Полный текст (415 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
في مسألة ويسكت بقية أهل عصره من المجتهدين يُعتبر إجماعاً وحجة؛ لأنه لو اشترط لانعقاد الإجماع: أن يُصرح كل مجتهد برأيه في المسألة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبداً؛ لأنه يتعذَّر اجتماع أهل كل عصر على قول يُسمع منهم، والمتعذر معفو عنه، والمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويُسلِّم الباقون لهم بعد مدة تكفي لبحث المسألة، فثبت أن سكوت الباقين دليل على أنهم موافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة فكان إجماعاً وحجة.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
إذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في مسألة: فلا يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب القائل بالأقل، أي: الأخذ بأقل ما قيل ليس متمسكاً بالإجماع، مثل: اختلافهم في دية الكتابي، فقيل: إن ديته مثل دية المسلم، وقيل: إن ديته نصف دية المسلم، وقيل؛ إن ديته ثلث دية المسلم وهو مذهب الشافعي، فظن بعضهم أن الشافعي قال متمسكاً في ذلك بإجماع الأقوال الثلاثة عليه، وهذا ليس بصحيح؛ لأن أقل ما قيل - وهو: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم - قد اشتمل على أمرين:
أولهما: إثبات الثلث وهو: مجمع عليه، وثانيهما: نفي الزيادة على الثلث، وهو مختلف فيه؛ حيث إن أصحاب القولين: الأول والثاني، قد زادوا دية الكتابي عن الثلث، وأصحاب القول
стр. 317
الثالث لم يزيدوا عن الثلث، فهنا وقع الخلاف، وبناء على هذا: لا يكون الآخذ بأقل ما قيل قد تمسك بالإجماع، وإنما هو متمسك بدليل آخر غير الإجماع، قد يكون الاستصحاب والبراءة الأصلية.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
اتفاق الخلفاء الأربعة، أو اتفاق أبي بكر وعمر، أو اتفاق أهل المدينة، أو اتفاق أهل البيت والعترة ليس بحجة ، وبالتالي لا يُسمى إجماعاً؛ لأن الخلفاء الأربعة، أو أبا بكر وعمر، أو أهل المدينة، أو أهل البيت والعترة بعض المؤمنين، وبعض الأمة، والأدلة المثبتة لحجية الإجماع من الكتاب والسنة قد دلت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت للأمة كلها، لا لبعضها، فلا تتناول تلك الأدلة هؤلاء لأنهم بعض الأمة وبعض المؤمنين، وعليه فلا يكون اتفاق الخلفاء الأربعة، أو اتفاق أبي بكر وعمر، أو اتفاق أهل المدينة، أو اتفاق أهل البيت حجة.
стр. 318
الدليل الرابع
القياس
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
القياس هو: إثبات مثل حكم أصل لفرع لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت.
* * *
المسألة الثانية:
أركان القياس هي:
الأول: الأصل، وهو: محل الحكم المشبة به كالخمر فإنه أصل للنبيذ.
وقلنا ذلك: لأن الأصل هو: ما كان حكم الفرع مقتبساً منه ومردوداً إليه، وهذا إنما يتحقق في محل الحكم المقيس عليه أو المشبه به.
الثاني: الفرع، وهو: المحل الذي لم ينص على حكمه
стр. 319
كالنبيذ، فإنه فرع والخمر أصل، لأن الجميع مسكر.
وقلنا ذلك؛ لأن الفرع هو المفتقر إلى غيره والمردود إليه، وهذا إنما يتحقق على المحل وهو النبيذ؛ حيث إنه مقيس على الخمر ومشبه به بوجه شبه، وهو الإسكار، فلولا الخمر لما عرفنا حكم النبيذ.
الثالث: العلة، وهي: الوصف المعرف للحكم.
وينبغي أن يكون هذا الوصف: ظاهراً منضبطاً مجاوزاً، مشتملاً على معنى مناسب للحكم كالإسكار بالنسبة لتحريم الخمر، والاقتيات والادخار بالنسبة لتحريم البُر، والسرقة بالنسبة لقطع اليد وهكذا.
الرابع: حكم الأصل، وهو: الحكم الشرعي الذي ورد به نص من كتاب أو سنة، أو إجماع، ويراد إثبات مثله في الفرع كحرمة الخمر؛ فإنا أثبتنا مثله في الفرع وهو النبيذ أو حرمة الربا في البُر، فإنا قد أثبتنا مثله في الفرع وهو: الأرز أو الذرة.
* * *
المسألة الثالثة:
القياس حجة ، أي: أن القياس دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة لإثبات أحكام شرعية؛ لإجماع الصحابة ﵃ على ذلك.
بيانه: أنه ثبت عن كثير من الصحابة القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها، كقياسهم خلافة أبي بكر على الإمامة في الصلاة وقالوا في ذلك: " رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا ".
стр. 320
وقياس عمر ﵁ في مسألة المشركة، وقياس علي حد شارب الخمر على حد القاذف؛ حيث قال: " إذا شرب سكر، وإذا شكر هذى، وإذا هذى افترى، فعليه حد المفتري "، وقياس ابن عباس الجد على ابن الابن في حجب الأخ، وقياس زيد الأخ على الجد في أن كلاً منهما يرث، وقياس ابن مسعود في مسألة المفوِّضة وغير ذلك مما لا يحصى يدل على أنهم قد استدلوا بالقياس وعملوا بما ينتج عنه، بدون أن ينكر عليهم أحد، فكان إجماعاً سكوتياً منهم على حجيته، والمجمع عليه بين الصحابة حجة يجب العمل به.
ولقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، حيث إن الاعتبار عند أهل اللغة هو تمثيل الشيء بغيره، وإجراء حكمه عليه، ومساواته به وهذا هو القياس. فقد أمر الشارع - هنا - بالقياس، والأمر إذا تجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، إذن: القياس واجب، والوجوب يستلزم الجواز.
ولقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)، حيث إن القياس حقيقة هو: تمثيل الشيء بالشيء، وتشبيه أحدهما بالآخر.
ولحديث معاذ وهو: أن الرسول ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قاضياً قال: " كيف تقضي إن عرض عليك قضاء؟ "، قال: بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد "، قال: بسنة رسول الله، قال: " فإن لم تجد "، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فصوبه النبي ﷺ على ذلك. وهذا يدل على جواز أخذ الأحكام عن طريق الاجتهاد، والقياس نوع من أنواع الاجتهاد، فيكون القياس دليلاً من أدلة الشرع.
стр. 321
ولأننا لو لم نعمل بالقياس لأدى ذلك إلى خلو أكثر الحوادث بدون أحكام؟ لقلة النصوص، وكثرة الحوادث والصور التي لا نهاية لها.
وبناء على ذلك: فإنه يقاس على البر في تحريم الربا كل شيء من الأرز والذرة بجامع الادخار والاقتيات.
وكذلك يُقاس على الفواسق الخمس التي أمر الشارع بقتلهن - وهي: الحية، والكلب العقور، والحدأة، والفأرة، والغراب الأبقع - كل ما شابهها: بجامع الإيذاء.
وكذلك يقاس على قول الرجل لزوجته: " أنت عليَّ كظهر أمي "، كل لفظ يشبه ذلك، كقوله: أنت علي كيد أمي، أو كرجلها أو نحو ذلك من تشبيه الزوجة بمن تحرم عليه فإنه يثبت به الظهار؛ قياساً على لفظ الظهار الصريح.
وكذلك إذا دخل اللبن إلى جوف الصبي - دون السنتين - عن طريق الأنف، أو صب اللبن في الحلق ودخل الجوف فإنه يثبت الرضاع، قياساً على التقام الثدي، والجامع: أن كلاً منهما يقوي العظم وُينبت اللحم.
стр. 322
المسألة الرابعة:
التنصيص على العلة يوجب الإلحاق عن طريق القياس لا عن طريق اللفظ فقط ؛ لأننا لو نظرنا نظرة مجردة في قوله: " حرم الخمر لشدته "، فإنه لا يتناول إلا تحريم الخمر خاصة، ولو لم يرد التعبد بالقياس لاقتصرنا على ذلك ولما جاز لنا إلحاق كل مشتد من نبيذ وغيره بالخمر، ولكن جاز إلحاق النبيذ وكل مشتد بالخمر بسبب ورود التعبد بالقياس فقط.
وبناء على ذلك: فإن تحريم النبيذ قد ثبت عن طريق القياس، لا عن طريق اللفظ والنص، وفرق بين ما ثبت عن طريق القياس وما ثبت عن طريق اللفظ؛ حيث إن ما ثبت عن طريق القياس أضعف مما ثبت عن طريق اللفظ، وأن الحكم الثابت عن طريق اللفظ يُنسخ وينسخ به.
* * *
المسألة الخامسة:
يجوز القياس في العقوبات كالحدود والكفارات ؛ لعموم أدلة حجية القياس؛ حيث إنها تدل دلالة واضحة على أن القياس يجري في جميع الأحكام إذا توفرت جميع شروطه، فلم تفرق بين حكم وحكم.
ولأن خبر الواحد تثبت به الحدود والكفارات وإن كان
стр. 323
طريقه غلبة الظن ويجوز الخطأ فيه والسهو، فكذلك يجوز أن تثبت الحدود والكفارات بالقياس ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما يفيد الظن ويجوز الخطأ والسهو في كل منهما.
وبناء على هذا: فإن النباش - وهو: من ينبش القبر ليأخذ ما في الأكفان - تقطع يده؛ قياساً على السارق بجامع: أخذ مال غيره من حرزه.
وكذلك: أن من أفطر متعمداً بدون عذر في نهار رمضان بأكل أو شرب فعليه كفارة المجامع في نهار رمضان؛ قياساً على المجامع في نهار رمضان، والجامع: أن كلاً منهما قد انتهك حرمة رمضان بقصد منه.
* * *
المسألة السادسة:
يجوز القياس في المقدَّرات ، للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة.
وبناء على ذلك: فإنه يقدر المسح للرأس بثلاثة أصابع؛ قياساً على مسح الخف.
стр. 324
وكذلك تقدير الخرق الذي يُعفى عنه فى الخف بثلاثة أصابع؛ قياساً على مسحه.
* * *
المسألة السابعة:
يجوز القياس في الأبدال ؛ للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة. وبناء على ذلك: فإن تارك الواجب في الحج إذا لم يجد الدم فإنه ينتقل إلى الصوم؛ لأنه دم تعلَّق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى الصوم؛ قياساً على دم التطيب واللباس.
* * *
المسألة الثامنة:
يجوز إثبات الرخص بالقياس ، للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة.
وبناء على ذلك: فإن الثلج تجمع من أجله الصلاتين؛ قياساً على المطر بجامع: أنه كلاً منهما يتأذى منه المسلم.
وكذلك: يجوز بيع العنب بالزبيب؛ قياساً على العرايا، وهي: بيع الرطب بالتمر الذي رخص فيه النبي ﷺ .
стр. 325
المسألة التاسعة:
يجوز القياس في فروع العبادات لا في أصولها ؛ للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة.
وبناء على ذلك فإنه يجوز إثبات صلاة بإيماء الحاجب، قياساً على صلاة المومئ برأسه.
* * *
المسألة العاشرة:
يجوز إثبات اللغة بالقياس ، فيجوز أن يُسمَّى النباش سارقاً، والنبيذ خمراً، واللائط زانياً؛ لعموم أدلة حجية القياس؛ حيث إنها أجازت القياس بدون تفريق بين اللغة وغيرها.
ولأن الاسم يدور مع الوصف وجوداً وعدماً - وهذا هو الدوران، والدوران يفيد ظن العلية، فيحصل بذلك ظن أن العلة لتلك التسمية هو ذلك الوصف، فأينما حصل ذلك الوصف حصل ظن كونه مسمى بذلك الاسم، فالخمر دار مع الوصف وهو: السكر وجوداً وعدماً، أما وجوداً ففي صورة الخمر، أما عدماً ففي صورة الماء، فوجب أن يُسمَّى النبيذ - أيضاً - خمراً بالقياس.
وبناء على ذلك: فإن النباش هو سارق، فيكون قطع يد النباش قد ثبت بالنص؛ لأنه يدخل في عموم قوله تعالى:
стр. 326
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).
وكذلك فإن اللائط زان فيكون وجوب الحد عليه ثبت بالنص.
وهو قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).
* * *
المسألة الحادية عشرة:
لا يجوز القياس في العاديات ، وهو ما كان طريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره، وأقل الحمل وأكثره؛ لأن القياس مبني على إدراك العلة، والأمور العادية ترجع إلى العادة والخلقة، وهذه تختلف باختلاف الأشخاص والأمزجة ولا يُعرف أسبابها، فلا يجوز إثباتها بالقياس.
وبناء على ذلك: فإن الحامل لا تحيض: إذ لو كان الدم الذي ينزل من الحامل دم حيض لحرم به الطلاق، وانقضت به العدة، ولكن كل ذلك لم يصح، فلم يكن ما ينزل منها دم حيض.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
القياس لا يجري في جميع الأحكام الشرعية ؛ لأنه معلوم بالضرورة أنه يتعذر إجراء القياس في كثير من الأحكام كعدد
стр. 327
الصلوات، وعدد الركعات، وعدد الطواف، والسعي، وأكثر مناسك الحج وما شابه ذلك مما لم نتمكن من عقل معناه وإدراك علته، ومدار القياس على تعقل المعنى الذي يعلل به الحكم في الأصل، وهذه الأمور لم ندرك العلة التي من أجلها شرع الحكم.
وبناء على ذلك: فإن الأحكام تنقسم إلى قسمين: قسم يجوز فيه القياس؛ لإدراكنا العلة التي من أجلها شرعت تلك الأحكام، وقسم آخر لا يجوز فيه القياس، لعدم إدراكنا لعلة مشروعيته.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
الأمور التي لا يتعلق بها عمل كدخول النبي ﷺ مكة عنوة أو صلحاً لا يجري فيه القياس؛ لأن ما كان من هذا القبيل إنما يذكر ليعرف ويعلم، لا ليعمل به، فطريق ذلك الرواية والسماع، ولا مجال للقياس في ذلك.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
أن القياس يُسمى ديناً ، لقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، حيث إن الله قد أمرنا بالقياس، وإذا أمرنا به فإنا نكون متعبَّدين به، وإذا ثبت أن الله تعالى قد تعبَّدنا به فإنه يكون من الدين.
стр. 328
وبناء على ذلك: فإنا نكون مأجورين إذا عملنا بحكم قد ثبت عن طريق القياس.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالعلة ؛ لأنه لو كان الحكم يثبت في محل النص بالنص دون العلة لامتنع جريان القياس بإلحاق الفرع بالأصل، وسبب ذلك: أنه لا يتحقق القياس إلا إذا كان الحكم ثابتاً في المنصوص عليه بالعلة حتى يمكن إثبات مثل ذلك الحكم بمثل تلك العلة، أما إذا كان الحكم ثابتاً في الأصل بالنص لا بالعلة ولا نص في الفرع، ولم يثبت بالعلة في الأصل: لم يتصور إثبات مثل حكم الأصل بمثل الوصف الذي في الفرع، وينقطع نظام القياس - حينئذ - ويكون الفرع غير مقاس على الأصل، لكن القياس صحيح بإجماع القائسين، فيكون إجماعهم على ذلك إجماعاً على أن الحكم في الأصل ثابت بالعلة.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
يشترط في حكم الأصل: أن يكون حكماً شرعياً عملياً قد ثبت بكتاب أو سنة أو إجماع؛ لأن المراد فيه القياس الشرعي الذي يكون الغرض منه إثبات حكم شرعي في الفرع.
وخرج بذلك: الحكم العقلي، والحكم اللغوي أو الحكم الحسي. فعلى تقدير جريان القياس فيها: فإنه ليس قياساً شرعياً، بل عقلياً ولغوياً وحسياً، إلا إذا كان القياس لغوياً ولكنه يتوصل به إلى حكم شرعي فإن هذا يعتبر داخلاً في الحكم الشرعي كتسمية النبش سرقة قياساً عليها، وتسمية اللواطة زنا قياساً عليه ليثبت بذلك الحد عن طريق اللفظ والنص.
стр. 329
المسألة السابعة عشرة:
يشترط في حكم الأصل الذي قصد تعديته إلى الفرع: أن يكون ثابتاً مستمراً في الأصل، أما إذا لم يكن ثابتاً؛ لكونه قد نسخ مثلاً فإنه لا يجوز أن يقاس عليه، ولا بناء حكم الفرع عليه، لأن كون الشيء مبنياً على الغير صفة له، وتحقق الصفة يستدعي تحقق الموصوف، فإذا لم يكن الموصوف ثابتاً لم تكن الصفة ثابتة له.
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
يشترط في القياس: أن يكون حكم الأصل معقول المعنى مدرك العلة التي لأجلها شرع الحكم؛ لأن القياس مبني على إدراك العلة. أما ما لا يعقل معناه ولا تدرك علته كأعداد الصلوات، وركعات كل صلاة ونحو ذلك فلا يجوز القياس فيه.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
يشترط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولاً بعمومه حكم الفرع ، فلو جعلنا - مثلاً - دليل تحريم الخمر هو ما روي عن النبي ﷺ : " كل مسكر حرام "، فإنه لا يصح قياس النبيذ على الخمر هنا؛ لأن هذا النص قد تناول بعمومه النبيذ كتناوله للخمر، فيكون على هذا النبيذ محرَّم بالنص لا بالقياس.
* * *
المسألة العشرون:
لا يشترط في الأصل: أن يقوم دليل على جواز القياس عليه ؛ لعموم الأدلة المثبتة للقياس؛ حيث إنها أجازت القياس على الأصل مطلقاً.
стр. 330
ولأننا إذا ظننا كون حكم الأصل معللاً بوصف، ثم علمنا أو ظننا حصوله في الفرع: حصل ظن أن حكم الفرع مثل حكم الأصل، والعمل بالظن واجب.
ولأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل وجواز القياس عليه وأصرح شيء في ذلك قول عمر لأبي موسى: " اعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور برأيك "، ولم يفصِّل.
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن اشترط ذلك.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
لا يشترط في الأصل: أن يكون قد اتفق العلماء على أن حكمه معلل ، ولا يشترط - أيضاً - أن تثبت علته بالنص، بل لو ثبت ذلك بالطرق الاجتهادية الظنية: لجاز القياس عليه؛ للأدلة الثلاثة المذكورة في المسألة السابقة.
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن اشترط ذلك، لأن أكثر العلل اجتهادية عقلية، فلو لم نعلل بتلك العلل لما بقي لنا قياس إلا في القليل النادر.
стр. 331
المسألة الثانية والعشرون:
يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين ؛ لعموم أدلة حجية القياس، حيث إنها لم تفرق بين الأصل المحصور بالعدد وبين الأصل غير المحصور، فالقياس في كل ذلك جائز إذا أدركت العلة.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز أن يقاس كل حشرة على الخمس اللاتي يقتلن في الحِل والحَرَم وهي - الحية، والفأرة، والكلب العقور، والحدأة، والغراب الأبقع - إذا كانت مؤذية مثلها.
ويجوز أن يقاس على الأشياء الستة الواردة في حديث عبادة بن الصامت.
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
يشترط كون حكم الأصل معللاً بعلة معينة قد صرح بها ؛ لأن العلة المبهمة لا يعلم وجودها في الفرع، فلا يقال - مثلاً -: تجب الزكاة في الحلي للعلة المقتضية لوجوبها في النقد.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
يجوز القياس على أصل ثبت بالنص ؛ لأن النص من الأدلة المثبتة للأصل فينبني عليه الفرع، ويُلحق به، وُيعتمد عليه، والشيء الذي لم يثبت لا يتصور بناء غيره عليه.
стр. 332
مثال ذلك قولنا: إن الخنزير إذا ولغ في الإناء: فإنه يغسل الإناء سبع مرات، قياساً على الكلب، بجامع: أن كلاً منهما حيوان نجس، فإن منع أحدهم الحكم في ولوغ الكلب دلَّلنا عليه بنص الحديث الذي هو قوله ﷺ : " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً "، فهنا نقيس على الأصل الثابت بالنص وإن خالف فيه الخصم.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
يجوز القياس على أصل ثبت بالإجماع ؛ قياساً على النص، أي: أنه كما أنه يجوز القياس على ما ثبت بالنص فكذلك يجوز القياس على أصل ثابت بالإجماع ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما تثبت به أحكام الشرع، بل الإجماع أولى من خبر الواحد؛ لأن الإجماع آكد من خبر الواحد.
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن قال: إنه لا يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
يكفي اتفاق الخصمين على حكم الأصل المقيس عليه ، ولا يشترط: أن يكون حكم الأصل المقيس عليه متفقاً عليه بين الأمة
стр. 333
كلها؛ لأن الخصمين - المستدل والمعترض - إذا اتفقا على حكم الأصل فإن المناظرة تكون منضبطة وتحصل فائدتها، أما إن كان حكم الأصل مختلفاً فيه: فإن المعترض له أن ينازع فيه كما ينازع في الفرع.
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن قال: إنه يشترط في حكم الأصل المقيس عليه: أن يكون متفقاً عليه بين الأمة كلها.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
لا يجوز القياس على أصل ثبت بالقياس: فلا يجوز قياس الذرة على الأرز الذي هو مقاس على البر، لأن العلة الجامعة بين الأصل الثاني - وهو البر - والأصل الأول - وهو الأرز -: إن كانت موجودة في الفرع - وهو الذرة - فليقم القائس بقياس الفرع - وهو الذرة - على الأصل الثاني - هو: البر - مباشرة، فيكون ذكر الأصل الأول - وهو الأرز - تطويلاً من غير فائدة، وغير المفيد عبث يجب رده، وعدم اعتباره.
وإن كانت العلة الجامعة بين الأصلين - الأصل الأول وهو الأرز والأصل الثاني وهو: البر - غير موجودة في الفرع - وهو الذرة - لم يجز قياس الذرة على الأصل الأول - وهو الأرز - لأنه ظهر أن حكم الأصل الأول - وهو: الأرز - قد ثبت بعلة غير
стр. 334
موجودة في الفرع، وهذا يبطل القياس؛ لأن من شرط صحة القياس: أن تكون علة الأصل وعلة الفرع متساويتين، وهنا عدم هذا التساوي لذلك بطل القياس.
وبناء على ذلك: فإنه لا يجوز القياس إلا على أصل ثبت بثلاثة أدلة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، وهذا فيه احتراز من التوسع في استعمال القياس.
* * *
المسألة الثامنة والعشرون:
يجوز القياس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة القياس ، والمعدول به عن سنن القياس، وهو: ما شرع من الأحكام على وجه الاستثناء والاقتطاع عن القواعد العامة وهو مخالف للقواعد العامة، بشرط: أن يكون معقول المعنى؛ لأنه حكم شرعي معقول المعنى مدرك العلة إما عن طريق النص أو عن طريق الاستنباط، فجاز القياس عليه كالقياس على غيره من الأصول التي لم يعدل بها عن سنن القياس، والجامع: توفر أركان القياس وشروط كل ركن.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز بيع العنب بالزبيب؛ قياساً على العرايا وهو: بيع الرطب بالتمر.
стр. 335
المسألة التاسعة والعشرون:
يشترط كون العلة الموجودة في الفرع مثل علة حكم الأصل من غير تفاوت مثل: الادخار والاقتيات فإنه موجود في الأرز والذرة وفي البر من غير اختلاف وتفاوت، لذلك قسنا الأرز والذرة على البر.
كذلك: القتل العمد العدوان موجود في القتل بالمثقل كما هو موجود في القتل بالمحدَّد من غير تفاوت، لذلك قسنا القتل بالمثقل على القتل بالمحدد وهكذا.
فإن وجد تفاوت واختلاف بين العلتين: فإنا ننظر:
إن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق نقصان علة الفرع عن علة حكم الأصل كقول بعضهم: " تجب الزكاة في مال الصبي؛ قياساً على مال المكلف بجامع: أن كلاً منهما يملك ماله " فإن هذا لا يصح، لأنه قياس مع الفارق، حيث إن علة حكم الأصل تختلف عن علة الفرع؛ حيث إن علة الأصل - وهو البالغ - هي أنه يملك ماله بالقوة والفعل، أما علة الفرع - وهو الصبي - فهي: إنه يملك ماله بالقوة فقط.
وإن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق زيادة علة الفرع: فإن القياس يصح، بل يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل كما في قياس الضرب للوالدين على التأفيف لهما في التحريم بجامع الإيذاء، حيث إن الإيذاء في الضرب أشد.
* * *
المسألة الثلاثون:
يشترط في الفرع: أن يكون خالياً عن نص، أو إجماع ينافي حكم القياس ، فإن وجد نص أو إجماع ينافي الحكم الذي
стр. 336
أخذناه عن طريق القياس: فلا يصح القياس؛ لأنه لا قياس مع النص.
* * *
المسألة الواحدة والثلاثون:
إذا وجد نص أو إجماع في حكم الفرع موافق للقياس فإنا ننظر:
إن كان هذا النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع بعينه هو الذي دل على حكم الأصل، مثل ما لو جعلنا قوله ﷺ : " كل مسكر حرام " هو الأصل في تحريم الخمر فالقياس باطل، لأن نسبة دلالة النص أو الإجماع على حكم الفرع وحكم الأصل على السواء، فلا فرق بينهما، فليس جعل تلك الصورة أصلاً والأخرى فرعاً أولى من العكس.
وإن كان هذا النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع غير النص أو الإجماع الدال على حكم الأصل: فالقياس جائز؛ لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز، لإفادة زيادة الظن.
* * *
المسألة الثانية والثلاثون:
يكفي ظن وجود العلة في الفرع ، ولا يشترط: أن تكون العلة في الفرع معلومة قطعاً؛ لقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، حيث إنه عام، ولم يشترط فيه العلم القطعي، فتخصيصه بالقطعي تخصيص بلا مخصص وهو باطل، فثبت أنه يدخل فيه العلم والظن.
стр. 337
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع من دائرة القياس عند الذين اشترطوا: أن تكون العلة في الفرع معلومة قطعاً، حيث تكون نادرة.
* * *
المسألة الثالثة والثلاثون:
لا يُشترط في الفرع أن يكون مما ثبت بالنص جملة ، بل يجوز القياس مطلقاً؛ لعموم أدلة حجية القياس السابقة الذكر؛ حيث إنها دلت على حجية القياس مطلقاً دون أن تفرق بين ما ثبت حكم الفرع فيه على جهة الإجمال وبين غيره.
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع من دائرة القياس عند الذين اشترطوا لصحة القياس: أن يثبت حكم الفرع بالنص على جهة الإجمال.
* * *
المسألة الرابعة والثلاثون:
مسالك العلة، أو طرق ثبوت العلة هي:
المسلك الأول: النص الصريح، وهو ما وضع للتعليل من غير احتمال، فيكون قاطعاً في تأثيره، كأن يصرح الشارع بكون هذا الوصف علة أو سبباً للحكم الفلاني، كقوله: اقطعوا يد فلان لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لموجب كذا، أو لأجل كذا، أو من أجل كذا.
المسلك الثاني: النص الظاهر، وهو: ما لا يكون قاطعاً في
стр. 338
تأثيره، أي: يحتمل التعليل ويحتمل غيره، ولكن التعليل به أرجح.
مثل: التعليل بلفظ: " كي "، كقوله تعالى: (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا)، والتعليل باللام كقوله تعالى: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)، والتعليل بـ " أَنْ " كقوله تعالى: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا)، والتعليل بلفظ: " حتى "، كقوله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ)، والتعليل بذكر المفعول له كقوله تعالى: (لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ)، والتعليل بلفظ " الفاء " كقوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا).
المسلك الثالث: الإجماع، وهو: اتفاق مجتهدي العصر على أن هذا الوصف المعين علة للحكم المعين، مثال ذلك: البكر الصغيرة يولى عليها، والعلة هي: الصغر إجماعاً، ويقاس عليها الثيب الصغيرة في وجوب التولية عليها بجامع: الصغر.
وكذا: أن الأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب في الإرث، والعلة هي: امتزاج النسبين: نسب الأم ونسب الأم واختلاطهما إجماعاً، ويقاس على ذلك: تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في ولاية النكاح وتحمل العاقلة بجامع امتزاج النسبين.
المسلك الرابع: الإيماء إلى العلة وهو: ما كان التعليل فيه مفهوماً من لازم مدلول اللفظ؛ أي: يفهم التعليل فيه من السياق أو القرائن اللفظية الأخرى، وهو أنواع:
النوع الأول: أن يذكر الوصف ثم يذكر الحكم بعده وهو مقترن بالفاء كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوا).
وقوله: (قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)،
стр. 339
وقوله ﷺ : " من بدَّل دينه فاقتلوه ". فإنه يفهم من ذلك: أن علة قطع اليد هي: السرقة، وعلة وجوب اعتزال النساء في المحيض هو: الأذى، وعلة القتل هو: تبديل الدِّين.
وهذا يُفهم العلية مطلقاً، أي: سواء عرفنا المناسبة كالأمثلة السابقة، أو لم نعرف المناسبة كقوله ﷺ : " من مسَّ ذكره فليتوضأ "، لأنه لا يمكن أن يتكلم الشارع بالعبث، ولا توجد علة أخرى فتعيَّن أن الوصف علة.
وكذلك: هذا النوع يُفهم العلية سواء كان الكلام من الشارع كما سبق من الأمثلة، أو كان الكلام من الصحابي، كقوله: " سهى رسول الله ﷺ فسجد "؛ لأن الصحابي - وهو الراوي - الذي شهد الله له بالعدالة، والعارف بمواقع الكلام، ومجاري اللغة، والعالم بدلالات الألفاظ واشتقاقاتها، وأساليبها لا يمكن أن يُعبِّر بلفظ يفهم السببية والعلية إلا إذا كان الأمر كذلك حقيقة.
ويشترط في الصحابي هذا: أن يكون فقيهاً؛ لأن احتمال الخطأ والوهم في كلام الراوي غير الفقيه أقوى من احتماله في كلام الراوي الفقيه.
стр. 340
النوع الثاني: ترتب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء والشرط، كقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)، وقوله ﵊: " من بدَّل دينه فاقتلوه "، فإذا وردت أداة من أدوات الشرط فإن فعل الشرط يكون وصفاً وعلة، وجواب الشرط يكون هو الحكم.
النوع الثالث: أن يذكر الشارع حكماً بعد سؤال سائل مباشرة: فإن ذلك يغلب على الظن: كون ذلك السؤال علة لذلك الحكم.
مثاله: حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: " هلكت يا رسول الله، قال: " ماذا صنعت؟ " قال: وقعت على أهلي في رمضان، قال: " اعتق رقبه .. ". فهنا غلب على الظن: أن الوقاع وهو: جماع مكلف عمداً لزوجته في نهار رمضان " علة لوجوب الكفارة، لأنه وقع بعد سؤال الأعرابي مباشرة فكأنه قال: إذا واقعت أهلك في نهار رمضان. فكفِّر بكذا.
ْالنوع الرابع: أن يُسال النبي ﷺ عن حكم شيء ما، فيسأل النبي ﷺ عن وصف له، وبعد إخباره بالوصف: يقول النبي ﷺ : إن حكمه كذا، فهذا يفيد أن ذلك الوصف الذي أخبروه به علة لذلك الحكم الذي نطق به بعده.
مثاله: أن النبي ﷺ سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال ﵊:: أينقص الرطب إذا جف؟ " فقالوا: نعم: فقال: " فلا إذن "، فهنا: قد دل سؤاله واستكشافه عن نقصان الرطب عند الجفاف على أن هذا النقصان علة لعدم جواز بيعه رطباً، ولو لم يفهم ذلك منه: لما كان للسؤال عنه وذكر الحكم بعده فائدة.
стр. 341
النوع الخامس: أن يتوجه إلى النبي ﷺ سؤال عن حكم واقعة معينة، فيذكر الرسول ﷺ حكم حادثة أخرى مشابهة لها منبهاً على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما، فإن هذا يفيد أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم.
مثاله: أن امرأة جاءت إلى الرسول ﷺ فقالت يا رسول الله: " إن أمي أدركتها الوفاة وعليها فريضة الحج، فهل يجزئ أن أحج عنها؟ " فقال: " أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم. قال: " فدَين الله أحق أن يُقضى ". فقد ذكر النبي ﷺ نظير دين الله، وهو دَين الآدمي، ونبَّه على التعليل به؛ ولو لم يكن قد سأله لهذا الغرض - وهو التعليل به - لكان عبثاً، ففهم من هذا أن نظيره في المسؤول عنه - وهو دين الله وهو هنا الحج - كذلك علة لمثل ذلك الحكم؛ حيث إن كلاً منهما يُسمى ديناً اشتغلت به الذمة، ولا تبرأ الذمة إلا بأدائه.
النوع السادس: أن يذكر الشارع وصفاً ظاهراً في محل الحكم ابتداء من غير سؤال لو لم يكن هذا الوصف مؤثراً في الحكم لكان ذِكره عبثاً.
مثاله: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال لابن مسعود بعد ما توضأ بماء نبذت فيه تمرات لتجذب ملوحته: " تمرة طيبة وماء طهور "، فقد نبه ﷺ على تعليل الطهورية ببقاء اسم الماء عليه.
النوع السابع: أن يذكر الشارع الحكم لدفع إشكال في محل آخر، ويردفه بوصف، فحينئذ يغلب على الظن أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم.
مثاله: أنه روي عن النبي ﷺ أنه امتنع من الدخول على
стр. 342
قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرَّة، فقال ﷺ : " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات ". فهنا قد قالوا ما قالوا ظناً منهم أن الكلب والهرة في الحكم سواء، فبين لهم ﷺ أن الحكم مختلف؛ حيث إن الهرة طاهرة، وعلة طهارتها: كثرة تطوفها وصعوبة التحرز منها، ولو لم يكن لذكر تطوافها عقيب الحكم أثر في الطهارة لما كان لذكره فائدة.
النوع الثامن: أن يُفرق الشارع بين أمرين في الحكم بأن يذكر صفة ما تشعر بأنها هي علة التفرقة في الحكم ما دام أنه قد خصَّها بالذكر دون غيرها، فلو لم تكن علة لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ كقوله تعالي: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ)، فقد فرق بينهما في أن تعقيد الأيمان هي المؤثرة في المؤاخذه.
النوع التاسع: أن يأتي أمر الشارع أو نهيه في شيء ما، ثم يذكر في أثناء هذا الأمر أو هذا النهي شيئاً أخر لو لم يُقدر كونه علة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له تعلق بالكلام، لا بأوله ولا بآخره مما قد يُعتبر خبطاً واضطراباً في الكلام يتنزه عنه الشارع.
مثاله: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) فإن يُفهم من ذلك: أن علة النهي عن البيع هي: كونه مانعا من السعي إلى الجمعة؛ لأننا لا يمكن أن نقدر النهي عن البيع مطلقاً حيث يقع التناقض
стр. 343
مع قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) ويكون خبطاً في كلام الشارع واضطراباً فيه؛ فلم يبق إلا أن يكون النهي عن البيع في وقت محدد، وهو وقت كونه شاغلاً عن السعي للجمعة.
النوع العاشر: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفاً مناسباً لأن يكون علة لذلك الحكم، كقوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤))، وقولك: " أكرم العلماء وأهن الفساق ". فعلة جعل الأبرار في النعيم هي: البر، وعلة جعل الفجار في الجحيم هي: الفجور، وعلة إكرام العلماء هو: العلم، وعلة إهانة الفساق هي: الفسوق.
وهذا النوع إما أن تكون العلة هي نفس الوصف مثل الأمثلة السابقة.
أو تكون العلة: ما تضمنه الوصف واشتمل عليه، كقوله ﷺ : " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ". فقد نهى الشارع عن القضاء مع الغضب، والعلة ليست هي نفس الوصف - وهو الغضب - ولكن العلة ما تضمنه الوصف وهي: الدهشة المانعة من تركيز الفكر التي تضمنها وصف الغضب، لأنا لما علمنا. أن الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الفكر ولا يشوش عليه لا يمنع من القضاء، وأن الجوع المبرح والألم الشديد ومدافعة الأخبثين يمنع من استيفاء الفكر وتركيزه، علمنا أن علة المنع من القضاء ليست هي الغضب، بل تشويش الفكر.
стр. 344
وبناء على ذلك: فإنه يجوز قياس كل ما يشوش الفكر على الغضب كالجوع، والعطش، والألم، وحصر البول ونحو ذلك؛ حيث إن العلة متعدية.
المسلك الخامس: الوصف المناسب وهو: وصف ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء من حصول مصلحة أو دفع مفسدة.
وقلنا إن الوصف المناسب من مسالك العلة؛ لأن الأحكام مشروعة لمصالح العباد، حيث إن الله تعالى حكيم بإجماع المسلمين، ولا معنى لحكمته إلا أنه لا يأمر بشيء إلا وفيه مصلحة للعباد، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه مفسدة لهم.
فإذا وجدنا مصلحة قد تضمنها الحكم فإنا نُعَلِّل بها لأنه غلب على ظننا أنها هي العلة.
ولكن إذا عورضت هذه المصلحة المناسبة التي علَّلنا بها الحكم بمفسدة مساوية أو راجحة فإنها تبطل؛ لأن العمل بالمصلحة حينئذ لا يُعدُّ من المصلحة عند العقلاء، بل يكون عبثاً يخرجه العقل عن كونها مناسبة إلى كونها غير مناسبة.
المسلك السادس: السبر والتقسيم وهو: حصر الأوصاف التي تحتمل أن يُعلَّل بها حكم الأصل في عدد معين، ثم إبطال
стр. 345
ما لا يصلح بدليل، فيتعين أن يكون الباقي علة.
فمثلاً: يقول المجتهد: إن تحريم الربا في البُر ثبت لعلة، وهذه العلة يحتمل أن تكون: كونه مكيلاً، أو كونه موزوناً، أو كونه مطعوماً، أو كونه مقتاتاً، أو كونه مدخراً، أو كونه مالاً، وعجز عن استنباط علة أخرى فوق هذه العلل الست، فهذا يُسمَّى بالتقسيم، ثم يبدأ بسبر واختبار تلك الأوصاف، وينظر فيها ويسقط ما لم يجده مناسباً، وما لا يصلح لتعليل الحكم به، فإذا أبطلها كلها إلا واحدة كانت هي العلة، فيقول: إن علة تحريم الربا في البر هي: الاقتيات، فيقيس كل شيء مقتات عليه كالأرز والذرة فيحرم الربا فيهما؛ قياساً على البر.
مثال آخر: أن يقول المجتهد في ولاية الإجبار على النكاح: إن هذا الحكم إما أن يعلل بالصغر، أو يعلل بالبكارة، أما تعليل الإجبار على النكاح بالصغر فإنه باطل؛ لأنها لو كانت العلة الصغر لمبثت ولاية الإجبار على الثيب الصغيرة؛ نظراً لوجود نفس العلة فيها، وهذا مخالف لنص قوله ﷺ : " الثيب أحق بنفسها "، وهو عام للثيب الصغيرة والكبيرة، فلم يبق إلا أن يعلل بالثاني وهي: البكارة.
المسلك السابع: تنقيح المناط، وهو: أن ينص الشارع على حكم ويضيفه إلى وصف فيقترن به أوصاف أخرى لا مدخل لها في الإضافة ولا أثر لها في الحكم، فيقوم المجتهد بحذف ما لا يصلح علة ليتسع الحكم.
стр. 346
وهو قريب من مسلك السبر والتقسيم، إلا أن تنقيح المناط خاص في الأوصاف التي دل عليها ظاهر النص، وهي محصورة بواسطة هذا الظاهر، بخلاف السبر والتقسيم فإنه خاص في الأوصاف المستنبطة الصالحة للعلية.
مثال تنقيح المناط: حديث الأعرابي، وهو: أنه قد أتى أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله، قال: " ما لك؟ "، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال: " اعتق رقبة ".
فقد أشار النص إلى أوصاف وهي: " كون المواقع أعرابيا " و " كون الموطوءة زوجته " و " كون الوقاع حصل في رمضان خاص " و " كون الوقاع حصل في رمضان من مكلف " و " كونه أفسد صوماً محترماً "، فحذف المجتهد جميع هذه الصفات بالأدلة إلا وصفاً واحداً وهو: " كونه مكلفاً واقَع في نهار رمضان " فعلل الحكم بهذا الوصف.
وُيفرق بين تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط: بأن تحقيق المناط هو: أن المجتهد قد تحقق من وجود العلة والمناط في الأصل، ولكنه يجتهد من تحقق وجودها في الفرع. فوظيفة المجتهد هنا سهلة؛ حيث إن علة الأصل موجودة في الأصل، ولكنه يتأكد فقط من وجودها في الفرع بنوع اجتهاد.
مثاله: الاجتهاد في القبلة؛ حيث إن استقبال القبلة معلوم بالنص، ولكن لو اختلطت عليه القبلة في صحراء فإنه يجتهد فيها.
стр. 347
كذلك علة طهارة سؤر الهرة معلومة بالنص، حيث قال ﷺ : " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "، ولكن المجتهد يتأكد من وجودها في الفرع كالفأرة ونحوها.
أما تنقيح المناط فهو: ما سبق بيانه، ووظيفة المجتهد هنا أصعب من وظيفته في تحقيق المناط؛ حيث إنه يبذل جهداً في إبراز علة حكم الأصل وتعيينها، ثم يجتهد مرة أخرى في تحققها في الفرع.
أما تخريج المناط فهو: أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه وعلته لا صراحة ولا إيماء، فوظيفة المجتهد هنا أصعب من السابقين؛ حيث إن المجتهد يقوم باستنباط العلل التي يمكن أن يُعلل بها الحكم، ويختبرها، ثم يرجح أحدها، ثم يتحقق من وجودها في الفرع، مثل قولنا: إن علة تحريم الخمر هي الإسكار، فقسنا عليه النبيذ، وقولنا: إن علة تحريم الربا في البر هي: الاقتيات، فقسنا عليه الأرز وهكذا، وهذا هو القياس الخفي الذي اختلف العلماء فيه.
المسلك الثامن: الدوران، وهو: أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، وينعدم عند انعدامه، مثل: دوران حكم العصير مع وجود الإسكار وعدمِ وجوده؛ حيث إن عصير العنب قبل وجود الإسكار كان حلالا، فلما حدث الإسكار حرم، فلما زال الإسكار وصار خلاً صار حلالاً، فهنا بأن لك: أن الحكم - وهو التحريم - قد دار مع الإسكار وجوداً وعدماً، فكما وجد وصف كونه مسكراً وجد الحكم وهو: التحريم، ولما انتفى عنه وصف الإسكار انتفى عنه الحكم، وهو: التحريم، فهذا الدوران دلنا
стр. 348
على أن العلة في تحريم العصير إنما هي السكر، وقلنا ذلك لأن الدوران يفيد العلية في الأمور العادية والمألوفة، فلو أن زيداً قد دخل فرأينا عمراً قد قام فلما خرج زيد جلس عمرو وتكرر ذلك فإنه يغلب على ظننا: أن العلة في قيام عمرو هي: دخول زيد، فإذا كان الأمر كذلك في الأمور العادية فإنه يفيد ظن العلية في غيرها؛ لعدم الفارق.
المسلك التاسع: الوصف الشبهي وهو: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام عنها ممن هو أهله، ولكن ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام.
ولبيان ذلك لا بد من تقسيم الوصف إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الوصف المناسب، وهو: الوصف الذي ظهرت فيه المناسبة - بعد البحث التام - كالإسكار أو القتل العمد العدوان ونحو ذلك، وهذا يُعتبر طريقاً من طرق إثبات العلة كما سبق بيانه.
القسم الثاني: الوصف الطردي، وهو: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة، ولم يؤْلَف من الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام كالطول، والقصر، والسواد، والبياض، كقول القائل في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر كالصوف فكان طاهراً كالخروف، فهذا لا يعتبر ولا يصلح دليلاً على صحة العلة؛ لأن تلك الأوصاف طردية لا مناسبة بينها وبين الحكم الشرعي؛ حيث إن الشارع لم يُعهد عنه أنه التفت إليها، أو علَّل بها، فلا يغلب
стр. 349
على الظن اعتباره علة لثبوت الأحكام فلا يُعتبر.
القسم الثالث: الوصف الشبهي، وهو الذي عرفناه فيما سبق.
وسُمِّي بذلك لأنه أشبه الوصف الطردي من جهة: أن المجتهد لم يقف على مناسبة بين هذا الوصف وبين الحكم رغم البحث والتقصي، فهنا ظن المجتهد أنه غير معتبر كالوصف الطردي.
وأشبه الوصف المناسب من جهة: أن المجتهد قد وقف على اعتبار الشرع له في بعض الأحكام والتفت إليه، فإن هذا يوجب على المجتهد أن يتوقف عن الجزم بانتفاء مناسبته، فاعتبر هذا طريقاً من طرق ثبوت العلة؛ قياساً على الوصف المناسب؛ لأنه يشبهه.
مثاله: الاستدلال على إزالة النجاسة حيث قلنا: طهارة تراد لأجل الصلاة فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، والجامع: كون كل منهما طهارة لأجل الصلاة، أما مناسبتها لتعيين الماء فيها فإنها غير ظاهرة، لكن عهد من الشارع الالتفات إليها في بعض الأحكام كمس المصحف، والطواف وذلك يوهم اشتمالها على المناسبة.
والوصف الشبهي يخالف قياس الأشباه وهو: أن يتردد فرع
стр. 350
بين أصلين ويكون شبهه بأحدهما أكثر فليحق بأكثرهما شبهاً به.
مثاله: " المذي " متردد بين البول والمني، فمن قال: إنه نجس، قال: هو خارج من الفرج ولا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل فهو في ذلك يشبه البول أكثر من مشابهته للمني فيلحق به فيكون نجساً.
ومن قال: إنه طاهر: قال: هو خارج فيه نوع من الشهوة ويخرج أمامها فهو في ذلك يشبه المني.
والخلاصة: أنا نلحق الفرع بالأصل الذي يغلب على ظننا أنه يشبهه أكثر، لذلك سمي بـ " غلبة الأشباه " أو " قياس الشبه ".
* * *
المسألة الخامسة والثلاثون:
يشترط أن تكون العلة مشتملة على حكمة قصدها الشارع .
والمراد بالحكمة: تحصيل مصلحة. أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، مثل: تعليل الترخُّص في قصر الصلاة بالسفر؛ لاشتماله على الحكمة المناسبة للتخفيف، وهي: المشقة، ومثل: جعل الزنا علة لوجوب الحد على الزاني؛ لاشتماله على حكمة مناسبة، وهي: اختلاط الأنساب.
وقلنا ذلك لأن الحكم حينما أثبتناه في الفرع فإنما أثبتناه بواسطة وصف غلب على ظننا أن حكم الأصل قد ثبت من أجله.
стр. 351
المسألة السادسة والثلاثون:
يشترط أن تكون العلة ظاهرة جليَّة كالإسكار علة لتحريم الخمر، والسفر علة لإباحة الفطر، وذلك لأن المقصود من الوصف المعلل به إثبات الحكم في الفرع ولا يمكن هذا إلا إذا كان هذا الوصف جلياً واضحاً في الأصل ويوجد في الفرع كما وجد في الأصل.
أما إذا كان خفياً في الأصل فإنه لا يمكن إثبات الحكم بواسطته في الفرع، فلا يصح التعليل في الملك في البيع بالتراضي بين المتبايعين، لأن الرضى من الأوصاف الخفية التي يتعذر الوقوف عليها بنفسها، لذلك لا بد أن يعلل الملك في البيع بأمر ظاهر يكون مظنة الرضا في البيع وهو: الإيجاب والقبول من الطرفين، أو المعاطاة في الأشياء اليسيرة.
* * *
المسألة السابعة والثلاثون:
يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي ، فيقول المجتهد في الذمي: يصح ظهاره؛ لأنه يصح طلاقه كالمسلم.
وقلنا ذلك لأن العلة هي المعرف للحكم، ولا يستبعد أن يجعل حكماً ما معرفاً لحكم آخر، كأن يقول الشارع: " مهما رأيتم أني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية فاعلموا أني أثبت الحكم الفلاني فيها أيضاً ".
стр. 352
وبناء على ذلك: فإنه يصح ظهار الذمي، وما صحَّ بيعه صحَّ رهنه.
* * *
المسألة الثامنة والثلاثون:
لا يجوز التعليل بالحكمة - وهي: تطلق على ما يترتب على التشريع من جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، فلا يجوز التعليل بالمشقة على إباحة الفطر للمسافر بل يعلل بنفس السفر؛ لأن المشقة حكمة الحكم، وقلنا ذلك لأن حكمة الحكم الغالب فيها الخفاء، وعدم الانضباط، فهي تختلف باختلاف الأحوال، والأفراد، والأزمان.
فالمشقة التي تكون عند فلان قد لا تكون عند الآخر، والمشقة التي تكون في الصيف، قد لا تكون في الشتاء وهكذا، أما السفر فإنه لا يختلف باختلاف الأحوال والأفراد.
* * *
المسألة التاسعة والثلاثون:
يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء ؛ قياساً على التعليل بالوصف الواحد. فكما أن الوصف الواحد يغلب على الظن أنه علة بأحد مسالك إثبات العلة السابقة، فكذلك الوصف المركب من عدة أجزاء يُظن عليته بتلك المسالك والطرق ولا فرق؛ لأن القول بالفرق لا دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتمد عليه.
стр. 353
فيجوز التعليل بالقتل العمد العدوان على وجوب القصاص.
* * *
المسألة الأربعون:
يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين فأكثر مطلقاً ؛ لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، ولا مانع من اجتماع المعرِّفات والأمارات على شيء واحد كما قالوا: إن من لمَس وبال فإنه ينتقض وضوءه بهما.
ولأنه بعد الاستقراء وجد أنه يمكن أن يصدر من شخص واحد في ساعة واحدة سببان يوجبان قتله كالزنا والردة، وتحرم المرأة بسببين: الحيض والإحرام، أو الإحرام والعدة، أو الحيض والعدة، أو تحرم بالثلاثة وهي: الإحرام، والعدة، والحيض، كذلك لو جمع شخص بين لبن أخته ولبن زوجة أخيه ثم سقاه لصبية دون السنتين خمس مرات مشبعات فإن هذه الصبية تحرم على ذلك الشخص بسببين معاً وهما: أنه يعتبر عمها، ويعتبر خالها.
* * *
المسألة الواحدة والأربعون:
يجوز تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة ؛ لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، ولا مانعِ من أن يكون الوصف الواحد معرفاً لحكمين فأكثر، لكونه مناسبا لهما.
стр. 354
فالقذف - مثلاً - علة لوجوب الحد على القاذف، وهو أيضاً علة لعدم قَبول شهادته، والقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص، وعلة أيضاً لحرمان القاتل من الميراث، وغروب الشمس علة لجواز الفطر في رمضان، وعلة أيضاً لوجوب صلاة المغرب، وعلة أيضاً لصحة الحج.
* * *
المسألة الثانية والأربعون:
يشترط في الوصف المستنبَط المعلل به أن لا يرجع على الأصل بإبطاله ؛ لأن العلة لما كانت فرعاً لهذا الحكم من حيث إنها مستنبطة منه، والفرع لا يجوز أن يعود على أصله بالإبطال - أيضاً - باعتبار أن إبطال الأصل إبطال للفرع، فلا يجوز - إذن - أن يكون الوصف المعلل به مبطلاً لحكم أصله أو جزء منه؛ لأن إبطال الشيء نفسه محال.
مثال ذلك: أنه لما ورد قوله ﷺ : " في كل أربعين شاة شاة "، علل بعض الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقراء، ولذلك جوزوا إخراج قيمتها.
وهذا التعليل - وهو: دفع الحاجة - يرفع وجوب الشاة بعينها مع أن الحديث صريح في وجوبها؛ لأن حاجة الفقير تندفع بقيمة الشاة أيضاً، فتعليل هذا بهذه العلة - وهي: دفع الحاجة - نقل وجوب الشاة بعينها إلى تخيير المزكي بين إخراج شاة بعينها وبين قيمتها، وهذا التعليل قد عاد على أصله بالإبطال، وهو لا يجوز.
стр. 355
المسألة الثالثة والأربعون:
لا يجوز التعليل بالاسم المجرد ، مثل: تعليل تحريم الخمر: بكون العرب سمَّته خمراً، وتعليل تحريم الربا في الذهب: بكونه ذهباً، لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، والاسم ليس وصفاً، ولا فيه معنى الوصف، فانتفت عنه حقيقة العلة، ومجرد الاسم لا أثر له.
* * *
المسألة الرابعة والأربعون:
يجوز التعليل بالوصف العُرفي - وهو: الوصف الذي لا يختلف باختلاف الأزمان، كالشرف، والخسة، والدناءة، والكمال، والنقصان.
وقلنا ذلك: لأن المناسبة التي هي الشرط الأساسي في التعليل موجودة في تلك الأوصاف العرفية، فمثلاً: الشرف يناسب التكريم، وتحريم الإهانة، ووجوب المحافظة، والخسة تناسب إباحة الإهانة.
ولكن لا يجوز التعليل بتلك الأوصاف إلا بشرطين هما:
الشرط الأول: أن يكون الوصف العرفي مطَّرداً، أي: لا يختلف باختلاف الأوقات والأزمان؛ لأن العرف لو لم يكن مطَرداً لجاز أن يكون ذلك العُرف حاصلاً في عصر دون العصر الآخر، وهذا يجعله غير صالح للتعليل به.
الشرط الثاني: أن يكون الوصف العرفي متميزاً عن غيره؛
следующие страницы →