Полный текст (415 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
المطلب العشرون
في المنطوق
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المنطوق هو: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي: أن يكون حكماً للمذكور وحالاً من أحواله سواء ذكر ذلك الحكم ونطق به أو لا، مثل: وجوب الزكاة في الغنم السائمة الذي دل عليه منطوق قوله ﷺ : " في سائمة الغنم الزكاة ".
* * *
المسألة الثانية:
ينقسم المنطوق إلى قسمين:
القسم الأول: منطوق صريح وهو: دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة أو التضمن.
مثاله قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، حيث دل هذا اللفظ بمنطوقه الصريح على نفي المماثلة بين البيع والربا، فالبيع جائز والربا حرام.
القسم الثاني: منطوق غير صريح وهو: دلالة اللفظ على الحكم بطريق الالتزام، أي: أن اللفظ لم يوضع لذلك الحكم أصالة، بل لزم مما وضع له.
стр. 282
مثاله: قوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، فالحكم المنطوق به صراحة هو: أن نفقة الوالدات من رزق وكسوة واجبة على الاباء، فهذا هو المتبادر من صريح اللفظ، ولكن الآية دلت بالالتزام على أن النسب يكون للأب، لا للأم، وعلى أن نفقة الولد على الأب، دون الأم.
* * *
المسألة الثالثة:
ينقسم المنطوق غير الصريح إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اقتضاء النص، وهي دلالة الاقتضاء، وهي: دلالة اللفظ على معنى لازم مقصود للمتكلم يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته العقلية، أو صحته الشرعية، وهذا القسم أنواع:
النوع لأول: ما يتوقف عليه صدق الكلام، أي: ما وجب تقديره ضرورة صدق الكلام، فلولا تقديره لكان الكلام كذباً ومخالفاً للواقع والحقيقة.
مثاله: قوله ﷺ : " إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "، فإن ظاهر هذا يدل على أن الخطأ والنسيان والإكراه قد وضع عن الأمة أو أنها لا تقع فيها، وهذا غير صحيح، حيث إنه لا يطابق الواقع، حيث إنه يقع من الأمة الخطأ والنسيان والإكراه؛ لأن الأمة ليست معصومة.
وما دام أن الرسول لا يخبر إلا صدقاً فلا بد إذن - لأجل أن يكون الكلام صدقاً - من تقدير محذوف، فتعين أن نقدر شيئاً زائداً عن الذي استفدناه عن طريق العبارة، وهو: " الإثم " فيكون تقدير الكلام بعد هذا: " رفع عن أمتي إثم الخطأ، وإثم النسيان، وإثم ما استكرهوا عليه ".
стр. 283
مثله: قوله ﷺ : " لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل "، والمقصود: " لا صيام صحيح "، فلا بد من تقدير ذلك؛ لأن صورة الصيام تقع.
النوع الثاني: ما توقف عليه صحة الكلام شرعاً، أي: ما وجب تقديره ضرورة تصحيح الكلام شرعاً، فتمتنع صحة الملفوظ به شرعاً بدون ذلك المقدَّر.
مثاله: قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، فظاهر هذا يدل على أن المسافر يصوم عدة من أيام أخر مطلقاً، أي: سواء صام في سفره أو لم يصم، ولكن الشرع دل على أن المسافر إذا أفطر في سفره فعليه القضاء في أيام أخر، أما إذا صام في سفره فلا موجب للقضاء عليه، لذلك وجب أن نقدر شيئاً لأجل تصحيح الكلام شرعاً فنقول: " أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر ".
النوع الثالث: ما توقف عليه صحة الكلام عقلاً، أي: ما وجب تقديره لتصحيح الكلام من جهة العقل، فيمتنع وجود الملفوظ عقلاً بدون ذلك المقدر.
مثاله: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) فإن العقل يمنع من إضافة التحريم إلى ذات الأمهات، فوجب إضمار فعل يتعلق به الحكم وهو هنا: " الوطء "؛ نظراً إلى أن العقل يقتضيه فيكون التقدير: حرم وطء أمهاتكم، كذلك قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، والمقصود: أكل الميتة، وقولك: " حرمت عليك هذه الدار " أي: دخولها.
القسم الثاني: إيماء النص، وهو دلالة الإيماء، وهي: دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلاً أو شرعاً، في حين أن الحكم المقترن بوصف لو لم
стр. 284
يكن للتعليل لكان اقترانه به غير مقبول ولا مستساغ، فذكر الحكم مقروناً بوصف مناسب يفهم منه أن علة ذلك الحكم هو ذلك الوصف.
مثاله قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، فالشارع هنا قد أومأ إلى أن علة قطع اليد هي: السرقة.
كذلك قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)).
إيماء أن هؤلاء ما صاروا في النعيم إلا لبرهم، وهؤلاء ما صاروا في الجحيم إلا لفجورهم.
ودلالة الإيماء تتنوع إلى أنواع كثيرة، وهو من مسالك العلة، وسيأتي الكلام عنها في القياس إن شاء الله.
القسم الثالث: إشارة النص، وهي دلالة الإشارة وهي: دلالة اللفظ على لازم غير مقصود من اللفظ، لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته.
أي: ما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه، فكما أن المتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ فيسمى إشارة، فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به، ويبنى عليه.
مثاله: قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، فقد دل هذا مع قوله تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر بدلالة الإشارة.
وهذا الحكم غير مقصود من لفظ الآيتين، بل المقصود من الآية الأولى هو: بيان حق الوالدة، لما تقاسيه من الآلام في الحمل وفي الفصال، والمقصود من الثانية هو: بيان أكثر مدة الفصال، ولكن لزم منهما: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهذه دلالة إشارة.
стр. 285
المطلب الواحد والعشرون في المفهوم
المفهوم هو: معنى يستفاد من اللفظ في غير محل النطق.
وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مفهوم الموافقة.
القسم الثاني: مفهوم المخالفة.
وإليك بيانهما:
стр. 286
القسم الأول
في مفهوم الموافقة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
مفهوم الموافقة هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه وموافقته له نفياً وإثباتاً، مثل قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) فالمنطوق به هو: تحريم مجرد التأفيف والتضجر، ولكن اللفظ قد دل بمفهومه على تحريم ضرب الوالدين وشتمهما، وسبهما، وقتلهما، وأيِّ نوع من أنواع الإيذاء؛ لأنه إذا حرم مجرد التأفيف فمن باب أولى أن يحرم ما هو أشد منه مما لم ينطق به الشارع.
* * *
المسألة الثانية:
يتنوع مفهوم الموافقة إلى نوعين:
النوع الأول: مفهوم موافقة أولى: وهو: ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، أي: أن المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم أقوى وأشد منها بين المنطوق وبين هذا الحكم، فيكون المسكوت أولى منه بالحكم، وهو ما يسمى بالتنبيه بالأدنى على الأعلى، مثل قولنا: إذا كان مجرد التأفيف قد حرم فمن باب أولى تحريم الضرب والقتل؛ لأنه أشد في الإيذاء وذلك من الآية السابقة.
стр. 287
النوع الثاني: مفهوم الموافقة المساوي، وهو: ما كان المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به في الحكم، أي: أن المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم على قدر المناسبة الموجودة بين المنطوق وبين هذا الحكم.
مثاله: قوله تعالي: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) فالمنطوق به هو: تحريم أكل مال اليتيم.
والمفهموم منه: تحريم إحراق مال اليتيم أو تبذيره؛ لأنه مساو لأكله المحرم بجامع: إتلاف المال.
وقلنا بهذا النوع الثاني، لأنا نعلم قطعاً أنه ربما يفهم ثبوت الحكم في المسكوت عنه من ثبوته للمنطوق به مع عدم أولويته بالحكم، وذلك الفهم مناط الحكم لغة من غير حاجة إلى إعمال الذهن في البحث عن هذا المناط، ولا فرق بين المساوي والأولوي؛ حيث إن كلاً منهما يفهم من معنى النص بمجرد فهم اللغة إلا أن الاحتجاج بالمفهوم الأولوي أقوى من الاحتجاج بالمفهوم المساوي.
وبناء على ذلك: فإن ثبوت حكم المنطوق للمسكوت في حال المساواة إنما يكون بطريق اللفظ والنص.
стр. 288
المسألة الثالثة:
دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية معنوية وليست دلالة قياسية؛ لأن التنبيه بالأدنى على الأعلى، أو بأحد المتساويين على الآخر أسلوب فصيح تستعمله العرب للمبالغة في تأكيد الحكم في محل السكوت، وهو أفصح عندهم من التصريح بحكم المسكوت عنه - فتجدهم يقولون: " هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس "، وهذا عندهم أبلغ وأفصح من قولهم: " هذا الفرس سابق لهذا الفرس ".
ولأن الحكم الثابت بمفهوم الموافقة يتنبه له أي عارف باللغة دون الحاجة إلى اجتهاد أو إعمال فكر، أو استنباط وتأمل دقيق، أو مقدمات شرعية، أو استنتاجية.
وبناء على ذلك: فإنا نتعامل مع مفهوم الموافقة كما نتعامل مع الألفاظ، لذلك قلنا: إنه ينسخ وينسخ به، ويخصص وغير ذلك وهو أقوى من القياس.
* * *
المسألة الرابعة:
مفهوم الموافقة حجة، أي: طريق من طرق استنباط الأحكام الشرعية؛ لإجماع الصحابة ﵃ حيث إنهم فهموا ذلك من خطاب الله تعالى ورسوله، ومن مخاطباتهم فيما بينهم، ففهموا من قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)
стр. 289
وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)) أن ما زاد على مثقال ذرَّة أولى في أن الشخص يراه يوم القيامة.
ولأن هذا الأسلوب من الدلالة معروف عند أهل اللغة بل هو أبلغ في الدلالة من التصريح عندهم، فيكون حجة عندهم، وما هو حجة لغة يجب أن يكون حجة شرعاً ما لم يقم دليل يدل على أن الشارع أراد معنى خاصاً.
وبناء على ذلك: فإن مفهوم الموافقة يكون حجة عن طريق اللفظ، فتحريم ضرب الوالدين أخذناه من مفهوم قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) كما سبق.
стр. 290
القسم الثاني
في مفهوم المخالفة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
مفهوم المخالفة هو: دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف للحكم الذي دل عليه المنطوق نفياً أو إثباتاً، فقوله ﷺ : " في سائمة الغنم الزكاة "، دل بمنطوقه: أن الغنم السائمة فيها زكاة، ودل بمفهوم المخالفة: أن الغنم المعلوفة لا زكاة فيها.
* * *
المسألة الثانية:
أنواع مفهوم المخالفة هي:
النوع الأول: مفهوم الصفة. أي: أن يأتي خطاب وُيعلق حكمه على صفة لا توجد هذه الصفة في كل مدلول: فإن هذا يدل على نفي ذلك الحكم عما انتفت عنه تلك الصفة كقوله ﷺ : " في سائمة الغنم الزكاة " يدل على نفي الزكاة عن غير الغنم غير السائمة وهي: المعلوفة.
وقلنا ذلك: لأن تخصيص الحكم بالصفة لا بد له من فائدة؛ صوناً للكلام عن اللغو، ولا يسبق إلى الذهن من فوائد ذكر الصفة سوى انتفاء الحكم عما عدا الموصوف بتلك الصفة،
стр. 291
فثبت أنه يحمل تخصيص الحكم بتلك الصفة على نفيه عند عدم تلك الصفة.
ولأن الحكم المرقب على الخطاب المقيد بالصفة معلول بتلك الصفة؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعليَّة - كما سيأتي بيانه في القياس.
وانتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم، فيلزم من ذلك انتفاء الحكم فيما انتفت عنه تلك الصفة.
وبناء على ذلك، فإنه لو قال: " وقفت هذا على أولادي الفقراء "، فإن غير الفقراء لا يدخلون.
* * *
تنبيه: تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي الحكم عما عدا الموصوف بها في ذلك الجنس لا غير، فقوله ﵇: " في سائمة الغنم الزكاة " يدل بمفهومه: أن معلوفة الغنم لا زكاة فيها فقط، أما معلوفة الإبل والبقر ففيها زكاة.
وقلنا ذلك لأن دلالة المفهوم مخالفة لدلالة المنطوق، والمنطوق لم يتناول إلا الجنس المذكور، فمخالفه كذلك لا يخالف إلا الجنس المذكور؛ تحقيقاً لمعنى المخالفة.
النوع الثاني: مفهوم التقسيم وهو أن يذكر قسمين، ويذكر
стр. 292
حكم أحد القسمين: فإن هذا يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، كقولك: " عندي زيد وبكر أما زيد فهو كريم "، فإن هذا يدل على نفي الكرم عن بكر.
ودليل ذلك هو دليل حجية مفهوم الصفة.
النوع الثالث: مفهوم العلة، وهو: دلالة اللفظ المقيد بعلة على ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي انتفت عنه تلك العلة، كقوله: " حرمت الخمرة لإسكارها "، فإن هذا يدل بمفهومه على أن ما لا إسكار فيه حلال. ودليل ذلك هو نفس دليل حجية مفهوم الصفة.
النوع الرابع: مفهوم الحال، وهو: دلالة اللفظ المقيد بحال من الأحوال على ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي عدمت فيه تلك الحال كقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، فحرمت المباشرة في حالة معينة وهي: الاعتكاف، ودل بمفهوم الحال المخالف: حل المباشرة في غير الاعتكاف، ودليل ذلك نفس دليل حجية مفهوم الصفة.
النوع الخامس: مفهوم المكان، وهو: دلالة اللفظ الذي علق الحكم فيه بمكان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه الذي انتفى عنه، كقول السيد لعبده: " لا تدخل هذه الغرفة "، فإنه يدل بمفهوم المكان المخالف: أنه يباح له أن يدخل جميع الغرف إلا هذه الغرفة، ودليل ذلك هو دليل حجية مفهوم الصفة.
النوع السادس: مفهوم الزمان، وهو: دلالة اللفظ الذي علَّق الحكم فيه بزمان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم
стр. 293
للمسكوت عنه الذي انتفى عنه، كقول السيد لعبده: " ادخل علي يوم الجمعة "، فإنه يدل بمفهوم الزمان المخالف أنه لا يدخل عليه في بقية أيام الأسبوع، ودليل ذلك هو: دليل حجية مفهوم الصفة.
النوع السابع: مفهوم الشرط، وهو: أن يعلق الحكم على شيء بحرف " إن " أو غيره من أدوات الشرط: فإنه يدل على انتفاء الحكم عند عدم الشرط كقولك: " لك جائز إن نجحت "، فإن هذا يدل على عدم الجائزة إذا لم ينجح.
وقلنا ذلك: لأن أبا يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب: ما لنا نقصر وقد أمِنَّا، وقد قال تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، حيث فهم أبو يعلى من تخصيص القصر بحالة الخوف: عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل قال: عجبتُ مما عجبت منه، فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
ولأن كتب اللغة والنحو ناطقة بأن كلمة " إن " تسمى عند أهل اللغة بحرف الشرط، والشرط هو: ما ينتفي الحكم عند انتفائه، فيقال: " الطهارة شرط لصحة الصلاة "، فيلزم من انتفاء الطهارة انتفاء صحة الصلاة، فيكون انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط معنى عاماً في جميع موارد استعماله، فوجب جعله حقيقة فيه.
стр. 294
وبناء على ذلك: فإن المطلقة ثلاثاً الحائل لا تجب النفقة عليها، أخذاً بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، فقد جعلت الآية النفقة للبائن بشرط: أن تكون حاملاً، فينتفي الحكم عند انتفاء الشرط، فيثبت عدم وجوب النفقة للمطلقة ثلاثاً الحائل.
النوع الثامن: مفهوم الغاية، وهو: أن تقييد الشارع للحكم بغاية يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية؛ لأن ما بعد الغاية يقبح الاستفهام عنه، فلو قال السيد لعبده: " لا تعط زيداً حتى يقوم " و " اضرب عمراً إلى أن يتوب "، فإنه يقبح من العبد أن يسأل ويقول: إذا قام هل أعطيه درهماً؛ وإذا تاب هل أضربه؟ وسبب هذا القبح: أن الجواب قد فهم بدون ذلك، فالسؤال يكون تحصيل حاصل، فلو لم يفهما لما قبح الاستفهام عنهما، ولأن غاية الشيء: نهايته، ونهاية الشيء: منقطعه، ومعروف أن الشيء إذا انقطع وانتهى صار خاصاً بحكم، وصار ما بعده خاصاً بحكم آخر، وهو ضده.
وبناء على ذلك: فإن الزوجة تحل بعد الزواج بزوج آخر؛ استدلالاً بمفهوم الغاية الوارد في قوله تعالى: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).
وكذلك: أن الغسل يجزئ عن الوضوء؛ استدلالاً بمفهوم
стр. 295
الغاية الوارد في قوله تعالى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) حيث إن مفهومه: إن اغتسلتم فلكم أن تقربوا الصلاة، فلولا أن الغسل يجزئ عن الوضوء لم يكن للمغتسل أن يقرب الصلاة.
النوع التاسع: مفهوم العدد، وهو: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص يدل على نفي ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد، سواء كان زائداً أو ناقصاً، لأن الحكم لو ثبت فيما زاد على العدد كما ثبت في العدد المذكور لم يكن لذكر العدد فائدة، وكلام الشارع لا يجوز أن يعرى عن الفائدة ما أمكن، كما لا يجوز أن يخلى ذكر الصفة والشرط والغاية عن الفائدة، فثبت أن فائدة ذكر العدد هي: أن ينفي الحكم عما عدا المقيد بعدد.
والاْمة قد عقلت وفهمت من تحديد القذف بثمانين: نفي الزيادة، ونفي النقصان.
وبناء على ذلك: فإن يجب الوضوء من ثلاث قطرات من الدم؛ استدلالاً بمفهوم العدد من قوله ﷺ : " ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دماً سائلاً ".
وكذلك: لو قال لوكيله: " بع هذا الثوب بمائة ريال "، فإن باع وكيله هذا الثوب بأكثر من مائة أو أقل فإنه لا يصح البيع.
النوع العاشر: مفهوم الاستثناء من النفي، وهو: أن الاستثناء من النفي يُفهم منه الإثبات، فلو قال: " لا عالم في
стр. 296
المدينة إلا زيد "، فإنه يدل على نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون زيد عالماً؛ لأن هذا يتبادر إلى ذهن كل سامع لغوي فهو من أدل الألفاظ على علم زيد وفضله.
ولإجماع الأمة على أن القائل: " لا إله إلا الله " يُعتبر موحداً مثبتاً للألوهية لله تعالى، ونافياً لها عما سواه.
وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " ليس له علي شيء إلا درهماً " فإنه يكون مقراً بدرهم، لأن الاستثناء من النفي إثبات.
النوع الحادي عشر: مفهوم " إنما "، وهو: أن تقييد الحكم بلفظ " إنما " يدل على الحصر وإثبات الحكم، ونفيه عما عداه؛ لأن هذا هو المتبادر إلى أفهام أهل اللغة والعارفين بأساليب اللغة العربية من هذا اللفظ؛ إذ لم يستعمل لفظ " إنما " في موضع من النصوص الشرعية أو الأشعار العربية إلا ويحسن فيه الحصر والنفي، والأصل في الاستعمال الحقيقة من ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، وقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وقوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات "، وقوله الشاعر:
أن الضامن الراعي عليهم وإنما. . . يُدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وإذا كانت: " إنَّ " للإثبات، و " ما " للنفي حال انفرادهما، فيجب استصحاب ذلك وإبقاء ما كان على ما كان في حال اجتماعهما في التركيب.
стр. 297
وبناء على ذلك: فإنه لو أخبر مخبر قائلًا: " إنما العالم زيد "، فإن هذا يُفهم أن العلم محصور على زيد، وأن غيره لا علم عنده.
النوع الثاني عشر: مفهوم حصر المبتدأ في الخبر، وهو: أن حصر المبتدأ في الخبر يدل على الحصر؛ لأن أهل اللغة يفرقون بين قول القائل: " زيد صديقي "، وقوله: " صديقي زيد " بأن الثاني يفيد الحصر، ولولا أن الثاني يفيد الحصر لما حصلت التفرقة بينهما، فكل من قال بالتفرقة بينهما قال: إن تلك التفرقة بإفادة الحصر في الثاني دون الأول.
وبناء على ذلك: فإن قوله ﷺ : " الشفعة فيما لم يُقسم "، وقوله: " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " وقولنا: " العالم زيد " و" صديقي زيد " يفيد حصر الشفعة فيما لم يقسم، وحصر التحريم في التكبير، وحصر التحليل في التسليم، وحصر العلم والصداقة في زيد.
النوع الثالث عشر: مفهوم اللقب، وهو: تقييد الحكم أو الخبر باسم وهذا ليس بحجة، أي: أنه إذا قيد الحكم أو الخبر
стр. 298
بإسم فلا يدل ذلك على نفي الحكم عما عداه، فلو قال قائل: " زارني محمد " فإن هذا لا يدل على أن غيره لم يزره؛ لأنه لو كان تقييد الحكم بالاسم يدل على نفي الحكم عما عداه، لما حسن من الإنسان أن يخبر أن زيداً يأكل إلا بعد علمه أن غيره لم يأكل، وإلا كان مخبراً بما يعلم أنه كاذب فيه، أو ربما لا يأمن الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم علمه بذلك دل على عدم دلالته على نفي الأكل من غير زيد.
وبناء على ذلك: فإنه لو أوصى بعين لزيد، ثم قال بعد ذلك: أوصيت بها لعمرو، فإن هذا لا يُعتبر رجوعاً عن الوصية لزيد، بل يشرك بينهما؛ لأنه لا يفهم من كونه أوصى بها لزيد أنه ما أوصى بها لعمرو، والثاني لا ينفي الأول.
وكذلك لو قال في الخصومة: " إن زوجتي ليست بزانية "، فإن هذا لا يعتبر قذفاً لزوجة خصمه، فلا يجوز إقامة الحد على القائل.
* * *
المسألة الثالثة:
شروط مفهوم المخالفة - إن قولنا: إن مفهوم الصفة، والتقسيم، والعلة، والحال، والمكان، والزمان، والشرط، والغاية،
стр. 299
والعدد، وإنما، والاستثناء من النفي، وحصر المبتدأ في الخبر كلها حجة ليس هذا على إطلاقه بل يشترط لذلك شروط هي:
الشرط الأول: أن لا يرجع حكم المفهوم المخالف على
أصله المنطوق به بالإبطال، لأن المفهوم فرع المنطوق، ولا يقدم الفرع على أصله، ويسقط به.
الشرط الثاني: أن لا يوجد في المسكوت دليل خاص يدل على نقيض حكم المنطوق، فإن وجد ذلك الدليل الخاص كان هو المعمول به دون المفهوم، لذلك لم نعمل بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) لذلك جاز القصر عند عدم الخوف، وذلك لوجود دليل آخر في ذلك وهو قوله ﷺ : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
الشرط الثالث: أن يذكر القيد مستقلاً، فلو ذكر على وجه التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له كقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، فتقييد ذلك في المساجد لا مفهوم له؛ لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقاً.
الشرط الرابع: أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت عنه من جهة المخاطب.
الشرط الخامس: أن لا يكون القيد قد خرج مخرج الأغلب المعتاد كقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، حيث إن الآية أفادت أن الخُلع إنما يكون عند خوف عدم القيام بما أمر الله به من قِبل كل من الزوجين، فلا يفهم من ذلك: أنه عند عدم الخوف لا يجوز الخلع، لكن
стр. 300
جاءت الآية بذلك لأن الأغلب أن الخلع لا يكون إلا عند خوف عدم القيام بما أمر الله به.
كذلك قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ)، فإن وصف الربائب بكونهن في الحجور جار وموافق للغالب لمن تزوج امرأة معها ابنتها فإنه يربيها في بيته، فهذا الوصف لا مفهوم له، إذ لا يجوز للرجل أن يتزوج من ابنة امرأته، ولو تربت في غير بيته.
الشرط السادس: أن لا يكون المقصود من القيد هو: المبالغة في التكثير كقولك: " جئتك ألف مرة ولم أجدك ".
الشرط السابع: أن لا يكون المقصود من القيد: المبالغة في التنفير كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) فهذا لا مفهوم له؛ حيث لا يدل بالمفهوم المخالف: أن الربا القليل حلال.
الشرط الثامن: أن لا يكون المقصود من القيد: الحث على الامتثال، كقوله ﷺ : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ". فالوصف بالإيمان لا مفهوم له؛ لأنه سيق للحث على الامتثال لأمر الله في الإحداد ثلاث ليال على الميت، وليس المقصود منه: جواز ما زاد إن كانت لا تؤمن بالله.
الشرط التاسع: أن لا يكون المقصود من القيد: إظهار الامتنان، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) فإن هذا لا مفهوم له؛ لأنه سيق لإظهار المنة بطيب اللحم الطري، وليس المقصود من ذلك الوصف - وهو
стр. 301
قوله: (لَحْمًا طَرِيًّا) كون اللحم غير الطري ممتنع كله.
الشرط العاشر: أن لا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد جواباً لسؤال سائل، فإن كان كذلك فلا مفهوم له؛ لأن فائدة المنطوق قد وردت خاصة بذلك السؤال، كما لو سئل النبي ﷺ عن سائمة الغنم هل فيها زكاة فأجاب بوجوب الزكاة في سائمة الغنم، فإن هذا الجواب لا يدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها.
الشرط الحادي عشر: أن لا يكون الشارع قد ذكر القيد للقياس عليه، فإن وجدت جميع شروط القياس فلا مفهوم له، كقوله ﷺ : " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحُدَيَّا "، فهذا لا مفهوم له؛ حيث إن الشارع ذكرهن لما فيهن من الأذى، فيجوز أن نلحق بهن كل ما فيه أذى.
الشرط الثاني عشر: أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه بالحكم، أو مساواته فيه للمنطوق، وإلا استلزم ثبوته في المسكوت عنه، فكان مفهوم موافقة، لا مفهوم مخالفة.
* * *
تنبيه: بهذا نكون قد انتهينا من الدليل الأول وهو الكتاب، والدليل الثاني وهو السنة وما يشترك فيه الدليلان من وجود النسخ فيهما، ودلالة ألفاظهما على الأحكام الشرعية، ويليه الدليل الثالث وهو: الإجماع.
стр. 302
الدليل الثالث
الإجماع
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الإجماع هو: اتفاق مجتهدي العصر من أمة محمد ﷺ بعد وفاته على أيِّ أمر كان من أمور الدِّين.
* * *
المسألة الثانية:
الإجماع ممكن عادة ، لوقوعه فعلاً في أمثلة كثير ومنها: الإجماع على حجب ابن الابن بالابن، وعلى تقديم الدَّين على الوصية، وعلى أن الواجب في الغسل والمسح في الوضوء مرة واحدة، وعلى حرمة شحم الخنزير كلحمه.
وللقياس على اتفاقهم على الأكل والشرب: فكما أنه لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب فكذلك لا يمتنع اتفاقهم على حكم معين لحادثة حدثت في عصرهم، ولا فرق، والجامع: توافق الدواعي لكل منهما.
стр. 303
المسألة الثالثة:
الاطلاع على الإجماع والعلم به يكون بأحد طريقين هما:
أولهما: الأخبار والنقل إن كان الإجماع متقدماً؛ لتعذر المشاهدة.
ثانيهما: المشافهة والمشاهدة إن كان الإجماع قد حصل في عصر المجتهدين.
وقلنا ذلك: لأنه لا يمكن أن يعلم الإجماع بالعقل، ولا بالوحي، لتعذر ذلك.
* * *
المسألة الرابعة:
يمكن العلم بالإجماع والاطلاع عليه في جميع العصور ؛ لأن أرباب العلوم غير الدينية قد تحقق الإجماع بينهم في كثير من الأحكام التي تخصهم، فكذلك الفقهاء يتحقق الإجماع بينهم وُيعلم به، بل الفقهاء أولى؛ لوجود الدافع الديني.
* * *
المسألة الخامسة:
الإجماع حجة مطلقاً ؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)).
стр. 304
فمشاقة الرسول ﷺ هي: منازعته، ومخالفة ما جاء به عن ربه، والمراد من سبيل المؤمنين: ما اختاروه لأنفسهم من قول أو فعل أو اعتقاد، وقد توعَّد الله تعالى بالعقاب على متابعة غير سبيل المؤمنين، وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين، وتحريم مخالفتهم؛ فلو لم تكن مخالفتهم حراماً لما توعَّد عليه، ولما حسن الجمع بينه وبين المحرم، وهو: مشاقة الرسول ﷺ في الوعيد، كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح، وبذلك يكون سبيل المؤمنين حجة يجب اتباعه، والعمل بمقتضاه.
ولقوله ﷺ : " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة " وقوله: " إن يد الله على الجماعة "، وقوله: " من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " وغيرها، فإن كل واحد من هذه الأحاديث وما في معناها خبر واحد يجوز تطرق الخطأ إليه إلا أنه حصل لنا بمجموعها علم ضروري بأن النبي ﷺ قد عظم شأن هذه الأمة، وأخبر أنها معصومة عن الخطأ، كما علمنا بالضرورة شجاعة علي وسخاء حاتم، وإذا عصمت الأمة عن الخطأ فإن إجماعهم يكون حجة؛ لأنه حق.
* * *
المسألة السادسة:
لا يشترط في حجية الإجماع أن يبلغ عدد المجمعين حد التواتر ؛ لأن أدلة حجية الإجماع من الكتاب والسنة وردت
стр. 305
مطلقة، وبناء عليه: فإنه مهما كان عدد المجمعين أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ " المؤمنين " ولفظ " الأمة "، فإذا قالوا قولاً كانت الحجة في قولهم، لأنهم على الحق قطعاً، فيجب اتباعهم؛ صيانة لهم عن الاتفاق على الخطأ.
* * *
المسألة السابعة:
إذا لم يوجد في العصر إلا اثنان من المجتهدين فإن اتفاقهما يُعتبر إجماعاً ؛ لأن حقيقة الإجماع وحده يصدق عليهما؛ حيث إن الاتفاق أقل ما يصدق باثنين.
ولأنه يصدق عليهما أنهما كل الأمة، وكل المؤمنين المعتبرين في الإجماع.
* * *
المسألة الثامنة:
إذا لم يوجد في العصر إلا مجتهد واحد فإن قوله لا يُعتبر إجماعاً ؛ لأنه لا يصدق عليه تعريف الإجماع.
ولكنه يُعتبر حجة يُعمل به؛ لعموم قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، حيث إن ذلك يتناوله.
ولحفظ دين الله حتى لا يخلو الزمن الذي وقعت فيه الحادثة من حكم فيها، لذلك يكون قوله حجة على غيره ممن لم يبلغ درجة الاجتهاد.
стр. 306
المسألة التاسعة:
العدالة تشترط في المجتهدين في الإجماع، فلا يقبل قول المجتهد الفاسق في الإجماع مطلقاً ، سواء كان فسقه من جهة الاعتقاد، أو من جهة الفعل؛ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، حيث إن الله تعالى جعل هذه الأمة شهداء على الناس وحجة عليهم فيما يشهدون به؛ لكونهم عدولاً، والوسط هو العدل، فلما لم يكن الفاسق متصفاً بالعدالة؛ لم يجز أن يكون من الشهداء على الناس، فلا يُعتد بقوله في الإجماع، ولا في الشهادة، ولا في الرواية، وذلك لاتهامه في دينه.
ولأن الفاسق لا يقبل قوله ولا يقلد في فتوى وهو منفرد، فكذلك لا يقبل قوله مع الجماعة، ولا فرق، والجامع: أن المتسبِّب في اتهامه في دينه - وهو الفسق - لا زال موجوداً.
* * *
المسألة العاشرة:
لا يعتبر قول العامي في الإجماع ؛ لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وقوله ﷺ : " ألا سألوا إذا لم يعلموا فإن شفاء العيِّ السؤال ". فقد تبين هنا أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء، فلا تعتبر مخالفته فيما يجب عليه التقليد فيه.
стр. 307
ولأن المجتهدين إنما كان قولهم حجة؛ لأنه مستند إلى دليل؛ حيث لا يجوز إثبات الأحكام بلا دليل، والعامي ليس أهلاً للاستدلال والنظر في الأدلة، فلا يكون قوله معتبراً لذلك.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
العالم بأصول الفقه دون الفروع يُعتبر قوله في الإجماع، ولا يعتبر قول العالم بالفروع دون الأصول، لأن العالم بأصول الفقه قد توفر فيه آلة الاستنباط لمعرفة الحكم الشرعي لأي حادثة جديدة، وهو أقرب إلى الاجتهاد من غيره فيها؛ نظراً لعلمه بمدارك الأحكام على اختلاف أقسامها، وكيفية دلالتها، وعلمه الشامل الدقيق بالأدلة المتفق عليها والمختلف فيها، وعلمه بمقاصد الشريعة، فمن هذه صفته فإنه يستضاء برأيه، ويستشهد بهديه، ولا يمكن أن يُستغنى عنه.
وعليه: فإنه لا يشترط فيمن ينعقد به الإجماع حفظ الفروع.
ولأن الفقيه الحافظ للفروع دون معرفته للأصول يحتمل أن يفوته حفظ الجزئيات الدقيقة لمسائل الحيض، أو دقائق مسائل الوصايا، أو النفقات، أو الطلاق، أو الحدود، أو نحو ذلك، أما الأصولي فلا يحتمل فيه ذلك؛ لأنه قد فهم القواعد الأصولية التي تندرج تلك الفروع تحتها.
стр. 308
المسألة الثانية عشر:
انقراض أهل العصر - وهو: موت جميع المتفقين على الحكم - لا يشترط لصحة الإجماع مطلقاً، أي: سواء كان صريحاً أو سكوتياً، إجماع صحابة أو غيرهم -.
وبناء على ذلك فإن لو اتفق جميع مجتهدي الأمة على حكم شرعي في مسألة معينة ولو في لحظة واحدة مهما قصرت فإنه ينعقد الإجماع، وأصبح حجة تحرم مخالفته على المجمعين وعلى غيرهم؛ وذلك لأن أدلة حجية الإجماع من الكتاب والسنة قد بينت أن الإجماع حجة بمجرد اتفاق مجتهدي العصر الواحد ولو في لحظة؛ حيث إن الحجية تترتب على نفس الاتفاق؛ لأن الاتفاق مناط العصمة، فاشتراط انقراض العصر لا دليل عليه قوي.
ولأن بعض التابعين كانوا يحتجون بإجماع الصحابة في أواخر عصر الصحابة؛ حيث حكي عن الحسن البصري أنه احتج بإجماع الصحابة وأنس كان حياً. والاحتجاج بإجماعهم مع وجودهم قد وقع ولم ينكره أحد، فعلم من ذلك أن شرط الانقراض غير معتبر، فلو كان الانقراض شرطاً لما احتج التابعون بإجماع الصحابة مع وجود بعض الصحابة.
стр. 309
المسألة الثالثة عشرة:
إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة بعد اتفاقهم فإنه لا يُعتد بقوله؛ لأنه قول في حكم مسألة قد أجمع عليها، وهذا معلوم من عدم اشتراطنا لانقراض أهل العصر في المسألة السابقة.
أما إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة قبل اتفاقهم على حكم معين فإنه يُعتد بقوله؛ لأن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع دلت على أن المتبع هم كل المجتهدين من المؤمنين، ومن الأمة الموجودين حين حدوث الحادثة فى عصر واحد، وهذا الاسم - وهم المؤمنون والأمة - لا يصدق مع خروج التابعي المجتهد عن الصحابة، لأن التابعي من المؤمنين، فلو نظر الصحابة دون التابعي المجتهد في تلك المسألة وأجمعوا على حكمها فإنه لا يقال: " أجمع جميع مجتهدي أمة محمد ﷺ ، لأن الحجة هي إجماع الكل.
ولأنه قد وقع أن بعض التابعين قد اجتهدوا وأفتوا في مسائل مع وجود بعض الصحابة، ولم ينكر الصحابة عليهم ذلك.
فهذا علقمة النخعي والأسود النخعي كانا يفتيان مع وجود ابن مسعود، وهذا سعيد بن المسيب كان يفتي بالمدينة مع وجود خلق كثير من الصحابة فيها، فلو كان قول التابعي المجتهد مع وجود الصحابي باطلاً لما ساغ للصحابة تجويزه والأخذ به والرجوع إليه.
стр. 310
المسألة الرابعة عشرة:
يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين ، فلا ينعقد الإجماع بقول أكثر العلماء، وعليه فلو اتفق علماء العصر على حكم حادثة إلا الواحد أو الاثنين منهم: لم ينعقد الإجماع؛ لأن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع دلت على عصمة الأمة عن الخطأ، ولفظ الأمة إنما يطلق على جميع الأمة حقيقة - لا على أكثرها - وعليه: فالعصمة عن الخطأ تكون بجميع الأمة، أما أكثر الأمة فلا عصمة لهم، ونظراً إلى أنه لا عصمة لأكثر الأمة، فإنه لا ينعقد الإجماع باتفاقهم.
ولأنه قد وقع في زمن الصحابة اتفاق الأكثر منهم على حكم من الأحكام ومخالفة الأقل، بل تفرد الواحد منهم برأيه في مسألة معينة كمخالفة ابن عباس لأكثر الصحابة في مسألة الجد والإخوة، ومخالفة زيد بن أرقم لأكثر الصحابة في مسألة العينة وغير ذلك، فلو كان اتفاق الأكثر يعتبر إجماعاً للزم الأقل أو الواحد منهم أن يعمل بذلك الإجماع، ولأنكروا على ذلك المخالف مخالفته لذلك الإجماع، ولكنه لم يقع شيء من ذلك، فأصبحت المسألة خلافية وبقيت هكذا إلى زماننا هذا، وربما كان رأي الواحد منهم هو المعمول عليه عند بعض العلماء.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
اتفاق الأكثر ليس بإجماع كما سبق في المسألة السابقة،
стр. 311
وليس بحجة، وعليه: فتجوز مخالفة ما اتفق عليه الأكثر إذا ظهر الحق في غيره؛ لأن الحق قد يكون مع الأكثر وقد يكون مع الأقل، والاحتمالان متساويان، فنتوقف في ذلك حتى يظهر لنا دليل يرجح أحد هذين الاحتمالين، والكثرة لا تتميز بشيء؛ لما تقدم من أن العصمة قد ثبتت للكل، لا للكثرة، وكثيراً ما ظهر أن الحق يكون مع الأقل.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
يشترط في الإجماع وحجيته أن يكون له مستند ودليل يوجب ذلك الإجماع ؛ قياساً على النبي ﷺ ، فكما أن النبي ﷺ لا يقول شيئاً ولا يحكم بحكم إلا عن وحي، فكذلك علماء الأمة يجب أن لا يجمعوا على حكم إلا عن مستند ودليل قد اعتمدوا عليه.
ولأن عدم المستند من دليل أو أمارة يحتمل عدم الوصول إلى الحق مما يؤدي إلى جواز الخطأ، فقلنا: إنه لا بد من مستند للإجماع؛ سداً لهذا الاحتمال.
* * *
المسألة السابعة عشرة:
يجوز أن يكون مستند الإجماع دليلاً قطعياً من الكتاب والسنة ؛ قياساً على ثبوت الحكم الواحد بآيات متعددة، أو بالكتاب والسنة المتواترة كما هو واقع في الصلاة والزكاة وجميع أركان الإسلام، إذن لا مانع من ذلك، فيكون من تضافر الأدلة.
стр. 312
المسألة الثامنة عشرة:
الدليل الظني يصلح أن يكون مستنداً للإجماع؛ قياساً على الدليل القطعي: فكما يجوز إستناد الإجماع على دليل قطعي، فكذلك يجوز استناد الإجماع على دليل ظني ولا فرق، والجامع: أن كلاً من الدليل القطعي والظني يوجب العمل.
ولأنه قد وقع أن أكثر الإجماعات الموجودة الآن قد ثبتت وهي مستندة إلى أدلة ظنية كالعموم، والمفاهيم، والقياس، وخبر الواحد والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
لا يشترط نقل الإجماع بالتواتر ، فالإجماع يثبت بخبر الواحد، ويكون الإجماع المنقول إلينا عن طريق الآحاد ظنياً، ويجب العمل به، قياساً على خبر الواحد. فكما أن خبر الواحد يجب العمل به وإن كان ناقله واحداً، فكذلك الإجماع يثبت ويجب العمل به إذا نقله واحد ولا فرق، والجامع: وجوب العمل في كل منهما.
* * *
المسألة العشرون:
إذا اختلف الصحابة على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما فإن ذلك يكون إجماعاً، وبناء على ذلك: فإنه تحرم
стр. 313
مخالفته كمسألة " بيع أم الولد "، فإن الصحابة قد اختلفوا فيها على قولين: الجواز وعدم الجواز، ثم اتفقوا على قول واحد، وهو: عدم الجواز، فإن هذا يكون إجماعاً تحرم مخالفته ويجب العمل به؛ لأن أدلة حجية الإجماع قد دلت على حجية أي إجماع من مجتهدي العصر سواء سبقه اختلاف في العصر الذي سبقه أو لم يسبقه شيء، فاتفاق علماء العصر المتأخر على أحد قولي علماء العصر المتقدم يعتبر سبيل المؤمنين فيجب اتباعه.
ولأنه اتفاق بعد اختلاف، كما لو اختلفوا أنفسهم في عصرهم في حكم معين، ثم اتفقوا عليه بعد ذلك، فيقطع الاتفاق الاختلاف، فيكون إجماعاً.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
يجوز اتفاق علماء العصر على حكم معين بعد اختلافهم في ذلك الحكم ؛ لوقوعه؛ حيث إن الأمة قد أجمعت على خلافة أبي بكر بعد اختلافهم فيها، والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
إذا اختلف الصحابة على قولين فإنه لا يجوز إحداث قول ثالث إن لزم منه رفع ما اتفقا عليه، وإن لم يلزم منه ذلك فإنه يجوز إحداث قول ثالث ويعمل به.
مثال القول الثالث: الذي يلزم منه رفع ما اتفقا عليه:
стр. 314
" الجد مع الأخ في الإرث "، قد اختلف في ذلك على قولين؛ فقيل: المال للجد، وقيل: المال للجد والأخ يتقاسمانه، فالقول الثالث وهو: حرمان الجد قول خارق للإجماع، فلا يجوز العمل به.
ومثال القول الثالث الذي لا يلزم منه رفع ما اتفقا عليه فسخ النكاح بالعيوب الخمسة وهي: الجذام، والجنون، والبرص، والرتق، والعنة. اختلف في ذلك على قولين: فقيل: يفسخ بجميعها، وقيل: لا يفسخ بشيء منها، فالقول الثالث وهو: إنه يفسخ بالبعض دون البعض لا يرفع ما اتفق الفريقان عليه؛ لأنه يوافق في كل صورة قولاً فيجوز ذلك.
دل على ذلك: أن القول الثالث المحدث إذا كان رافعاً لما اتفق عليه الأولون يكون إحداثه مخالفاً للإجماع؛ لأن اختلاف الأولين يتضمن الإجماع على أن ما سواهما باطل، فمخالفة ذلك لا يجوز، أما إذا لم يكن ذلك القول الثالث المحدث رافعاً لما اتفق عليه الأولون فلا يكون إحداثه مخالفاً للإجماع، فلا مانع منه، ويجوز؛ لأن المسألة تكون اجتهادية، فالمحذور - وهو: مخالفة الإجماع - لم يقع.
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
إذا استدل علماء العصر بدليل ، أو تأولوا تأويلاً، فيجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر بشرط: أن لا يلزم من
стр. 315
هذا الدليل أو التأويل القدح فيما أجمعوا عليه؛ قياساً على الاستدلال على مسألة لم يسبق أن استدل عليها، بيانه: أنه كما أنه يجوز الاستدلال على مسألة لم يسبق أن استدل عليها كذلك يجوز إحداث دليل أو تأويل آخر، والجامع: أنه لا يلزم من هذا الاستدلال قدح في إجماع قد سبق.
ولوقوع ذلك؛ حيث إنه ما زال علماء كل عصر يثبتون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعاً.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
يجوز وجود خبر أو دليل راجح ، واتفق علماء الأمة على عدم العلم به بشرط: أن يكون عمل علماء الأمة موافق لمقتضى ذلك الخبر أو الدليل؛ لأن علماء الأمة غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر لهم، ولم يبلغهم، فإتفاقهم واشتراكهم في عدم العلم لا يكون خطأ؛ لأن عدم العلم ليس من فعلهم، وذلك كعدم حكمهم في واقعة لم يحكموا فيها بشيء، فجاز لغيرهم أن يسعى في طلب ذلك الدليل أو الخبر ليعلم.
أما إن كان عمل علماء الأمة على خلاف الخبر أو الدليل، فهذا محال بالاتفاق، لأنه يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ، وهذا مخالف للأدلة النقلية السابقة الذكر.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
الإجماع السكوتي ، وهو: أن يعلن بعض المجتهدين رأياً
стр. 316
في مسألة ويسكت بقية أهل عصره من المجتهدين يُعتبر إجماعاً وحجة؛ لأنه لو اشترط لانعقاد الإجماع: أن يُصرح كل مجتهد برأيه في المسألة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبداً؛ لأنه يتعذَّر اجتماع أهل كل عصر على قول يُسمع منهم، والمتعذر معفو عنه، والمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويُسلِّم الباقون لهم بعد مدة تكفي لبحث المسألة، فثبت أن سكوت الباقين دليل على أنهم موافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة فكان إجماعاً وحجة.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
إذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في مسألة: فلا يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب القائل بالأقل، أي: الأخذ بأقل ما قيل ليس متمسكاً بالإجماع، مثل: اختلافهم في دية الكتابي، فقيل: إن ديته مثل دية المسلم، وقيل: إن ديته نصف دية المسلم، وقيل؛ إن ديته ثلث دية المسلم وهو مذهب الشافعي، فظن بعضهم أن الشافعي قال متمسكاً في ذلك بإجماع الأقوال الثلاثة عليه، وهذا ليس بصحيح؛ لأن أقل ما قيل - وهو: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم - قد اشتمل على أمرين:
أولهما: إثبات الثلث وهو: مجمع عليه، وثانيهما: نفي الزيادة على الثلث، وهو مختلف فيه؛ حيث إن أصحاب القولين: الأول والثاني، قد زادوا دية الكتابي عن الثلث، وأصحاب القول
стр. 317
الثالث لم يزيدوا عن الثلث، فهنا وقع الخلاف، وبناء على هذا: لا يكون الآخذ بأقل ما قيل قد تمسك بالإجماع، وإنما هو متمسك بدليل آخر غير الإجماع، قد يكون الاستصحاب والبراءة الأصلية.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
اتفاق الخلفاء الأربعة، أو اتفاق أبي بكر وعمر، أو اتفاق أهل المدينة، أو اتفاق أهل البيت والعترة ليس بحجة ، وبالتالي لا يُسمى إجماعاً؛ لأن الخلفاء الأربعة، أو أبا بكر وعمر، أو أهل المدينة، أو أهل البيت والعترة بعض المؤمنين، وبعض الأمة، والأدلة المثبتة لحجية الإجماع من الكتاب والسنة قد دلت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت للأمة كلها، لا لبعضها، فلا تتناول تلك الأدلة هؤلاء لأنهم بعض الأمة وبعض المؤمنين، وعليه فلا يكون اتفاق الخلفاء الأربعة، أو اتفاق أبي بكر وعمر، أو اتفاق أهل المدينة، أو اتفاق أهل البيت حجة.
стр. 318
الدليل الرابع
القياس
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
القياس هو: إثبات مثل حكم أصل لفرع لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت.
* * *
المسألة الثانية:
أركان القياس هي:
الأول: الأصل، وهو: محل الحكم المشبة به كالخمر فإنه أصل للنبيذ.
وقلنا ذلك: لأن الأصل هو: ما كان حكم الفرع مقتبساً منه ومردوداً إليه، وهذا إنما يتحقق في محل الحكم المقيس عليه أو المشبه به.
الثاني: الفرع، وهو: المحل الذي لم ينص على حكمه
стр. 319
كالنبيذ، فإنه فرع والخمر أصل، لأن الجميع مسكر.
وقلنا ذلك؛ لأن الفرع هو المفتقر إلى غيره والمردود إليه، وهذا إنما يتحقق على المحل وهو النبيذ؛ حيث إنه مقيس على الخمر ومشبه به بوجه شبه، وهو الإسكار، فلولا الخمر لما عرفنا حكم النبيذ.
الثالث: العلة، وهي: الوصف المعرف للحكم.
وينبغي أن يكون هذا الوصف: ظاهراً منضبطاً مجاوزاً، مشتملاً على معنى مناسب للحكم كالإسكار بالنسبة لتحريم الخمر، والاقتيات والادخار بالنسبة لتحريم البُر، والسرقة بالنسبة لقطع اليد وهكذا.
الرابع: حكم الأصل، وهو: الحكم الشرعي الذي ورد به نص من كتاب أو سنة، أو إجماع، ويراد إثبات مثله في الفرع كحرمة الخمر؛ فإنا أثبتنا مثله في الفرع وهو النبيذ أو حرمة الربا في البُر، فإنا قد أثبتنا مثله في الفرع وهو: الأرز أو الذرة.
* * *
المسألة الثالثة:
القياس حجة ، أي: أن القياس دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة لإثبات أحكام شرعية؛ لإجماع الصحابة ﵃ على ذلك.
بيانه: أنه ثبت عن كثير من الصحابة القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها، كقياسهم خلافة أبي بكر على الإمامة في الصلاة وقالوا في ذلك: " رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا ".
стр. 320
وقياس عمر ﵁ في مسألة المشركة، وقياس علي حد شارب الخمر على حد القاذف؛ حيث قال: " إذا شرب سكر، وإذا شكر هذى، وإذا هذى افترى، فعليه حد المفتري "، وقياس ابن عباس الجد على ابن الابن في حجب الأخ، وقياس زيد الأخ على الجد في أن كلاً منهما يرث، وقياس ابن مسعود في مسألة المفوِّضة وغير ذلك مما لا يحصى يدل على أنهم قد استدلوا بالقياس وعملوا بما ينتج عنه، بدون أن ينكر عليهم أحد، فكان إجماعاً سكوتياً منهم على حجيته، والمجمع عليه بين الصحابة حجة يجب العمل به.
ولقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، حيث إن الاعتبار عند أهل اللغة هو تمثيل الشيء بغيره، وإجراء حكمه عليه، ومساواته به وهذا هو القياس. فقد أمر الشارع - هنا - بالقياس، والأمر إذا تجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، إذن: القياس واجب، والوجوب يستلزم الجواز.
ولقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)، حيث إن القياس حقيقة هو: تمثيل الشيء بالشيء، وتشبيه أحدهما بالآخر.
ولحديث معاذ وهو: أن الرسول ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قاضياً قال: " كيف تقضي إن عرض عليك قضاء؟ "، قال: بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد "، قال: بسنة رسول الله، قال: " فإن لم تجد "، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فصوبه النبي ﷺ على ذلك. وهذا يدل على جواز أخذ الأحكام عن طريق الاجتهاد، والقياس نوع من أنواع الاجتهاد، فيكون القياس دليلاً من أدلة الشرع.
следующие страницы →