح أن تقول: " أكرم زيداً وعمراً وبكراً " ثم بعد ذلك تقول: " لا تكرم زيدا "، فإن قلت ذلك يكون نسخاً لا تخصيصاً.
* * *
المسألة التاسعة والثلاثون:
يفرق بين الاستثناء والنسخ من ثلاثة أوجه وهي:
أولها: أن الاستثناء يشترط فيه اتصاله بالمستثنى منه؛ لأنه لايستقل بنفسه.
أما النسخ فيشترط فيه: أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ؛ لأن كلاً من الناسخ والمنسوخ يستقل بنفسه.
ثانيها: أن النسخ رافع، والاستثناء مانع، أي: أن النسخ يرفع ما دخل تحت اللفظ الوارد.
أما الاستثناء فهو يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ، ولولا هذا الاستثناء لدخل، فالاستثناء يمنع دخول المستثنى تحت لفظ المستثنى منه.
ثالثها: أنه في النسخ يجوز رفع جميع الحكم كرفع وجوب الصدقة بين يدي مناجاة النبي ﷺ ، ويجوز أن يرفع بعض الحكم كرفع بعض عدة المتوفى عنها زوجها، فقد كانت حولاً كاملاً، فنسخ ورفع بعضها حتى صارت أربعة أشهر وعشراً.
أما الاستثناء فإنه يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ فتقول: " أكرم الطلاب إلا زيداً "، ولكن لا يجوز أن يمنع الاستثناء جميع الأفراد من الدخول تحت اللفظ، فلا يجوز أن تقول: " لي عليه عشرة إلا عشرة ".
стр. 276
المطلب التاسع عشر
في المطلق والمقيَّد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المطلق هو: اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه.
مثل قول السيد لعبده: " أكرم طالباً " أو " أكرم طلابا "، فإن هذا الأمر قد تناول واحداً غير معين، وتناول جماعة غير معينين، ومدلول هذا الأمر شائع في جنسه، فلا يوجد طالب معروف، أو جماعة من الطلاب معروفين بصفة معينة، بل الواجب على العبد اختيار أي طالب ويكرمه، أو أي طلاب فيكرمهم وتبرأ ذمته.
* * *
المسألة الثانية:
المقيد هو: اللفظ المتناول لمعين، أو لغير معين موصوف بأمر زائد على. الحقيقة الشاملة لجنسه.
مثل: قولك: " أعط هذا الطالب "، أو قولك: " أعط الطالب الطويل "، فقد قيدنا الطالب الأول بتعيينه بالإشارة إليه وقيدنا الطالب الثاني بوصفه بالطول الذي أخرجه عن بقية الطلاب.
стр. 277
المسألة الثالثة:
المطلق يكون في أمور هي:
الأول: يكون في معرض الأمر، كقولك: " أعتق رقبة "، أو " أعط طالباً جائزة ".
الثاني: يكون في مصدر الأمر، كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
الثالث: يكون في مصدر الخبر عن المستقبل، كقوله ﵇: " لا نكاح إلا بولي "، وقولك: " سأعتق رقبة ".
لكن لا يمكن أن يكون المطلق في معرض الخبر المتعلق بالماضي، كقولك: " رأيت رجلاً " أو " أعطيت طالباً " أو " أعتقت رقبة "؛ لأن هؤلاء - وهم الرجل والطالب والرقبة - قد تعيَّنوا بالضرورة، وهي: ضرورة إسناد الرؤية إلى الرجل، وضرورة إسناد الإعطاء إلى الطالب، وضرورة إسناد الإعتاق إلى الرقيق.
* * *
المسألة الرابعة:
المقيد يكون في أمرين هما:
الأول: يكون في الألفاظ الدالة على مدلول معيَّن، أو ما تناول معيناً كزيد وعمرو، وهذا الرجل.
الثاني: يكون في الألفاظ الدالة على غير معين، ولكنه موصوف بوصف زائد على مدلول المطلق، كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، وكقولك: " أكرم الطالب الناجح ".
* * *
المسألة الخامسة:
مقيِّدات المطلق هي مخصصات العموم المتصلة والمنفصلة
стр. 278
- السابقة الذكر -، فعلى هذا: فإنه يجوز تقييد مطلق الكتاب بالكتاب، وبالسنة، ومطلق السنة بالسنة والكتاب، وتقييد مطلق الكتاب والسنة بالإجماع، والقياس، والمفاهيم ونحو ذلك مما قلناه.
* * *
المسألة السادسة:
إذا كان متعلق حكم المطلق غير متعلق حكم المقيد، كقوله: " أدوا الصلاة "، وقوله: " اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم "، فهنا لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقاً؛ لأنه ليس بينهما مناسبة، ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلاً.
* * *
المسألة السابعة:
إذا كان متعلق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد، وكان السبب واحداً، وكل واحد منهما أمر كقوله: " اعتقوا رقبة إذا حنثتم "، ثم يقول: " اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم " فهنا يحمل المطلق على المقيد مطلقاً، أي: سواء كان المطلق هو المتقدم، أو هو المتأخر، أو جهل ذلك؛ لأن الجمع بين الدليلين أولى من إعمال أحدهما وترك الآخر.
* * *
المسألة الثامنة:
إذا كان متعلق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد، وكان السبب واحداً، وكل واحد منهما نهي كقوله: " لا تعتق رقبة إذا حنثت، ثم قال: " لا تعتق رقبة كافرة إذا حنثت "، فهنا يحمل المطلق على المقيد، وهو كالتخصيص، وهذا على مذهبنا في أن المفهوم حجة وأنه يخصص به العموم، حيث إنه يخصص النهي العام؛ لأن النهي في قوله: " لا تعتق رقبة كافرة " يدل بمفهومه على أنه لا يجزىء إلا الرقبة المسلمة، لأنه صرح بالنهي عن الكافرة.
стр. 279
المسألة التاسعة:
إذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلَّق حكم المقيد، وكان السبب واحداً، وكان أحدهما أمراً والآخر نهياً فإن المقيد يوجب تقييد المطلق بضده مطلقاً، أي: سواء كان المطلق أمراً والمقيد نهياً كقوله: " اعتق رقبة "، ثم يقول: " لا تعتق رقبة كافرة "، أو كان المطلق نهياً والمقيد أمراً كقوله: " لا تعتق رقبة "، ثم يقول: " اعتق رقبة مؤمنة ".
* * *
المسألة العاشرة:
إذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلَّق حكم المقيد، وكان سبب المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكل واحد منهما أمر كقوله تعالى: في كفارة الظهار - (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)، مع قوله في كفارة القتل: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، فهنا السبب مختلف؛ حيث إن سبب عتق الرقبة في المطلق هو: الظهار، وسبب عتق الرقبة في المقيد هو: القتل الخطأ، فيحمل المطلق على المقيد إن قام دليل كالقياس على المقيد؛ لأن القياس دليل شرعي عام في كل صورة إلا إذا فقد فيه ركن من أركانه، أو شرط من شروطه؛ حيث إن الأدلة على حجيته لم تفرق بين صورة وصورة، فإذا دل القياس على حمل المطلق على المقيد فإنه يجب العمل على ذلك عملاً بحجية القياس.
ولأن العام يخصص بالقياس، فكذلك المطلق يقيد بالقياس ولا فرق، والجامع صيانه القياس عن الإلغاء.
стр. 280
وبناء على ذلك: فإنه يحمل المطلق على المقيد هنا، فلا يجزئ في كفارة الظهار، وكفارة القتل الخطأ إلا رقبة مؤمنة.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
إذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد وكان سبب المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكل واحد منهما نهي كقوله: " لا تعتق رقبة " في كفارة الظهار، ثم قوله: " لا تعتق رقبة كافرة " في كفارة القتل، فهنا يحمل المطلق على المقيد، وهو كالتخصيص، وهذا على مذهبنا، وهو أن المفهوم حجة وأنه يخصص به، فيخصص النهي العام بالكافرة إن وجد دليل، فمفهوم قوله: " لا تعتق رقبة كافرة " هو: أنك يجب أن تعتق رقبة مؤمنة، فهذا المفهوم يقيد قوله: " لا تعتق رقبة ".
* * *
المسألة الثانية عشرة:
إذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد، وكان سبب المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكان أحدهما أمراً والآخر نهياً، فإنه يحمل المطلق على المقيد سواء كان المطلق أمراً كقوله: " اعتق رقبة " في كفارة الظهار، والمقيد نهياً كقوله: " لا تعتق رقبة كافرة " في كفارة القتل، أو بالعكس.
стр. 281
المطلب العشرون
في المنطوق
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المنطوق هو: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي: أن يكون حكماً للمذكور وحالاً من أحواله سواء ذكر ذلك الحكم ونطق به أو لا، مثل: وجوب الزكاة في الغنم السائمة الذي دل عليه منطوق قوله ﷺ : " في سائمة الغنم الزكاة ".
* * *
المسألة الثانية:
ينقسم المنطوق إلى قسمين:
القسم الأول: منطوق صريح وهو: دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة أو التضمن.
مثاله قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، حيث دل هذا اللفظ بمنطوقه الصريح على نفي المماثلة بين البيع والربا، فالبيع جائز والربا حرام.
القسم الثاني: منطوق غير صريح وهو: دلالة اللفظ على الحكم بطريق الالتزام، أي: أن اللفظ لم يوضع لذلك الحكم أصالة، بل لزم مما وضع له.
стр. 282
مثاله: قوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، فالحكم المنطوق به صراحة هو: أن نفقة الوالدات من رزق وكسوة واجبة على الاباء، فهذا هو المتبادر من صريح اللفظ، ولكن الآية دلت بالالتزام على أن النسب يكون للأب، لا للأم، وعلى أن نفقة الولد على الأب، دون الأم.
* * *
المسألة الثالثة:
ينقسم المنطوق غير الصريح إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اقتضاء النص، وهي دلالة الاقتضاء، وهي: دلالة اللفظ على معنى لازم مقصود للمتكلم يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته العقلية، أو صحته الشرعية، وهذا القسم أنواع:
النوع لأول: ما يتوقف عليه صدق الكلام، أي: ما وجب تقديره ضرورة صدق الكلام، فلولا تقديره لكان الكلام كذباً ومخالفاً للواقع والحقيقة.
مثاله: قوله ﷺ : " إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "، فإن ظاهر هذا يدل على أن الخطأ والنسيان والإكراه قد وضع عن الأمة أو أنها لا تقع فيها، وهذا غير صحيح، حيث إنه لا يطابق الواقع، حيث إنه يقع من الأمة الخطأ والنسيان والإكراه؛ لأن الأمة ليست معصومة.
وما دام أن الرسول لا يخبر إلا صدقاً فلا بد إذن - لأجل أن يكون الكلام صدقاً - من تقدير محذوف، فتعين أن نقدر شيئاً زائداً عن الذي استفدناه عن طريق العبارة، وهو: " الإثم " فيكون تقدير الكلام بعد هذا: " رفع عن أمتي إثم الخطأ، وإثم النسيان، وإثم ما استكرهوا عليه ".
стр. 283
مثله: قوله ﷺ : " لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل "، والمقصود: " لا صيام صحيح "، فلا بد من تقدير ذلك؛ لأن صورة الصيام تقع.
النوع الثاني: ما توقف عليه صحة الكلام شرعاً، أي: ما وجب تقديره ضرورة تصحيح الكلام شرعاً، فتمتنع صحة الملفوظ به شرعاً بدون ذلك المقدَّر.
مثاله: قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، فظاهر هذا يدل على أن المسافر يصوم عدة من أيام أخر مطلقاً، أي: سواء صام في سفره أو لم يصم، ولكن الشرع دل على أن المسافر إذا أفطر في سفره فعليه القضاء في أيام أخر، أما إذا صام في سفره فلا موجب للقضاء عليه، لذلك وجب أن نقدر شيئاً لأجل تصحيح الكلام شرعاً فنقول: " أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر ".
النوع الثالث: ما توقف عليه صحة الكلام عقلاً، أي: ما وجب تقديره لتصحيح الكلام من جهة العقل، فيمتنع وجود الملفوظ عقلاً بدون ذلك المقدر.
مثاله: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) فإن العقل يمنع من إضافة التحريم إلى ذات الأمهات، فوجب إضمار فعل يتعلق به الحكم وهو هنا: " الوطء "؛ نظراً إلى أن العقل يقتضيه فيكون التقدير: حرم وطء أمهاتكم، كذلك قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، والمقصود: أكل الميتة، وقولك: " حرمت عليك هذه الدار " أي: دخولها.
القسم الثاني: إيماء النص، وهو دلالة الإيماء، وهي: دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلاً أو شرعاً، في حين أن الحكم المقترن بوصف لو لم
стр. 284
يكن للتعليل لكان اقترانه به غير مقبول ولا مستساغ، فذكر الحكم مقروناً بوصف مناسب يفهم منه أن علة ذلك الحكم هو ذلك الوصف.
مثاله قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، فالشارع هنا قد أومأ إلى أن علة قطع اليد هي: السرقة.
كذلك قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)).
إيماء أن هؤلاء ما صاروا في النعيم إلا لبرهم، وهؤلاء ما صاروا في الجحيم إلا لفجورهم.
ودلالة الإيماء تتنوع إلى أنواع كثيرة، وهو من مسالك العلة، وسيأتي الكلام عنها في القياس إن شاء الله.
القسم الثالث: إشارة النص، وهي دلالة الإشارة وهي: دلالة اللفظ على لازم غير مقصود من اللفظ، لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته.
أي: ما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه، فكما أن المتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ فيسمى إشارة، فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به، ويبنى عليه.
مثاله: قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، فقد دل هذا مع قوله تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر بدلالة الإشارة.
وهذا الحكم غير مقصود من لفظ الآيتين، بل المقصود من الآية الأولى هو: بيان حق الوالدة، لما تقاسيه من الآلام في الحمل وفي الفصال، والمقصود من الثانية هو: بيان أكثر مدة الفصال، ولكن لزم منهما: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهذه دلالة إشارة.
стр. 285
المطلب الواحد والعشرون في المفهوم
المفهوم هو: معنى يستفاد من اللفظ في غير محل النطق.
وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مفهوم الموافقة.
القسم الثاني: مفهوم المخالفة.
وإليك بيانهما:
следующие страницы →