Полный текст (350 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عليك منا سلام كلما صدحت ... على غصون أراك المدح ورقاها
وقال وكتب إلى والده وهو بالهراة سنة تسع وسبعين وتسعمائة
يا ساكني أرض الهراة أما كفى ... هذا العراق بلى وحق المصطفى
عودوا علي فربع صبري قد عفى ... والجفن من بعد التباعد ما غفا
وخيالكم في بالي ... والقلب في بلبال
إن أقبلت من نحوكم ريح الصبا ... قلنا لها أهلاً وسهلاً مرحباً
وإليكم قلب المتيم قد صبا ... وفواقكم للروح منه قد سبا
والقلب ليس بخالي ... من حب ذات الحال
يا حبذا ربع الحمى من مربع ... فغزاله شب الفضا في أضلعي
لم أنسه يوم الفراق مودعي ... بمدامع تجري وقلب موجع
والصب ليس بسال ... عن ثغره السلسال
وله
إن هذا الموت يكرهه ... كل من يمشي على الغبرا
وبعين العقل لو نظروا ... لراوه الراحة الكبرى
وله
ومايسة الأعطاف تستر وجهها ... بمعصمها لله كم هتكت سترا
أرادت لتخفي فتنة من جمالها ... بمعصمها فاستأنفت فتنة أخرى
وله
وثقت بعفو الله عني في غد ... وإن كنت أدري أنني المذنب العاصي
وأخلصت حبي في النبي وآله ... كفى في خلاصي يوم حشري اخلاصي
ومن نظمه الذي سماه رياض الأرواح
ألا يا خائضاً يجر الأماني ... هداك الله ما هذا التواني
أضعت العمر عصياناً وجهلاً ... فمهلاً أيها المغرور مهلا
مضى عمر الشباب وأنت غافل ... وفي ثوب العمى والغيّ رافل
إلى كم بالبهائم أنت هائم ... وفي وقت الغنائم أنت نائم
وطرفك لا يرى إلا طموحاً ... ونفسك لم تزل أبداً جموحا
وقلبك لا يفيق عن المعاصي ... فويلك يوم يؤخذ بالنواصي
بلال الشيب نادى في المفارق ... بحى على الذهاب وأنت غارق
ببحر الاثم لا تصغي لواعظ ... وإن أطرى وأطنب في المواعظ
وقلبك هائم في كل واد ... وجهلك كل يوم في ازدياد
على تحصيل دنياك الدنيه ... مجداً في الصباح وفي العشيه
وجهد المرء في الدنيا شديد ... وليس ينال منها ما يريد
وكيف ينال في الأخرى مرامه ... ولم يجهد لمطلبها فلامه
اشارة إلى حال من صرف العمر في جمع الكتب وادخارها
على كتب العلوم صرفت مالك ... وفي تصحيحها أتعبت بالك
وأنفقت البياض مع السواد ... إلى ما ليس ينفع في المعاد
تظل من المساء إلى الصباح ... تطالعها وقلبك غير صاح
وتصبح مولعاً من غير طائل ... بتحرير المقاصد والدلائل
وتوضيح الخفا في كل باب ... وتوجيه السؤال مع الجواب
لعمري قد أضلتك الهداية ... ضلالاً ماله أبداً نهاية
وبالمحصول حاصلك الندامة ... وحرمان إلى يوم القيامة
وتذكره المواقف والمراصد ... تسد عليك أبواب المقاصد
فلا تنجى النجاة من الضلالة ... ولا يشفى الشفاء من الجهالة
وبالارشاد لم يحصل رشاد ... وبالتبيان ما بان السداد
وبالايضاح أشكلت المدارك ... وبالتوضيح ما اتضح المسالك
وبالتلويح ما لاح الدليل ... وبالتوضيح ما اتضح السبيل
صرفت خلاصة العمر العزيز ... على تنقيح أبحاث الوجيز
بهذا النحو صرف العمر جهل ... فقم واجهد فما في الوقت مهل
ودع عنك الشروح مع الحواشي ... فهن على البصائر كالغواشي
اشارة إلى نبذة من حال من تصدى للتدريس في زماننا هذا
مرادك أن ترى في كل يوم ... وبين يديك قوم أي قوم
стр. 177
كلاب عاديات بل ذئاب ... ولكن فوق أظهرهم ثياب
إذا ما قلت اصغوا للمقال ... وإن حدثت بالأمر المحال
فليس لهم جميعاً من بضاعه ... سوى سمعاً لمولانا وطاعه
وإن شمرت عن ساق الافادة ... جلست لهم على عالي الرفاده
فأسست السؤال لمن تكلم ... ودلست الجواب لكي يسلم
وقررت المسائل والمطالب ... ولست بذا لوجه الله طالب
وسقت لهم كلاماً في كلام ... وقلبك من ظلام في ظلام
وإن ناظرت ذا نظر دقيق ... وفكر في مطالبه عميق
عدلت به عن النهج القويم ... وزغت عن الصراط المستقيم
تكابره على الحق الصريح ... فإن ناجاك في نقل الصحيح
طفقت تروغ عن نهج السبيل ... وتقدح في الكلام بلا دليل
وأولت المراد من العبارة ... بتأويل كثلج في خيارة
وعبت أئمة قالوا بذاك ... وفي تجهيلهم فغرت فاكا
وأزعجت العظام الدارسات ... وبعثرت القبور الطامسات
لئن لم ترتدع عن ذي الظلامة ... فبئس الحال حالك في القيامة
ومن نظمه الذي سماه سوانح سفر الحجاز
يا نديمي ضاع عمري وانقضى ... قم لاستدراك وقت قد مضى
واغسل الأدناس عني بالمدام ... واملأ الأقداح منها يا غلام
واسقني كاساً فقد لاح الصباح ... والثريا غربت والديك صاح
زوج الصبا بالماء الزلال ... واجعلن عقلي لها مهراً حلال
هاتها من غير مهل يا نديم ... خمرة يحيى بها العظم الرميم
بنت كرم تجعلن الشيخ شاب ... من يذق منها عن الكونين غاب
خمرة من نار موسى نورها ... دنها قلبي وصدري طورها
قم فلا تمهل فما في العمر مهل ... لا تصعب شربها فالأمر سهل
قل لشيخ قلبه منها نفور ... لا تخف فالله تواب غفور
يا مغني إن عندي كل غم ... قم فألق الناي فيما بالنغم
غنّ لي دوراً فقد دار القدح ... والصبا قد صاح والقمري صدح
واذكرن عندي أحاديث الحبيب ... إن عيشي بسواها لا يطيب
واحذرن عندي أحاديث الفراق ... إن ذكر البعد مما لا يطاق
روحن روحي بأشعار العرب ... كي يتم الأنس فينا والطرب
وافتتح منها بنظم مستطاب ... قلته في بعض أيام الشباب
قد صرفنا العمر في قيل وقال ... يا نديمي قم فقد ضاق المجال
ثم أطربني بأشعار العجم ... واطردن همّاً على قلبي هجم
قم وخاطبني بكل الألسنة ... على قلبي ينتبه من ذي السنة
إنه في غفلة عن حاله ... خابط في قيله مع قاله
كل آن وهو في قيد جديد ... قائلاً من جهله هل من مزيد
تائه في الغي قد ضل الطريق ... قط من سكر الهوى لا يستفيق
عاكف دهراً على أصنامه ... تهزاء الكفار من اسلامه
كم أنادي وهو لا يصغي التناد ... يا فؤادي يا فؤادي يا فؤاد
يا بهائي اتخذ قلباً سواه ... فهو يا معبوده إلا هواه
ومنه أيضاً
قد صرفنا العمر في قيل وقال ... يا نديمي قم فقد ضاق المجال
واسقني تلك المدام السلسبيل ... إنها تهدي إلى خير السبيل
واخلع النعلين يا هذا النديم ... إنها نار أضاءت للكليم
هاتها صهباء من خمر الجنان ... دع كؤوساً واسقنيها بالدنان
ضاق وقت العمر عن آلاتها ... هاتها من غير عصر هاتها
قم أزل عني بها رسم الهموم ... إن عمري ضاق في علم الرسوم
أيها القوم الذي في المدرسة ... كلما حصلتموه وسوسة
стр. 178
فكركم إن كان في غير الحبيب ... ما لكم في النشاة الأخرى نصيب
فاغسلوا بالراح عن لوح الفؤاد ... كل همٍ ليس ينحى في المعاد
ومنه أيضاً
كان في الأكراد شخص ذو سداد ... أمه ذات اشتهار بالفساد
لم تخيب من نوال راغباً ... لم تمانع عن وصال طالبا
دارها مفتوحة للداخلين ... رجلها مرفوعة للفاعلين
هي مفعول بها في كل حال ... فعلها تمييز أفعال الرجال
كان ظرفاً مستقراً وكرها ... جاء زيد قام عمرو ذكرها
جاءها بعض الليالي ذوامل ... فاعتراها الابن في ذاك العمل
شق بالسكين فوراً صدرها ... في محاق الموت أخفى بدرها
مكن الغيلان من أحشائها ... خلص الجيران من فحشائها
قال بعض القوم من أهل المرام ... لم قتلت الأم يا هذا الغلام
قال قتل المرء أولى يا فتى ... إن قتل الأم شيء ما أتى
قال يا قوم اتركوا هذا العتاب ... إن قتل الأم أولى بالصواب
كنت لو أبقيتها فيما تريد ... كل يوم قاتلاً شخصاً جديد
إنها لو لم تذق حد الحسام ... كان شغلي دائماً قتل الأنام
أيها الماسور في قيد الذنوب ... أيها المحروم من سر الغيوب
أنت في أسر الكلاب العاوية ... من قوى النفس الكفور الجانية
كل صبح مع مساء لا تزال ... مع دواعي النفس في قيل وقال
كل داع حية ذات التقام ... فل مع الحيات كم هذا المقام
إن تكن من لسع ذي تبغى الخلاص ... أو ترد من عض هاتيك المناص
فاقتل النفس الكفور الجانية ... قتل كرديّ لأم زانية
أيها الساقي أدر كاس المدام ... واجعلن في دورها عيش المدام
خلص الأرواح من قيد الهموم ... أطلق الأشباح من أسر الغموم
فالبهائي الحزين الممتحن ... من دواعي النفس في أسر المحن
وله
لا يغرنك من المرء رداء رقعه ... وقميص فوق ساق الكعب منه رفعه
وجبين لاح فيه أثر قد قلعه ... أره الدرهم تعرف غيه أو ورعه
وله وكتب به إلى والده من قزوين وهو بالهراة
بقزوين جسمي وروحي ثوت ... بأرض الهراة وسكانها
فهذا تغرب عن أهله ... وتلك أقامت بأوطانها
ومن دو بيتاته
يا بدر دجى خياله في بالي ... مذ فارقني وزاد في بلبالي
أيام نواك لا تسل كيف مضت ... والله مضت بأسوء الأحوال
وقوله
يا عاذل كم تطيل في عتابي ... دع لومك وانصرف كفاني ما بي
لا اللوم إذا همت من الشوق على ... قلب ما ذاق فرقة الأحباب
وقوله
كم بت من المسا إلى الاشراق ... في فرقتكم ومطر بي أشواقي
والهمّ منادمي ونقلي سهري ... والدمع مدامتي وجفني الساقي
وقوله
يا قوم إلى مكة هذي أنا ضيف ... ذي زمزم ذي منى وهذاك الخيف
كم أعرك عيني لاستيقن هل ... في اليقظة ما أراه أم هذا طيف
وقوله
أهوى قمراً أسلمني للبلوى ... ما عنه لقلبي المعنى شكوى
كم جئت لأشتكي فمذ أبصرني ... من لذة قربه نسيت الشكوى
وقوله
يا بدر دجى بوصله أحياني ... إذ زار وكم بهجره أفناني
بالله عليك عجلن سفك دمي ... لا طاقة لي بليلة الهجران
وقوله
لما نظر الجسم نحيفاً نهكاً ... من فرقته رق لضعفي وبكي
وارتاح وقال لي أما قلت لكا ... ما يمكنك الفراق ما يمكنكا
وقوله
يا بدر دجى فراقه الجسم أذاب ... قد ودعني فغاب صبري إذ غاب
تالله عليك أي شيءٌ قالت ... عيناك لقلبي المعنى فأجاب
والثاني من قول الأول
стр. 179
بالذي الهم تعذيبي ثناياك العذابا ... ما الذي قالته عيناك لقلبي فأجابا
وله ﵀ وقد رأى النبي ﵌ في منامه
وليلة كان بها طالعي ... في ذروه السعد وأوج الكمال
فصر طيب الوصل من عمرها ... فلم تكن إلا كحل العقال
واتصل الفجر بها بالعشا ... وهكذا عمر ليالي الوصال
إذ أخذت عيني في نومها ... وانتبه الطالع بعد الوبال
فزرته في الليل مستعطفاً ... أفديه بالنفس وأهلي ومال
وأشتكي ما أنا فيه من البلوى ... وما ألقاه من سوء حال
فأظهر العطف علي عبده ... بمنطق يزري بنظم اللآل
فيا لها من ليلة نلت في ... ظلامها ما لم يكن في خيال
أمست خفيفات المطايا الرجا ... بها وأضحت بالعطايا ثقال
سقيت في ظلمائها خمرة ... صافية صرفاً طهوراً حلال
وابتهج القلب بأهل الحمى ... وقرت العين بذاك الجمال
ونلت ما نلت على أنني ... ما كنت أستوجب ذاك النوال
ومن غريب ما حكاه في بعض كتبه أن سلطان زماننا خلد الله ملكه. وأجرى في بحار التأييد فلكه. عرض له يوماً وهو في مصيده خنزير عظيم الجثة طويل السن الخارج فضربه بالسيف ضربة نصفه بها نصفين ثم أمر بقلع سنه والاتيان بها إليه فوجد مكتوباً عليها لفظة الجلالة بخط بين مثبت نات منها فحصل له ولنا ولمن حضر المصيدة من العسكر المنصور نهاية العجب فإن ذلك من أغرب الغرائب ولما رأينها أدام الله نصره وتأييده وقال لي كيف يجتمع هذا مع نجاسة الخنزير فقلت له إن السيد المرتضى قابل بطهارة ما لا تحله الحياة من نجس العين ووجود هذا الخط على هذي السن ربما يؤيد كلامه طاب ثراه فإن السن مما لا تجله الحياة والله أعلم
السيد نور الدين علي
ابن أبي الحسن الحسيني الشامي العاملي
طود العلم المنيف. وعضد الدين الحنيف. ومالك أزمة التأليف والتصنيف. الباهر بالرواية والدراية. والرافع لخميس المكارم أعظم رايه. فضل يعثر في مداه مقتفيه. ومحل يتمنى البدر لو أشرق فيه. وكرم يخجل المزن الهاطل. وشيم يتحلى بها جيد الزمن العاطل. وصيت من حسن السمعة بين السحر والنحر
فسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر
حتى كان رائد المجد لم ينتجع سوى جنابه. وبر يد الفضل لم يقعقع سوى حلقة بابه. وكان له في مبدأ أمره بالشام. مجال لا يكذبه بارق العز إذا شام. بين اعزاز وتمكين. ومكان في جانب صاحبها مكين. ثم انثنى عاطفاً عنانه وثانيه. فقطن بمكة شرفها الله تعالى وهو كعبتها الثانية. تستلم أركانه كما تستلم أركان البيت العتيق. وتستسنم أخلافه كما يستسنم المسك العبيق. يعتقد الحجيج قصده من غفران الخطايا. وينشد بحضرته تمام الحج أن تقف المطايا. وقد رأيته بها وقد أناف على التسعين. والناس تستعين به ولا يستعين. والنور يسطع من أسارير جبهته. والعز يرتع في ميادين جدهته ولم يزل بها إلى أن دعى فأجاب وكأنه الغمام أمرع البلاد فانجاب. وكانت وفاته لثلاث عشرة بقين من ذي الحجة الحرام سنة ثمان وستين وألف رحمه الله تعالى. وله شعر يدل على علو محله. وابلاغه هدى القول إلى محله. فمنه قوله متغزلاً.
يا من مضوا بفؤادي عندما رحلوا ... من بعد ما في سويد القلب قد نزلوا
جاروا على مهجتي ظلماً بلا سبب ... فليت شعري إلى من في الهوى عذلوا
واطلقوا عبرتي من بعد بعدهم ... والعين أجفانها بالسهد قد كحلوا
يا من تعذب من تسويفهم كبدي ... ما آن يوماً لقطع الحبل أن تصلوا
جادوا على غيرنا بالوصل متصلاً ... وفي الزمان علينا مرة بخلوا
كيف السبيل إلى من في هواه مضى ... عمري وما صدني عن ذكره شغل
واحيرتي ضاع ما أوليت من زمن ... إذ خاب في وصل من أهواهم الأمل
стр. 180
في أيّ شرع دماء العاشقين غدت ... هدرى وليس لهم ثار إذا قتلوا
يا للرجال من البيض الرشاق أما ... كفاهم ما بالذي بالناس قد فعلوا
من منصفي من غزال ماله شغل ... عني ولا عافني عن حبه عمل
نصبت أشراك صيدي في مراتعه ... الصيد فنى ولي في طرفه حيل
فصاح بي صائح خفض عليك فقد ... صادوا الغزال الذي تبغيه يا رجل
فصرت كالواله الساهي وفارقني ... عقلي وضاقت على الأرض والسبل
وقلت بالله قل لي أين سار به ... من صاده علهم في السير ما عجلوا
فقال لي كيف تلقاهم وقد رحلوا ... من وقتهم واستجدت سيرها الابل
وقوله مادحاً بعض الأمراء وهي من غرر كلامه
لك الفخر بالعليا لك السعد راتب ... لك العز والاقبال والنصر غالب
لك المجد والاجلال والجود والعطا ... لك الفضل والنعما لك الشكر واجب
سموت على هام المجرة رفعة ... ودارت على قطبي علاك الكواكب
فيا رتبة لو شئت أن تبلغ السهى ... بها أقبلت طوعاً إليك المطالب
بلغت العلا والمجد طفلاً ويافعاً ... ولا عجب فالشبل في المهد كاسب
سموت على قب السراحين صائلاً ... فكلت بكفيك القنا والقواضب
وحزت رهان السبق في حلية العلا ... فأنت لها دون البرية صاحب
وجلت بحومات الوغي جول باسل ... فردت على أعقابهن الكتائب
فلا الذارعات المعتمات تكنها ... ملابسها لما تحن المضارب
ولا كثرة الأعدا تغنى جموعها ... إذا لمعت منك النجوم الثواقب
خض الحتف لا تخش الردى واقهر العدى ... فليس سوى الاقدام في الراي صائب
وشمر ذيول الحزم عن ساق عزمها ... فما ازدحمت إلا عليك المراتب
إذا صدقت للناظرين دلائل ... فدع عنك ما تبدي الظنون الكواذب
يبيض المواضي بدرك المرء شأوه ... وبالسمران ضاقت تهون المصاعب
لأسلافك الغر الكرام قواعد ... على مثلها تبني العلى والمناصب
زكوت وحزت المجد فرعاً ومحتداً ... فاباؤك الصيد الكرام الأطايب
ومن يزك أصلاً فالمعالي سمت به ... ذرى المجد وانقادت إليه الرغائب
بنو عمكم لما أضاءت مشارق ... بكم أشرقت منهم علينا مغارب
وفيكم لنا بدر من الغرب طالع ... فلا غرو إن كانت لديه العجائب
هو الفخر مد الله في الأرض ظله ... ولا زال تجلى من سناه الغياهب
إلى حلب الشهباء منى بشارة ... تعطرها حتى تفوح الجوانب
إذا ما مضى من بعد عشر ثلاثة ... من الدور فيها تستتم المآرب
لقد حدثت عنها أولوا العلم مثلما ... جرى وانقضت تلك السنون الجوادب
بدا سعدها لما علىّ بدابها ... ويا طالما قد أنحست وهو غارب
وفوز عليّ بالعلى فوزها به ... فكل إلى كل مضاف مناسب
كأني بسيف الدولة الآن وراداً ... إليها يلاقي ما جنته الثعالب
لقد جاءها صوب الحيا بعد محلها ... وشرفها من أحكمته التجارب
كريم إذا ما أمحل الغيث أمطرت ... أياديه جوداً منه تصفو المشارب
أديب أريب لو تجسم لفظه ... أصابته عقداً حور للكواعب
فيا أيها المنصور بشراك رتبة ... بها السعد حقاً والسرور مواظب
مدحتكم والمدح فيكم تجارة ... بها تثمر النعا وتغلو المكاسب
إلى باب علياكم شددت رواحلي ... ويا طالما شدت إليها الركائب
стр. 181
بها الفضل منشور بها الجود وافر ... بها فتح من سدت عليه المذاهب
وماذا عسى أن يبلغ الوصف فيكم ... إلى غاية هل ينقص البحر شارب
فلا زلتم في أكمل السعد والهنا ... مدى الدهر ما مالت وماست ذوائب
الشيخ حسن زين الدين الشهيد
الشامي العاملي
شيخ المشايخ الجله. ورئيس المذهب والمله. الواضح الطريق والسنن. الموضح الفروض والسنن. يم العلم الذي يفيد ويفيض. وجم الفضل الذي لا ينضب ولا يغيض. المحقق الذي لا يراع له يراع. والمدقق الذي راق فضله وراع. المتفنن في جميع الفنون. والمفتخر به الآباء والبنون. قام مقام والده في تمهيد قواعد الشرائع. وشرح الصدور بتصنيفه الرائق وتأليفه الرائع. فنشر للفضائل حللاً مطرزة الأكمام. وماط عن مباسم أزهار العلوم لثام الأكمام. وشنف المسامع بفرائد الفرائد. وعاد على الطلاب بالصلات والعوائد. وأما الأدب فهو روضة الأريض. ومالك زمام السجع منه والقريض. والناظم لقلائده وعقوده. والمميز عروضه من نقوده. وسأثبت منه ما يزدهيك احسانه وتطيعك خرائده وحسانه. وأخبرني من أثق به أن والده السعيد. لما ناداه الأجل فألقى السمع وهو شهيد. كان للشيخ المذكور من العمر اثنتا عشرة سنة وذلك في سنة خمس وستين وتسعمائة وتوفى رحمه الله تعالى سنة إحدى عشرة وألف. ومن مصنفاته كتاب مشفى الجمان. في الأحاديث الصحاح والحسان. وكتاب المعالم والاثنى عشريه ومنسك الحج وغير ذلك ومن شعره قوله
طول اغترابي بفرط الشوق أضناني ... والبين في غمرات الوجد القاني
يا بارقاً من نواحي الحي عارضني ... إليك عني فقد هيجت أشجاني
فما رأيتك في الآفاق معترضاً ... إلا وذكرتني أهلي وأوطاني
ولا سمعت شجا الورقاء نائحة ... في الايك إلا وشبّت منه نيراني
كم ليلة من ليالي البين بت بها ... أرعى النجوم بطرفي وهي ترعاني
كان أيدي خطوب الدهر منذ ناؤا ... عن ناظري كحلت بالسهد أجفاني
ويا نسيماً سرى من حيهم سحراً ... في طيه نشر ذاك الرند والبان
أحييت ميتاً بأرض الشام مهجته ... وفي العراق له تخييل جثماني
وكم حييت وكم قدمت من شجن ... ما ذاك أول أحياء ولا الثاني
شابت نواصي من وجدي فوا أسفي ... على الشباب فشيبني قبل ابّاني
يا لائمي وبهذا اللوم تزعجني ... دعني فلومك قد والله أغراني
لا يسكن الوجد ما دام الشتات ولا ... تصفو المشارب لي إلا بلبنان
في ربع انسي الذي حل الشتات به ... تمائمي وبه صحبي وخلاني
كم قد عهدت بهاتيك المعاهد من ... اخوان صدق لعمري أي اخوان
وكم تقضت لنا بالحي آونة ... على المسرة في كرم وبستان
لم أدر حال النوى حتى علقت به ... فغمرتي من وقوعي قبل عرفاني
حتى م دهري على ذا الهون تمسكني ... هلا جنحت لتسريح بإحسان
أقسمت لولا رجاء القرب يسعفني ... فكلما مت بالأشواق أحياني
لكدت أقضي بها نحبي ولا عجب ... كم أهلك الوجد من شيب وشباني
يا جيرة الحي قلبي بعد بعدكم ... في حيرة بن أوصاب وأحزان
يمضي الزمان عليه وهو ملتزم ... بحبكم لم يدنسه بسلوان
باق على العهد راع للذمام فما ... يسوم عهدكم يوماً بنسيان
فإن براني سقامي أو نأى رشدي ... فلاعج الشوق أوهاني وألهاني
وإن بكت مقلتي بعد الفراق دماً ... فمن تذكركم يا خير جيراني
وقوله وهو من محاسن شعره
فؤادي ظاعن اثر النياق ... وجسمي قاطن أرض العراق
ون عجب الزمان حياة شخص ... ترحل بعضه والبعض باق
وحلّ السقم في بدني فأمسى ... له ليل النوى ليل المحاق
стр. 182
وصبري راحل عما قليل ... لشدة لوعتي ولظى اشتياق
وفرط الوجد أصبح بي خليعاً ... ولما ينو في الدنيا فراقي
وتعبث ناره في الروح حيناً ... فيوشك أن تبلغها التراقي
وأظماني النوى وأراق دمعي ... فلا أروى ولا دمعي يراق
وقيدني على حال شديد ... فما حرز الرقى منه بواق
أبى الله المهيمن أن تراني ... عيون الخلق محلول الوثاق
أبيت مدى الزمان لنار وجدي ... على جمر يزيد به احتراقي
وما عيش لمرء في بحر غمّ ... يضاهي كربه كرب السياق
يود من الزمان صفاء يوم ... يلوذ بظله مما يلاقي
سقتني نائبات الدهر كأساً ... مريراً من أباريق الفراق
ولم يخطر ببالي قبل هذا ... لفرط الجهل إن الدهر ساقي
وفاض الكاس بعد البين حتى ... لعمري قد جرت منه سواقي
فليس لداء ما ألقى دواء ... يؤمك نفعه إلا التلاقي
وقوله
أبهضني حمل النصب ... ونالني فرط التعب
إذ مرّ حالات النوى ... عليّ دهري قد كتب
لا تعجبوا من سقمي ... إن حياتي لعجب
عاندني الدهر فما ... يود لي إلا العطب
وما بقاء المرء في ... بحر هموم وكرب
لله أشكو زمناً ... في طرفي الخير نصب
فلست أغدو طالباً ... إلا ويعييني الطلب
لو كنت أدري علة ... توجب هذا أو سبب
كأنه يحسبني ... في سلك أصحاب الأدب
أخطأت يا دهر فلا ... بلغت في الدنيا أرب
كم تالف العذر ولا ... تخاف سوء المنقلب
غادرتني مطرحاً ... بين الرزايا والنوب
من بعد ما ألبستني ... ثوب عناء ووصب
في غربة صماء إن ... دعوت فيها لم أُجب
وحاكم الوجد على ... جميل صبري قد غلب
ومؤلم الشوق له ... قلبي المعنى قد وجب
ففي فؤادي حرقة ... منها الحشا قد التهب
وكل أحبابي قد ... أودعتهم وسط الترب
فلا يلمني لائم ... إن سال دمعي وانسكب
واليوم نائي أجلي ... من لوعتي قد اقترب
إذ بان عني وطني ... وعيل صبري وانسلب
ولم يدع لي الدهر من ... راحلتي سوى القتب
لم ترض يا دهري بما ... صرفك عني قد نهب
لم يبق عندي فضة ... انفقها ولا ذهب
واسترجع الصفو الذي ... من قبل كان قد ذهب
تبت يداك مثل ما ... تبت يدي أبي لهب
سبط الشيخ زين بن الشيخ محمد
بن الشيخ حسن بن زين الدين الشامي العاملي
زين الأئمة. وفاضل الأمة. وملث غمام الفضل وكاشف الغمة. شرح الله صدره للعلوم شرحاً. وبنى له من رفيع الذكر في الدارين صرحاً. إلى زهد أسس بنيانه على التقوى وصلاح أهل به ربعه فما أقوى. وآداب تحمر خدود الورد من أنفاسها خجلاً. وشيم أوضح بها غوامض مكارم الأخلاق وجلا. رأيته بمكة شرفها الله تعالى والفلاح يشرق محياه. وطيب الأعراق يفوح من نشر رياه. وما طالت مجاورته بها حتى وافاه الأجل. وانتقل من جوار حرم الله إلى جوار الله . فتوفي سنة اثنين وستين وألف رحمه الله تعالى وله شعر خلب به العقول وسحر وحسدت رقته أنفاس نسيم السحر فمنه ما كتب إلى الوالد من مكة المشرفة مادحاً له وذلك عام إحدى وستين وألف
شام برقاً لاح بالأبرق وهنا ... فصبا شوقاً إلى الجزع وحنا
وجرى ذكر أثيلات النقا ... فشكى من لاعج الوجد وانا
دنف قد عاقه صرف الدرى ... وخطوب الدهر عما يتمني
شفه الشوق إلى بان اللوى ... فغدا منهمل الدمع معنى
стр. 183
أسلمته للردى أيدي الأسا ... عندما أحسن بالأيام ظنا
طال ما أمّل المام الكرى ... طمعاً في زورة الطيف وانّا
كلما جن الدجى حن إلى ... زمن الوصل فأبدى ما أجنا
وإذا هب نسيم من ربا ... حاجر أهدى له سقماً وحزنا
يا عريباً بالحمى لولاكم ... ما صبي قلبي إلي ريع ومغنى
كان لي صبر فأوهاه النوى ... بعدكم يا جيرة الحي وأفنى
قاتل الله النوى كم قرحت ... كبداً من ألم الشوق وجفنا
كدرت مورد لذاتي وما ... تركت لي من جميل الصبر ركنا
قطعت أفلاذ قلبي والحشا ... وكستني من جليل السقم وهنا
فإلى كم أشتكي جور النوى ... وأقاسي من هوى ليلي ولبني
قد صمى قلبي من سكر الهوى ... بعما أزعجه السكر وعنى
ونهاني عن هوى الغيد النهى ... وحباني الشيب إحساناً وحسنا
وتفرغت إلى مدح فتى ... سنّة المعروف والافضال سنا
يجد الربح سوى نيل العلى ... من مواىء المجد خسراناً وغبنا
سيد السادات والمولى الذي ... أم إنعاماً وافضالاً ومنا
لم يزل في كل حين بابه ... مأمنا من نوب الدهر وحصنا
غمرت سحب أياديه الورى ... نعماً فهو للفظ الجود معنى
نسخ الغامر من أفضاله ... حاتماً والفضل ذا الفضل ومعنا
ورث السودد عن آبائه ... مثل ما قد ورثوا بطناً فبطنا
حل من أوج العلى مرتبة ... صار منها النسر والعيوق أدنى
تهزء الأقلام في راحته ... برماح الحظ لما تتثنى
جادنا من راحتيه سحب ... تمطر العسجد لاماء ومزنا
يا عماد المجد يا من لم تزل ... من معاليه ثمار الفضل تجنى
عضني الدهر بأنياب الأسى ... تركتني في يد الأسواء رهنا
هائماً في لجة الفكر ولي ... جسدٌ أنحله الشوق وأضنى
كلما لاح لعيني بارق ... من نواحي الشام أضناني وعنا
تتلظى كبدي شوقاً إلى ... صبية خلفت بالشام وافنى
ركبت آمالنا شوقاً إلى ... ورد انعامك والافضال سقنا
بعد ما انحلت العيس السرى ... وأبادت في فيافي البيد بدنا
وبأكنافك يا كهف الورى ... من تصاريف صروف الدهر لذنا
وتهنى مجدك العالي بما ... حازه بل كلما حاز تهنى
وابق يا مولى الموالي بالغاً ... من مقامات العلى ما تتمنى
وقوله أيضاً
سئمت لفرط تنقلي البيداء ... وشكت لعظم ترحلي الانضاء
ما أن أرى في الدهر غير مودع ... خلاًّ وتوديع الخليل عناء
أبلى النوى جلدي وأوقد في الحشا ... نيران وجد مالها اطفاء
فقدت لطول البين عيني ماءها ... فبكاؤها بدل الدموع دماء
فارقت أوطاني وأهل مودتي ... وحبائباً غيداً لهن وفاء
من كل مايسة القوام إذا بدت ... لجمال بهجتها تفار ذكاء
ما أسفرت والليل مرخ ستره ... ألا تهتك دونها الظلماء
ترمى القلوب بأسهم تصمى وما ... لجراحهن سوى الوصال دواء
شمس يغار لها الشموس مضيئة ... ولها قلوب العاشقين سماء
هيفاء تختلس العقول إذا رنت ... فكأنما لحظاتها الصهباء
ومعاشر ما شان صدق ولائهم ... نقض العهود ولا الوداد مراء
ما كنت أحسب قبل يوم فراقهم ... أن سوف يقضي بعد ذاك بقاء
فسقى ثرى وادي دمشق وجادها ... من هاطل المزن الملث حياء
стр. 184
فيها أهيل مودتي وبتربها ... لجليل وجدي والسقام شفاء
ورعى ليالينا التي في ظلها ... سلفت ومقلة دهرنا عمياء
أترى الزمان يجود لي بإيابها ... ويتاج لي بعد البعاد لقاء
فإلى متى يا دهر تصدع بالنوى ... أعشار قلب ما لهن قواء
وتسومني فيك المقام بذلة ... ولهمتي عما تسوم اباء
فأجابني لولا التغرب ما ارتقى ... رتب المكارم قبلك الآباء
فاصبر على مر الخطوب فإنما ... من دون كل مسرة ضراء
واترك تذكرك الشأم فإنما ... دون الشام وأهلها بيداء
الشيخ نجيب الدين علي
بن محمد بن مكي الشامي العاملي
نجيب أعرق فضله وأنجب. وكماله في العلم معجب. وأدبه أعجب. سقى روض آدابه صيب البيان. فجنت منه أزهار الكلام أسماع الأعيان. فهو للاحسان داع ومجيب. وليس ذلك بعجيب من نجيب. وله مؤلفات أبان فيها عن طول باعه. واقتفائه لآثار الفضل واتباعه. وكان قد ساح في الأرض. وطوى منها الطول والعرض. فدخل الحجاز واليمن والهند والعجم والعراق. ونظم في ذلك رحلة أودعها من بديع نظمه ما رق وراق. وقد حذا فيها حذو الصادح والباغم. ورد حاسد فضله بحسن بيانها وهو راغم. وقفت عليها فرأيت الحسن عليها موقوفاً. واجتليت محاسن ألفاظها ومعانيها أنواعاً وصنوفاً. واصطفيت منها لهذا الكتاب. ما هو أرق من لطيف العتاب. فمنه قوله
علة شيبي قبل إبانه ... هجر حبيبي في المقال الصحيح
ويجعل العلة في هجره ... شيبي وفي ذلك دور صريح
وأنشد بعضهم في المعنى
مسألة الدور جرت ... بيني وبي من أحب
لولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاء لم أشب
ومنها قوله وهو مما كتب به إلى أهله بالشام
تفصيل ما تدري به لا يحمل ... حملت نفسي فيك ما لم يحمل
يا بدر تم جل عن نقص فما ... تلقاه إلا باذلاً لا يأفل
نور الجبين وشعره من فوقه ... شمس ويغشى الشمس ليل اليل
مذ شام طرفي حسنه صفد القوى ... وحماه عنه وأين منه الوصل
سمحت له بالعين نفسي بعدهاودموعها منها دماء تهمل
أنا في هواك كما علمت وذلتي ... لجلال وجهك أمرها لا يجهل
ازداد فيك تعطفا وتذللاً ... وتزيد فيك قساوة وتدلل
وعدلت بي وعدلت عني ظالماً ... يا ليت عدلك كنت عنه تعدل
ومعرض عندي بذكر بثينة ... وهوى جميل ذكر هذا أجمل
دع ما تزخرفه ومل يا عاطفاً ... نحو الشفاعة لي فذلك أفضل
قول العواذل عندنا أهل الهوى ... في شرعنا مردودة لا يقبل
والنصح غش منهم وصوابهم ... خطاء يرى وخفيفهم مستثقل
لولا اشتغالي بادكار أحبة ... لقياهم عندي المهمّ الأول
ما كنت يوماً عن فناه بمعزل ... كلا ولم يك عنه آنا معدل
هم قيدوا منى الفؤاد واطلقوا ... جفني ولكن دمعه متسلسل
وحشاشتي كادت تذوب لبعدهم ... لكنها بوصالهم تتعلل
شط المرار بهم فعز لقاؤهم ... لكنهم بسواد قلبي نزّل
أقسمت لا ألوي لغير هواهم ... يوماً إلى أن يحتويني الجندل
هم علموني العشق حتى نالني ... من بعض ما لاقيت أمر مشكل
قد كنت أشكو أمر دهر سالف ... عمر مضى يا ليته مستقبل
تلخيص أشواقي بديع فنونه ... في شرح مختصر البيان مطول
أو هي القوى ذكرى أحبة مهجتي ... لا غادة حوت الجمال ومنزل
ورجائي في كرم المهيمن واسع ... ولقاهم منه دواماً أسأل
وعليهم مني سلام نشره ... ما العنبر الشحري أو ما المندل
وقوله يمدح السيد مبارك بن مطلب حاكم الحويزه
стр. 185
يا سائلي عن أربي في سفري ومطبي ... لي مطلب مبارك مبارك بن مطلب
نجل علي المرتضى سبط النبي العربي ... الطيب بن الطيب بن الطيب بن الطيب
أمان كل خائف غياث كل مجدب ... منيل كل نعمة من فضة وذهب
في عدله وجوده تسمع كل عجب ... الأسد الكاسر لا يخشاه فرخ الثعلب
كما السخال جملة ترعى وجود الأدوب ... والفرس والترك له دانت وله العرب
إذا حللت أرضه نسيت أمي وأبي ... وأسرتي وولدي بنتاً يكون أو صبي
ومن يكن حيدرة أباه والجد النبي ... فكلما تصفه من دون أدنى الرتب
وقوله أيضاً
يا من يحاول ما أملت بالحيل ... دع ما تخال فهذا أول الخلل
واركب متون خيول السبق وأسر بها ... في جنح ليل الهدى من غير ما كسل
وجانب الجانب الأدني فما ظفرت ... بالقرب منه ذوو الآمال بالأمل
واقطع رجاك من الدنيا فما صدقت ... في وعدها أحداً من سالف الأزل
وصل حبالك بالحبل المتين فما ... يعطى ويمنع الأعلة العلل
واسلك سبيل رضاه غير متئد ... فإنه للبرايا أوضح السبل
وازدد على الهجر حبالاً تملّ فما ... في ملة الحب أذى من أذى الملل
وقوله أيضاً
عزة النفس وانقطاع النصيب ... أو جبا ذلتي وهجر الحبيب
فتعوضت عن مرامي وقصدي ... ببعادي عنه وقرب الرقيب
وانقضى العمر في الأماني وما ... كنت إلى الله راجعاً من قريب
هو دائي إذا يشاء ودوائي ... فهو ما زال علتي وطبيبي
وقوله
هو الدهر رب الجاه فيه أخو الفضل ... ولو أنه عار من الدين والعقل
ورب الحجى والفضل والعلم والتقي ... إذا ما خلا منه فذاك أبو جهل
وقوله
يعز علينا أن تهون نفوسنا ... لذلك بالصبر الجميل أهنانا
وكنا نرى لو أن أتانا مفاجياً ... معزلها فيها بذلك هنانا
وقال فيها عند ذكره أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه
وقلت فيه بيت شعر ما صفا ... يحصل منه أربعون ألفا
تلحقها ثلاثة مئينا ... كاملة مضافة عشرينا
أبيات شعر عدها كما ذكر ... والبيت هذا فتأمل واختبر
عليّ رضيّ بهيٌّ وليٌّ ... صغيٌّ وفيٌّ سخيٌّ عليٌّ
وشرح ذلك فقال يشتمل هذا البيت على أربعين ألف بيت وثلثمائة وعشرين بيتاً بيان ذلك أن البيت ثمانية أجزاء يمكن أن ينطبق كل جزء من أجزائه مع الآخر فتنتقل كل كلمة ثمانية انتقالات فالجزء الأول لأن علي رضي يتصور فيهما صورتان التقديم والتأخير ثم خذ الجزء الثالث فتحدث منه مع الأول ست صور لأن له ثلاثة أحوال تقدمه وتوسطه وتأخره ولهما حالان فاضرب أحواله في الحالين تكن ستة ثم خذ الجزء الرابع وله أربعة أحوال فاضربها في الستة التي لما قبله تكن أربعة وعشرين ثم خذ الخامس تجد له خمسة أحوال فاضربها في الصور المتقدمة وهي أربعة وعشرون تكن مائة وعشرين ثم خذ السادس تجد له ستة أحوال فاضربها في مائة وعشرين تكن سبعمائة وعشرين ثم خذ السابع تجد له سبعة أحوال فاضربها في سبعمائة وعشرين تكن خمسة آلاف وأربعين ثم خذ الثامن تجد له ثمانية أحوال فاضربها في خمسة آلاف وأربعين تكن أربعين ألفاً وثلثمائة وعشرين بيتاً والله أعلم ومن فوائده فيه عنه ذم الغيبة قوله
وجوزوا الغيبة في مواضع ... لكنها قليلة المواقع
كردع شخص يفعل القبائحا ... أو كان للشاهد أيضاً جارحا
أو وصفه مما به يمتانو ... بفعله كي يحصل احتراز
ففي الحديث الفاجر اذكروه ... يعرفه الناس فيحذروه
وكل ذا مع عدم التقيه ... والخوف من ذي الشيم الرديه
ومنها أيضاً قوله
لي نفس أشكو إلى الله منها ... هي أصل لكل ما أنا فيه
стр. 186
فجميل الخلال لا يرتضيني ... وقبيح الخلال لا أرتضيه
فالبرايا لذا وذاك جميعاً ... لي خصوم من عاقل وسفيه
وقوله
لك الله من دهر توالت صروفه ... علينا فأولى ضد ما نتمناه
فقرّبنا ممن نود بعاده ... وأبعدنا عمن نود ونهواه
وهو من قول المتنبي
أما تغلط الأيام فيّ بأن أرى ... بغيضاً تنئى أو حبيباً تقرب
وله أيضاً
المرء لا يسلم من حاسد ... أو شامت في اليسر والعسر
فهو على الحالين لا بد أن ... يلحقه نوع من الشر
وله
واعجبا منا ومن حبنا ... للمال ما ذلك الابوار
فآخر الدرهم همّ يرى ... وآخر الدينار لا شك نار
البيت الثاني من قول الأول
النار آخر دينار نطقت به ... والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء ما دام مشغوفاً بحبهما ... معذب القلب بين الهم والنار
وقال أيضاً
مدت حبائلها عيون العين ... فاحفظ فؤادك يا نجيب الدين
في هجرها الدنيا تضيع ووصلها ... فيه إذا وصلت ضياع الدين
وهو من قول الآخر
يا قلب دع عنك الهوى واسترح ... فلست فيه حامداً أسراً
أضعت دنياك بهجر وإن ... نلت وصالاً ضاعت الأخرى
وعكس ذلك بعضهم فقال
يا قلب لا تدع الهوى ... وارفض مقال أولى الزهاده
إن كان وصل فالمنى ... أو كان هجر فالشهاده
وقال أيضاً
وإذا كانت الحياة إلى الموت ... فقصر الآمال أولى وأحرى
فالخطايا تزداد والعيش ضنك ... فهو أولى لا شك أولى وأخرى
وقال أيضاً
كل امرء دون أمرين ... من الأنام مقصر
أما امرؤ متوكل ... أو آخر متهور
وقال في السيد خلف بن مطلب وأجاد في التورية
إذا جرى ذكر ذي فضل ومكرمة ... ممن مضى قلت خلواً ذكر من سلفا
الحمد لله أهل الحمد إن لنا ... عن كل ذي كرم ممن مضى خلفا
وقال لما بلغه نعي الشيخ حسن بن الشهيد رحمهما الله تعالى
جودي بدمع مستهل غزير ... يا عين فالخطب جليل خطير
وإن رقى الدمع فسحي دماً ... ففادح الرزء بهذا جدير
دك لعمري جبل شامخ ... كادت له الشم العوالي تسير
طود على بحر نهىً يا له ... من أوحد ليس له من نظير
وقال أيضاً
ما لي على هجرك من طاقة ... ولا إلى وصلك لي مقدرة
لكنني ما بين هذا وذا ... فرطت في دنياي والآخرة
وقال أيضاً
ما صفا الدهر لامرء قط يوماً من البشر ... فإذا مشرب صفا عاند الدهر في آخر
وقال أيضاً
جبت البلاد فما وجد ... ت به صديقاً صادقاً
يا قلب فاحذر لا تكن ... فيها بخل واثقا
وقال أيضاً وهو مما ليس في رحلته
إذا كان ريح المسك ينكر ضائعاً ... لدى بلد فالمسك لا شك ضائع
وقد يعذر المجروح في ترك شمه ... ففي البين داء ذلك الداء مانع
البيت الأول ينظر إلى قول الشريف قتاده
وما أنا إلا المسك في غير أرضكم ... أضوع وأما عندكم فأضيع
وقال في رحلته
كنا ببستان جلوساً إذ قدم ... شخص من الأعيان من أهل العجم
فقال نحن الشام ذاهبونا ... وحج بيت الله قاصدونا
وإن كتبتم لهناك رقعة ... نوصلها لكن بوجه السرعة
ولم يكن الامداد أحمر ... وورق صافي الأديم أصفر
فجاء في رؤيتي بيتان ... شعراً بديعاً وهما هذان
فمدمعي مثل مدادي والورق ... لو ندّ لوني ولكني أرق
فطلق النوم جفوني فلذا ... عوضني عنه بتزويج الأرق
стр. 187
الشيخ محمد بن علي
بن أحمد الحرفوشي الحويزي الشامي العاملي
منار العلم الاسمي. وملتزم كعبة الفضل وركنها الشامي. ومشكاة الفضائل ومصباحها. المنير به مساؤها وصباحها. خاتمة أئمة العربية شرقاً وغرباً. والمرهف من كهام الكلام شباً وغرباً. ماط عن المشكلات نقابها. وذلل صعابها وملك رقابها. وحل للعقول عقالها. وأوضح للفهوم قيلها وقالها. فتدفق بحر فوائده وفاض. وملأ بفرائده الوطاب والوفاض. وألف بتآليفه شتات الفنون. وصنف بتصانيفه الدر المكنون. إلى زهد فاق به خشوعاً واخباتاً. ووقار لا توازيه الرواسي ثباتاً. وتاله ليس لابن أدهم غرره وأوضاحه. وتقدس ليس للسري سره وايضاحه. وهو شيخ شيوخنا الذي عادت علينا بركات أنفاسه. واستضأنا بواسطة من ضيا نبراسه. وكان قد انتقل من الشام إلى بلاد العجم. وقطن بها إلى أن وفد عليه المنون وهجم. فتوفي بها في شهر ربيع الثاني سنة تسع وخمسين وألف ومن مصنفاته شرح الزبدة في الأصول واللآلي السنية في شرح الأجرومية. وشرح التهذيب في النحو. وشرح شرح الفاكهي على القطر وشرح شرح الكافيجي على قواعد ابن هشام والمختلف في النحو وطرائف النظام. ولطائف الانسجام. في محاسن الأشعار وغير ذلك. وله الأدب الذي أينعت ثمار رياضه. وتبسمت أزهار حدائقه وغياضه. فحلا جناها لأذواق الافهام. وتنشق عرفها كل ذي فهم فهام. فمن مطرب كلامه. الذي سجعت به على أغصان أنامله عنادل أقلامه. قوله مادحاً شيخ الشيخ شرف الدين الدمشقي سنة ست وعشرين وألف
إذا ما منحت جفوني القرارا ... فمر طارق الطيف يدني المزارا
فعلك تثلج قلباً به ... تأجج وجداً وزاد استعارا
واني يزور فتى قد براه ... سقام يمض ولو زار حارا
خليلي عرج على رامة ... لأنظر سلعاً وتلك الديارا
وعج بي على ربع من قد نأى ... لأسكب فيه الدموع الغزارا
فقلبي من منذ زمّ المطيّ ... ترحل عني إلى حيث سارا
فهل ناشد لي وادي العقيق ... عنه فإني عدمت القرارا
بروحي رشا فاتن فاتك ... إذا ما انثنى هام فيه العذارا
وامارنا باللحاظ انبرت ... قلوب الأنام لديه حيارا
ومن عجب أنها لم تزل ... تعاقب بالحد وهي السكارا
واعجب من ذا رأينها بها ... انكساراً يقود إليها انتصارا
ولم أرض قبله سافكاً ... دماء ولم يخش في القتل ثارا
يعير الغزالة من وجهه ... ضياء ويسلب منه النفارا
ويحمي بمرهف أجفانه ... جنياً من الورد والجلنارا
تملكني عنوة والهوى ... إذا ما أغار الحذار الحذارا
يرق العذول إذا ما رأى ... غرامي ويمنحني الاعتذارا
ومن رشقته سهام اللحاظ ... فقد عز براء وناء اصطبارا
حنانيك لست بأول من ... دعاه الغرام فلبي جهارا
ولا أنت أول صب جنى ... على نفسه حين أضحى جبارا
ترفق بقلبك واستبقه ... فقد حكم الوجد فيه وجارا
وعج عن حديث الهوى واقرعن ... إلى مدح من في العلى لايجارا
امام توحد في المكرمات ... ونال المعالي والافتخارا
وأدرك شاؤ العلى يافعاً ... والبس شانيه منه الصغارا
سما في الكلام إلى غاية ... وناهيك من غاية لا تبارا
مناقبه لا يطيق الذكى ... بياناً لمعشارها وانحصارا
غدا كعبة لاقتداء الورى ... وأضحى لباغي الكمال المنارا
إليه المفاخر منقادة ... أبت غيره أن يكون الوجارا
هو البحر لا ينقضي وصفه ... فحدث عن البحر تلق اليسارا
إذا أظلم البحر عن فكرة ... توقد عاد لديه نهارا
يفيد لراجي المعالي عُلى ... ويمنح عافي نداء النضارا
стр. 188
وبكر تجرر أذيالها ... إليك دلالاً وتسعى بدارا
أتتك من الحسن في مطرف ... تثنى قواماً أبى الاهتصارا
تضوع عبيراً وتختال في ... ملابس وشى أبت أن تعارا
تشكي إليك زماناً جنى ... عليها بنوه وخانوا الذمارا
وهموا بإطفاء مقباسها ... لم يجدوا حين راموا اقتدارا
فباؤا بخفيّ حنين وقد ... علاهم خسار ونالوا بوارا
وكيف وأنت الذي قد قدحت ... زناداً ذكاها وأوريت نارا
فهاك عروساً ترجى بأن ... يكون القبول لديها نثارا
ومنك إليك أتت إذ غدوت ... لها منشأ واضحاً والنجارا
ودم واحد الدهر فرد الورى ... تنال سمواً وتحوي وقارا
مدى الدهر ما لاح شمس الضحى ... وناوح بلبل روض هزارا
وواصل صبا حبيب وما ... تذكر نجداً فحن ادكارا
وقوله مادحاً الفاضل الأديب عبد اللطيف المنقاري
يا ليتها إن لم تجد بوصال ... سمحت بوعد أو بطيف خيال
جنحت لما رقش الوشاة ونمقوا ... من أنني سال ولست بسال
كيف السلو ولي فؤاد لم يزل ... لجحيم نيران الصبابة صال
ومدامع لولا زفيري لم يكن ... ينجو الورى من سحها المتوالي
ونحول جسم واحتمال مكاره ... وسهاد جفن وادكار ليالي
فإلى م اظماء في الهوى ومواردي ... فيه سراب أو لموع الآل
ولم اختباري عن فؤادي كل من ... ألقى وقلبي عند ذات الخال
هيفهاء رنحها الدلال فأخجلت ... هيف الغصون بقدها الميال
في خدها الورد انجني وثغرها ... يحوي لذيذ الشهد والجريال
حجبت محياها الجميل ببرقع ... كرقيق غيم فوق بدر كمال
ونضت من الأجفان بيض صوارم ... ففزت بهن ولم تناد نزال
فلكم عزيز يختشى من بأسه ... أضحى لديها في أشد وبال
وأخو الهوى يلفى المذلة عزة ... ومذال أهل الحب غير مذال
لله ليلة أقبلت بدجنة ... فرقاً من الواشين والعذال
ووفت كما شاء الغرام وانعمت ... بالقرب بعد تبرم ودلال
وحبت فؤادي بعد نار صدودها ... برد الوصال ومنتهى الآمال
فجنيت أوراد الخدود وطالما ... امتنعت عليّ وهيجت بلبالي
وبلغت منها ما يؤمل وامق ... وذهبت منها الوصل خوف زوال
حتى بدا الصبح المنير كأنه ... وجه الوحيد الماجد المفضال
عبد اللطيف الأريحي أخى الندى ... غوث الورى ذي النائل الهطال
الا لمعى اللوذعي الهبزري ... الا وحدي محل كل كمال
الفاضل الحبر الهمام ومحرز ... قصبات سبق أواخر وأوالي
الكامل المولى المبين بفكره ... ما لم يلح من غامض الأشكال
الواهب النعم الجسام ومانح ال ... عافي لجدواه جزيل نوال
الناظم الشعر الذي لو حلت الشع ... رى له وفته بعض معالي
والغيد لو شاهدنه لبغينه ... عقداً يمسن به علي الأمثال
أدب يروقك بهجة وشمائل ... فاقت نسيم صبا ولطف شمال
ومآثر مروية ومفاخر ... محوية بعزيمة ومقال
مهلاً أمير الفضل ماذا تبتغي ... فقت الورى إذ كنت في الأطفال
أصبحت كعبد قاصد وملاذ من ... وافي علاك لحادث مغتال
أممت سدتك التي قد أصبحت ... مأوى الكمال ومعدن الأفضال
стр. 189
فانقادت الآمال نحوي وانبرت ... نحوي المطالب دون سبق سؤال
والدهر جاءك تائباً من حشده ... نحوي رعال الخطب اثر رعال
ودرى لأني قد لجأت لماجد ... رحب الفناء مؤمل الاقبال
فإليك من درر النظام قصيدة ... جاءتك ترفل في رداء جمال
تمشي على مهل وتشكرك الذي ... أوليته من فضلك المنهال
ومتى يوفي بعض وصفك ناظم ... وإلى علاك مآل كل كمال
واسلم على مر الزمان مؤيداً ... جذلان ذا نعم موفر بال
ما أخلصت ودّاً صحيفة كاتب ... وتلا مديحاً في النوادي التال
وقوله مادحاً الأمير الكبير ذا المجد الخطير محمد المنجكي
ببيض الهند والسمر الصعاد ... ملاك المجد في يوم الجلاد
وبذل النفس في العلياء عز ... يلذ لذى التجاول والطراد
ومن يبغ اشتيار الشهد يصبر ... على مرّ اليعاسيب الحداد
فدع أرضاً بها أبصرت ذلاً ... ولا تنزل بضيم في بلاد
وسر في الأرض ذا نقل فلولاً ... انتقال البدر دام على الولاد
ولولا نقلة الدرر الغوالي ... لما وضعت على نحر وهادي
فدارك حيث صادفت اعتزازاً ... وأهلك ذو الحفيظة والوداد
ولا تصحب سوى عضب نحيل ... تعشق متنه ضرب الهوادي
صقيل الصفح رق وكاد لولا ... الجفين يسيل من طرف النجاد
تخال به وليس به غدير ... ترقرق أو سعير ذا اتقاد
وتحسبه إذا ما استل برقاً ... تالق في الدجى غب العهاد
وما ماست به ماسل روح ... خلت من غبطة من ذي فراد
والأظهر سرحوب سليل الفح ... ول من المطهمة الجياد
حتى همى تراه مع الذميل المبر ... ح راغباً في الازدياد
يرى عاراً مسابقة النعامى ... ويأنف نعله مس الصلاد
فلو وطيء القطا ما ارتعن منه ... نياماً وانتبهن من الرقاد
بدا كالخيزرانة من نحول ... من الادلاج في هجل البوادي
يمر على الغدير به غليل ... فيهجره لفرط الاجتهاد
تساوي عنده حزن وسهل ... وآكام مروعة ووادي
ويوم حزت صهوته وظني ... بأن الزهر دوني في وهاد
فجئت به موامي مقفرات ... تضل بها النجوم عن السداد
وصلت نهارها بالليل حتى ... استغاثت من سراي ومن جوادي
لا لقي أوحدياً أريحياً ... ومولا ذكره للعرف هاد
وصدراً منجكي الأصل أضحى ... له الافضال من شيم وعاد
فتى بلغ العلى والمجد طفلاً ... وأدرك طارفاً غب التلاد
سما فلو استطاعت يوح قالت ... رويدك جزتني بالاصطعاد
وفاق على الأنام وما أميطت ... تمائمه وفات على العباد
له نسب إذا حلك انتساب ... منير المتن جمّ الاتقاد
وبيت واسع الأبواب صب الثر ... ى نرجوه في السنة الجماد
متى تحلل به تحلل جناباً ... رضيعاً للسوادي والفؤادي
أمير لايهاب الدهر شيئاً ويخشى ... بطشه صعب القياد
له في يوم سلم لين ظبى ... وصولة ضيغم يوم الجهاد
أبي إلا مقارعة المنايا ... وكسب الحمد بالهند الحداد
وبذل نواله حتى استغاثت ... خزائنه لدى حضر وباد
همام عزمه الماضي حسام ... به عدل الزمان عن الفساد
ربيط الجاش محمود المساعي ... أبيّ النفس قهّار الأعادي
стр. 190
معرس كل معضلة وخطب ... ومنبت كل مكرمة وآد
يرى في يومه ما بعد يأتى ... بفكر لا يضل عن الرشاد
يبيت وهمة أمر الرعايا ... بطرف لا يمل من السهاد
إذا حمى الوطيس أبان بائساً ... شديداً دونه خرط القتاد
فمل أن كنت ذا حاج إليه ... تنل فوق المؤمل من أيادي
ودع كل الأنام وبع للموالي ... وخوف ما خلا منه المفادي
من القوم الأولى حازوا فخاراً ... به شهد العدو عن اعتقاد
بنوا في المجد بيتاً دان قسراً ... له أدم وقصر شاد عاد
وساسوا ملكهم بوثيق عزم ... تلين لبائسه صم الجماد
وراشوا من مضاء الرأي سهماً ... تأبى غير اقصاد المراد
وشادوا للفضائل والمعالي ... ربوعاً دونها أعلا المصاد
وخاضوا غير هيابين بحر الم ... نية بالمثقفة الصعاد
ومولاي الأمير جرى على ما ... عليه مضوا حماد له حماد
هو الفذ المعد لكل خطب ... ودافع كل داهية ناآد
ومؤمل كل معروف وكهف الع ... فاة وللورى خير العتاد
فيا طوداً لديه يدك رضوى ... ويا بحراً سواه كما النماد
ويا ذا الحلم لا يعروه ذل ... وذا المجد المؤثل في اطراد
جعلت علاك معمدي ووردي ... وبابك قبلتي وثناك زادي
ورمتك فاتحاً للمدح باباً ... يضيق على زهير أو زياد
فدونك من بنات الفكر بكراً ... أتتك أبية ذات انقياد
منظمة كما انتظمت عقود ... ولكن لا تمس طلى الخراد
مبرأة من الأفواه فيها ... ومن وصم الاجازة والسناد
يكاد السمع يشربها ويرجو ... إعادتها المعادي للمعاد
منقحة المعاني لو رآها ... لدان لها ابن ساعدة الأيادي
أتتك من المدائح في رداء ... يزول الدهر وهي بلا نفاد
مهنئة بعيد أنت فيه ... فؤاد أو بمنزلة السواد
فلا زالت بك الأعياد تسمو ... مكررة على السبع الشداد
ودمت من الحوادث في أمان ... سعيد الجد مرفوع العماد
مدى الأيام ما رقمت بنان ... مديحاً أو شدا بالنظم شاد
وما دامت تنال ذرى المعالي ... ببيض الهند والسمر الصعاد
وقال أيضاً
أنا مذ قيل لي بأنك تشكو ... ضر حماك زاد بي التبريح
أنت روحي وكيف يبقى سليماً ... جسد لم تصح منه الروح
وقال في الخال
وشحرور ذاك الخال لم يجف ... روضة المحيا ومن عنها يميل إلى الهجر
ولكنه خاف اقتناص جوارح ... اللحاظ فوافى عائذاً بحمى الثغر
وقال في ذلك
كأنما الخال فوق الثغر حين بدا ... وقد غدا فتنة الألباب والمقل
هزار ايك سعى في روضة أنف ... لمنهل راجياً ماء فلم يصل
وقال فيه أيضاً
أقامت الخيلان في خده ... تحرس ذاك الورد والجلنار
كأنها حبات مسك على ... لوح من الياقوت أو من نضار
وقال أيضاً في الغزل
من لي بهيفاء أذكت من تباعدها ... في القلب ناراً ولم تسمح لمضناها
وأهالها من فتاة إن رنت فعلت ... ما ليس يفعله الهندي عيناها
وقال في الشيخ محمد الجواد الكاظمي
جرى في حلبة العلياء شوطاً ... بسعي ما عدا سنن السداد
ففات السابقين إلى المعالي ... وما هذا ببدع من جواد
وقال أيضاً
يقولون في الغليون فرطت رغبة ... وليس بشيء تقتنيه وتختار
فقلت لهم ما ذاك إلا لكونه ... مضاهي لا تنفك في قلبه النار
وقال أيضاً
стр. 191
لعمرك لم أهو الدخان ولم أمل ... إليه لا لفي نشوة وتطربا
ولكنني أخفى به عن مجالسي ... دخان فؤاد بالغرام تلهبا
شيخنا
العلامة محمد بن علي بن محمود
بن يوسف بن محمد بن إبراهيم الشامي العاملي
البحر الفطمطم الزخار. والبدر المشرق في سخاء المجد بسناء الافتخار. الهمام البعيد الهمة. المجلوة بأنوار علومه ظلم الجهل المدلهمة. اللابس من مطارق الكمال أظرف حلة. والحال من منازل الجلال في أشرف حلة. فضل تفلفل في شعاب العلم زلاله. وتسلسل حديث قديمه فطاب لراويه عذبه وسلساله. ومحل رقى من أوج الشرف أبعد مراقيه. وحل من شخص المعالي بين جوانحه وتراقيه. شاد مدارس العلوم بعد دروسا. وسقى بصيب فضله حدائق غروسها. وانعش جذودها من عثارها. وأخذ من أحزاب الجهل بثارها. ففوائده في سماء الافادة أقمار ونجوم. وشهب لشياطين الأنس والجن رجوم. إن نطق صفد المعاني عن أمم. وأسمعت كلماته من به صمم. وإن كتب. كبت الحساد عن كثب. فجاء بما شاء على الافتراح. وترك أكباد أعدائه دامية الجراح. ومتى احتبى مفيداً في صدر ناديه. وجثت بين يديه طلاب فوائده وأياديه. رأيت داماء العلم تقذف درر المعارف غواربه. وقمر الفضل أشرقت بضياء عوارفه مشارقه ومغارقه. فيملأ الأسماع دراً فاخراً. ويبهر الأبصار والبصائر محاسناً ومفاخراً. وأما الأدب فعليه مداره. وإليه ايراده واصداره. ينشر منه ما هو أذكى من النشر في خلال النواسم. بل أحلى من الظلم يترقرق في ثنايا المباسم. وما الدر النظيم إلا ما انتظم من جواهر كلامه. ولا السحر العظيم إلا ما نفثت به سواحر أقلامه. وأقسم أني لم اسمع بعد شعر مهيار والرضى. أحسن من شعره المشرق الوضي. إن ذكرت الرقة فهو سوق رقيقها. أو الجزالة فهو سفح عقيقها. أو الانسجام فهو غيثه الصيب. أو السهولة فهو نهجها الذي تنكبه أبو الطيب. سا وثبت منه ما يقوم بنية هذه الدعوى. وتهوى إليه أفئدة أولي الألباب وتهوى. وإن صدف عن هذا المذهب ذاهب. فللناس فيما يعشقون مذاهب. وها أنا أعتذر إليه. من الايجاز في الثناء عليه. فما سطرته لمحة مما له أقفو. ويا عجباً مني أحاول وصفه. وقد فنيت فيه القراطيس والصحف. وله علي من الحقوق الواجب شكرها. ما يكل شباً يراعتي ذكرها. وهو شيخي الذي أخذت عنه في بدء الي. وأنضيت إلى موائد فوائده بعملات رحالي. واشتغلت عليه فاشتغل بي. وكاد دأبه تهذيب أدبي. ووهبني من فضله ما لا يضيع. وحنا علي حنو الظئر على الرضيع. ففرش لي حجر علومه. والقمني ثدي معلومه. حتى شحذ من طبعي مرهفاً. ويرى من نبعي مثقفاً. فما يسفح به قلمي إنما هو من فيض بحاره وما ينفح به كلمي إنما هو من نسيم أسحاره
ومن منائح مولانا مدائحه ... لأن من زنده قدحي وايرائي
стр. 192
هذا ولو جعلت انبوبة القلم سادسة خمسي. وأفرغت في بياض الأرقام سواد نفسي. ورمت القيام له بأداء شكره. لا استهدفت لملام التقصير ونكره فأنا أتوسل إلى رب الثواب والجزا. أن يجعل نصيبه من رضوانه أو في الأنصبا والأجزا. وأما خبر ظهوره من الشام وخروجه. وتنقله في البلاد تنقل القمر في بروجه. فإنه هاجر إلى الديار العجمية بعد ابدار هلاله. وانسجام وسمي فضله وانهلاله. فأقام برهة من الدهر. محمود السيرة والسريرة في السر والجهر. عاكفاً على بث العلم ونشره. مؤرجاً الأرجاء بطيبه ونشره. ولما تلت الألسن سور أوصافه واجتلت الأسماع صور أقسامه بالفضل واتصافه. استدعاه أعظم وزراء مولانا السلطان إلى حضرته. وأحله من كنفه في بهجة العيش ونضوته. ثم رغب الوالد في انحيازه إلى جنابه. فاتصل به اتصال المحبوب بعد اجتنابه. فأقبل عليه اقبال الرامق الودود. وأظله بسرادق جاهه الممدود. فانتظم في سلك ندمائه. وطلع عطارداً في سمائه نجوم. حتى قصد الحج فحج. وقضى من مناسكه العج والثج. فأقام بمكة سنتين ثم عاد. فاستقبله ثانياً بالاسعاف. والاسعاد. وكنت قد رأيته حال عوده ببندر المخا. ثم رأيته بحضره الوالد وبينهما من المودة ما يربى على الاخا. فأمرنا بالاشتغال عليه. والاكتساب مما لديه. فقرأت عليه الفقه والنحو والبيان والحساب وتخرجت عليه في النظم والنثر وفنون الآداب. وما زال يشنف أذاني بفوائده. ويملا أرداني بفوائده. حتى حسدنا عليه الدهر الحسود وجرى على سحيته في تبديل الأيام البيض بالليالي السود. فقضى الله علينا بفراقه. لأمور أوجبت نكس الأمل بعد افراقه وهو اليوم. يتحلى بفضل تشد إليه الرحال. ويتجلى بأدب يروي به الامحال. وينيف برتبة يقصر عنها كل متطاول.
وترجع أيدي الناس دون منالها ... وأين الثريا من يد المتناول
هذا وحين أثبت من نظمه الذي تتعلق به البلاغة وتتمسك. ويتضوع به كافور الطروس ويتمسك. وتحسد حسن انتشاقه الثغور. وتغار له نجوم السماء فتغور. فمنه قوله في الغزل.
أنت يا شغل المحب الواجد ... قبلة الداعي ووجه القاصد
فتّ آرام الفلا حسناً فما ... قابلت إلا بطرف جامد
شان قلبينا إذا صح الهوى ... يا حياتي شان قلب واحد
أكثر الواشون فينا قولهم ... ما علينا من مقال الحاسد
لست أصغي لأراجيف العدى ... من يغالي في المتاع الكاسد
وقال أيضاً
رب ساق غمزته فتغابى ... ثم أومي بناظر لا يطاق
قال لي والخمار يرعد كفيه ... وروحي على يديه تراق
أنت لا شك هالك بجفوني ... قلت زدني فإنها درياق
فانتضبى الكاس من يدي وأهوى ... نحو فيه بالكاس وهي دهاق
قال لي هاكها شراباً طهوراً ... خلصتها من خبثها الارياق
وقال
أحيى هواه وهواه قاتلي ... ما أربح الشامي لو أودى به
وحشى قلب ضل عند ريمة ... فظل يغلي البيد في طلابه
عجلان ما أضنى عليه قلبه ... لو أنه في كفه دحى به
وقال
قف بالمنازل حيث أوقفك الهوى ... وكل البكاء إلى الحمام العنيف
إني غسلت من العيون أناملي ... ونفضت من أثر البكاء كفوفي
وقفت بي والجناء بين طلولهم ... لولا مكان الريب طال وقوفي
ارتاد في عرصاتهن كأنني ... طيف ألمّ بناظر مطروف
فصممت حتى لا يجبن مسائلي ... وعمين حتى لا يرين عكوفي
وقال
لا يتهمني العاذلون على البكا ... كم عبرة موهتها ببناني
يا من يفندني على ابنة وائل ... عني إليك فغير شانك شاني
آليت لافتق العذول مسامعي ... يوماً ولا خاط الكرى أجفاني
قالت عثيمة قد كبرت عن الصبي ... ما للكبير وصبوة الشبان
ما الشيب إلا كالقذاة لناظري ... فقليله وكثيره سيان
أخيال عتمة أنت الطف بالحشا ... منها واعلق في صميم جناني
стр. 193
سلبت أساليب الصبابة من يدي ... صبري وأغرت ناجزي ببناني
وقال
دارياها لعلها أن تداري ... واحملاها على طباع العذارا
واجلواها وفي الكؤوس بقايا ... قبل أن ترشف الصبا الاسرارا
عللاني ولو بكاس هتار ... ما أقلت يداي كأساً هتارا
إن قدحي من الهموم المعلى ... فاملئا لي من الكؤوس الكبارا
حلف الهم أن سينهض عنا ... فأذقنا في مكانه الاسرارا
هاتها والزمان طلق المحيا ... وأديم الصبي يروق نجارا
فكأني به وقد جرد الشيب ... على مفرق الشباب غرارا
واسقنيها سقيت في ظل كرم ... قد جلاها عريشه إن هارا
لا تسمني عن السلاف اططباراً ... لا وعينيك لا أطيق اصطباراً
إن ليل الضرير يوم نواها ... وحياة الملوك عيش السكارا
أجلساني على يمين نديم ... ألبسته على الشمال سوارا
كلما عبّ في الزجاجة نحنى ... شغل الحلى أهله أن يعارا
قد خلعت العذار فيه ولولا ... عارضاه لما خلعت العذارا
هو من قده يرنح صعداً ... ومن جفن عينه بتارا
زارني والدجى ينم عليه ... والدياجي لا تكتم الأقمارا
فوفى لي ولات حين وفاء ... في خفوت الكرى وصد جهارا
في ليال كأنهم رياض ... اطلعت من كمائم أزهارا
بين زهر تخالهن أقاحا ... ونجوم تخالها نوّارا
فكان الظلام نفع مثار ... وكان النجوم ركب حيارى
وليال ولا كزلف غزال ... بت أرعاه والنجوم غيارا
أتبكي أسا ويبكي دلالاً ... بجفون بكت بكاء السكارى
في ربوع كأنهن قلوب ... أودعتها جفونه أسرارا
وترى كما عطفت الحنايا ... في قباب كما عطفت السوارا
فإذ بنادر الثغور مياها ... وأخلنا ورد الخدود بهارا
بالتزام يعطف الأسرارا ... وعناق يفكك الازرارا
وجماش لولا عيونا للواحي ... وعفاف الهوى لحل الازارا
يا ليالي السرور طولي فإنا ... قد شربنا الشموس والأقمارا
وارتشفنا من الكؤوس رضابا ... واحتسينا من الثغور عقارا
خندرياً لولا حياء أبيها ... خطفت من عيوننا الأبصارا
من بنات المجوس تطلع في جن ... بيّ ناراً وخده جلنارا
أكل الدهر حرمها فاستحالت ... في الواني للطفها أنوارا
يا لقوم أسيرهم لا يفادي ... لعيون قتيلها لا يوارى
فاترات لو لم يكن نشاوى ... ما تشكت جفونهن الخمارا
ووجوه تخالهن بدوراً ... في خدود تخالهن سرارا
كل قد من الغصون معار ... هز ردفاً من النقا مستعارا
نزلوا من لوى الفؤاد طلولاً ... لا لوى الرمل والطلول القفارا
وعليهم من النجوم عيون ... مزقت عن خرائد أستارا
في ضمير الدجى تروح وتغدو ... والدياجي تظننا أسرارا
كم تناعست للرقيب عسانا ... حين يضفو ننادم الأوتارا
حيث يردي من الزمان قشيب ... غصبت صبغه جفون العذارا
فاجتلتني الأيام خلع رواه ... فكأني خلعت ثوباً معارا
كأن عودي على الزمان صليباً ... فأعادوه بعدهم موارا
كم تحك الخطوب فيه جلوداً ... وتسن النوى به أظفارا
وقال
وكنت إذا نزعت إلى هنات ... جريت مع الصبا طلق الرياح
стр. 194
فقلدني المشيب على عذاري ... لجاماً كف راسي عن جماحي
وقلت لعاذلي ايه فإني ... وهبت اليوم سمعي للواحي
هو القدر المتاح على الغواني ... فقل ما شئت في القدر المتاح
وما حسن العيون بلا بياض ... وما ليل التمام بلا صباح
وما ضيف أتاك بلا احتشام ... وأنت من الرحيل على جناح
وقال
أرأيت ما صنعت يد التفريق ... أعلمت من قتلت بسعي النوق
رحل الخليط وما قضيت حقوقهم ... بمنى النفوس وما قضين حقوقي
علقوا بأذيال الرياح ووكلوا ... للبين كل معرّج بفريق
وغدوت أصرف ناجذي على النوى ... وأغص من غيظ الوشاة بريقي
هجروا وما صبغ الشباب عوارضي ... عجلان ما علق المشيب بزيقي
فكأنني والشيب أقرب غاية ... يوم الفراق كرعت من راووق
لا رق بعدهم لخيال لناظري ... إن حن قلبي بعدهم لرحيق
لعب الفراق بنا فشرد من يدي ... ريحانتي صديقتي وصديقي
لله ليلتنا وقد علقت يدي ... منه بعطف كالقناة رشيق
عاطيته حلب العصير وصدنا ... عن وجه حاجتنا يد التفريق
ما كان أسرع ما دحته وإنما ... دهش السقاة به عن الترويق
أيقظته والليل ينفض صبغه ... والسكر يخلط شائقاً بمشوق
والنوم يعبث بالجفون وكلما ... رقت النسيم قست قلوب النوق
والبرق يعثر بالرحال وللصبا ... وقفات مصغ للحديث رفيق
باتت تحرش والقنا متبرم ... بينا لغصون وقده الممشوق
فأجابني والسكر يعجم صوته ... والكاس تضحك للثنايا الروق
لولا الرقيب هرقت مضمضة الكرى ... وغصصت صافية الدنان بريقي
ثم انثنيت وزلفه بيد الصبا ... وشميمه في جيبي المشقوق
وقال
يا أخا البدر رونقاً وسناء ... وشقيق المها وترب الغزاله
ساعد الجد يوم بعتك روحي ... لا وعينيك لست أبغي اقاله
يا عليل الجفون عللت قلبي ... زاد جفنك علة وذباله
ما لعيني كلما عنّ ذكرا ... ك تداعت جفونها الهطاله
جن طرفي مذ غاب عنه محيا ... ك جنوني فلا تسل ما جرى له
كنت قبل الهوى ضنيناً بقلبي ... خدعتني لحاظك الختاله
لك قدّ القنا وثغر الأقاحي ... وجفون المها وجيد الغزاله
من تناسى بالرقمتين ودادي ... فبعيني غصونه المياله
رب ليل قصرته بغرير ... حل من عقد زلفه فأطاله
من عذيري في حب طفل لعوب ... عودوه سفك الدما فحلاله
كلما صد عن سواي دلالاً ... صدعني تبرماً وملاله
لست أنسى يوم الفراق وقد أدر ... ك من شملنا النوى آماله
غصب البين من يدي كل غصن ... سرق الغصن لينه واعتداله
فرّ نشوان من يدي يتكفي ... ثقل الورد غصنه فأماله
لم تدع لوعة الجوى في حشاه ... من حصاة الفؤاد غير ذباله
يا لواة الديون نفثة مصدور ... إذا بت أنفاسه أوصاله
إن ذوب الجفون في اثر الفادين ... أولى لناظري أولى له
فليلمني العذول ما شاء إني ... لست لي في هوى الحسان ولاله
وقال
سرى والليل ممدود الرقاق ... وساعي الفجر يحجل في وثاق
خيال من عثيمة أو لبيني ... أو الشماء أخت بني البراق
يطوف في الشأم وهي عراق ... وما بعد الشأم من العراق
أقول لها وقد خطرت رياح ... من الزوراء في حلل رقاق
وقد برد السوار على يديها ... فأحميت القلائد بالعناق
стр. 195
وأعجلنا النوى حتى لكدنا ... نودع بعضنا قبل التلاق
ولم يك غير موقعنا ونادى ... منادي الحي حي على الفراق
أبيني في نظير لا ضنين ... بنائله ولا ترف الحقاق
يرى شبحاً بلا ظل ونفساً ... يرددها التنفس في التراق
بنات الشوق تفحص في فؤادي ... وطفل الدمع يعبث بالمآقي
وأنت جعلتني حرز الأعادي ... ولو أحببت ما أكلوا عراقي
تلوكني الخطوب على هزالي ... ويحلو لي لها طعم الزعاق
ولو عقل الزمان دري بأني ... على من رامني مرّ المذاق
ولم تترك صروف الدهر مني ... ومن عضبي الحراز سوى رماق
أما والراقصات على الآل ... ومن حملوا على الكوم العتاق
لقد أضللت في ليل التصابي ... فؤاداً غير مشدود الوثاق
ألا يا صاحبي نحواي سيراً ... فقد قعد الهوى بي عن رفاقي
قفا عني باقرية الفتاقي ... فواقاً أو أقل من الفواق
سقى الله العراق وساكنيه ... وجاد مراتع الشدن بالطلاق
إلى أهل العراق يحن قلبي ... فوا شوقي إلى أهل العراق
وقال
يا خليلي دعاني والهوى ... إنني عبد الهوى لو تعلمان
عرجاً نقضى لبانات الهوى ... في ربوع أقفرت منذ زمان
مرتع أولع عيني بالبكا ... أمر العين به ثم نهاني
وقصارى الخل وجد وبكا ... فأبكياني قبل أن لا تبكياني
يا عربياً منحناهم أضلعي ... وغضاهم نار شوق في جناني
سودواً ما بين عيني والفضا ... ومحوا عنها سواد الديدبان
إن قلباً أنتم سكانه ... ضاع مني بين شعب والقنان
وقال
أتراك تهفو للبروق اللمع ... وتظن رامة كل دار بلقع
لولا تذكر من ذكرن برامة ... ما حن قلبي للوي والأجرع
ريم باجريت العراق تركته ... قلق الوساد قرير عين المضجع
في السر من سعد وسعد هامة ... رعناكم تصدغ ولم تتضعضع
وقال منها
قالت وقد طار المشيب بابها ... أنشبت في خلق الغراب الأبقع
وتلفتت والسحر راءد طرفها ... نحو الديار بمقلة لم تخشع
ولكم بعثت إلى الديار بمقلة ... رجعت تعثر في ذيول الأدمع
عرفت رسوم الدار بالمتربع ... فبكت ولولا الدار لم تشعشع
أملت لو يتلوم الحادي وما ... أملت إلا أن أقول وتسمع
وقال
ايه بذكر معاهد وأناس ... طابت بذكر حديثهم أنفاسي
اذكرتني حيث الاحبة جيرة ... حالي بهم حال وكاسي كاسي
هلا وقفت على منازلهم معي ... وبكيت ناساً بالهم من ناس
قالت عثيمة والخطوب تنوشني ... والشيب يضحك من بكاء الآسى
شابت شواتك والزمان مراهق ... والشيب يا شامي تاج الراس
وقال
أجدك شايعت الحنين المرجعا ... وغازلت غزلاناً على الخيف رتعا
وطالعت أقماراً على وجرة النقا ... وقد كنت أنهي العين أن تتطلعا
ولم أر مثل الغيد أعصى على الهوى ... ولا مثل قلبي للصبابة أطوعا
ومن شيمي والصبر مني شيمة ... متى أرم اطلالاً بعيني تدمعا
وقور على باس الهوى ورجائه ... فما اتحسى الهم إلا تجرعا
خليلي ما لي كلما هب بارق ... تكاد حصاة القلب أن تتصدعا
طوى الهجر أسباب المودة بيننا ... فلم يبق في قوس التصبر منزعا
إلى الله كم أغضبى الجفون على القذى ... وأطوى على القلب الضلوع توجعا
ألا حبذا الطيف الذي قصر الدجى ... وإن كان لا يلقاك إلا مودعا
ألم كحسو الطير صادف منهلاً ... فأزعجه داعي الصباح فأسرعا
стр. 196
وناضلته باللحظ حتى إذا رمى ... بسطت له حبل الهوى فتورعا
قسمت صفايا الود بيني وبينه ... سواءٌ ولكني حفظت وضيعا
وحزت نياط القلب أسباب نية ... فلله قلبي ما أرق وأجزعا
وقال
لمن العيس جفّلا كالنعام ... يرتجمن خلفة الآرام
يرتقصن الخطا ارتقاص بنات الش ... وق تحت الحشا على الآكام
ووراء السجوف كل أناة الخ ... طو حيّ الحياء ميت الكلام
كدمي العاج في المحاريب أو كال ... زهر غب القطار في الأكام
قد تقنعن بالشغوف كما ... قنع بدر الدجى بذيل الغمام
ما عهدنا الظباء ترفل في الوشى ... ولا الوحش في البرى والخداء
قسم الحسن بين قاصرة الطر ... ف وأخرى مقصورة في الخيام
منها
كل هيفاء حيث تعتقد الحب ... سريع الخطا بطي القيام
كلما أقصدت فؤاد كميّ ... بسمت لي عن مثل حب الغمام
رفعت طرفها إليّ وقالت ... بأبي ما أرق قلب الشامي
طالعت صاحبي ومالت إلى الس ... رب بطرف ولا كطرفي دامي
وسبتني وما أبحت حماها ... بقوام واها له من قوام
وعيون أعاذنا الله منها ... لعبت بالعقول لعب المدام
ورسيل يطيل ناشئة اللي ... ل وناهيكما بليل التمام
ورمتني وللمنية أسبا ... ب فلله ما أخف الرامي
حدثتني وفي الحديث شفاي ... ما لعينيك يحملان سقامي
فلتطل لوعتي عليك ووجدي ... إن قلبي يصح بالاسقام
يا نديمي بالجواي كلاني ... لهنات حسرت عنها لثامي
اعفياني من هجعة تملاء الع ... ين غروراً بطارق في المنام
زارني والهوى يخيل للعين ... سعاداً والليل مرخى الزمام
فوفى لي بكل ما تشتهي النفس ... وولى والركب صرعى غرام
زارني في ذر الشأم وداري ... بالمنقى ودارها بالرجام
طاف والليل مطبق بعراه ... يستقيل الكرى من الالمام
قلت للطارق الذي صدع الجو ... وشابت له فروع الظلام
كبرت يا ظلوم همة عين ... طمعت أن تراك في الأحلام
وقال
باجتلاء المدام في الأقداح ... وبمرآة وجهك الوضاح
لا تذرني على مرارة عيشي ... أكل واش ولا فريسة لاح
صاح كلني إلى المدام ودعني ... والليالي تجول جول القداح
لا تخف جور حادثات الليالي ... نحن في ذمة الظبي والرماح
طوى أيدي الحطوب رهن المنايا ... تتخطى بها إلى سفاح
قلدتني من المشيب لجاماً ... كف راسي شكيمه عن جماح
صاح إن الزمان أقصر عمراً ... من بكاء بدمنة ونواح
رق عنا ملاحف الجو فاسمح ... برقيق من ظبعك المرتاح
يا مليك الملاح إن زماناً ... أن فيه زمان روح وراح
طاب وقت المدام فاشرب عساه ... يا صباحي يطيب وقت الصباح
واسقنيها سقيت في فلق الفجر ... على نغمة الطيور الفصاح
منها
خلعت ثوبها على التفاح ... وترامت على خدود الملاح
كل ريحانة أرق من السرا ... ح جلالي شقيقة الأرواح
وردة فوق خده وقروحاً ... بين جنبي داميات الجراح
حبذا ميعة الشباب وعيش ... قد قطعناه في ظلال الرماح
زارني زورة الخيال وولى ... في كرى النوم مزعجاً بالصباح
لست أقوى على الجفون المراضي ... ويح نفسي من المراض الصحاح
سامح الله من دمي وجنتيه ... وعفا عن بنانه الوضاح
لا تؤاخذ جفونه بفؤادي ... يا إلهي كلاهما غير صاح
وقال
стр. 197
ما أنس لا أنسي خيالاً سرى ... يسترشد الشوق إلى مضجعي
حسبت بدر التم قد زارني ... فبت لا أقفو سوى المطلع
أسأل عنه الشوق لو يرعوي ... وأنشد البين به لويعى
آليت والدار لها حرمة ... لا أسأل الدار وصبري معى
كان دمى حجراً على حاجر ... فلم اباحته مهى الأجرع
علالة كان وقوفي بها ... أبغي شفاء القلب من الموجع
وقال
يا نسيم الصبا ويا عذب الر ... يحان هبي عليّ وانتفضى
خبريني عن اللوا خبراً ... إن ذكر الديار من غرضى
لأقضي من اللوى وطراً ... ليس يدري الوشاة كيف قضى
ما لبرق تجاه كاظمة ... هب من نحوهم ولم يمض
وبدور طلعن من اضم ... لم تضى في العيقق أين تضى
لست أرضي بصاحب بدلاً ... فاسألا من صحبت كيف رضى
صدقوا ليس عنهم عوض ... وجميع الورى لهم عوضى
وقالوا
راضتك أصعب ما يكون قياداً ... وسلتك أهلع ما يكون فؤادا
لانت حصاتك في يدي متعطرس ... أحنى عليك مع الهوى أوكادا
آلت عليك وفي اليتها الهوى ... إذ لا تمزح طيفها إن عادا
مرت تلاعب ظلها وتكاد من ... فرط النشاة تلاعب الأردا
طارت بلبك حيث طار بها الهوى ... ورقاء قطع نوحها الأكبادا
غنتك أحوج ما تكون إلى البكا ... هل تحسنين لواجد اسعادا
ما أنصف الطيف الذي جلب ال ... هوى عراك عزّاً بالغرام فرادا
غن الذي روى الجفون من الكرى ... أهدى إليك مع الخيال سهادا
ما راب عينك من تلوّن لمة ... لبست على فقد الشباب حدادا
كذب العذول والعذرا صعب مركباً ... لأناس إن نقص العذول وزادا
ومهون للوجد عندي قال لي ... والعيس تقدح للفراق زنادا
أفنيت دمعك في البكاء وما حدوا ... عيساً ولا شدوا لهم اقتادا
لا يكذبن لقد رأيت مطيهم ... بالأمس تنقض في الفلا أجسادا
خفض عليك من الملام فإنني ... عودت قلبي حبهم فاعتادا
وقال
شرق على حكم النوى أو غرب ... ما أنت أول ناشب في مخلب
في كل يوم أنت نهب محاسن ... أو ذاهب في أثر برق خلب
متألف في الجو بين مشرق ... غص الفضاء به وبين مغرب
يبكي ويضحك والرياض بواسم ... ضحك المشيب على عذار الأشيب
أزعمت أن الذل ضربة لازب ... فنشبت في مخلاب باز أشهب
لعبت بلبك كيف شاءلها الهوى ... مقل متى جد النواظر تلعب
زعمت عثيمة قد قلبك قد صبا ... من لي بقلب مثل قلبك قلب
قد كنت آمل أن تموت صبابتي ... حتى نظرت إليك يا ابنة يعرب
فطربت ما لم تطربي ورغبت ما ... لم ترغبي وذهبت ما لم تذهبي
ولقد دلفت إليهم في فتية ... ركبوا من الأخطار أصعب مركب
جعلوا العيون على القلوب طليعة ... ورموا القفار بكل حرف دغلب
ترمي الفجاج وقلبها متصوب ... في البيد اثر البارق المتصوب
هوجاء ما نفضت بداً من سبسب ... إلا وقد غمست يداً في سبسب
تسري وقلب البرق يخفق غيرة ... منها وعين الشمس لم تتنقب
تطفو وترسب في السراب كأنها ... فلك يشق عباب بحر زعزب
تغلى بنا في البيد ناصية الفلا ... حتى دفعت إلى عقيلة ربرب
وأتتك تخلط نفسه بلذاتها ... والحسن يظهرها ظهور الكوكب
كفريدة في غبغب أو شادن ... في ربرب أو فارس في موكب
стр. 198
تمشي فتعثر في فضول ردائها ... بحياء بكر لا بنشطة ثيب
وقال
يا ضماني على الغصون الملد ... أين شرطى على الربيع ووعدي
طال عمر النوى لطول الليالي ... ونسيت الهوى لبعد العهد
يا نديمي وأين منى نديمي ... لحدود مبرقعات بورد
ومدام كأنما اعتصروها ... من جنى الورد أو خدود المرد
هي قبل المزاج في لون خد ... يك وبعد المزاج في لون خدي
في ضمير الوفى نروح ونغدو ... عن وداد لم نقذه بتكدّ
يا لها خطة تسوء الأعادي ... وتسر الهوى بأخذ وردّ
مجلس غاب حاسدوه فبات اله ... مّ عند العدى وخلي عندي
وغزال ولا كطيف خيال ... بت أرعاه والكواكب تحدي
سل خيط الكرى من العين وانصا ... ع يماشي المها بظل السعد
بعثت طيفها إلي وأخرى الش ... وق في قلبها وأولاه عندي
يوم قالت لتربها ليت شعري ... كيف حال الشامي يا مي بعدي
إن بي فوق ما به من هواه ... غير أني أخفى هواه يبدي
ما درت إنني وإن طال وجدي ... في هواها نسيج وحدي وحدي
وقال من أخرى
هاتها هاتها سبية حول ... قد توانت ولات حين توان
كسقيط الندى على وجنات الو ... رد أو كالدموع في الأجفان
في يدي شادن رقيق الحواشي ... فوق خديه وردة كالدهان
هي في خده سبيك نضار ... وبفيه عصارة العقيان
ومنها
نسخت سحر بابل مقلتاه ... فتنبى في فترة الأجفان
في ربوع كأنهن جنان ... عطفت حورها على الولدان
ورياض كأنهن سماء ... أطلعت أنجماً من الاقحوان
بين ورق كأنهن قيان ... ركبت في حلوقهن مثاني
وغصون كأنهن نشاوى ... يترقصن عن خدود الغواني
وأقاح كأنهن ثغور ... يتبسمن في وجوه ألحان
ونسيم الصبا يصح ويعتل ... على برده وحر جناني
كلما غنت البلابل فيها ... رقص الدمع بالبكا أجفاني
عطفتني على الرياض قدود ... خلعت لينها على الأغصان
يتلقاني الأقاح ببشر ... وغصون النقا على حران
قل لعتب وما أظن نوالاً ... عند عتب لواجد سيان
أين قلبي لا أين إلا طلولاً ... أذهبتها الرياح منذ زمان
أذكرتني معاهداً وربوعاً ... كاد يدمي لذكرهن بناني
حيث غصني من الشباب رطيب ... وعيون المها إليّ رواني
اطرد النوم عن جفون نشاوى ... بحديث أرق من جثماني
وقوافي لو ساعد الجد نيطت ... موضع الدر من رقاب الغواني
سائرات بيوتهن على الألسن ... سير الأمثال في البلدان
قصد كالفرند في صفحات الده ... ر أو كالشنوف في الآذان
عاصيات على الطباع ذلول ... يتغنى بهن في الركبان
ساقطت والنوى يطل علينا ... من عيون المها حصى المرجان
وقال
اعفياني من وقفة في الديار ... تمتري درة الجفون الغزار
ما انتفاعي بنظرة تطرف الع ... ين بتلك الطلول والآثار
ما ترى البارق الذي صدع الج ... وسناه على رسوم الديار
خطفات كأنهن خيول ... تجرح العين بالسيوف الهواري
اذكرتني مباسماً وثغوراً ... حاليات تغص بالأنوار
وكؤوساً كأنما حنكوها ... في صباها بريقة الخمار
خلعت بيننا العذار ووافت ... في قميص مفكك الأزرار
لو رآها العذول صم صداه ... قال مالي وللعجوز النوار
стр. 199
لا تروعا بكر الزمان بقتل ... إن ذوب اللجين غش النضار
في سنا الشمس ما علمت غناء ... عن ضياء النجوم والأقمار
طال عمر الدجى عليّ وعهدي ... بالليالي قصيرة الأعمار
ما احتسيت المدام إلا وغصت ... لهوات الدجى بضوء النهار
حبذا طلعة الربيع وأهلا ... بمجالي عرائيس الأزهار
وزمان البهار لو عاد فيه ... غيسان الشباب عود البهار
ومبيت إذا بناني مسبى ... في ظلال العريش والنوار
كم تفياتها فحنت علينا ... حنة الأمهات والأطيار
مرحباً بالمشيب لولا زمان ... غض مني وحط من مقداري
لو وفى لي الصبا ولو عمر حين ... يا زماني أخذت منك بثاري
وقال من أخرى
أرقت لبارق في جوراسي ... جرضت لصوب عارضه بريقي
هدته النايبات وأي ضيف ... هدت يوم الفراق إلى فروقي
رفعت له بجنح الليل ناري ... فخاض الليل يعسف في الطريق
ودرت ولو بضر الهام إني ... رعيت له ولو بعض الحقوق
وقال
أين من أودعوا هواهم بقلبي ... وصلوا نارهم على كل هضب
منها
كلما فوقوا إلى الركب سهماً ... طاش عن صاحبي وحل بجنبي
يشتكى ما اشتكيت من لوعة البي ... ن كلانا دامي الحشا والقلب
وقال
ما التصابي على من شاب من باس ... أما ترى جلوة الصهباء في الكاس
الناس بالناس والدنيا بأجمعها ... في درة تعطف الساقي على الحاسي
يئست واليأس إحدى الراحتين وكم ... جلوت عني صدى الأطماع بالياس
ومنها
في كل غانية من أختها بدل ... إن لم تكن بنت راس فابنة الكراس
أودعت عقلي إلى الساقي فبدده ... في كسر جفنيه أو في ميلة الكاس
لا أوحش الله من غضبان أوحشني ... ما كان أبطاه عن بري وايناسي
سلمت يوم النوى منه وأسلمني ... إلى عدوين نمام ووسواس
ذكرته وهو لاهٍ في محاسنه ... عهود لا ذاكر عهدي ولا ناس
وددت إذ بعته روحي بلا ثمن ... لو كنت أضرب أخماساً لأسداس
يا ويح من أنت يا لمياء بغيته ... ما كان أغناه عن فكر ووسواس
قامت تغنى بشعري وهي حالية ... به ألا حبذا المكسوّ والكاسي
تقول والسكر يطويها وينشرها ... أي الشرابين أحلى في فم الكاس
يا حبذا أنت يا لمياء من سكن ... وحبذا ساكن البطحاء من ناس
ما إن ذكرتك إلا طار بي طربي ... وطاب ريح الصبا من طيب أنفاس
ولا ذكرت الصبا إلا واذكرني ... ليالياً أرضعتني درة الكاس
وجيرة لعبت أيدي الزمان بهم ... أنكرت من بعدهم نفسي وجلاسي
أيام اختال في ثوبي بلهنية ... وميعة من شباب ناعم عاس
عار من العار حال بالصبا كاس ... كأنني والصبا في برد أخماس
أنضيت فه مطايا الجهل والباس ... عريت منه وما عرّيت أفراسي
في صبية كنجوم الليل أكياس ... كان أيامهم أيام أعراس
أسمو إليهم سمو النوم للراس ... أدب فيهم دبيب السكر في الحاسي
باتوا بميشاء صرعي لا حراك بهم ... وإنما صرعتهم صدمة الكاس
يا عاذلي أنت أولى بي فخذ بيدي ... فأنت أوقعتني فيهم على راس
ويا حمام اللوى هلا بكيت معي ... على زمان تقضى أو على ناس
وقال
أرقت وصحبي بالفلاة هجود ... وقد مدّ فرع للظلام وجيد
وأبعدت في المرمى فقال لي الهوى ... رويدك يا شامي أين تريد
أهذا ولما يبعد العهد بيننا ... بلى كل شيءٍ لا ينال بعيد
стр. 200
أراقوا دمي وما دمى بمحلل ... إذا لم ترقه أعين وخدود
أأصبر عن ليل وليلى بذي الفضا ... وصحبي بحزوي إنني لجليد
هي الظبية الأدماء والبانة التي ... تميد مع الأغصان كيف تميد
منها
أناة كقرن الشمس أما ضياؤها ... فدان وأما نيلها فبعيد
وقفنا ومنا ممسك بفؤاده ... وآخر محلول العراء عميد
أليفان قد طارت بشمليها النوى ... شريد وثاو بالعراق وحيد
أقول وأمر البين قد جد جده ... وحالت هضاب بيننا ووهود
أما تتقين الله في متهالك ... على الحب حتى ما يقال وعيد
طوى كشحه طي السجل على الجوى ... وبات وشيطان الهموم مريد
إلى كم يدور الدهر بيني وبينكم ... وتبدي الليالي كيدها وتعيد
فقد جعل الواشي وأنت اتبعته ... من اليوم يسعى بيننا ويرود
يقول لقد أخلقت من جدة الصبى ... على رسله أن الغرام جديد
وقال
كليني لهمّ لا ينام ونامي ... فما الشام إن ضاقت عليّ بشام
وما بي سوى أمّ أروم وجيرة ... عزاز علينا يا عثيم كرام
وقد كنت قبل البين جلداً على الأسى ... تطالبني نفسي بكل مرام
لصوقاً بأكباد الحسان محبباً ... إلى الغيد يحلو لي لهن كلامي
يقودونني قود الجنيب إلى الهوى ... فما لي منبوذ إلى زمامي
وفي الركب مدلول اللحاظ على الحشا ... يدافع عن أترابه ويحامي
لقد كنت أما للمنايا بلحظة ... يكون المنايا في شفار حسام
يشايعه من آل كسرى ضراغم ... براثنهم عند اللقاء دوامي
يروحون والتيجان فوق رؤسهم ... الا رب تيجان زهين بهام
برزت لهم والحتف مني على شفا ... أرى الموت خلفي تارة وأمامي
أوارب عن صحب وأعلم أنني ... لأول مقتول لأول رام
فناضلته والركب بين مفوق ... وآخر مجروح الجوانح دامي
أصابت وكانت لا تصيب سهامه ... وطاشت وكانت لا تطيش سهامي
كذا الغيد يا عثماء أما هاجر ... وأما ختول لا يفي بذمام
وقال
قم هاتها وضمير الليل منشرح ... والبدر في لجة الظلماء يستبح
عجل بها وحجاب الليل منسدل ... من قبل يدري بنافي وكره الصبح
واستضحك الدهر قد طال العبوس به ... لا يضحك الدهر حتى يضحك القدح
فقام والسكر يعطو في مفاصله ... يكاد يقطر في أعطافه المرح
يطوف والليل بالجوزاء منتطق ... بها علينا رشا بالحسن متشح
في أسرة كنجوم الليل زاهرة ... لا يستخفهم في محفل فرح
ورقية من عذول طار طائره ... لا الجد يثنيه عن لومي ولا المزح
قاسمته قسمة ضيزى مواهبها ... لي الهنا وله من دوني الترح
وذي دلال كان الله صوره ... من جوهر الحسن لولا أنه شبح
أسوسه وهو غضبان وابسطه ... والسكر يخفض من صوتي فينشرح
بتنا على غرة الواشي وغرته ... اغتاظ منه بلا غيظ ونصطلح
جعلت عتبي إلى تقبيله سبباً ... والسكر يفتح باباً ليس ينفتح
حتى إذا صيرته الراح طوع يدي ... صدفت عن بعض ما يأتي به النسح
فما تبسم في وجه الصبا قدح ... حتى تنفس من جيب الدجى وضح
ودعته وجبين الصبح منذلق ... وللظلام لسان ليس يجترح
ولا يطيب الهوى يوماً لمغتبق ... حتى يكون له في اليوم مصطبح
وقال
стр. 201
وفت شمائله فقلت نسيم ... وزكت خلائقه فقلت شميم
قصر الكلام على الملام وإنما ... للخط في وجناته تكليم
شرفت معاطفه بأمواه الصبا ... وجرى عليه بضاضة ونعيم
قد كاد تشربه العيون بضاضة ... لكن سيف لحاظه مسموم
وقال
إذا أبصرت شخصك قلت بدر ... يلوح وأنت انسان العيون
جرى ماء الحياة بفيك حتى ... أمنت عليك من ريب المنون
وقال
زارني والبرق يرمي بالشرر ... وعيوني شاخصات في القمر
ذو دلال كلما مر حلا ... آه ما أحلى هواه وأمر
بينما نحن على وفق الهوى ... نتشاكي سل قلبي ونفر
وانثنى يعدو وأعدوا خلفه ... وهو يرميني بأطراف النظر
ويك يا شامي لا تطمع على ... ضعف عينيه بأحداق الخزر
وقال
رشفت صروف الدهر ماء نضارتي ... عجلان ما أدمى الفؤاد وما رمى
إن الذي صبغ الحياء بياضه ... لم يدر كيف غرقت من خجلي دما
إن الذي فارقتموه ولم يمت ... يا عز كان أعز منك وأظلما
وقال
آه يا غصن النقا ما أميلك ... جل يا غصن النقا من عدلك
قد قضى لي بتباريح الجوى ... من قضى بالحب لي والحسن لك
أكل الحب فؤادي بعدما ... لاك منى ما تمنى وعلك
هلك الشامي وجداً وأسى ... ما يبالي يا حياتي لو هلك
قل لي فيك غراماً وجوى ... قلل الله عذولاً قللك
حكم الله لفودي على ... نسخة الشيب وتسويد الحلك
يا غراب البين لا كنت ولا ... كان واش دب فيهم وسلك
أخذوا منا وأعطوا ما اشتهوا ... ما كذا يحكم فينا من ملك
جرت في الحكم على أهل الهوى ... لا تخف فالأمر لله ولك
ليت شعري أمليك في الورى ... أنت يا إنسان عيني أم ملك
حكم الدهر علينا بالنوى ... هكذا تفعل أدوار الفلك
أتراهم قد دروا أي دم ... هرق الواشي على تلك الفلك
وقال
كل شمل وإن تجمع حيناً ... سوف يمني بفرقة وشتات
لا ألوم النوى فرب اجتماع ... كان أدنى إلى نوى وثبات
مثل ما زيدت السهام غلوّا ... في صدور العدا بقرب الرماة
وقال من قصيدة
وقد جعلت نفسي تحن إلى الهوى ... حلا فيه عيش من بثينة أو مرّا
وأرسلت قلبي نحو تيماء رائداً ... لي الخفرات البيض والشدن العفرا
تعرّف منها كل لمياء خاذل ... هي الريم لولا أن في طرفها فترا
من الطيبات الرود لو أن حسنها ... يكلمها أبدت على حسنها كبرا
وآخران عرّفته الشوق راعني ... بصد كأني قد أبنت له وترا
أناشد فيه البدر والبدر غاير ... وأسئل عند الريم وهو به مغرى
فما ركب البيدا لو لم يمكن رشا ... ولا صدع الديجور لو لم يمكن بدرا
لحاظ كأن السحر فيها علامة ... تعلم هاروت الكهانة والسحرا
وقد هوى الغصن الرطيب كأنما ... كسته تلابيب الصبا ورقاً نضرا
رتقت على الواشين فيه مسامعاً ... طريق الردى منها إلى كبدي وعرا
أعاذلتي واللوم لؤم ألم ترى ... كأن بها عن كل لائمة وقرا
بغيك الثرى ما أنت والنصح إنما ... رأيت بعينيك الخيانة والغدرا
وما للصبا يا ويح نفسي من الصبا ... تبيت تناجي طول ليلتها البدرا
تطارحه والقول حق وباطل ... أحاديث لا تبقى لمستودع سرا
وتلقى على النمام فضل ردائها ... فيعرف للأشواق في طيها نشرا
يعانقها خوف النوي ثم تنثني ... تمزق من غيظ على قدك الازرا
стр. 202
ألما ترى بأن النقا كيف هذه ... تميل بعطفيها حنواً إلى الأخرى
وكيف وشى غصن إلى غصن هوى ... وأبدى فنوناً من خيانته تترى
فمن غصن بدني إلى غصن هوى ... ومن رشا يوحى إلى رشاء ذكرا
هما عذلاني في الهوى غير أنني ... عذرت الصبا لو تقبلين لها عذرا
هبيها فدتك النفس راحت تسره ... إليه فقد أبدته وهي به سكرى
على أنها لو شايعت كثب النقا ... وشيح الخزاما إنما حملت عطرا
وقال
أما الطلول فإنها خرس ... تبدو لعينيك ثم تبتئس
يا مربعاً عبث البلاء به ... عهدي بربعك وهي مكتنس
رقمت عليه يد الصبا صحفاً ... تبدو لقارئها وتنطمس
وقف الهوى والدمع منطلق ... في جوّه القلب محتبس
للطير جرس في معالمها ... فكأنما يحلوقها جرس
والورق تخطب في منابرها ... فوق الغصون كأنها حبس
فارشق حصاه فإنه شنب ... والثم ثراه فإنه لعس
كم ليلة قضيتها خلساً ... خوف العواذل والهوى خلس
قصرت عن الشكوى غياهبها ... فكأنها من قصرها نفس
بتنا وشمل الليل مجتمع ... ويد النوى في شملنا تطس
في فتية رقت شمائلهم ... فكأنهم في أفقه شمس
بيض الوجوه وجوههم سرج ... تحت الدجى ومدامهم قبس
مالوا إلى اللذات من أمم ... حتى إذا ضحك الطلا عبسوا
والبدر يرفل في غلائله ... بين النجوم وللدجى عرس
والماء بين مصفق طرباً ... فيه وآخر منقش يجس
والا يك ضاحية وشاملة ... والبان يستدعى ويلتمس
حتى إذا نطقت مزاهرنا ... خرس العذول وما به خرس
غاب الرقيب ونام حاسدنا ... فوشى علينا الطيب والنفس
وقال
مددت إلى الطبيب يدي فولى ... يروّح راحتيه من الصلاء
فقلت أصابني عين فأهوى ... إليّ وقال لي أثر الهواء
وقال مادحاً الوالد وقد أشرفه على شيء من شعره
لمدحة أحمد خلق الكلام ... وفي تقريظه يحلو النظام
فتى ورث المعالي عن أبيه ... ود أن لباسه الليث الهمام
تقصر عن مدائحه القوافي ... ويقصر عن معانيه الكلام
ففي أثوابه ليث هصور ... وفوق جبينه بدر تمام
مكارم لا يوازيهن رضوى ... توارثهن آباء كرام
رويدك قد رقيت على البرايا ... وفقت على الأنام وهم نيام
تحاضرك النجوم وهي وجوم ... ويحضرك الملوك وهم قيام
فمن أدنى مراتبك المعالي ... ومن أسنى مواهبك الذمام
تهاب ظباك غيلان المنايا ... ويخشي بأسك الموت الزوام
ومن أمضى قضواضبك القوافي ... ومن أبهى رسائلك الحسام
وأنت وأنت أفصح من أراه ... حلا فيك الترسل والنظام
أتبر ما تشنف أم قريض ... ودر ما تقلد أم كلام
هو السحر الحلال إذا ادعاه ... سواك فإنها دعوى حرام
سمت بذرى علاك ذرى المعالي ... وجاد بسيبك الغيث الركام
حججت إليك من بلد بعيد ... وأنت حطيم من صلوا وصاموا
أحث إليك انضاء عجافاً ... براهن التهجرّ والظلام
حملن إليك آمالاً ثقالاً ... ومن يرجو نوالك لا يضام
وفي البيت العتيق حططت رحلي ... فإن محلك البيت الحرام
فررت إلى جنابك من زمان ... براني مثل ما تبرى السهام
ولو عقل الزمان درى بأني ... غلام فتى له الدنيا غلام
فلا زالت بك الأيام تحلو ... كأنك في فم الدنيا ابتسام
وقال أيضاً يمدحه من قصيدة
стр. 203
وإن في الشعرات البيض لو علموا ... نوراً لعيني ونوراً على عودي
بيض وسود إذا ما استجمعا حسناً ... حسن البياض على أحداقها السود
كم للزمان ولا أخشى بوائقه ... من ضنة ولعين الملك من جود
عف الشبيبة ميمون النقيبة من ... صور الكثيبة مأمون المواعيد
أخلاق أحمد في تقوى أبي حسن ... وحسن يوسف في ملك ابن داود
لا يحسن الشعر إلا في مدائحه ... كالدر أحسن ما يبدو على الجيد
وأنشدني ويماً شيئاً من شعره فأنشده بديهة
ما نفثة السحر إلا شعرك السامي ... يا من علا كل نثّار ونظام
لأنت أفصح من لاقيت من يمن ... ومن شآم على الاطلاق يا شامي
فأجابني بقوله
رفعت يا ابن نظام الدين أعلامي ... نوهت باسمي وإن كنت بالشامي
لم ألتفت في حماكم بين أقوامي ... ألا رأيت الغني خلفي وقدامي
ثم كتب إلي هذه الأبيات
خبرتنا الحظوظ إن سوف يحيا ... بعلّى ميت النوال ويحيى
فهما ما هما من المجد غصناً ... دوحة قد زكت نماء وفيا
ما بدا لي أبوهما الندب إلا ... ورأيت الغنا يلوح عليا
بهم يستقي الغمام ويمري ... درة الجود لا بنوء الثريا
ما رجوت النوال إلا أشارت ... راحتاً أحمد إليّ اليا
علمتني هبات أحمد كيف الجو ... د حتى وهبت ما في يديا
عفت حتي المراة رغبت ألا ... تبصر العين غير مراه حيا
حبذا أنتم ملوك إذا هبت ... شمال وقام شوق الحميا
وقال
إني نظرت إلى شأو الملوك وقد ... مدت لهم قصبات السبق فانعبثوا
فجئت أنت على مهل مجيلهم ... وجاء غيرك لم يلمم له شعث
وقال
جرى أحمد نحو العلى وهو يافع ... وجملة أرض الله شوط ابن أحمد
ففي كل يوم من يدي أحمد يد ... فلا فارقت يوماً يداً أحمد يدي
وقال
لا تجزعي يا بانة الأجرعي ... حوشيت من همي ومن ضيلعي
كان قلبي بين شقى عصا ... في حب من شقوا عصا المجمع
حلوا من القلب بوادي الفضا ... ونارهم في منحنى الأضلع
وقال
يا عذولي وما أظن عذولي ... يطمع اليوم في ملامي وقذعي
هبك ثقلت بالملامة سمعي ... اختشى اليوم أن تثقل طبعي
وقال من قصيدة
هماماً هما لم يبق شيء سواهما ... تقربها العينان منذ ليال
قوارير يحلو الموت وهي مريرة ... وغيد يمر الدهر وهي حوالي
أباها بنضو يقسم العين أنه ... إذا ما بدا للعين طيف خيال
بقلب بالأيد وفي الحي غادة ... تقلب في ثوبي صبا وحمال
وفى من وفى وانحل عن قلبك الهوا ... فمن لي بقلب مثل قلبك سال
وقد كان ريعان الشباب الذي ذوا ... يميني التي أسطوا بها وشمالي
ألا حبذا حي بمنعرج اللوى ... لحى بزوراء العراق حلالي
بكيت وهل تجري الدموع بحقها ... على مثل رسم دارس وموالي
هما استفزعا صبري ودمعي كليهما ... فمن لي بخل لو شجيت بكالي
وقال
آه من دايين باد ودخيل ... وخصيمين مشيب وعذول
بياض بالأصل ... ما على من طال ليلي الطويل
عاجل القلب إليهم ناظري ... ما أضر الحسن بالقلب العجول
نادمت منهم بناني ناجذي ... واستشاط القلب في اثر الحمول
وبأكناف المصلى غادة ... سنحت لي مسنح الظبي الخذول
عرضت شرط المفدى في مهى ... يتعثرن بأطراف الذيول
قد عرفنا وقفة الركب دجى ... في سنى الجو وأنفاس القبول
إذ شفيعي عند لمياء الصبا ... ورسولي خلسة اللحظ الكليل
стр. 204
نظرت نحوي ورقراق السني ... يخطف الأبصار عن طرف عليل
حكم الله لقلبينا على ... قلق القرط ووسواس الحجول
زاد شوقي يا حمامات اللوى ... عالمينا ببكاء وعويل
أنا أولى بنواح وبكا ... لا بليتين بوجدي وغليلي
ليت شعري والأماني ضلة ... هل صبا نجد إلى الغيد رسولي
يا صبا نجد ومن لي لو دعت ... رجع قول أو أصاخت لسئول
أنت أدرى يا هناتي بالجوى ... خبر يهم يالك الخير وقولي
لو رأى وجه سليمي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل
بشرت سلمى عذولي بالنوى ... آه مما أودعت سمع العذول
وقال
حيث فاحيت بالمدام معاشراً ... حضروا وما ألبابهم بحضور
في حيهم صرعى وما استهدوا وهم ... نشوى وما مزجوا الهوى بخمور
وقال
غادرتموني للخطوب رديئة ... تغدوا عليّ صروفها وترح
ما حركت قلبي الرياح إليكم ... إلا كما يتحرك المذبوح
وقال من قصيدة
هل في القضية أن يشايعك العدي ... في ليلة فاجيت فيها سهاها
هب أن للشامي فيها بالسهى ... نسباً فأين هم وبدر دجاها
ليت التي بعثت إليّ خيالها ... أذنت لعيني أن تذوق كراها
ومنها
طرقت تخطي رقبة الواشين بي ... وعيونهم مطروفة بكراها
وأنا وموار اليدين نلوذ في ... سخف الخيام كأننا طنباها
وله أيضاً
يا لهف نفسي على شباب ... أفنيت في عصره جميعى
كان شفيعي إلى الغواني ... فمن شفيعى إلى شفيعى
إن الدراري على نواها ... أدنى من الغادة الشموع
وقال
أيا ريح الصبا إن جئت نجداً ... فجدد بالظباء العين عهدا
لقد أرضعتني ثدي الأماني ... وشبت وما بلغت به أشدا
وكم رقت على طوال ليلي ... ذوائب ذلك الرشا المفدى
وما نجد وأين ظباء نجد ... سقى الرحمان ماء الحسن نجدا
وقال
لله ما فعل المشيب ... على فراقك في شبابي
أقذى عيون الغانيات ... وفت في عضد الصحاب
ظلم كسفن مطالبي ... وتقلن في وجه التصابي
غبّرن في وجه النديم ... ورنقت صفو الشراب
الله لي من أبقع ... صبغت حلوكته ثيابي
أقوى وأبلغ في القطي ... عة من دعاء مستجاب
وافاك في برد الغراب ... ينعى الصبا نعي الغراب
ألبسته ثوب الشباب ... فكان أكذب من سراب
فإذا خضبت بياضه ... ضحك المشيب على خضابي
ولنقتصر مما أردنا ايراده على هذا المقدار. فقد طال الاحتيار وطار. وليس فيه الأكل طيب مختار. ومن تجنب الاعتساف. وتجل من الانصاف بجميل الأوصاف علم صدق ما أدعيته فيه. وتحقق إني لم أوفد ولا أوفيه.
يفنى الكلام ولا يحيط بفضله ... أيحيط ما يفنى بمالاً ينفد
стр. 205
الشيخ حسين بن شهاب الدين
بن حسين بن خاندار الشامي الكركي العاملي
طودرسي في مقر العلم ورسخ. خطة الجهل بما خط ونسخ. علا به من حديث الفضل اساده. وأقوى به من الأدب اقواؤه وسناده. رأيته فرأيت منه فرداً في الفضائل وحيداً. وكاملاً لا يجد الكمال عنه محيداً. تحل له الحبي وتعقد عليه الخناصر. أوفي على من قبله وبفضله اعترف المعاصر. يستوعب قماطر العلم حفظاً بين مقروء ومسموع. ويجمع شوارد الفضل جمعاً هو في الحقيقة منتهى الجموع. حتى لم ير مثله في الجد على نشر العلم واحياء مواته. وحرصه على جميع أسبابه وتحصيل أدواته. كتب بخطه. ما يكل لسان القلم عن ضبطه. واشتغل بعلم الطب في أواخر عمره. فتحكم في الأرواح والأجساد بنهيه وأمره. غير أنه كان كثير الدعوى. قليل العائدة والجدوى. لا تزال سهام آرائه فيه طائشة عن الغرض. وإذا أصابت فلا تخطي نفوس أولي المرض. فكم عليل ذهب ولم يلف لديه فرج. فأنشد أنا العقيل بلا اثم ولا حرج الناس يلحون الطبيب وإنما غلط الطبيب اصابة المقدور. ومع ذلك فقد طوي أديمه. من الأدب على أغزر ديمه. ومتى انقهقهت لهاة قاله بالشعر. أرخص من عقود اللآلي كل غالي السعر. إلى ظرف شميم وشمائل. تطيب بأنفاسها الصبا والشمائل والمام بنوادر المجون يحلى به حديثه والحديث شجون. ولم يزل ينتقل في البلاد ويتقلب. حتى قدم على الوالد قدوم أخى العرب على آل المهلب. وذلك في سنة أربع وسبعين فأحله الوالد لديه. محلا عقد فيه نواصي الآمال بين يديه. وأمطره سحائب جوده وكرمه. ورد شباب أمله بعد هرمه. فأقام بحضرته بين خير وخير. ونقد ما شان شأنه تأخير. حتى خوى من أفق الحياة طالعه. وأدجة بأفول عمره مطالعه. فتوفى يوم الاثنين لاحدى عشرة بقيت من صفر سنة ست وسبعين وألف عن أربع وستين سنة تقريباً رحمه الله تعالى. ومن مصنفاته شرح نهج البلاغه. وعقود الدرر. في حل أبيات المطول والمختصر. والأغاني والاسعاف وغير ذلك ومن شعره قوله مادحاً الوالد دام مجده وهي من غرر القصائد
بدت لنا وظلام الليل معتكر ... فقلت شمس الضحى لاحت أم القمر
جاء البشير وقال الشمس قد بزغت ... ليلاً فصار عياناً ذلك الخبر
فقل لمن لا منى في حبها سفهاً ... إليك عني فإني لست أعتذر
هي الحبيبة إن جادت وإن بخلت ... وكل ذنب جناه الحب مغتفر
سيان عندي إذا صح الوداد لها ... أقل في حبها اللاحون أم كثروا
لها المودة مني ما بقيت ولي ... حظ المحب وحظ العاذل الحجر
يا منية النفس إن دام الوصال لنا ... فلا أبالي أغاب الناس أم حضرو
ما لذة العيش إلا ما سمحت به ... أنت الحياة وأنت السمع والبصر
لم يلهني عنك مطلوب ولا وطن ... ولا نديم ولا كاس ولا وتر
فقت الحسان وفقت العاشقين معاً ... فلو أرادوا لحاقاً بي لما قدروا
لا غرو إن أنكروا حالي فما سمعوا ... بمثلها في الهوى يوماً ولا نظروا
مالي وما لفتاة الحي قد صرمت ... حبلى وأنكرني أترابها الأخر
هيفاء وافرة الأرداف مائلة الأع ... طاف ما شانها طول ولا قصر
بيضاء وردية الخدين وجنتها ... يكاد منها سلاف الراح يعتصر
لم يبق لي بعدها صبر ولا جلد ... ولا فؤاد ولا عين ولا أثر
إن كان قد راعها فودي فلا عجب ... إن شاب راسي ففي الأيام معتبر
يا منيتي لا تراعي من ضنا جسدي ... فنار حبك لا تبقى ولا تذر
لا تجزعي من نحولي وانظري هممي ... قد يعجز السيف عما تفعل الابر
فلا تكوني على قرب المزار لنا ... كبقلة الرمل لا ظل ولا ثمر
ما الشيب عار ولا شيء أعار به ... فلا تظنينه ذنباً ليس يغتفر
أن تهجريني فإني عنك في شغل ... من لذة العيش حيث الماء والشجر
في ظل أروع ما زالت أوامره ... تجري على وفق ما يجري به القدر
стр. 206
ماضي العزيمة لا ضعف ينهنهه ... عما يروم ولا في عوده خور
بحر من الجود لم تكذب خمائله ... يوماً ولا أخلقت إذ يخلف المطر
وليث غاب يهاب الليث سطوته ... في مأزق يحتويه البدو والحضر
إذا استدارت رحى الحرب العوان غدا ... يمشي العرضنة لأوان ولا ضجر
كأنما في مثاني درعه أسد ... لم ينشب قط له ناب ولا ظفر
ما جردت في لظى حرب صوارمه ... إلا وكادت قلوب الشوس تنفطر
يرون منها نجوم الليل ساطعة ... عند الضحى والقنا كالغاب مشتجر
فقل لمن لا منى في مدحه سفها ... هل لابن معصوم مثل حين يفتخر
من أسرة شهدت غلب الرجال لهم ... بالغلب حيث يبين النبع والعشر
لا يقبضون من الحسنى أناملهم ... ولا يجازون بالاسوا إذا قدروا
يبيت في الأمن مولاهم وحاسدهم ... بالويل حشو حشاه الخوف والحذر
لا ينكر الناس ما عاشوا سوابقهم ... ولا يساجلهم قوم وإن فخروا
يا ماجداً يهب الدنيا بأجمعها ... عفواً ويعطي الضنايا وهو يعتذر
تهن بالعيد والعام الجديد معاً ... فالعيش مقتبل والدهر مؤتمر
ودم كرضوى دواماً لا زوال له ... تنهي وتأمر لا عيّ ولا حصر
وقال يمدحه أيضاً
إلى كم وقوف العيس في رادس الرسم ... وحتام استسقى من الدمع ما يظمي
لقد كان لي عما تجشمته غنى ... ولكنها الأقدار تجري على حتم
طحا بفؤادي حب نعم وهجرها ... فيا ويح قلبي ما يقاسيه من نعم
من البيض لم تظعن بعيراً ولم ترع ... بسبي ولم تلق الرباق على البهم
كأن على أنيابها ذوب سكر ... وماء غمام مازجته ابنة الكرم
أحن لسقمي إذ بها كان أصله ... وحبك من صب يحن إلى السقم
يحاولني قومي على ترك حبها ... ولي بالهوى شغل عن الترك والعزم
أأسلوا وروحي قد تملكها الهوى ... فجردها عن عالم الروح والجسم
يعزز للرائين تمثيل صورتي ... ولكنما المرئي نوع من الوهم
وإن قال قوم غير ذاك وأرجفوا ... فقد تجنح الحرب العوان إلى السلم
ورب فتاة يغسل الكحل دمعها ... على ما رأت بي للنوائب من وسم
فديتك لا تستكثري ما ترينه ... فرب نحيف الجسم ذي شرف ضخم
وما النار إن فكرت إلا شرارة ... فما هو إلا أن تشب وإن تنمي
وخير الظبى ما أرهب العين خده ... ونيل العلا من ذابلات القنا الصم
حنانيك أني ما تقحمت مورداً ... فأعذبته حتى أمرّ له طعمي
خبير بما يرضى الخليط مجرب ... فاصمت عن حلم وانطق عن علم
واضرب وجه الأرض شرقاً ومغرباً ... وبرّاً وبرحاً لا أقيم على رسم
أزاحم أساد الشرى في مقيلها ... نهاراً وأنضى العيش في حالك الدهم
فإن ظفرت عيني برؤية أحمد ... فقد نلت من أعلى العلى أوفر القسم
وحلت ركابي في رحل ابن حرة ... له راحة تستهلك البحر إذ تهمى
وليس يبالي من أقام بظله ... جناية جان أو ظلامة ذي ظلم
حمى لم ترعه الحادثات كأنه ... رياض مني والخيف باكرها الوسمي
تضىء دياجى الخطب من نور جبينه ... وتشرق منه غرة الزمن الجهم
إذا فاضل الأعداء عاد بفضله ... ظهراً وولوا بالمذلة والرغم
أشد من الليث الهصور شكيمة ... وأمضى من السيف اليماني والسهم
стр. 207
كلا راحتيه معدن الباس والندى ... فجود إلى جود وعزم إلى عزم
هما رحمة للعالمين ونقمة ... على من تعدى ما قضاه من الحكم
بواعثه مقصورة عن سوى العلا ... فيسعى لما يرضى ويسمو لما يسمي
وما أعجزته همة عن مرامه ... ولو كان ما يبغيه في هامة النجم
إذا ما مضى في عصبة هاشمية ... كأسد الشرى قد سربلت حلل الرقم
تذل له غلب الرجال مهابة ... ويرجف منه قلب ذي المارق الدهم
وإن رمق الحصن المنيع بطرفه ... تداعي لا هدم وخر بلا رجم
إليك نظام الدين مني مدائحاً ... تفوق عقود الدر في الحسن والنظم
لها نسب في الآخرين وإنها ... وحقك يا مولاي فاقت على القدم
تهنيك بالنيروز لا زلت باقياً ... لأمثاله تسمو على العرب والعجم
وقال يمدحه أيضاً
لك الخير لا زيد يدوم ولا عمرو ... ولا ماء يبقى في الدنان ولا خمر
فبادر إلى اللذات غير مراقب ... فمالك إن قصرت في نيلها عذر
فإن قيل في الشيب الوقار لأهله ... فذاك كلام عنه في مسمعي وقر
وقالوا نذير الشيب جاء كما ترى ... فقلت لهم هيهات أن تغني النذر
لئن كان راسي غير الشيب لونه ... فرقة طبعي لا يغيرها الدهر
يقولون دع عنك الغواني فإنما ... قصاراك لحظ العين والنظر الشزر
وهل فيك للغيد الحسان بقية ... وقد ظهر المكنون وارتفع الستر
وما للغواني وابن سبعين حجة ... وحلم الهوى جهل ومعروفة نكر
فقلت دعوني فالهوى ذلك الهوى ... وما العمر إلا العام واليوم والشهر
نشأت أحب الغيد طفلاً ويافعاً ... وكهلاً ولو أوفى على المائة العمر
وهن وإن أعرضن عني حبائب ... لهن عليّ الحكم والنهي والأمر
أحاشيك بي منهن من لو تعرضت ... لنوء الثريا لاستهل لها القطر
ترقرق ماء الحسن في نار خدها ... فماء ولا ماء وجمر ولا جمر
فيا بعد ما بين الحسان وبينها ... لهن جميعاً شطره ولا الشطر
برهرهة صفر الوشاح إذا مشت ... تجاذب منها الردف والعطف والخصر
من البيض لم تغمس يداً في لطيمة ... وقد ملأ الآفاق من طيها نشر
تخر لها زهر الكواكب سجداً ... وتعنو لها الشمس المنيرة والبدر
تخال بجفنيها منا لنوم لؤثة ... وتحسبها سكرى وهي بها سكر
وقالوا إلى هاروت ينسب سحرها ... أبى الله بل من لحظها يؤخذ السحر
تخالف حالي في الغرام وحالها ... لها محض ودي في الهوى ولي الهجر
فيا ويح قلبي كم يقاسي من الهوى ... ويا ويله كم لا ينهنهه الزجر
على أنني لأجازع إن تباعدت ... بها الدار أو عز التجلد والصبر
فمدح نظام الدين دامت سعوده ... هو القصد لا بيض الكواعب والسمر
شريف له في كل قلب مدينة ... عزيز له في كل جارحة مصر
من النفر البيض الأولى شدت لهم ... صدور العوالي والمهندة البتر
إذا عد أهل الفضل كان امامهم ... وإن عد أهل البذل كان له الفخر
نهوض بأعباء المكارم كلها ... فإن ضاق عنها ماله رحب الصدر
له تسعة الأعشار من رتب العلى ... وسهم بقايا الناس منها هو العشر
تجل عن الدنيا وإن جل قدرها ... يمين ابن معصوم ونائله الغمر
وما بي إلى نوء السماكين حاجة ... وقد لامست كفي أنامله العشر
стр. 208
فلا وعده خلف ولا البرق خلب ... ولا جوده مطل ولا سيبه نزر
علقت بحبل منه لا عن جهالة ... فلم تلهني عنه العراق ولا مصر
وخضت إليه البحر لا أرهب الردى ... فصادفت بحراً لا يقاس به بحر
وأدركت من نعماه ما دونه الغنى ... فدامت لي النعمى ودام له الشكر
لئن ملت يوماً عن هواه لغيره ... فلا كانت الدنيا ولا وفر الوفر
فكفر أن ما أسدى إلي من الندى ... هو الكفر لا بل دونه عندي الكفر
وإن أنكر الحساد سابق فضله ... أقر له الركن اليماني والحجر
وما قلت ما قد قلت إلا تعللاً ... وإلا فماذا يبلغ النظم والنثر
فلا زال محروس الجناب مؤيداً ... من الله ما دام السما كان والنسر
وقال أيضاً يمدحه وزعم أنه عارض بها معلقة امرء القيس
لمن طلل أقوى بدارة جلجل ... ذكرت به ما مر من عيشي الجلي
وقفت به والعين عبرى كأنما ... يذر بجفنيها سحيق القرنفل
فلم ير طرفي غير اطلال دمنة ... خلت وخوت واختل معهدها الخلي
برغمي ارغام المطي على السرى ... وانزال ضيف الدمع في كل منزل
إلى كم هيامي لا يزول على المدى ... وحتام قلبي في اسار التعلل
إذا ما مضى يوم من الدهر مدبر ... فجعت بفينان من العيش مقبل
يعنفني في الحب قومي سفاهة ... وهيهات كم خالفت في الحب عذلي
يقولون بعت الحلم بالجهل عامداً ... فقلت لهم من بعشق الغيد يجهل
دعوني ومن قد هام عقلي بحبها ... وقلبي لديها كالأسير المسلسل
فما قربها إلا الحياة وطيبها ... وما بعدها غير الحمام المعجل
بعيدة مهوى القرط خمصانة الحشا ... أسيلة مجرى الدمع ريا المخلخل
صقيلة ما بين الترائب والطلى ... كحيلة طرف العين لا عن تكحل
أشارت لعقلي حين جد بي الهوى ... وقالت له ما تصنع الآن فارحل
فيا قلب كن عوني على ما ينوبني ... ويا كبدي ذوبي ويا عيني اهملي
أساحرة العينين معسولة اللما ... ملكت فؤادي فاجملي أو تجملي
أطعت الهوى والشوق فيك صبابة ... وأصبحت عن عقلي وصبري بمعزل
صلي واقطعي وارضي إذا شئت واغضبي ... عليّ وجوري ما بدا لك واعذلي
فلا يطمع الواشون مني بسلوة ... ولا الحبل متبول ولا الحب منسلي
ولست بميال إلى كل صارخ ... ولا طالب للورد من كل منهل
وإن جهلت قدري بلاد هجرتها ... مشيخاً كصوب الوابل المتهلل
جزى الله موج البحر عني وفلكه ... جزاء كريم واسع الجود مفضل
هما أنزلاني والحوادث جمة ... بروض أريض وافر الظل مخضلي
له معهد حل السماح نطاقه ... به من قديم ثم لم يتحول
حمى معدن العليا وغيث ذوي الظما ... وعون أولى البلوى وغيث المؤمل
جناب نظام الدين أحمد من سما ... على الناس في مجد أخير وأول
حوى ما حواه الأكرمون وفاقهم ... بسعى معم في المكارم مخول
فصاحة قس في سماحة حاتم ... واقدام عمرو في وفاء السمؤل
حليف الندى إن حل في صدر محفل ... وحتف العدى إن سار في صدر جحفل
كأن له في كل منبت شعرة ... بداً في لظى الهيجاء تسطو بمنصل
جواد إذا ضن الجواد بماله ... وقور إذا خفت قواعد يذبل
غيور إذا خلى الغيور حريمه ... حمول إلى اجتثت أصول التحمل
فما روضة بالحز باكرها الحيا ... بارعن رجاس منا لمزن مسبل
стр. 209
إذا خطرت فيها الصبا عبقت بها ... عوابق من ريا عبير ومندل
يا طيب نشراً من خلائق أحمد ... ومن شك أو لم يدر ما قلت يسأل
وهيهات أن أحصي علاه وجوده ... دليل على امكان كون التسلسل
نديمي أدر لي كاس راح حديثه ... ودعني من ذكرى حبيب ومنزل
ففيه وإلا فالحديث مضيع ... وعنه وإلا فهو عين التقول
إليك نظام الدين منى مدائحاً ... تفوق على نظم الجمان المفصل
وما أنا ممن يجعل الشعر همه ... وإن كان شعري نزهة المتأمل
ولكن دعاني ما رأيت وشاقني ... علاك فطاب المدح فيك ولذ لي
تهن بعيد أنت في الناس مثله ... تفوق عليهم بالمعالي وتعتلي
وقال مادحاً أيضاً
تبدت لنا والبدر للغرب جانح ... وكاس الكري في راحة الطرف طافح
بحيث السهى ترنو بعين كليلة ... وانسانها في لجة الجو سابح
وحيث النجوم الزاهرات كأنها ... توقد منها في الظلام مصابح
كأن على الآفاق روض بنفسج ... وهن الظبا العيس فيه سوانح
فلما تجلى نورها نسخ الدجا ... فلا أعزل الأغدا وهو رامح
لك الله شمس يكسف الشمس نورها ... وبدر لنور البدر في التم فاضح
كأن نجوم الليل ورق حمائم ... وفي كل جزء من محياك جارح
خليلي عوجا بي على أيمن الحمى ... لعل سماحاً بالوصال تسامح
سواء علىّ الموت أم شطت النوى ... بسمحاء أم حر الوريدين ذابح
تجنبتها لا عن ملال ولا قلى ... ولكن مصاب يصدع القلب فادح
مصاب إذا أخفيته مت لوعة ... ووجداً وإن أبديته فهو فاضح
وإن رمت أسلو حبها حال دونه ... رسيس جوى ضمت عليه الجوانح
قضى الله يا سمجاء بالبين بيننا ... إلى كل ما يقضي به الله صالح
حنانيك أنت البرء والداء إنما ... يفوز ويشفي فيك دان ونازح
لقد فتكت بي غارة منك شنها ... على القلب غاد من هواك ورائح
فلا تنع إن شطت بك الدار أو دنت ... وسيان عندي فيك لاح وناصح
سقى الله هاتيك المعاهد عارضاً ... من المزن تمريه الرياح اللواقح
ليغدو بها نشر الخزاما كأنما ... يخالطه من نشر دارين نافح
كأن خدود الورد والطل فوقها ... خدود الغواني فوقها الدمع ناضح
كأن ابتسام الروض والجو عابس ... محيا نظام الدين والدهر كالح
همام إذا يممت أعتاب مجده ... تحامتك أخطار الزمان الفوادح
يزيد على اللأواء حرصاً على النوى ... كما أرهف السيف اليماني ماسح
مقيم بظل المجد حيث توطدت ... أو أخيه مهما يبرح المجد بارح
إذا أظلمت شهب الكمال أنارها ... وإن خمدت زند العلى فهو قادح
وإن ظنت الأنواء جادت يمينه ... وإن منعت أهل الندى فهو مانح
أحاتم أم كعب بن امامة مثله ... أبى الله إن الفرق كالصبح واضح
وكل امرء رام الغنى دون بابه ... فقد حجبت عنه المنى والمنائح
أقايسه بالبحر لا ينبغي له ... وهل يستوي عذب فرات ومالح
وأزعم أن الغيث مثل يمينه ... وهيهات وشاك القطا ووطاقح
هو البدر بدر التم لولا محاقه ... هو الشمس لا بل منه فيها ملامح
إلى مثله عمداً وفي ظل مثله ... تحث المهارى أو تراح الروازح
هو ابن رسول الله وابن وصيه ... فماذا عسى أن يبلغ القول مادح
فيا مستفيد المال كيما يفيده ... إذا غل في الازم الأكف السحائح
стр. 210
سأكسوك من مكنون نظمي وشائعاً ... تناط بجيد الدهر منها وشائح
تدوم دوام الفرقدين على المدى ... إذا لحقت بالمادحين المدائح
وقال مادحاً له أيضاً ومهنئاً بعيد الفطر
سرت والليل محلول الوشاح ... ونسر الليل مبلول الجناح
وثغر الشرق يبسم عن رياض ... مكللة الجوانب بالأقاح
كأن كواعب الظلماء روم ... على دهم تهب إلى الكفاح
كأن المشتري والنجم ساق ... يدير على الندامى كاس راح
فواعجباه هل يخفى سراها ... وقد أرجت برياها النواحي
من البيض الحسان إذا تجلت ... تخال جبينها فلق الصباح
مهفهفة يغار البدر منها ... ويخجل قدها هيف الرماح
أبث لطرفها شكوى غرامي ... وهل يشكو الجريح إلى السلاح
وأطمع أن يزايلني هواها ... ومن ينجو من القدر المتاح
فلا تأوى لكسرة ناظريها ... فكم أودت بالباب صحاح
أحن إلى هواها وهو حتفي ... كمجروح يداوي بالجراح
ولا وأبيك ليس الحب سهلاً ... فكم جد تولد من مزاح
خلقت من الغرام فلا أبالي ... أكان به فسادي أم صلاحي
ولولا تمسك الاطمار جسمي ... لطار من النحول مع الرياح
وحب الغانيات حياة روحي ... وراحتها وريحاني وراحي
مجتهين ضاهت في فؤادي ... محبة أحمد طرق السماح
همام إذ تجال سهام مجد ... يكون له المعلى في القداح
تمازج في المكارم والمعالي ... مزاج الراح بالماء القراح
تروقك منه أخلاق توالت ... على نهج النجابة والنجاح
فمن شرف أناف به مصون ... يجاوزه إلى مال مباح
يحاول سر سودده حياء ... وهل تخفى الغزالة في الضواحي
تمر به الأماني ذات ضنك ... فتصدر ذات آمال فساح
تملك قلبه حب المعالي ... وجانب ما تزخرفه اللواحي
وقور الجاش أثبت من ثبير ... عشية يصبح النشوان صاحي
عشية ليس يغني عن خليل ... سوى ضرب القوانس بالصفاح
عشية تصبح الأبطال صرعى ... وقد قدموا له الفرس الوقاح
هناك تراه كالضرغام بأساً ... وقد خلط السكينة بالطماح
يخال السمر والبيض المواضي ... حسان السمر والبيض الصباح
أرائض كل مكرمة شموس ... ملكت عنانها بعد الجماح
إليك فريدة كالعقد تزهو ... على جيد البر هرهة الرداح
تزورك وهي تمرح من نشاط ... فيثقلها نداك عن المراح
ولم أمدحك كي تزداد فخراً ... ولكن كي أزين بك امتداحي
فدم للخائفين أعز كهف ... وشاحك للوفود أعزّ ساح
وذا شهر الصيام مضى حميداً ... وأعلى فطره لك بالفلاح
فطب عيشاً بذاك وقر عيناً ... ففي الأضحي أعاديك الأضاحي
وقال يمدح بعض أكابر عصره
أشمس الضحى لا بل محياك أجمل ... وغصن النقا لا بل قوامك أعدل
سفرت لنا حيث النجوم كأنها ... كواعب في سود المطارف ترفل
كان الهزيع الأبنوسيّ حالك ... كأن الدجى ستر على الأرض مسبل
كان الثريا إذ تراءت لناظري ... وشاح على جيد الزمان مفصل
كان سهيلاً والنجوم تؤمه ... نوافر ورق خلن قد لاح أجدل
كان السهى ذو صبوة غاله النوى ... فأنحله وللبين الصب ينحل
فلما بدا مرآك شابت فروعه ... وكان مسوداً للعذائز اليل
لعا لعثاري كيف لا أبلغ المنى ... وأدرك شأو نيله ليس يؤمل
وقد أدركتني من أبي الجود نظرة ... فأشرق نجمي بعدما كاد يأفل
منها
стр. 211
وللمجد فضل حيث كان وإنه ... إذا كان في زاكي الأرومة أفضل
كذا الدر يزهو حيث نيطت عقوده ... ولكنه فوق الترائب أجمل
وقال أيضاً
سقى العهد صوب العهد سحاً وعارضاً ... وحيا الحيا تلك الربوع الفضا فضا
ولا أوحش الله الشباب وعهده ... وعيشاً كأني كنت أطويه راكضا
تبدلت من ذاك الزمان وطيبه ... هموماً تذيب القلب بكراً وفارضا
إذا عرضت لي حاجة حال دونها ... عوارض لا تنفك تحدو عوارضا
وفيض دموع كلما قلت أقلعت ... سحائبها عني ملأن المفايضا
مصائب لو حلت بأكناف يذبل ... تدكدك أبو بالبحر أصبح غائضا
وكل خليل كنت أرجو وداده ... أراه مريض القلب أو متمارضا
إلى الله أشكو حاجة لا أنالها ... ودهراً إذا حاولت أضحى معارضا
واخوان سوء ليس فيهم إذا بنت ... بي الدار إلا خاذلاً أو مناقضا
أراني إذا عاهدتهم في ملحة ... ورمت ألوفاً منهم على الماء فائضا
أيخدعني هذا الزمان وأهله ... وقد ذقته حلواً ومراً وحامضا
فعود قناتي لا يلين لغامز ... وثوب اصطباري لا يخاف المقارضا
ولست أبالي كنت للنار واطياً ... لما نابني أو كنت للماء خائضا
فشأنك يا دهري وما أنت صانع ... فلست لعهد الخل ما عشت ناقضا
فليس ينال المجد إلا ابن حرة ... بكون بأعباء العشيرة ناهضا
وقال أيضاً
هي العيس ما زالت تغرر رؤسهم ... وما زال صرف الدهر يبني ويهدم
دع السانحات البارحات فإنما ... حديث الليالي غير ما يتوهم
تشطرت دهراً منذ نشأت فلم أجد ... صديقاً يواسيني ولم يتألم
سوى ناصح يبدي الوداد ونصحه ... عليّ من الشكوى أشد وأعظم
ولست برمال ولا بمنجم ... ولن حكيم في النفوس محكم
ثلاثين عاماً لم أجد لي معارضاً ... سوى حاسد من غيظه يتضرم
إذا عرض الداء العضال رأيته ... يقبل كفي عاجزاً وهو محجم
وهل ينكر الحساد حالي وحالهم ... وكلهم دوني فصيح وأعجم
ورب أخ أهدي إليّ نصيحة ... بأمر على الدنيا به أتحكم
فقلت له إن البلاد فسيحة ... وكل مكان للكريم مخيم
على أنني أدري وما كنت جاهلاً ... بأن الذي قد قلت مغني ومغنم
ولكن كلام النفس داء مخامر ... يمازجه سم وصاب وعلقم
يقولون ما هذا وما بال حرصه ... وأطماعه تسعى به وهو مقدم
وأشياء أخرى لو أشاء لقلتها ... ولكنني عن منطق اللغو ملجم
رأيت ركوب البحر أجمل بالفتى ... وذو العقل يمضى للتي هي أسلم
على جسره من خالص الساج لو مشت ... تساوي لديها برضين وديلم
إذا زنجر الملاح طارت فلم يبن ... لطرفك منها كوثلاً أو مقدم
تراها كمركوم السحاب وفوقه ... إذا شمته من ناصح الشرع أنجم
كان بها جسراً على الماء آخذاً ... إلى آخر الدنيا به البحر مفعم
فتلك ركابي لا سرير يقله ... على رأسه في الهند تيس معجم
وفي الأرض مسرى للكريم ومسرح ... وما هي إلا جنة أو جهنم
وقال أيضاً
وأقسم ما الفلك الجواري تلاعبت ... بها الصرصر النكباء في لجة البحر
بأكثر من شوقي وجيبا وشملنا ... جميع ولكن خوف حادثة الدهر
وأنشدني الوالد بيتين في المعنى لشاعر عصري بدوي من شهران قال وهما من قصيدة طويلة نحو مائتي بيت
ووالله ما الثوب الذي متقلل ... على شرف تومى الدراري بجانبه
стр. 212
بأكثر من قلبي خفوقاً وحيناً ... جميع وخوفي أن تنائي عواقبه
وقلت أنا في المعنى
واقسم بالبزل النوافخ في اليرى ... تؤم مني والنافرات ضحى النفر
لما لجت الدأما يوماً تقاذفت ... بها عاصف نكباء في شاطىء البحر
بأكثر من قلبي اضطراماً ولم تعث ... يد الدهر فينا بل حذ أريد الدهر
وقال أيضاً
يا شقيق البدر أخفي ... فرعك المسدول بدرك
فارحم العشاق واكشف ... يا جميل الستر سترك
وقال أيضاً
جودي بوصل أو ببين ... فاليأس إحدى الراحتين
أيحل في شرع الهوى ... أن تذهبي بدم الحسين
ودخل علي يوماً فأنشدني لأمر اقتضى ذلك. وقد أراد القيام بانجازه فضاقت عليه المسالك. بعد بثه على شكوى أحوال ضاق بها ذرعاً. واقسم لولا الحيا والمروة لم يبق بينه وبين من عناه من الصحبة أصلاً ولا فرعاً. ثم قال ولكني أقول. فقال وبهر العقول
ولقد تأملت الزمان وأهله ... فرأيت نار الفضل فيهم خامده
فقن تجوش ودولة قد حازها ... أهل الرذالة والعقول الفاسده
فقلوبهم مثل الحديد صلابة ... وأكفهم مثل الصخور الجامده
فرأيت أن الاعتزال سلامة ... وجعلت نفسي واو عمرو الزائده
الشيخ محمد بن الحسن بن علي بن محمد الحر الشامي العاملي
علم علم لا تباريه الاعلام. وهضبة فضل لا يفصح عن وصفها الكلام. أرجت أنفاس فوائده أرجاء الأقطار. وأحيت كل أرض نزلت بها فكأنها لبقاع الأرض أمطار. تصانيفه في جبهات الأيام غرر. وكلماته في عقود السطور درر. وهو الآن قاطن بأرض العجم. ينشد لسان حاله. أنا ابن الذي لم يخزني في حيائه. ولم آخذه لما تغيب بالرجم. يحيى بفضله مآثر أسلافه. وينتشىء مصطبحاً ومغتبقاً برحيق الأدب وسلافه. وله شعر مستعذب الجنا. بديع المجتلى والمجتني. ولا يحضرني الآن من شعره إلا قوله
فضل الفتى بالبذل والاحسان ... والجود خير الوصف للانسان
أو ليس إبراهيم لما أصبحت ... أمواله وقفاً على الضيفان
حتى إذا أفنى اللهى أخذ ابنه ... فسخى به للذبح والقربان
ثم ابتغى النمرود إحراقاً له ... فهوى بمهجته على النيران
بالمال جاد وبابنه وبنفسه ... وبقلبه للواحد الديان
أضحى خليل الله ﷻ ... ناهيك فضلاً خلة الرحمن
صح الحديث به فيا لك رتبة ... تعلو بأخمصها على التيجان
هذا الحديث رواه أبو الحسن المسعودي في كتاب أخبار الزمان وقال إن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇ أنك لما سلمت مالك للضيفان. وولدك للقربان. ونفسك للنيران. وقلبك للرحمن. اتخذناك خليلاً والله أعلم
الشيخ محمد بن علي الحر
الأديب الشامي العاملي
حر رقيق الشعر عتيق سلافة العرب. ينتدب له عصى الكلام إذا دعاه وندب. له شعر يستلب نهي العقول بسحره. ويحل من البيان بين سحره ونحره. فهو أرق من خصر هيفاء مجدولة وأدق. وأصفى من شهباء يشعشعها أغن ذو مقلة مكحولة الحدق. فمن قوله وأجاد في التورية بلقبه ما شاء
قلت لما جليت في هجو دهر ... بذل الجهد في احتفاذ الجهول
كيف لا أشتكي صروف زمان ... ترك الحر في ذوايا الخمول
وقوله أيضاً
يراكم بعين الشوق قلبي على النوى ... فيحسده طرفي فتنهل أدمعي
ويحسد قلبي مسمعي عند ذكركم ... فتذكر وحرارات الجوى بين أضلعي
وقوله أيضاً
وكم غلت الأحشاء من حرارة ... من الدهر لافات الردى هامة الدهر
تقدمني بالمال قوم أجلهم ... لديّ مقاماً قد رفا ضلة الظفر
وقوله أيضاً
يا دهر كم تحتسى منك الورى غصصاً ... وكم تراعى لأهل اللوم من ذمم
بحكمة الله لكن الطباع ترى ... في رفعة النذل صدعاً غير ملتئم
الأمير منجك الشامي
стр. 213
أمير مورده في الفضل نمير. ومحله لأعلى الكواكب سمير. تأصلت دوحة فضله بالشام وتفرعت. واقتدت مكارمه بأسلافه في الكرم وتبرعت. إلى نخوة وهمة. تستنير بهما الليالي المدلهمة. وشرف ومجد. أشرق بهما كل غور ونجد. وحميد أخلاق سلمت من مساوى الزهر والكبر. وآداب تكاد بيوته إذا ذكرت يبيض من نورها الحبر. وقد وقفت له على قطعة عليها امارة الامارة. وجزالة البدو ورقة الحضارة هي عنوان ملكته في الأدب واقتداره. وعلو مقامه وسمو مقداره
دنوّا فقد أوهى متجلدي البعد ... ووصلاً فقد أدمى جوانحي الصد
أحن غراماً فيك خيفة كاشح ... ومن مدمعي ودق ومن كبدي وفد
وبي فوق ما بالناس من لاعج الهوى ... ولكن أبي أن يجزع الأسد الورد
فيا من يبيد الرشد فيمن أحبه ... متى يلتقي الحب المبرح والرشد
تلاعبت بالأشواق حتى لعبن بي ... وما كنت أدري أن هزل الهوى جد
بليت بقاس لا يرق فؤاده ... عليّ وها قد رق لي الحجر الصلد
أعاني به ما يعجز الدهر بعضه ... واحمل ما قد كل عن حمله الجهد
وارفع عنه النفس وهي عصية ... وهل يمكن الظمآن عن مورد رد
إذا جئته يوماً لبث شكية ... أروح بأشجان على مثلها أغدو
تهددني من مقلتيه إذا رنا ... قواضب مما يطيع الله لا الهند
حداد يلوح الموت في صفحاتها ... مواض لها في كل جارحة غمد
واشتاق إذا ما عن في القلب ذكره ... واطرب ما بات اللسان به يشد
السيد أحمد الصفدي
الدمشقي الشامي
أنشدني له شيخنا العلامة محمد الشامي قوله
صه يا حمام فلست المشوق ... ولا بات حالك فيها كحالي
فما من تباكى كما من بكي ... ودمع الأسى غير دمع الدلال
وهو من قول مهيار الديلمي
جاءت تثنى بين ريحانه ... تفتق مسكاً وكثيب رمال
فلا وعينيها وأردافها ... وشقوة الدعص بها والغزال
ما قدها هز نسيم الصبا ... وإنما ميّل غصناً فمال
حتى إذا الليل قضى ما قضى ... خفت مع الفجر خطاها الثقال
فابتدرت تغنم فضل الدجى ... سبق مغاوير النجوم التوال
تبكي وأبكى غيران الأسى ... دموعه غير دموع الدلال
الشيخ حسن بن محمد البوريني
الشامي
عالم شهد بفضله العالم. وفاضل سلم له كل مناضل وسالم. محله في الفضل معروف لا ينكر. وقدره في العلم معرفة لا تنكر. ملأ صيته كل موطن وقفر. فغنى به حضر وحدا به سفر. إلى أدب ما ميط عن مثل حسنه نقاب. ولا نسقت بمثل فرائده قلائد الرقاب. ومن أجل مؤلفاته شرح ديوان الشيخ ابن الفارض. الذي هو في حسن الاختراع بكر لا فارض. فقد سار سير الامثال. وعز أن يلفى له في الشروح مثال. وأما شعره فالروض دبجته أيدي الغمام. فافترت أزهاره ضاحكة عن مباسم الكمام. فمنه قوله وأجاد ما شاء
وحقك لو تشاهدني بليل ... ولي في طوله حزن طويل
ولي كف غدت سنداً لخدي ... وأخرى فوق صدري لا تحول
وقد أجريت من دمعي دموعاً ... غزاراً دون مجراها السيول
وقد علقت جفوني في نجوم ... تزول الراسيات ولا تزول
وقد أفنى النحول دمي ولحمي ... فما لي غير أفكار تجول
لكنت بكيت لا أبكيت حزناً ... لحال ليس يرضاها خليل
وقوله من مقصورة له
بحقك يا نجم لا تنسني ... وذكر بحالي بدر الدجى
فأنت سميري إذا ما سرت ... شمول الكرى في عيون الورى
وقل أيها البدر هل ترحمنّ ... محباً لفرط النحول اختفى
ينادي بجنح الدجا باكياً ... رعى الله عيشاً مضى بالحمى
رعا الله غصناً سقاه الشبا ... ب سحاباً من الحسن حتى انتشى
لمن يشتكي ما بأحشائه ... وأنت الطبيب وأنت الدوا
стр. 214
إذا لم تكن مشتكي حزنه ... فليس له في الورى مشكى
وقوله أيضاً
أيا قمراً قد بت في ليل هجره ... أراقب أسراب الكواكب حيرانا
جعلتك في عيني لتخفى عن الورى ... وما كنت أدري أن في العين انسانا
ذكرت بهذا قول الرمادي شاعر الأندلس
من حاكم بيني وبين عذولي ... الشجو شجوي والعويل عويلي
في أي جارحة أصون معذبي ... سلمت من التعذيب والتشكيل
إن قلت في بصري فثم مدامعي ... أو قلت في قلبي فثم غليلي
لكن جعلت له المسامع موضعاً ... وحجبتها عن عذل كل عذول
ولما سمع أبو الطيب المتنبي البيت الثاني من هذه الأبيات وكان معاصره قال يصونه في استه وكان الرمادي لما سمع قول المتنبي
كفى بجسمي نحولاً أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
قال أظنه ضرط والجزاء من جنس العمل رجع ومن شعره قوله أيضاً
سألتك يا روحي بحقك لا تطل ... مغيبك عن صب إليك مشوق
إذا غبت عنه ساعة صار أعينا ... يلاحظ يا مولاي كل طريق
وقال أيضاً
وبمهجتي من لو تبدى وجهه ... فضح الشموس المشرقات جبينه
وإذا رنا متماثلاً في عالج ... سجدت له غزلانه وغصونه
وقال أيضاً
تحقق أني فيه أصبحت مغرماً ... ولكنه لم يدر ما سبب الحب
تعشقت منه حالة لست قادراً ... على وصفها إذ لم يذقها سوى قلبي
وقال وقد أقسم من يهواه. أن لا يحل مكاناً حواه.
يا مقسماً بالمثاني أن يجيء مكاني ... كفر يمينك حتماً فأنت وسط جناني
متى تباعدت عني وأنت في القلب دان ... متى تغيبت عني وأنت عين عياني
والله ما كنت وحدي ... إلا رأيتك ثاني
وقال أيضاً
لست مولاي أبتغي منك وصلاً ... لا ولا أبتغي اقتراب حماكا
إنما منيتي وغاية قصدي ... وسروري من الزمان رضاك
وقال في المعنى
كلهم يطلبون وصلاً وقرباً ... ومرادي من الزمان رضاكا
كل ما في الوجود غيرك وهم ... أبعد الله كل شيء سواكا
وقال أيضاً
أترى ترق لحالتي ... يا من تغافل عن شؤوني
هلا رحمت مدامعاً ... سالت عيوناً من عيوني
وقال أيضاً
ظمئت من الزمان فصار وردي ... كورد الشاربين من السراب
ولم تترك لي الأيام صبراً ... سوى قدر المودة في الصحاب
وقال أيضاً
وما الجزع لولا أنتم فيه برهة ... وما أهله لولا يكون لكم ذكر
وما ساكنون الحي إلا لأجلكم ... لهم عندنا شوق وفي قلبنا قدر
وهو ينظر إلى قول الأول
أحبابنا ما الجزع ما المنحني ... ما رامة ما الشعب لولاكم
ما قام هذا الكون إلا بكم ... وما الجود المحض إلاّكم
وله أيضاً
أرى الجسم مني يضمحل وإنما ... محبتكم تقوي عليّ وتثبت
ولم يبق من غرس السلو بقية ... ولكن غصون الود في القلب ينبت
وله أيضاً
شغلت بحبيه عن الخلق جملة ... سوى من به شاهدت بعض صفاته
وعما قليل يعدم الناس كلهم ... لديّ فلا أصبو إلى غير ذاته
وله من قصيده
تخيل لي نفسي على البعد سلوة ... وذلك في التحقيق سلوان سلواني
وكيف سلوي عن هواك بغيره ... وما شمت انساناً سواك بإنساني
وله من أخرى
ما زلت أطلبه في كل ناحية ... فينظر الناس مني فعل حيران
وأورد له صاحب الريحانة شعراً غير هذا لم نثبت منه شيئاً وفاء بالشرط
الشيخ عبد الرحمن العادي
مفتي الحنفية بدمشق المحمية
стр. 215
علامة الزمان. وشقيق النعمان. الناشر على العلم والعمل. والمحرز أدوات الكمال عن كمل. العمدة الرفيع العماد. المتميز على أقرانه تميز الروى على الثماد. فاضل له في الفضل فواضل واياد. وفقيه أفكاره شدت للنعمان ما يشده شعر زياد. إلى أدب ظهرت آياته وبهرت. ونشرت راياته بالمحاسن واشتهرت. فإذ عن له كل ناثر وناظم. وأعظم قدره الأكابر والأعاظم. إن قال فالبلاغة منوطة بمقالة. أو كتب فالبراعة موثقة بعقاله. وكرم هو ضرة الغمام. وايادهى الأطواق والناس الحمام. وخلق من لباب المكارم مخلوق. وشيم يستغنى بطيبها عن كل طيب وخلوق. وأشعاره درر لم يحتو على مثلها صدف. وغرر لم ينحل بمثلها صدف. فمن نظمه ونثره ما كتبه إلى الشيخ أحمد المقري وهو بمصر.
إلى أهل مصر أهدي السلام ... مبتدئاً بالمقري الهمام
من ضاع نشر العلم من عرفه ... ومن يضع منه الوفا للذمام
أهدى تحية التحية. إلى حضرته العلية. وذاته ذات الفضائل السنية الأحمديه التي من صحبها لم يزل موصولاً بطرائف الصلاة. وبطوائل الأوحدية. الجامعة التي منها عليها شواهد.
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
فيا من جذب قلوب أهل عصره إلى مصره. وأعجز عن وصف فضله كل بليغ ولو وصل إلى النثرة بنثره. أو إلى الشعرى بشعره. ومن زرع حب حبه في القلوب فاسبق أعلى سوقه. وكاد كل قلب يذوب بعد بعده من حر شوقه. وظهرت شمس فضله من الجانب الغربي فبهرت بالشروق. وأصبح كل صب وهو إلى بهجتها مشوق. زار الشام ثم ما سلم حتى ودع. بعد أن فرع بروضتها أفنان الفنون فأبدع. وأسهم لكل من أهلها نصيباً من وداده فكان أوفرهم سهماً هذا المحب الذي رفع بصحبته سمك عماده. وعلق لمحبته شفاف فؤاده. فإنه دنا من قلبه فتدلى. وفاز من حبه بالسهم المعلى. أدام الله لنا البقا. وأحسن لنا بك الملتقى. ومن علينا بنعمة قرب اللقا. هذا وقد وصل من ذلك الخل الوفي. كتاب كريم وهو اللطف الخفي. بل هو من عزيز مصر القميص اليوسفي جاء به البشير مشتملاً على عقود الجواهر. بل على النجوم الزواهر. بل الآيات البواهر تكاد تقطر البلاغة من حواشيه. ويشهد بالوصول إلى طرقها الأعلى لموشيه. فليت شعري بأي لسان. أثنى على فصوله الحسان. العالية الشان. الغالية الأثمان. التي هي أنفس من قلائد العقيان. وأبدع من مقامات بديع الزمان. فطفقت أرتع من معانيها في أمتع رياض. وأقطع بان في منشئها اعتياضاً لهذا العصر عن عياض.
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فلا أرضى لها كلمي
إلى غير ذلك ومن نظمه ما كتبه إلى الشيخ المذكور أيضاً
شمس هدي أطلعها المغرب ... وطار عنقاء بها مغرب
فأشرقت في الشام أنوارها ... وليتها في الدهر لا تغرب
شهاب علم ثاقب فضله ... ينظم عقداً منه لا يثقب
فرع علوم بالهدى مثمر ... وروض فضل بالندى مشغب
قد ارتدى ثوب علي وامتطى ... غارب مجد قرها المركب
درس غريب كل يوم له ... يملي ولكن حفظه أغرب
محاضرات مسكر لفظها ... بكاس سمع راحها تشرب
رياض آداب سقاها الحيا ... ففاح مسكاً نشرها الأطيب
فضائل عمت وطمت فقد ... قصر فيها كل من يطنب
قلوبنا قد جذبت نحوه ... والحب من عاداته يجذب
إن بعدت عن غربه شرقنا ... فالفضل فينا نسب أقرب
كم طلبت تشريفه شامنا ... بشرى لها فليهنها المطلب
قد سبقت لي معه صحبة ... في حرم يؤمن من يرهب
أخوة في الله من زمزم ... وضاعها طاب به المغرب
أنهلني ثم وداداً فلى ... بالشام منه علل أعذب
ضاء دجى العلم به للورى ... ما ضاء في جنح الدجا كوكب
فراجعه الشيخ بقوله
ما تبر راح كاسها مذهب ... ما للنهى عن حسنها مذهب
يستدفع الاكدار من صفوها ... وتنهب الأفراح إذ تنهب
تسعى بها هيفاء من ثغرها ... وفرعها لأنوار والغيهب
следующие страницы →