Полный текст (350 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وللمجد فضل حيث كان وإنه ... إذا كان في زاكي الأرومة أفضل
كذا الدر يزهو حيث نيطت عقوده ... ولكنه فوق الترائب أجمل
وقال أيضاً
سقى العهد صوب العهد سحاً وعارضاً ... وحيا الحيا تلك الربوع الفضا فضا
ولا أوحش الله الشباب وعهده ... وعيشاً كأني كنت أطويه راكضا
تبدلت من ذاك الزمان وطيبه ... هموماً تذيب القلب بكراً وفارضا
إذا عرضت لي حاجة حال دونها ... عوارض لا تنفك تحدو عوارضا
وفيض دموع كلما قلت أقلعت ... سحائبها عني ملأن المفايضا
مصائب لو حلت بأكناف يذبل ... تدكدك أبو بالبحر أصبح غائضا
وكل خليل كنت أرجو وداده ... أراه مريض القلب أو متمارضا
إلى الله أشكو حاجة لا أنالها ... ودهراً إذا حاولت أضحى معارضا
واخوان سوء ليس فيهم إذا بنت ... بي الدار إلا خاذلاً أو مناقضا
أراني إذا عاهدتهم في ملحة ... ورمت ألوفاً منهم على الماء فائضا
أيخدعني هذا الزمان وأهله ... وقد ذقته حلواً ومراً وحامضا
فعود قناتي لا يلين لغامز ... وثوب اصطباري لا يخاف المقارضا
ولست أبالي كنت للنار واطياً ... لما نابني أو كنت للماء خائضا
فشأنك يا دهري وما أنت صانع ... فلست لعهد الخل ما عشت ناقضا
فليس ينال المجد إلا ابن حرة ... بكون بأعباء العشيرة ناهضا
وقال أيضاً
هي العيس ما زالت تغرر رؤسهم ... وما زال صرف الدهر يبني ويهدم
دع السانحات البارحات فإنما ... حديث الليالي غير ما يتوهم
تشطرت دهراً منذ نشأت فلم أجد ... صديقاً يواسيني ولم يتألم
سوى ناصح يبدي الوداد ونصحه ... عليّ من الشكوى أشد وأعظم
ولست برمال ولا بمنجم ... ولن حكيم في النفوس محكم
ثلاثين عاماً لم أجد لي معارضاً ... سوى حاسد من غيظه يتضرم
إذا عرض الداء العضال رأيته ... يقبل كفي عاجزاً وهو محجم
وهل ينكر الحساد حالي وحالهم ... وكلهم دوني فصيح وأعجم
ورب أخ أهدي إليّ نصيحة ... بأمر على الدنيا به أتحكم
فقلت له إن البلاد فسيحة ... وكل مكان للكريم مخيم
على أنني أدري وما كنت جاهلاً ... بأن الذي قد قلت مغني ومغنم
ولكن كلام النفس داء مخامر ... يمازجه سم وصاب وعلقم
يقولون ما هذا وما بال حرصه ... وأطماعه تسعى به وهو مقدم
وأشياء أخرى لو أشاء لقلتها ... ولكنني عن منطق اللغو ملجم
رأيت ركوب البحر أجمل بالفتى ... وذو العقل يمضى للتي هي أسلم
على جسره من خالص الساج لو مشت ... تساوي لديها برضين وديلم
إذا زنجر الملاح طارت فلم يبن ... لطرفك منها كوثلاً أو مقدم
تراها كمركوم السحاب وفوقه ... إذا شمته من ناصح الشرع أنجم
كان بها جسراً على الماء آخذاً ... إلى آخر الدنيا به البحر مفعم
فتلك ركابي لا سرير يقله ... على رأسه في الهند تيس معجم
وفي الأرض مسرى للكريم ومسرح ... وما هي إلا جنة أو جهنم
وقال أيضاً
وأقسم ما الفلك الجواري تلاعبت ... بها الصرصر النكباء في لجة البحر
بأكثر من شوقي وجيبا وشملنا ... جميع ولكن خوف حادثة الدهر
وأنشدني الوالد بيتين في المعنى لشاعر عصري بدوي من شهران قال وهما من قصيدة طويلة نحو مائتي بيت
ووالله ما الثوب الذي متقلل ... على شرف تومى الدراري بجانبه
стр. 212
بأكثر من قلبي خفوقاً وحيناً ... جميع وخوفي أن تنائي عواقبه
وقلت أنا في المعنى
واقسم بالبزل النوافخ في اليرى ... تؤم مني والنافرات ضحى النفر
لما لجت الدأما يوماً تقاذفت ... بها عاصف نكباء في شاطىء البحر
بأكثر من قلبي اضطراماً ولم تعث ... يد الدهر فينا بل حذ أريد الدهر
وقال أيضاً
يا شقيق البدر أخفي ... فرعك المسدول بدرك
فارحم العشاق واكشف ... يا جميل الستر سترك
وقال أيضاً
جودي بوصل أو ببين ... فاليأس إحدى الراحتين
أيحل في شرع الهوى ... أن تذهبي بدم الحسين
ودخل علي يوماً فأنشدني لأمر اقتضى ذلك. وقد أراد القيام بانجازه فضاقت عليه المسالك. بعد بثه على شكوى أحوال ضاق بها ذرعاً. واقسم لولا الحيا والمروة لم يبق بينه وبين من عناه من الصحبة أصلاً ولا فرعاً. ثم قال ولكني أقول. فقال وبهر العقول
ولقد تأملت الزمان وأهله ... فرأيت نار الفضل فيهم خامده
فقن تجوش ودولة قد حازها ... أهل الرذالة والعقول الفاسده
فقلوبهم مثل الحديد صلابة ... وأكفهم مثل الصخور الجامده
فرأيت أن الاعتزال سلامة ... وجعلت نفسي واو عمرو الزائده
الشيخ محمد بن الحسن بن علي بن محمد الحر الشامي العاملي
علم علم لا تباريه الاعلام. وهضبة فضل لا يفصح عن وصفها الكلام. أرجت أنفاس فوائده أرجاء الأقطار. وأحيت كل أرض نزلت بها فكأنها لبقاع الأرض أمطار. تصانيفه في جبهات الأيام غرر. وكلماته في عقود السطور درر. وهو الآن قاطن بأرض العجم. ينشد لسان حاله. أنا ابن الذي لم يخزني في حيائه. ولم آخذه لما تغيب بالرجم. يحيى بفضله مآثر أسلافه. وينتشىء مصطبحاً ومغتبقاً برحيق الأدب وسلافه. وله شعر مستعذب الجنا. بديع المجتلى والمجتني. ولا يحضرني الآن من شعره إلا قوله
فضل الفتى بالبذل والاحسان ... والجود خير الوصف للانسان
أو ليس إبراهيم لما أصبحت ... أمواله وقفاً على الضيفان
حتى إذا أفنى اللهى أخذ ابنه ... فسخى به للذبح والقربان
ثم ابتغى النمرود إحراقاً له ... فهوى بمهجته على النيران
بالمال جاد وبابنه وبنفسه ... وبقلبه للواحد الديان
أضحى خليل الله ﷻ ... ناهيك فضلاً خلة الرحمن
صح الحديث به فيا لك رتبة ... تعلو بأخمصها على التيجان
هذا الحديث رواه أبو الحسن المسعودي في كتاب أخبار الزمان وقال إن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇ أنك لما سلمت مالك للضيفان. وولدك للقربان. ونفسك للنيران. وقلبك للرحمن. اتخذناك خليلاً والله أعلم
الشيخ محمد بن علي الحر
الأديب الشامي العاملي
حر رقيق الشعر عتيق سلافة العرب. ينتدب له عصى الكلام إذا دعاه وندب. له شعر يستلب نهي العقول بسحره. ويحل من البيان بين سحره ونحره. فهو أرق من خصر هيفاء مجدولة وأدق. وأصفى من شهباء يشعشعها أغن ذو مقلة مكحولة الحدق. فمن قوله وأجاد في التورية بلقبه ما شاء
قلت لما جليت في هجو دهر ... بذل الجهد في احتفاذ الجهول
كيف لا أشتكي صروف زمان ... ترك الحر في ذوايا الخمول
وقوله أيضاً
يراكم بعين الشوق قلبي على النوى ... فيحسده طرفي فتنهل أدمعي
ويحسد قلبي مسمعي عند ذكركم ... فتذكر وحرارات الجوى بين أضلعي
وقوله أيضاً
وكم غلت الأحشاء من حرارة ... من الدهر لافات الردى هامة الدهر
تقدمني بالمال قوم أجلهم ... لديّ مقاماً قد رفا ضلة الظفر
وقوله أيضاً
يا دهر كم تحتسى منك الورى غصصاً ... وكم تراعى لأهل اللوم من ذمم
بحكمة الله لكن الطباع ترى ... في رفعة النذل صدعاً غير ملتئم
الأمير منجك الشامي
стр. 213
أمير مورده في الفضل نمير. ومحله لأعلى الكواكب سمير. تأصلت دوحة فضله بالشام وتفرعت. واقتدت مكارمه بأسلافه في الكرم وتبرعت. إلى نخوة وهمة. تستنير بهما الليالي المدلهمة. وشرف ومجد. أشرق بهما كل غور ونجد. وحميد أخلاق سلمت من مساوى الزهر والكبر. وآداب تكاد بيوته إذا ذكرت يبيض من نورها الحبر. وقد وقفت له على قطعة عليها امارة الامارة. وجزالة البدو ورقة الحضارة هي عنوان ملكته في الأدب واقتداره. وعلو مقامه وسمو مقداره
دنوّا فقد أوهى متجلدي البعد ... ووصلاً فقد أدمى جوانحي الصد
أحن غراماً فيك خيفة كاشح ... ومن مدمعي ودق ومن كبدي وفد
وبي فوق ما بالناس من لاعج الهوى ... ولكن أبي أن يجزع الأسد الورد
فيا من يبيد الرشد فيمن أحبه ... متى يلتقي الحب المبرح والرشد
تلاعبت بالأشواق حتى لعبن بي ... وما كنت أدري أن هزل الهوى جد
بليت بقاس لا يرق فؤاده ... عليّ وها قد رق لي الحجر الصلد
أعاني به ما يعجز الدهر بعضه ... واحمل ما قد كل عن حمله الجهد
وارفع عنه النفس وهي عصية ... وهل يمكن الظمآن عن مورد رد
إذا جئته يوماً لبث شكية ... أروح بأشجان على مثلها أغدو
تهددني من مقلتيه إذا رنا ... قواضب مما يطيع الله لا الهند
حداد يلوح الموت في صفحاتها ... مواض لها في كل جارحة غمد
واشتاق إذا ما عن في القلب ذكره ... واطرب ما بات اللسان به يشد
السيد أحمد الصفدي
الدمشقي الشامي
أنشدني له شيخنا العلامة محمد الشامي قوله
صه يا حمام فلست المشوق ... ولا بات حالك فيها كحالي
فما من تباكى كما من بكي ... ودمع الأسى غير دمع الدلال
وهو من قول مهيار الديلمي
جاءت تثنى بين ريحانه ... تفتق مسكاً وكثيب رمال
فلا وعينيها وأردافها ... وشقوة الدعص بها والغزال
ما قدها هز نسيم الصبا ... وإنما ميّل غصناً فمال
حتى إذا الليل قضى ما قضى ... خفت مع الفجر خطاها الثقال
فابتدرت تغنم فضل الدجى ... سبق مغاوير النجوم التوال
تبكي وأبكى غيران الأسى ... دموعه غير دموع الدلال
الشيخ حسن بن محمد البوريني
الشامي
عالم شهد بفضله العالم. وفاضل سلم له كل مناضل وسالم. محله في الفضل معروف لا ينكر. وقدره في العلم معرفة لا تنكر. ملأ صيته كل موطن وقفر. فغنى به حضر وحدا به سفر. إلى أدب ما ميط عن مثل حسنه نقاب. ولا نسقت بمثل فرائده قلائد الرقاب. ومن أجل مؤلفاته شرح ديوان الشيخ ابن الفارض. الذي هو في حسن الاختراع بكر لا فارض. فقد سار سير الامثال. وعز أن يلفى له في الشروح مثال. وأما شعره فالروض دبجته أيدي الغمام. فافترت أزهاره ضاحكة عن مباسم الكمام. فمنه قوله وأجاد ما شاء
وحقك لو تشاهدني بليل ... ولي في طوله حزن طويل
ولي كف غدت سنداً لخدي ... وأخرى فوق صدري لا تحول
وقد أجريت من دمعي دموعاً ... غزاراً دون مجراها السيول
وقد علقت جفوني في نجوم ... تزول الراسيات ولا تزول
وقد أفنى النحول دمي ولحمي ... فما لي غير أفكار تجول
لكنت بكيت لا أبكيت حزناً ... لحال ليس يرضاها خليل
وقوله من مقصورة له
بحقك يا نجم لا تنسني ... وذكر بحالي بدر الدجى
فأنت سميري إذا ما سرت ... شمول الكرى في عيون الورى
وقل أيها البدر هل ترحمنّ ... محباً لفرط النحول اختفى
ينادي بجنح الدجا باكياً ... رعى الله عيشاً مضى بالحمى
رعا الله غصناً سقاه الشبا ... ب سحاباً من الحسن حتى انتشى
لمن يشتكي ما بأحشائه ... وأنت الطبيب وأنت الدوا
стр. 214
إذا لم تكن مشتكي حزنه ... فليس له في الورى مشكى
وقوله أيضاً
أيا قمراً قد بت في ليل هجره ... أراقب أسراب الكواكب حيرانا
جعلتك في عيني لتخفى عن الورى ... وما كنت أدري أن في العين انسانا
ذكرت بهذا قول الرمادي شاعر الأندلس
من حاكم بيني وبين عذولي ... الشجو شجوي والعويل عويلي
في أي جارحة أصون معذبي ... سلمت من التعذيب والتشكيل
إن قلت في بصري فثم مدامعي ... أو قلت في قلبي فثم غليلي
لكن جعلت له المسامع موضعاً ... وحجبتها عن عذل كل عذول
ولما سمع أبو الطيب المتنبي البيت الثاني من هذه الأبيات وكان معاصره قال يصونه في استه وكان الرمادي لما سمع قول المتنبي
كفى بجسمي نحولاً أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
قال أظنه ضرط والجزاء من جنس العمل رجع ومن شعره قوله أيضاً
سألتك يا روحي بحقك لا تطل ... مغيبك عن صب إليك مشوق
إذا غبت عنه ساعة صار أعينا ... يلاحظ يا مولاي كل طريق
وقال أيضاً
وبمهجتي من لو تبدى وجهه ... فضح الشموس المشرقات جبينه
وإذا رنا متماثلاً في عالج ... سجدت له غزلانه وغصونه
وقال أيضاً
تحقق أني فيه أصبحت مغرماً ... ولكنه لم يدر ما سبب الحب
تعشقت منه حالة لست قادراً ... على وصفها إذ لم يذقها سوى قلبي
وقال وقد أقسم من يهواه. أن لا يحل مكاناً حواه.
يا مقسماً بالمثاني أن يجيء مكاني ... كفر يمينك حتماً فأنت وسط جناني
متى تباعدت عني وأنت في القلب دان ... متى تغيبت عني وأنت عين عياني
والله ما كنت وحدي ... إلا رأيتك ثاني
وقال أيضاً
لست مولاي أبتغي منك وصلاً ... لا ولا أبتغي اقتراب حماكا
إنما منيتي وغاية قصدي ... وسروري من الزمان رضاك
وقال في المعنى
كلهم يطلبون وصلاً وقرباً ... ومرادي من الزمان رضاكا
كل ما في الوجود غيرك وهم ... أبعد الله كل شيء سواكا
وقال أيضاً
أترى ترق لحالتي ... يا من تغافل عن شؤوني
هلا رحمت مدامعاً ... سالت عيوناً من عيوني
وقال أيضاً
ظمئت من الزمان فصار وردي ... كورد الشاربين من السراب
ولم تترك لي الأيام صبراً ... سوى قدر المودة في الصحاب
وقال أيضاً
وما الجزع لولا أنتم فيه برهة ... وما أهله لولا يكون لكم ذكر
وما ساكنون الحي إلا لأجلكم ... لهم عندنا شوق وفي قلبنا قدر
وهو ينظر إلى قول الأول
أحبابنا ما الجزع ما المنحني ... ما رامة ما الشعب لولاكم
ما قام هذا الكون إلا بكم ... وما الجود المحض إلاّكم
وله أيضاً
أرى الجسم مني يضمحل وإنما ... محبتكم تقوي عليّ وتثبت
ولم يبق من غرس السلو بقية ... ولكن غصون الود في القلب ينبت
وله أيضاً
شغلت بحبيه عن الخلق جملة ... سوى من به شاهدت بعض صفاته
وعما قليل يعدم الناس كلهم ... لديّ فلا أصبو إلى غير ذاته
وله من قصيده
تخيل لي نفسي على البعد سلوة ... وذلك في التحقيق سلوان سلواني
وكيف سلوي عن هواك بغيره ... وما شمت انساناً سواك بإنساني
وله من أخرى
ما زلت أطلبه في كل ناحية ... فينظر الناس مني فعل حيران
وأورد له صاحب الريحانة شعراً غير هذا لم نثبت منه شيئاً وفاء بالشرط
الشيخ عبد الرحمن العادي
مفتي الحنفية بدمشق المحمية
стр. 215
علامة الزمان. وشقيق النعمان. الناشر على العلم والعمل. والمحرز أدوات الكمال عن كمل. العمدة الرفيع العماد. المتميز على أقرانه تميز الروى على الثماد. فاضل له في الفضل فواضل واياد. وفقيه أفكاره شدت للنعمان ما يشده شعر زياد. إلى أدب ظهرت آياته وبهرت. ونشرت راياته بالمحاسن واشتهرت. فإذ عن له كل ناثر وناظم. وأعظم قدره الأكابر والأعاظم. إن قال فالبلاغة منوطة بمقالة. أو كتب فالبراعة موثقة بعقاله. وكرم هو ضرة الغمام. وايادهى الأطواق والناس الحمام. وخلق من لباب المكارم مخلوق. وشيم يستغنى بطيبها عن كل طيب وخلوق. وأشعاره درر لم يحتو على مثلها صدف. وغرر لم ينحل بمثلها صدف. فمن نظمه ونثره ما كتبه إلى الشيخ أحمد المقري وهو بمصر.
إلى أهل مصر أهدي السلام ... مبتدئاً بالمقري الهمام
من ضاع نشر العلم من عرفه ... ومن يضع منه الوفا للذمام
أهدى تحية التحية. إلى حضرته العلية. وذاته ذات الفضائل السنية الأحمديه التي من صحبها لم يزل موصولاً بطرائف الصلاة. وبطوائل الأوحدية. الجامعة التي منها عليها شواهد.
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
فيا من جذب قلوب أهل عصره إلى مصره. وأعجز عن وصف فضله كل بليغ ولو وصل إلى النثرة بنثره. أو إلى الشعرى بشعره. ومن زرع حب حبه في القلوب فاسبق أعلى سوقه. وكاد كل قلب يذوب بعد بعده من حر شوقه. وظهرت شمس فضله من الجانب الغربي فبهرت بالشروق. وأصبح كل صب وهو إلى بهجتها مشوق. زار الشام ثم ما سلم حتى ودع. بعد أن فرع بروضتها أفنان الفنون فأبدع. وأسهم لكل من أهلها نصيباً من وداده فكان أوفرهم سهماً هذا المحب الذي رفع بصحبته سمك عماده. وعلق لمحبته شفاف فؤاده. فإنه دنا من قلبه فتدلى. وفاز من حبه بالسهم المعلى. أدام الله لنا البقا. وأحسن لنا بك الملتقى. ومن علينا بنعمة قرب اللقا. هذا وقد وصل من ذلك الخل الوفي. كتاب كريم وهو اللطف الخفي. بل هو من عزيز مصر القميص اليوسفي جاء به البشير مشتملاً على عقود الجواهر. بل على النجوم الزواهر. بل الآيات البواهر تكاد تقطر البلاغة من حواشيه. ويشهد بالوصول إلى طرقها الأعلى لموشيه. فليت شعري بأي لسان. أثنى على فصوله الحسان. العالية الشان. الغالية الأثمان. التي هي أنفس من قلائد العقيان. وأبدع من مقامات بديع الزمان. فطفقت أرتع من معانيها في أمتع رياض. وأقطع بان في منشئها اعتياضاً لهذا العصر عن عياض.
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فلا أرضى لها كلمي
إلى غير ذلك ومن نظمه ما كتبه إلى الشيخ المذكور أيضاً
شمس هدي أطلعها المغرب ... وطار عنقاء بها مغرب
فأشرقت في الشام أنوارها ... وليتها في الدهر لا تغرب
شهاب علم ثاقب فضله ... ينظم عقداً منه لا يثقب
فرع علوم بالهدى مثمر ... وروض فضل بالندى مشغب
قد ارتدى ثوب علي وامتطى ... غارب مجد قرها المركب
درس غريب كل يوم له ... يملي ولكن حفظه أغرب
محاضرات مسكر لفظها ... بكاس سمع راحها تشرب
رياض آداب سقاها الحيا ... ففاح مسكاً نشرها الأطيب
فضائل عمت وطمت فقد ... قصر فيها كل من يطنب
قلوبنا قد جذبت نحوه ... والحب من عاداته يجذب
إن بعدت عن غربه شرقنا ... فالفضل فينا نسب أقرب
كم طلبت تشريفه شامنا ... بشرى لها فليهنها المطلب
قد سبقت لي معه صحبة ... في حرم يؤمن من يرهب
أخوة في الله من زمزم ... وضاعها طاب به المغرب
أنهلني ثم وداداً فلى ... بالشام منه علل أعذب
ضاء دجى العلم به للورى ... ما ضاء في جنح الدجا كوكب
فراجعه الشيخ بقوله
ما تبر راح كاسها مذهب ... ما للنهى عن حسنها مذهب
يستدفع الاكدار من صفوها ... وتنهب الأفراح إذ تنهب
تسعى بها هيفاء من ثغرها ... وفرعها لأنوار والغيهب
стр. 216
فتانة الأعطاف نفاثة ... سحراً بالباب الورى يلعب
في روضة قد كللت بالندى ... والزهر راس الغصن إذ يغصب
برودها بالنور قد نمنمت ... كالوشى من صنعاء بل أعجب
والماء يجري تحت جنانها ... والنار من نارنجها تلهب
والظل ضاف والنسيم انبرى ... والزهر زاكي النش مستعذب
والطير للعشاق بالعود قد ... غنت فهاجت شوق من يطرب
أبهى ولا أبهج من منظر ... من نظم عن تقديمه الأصوب
مفتي دمشق الشام صدر الورى ... من في العلى تم به المطلب
علامة الدهر ولا مرية ... وملجاء الفضل ولا مهرب
لله ما امتاز به من على ... بغير منّ الله لا تكسب
أبدى بها الرحمن في عبده ... مظاهر الفضل التي تحسب
جود بلا منّ وعلم بلا ... دعوى به التحقيق يستجلب
وبيت مجد مسند ركنه ... إلى عماد الدين إذ ينسب
فبرقه الشامي من شامه ... نال مراماً والسوى خلب
وما عسى أبديه في مدحه ... ومدح أبناء له أنجبوا
تسابقوا للمجد حتى حووا ... سبقا لما في مثله يرغب
أعيذهم بالله من شر ما ... يخشى من الأغيار أو يرهب
وأسأل الله لهم عزة ... بادية الأضواء لا تحجب
ومن شعر العمادي المذكور قوله مضمناً
في البيت أصناف فضل لست أحصرها ... وصاحب البيت أدرى بالذي فيه
من جاءه خائفاً من سوء زلته ... فإن للبيت رباً سوف يحميه
وقوله مضمناً أيضاً
فارقت طيبة مشتاقاً لطيبتها ... وجنيت مكة في وجد وفي ألم
لكن سررت بأني بعد فرقتها ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم
المولى أحمد بن شاهين الشامي
شامة وجنات الشام. الشاهد بنبله من شاهد بارق فضله وشام. الدالة عليه آثاره دلالة الخصب على الغمام. المشرق نظامه ونثاره اشراق البدر ليلة التمام. أديب ضربت البلاغة روافلها بحماه. وأريب انتمت البراعة إلى منتماه. حاز قصب السبق في ميدان الاحسان والاجاده. ورواية حديث الفضل المسلسل شفاهاً لا وجاهد. فأصبحت دعوى أدبه واضحة الحجج والبراهين. وراحت جوارح أفكاره صائدة لقنص الفصاحة ولا غرو فهو ابن شاهين. وشعره في الطبقة العليا من الرقة والانسجام. وها أنا أثبت منه ومن نثره ما يدار به عليك من الأنس جام. فمنه ما كتبه إلى علامة عصره الشيخ أحمد المقري المغربي من جملة كتاب مراجعاً
يا سيداً أحرز خصل العلى ... بالبأس والرأي السديد الشديد
ومن على أهل النهي قد على ... بطبعه السامي المجيد المجيد
ومن يزين الدهر منه حلى ... قول نظم كالفريد النضيد
ومن صدي منه فكرى جلي ... نظم له القلب عميد حميد
ومن له من يوم قالوا بلى ... حب جديد ما له من مزيد
ومن غدا بين جميع الملا ... بالعلم والحلم الوحيد الفريد
أفديك بالنفس وبالأهل لا ... بالمال والمال عتيد عديد
стр. 217
أقسم بالله الذي علت كلمته. وعمت رحمته. وسخرت القلوب والعقول رأفته ومحبته. وجعل الأرواح جنوداً مجندة فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف. إنني أشوق إلى تقبيل أقدام شيخي من الظمآن إلى الماء. ومن الساري لطلعة ذكاء. وليس تقبيل الأقدام. مما ينفع من الشوق الأوام. وقد كانت الحال هذه وليس بيني وبينه حاجزاً إلا الجدار. إذ كان حفظه الله جار الدار. فكيف الآن بالغرام. وهو حفظه الله بمصر وأنا بالشام. وليس غيبة مولاي الاستاذ عنا. إلا غيبة العافية عن الجسم المضنى. بل غيبة الروح. عن الجسد البالي المطروح. ولا العيشة بعد فراقه. وهجر أحبابه ورفاقه. إلا كما قال بديع الزمان عيشة الحوت في البر. والثلج في الحر. وليس الشوق إليه بشوق وإنما هو العظم الكسير. والنزع العسير. والسم يسري ويسير. وليس الصبر عنه بصير. وإنما هو المصاب. والكبد في القصاب. والنفس رهينة الأوصاب. والحين الحائن وأين يصاب. ولا أعرف كيف أصف شرف الوقت الذي ورد فيه كتاب شيخي بخطه. مزيناً بضبطه. بلى قد كان شرف عطارد. حتى اجتمع من أنواع البلاغة عندي كل شارد. وأما خطه فكما قال الصاحب بن عباد هذا خط قابوس. أم جناح طاووس. أو كما قال أبو الطيب. من خطه في كل قلب شهوة. حتى كان مداده الأهواء. وأنا أقول ما هو أبدع وأبرع. وفي هذا الباب أنفع وأجمع. بل هو خط الأمان من الزمان. والبراءة من طوارق الحدثان. والحرز الحريز. والكلام الحر الأريز. والجوهر النفيس العزيز. وأما الكتاب نفسه فقد حسدني عليه اخواني واستبشر به أهلي وخلاني. وكان تقبيلي لأماليه. أكثر من نظري فيه. شوقاً إلى يد وشته وحشته. واعتياد اللثم أنامل جسته ومسته. وأما اليراعة فلا شك أنها ينبوع اليراعة. حتى جرى منها من سحر البلاغة ما جرى. فجاء الكتاب كسحر العيون بما راح يسبى عقول الورى. وينادي باحراز خصل البيان من الثريا إلى الثرى. ومن هذا الكتاب معزياً له في والدته وقد بلغه خبر وفاتها بالمغرب. أطال الله يا سيدي بقاك. ولا كان من يكره لقاك. ورعاك بعين عنايته ووقاك وأبقاك. وضمن لك جزاء الصبر. وعوضك عن مصابك الخير والأجر. ولقد كنت أردت أن أجعل في مصاب سيدي بأمه. متعه الله بعلمه وحلمه. ودفع عنه سورة همه وغمه. قصيدة تكون مرثية. تتضمن تعزية وتسلية. فنظرت في مرثية أبي الطيب لأمه. واكتفيت بنظمها ونثرها. وعقدها وحلها. وانتخبت قوله منها
لك الله من مفجوعة بحبيبها ... قتيلة شوق غير مكسبها وصما
ولو لم تكوني بنت أكرم والد ... لكان أبوك الضخم كونك لي أمّا
لئن لذ يوم الشامتين بيومها ... فقد ولدت مني لأنفهم رغما
فقلت هذه حال مولانا الراغم لأنوف الأعدا. المجد لأسلافه حمداً ومجداً. القاتل بشوقه لا خطأ ولا عمداً. ثم لما رأيت مرثيته في أخت سيف الدولة.
إن يكن صبر ذي الرزية فضلاً ... يكن الأفضل الأعز الأجلا
أنت يا فوق أن تعزي عن الأحبا ... ب فوق الذي يعزيك عقلاً
وبألفاظك أهتدي فإذا عزا ... ك قال الذي قلت له قبلا
قد يكون الخطوب حلواً ومراً ... وسلكت الأيام حزناً وسهلاً
وقتلت الزمان علماً فما يعرب ... قولاً ولا يجدد فعلا
стр. 218
قلت والله هذه حلى مولانا الأستاذ الذي عرف للزمان فعله. وفهم قوله. قد استعارها أبو الطيب وحلى بها مخدومه سيف الدولة وكيف أستطيع ارشاد شيخي لطريق الصبر. وأذكره بالثواب والجر. وأنا الذي استقيت من ديمه. واهتديت إلى سبيل المعروف بشيمه. سلكت جادة البراعة بهداية ألفاظه. وارتقيت إلى سماء البلاغة برعاية ألحاظه. وهل يكون التلميذ معلماً. أم هل يرشد الفرخ قشعماً. وكيف يعضد الشبل الأسد. وهو ضعيف المنة والمدد. ولم يعلم الثغر الابتسام. والصدر الالتزام. ويختبر الحسام. وهو المجرب الصمصام. وهل تفتقر الشمس في الهداية إلى مصباح. وهل يحتاج البدر في سراه إلى دلالة الصباح. ذلك مثل شيخي ومن يرشده إلى فلاح ونجاح. وإنما نأخذ عنه ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة. ونحذو حذوه في الطريق الموصلة إلى الجنة. ومن فصول هذا الكتاب ولما وصلني سيدي بهديته التي أحسن بها من كتاب الاكتفا. داخل طبعي الصفا. ونشطت إلى نظم بيتين فيهما التزام عجيب لم أر مثله وهو أن يكون اللفظ المكتفي به بمعنى اللفظ المكتفى منه فإن الاحتفا والاحتفال بمعنى الاعتناء كما أفاده شيخي فيكون على هذا الاكتفاء وعدمه على حد سوا إذ لو قطع النظر عن الاحتفال لأغنى عنه لفظ الاحتفا مع تسمية النوع فيهما وهما قوله
إن احتفال المرء بالمرء لا ... أحبه إلا مع الاكتفا
مبالغات الناس مذمومة ... فاسلك سبيل القصر في الاحتفا
ولقد انقطع الثلج أيام الخريف وكانت الحاجة إليه شديدة بعد غيبة سيدي. عن دمشق فتذكرت شغف شيخي به فزاد على فقده غرامي. وفاض عليه تعطشي وأوامي. فجعلت في ذلك عدة مقاطيع وأحببت عرضها على سيدي أولها.
ثلج يا ثلج يا عظيم الصفات ... أنت عندي من أعظم الحسنات
ما بياض بدا بوجهك إلا ... كبياض بدا بوجه الحياة
ثانيها
قد قلت لما ضل عني رشدي ... وما رأيت الثلج يوماً عندي
لا تقطع اللهم عن ذا العبد ... أعظم أسباب الثناء والحمد
ثالثها
ثلج يا ثلج أنت ماء الحياة ... ضل من قال ضر ذاك لهاتي
ما بياض بدا بوجهك إلا ... كبياض قد لاح في المرآة
قد رأى الناس وجههم في المرايا ... ولقد فيك شمت وجه حياتي
وما عللت سيدي هذا التعليل. إلا لأسوقه إلى نسيم دمشق الذي خلفه سيدي عليلاً وهو على الصحة غير عليل. ولم يشف أعزه الله من الغليل. ولسيدي الدعاء بطول البقاء والارتقاء. وهذه أبيات أحدثها العبد في وصف القهوة طالباً من سيدي أن يغفر خطاءه فيها وسهوه. وهي قوله
وقهوة كالعنبر السحيق ... سوداء مثل مقلة المعشوق
أتت كمسك فائح فتيق ... شبهتها في الطعم كالرحيق
تدنى الصديق من هوى الصديق ... وتربط الود مع الرفيق
فلا عدمت مزجها بريق
انتهى ومن مطولاته قوله مادحاً حضرة يحيى أفندي المكرم
لا يسلني عن الزمان سؤول ... إن عتبي على الزمان يطول
طال عتبي لطول عمر تجنيه ... فعتبي بذنبه موصول
أنست بي خطوبه فلو اغتا ... ل سواي لغرة التبديل
وأحاطت سهامه بي حتى ... سد طرق السهام مني النصول
ابتغى صفوة الليالي دلالاً ... وسواد الليال ليس يحول
أنا يا دهر لست إلا قناة ... لم يشنها لدى المكر النحول
إن أكن في الحضيض أصبحت أني ... في ذرى الأوج كل حين أجول
فطريقي هي المجرة في السير ... وعند السماك إني المقيل
صنت نفسي ترفعاً وبعذري ... فكثير الأنام عندي قليل
فإذا قيل لي فلان تراه ... ذا جميل أقول صبري الجميل
وفرت همتي عليّ وعزمي ... ماء وجهي بسيف عرضي صقيل
إن عرفت الأنام قدماً فلما ... دهمتني أنت وعندي الدليل
سلبتني بالغدر كل جميل ... غير فضلي ففاتها المأمول
стр. 219
إن هذا الزمان يحمل مني ... همة حملها عليه ثقيل
يتأذى من كون مثلي كأني ... أنا منه في الصدر داء دخيل
فكأني إذا انتضيت يراعا ... بسنان علي الزمان أصول
وكأن المداد إذ رقمته ... أنملي والدموع منه تسيل
صبغة أثرت بخدي سواداً ... واحالته وهي لا تستحيل
ليتني لو صبغت فؤادي منها ... فارعوى الشيب واستحال النصول
لا أرى أنني انفردت بهذا ... كل أيام دهر مثلي شكول
يا بني نوعنا تعالوا نداعي ... حظنا إنني لكل كفيل
عند قاضي عساكر الروم طرا ... وشهودي من اليقين عدول
عند يحيى المولى الجليل وهذا ... قدره فوق أن يقال جليل
زكرياء قد حوى منه نجلاً ... مثله مريم حوت والخليل
عالم الأمة الجليلة أن قي ... س فلا غرو بالنبيل النبيل
عالم عامل وفي حبىّ ... فهواه على التقى مجبول
رجل هذه عناصره الغر ... لجسم من الهدى مأهول
جاش صدر الزمان قلبك لما ... جئته رحمة تلاشي العليل
كنت ماء الحياة صادف ميتاً ... شخصه قبره رجاء قتيل
إنما أنت للموالي كعقد ... زاه يزدان من رواه التليل
إنما أنت فخر دولة ملك ... حاز فخراً بعزقه الاكليل
نصر الله دولة لك فيها ... بأبيك الجليل أصل أصيل
كلكم نابت بدوحة علم ... فرعها في السماء حتى الاصول
إن يكن جاور الغفور فيحيى ... خلف صالح وذكر جميل
بأبي أنت إنما أنت شمس ... لنجوم السماء منك أفول
لو أعرت الهلال منك كمالاً ... ما اعتراه نقص ولا تحويل
أو منحت البحر الخضم وقاراً ... فرحتي ما هيجته القبول
أو غدا من مزاج خلقك فيه ... أثر كان دونه السلسبيل
أو قسمت الذي حويت من العلم ... لما كان في الأنام جهول
حزت حلماً لو حل فطرة ليث ... أخذته سكينة لا تزول
حزت رأياً لو كان للسيف يوماً ... رونق منه ما عراه فلول
نير لو بدا بليل وطرف الشمس من ... اثمد الدجى مكحول
وتمنت منه العيون سواداً ... قدر ميل للكحل أعجز ميل
شاركتك الكرام في الوصف لكن ... لم يكن صادقاً بها التمثيل
مثل ما شاركت وفي البين بون ... غرر الخيل في البياض الحجول
من يهنيك والهناء عظيم ... بمحل له بك التبجيل
منصب نلته وطرف الأعادي ... من سنا نوره حسير كليل
ولبست الفخار منه قشيباً ... فهو من فوق مثله مسدول
لا يرى للذي حواه عديلاً ... لا ولا أنت إن قبلت عديل
كيف نرجو من الزمان نظيراً ... لجواد به الزمان بخيل
ولئن جئت في الزمان أخيراً ... فلخير الأوقات فيه الأصيل
فتهنا فلي هناء فإني ... مستميح وجاهك المأمول
قد تكفلت عند حظي بأمن ... ليس لي في ذراك عنه نكول
إنه إن أتاك في كسرة الليل ... تردى بالصبح حين يؤول
سيدي مسمعاً فهذي عقود ... لم يشن نظم مثلها التظويل
عبدك الدهر ساني ومر لي ... القوم عن عبد بابه مسئول
ليقل عثرتي سلمت يراع ... كعصى المرسل الكليم مقيل
стр. 220
بسطور تسلسلت كعذار ... في بياض حكاه خد أسيل
غرضي أنني رفيق نكات ... عبد رق شفيعه التأميل
أنا داع وليس قصدي إلا ... موطناً فيه دعوني لا تجول
لا أرى غير أن يكون لحجى ... سبباً والقبول حيث الرسول
إن نفسي إليه ذات اشتياق ... وفؤادي بحبه متبول
لم أقل ولنى القضاء لخوفي ... إن دهري محاسب ما أقول
فاغتنم فرصة الصنيعة إني ... ناهل والأكف منك سيول
لا تكلني إلى الحظوظ فعندي ... لحظوظي إذا نظرت دخول
كم لمولاي من يد عند غيري ... وهي بيضاء ما بها تقبيل
فلئن حزتها وساعد دهري ... فلها في سواد عيني حلول
ولها إن حرمت صبر جميل ... ولها إن منحت شكر جزيل
يا وحيداً وافيته بمديح ... ذي خصوص وفي ثناه شمول
بطوء مدحي ما كان إلا لأمر ... جال فكري به فطال الذهول
وهو أني حاولت وصفاً بديعاً ... فيك يرضى ففاتني التعجيل
والآن الأيام قد وقعدني ... بك والدهر في الوعود مطول
وإذا كان ما يراد نفيساً ... فعجيب أن يسرع التحصيل
أنت أعلا من النجوم محلا ... وعسير إلى النجوم الوصول
طال تقششي الزمان وقلبي ... بك لا عنك بالسوي مشغول
حزت دون الأنام عرضاً عريضاً ... أين لي مثله ثناء طويل
وإذا كان ما يعطل عذراً ... واضح النهج يحسن التعليل
إنما كنت في طلابك ليلاً ... علقت بالصباح منه الذيول
كنت من صدمة الخطوب جواداً ... أدهماً ثم راقني التحجيل
فتنائى على علاك حبيس ... إنما للرياض يهدي الهديل
قد مدحت الأنام قبلك لكن ... لا لأمر لي عنك منه بذيل
كنت كالكاتب المجرب خطا ... وهواه لخطه التكميل
فتمتع من ذا النظام بعقد ... زانه في مديحك التفصيل
درر كلها وسائط إذ لم ... يحظ قبلي بنظمهن الفحول
ثقبتها يداي بكرا وهذا ... أثر السلك في الخلال ضئيل
هذه سيدي قصيدة عبد ... شعره مثل طبعه مصقول
نفثت في العقول سحراً وجادت ... مثل ما جاءت السلاف الشمول
فترشف بكاس سمعك منها ... رشفات تزداد منها العقول
هذبت حقبة فجاءت كخود ... خفر زانها وطرف كحيل
إنما الشعر كالوليد إذا ما ... زاد تهذيبه يزيد القبول
لا تضع سعيها وحاشاك عنه ... إن طرفي إذا فعلت همول
فضل نظمي على اللآل إني ... قلته وهو في علاك مقول
وابق رغم الحسود غيظ عدو ... ظلا أمن الصديق منك ظليل
ما سمت نفسك الشريفة للفخر ... وما دام طوعها المامول
إن هذا هو الدوام وحقاً ... ذاك عندي دعائي المقبول
وقال يمدح بعض أكابر عصره
ما همت بعدك أشفي العين بالأثر ... إلا عثرت بقلب ضل بالأثر
ولا ذكرتك مشتاقاً على وله ... إلا وأشفقت من دمعي على بصري
لم أكتحل بالكرى شوقاً إليك ولا ... خاط الجفون سوى ميل من السهر
يا حبذا عهدنا في جوّ كاظمة ... صافي المشارب ضافي الظل والسمر
تشارف اللهو فيه خوف مرتقب ... إن ازديار الغواني صيبة الحظر
стр. 221
خدين عشرين إذ عهد الهوى كبث ... وللشبيبة غصن جد مهتصر
جذلان رنح عطفيه الصبا فقدا ... شروى الغصون وقد مالت مع السحر
يميل تحسبه الواشون منتشياً ... وقد تمكن منه نشوة الخفر
يوم لثم يد غراء ما لثمت ... إلا وأسفر منها غرة الوطر
بيضاء لولا نداه مع ترافتها ... شبهتها لازدحام اللثم بالحجر
يا بن الذين تردوا بالفخار ومن ... قد أحرزوا قصبات السبق والظفر
من مثل قومك اجلالاً وأنت بهم ... مثل اليتيمة في عقد من الدرر
عرفتهم بك والمعروف أنبأني ... كما استدل على التأثير بالأثر
أعي مدى السمع منا ذكر جودهم ... وأنت أعييت اجلالاً مدى النظر
زان الحياة نداهم ثم مذ رحلوا ... أثارهم زينة الأخبار والسير
ذكراهم ومعاليك التي تليت ... في السن الصحف مثل الآي والسور
لو كان للعز امكان بناطقة ... لراح يخطب في علياك والخطر
أو كان للمجد احسان بما انعقدت ... ذؤابتاه لأضحى جد تفتخر
أو كان للبدر نور من طلاقته ... لم يبق للشمس تمييز على القمر
حليت جيد زمان قد مضى عطلاً ... ورحت ترفل مختالاً على الدهر
لبست ثوب فخار لا يجاذبه ... فضل الرداء شريك في مدى العصر
بكرت في طلب العلياء وادلجوا ... وليس مدلج قوم مثل مبتكر
لو رمت منبهل ماء ما رضيت سوى ... نهر المجرة من ورد ومن نهر
أو رمت عقد نظام كي تقلده ... جيد الصحائف لم تختر سوى الزهر
وود حين يفر النفس من يده ... أن يستمد سواد القلب والبصر
فطرسه وقطار الجبر يطرحها ... ترى النواظر حسن العين بالحور
لله ما فقر كالزهر تحسبها ... مطوية وهي عند النشر كالزهر
كأنها وهي في الأسطار محدقة ... نجم الجمان على اللبات والنحر
مذ ناظرتها النجوم الغر وابتدرت ... تحكي سناها فلم تهدأ ولم تقر
لك البلاعة لا تثني أعنتها ... فاركب لها واضح الأمجال والغرر
أكني عن العزم يا ابن العزم قاطبة ... كناية عن وحيد البدو والحضر
المصطفى الندب من فاضت فواضله ... والمورد العذب صفواً جل عن كدر
من لو نهضت إلى الأفلاك مرتقياً ... لشمت ثمة فضلاً منه منتظري
فزنت نعماه بالزهر التي زهرت ... فاستصغرتها عيوني غاية الصغر
وسمتها بالمنى والوسع يسعفها ... فاستكبرتها الأماني غاية الكبر
تلك المكارم عين الله تحرسها ... تفنى الأماني فلم تبقي ولم تذر
مولاي دعوة مملوك به ظما ... برح لعذب نداك السلسل الحضر
حسن التفاتك أعني لا فجعت به ... فهو الذخيرة لي من دهري الخطر
إن الحياة حياة في ذراك ومن ... بعدوك فهو كما الأشباح والصور
وماؤها كمياه البشر دافقة ... بوجهك الطلق ليست مقبة الحضر
قد رق منها على الدنيا وساكنها ... غرس لنا من جناه يانع الثمر
لو رمت غيرك أبغي منه عارفة ... غدا إذ ذاك ذنباً غير مغتفر
أراش لحظك منى حصر أجنحتي ... فيا لحري ولشوقي فيك أن أطر
قد قصر الدهر في أشكاي من حسد ... من قبل والآن لا يقوى على عذر
وكنت أشكو الليالي سوء محنتها ... والآن أوسع شكراً منحة القدر
وهاكها من بنات الزنج الفها ... نجل لشاهين لا يأوى إلى وكر
стр. 222
تدعى بأنثى ولكن في النظام لها ... صرامة لم تكن في الصارم الذكر
تطوي الصحاف لها صوناً وإن نثرت ... تفوح سوم أريج المسك في الصور
تروق كالروضة الغناء ترفل في ... ربط الثناء كزهو الخود بالحبر
تلفعت ببرود الحمد تحسبها ... بكراً توشح موشياً من الأزر
ساقت إليك جيوشاً من بلاغتها ... لوى المحامد فيها معلم الطرر
أوشكت اقنص نسر الأفق مرتقياً ... لما خيالك أغراني على الفكر
إن رمت مدحك حسناً يا ابن نجدته ... ورونقاً بفحول العرب من مضر
لي في قبولك تأميل يبشرني ... أني سأظفر بالمقبول من عذر
وأنني لأرى نفسي تحرضني ... أني سأشفعها من قصدي الاخر
واسلم ببرح جمال أنت رونقه ... ترضى المعالي في الآصال والبكر
ممتعاً بلذيذ العيش تمنحه ... وظافراً بهنى المال والعمر
وله متغزلاً
يا شقيق الظبي لحظاً ... والرشا في لفتاتك
لست هارون ولكن ... سحره في لحاظتك
جرحت قلبي وهذا ... شاهدي في وجناتك
أنا أستبقي حياتي ... لتقضى في حياتك
كيف يقصيك حياة ... هي من بعض هباتك
الشيخ خضر بن عطاء الله
الموصلي الشامي
رحلة تضني إليه الرواحل. وتطوي للقياه المراحل. باعه في الفضل مديد. وسهمه في أهداف العلم سديد. لا تدرك في السبق غايته. ولا تتأخر عند ازدحام الآراء رايته. عض العلم بضرس قاطع. وأنار ظلم الجهل بنور من صبحه ساطع. وكان قد انتقل من بلده إلى البلد الحرام. فقطن به منتظماً في سلك علمائه الكرام. وبه ألف كتابه الذي سماه الاسعاف. بشرح أبيات القاضي والكشاف. وهو كتاب لم تكتحل عين الدهر له بنظير. ولا احتوى على مثل أزهار ألفاظه وثمار معانيه روض نضير. وقد دبج في ديباجته يذكر شريف مكة وسلطانها وحامي حوزة قطانها وقصادها الميمون السكنات والحركات الشريف حسن بن أبي نمي بن بركات فأجازه عليه من المال ألف دينار ومن الاقبال ما أصابه أفق أمله وأنار ولم يزل مقيماً في ذلك الحرم وأردا مناهل الفضل والكرم حتى نشاء ظلم وزير الشريف المذكور وهو الذي روع الأجنة في الأحشاء والأفراخ في الوكور ستبيح جيران بيت الله العتيق الشقي المعروف بابن عتيق فكان من مخازيه الشنيعة وفعلاته التي قبح بها صنيعه أن دعي المشار إليه إلى شهادة زور على اغتصاب شيء من متاع الدنيا المنزور فلم يجبه إلى ما دعا ولا صدقه فيما ادعى فنصب له العداوة والبغضاء وتجاوز على التجاوز والاغضاء حتى كان لا يلقبه إلا بالنصراني ولا يراه إلا بعين الآثم الجاني ولم يزل يدب له الضراء ويريد له البأساء والضراء إلى أن رماه عند الشريف ببهتانه وجرى على عادته في ظلمه وعدوانه وسعى إليه بأنه لا يزال ينسب إلى هذه الدولة المظالم وياتفك لها ما يتبرا منه مؤتفك ظالم ويكتب بذلك إلى أمراء الأروام وهو مقبول عند أولئك الأقوام ومتى لم يتلاف أمره. شب نار التلاف جمره وحسن له أجلاه عن البلد الحرام قبل أن يؤول قدحه إلى الاضرام فأذن له الشريف في اجلائه فشمر له عن ساعد بلائه والزمه بالخروج في الحال وأمره لوقته بالارتحال ولم يمهله لينقل له. أو يرى ما عليه وما له. فخرج متوجهاً إلى مدينة الرسول. وقد ترنق ورد حياته المعسول. وما أبعد عن مكة مرحلتين حتى استولى الوزير الشقي على داره. وأظهر صولة قهره واقتداره. واصطفى جميع ما فيها قبل الفوات. ونادى عليه في الأسواق كما ينادي على تركة الأموات فبلغ الشيخ الخبر في أثناء الطريق فأصبح وهو في يم الهم غريق ففاجأه أجله قبل وصوله إلي المدينة ولاقاه من أولاه دنيا ودينه وأطلق من قيد هذه الدار المحفوفة بالارزاء والاكدار وذلك في سنة سبع وألف ومن شعره قوله مادحاً الشريف حسن سلطان الحرمين وأودعها ديباجة كتابه الاسعاف
بدر الملوك أمير المؤمنين أبو ... على الحسن السامي به شام
стр. 223
خليفة الله من دارت بنصرته ... وما يشاء من الأفلاك أجرام
في كل ناد له صيت يهيم به ... في كل واد عداه خشية هاموا
لو سابق الدهر لاستدراك غايته ... لرد مما حواه الدهر أعوام
قل للخوارج موتوا في ضلالتكم ... فإنما الدين عند الله اسلام
هذا ابن بنت رسول الله طاعته ... فرض وفيه لأنف الدهر ارغام
يطيعه من أطاع الله متقياً ... ومن عصاه عليه النص الزام
وفي أولى الأمر قول الله حجتنا ... وهم ائمتنا بالحق قد قاموا
يا حجة الله والحبل المتين ومن ... في غير مرضاته الطاعات آثام
أن يمل نابغة الجن القريض فلي ... في نظم مدحك من جبريل الهام
فها كهادرة بل بحر فائدة ... لدى العقول ببذل الروح تستام
تبقى وتذهب أشعار ملفقة ... كغرة في جباه الدهر أوشام
واسلم ودم في سرور ثم في دعة ... ما قام بالروح بل بالله أجسام
وأنشد للمعري في ترجمته من كتابه المذكور
تقضى صاحب التوارة موسى ... وأوقع بالخسار من افتراها
وقال رجاله وحي أتاه ... وقال الآخرون بل افتراها
وما حجي إلى أحجار بيت ... كؤوس الخمر تشرب في ذراها
إذا رجع الحكيم إلى حجاه ... تهاون بالشرائع وازدراها
قال فأجبته أنا وقلت
وحال الله من أعمى لعيني ... بصيرته تناهت في هماها
يقول إذا الحكيم رعى حجاه ... تلاعب بالشرائع وازدراها
فما هذا الخبيث إذاً حكيم ... ولكن ليس يدري ما طحاها
وما أحسن قوله في آخر كتابه المذكور مؤرخاً عام تمامه وهو غاية في الانسجام
وليك ذا الأخير من كتابي ... وما قصدته من انتحابي
من شرحي الموسوم بالاسعاف ... شواهد القاضي مع الكشاف
تم بعون الله مع اسعافه ... ومحض امدادي من ألطافه
وجوده الغمر الذي عم الأمم ... وفضله العم المسمى بالكرم
وسعد من قد ألفت سطوره ... لأجله وانتظمت نحوره
ورصعت خطبته باسمه ... وحليت إذ جعلت برسمه
من قد تحلت باسمه المنابر ... وافتخرت بذكره الدفاتر
من عمرت بعدله البقاع ... وارتفع الشقاق والتراع
وما بقى للبوم في بلاده ... من سكن فهج مع أولاده
والأسد في زمانه مع النعم ... رابضة والذئب يرعى والغنم
ومن بقى في عصره من جائر ... يصول ظالماً سوى الجاذر
من زوال الفتنة حتى ما بقى ... منها سوى الذي يسر الخدق
من ذلت الملوك والقياصره ... لعزه بل الأسود الكاسره
ومن أقول في مديحه ومن ... ومن ومن إلى انقضاء ذا الزمن
لا برحت سدته الشريفة ... جامعة للنكت اللطيفه
حاوية لسائر المعارف ... حائزة لسائر اللطائف
محط أهل العلم والآداب ... وكعبة القصاد والطلاب
بجده النبيّ ثم آله ... وصحبه وتابعي منواله
واتفق الفراغ يوم عاشر ... وقت الغروب من ربيع الآخر
على يد المفتقر الاواه ... منشئه خضر بن عطاء الله
وسائر الأتباع والأصحاب ... مؤرخاً قد انتهى كتابي
أبو الطيب بدر الدين
بن رضى الدين الغري العامري الشامي
стр. 224
شاعر فصيح. مجاله في الأدب فسيح. يسحر ببيانه العقول. ويبهر الألباب بما يقول. إن نظم فالدر الثمين كأسد. وزهر النجوم له حواسد. سار شعره مسير الشعرتين. وجلا عن قلوب أولي الأدب كل رين. ولم يزل معدوداً من أرباب الصدور. مسفرة محاسن فضله أسفار البدور. حتى أفسدت السوداء عقله. وأوجبت من مناصب العقلاء عزله. فأصبح في عقال الجنون. إلى أن فاجأه رائد المنون. وكان أول ما ظهر من خباله. وفساد عقله وباله. أن ادعى مزيناً فحلق لحيته. وغير صورته وحليته. ثم جمع شعره في منديل. وبدل هيئته أقبح تبديل. وقصد القاضي شاكياً شانه من أخيه. زاعماً أنه الذي شوه وجهه ذلك التشويه. فدعى القاضي أخاه. وتحرى جلية الأمر وتوخاه. فأنكر أن يكون رأى هذه الشناعة. أو علم بها إلا في تلك الساعه. وظهرت منه حركات دلت على فساد ذهنه. واختلال عقله ووهنه. فعلموا بحاله. وتزوير محاله ثم تفاقم داؤه وطوحت به سوداؤه حتى قيدت قدماه وانقطع عنه أصحابه وندماه أخبرني الشيخ حسن الشامي أن الشيخ العلامة محمد الحرفوشي مر عليه يوماً هو وصاحب له فوقفا بحاله وسألاه عن حاله فشكا إليهما الوحشة والانفراد وخيبة الأمل والياس من المراد وطلب منهما أن يجلسا بقربه وينفسا من خناق كربه فتقدم ذلك الرجل إليه وجلس بين يديه فتشبث به وطرحه وضربه حتى برحه ولم يفلت منه إلا بعد حين وكاد حينه أن يحين ثم التفت إلى الشيخ محمد الحرفوشي فقال له أنت شيخنا المبجل الأغر المحجل على عهد الله أن لا أفعل بك ما فعلت بصاحبك فادن مني وأزل دهشة الوحشة عني فمال عنه وانحرف وضحك من قوله وانصرف واستدعى يوماً بنورة ليطلى بها فطلى جميع بدنه حتى لحيته وشاربيه واشفار عينيه وحاجبيه فلما أنكروا عليه فعله. قال أردت أن أزبل الشعور جمله. وله في جنونه أفانين عد بها من عقلاء المجانين وهذا حين أثبت من شعره ما تستحليه وتقلد به جيد الدهر وتحليه فمن قوله مادحاً أبا السرور البكري
ألا طرقتنا قبل منبلج الفجر ... معطرة الأردان طيبة النشر
وحيت فاحيت من حشا مدنف قضى ... وما خلتها تقضى على الموت والنشر
وجادت بما ضن الزمان بمثله ... وفاءً بلا مطل ووصلاً بلا هجر
وجاءت كما شاء المنى في مطارف ... من الحسن أدناها أدق من السحر
ولاحت من العذر العلي في دياجر ... فأشرق بدر التم في غسق الفجر
وماست قضيباً فوق دعص فاتلعت ... من الغيد ريماً لا من الشدن العفر
فبادرتها والقلب جم سروره ... وقل أن يوفي حين وافته بالنذر
وقلت لها اسعي وقلت ألا اسلمي ... وأيقظت اقريها الهوادج بالنحر
وعاطيتها صفراء بكراً كأنها ... إذا جليت في كاسها الشمس في البدر
وجاذبتها أطراف عتب كأنه ... نسيم الصبا غب الملث من القطر
ومازجتها ضما فرحنا كأننا ... خليطان من ماء الغمامة والخمر
ونازعتها ذيل العفاف ولم أخل ... خليلين مثلينا استقالا من الوزر
إلى أن نضا كف الصباح حسامه ... وأسفر داجي الأفق عن فلق الفجر
فقامت تهادي تنفض البرد تنثني ... مرنحة الأعطاف ناحلة الخصر
وهمت بتوديعي فسالت مدامعي ... وسار فؤادي خلفها حيث لا تدري
فيا ليلة ما كان أزهر متنها ... لقد أذكرتني موهناً ليلة القدر
وبارورة لم أنس لا أنس أنسها ... عدى عودة أم أنت لي بيضة العقر
ووالله ما سببت إلا علالة ... وفي عمره من غير بحر الهوى فكري
وفي همتي والله يعلم شاغل ... عن الغادة العذراء والأغيد العذري
ارتع في روض الحسان وانثني ... عن الذروة الشماء يعلو بها قدري
أحدث نفسي بالمعالي وأبتغي ... رفيقاً رفيقاً بي معيناً على أمري
وما الناس إلا الشوك عند اختبارهم ... على أنهم في منظر العين كالزهر
стр. 225
سأضرب وجه الأرض أبغي مطالبي ... فريداً ولا أعبؤ بزيد ولا عمرو
أبى الله لي إلا سيادة أصيد ... مجد إلى قنص العلى بالقنا السمر
ولا مجد عن ارث وإن طبت محتداً ... فانمي إلى حبر يقلب بالبدر
وما الفخر إلا في مقارعة الوغى ... وما المجد إلا بالسباء وبالأسر
فإن أنت صاففت الأسود وخضتها ... بطعن فقل ما شئت في عالم البدر
ولم تغتمض عيناي ليلة لم أبت ... أقلّب في قلب الهزبر على جمر
وكم لي من صيدات عز وسودد ... ومن دونها وقع المهندة البتر
ولما رأيت الذل في جانب الغنى ... تنكبت أبغي العز في جانب الفقر
مناقب هماتي حكين مقانباً ... نظمن قلادات من الأنجم الزهر
يبارين أحداث الزمان فتنبري ... كما ارتعد العصفور من صولة الصقر
وما هي من همات قطب العلى أبي ... السرور ولا دعوى سوى عيثر العسر
هو الأسد الضرغام أن عن حادث ... ملّم شديد الباس حتى على الدهر
هو الشمس في أفق السماء وضؤها ... على الخلق من بيض وسمر ومن حمر
هو العالم الشهم المبرز في النهي ... أخو الحسب الوضاح والشيم الغر
هو البحر أما ريم ادراك شأوه ... فأين الثماد الجعفري من البحر
ولا عيب فيه غير أن يمينه ... تنوف على ما في الكنبهور باليسر
ومن جوده الداني الهياذ فمصر لا ... تبالي أمد النيل أم كان ذا جزر
وكم من صفات راح يحوي زمامها ... عديمة أمثال تجل عن الحصر
وشفد ألفاظ المديح ولا تفي ... إذا أطربت يوماً بشيء سوى النزر
فصاحة قس في سماحة حاتم ... واغضاء قيس في اقتدار يدي عمرو
وفقه ابن ادريس وزهد ابن أدهم ... وحلم أبي بحر وصدق أبي ذر
خليلي عوجاً بارك الله فيكما ... على ساكني الفسطاط من قاطني مصر
وهباً إلى كنز المآثر واقرآ ... عليه سلاماً كاللطايم في القطر
وبثاً إليه فرط شوقي ولوعتي ... على ما هما فالصدق أجرد بالحر
أصدر الموالي المحرزي قصب العلا ... فداء محب مخلص السر والجهر
لعلك لا تنسي المسيىء من الرضى ... وعلك لا تنسى الكسير من الجبر
وإني لأستعفيك مما وجدتني ... حنيذا إلى النعما بطيأ عن الشكر
وما أنا نظاماً لشعر وإنما ... مديحك الوى بي على صنعة الشعر
وما الشعر يا مولاي إلا تجارة ... فطوراً إلى ربح وطوراً إلى خسر
فدونك يا ركن المعالي حوائلاً ... تؤمك بالتسليم قطراً إلى قطر
قواف إذا ما أنشدوها تخالها ... عقود الدراري لا عقوداً من الدر
ترق بماء الطبع حتى كأنما ... ترقرق في أرجائها ذائب التبر
لها رونق الطلا ... ومنها استعير الظلم في شنب الثغر
ودونكها بكراً إليك زففتها ... ولا غرو فهي البكر زفت إلى البكري
تروم قبولاً مهرها وجديرة ... مجانبة إلا جانبك بالمهر
ودم سالماً ما جاد روضاً ربابه ... وما ناح شحرور وما غرد القمري
وقال يمدح عبد الوهاب أفندي
مؤنبي لا برحت في عذلي ... فحبذا حبه عليّ ولي
هتفت في طي ما تزخرفه ... باسم يعفي جراحة العذل
عدمت الاداء يزاوله ... منه دواء يزول بالعلل
لله قلب بنوبه كلفاً ... مطال مثر إلى ملام خلي
كأنه في يديهما كرة ... فمن هلال الدجى إلى زحل
стр. 226
يلفه في هواه أونة ... حقاً دبوراً وحلتا شمل
وذي دلال أغر طلعته ... شمس الضحى فوق ناعم خضل
يجول في عطفه النشاط إذا ... يحل نقويه فترة الكسل
رقمت في طرس خده قبلاً ... فظل يمحو بنانه قبلي
وأخجل الورد في نضارته ... نبات خد في وردتي خجل
وعاطيات يمسن عن مرح ... فيختلسن النهي على مهل
سخن دون الغدير في حبر ... كما يشاء الهوى وفي حلل
فجين أقلابهن في خرس ... والرشح مما يجلن في زجل
ما لحن في الحلي وهو مؤتلق ... إلا وزن الحلي بالعطل
حلفن لأرحن دون سفك دمي ... أو يعود الكحل كاسي الكحل
يا بابي معهد نعمت به ... مرفه المال خالع الجدل
أجر ذيل الغرام منبعثاً ... على أزاهير روضه الجذل
أقوت مغانيه من أوانسه ... وحل منها الغراب في طلل
لبئس ما اعتاض من تسائمه ... عواصف السافيات من بدل
حبست عبدي في ملاعبه ... على فواظ الهوى بلا أجل
خلعت مستنكفاً لتربته ... نعلاً من ضيم وطء منتعل
سقفاه حتى يؤوب غاز به ... مزاج صرف الشباب بالعزل
قضى أخو العقل دون لذته ... ونالها كل خالع عذل
وعاق دون الأريب اربته ... زمان سوء يليق بالسفل
أن يدرك الدينون ما انتجعوا ... حيناً فقد يقنعون بالقفل
وقائل كم ونيت عن طلب الأر ... زاق تعلو غوارب الابل
تقتعد الكور جنح كل دجى ... تأكل بالميس أظهر البزل
لو كان في منزل بلوغ منى ... لم تبرح الشمس دارة الحمل
غل غول مختالة الخطا أبدا ... ولو دهتك الغيلان بالفيل
وصرف الدهر ما حييت به ... ما بين حل وبين مرتحل
فقلت عبد الوهاب ما ولي القض ... اء بالشام منتهى أملي
أحلني من حماه مرتبعاً ... من دون مرماه معقل الوعل
وعاج بي عن لظى الخطوب إلى ... ظل من الأمن غير منتقل
وأشاشني من يد الزمان وأغن ... اني حيا جوده عن الرحل
ورد مني المنى على ثقة ... منه وأمر المنى إلى وجل
وسامني دام مجده جهة ... وجاد عفواً بها ولم يسل
طوبى لأهل الشام ما وثقوا ... بموثق منه غير منتقل
أضجرنا باللهى بتابعها ... حتى لكدنا نثني على البخل
كأن كفيه ديمتا هطل ... يساويان الوهاد بالقلل
مهذب ما رأيت طلعته ... إلا رأيت الأنام في رجل
لو كان للشمس ضوء غرته ... لم تغتمض عينها من الطفل
أو كان لليل جاش عزمته ... في مستجاش الخصام لم يحل
أجار هذا الورى وليس له ... من ناقة فيهم ولا جمل
يبيت فيما جنوه مشتغلاً ... بالاً وعما اقتنوه في شغل
ما لابن عبد العزيز مجتهداً ... بزهده والجنيد من قبل
يحوز صمتاً وليس ذا حصر ... إلى مقول وليس ذا خطل
ناهيك من نافذ أوامره ... على الصفاح الرقاق والذبل
عف بريط النجاح متزر ... طب ببرد العفاف مشتمل
وصاحب الفكر صين عن خطل ... وصادق القول صالح العمل
وشيخ الاسلام غير متبع ... إلا طريق الأماجد الأول
تالله لن يعثر الزمان ولا ... بنوه يوماً له على مثل
стр. 227
رأي إذا دب في كعوب قنا ... يجل عن وصمة وعن خطل
يمضي بلا كلفة لطيته ... من حيث تنبو مضارب البطل
وقال في صدر أخرى
غنينا بدر من مقبلك العذب ... عن الشذر والياقوت واللؤلؤ الرطب
وشمنا بروق البشر رقراقة السنا ... تلوح لنا لألاها في دجى العتب
وفزنا بزور كان أيمن زائر ... ألمّ بنا وقع القطار على الجدب
وقال متغزلاً
هات اسقني حلب العصير ولا سوى ... زهر النجوم تجاه زهر المجلس
انظر إليه كأنه متبرم ... مما تغازله عيون النرجس
وكان صفحة خده ياقوتة ... وكان عارضه خميلة سندس
حسين جلبي
بن الجزري الشامي
أحد صاغة القريض. البديع التصريح فيه والتعريض. العالم بشعار الأشعار. والمقتنص لابكار الأفكار. فتح بقرائحه باب البيان المقفل. ووسم من غفلة ماسها عنه غيره وأغفل. راقت بدائع آدابه ورقت. وملكت روائعه حر الكلام واسترقت. فهو إذا نظم أهدى السحر للأحداق والرقة للحضور. وشاد من أبيات أدبه ما تعنوا له مشيدات القصور. فتملك المسامع إبداعاً وإعجاباً. وكشف عن وجوه المحاسن نقاباً وحجاباً. فمن بديعه المستجاد. ومطبوعه الذي أبدع فيه وأجاد. قوله في صدر قصيدة مدح بها ابن سيفا
لما نخييها رثي وربوعاً ... وحثاً نسقيها دماً ودموعا
عوجاً على عاني الطلول وعرجاً ... معي واندباني والطلول جميعا
ولا ترجيا القود الرواسم واعقلا ... على الرسم منها ظالعاً وظلعا
خليلي خل من أصاخ بسمعه ... وبثاً لخل لا يكون سميعا
فلا تعصياني في التصابي على الصبي ... وارفق ما كان الرفيق مطيعا
قفا نوضح الأشجان منا بتوضح ... وننتجع الدمع الملث نجيعا
ونبكي الليالي الغاديات نعيدها ... لو أن الليالي تستطيع رجوعا
معاهد أنس بان عهد أنيسها ... بعيشي ريعان الشباب وريعا
وجنة مأوى غاض ماء نعيمها ... وجرعت غسلينا بها وضريعا
لقد غال ما بيني وبين ظبائها ... على الجذع بين ظلت منه جزوعا
وغيب عن عيني أوجه عينها ... وكن شموساً لا تغبن طلوعا
عقائل يعقلن الفؤاد عن السوى ... ويصرعن ذا العقل الصحيح سريعا
تقد القنا منهن والصبح والدجى ... قدوداً قلت أوجها وفروعا
أحاشيك بي منهن ذات تمنع ... واقتل ما كان المحب منوعا
لها لحظات ما أسنة قومها ... بأسرع منها في الكمى وقوعا
تمنى يزور الطيف طرفي وأنه ... لزور وإن كان المحب قنوعا
وأبخل خلق الله من كان باعثاً ... خيالاً لعين لا تذوق هجوعا
يكلفني فيها الهوى ما يكلف الل ... هاء ابن سيفاً منذ كان رضيعا
الأديب عبد اللطيف بن شمس الدين
محمد المنقاري
أديب ربع أدبه آهل. نهض بأثقال المقال فما أدت له كاهل. علت شيمة بيانه وغلت. وسارت أغراض إحسانه في البلاد وأوغلت. وفاق وشى كلامه موشى البرود. وأخجل العقود في تليل الكعاب الرود. فشعره أرق من عليل النسيم إذا هب. وأجدى من نوال الكريم إذا وهب. فمن رقيق كلامه. وأنيق أزهار نظامه. قوله في صدر قصيدة مدح بها بعض أعيان عصره
هاج نار الوجد في قلب الكئيب ... بارق لاح سناه من قريب
أضرم النار وكانت خمدت ... واثار الشوق من بعد المغيب
نبه اللوعة من هجعتها ... وسرى كالريح في فرط الهبوب
عاود الداء له من بعد ما ... صح منه القلب من حر اللهيب
ذكر الصب زماناً بالحمى ... مر كالنجم هوى بين الشعوب
ليت شعري هل لماضي عصرنا ... من رجوع أم لدائي من طبيب
стр. 228
أتمنى أوبة هيهات لا ... يرجع الماضي من العيش الخصيب
ومحال رجع عصر قد مضى ... والصبى لا يرتجي بعد المشيب
لست أنسى يوم سعدي مقبل ... بدنو الحب مع بعد الرقيب
وتعاطينا كؤوس الزيق من ... ثغره المعسول خرجا بالضريب
آه لو عادت ليالي وصلنا ... ورجعنا لمناجاة الحبيب
كنت أعطي لبشيري حبة ... الناظر الغض وحبات القلوب
لم يخلف في فؤادي لمعة ... غير وجد وزفير ونحيب
وضلوع حشوها جمر الغضا ... ودموع العين كالغيث السكوب
كدت لولا زفرتي أغرق في ... يم أجفاني من الدمع الصبيب
كلما أخفيت مكنون الهوى ... باعث الأدمع بالوجد المذيب
بارق لاح فلما شمته ... حن قلبي للقاء أهل الكثيب
يا رعي الله غزالاً منهم ... طاب لي فيه انتسابي ونسيبي
ثغره يطفىء من برد اللمى ... غلة الصدر ونيران الكروب
إن بدا فالشمس تخفى خجلة ... وهلال الأفق يحنو للغروب
أو تثنى هز من قامته ... ذابلاً يهزء بالغصن الرطيب
وإذا ما مر في حلته ... لم ير الغصن سوى شق الجيوب
مفرد في الحسن والحسنى كما ... إن مولي الوقت معدوم الضريب
الأديب محمد الجوهري
الشامي
ناظم جواهر الكلام. وقاطف أزهار البيان بأنامل الأقلام. أخير ناف على الأوائل. وسحب ذيل الفخر على سحبان وائل. تقدم في مضمار البلاغة وما تأخر وذال صعاب البراعة بأدبه وسحر. لا يكل ليراعته لسان. ولا ينكر لبراعته إحسان فمن محاسن قوافيه. وكامل قريضه ووافيه. قوله وأجاد ما أراد
باكر رياض النير بين وماسها ... وانظر إلى الأزهار في أجناسها
ما بين زنبقها الأنيق ووردها ... وبديع نرجسها الفضيض واسها
وترنم الأطيار فوق غصونها ... تروي لطيف الوصف عن مياسها
جمعت معاني اللطف في ألحانها ... وبيان منطقها وحسن جناسها
تغنيك عن صوت المثاني عندما ... تشدو بمزهرها على جلاسها
فترى الغصون لما بها من نشأة ... تهوى إليك من السرور برأسها
طاف القدير بها فأثمر فرعها ... وغدا يخبرنا بأصل غراسها
وسرت بها ريح الصبا فتأرجت ... جلساؤها بالطيب من أنفاسها
فانهض نديمي نصطبح في ظلها ... واترك تباريح الهموم لناسها
وأجل لحاظ العين في أرجائها ... واجل الهموم هناك من وسواسها
واستحل باللذات بين رياضها ... واستجل بكراً أفرغت في كاسها
عذراء واقعها المزاج فأنتجت ... أطفال در لم ترع بنفاسها
شمس تزيد سناً إذا ما غربت ... في فيك أولتك القوى بشماسها
من كف مياس القوام إذا مشى ... بين الغصون قضى على مياسها
أو ماس في أهل الهوى ضربت له ... أخماسها بالقهر في أسداسها
ما جيد غزلان الصريم إذا انثنى ... وإذا رنا ما لحظ ريم كناسها
ذو مقلة نعساً إذا شاهدتها ... أهدتك سهداً من فتور نعاسها
قم يا حبيبي لا برحت ممتعاً ... داو القلوب من الكروب وآسها
واسمح وانس باللقا يا منيتي ... ما دامت الأيام في ايناسها
الشيخ محمد بن سعيد الكاشني
الدمشقي الصوفي
عارف شاد ربوع المعارف. وسالك نهج أوضح المسالك. صافي فصوفي. حتى لقب الصوفي. وله في الأدب مقام. شهدت به الطروس والأرقام. غير أن شعره وسط. وأن أطنب فيه القول وبسط. فمنه قوله في الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله تعالى عنه وكان يلازم طريقته. ويعتقد مجازه وحقيقته
أمولاي محيي الدين أنت الذي بدت ... علومك في الآفاق كالغيث مذهما
كشفت معاني كل علم مكتم ... وأوضحت بالتحقيق ما كان مبهما
стр. 229
وقوله مؤرخا وفاته
شيخنا الحاتمي في الكون فرد ... وهو غوث وسيد وإمام
كم علوم أتى بها من غيوب ... من بحار منها استمد الغمام
إن سألتم متى توفى شهيداً ... قلت أرخت مات قطب امام
وهو عام أربع وثلاثين وستمائة وقوله في صدر قصيدة مدح بها الشيخ أحمد المقري وهي من أمثل شعره
ظبي بوسط الفؤاد قائل ... أعجز بالوصف كل قايل
ظبي بأجفانه سباني ... وسحرها ينتمي لبابل
يرمي بسهم اللحاظ لما ... يرنو فيصمي الفؤاد جاعل
قد فتن العقل من تجنى ... عليّ حتى غدوت ذاهل
له قوام كخوط بان ... أو كالقنا مائد ومائل
بدر بدا كامل المعاني ... في القلب والطرف راح نازل
قد أسر القلب في هواه ... ومطلق الدمع فيه سايل
وما بقي لي منه خلاص ... سوى مديحي مولى الأفاضل
أحمد المقري من قد ... سما على البدر في المنازل
مولى جواد له اياد ... كالغيث تهمي لكل سائل
علامة حاز كل فضل ... مديد جود لكل آمل
أبو الفتح محمد بن حمد
بن عبد السلام التونسي الأصل الدمشقي المنشأ
أحد الفضلاء الأعيان. وأوحد أئمة البيان. له في الأدب قدح يحول. وصوانع غرر وحجول. سدد صعاد قرايحه واشرع. وكرع من الفضل في أغزر مشرع. وقفت له على بيتين يهمى منهما صوب البلاغة ويجود. لولا يفهم منهما من القول بوحدة الوجود. والله أعلم بحقيقة اعتقاده. وهو المطلع على خفايا صدور عباده. والبيتان هما قوله
بانعكاس الشعاع في المرآة ... وانعطاف الصدى على الأصوات
أيقن الناس أنه ليس في الكون س ... وى مقتضى شؤون الذات
الشيخ محمد خضير الدمشقي
حياك بالوردة البيضاء ذو هيف ... قوامه كقضيب البان معتدل
كأنها واحمرار قد تكنفها ... بياض صفحة خد زانها الخجل
صدقه الشامي أنشدني له شيخنا العلامة محمد الشامي قوله
في خده عرق بدا. ذو حمرة لصفائه ... هذا يصدق قولهم. الماءلون انائه
الشيخ فتح الله بن محمود
بن بدر الدين البيلوني الحلبي
فتى العلم وكهله. وبيت الفضل وأهله. الحكيم الحكم. السائر الأمثال والحكم. معدن المعارف وكنز الافادة. وكعبة الفضائل وقبلة الوفادة. تصانيفه في سماء الوجود كواكب. وتآليفه لجمع الفوائد مواكب. إلى أدب مورده في البراعة معين. يحسد اثمد مداده كحل عيون العين. وديوان شعره عزيز المثال. وأكثر مقاطيعه حكم وأمثال. وكان له مجلس وعظ ونصح. يزدحم لسماعه البكم والفصح. فيقرع الأسماع بتذكيره وتحذيره. ويصدع قلوب أولي المنكر بنكيره. ويقص من المواعظ أحسن القصص. ويقسم من أخبار الخوف والرجاء أوفر الحصص. ولم يزل سالكاً هذه السبيل. وارداً من صفو عينها السلسبيل. حتى طوى الدهر منه ما نشر. والدهر ليس بمأمون على بشر. فتوفى سنة اثنين وأربعين وألف بحلب الشهباء ودفن بزاوية آبائه النجباء. ومن مقاطيعه المشار إليها قوله
يقولون أن العتب باب إلى القلى ... فقلت وترك العتب باب إلى الحقد
ورب قلي تلقاه برداً على الحشا ... ولكن نار الحقد دائمة الوقد
وقوله
وإذا أردت أن تكون براحة ... في صحبة الخلطاء دون جفاء
فافرض قديمهم حديثاً في الولا ... واغنم ولاه بلا اشتراط وفاء
وقوله
وإذا أراحك صاحب من منة ... بالمنع فاشكر منعه فهو العطاء
وإذا أباحك منحة فاعدد له ... شكراً وحاذر في الشهود من الخطاء
وقوله
من يحاول لمن أساء جزاء ... فهو فيه ومن أساء سواء
خير ما استعل اللبيب احتمال ... رب داء أضر منه الدواء
المصراع الأخير من هذين البيتين أورده صاحب الريحانة قائلاً أنه من أمثاله المرسلة ولم يذكر ما قبله فذكرناه لئلا يتوهم أنه مصراع قد وقوله
стр. 230
إذا كنت صدر القوم قل ما تريده ... وإن كنت دوناً فاستمعهم وسلم
وإن كنت فيما بين ذلك رتبة ... فكن واعياً للقول ثم تكلم
وقوله
لا تحقرن من الكرام صغيرهم ... فأبن الكرام بكل حال يكرم
واعلن فرب صغير قوم في الورى ... بكبير قوم آخرين وأعظم
وقوله
إذا ما احتجت في أمر لشخص ... تكن في أسره بمقام ذلك
وإن تستغن عنه تكن أميراً ... وما المملوك في أمر كمالك
وهذا من قول بعض السلف احتج إلى من شئت تكن أسيره. واستغن عمن شئت تكن نظيره. وأحسن إلى من شئت تكن أميره. ومن فوائده ما نقله عن عمه أبي الثنا محمد بن بدر الدين البيلوني انه قال له لا تباحث من هو أعلا منك رتبة لأنه ربما انجر الكلام إلى مسئلة معلومة عندك لم يطلع عليها الشيخ فتحمر وجهه ثم لا تكاد تفلح إن رأيت في نفسك شيئاً ولا من هو مثلك فإنه لا يسلم لك كما أنك لا تسلم له فيفسد عليك عقلك وتفسد عليه عقله والعاصر لا يناصر وعليك بن هو دونك فإنه يستفيد منك بغير انكار وتستفيد أنت بإفادته فقد روي عن ابن الحنفية ﵁ من أحب أن يظهر الخطا في وجه مباحثه فقد أخطأ هو لرضاه بالخطا والله أعلم والبيلوني قال في الريحانة نسبة إلى بيلون وهو طين أصفر تسميه أهل مصر طفلاً انتهى وفي التذكرة طفل يسمى طين فيموليا والبيلون
الشيخ مصطفى الفرفوري
بقوله في الشريف مسعود بن ادريس لما تولى امارة مكة المشرفة في سنة تسع وثلاثين وألف. أميرنا السيد المفضال مسعود. من وصفه العدل والانصاف والجود.
توارث المجد عن ادريس والده ... أكرم به والداً أحياه مولود
وله أيضاً
أبا خالد أحسنت لا زلت محسناً ... رفيقاً بمن يأوي جوارك هاديا
ثنيت عنان الفلك عنك مودعاً ... وداع امرء لا يرجع الدهر ثانيا
الشيخ عرس الدين الحمصي
الخليلي
أديب أحرز من الأدب طرقاً. وحوى منه جانباً مستظرفاً. فنظم شعراً وسطاً. وصال به متشاعراً وسطاً. وكان بغيضاً إلى الطباع. بعيداً عن الانطباع. وقد حاجاً إلى مكة المعظمة. وفي نفسه ما فيها من التكبر والعظمة. فلم يلتفت إليه من أهلها أحد ولم يكن له بها من المعارف ملتحد. فخيل له فكره المريض. أن يهجوهم بالكناية والتعريض. فمنى منهم بالداء العياء. والداهية الدهياء. حتى أضرع وخضع. وألقى سلاحه وأوضع. فكفوا الألسنة. وتلافوا السيئة بالحسنة. ثم انتقل إلى المدينة المنورة فولى بها خطيباً. واستنشق من عرف ذلك الجوار الشريف طيباً. ولم يزل بها حتى بلغ عمره المدى. فألبسه المنون رداء الردى. وكان أول ما نظمه في أهل مكة قوله
جيران مكة جيران الاله لذا ... لا يعبؤن بمن قد غاب أو حضرا
لولا الطبيعة عافتهم لكان لهم ... اسراء روح بسر السرّ قد ظفرا
ثم قال فيهم أيضاً
علما مكة جاوزوا إلا فلاكا ... عزاً وحق لهم لعمرك ذاكا
لولا الرئاسة في رؤس نفوسهم ... كانوا وحقك كلهم أملاكا
فكان أول من انتدب لجوابه القاضي تاج الدين المالكي فقال مجيباً له عن البيتين الأولين
جيران مكة غرس الدين أينع في ... قلوبهم باسقا يهدي الهدى ثمرا
سقوه من أنهر الاخلاص صافيها ... فاخضل يطلع من أكمامه زهرا
ومن يكن روض غرس الدين مهجته ... أسرى وفاز بسر السر حين سرى
به قد اتحدوا إذ كان بينهم ... تواصل معنوي من الست جرى
فحيث دارت كؤوس الاتحاد على ... الأرواح ما اعتبروا الأشباح والصورا
فلما بلغته هذه الأبيات كتب إلى القاضي تاج الدين
يا شهم مكة يا تاج الرؤوس بها ... يا سهم بك قد بكت من عذرا
يا حبر علم يزيد الطالبين بها ... يا بحر فهم به يستخرج الدررا
يا رب حذق غدا رب البيان له ... عبداً وألقى عصى التسليم مقتفرا
يا ألمعياً أضاءت من لوامعه ... مشارق الذهن بالذوق الذي بهرا
стр. 231
يا لوذعياً بلاعي يمازجه ... أعيا وأفحم من قد قال أو شعرا
يا رب ظرف ولطف كسّرا خطا ... أغصان غراسي على بعد وما شعرا
هل ترفين الذي أخلقت من حالي ... أو تقبلن الذي يأتيك معتذرا
فأجابه القاضي بقوله
كللت إكليل تاجي بالثنا درراً ... لما بعثت بعقد المدح معتذرا
مضمخاً طيب شكر عرف نفحته ... كروض غرسك حيته الصبا سحرا
غرس من المبد الفياض قد سقيت ... أعراقه فنما يهدي الهدى ثمرا
غرس روى حين روّى الفضل منبته ... للسمع نواره عن طيبه خبرا
هدى إلى ما هو الأحرى بنا وبه ... إذا اقتفينا طريق القوم والأثرا
فحرفة الفقر إن لم يوف لابسها ... بشرطها نبذته كاسباً بعرا
عود البدء فمم الاعتذار ولم ... تقر إن قلت بكت الذي عذرا
وقلت في حق من جازي وعرض لم ... يشعر وأغصان غرسي مخطياً كسرا
قد حصحص الحق فاعلم إنما كسرت ... أغصان غرس الذي أخطا وما شعرا
إني عذرت وقد عرضت معترضاً ... لعرض قوم ثناهم لم يزل عطرا
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزهم ... عنه فجحدك ذنب غير ما غبرا
قضى بأن جرت الأقلام منك بما ... جرى به القلم المحتوم حين جرى
كبا الجواد ومن يعثر يقل كرماً ... فنسأل الله غفراناً لمن عثرا
فأعاد عليه الجواد ثانياً
استغفر الله من وهم لنا سترا ... لعل يرفع من البابنا كدرا
يا تاج ديني والدنيا بأجمعها ... يا بن السراة السراة السادة الكبرى
طولت ما قصرت عنه اساتذة الا ... نشا وسادة أهل العلم والشعرا
ركبت كالبرق اسراعاً براق ذكا ... وبت ترقي بفهم افهم النظرا
حتى وصلت إلى قاب البيان ولم ... يزغ فؤادك عما نال بل بهرا
وثم أوحى إلى القلب السليم أجل ... جبريل ذوقك ما أوحاه مستترا
آياته كلها للكل معجزة ... بالفعل لا صرفة عاقت لمن شعرا
كللت اكليل تاجي بالثنا درراً ... فصار شمساً على راس العلى ظهرا
وقد بعثت بعقد المدح معتذراً ... إليك لكن ما ألفيت من عذرا
له ضياء تجلى من فرائده ... كضوء تاجك أبداه البها قمرا
تاج ولا تاج كسرى في أكاسره ... كلا ولا قيصر في قصره نظرا
تاج على راس للكل محتوياً ... على المحيط ولكن يخطف البصرا
هدى الهداة إلى عين اليقين ومن ... سواه أهدى إلى أتباعه أثرا
بدا لعود فما عودي بمنعطف ... عمن تجاريه في المضمار حين جرى
وخرقة الفقر وفاها شرائطها ... إذ صبر الوهم منبوذاً بظهر عرا
أولت قولي فظلت اليوم تعتبني ... فنفسك أعتب ولا تعتب لمن شعرا
قد حصحص الحق لكن ليس يعرفه ... إلا فتى مزق الأشباح والصورا
إذ لست ممن يكون الدهر معترضاً ... لعرض قوم ثناهم لم يزل عطرا
وجعلك الذنب لي ذنب لكم أبداً ... إن قلت بالدور أو سلسلت لي خبرا
فاجمع أو أقصر ولا تفرح بها أبداً ... وقصر المنظر أو طول لنا السيرا
قضى الاله بأني لا أرى لكم ... إلا صبوراً شكوراً ناقلاً أثرا
لله درك من بيت ختمت به ... نظام مسك حوى في سلكه دررا
فيه الشهادة لي أن الجواد نعم ... أنا الجواد بلا بخل لديّ يرا
فواجب أنكم تعفون لا كرماً ... عن الكريم إذا في حيكم عثرا
стр. 232
لقول من جوهر الأرواح جوهره ... ونوره نور الأشباح والصورا
فيما روينا أقيلوا عثرة الكرما ... فنسأل الله غفراناً لمن غفرا
فكتب إليه القاضي مجيباً
يا ناطقاً ولسان الحق أنطقه ... حسبي جواباً مقال منك قد بهرا
قد حصحص الحق لكن ليس يعرفه ... إلا فتى مزق الأشباح والصورا
در حيث دارت كؤوس الاتحاد تجد ... ذاك الفتى ثم ذرنا نترك الهذرا
دعنا بحقك نطوي الكشح عنه فما ... بنشره غير إنا نبخس الدررا
واخش الاله فقد عرضت ثانية ... إذ قلت لست فاتل البيت معتبرا
فحسب جيران بيت الله ربهم ... يردي الذي قال فيهم وافترى نكرا
لله أنت لقد وفيت شرط لبا ... س الفقر بالقول والفعل الذي ظهرا
ومنعك الذنب ما لم يلف مستند ... له مكابرة تلفى لدى النظرا
هذا إلى ما تلاه من منافضة ... أضحت تلوح لدى من دقق النظرا
فأجابه الشيخ غرس الدين
يا ناطقاً واله الخلق أنطقه ... حسبي صواباً جواب فيك قد كبرا
قد حصحص الحق لكن ليس يعرفه ... إلا فتى قال شيئاً منك قد ظهرا
لولا الرياسة عاقتكم لكان لكم ... سعي إلى غرسنا كي نجتني ثمرا
در حيث درت فإن الطبع عاقكم ... عن العروج إلى شأو الذي قهرا
ولا أقول كما قلتم بلا سبب ... رأيتم ثم ذرنا نترك الهذرا
ها قد خرجتم عن الاداب فاقتصروا ... من قبل يقضي قضاء لا يرى هدرا
وأحمد المرتضى من نسل فاطمة ... ترضى به قاضياً يقضى بما بصرا
أشار بهذا البيت إلى السيد أحمد بن مسعود فعند ذلك أقسم السيد أحمد على القاضي تاج الدين أن لا يجيبه ثم جمعهما في منزله وأصلح بينهما فأشار القاضي إلى الشيخ غرس الدين أن يمدح أهل مكة ليكون كفارة عما سلف فقال
علماء مكة جاوروا الأملاكا ... الطائفين العاكفين هناكا
فتروحنوا من قربهم وتلطفوا ... وبلطفهم استعبدوا النساكا
فانظر لتاج الدين تعلم صدق ما ... نظم البدايع من الهدى أملاكا
أعنى الامام المالكي ومن له ... نظم كدر زين الأسلاكا
لو كنت في بطحائها نادمته ... أسلاك من أحببت بل أنساكا
وأجابه القاضي تاج الدين عن بيتيه الاخيرين المقدمي الذكر بقوله
يا قائلاً في أهل مكة أنهم ... لولا الرياسة لاغتدوا أملاكا
في معرض التعريض قلت ولم تقل ... في مدحهم هذا المقال أراكا
ورميت أهل الله بالداء الذي ... أضحى دفيناً في صميم حشاكا
وعنيت أن الكبر يحجب ربه ... عن كونه ملكاً فما أقصاكا
وقصدت ذمهم فأصبح شاهداً ... بكمالهم فكفاهم وكفاكا
لم تدر أنك بالذي قد قلته ... أخطأت فاقصر خطو رجل خطاكا
اني تضاهي من يفوقك محتداً ... وعلى فلو طلت السماك سماكا
فاحفظ لهم حق الجوار ولا ترم ... ادراك شأوهم فلست هتاكا
وأجابه عن البيتين الأولين السيد أحمد بن مسعود أيضاً فقال
غرست باللطف غرس الدين باسقة ... جنيت من نعيها مستوبياً مقرا
به دفعت يقيناً في حجاحجة ... يتلون من كتب آيات الهدى سورا
فاقن الهوادة واركن للهوادن إن ... رمت التنصر للدين الذي بهرا
كم بين عيدانة الدين التي فرعت ... وبين غرس راينا صابه ثمرا
وأجابه أيضاً الامام زين لعابدين الطبري بأبيات تقدم اثباتها في ترجمته وهي التي أولها
امام التقى مغرس التقوى بروضتها ... ذات المحاسن غرس الدين قد ظهرا
وقال القاضي تاج الدين فيه موالياً وعزاه إلى بعض أصحابه وهو
стр. 233
يا أيها الشيخ غرس الدين قد عذبت ... نفسك وبالتسمية بالفعل قد كذبت
جاوزت حدك وقبل الحصرمه زببت ... ما أنت شيخ غرس حاش الله بل شيخ نبت
ومن شعر الشيخ غرس الدين المذكور قوله معارضاَ لامية العجم كما زعم
صيانتي في فراق الفرق والحيل ... وحيلتي في حلى الجمع لا الحلل
لا مجد لي حيث فرق قائم أبداً ... والمجد لي قاعد في الجمع بالازل
فيم الاقامة في أرض الطباع ولا ... سكنى سكوني بها كلا ولا أملي
ناء عن القدس في ذا الحسن منفرد ... كالضيف يدأب في الترحال والتنقل
فلا صديق صدوق في مصادقتي ... أبثه حزني أو منتهى جذلي
طال اغترابي عن قدسي الأنيس إلى ... أن حن كلي إليه من كوى كللي
وضج من لغب كوني وعج لما ... ألقاه بوني ولج الكون في عذلي
أريد بسنطة جمع أستعين بها ... على أداء حقوق الفرق لي قبلي
والفرق يعكس آمالي ويقنعني ... من الحقائق بعد الجد بالجدل
وذي نشاط إذا رام النشيطة لا ... يزال في ناشط كالفارس البطل
بادي النباهة في رعب وفي رعب ... حلو الفكاهة مرّ الجد في احلل
طرقته في ظلام الليل معتجراً ... سواده خوف ومض البيض أو لاسل
والقوم ما بين صاح بعد نشوته ... من صرف وجدته أو شارب ثمل
فقلت أدعوك للحبلى لتجميني ... من فرقة الفرق أو من رفقة عطل
فشام عيني وعين الفرق ساهرة ... وتستحيل وصبغ الحلى لم يحل
فهل تعين على غي هممت به ... والرشد يزجر أحياناً عن الرجل
أني أريد أحيي الحي من حرم ... وقد حماه حماة من بني ذهل
يحمون بالحجب من نور ومن ظلم ... كنه الحقيقة من ادراك منثحل
فالحب حيث نهى الاملاك رابضة ... حول الحجاب لها غاب من الغول
نؤم ناشئة نشوى بهم زجل ... بالذكر لا بمثاني الشعر والغزل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ... ما بالكرائم من رعبي ومن وجل
تبيت نار الهوى منهم على كبد ... حري ونور الهوى منهم على المقل
يقتلن أكباد حب لا حراك بهم ... ويقتلون نفوساً في رضى الأزل
يشفى اللديغ ولا يشقى بهم أبداً ... يمهل الذكر نهلاً أو على علل
لعل المامه بالحي ثانية ... تثني عناني عن الأغيار والعلل
ما راعني طعنة السمراء قد شغفت ... برشقة من نبال السمر في الكحل
ولا ثناني الصفاح البيض وامضة ... عن رؤية البيض في الأستار والكلل
ولا أغر بغزلان تغازلني ... ولو غزاني غزاة الغز عن دغل
حب المعالي يثنى لب صاحبه ... على العلى ويغر الغر بالدول
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقاً ... من النفاق تفق بالملق والحيل
ودع غمار العلى للمقدمين على ... ترك العلو وروض النفس بالأمل
رضى النبيل بخفض العيش مسكنة ... والرفع عن رسيم العيس للنقل
فاجزم بها الفقر تنفي النقر ناصبة ... معارضات نجوم الليل بالجدل
إن العلى حدثتني وهي صادقة ... إن العلى على العلم والعمل
لو أن بالجهل والبلوي بلوغ منى ... لكان أولى بها منا أبو جهل
أهبت بالحض لا بالحظ صاح على ... تقوى الاله لأن الحظ ذو خطل
إن قام أو نام عني لا أنهنهه ... ولا أرى نقص معتل ومعتزل
أعلل النفس بالاجال أرقبها ... ما أوسع العيش لولا ضيقة الأجل
стр. 234
لم يهن لي العيش والأيام ضاحكة ... فكيف يهنا وقد أبكت على علل
غالي بنفسي عرفاني بها فلذا ... أصونها عن رخيص الكون مبتذل
وعادة الدر أن يزهى بمنظره ... وليس يعرفه إلا ذوو حيل
ما كنت آمل أن يملى عليّ بذا ... أبناء دهري من الأحداث والعمل
يروم أعرجهم سبقى ومقعدهم ... ولو عدوا فيهم مشياً على مهل
هذا جزاء امرء أقرانه قرنوا ... بقرنهم فتمنى عاجل الأجل
وإن علاني أخو جهل فلا عجب ... إذ قد علا مدة قبلاً أبو جهل
فاصبر لها ما لها عنك الزمان ولا ... نضجر ففي الصبر ما يغني عن الحيل
أدنى عدوك أدنى من تعد لما ... يعدو عليك فعذ بالله واتكل
فإما رجل الدنيا وواحدها ... من وحّد الواحد الأعلى على وجل
وحسن ظنك بالآمال معجزة ... فظن خيراً برب الناس لا الأمل
فاض النفاق وغاض الصدق واتسعت ... مسافة الخلق بين العلم والعمل
وشان جمعك عند الناس فرقهم ... وهل يعادل صوفي بذي جدل
إن كان ينجع شيء في مجازهم ... إلى الحقيقة فالتوفيق للعمل
يا صارفاً عمره من غير فائدة ... أنفقته مسرفاً في اللهو والجذل
فيم ارتكابك متن اللهو عن وله ... وأنت تسأل عن قول وعن عمل
كنز القناعة لا يغنى فكن ملكاً ... بها وانفق فما تحتاج للخول
ترجو البقاء بدار لا بقاء لها ... فهل سمعت بضيف غير مرتحل
والصمت منجاة من يصمت فكن رجلاً ... إذا طلعت على الأسرار ذا وجل
قد رشحوك فلا ترتع مع الهمل ... ورسخوك فلا تربع بلا مهل
ولما نظم هذه القصيدة أرسل بها إلى القاضي تاج الدين وكتب معها أرسلنا إليكم هذه القصيدة التي عارضنا بها لامية العجم بلسان أهل الاشارة. والمسئول النظر والامعان في العبارة. هل يصلح أن ينشر ويشكر. أو يعرض عنه ويستر. فانقده غير محاب. فذلك عندنا من المحاب. ولا ينظر إليه بعين الرضا فإنها كليلة. واصرف له زمناً قليلاً كليلة وطابق بين الأصل والفرع. يظهر ما بين الأب والزرع. والسلام. فأجابه القاضي تاج الدين
اصالة الرأي أضحت وهي قائلة ... صيانتي في فراق الفرق أجدر لي
لا يخفى على مولانا أنه لا يفرق بين الفضلاء وأقوالهم. إلا من كان من أمثالهم. والمخلص ليس له بذلك يدان. ومن ذا يفاضل بين جهبذين طاع كل منهما عصر القوافي ودان. على أن المخلص أراد أن يختبر سبره وسيره وجمع بين القصيدتين فوقع في ساحل الحير حيث جريا في مضمار معرفته كفرسي دهان. وتعارضاً لديه كما يعارض لدى المجتهد البرهان. فكلما أراد أن يحكم لأحديهما قامت الأخرى بحجتها. وأيدت بهجة محاسنها ومحاسن بهجتها. وكلما قالت إحداهما وبضدها تتميز الأشياء. قالت الأخرى هذا بعينه دليلي عند المتصف بلا رياء ولا ارتياء. فعند ذلك استقلت معرفة المخلص قدرها واستقالت. وقالت اصالة الرأي ما قالت. والسلام كمل الفصل الأول من القسم الثاني من سلافة العصر. في محاسن أعيان العصر. ويتلوه الفصل الثاني في محاسن أهل مصر والقاهرة. ونجوم السماء الزاهرة.
؟ أهل مصر والقاهرة
السيد محمد بن موسى
الجوادي الحسني
حسني النسب مصري الدار. علوي الحسب سني المقدار. اعترى بمصر إلى مذهب مالك. وراح وهو لازمة الفضائل مالك. وولى بها نيابة محكمة ابن طولون. وطال بنسبه على قوم بنشبهم يطولون. وله في الأدب منزلة ومكان. رفع بها من البيان محله ومكانه. فهو إذا قال اغترف من بحر. وإذا نظم قلد الجيد والنحر. فمن أزهار رياض أدبه الوريعة. قوله من أبيات في شكل نعل جده الشريفة
مذ شاهدت عيناي شكل نعاله ... خطرت عليّ خواطر بمثاله
فغدوت مشغول الفؤاد مفكراً ... متمنياً أني شراك نعاله
стр. 235
حتى الأمس أخمصيه ملاصقاً ... قدماً لمن كشف الدجى بجماله
يا عين إن شط الحبيب ولم أجد ... سبباً إلى تقريبه ووصاله
فلقد قنعت برؤيتي آثاره ... فامرغ الخدين في أطلاله
والبيتان الأخيران من قول الشيخ علاء الدين بن سلام بن الشيخ جلال الدين ابن خطيب دارياً وقد مر في جماعة من أصحابه بمزار السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵄.
يا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشط مزاره
فلقد ظفرت من الزمان بطائل ... إن لم تريه فهذه آثاره
وهو قريب من قول لسان الدين بن الخطيب
إن بان منزله وشط مزاره ... قامت مقام عيانه أخباره
قسم زمانك عبرة أو غيرة ... هذا تراه وهذا آثاره
وما أحسن قول السيد المذكور من أبيات أخرى في الفرض المتقدم
يا مدعي الحب اتخذ آثار من ... تهوى لديك إذا خلوت نديماً
وقلت أنا في قريب من ذلك
إن لم تفز يوماً بقرب مزاره ... فاقنع بما شاهدت من آثاره
واكحل جفونك من مواطىء نعلة ... واسفح دموعك في رسوم دياره
المشايخ البكرية هؤلاء قوم جدهم في الخلافة مشهور. وحسام جدهم على هام الدهور مشهور هبطوا مصر فنالوا ما سالوا
فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا
وقضى لهم الدهر ما كانوا له آملين ... وقالوا ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين
فزكت دوحة مجدهم بها ونمت. وعلت رتبة سعدهم صهوة العز وتسنمت. فهم صدور مجالسها. ويدور حنا دسها. وشموس آفاقها. ومنعقد وفاقها. وما منهم إلا عزيز مصر. ووحيد وقته وعصره
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
وها أنا ذاكر منكم من هو شرط الكتاب ومورد من منظومهم ومنثورهم ما تقتبس منه الشعراء والكتاب
فمنهم
الشيخ أبو المواهب
محمد بن الشيخ الاستاذ محمد بن أبي الحسن البكري
مفتي السلطنة بتلك الديار. وراجح الفضل الذي لا ينقص له عيار. أوصافه أشهر من أن تذكر. وكيف تجهل تباشير الصبح أو تنكر. له الدب الذي منح به شذور الذهب. ولا غرو فأبو المواهب أجدر من وهب. فمن نظمه ونثره ما كتبه إلى الشيخ عبد الرحمن المرشدي في عام ست وثلاثين وألف.
أروم الصفا والقرب من جيرة المسعى ... واجعل أجفاني لأقدامهم مسعى
فؤادي الفضا في مهجتي وأضالعي ... هي المنحنا والعين أرسلت الدمعا
ألا يا حمام الايك هيجت لوعتي ... إلى جانب الجرعا ومن حل بالجرعا
بلاد على أفق السماء محلها ... أحن إليها والذي أخرج المرعى
وفيها امام فاضل متفضل ... تقي نقي أتقن الأصل والفرعا
ذخيرة أهل العلم كنز أولي النهى ... له يا اله الخلق في نعمة فارعى
فيا عابد الرحمن يا خير سيد ... بفتواه في الأحكام قد أحكم الشرعا
إليكم مزيد الشوق مني مضاعف ... وحبي لكم بين الورى لم يزل طبعا
فدمتم مدى الأيام للخلق مقصداً ... ولا برحت كل الوفود لكم تسعى
стр. 236
الاخلاص فيما بيننا فاتحة الكتاب والاختصاص أشهر للناس من فلق الصبح لأولي الألباب. فوالعصر أنك مفرده وساعده. وعضده وسيده. تبت يدا أعدائك فهم الكافرون للنعم. ويل لكل في موقف الحشر من التغابن عند زلة القدم. تبارك الذي جعل الانسان الكامل. وأظهر تلك النبأ الذي حلي به من عموم العالم. وخصوص آل طه ويس في صدور المحافل. واختار للطالبين مرشداً. وأنت المستعان المستغاث في حالة الندا. أهدي إليك تحيات اعرابها مبني على الضم والجمع. وتسليمات تحرك سواكن الأشواق وتطلق عوامل الدمع. كيف لا وأنت المولى الذي ل يتخذ القلب عن عطفك بدلاً. وأصبح تأسيس تأكيد الحب الصادق عندك يجتلى. أبقاك الله راقياً معارج مدارج المجد. وناهج مباهج السعد. ومروضاً روض الأدب بوابل فضله. وجامعاً في البلاغة كل شكل إلى شكله. مع عمر مديد يطاول الأبد. ومنح تستغرق العدد. في عزة تتقاصر عنها قياصر العلماء. ومجد تتطامن له رؤس العظماء. وعلم مثقف القنا مشحوذ القواضب. وفهم يحل فوق السها معافد المجد ومقاعد المراتب. حيث تخفق بنود العلوم. وتقذف أنواء الفهم. ويتضح المنطوق والمفهوم. وينفخ أسرافيل اللوح الالهي في أصوار الأسرار أرواح الالهام. ويتلو جبريل التنزيل على الأعلام في ذلك المقام آيات الأعلام. في أيها البحر الذي ملك سد زمام اليراعه. وانقادت بيده أزمة البراعه. والفصيح الذي سد على ذوي الفصاحة الطرق. وجاء بالنجم مصفداً من الأفق. وعقايل أوصافه الفاخرة تتبرج. وصل إلي كتابكم المرقوم. ودر خطابكم المنظوم. فما هو إلا نور النبراس. أو مدارك الحواس. أو لذة السمع. أو مقلة الدمع. أو نفحة الند. أو صبا نجد. أو نسيم السحر. أو بلوغ الوطر. أو عقود اللآل. أو السحر الحلال. فرأيته قد جمع منشيه فيه فنون الأوائل والأواخر. وشنف الأسماع وحلي الأجياد بقلائد العقيان والجواهر. إلى غير ذلك ومن شعره ما كتبه إلى الشيخ المذكور أيضاً في صدر كتاب
ما غصون قد رنحتها شمال ... فهي نشوى ما أدبرت وشمول
ما رداح قد أشرقت بجمال ... ما سعاد وعزة وشمول
ما رياض أغصانها مزهرات ... صح فيها النسيم وهو عليل
مثل أسنى تحية وسلام ... لامام له مقام جليل
عالم العصر والزمان بحق ... هو لي والعروض نعم الخليل
هو شمس قد أشرقت بالمعالي ... هو بدر لا يعتريه أفول
هو فخر الورى لها لسعد قاض ... ما لشخص إلى علاه سبيل
هو عبد الرحمن خير امام ... قد تسامت فروعه والأصول
علمه كامل بسيط مديد ... فضله وافر سريع طويل
وله منطق بديع المعاني ... ببيان حديثه مقبول
وكتب إليه أيضاً من أبيات
تحية فاقت نسيم الصبا ... لها فؤادي بارتياح صبا
أريجها صاب وأنفاسها ... فاقت على أنفاس زهر الربا
تهدي لبحر العلم والفضل من ... له الهي بالمعالي حبا
للعالم العلامة المرتقى ... أوج العلى والأكرم المجتبى
لعابد الرحمن شمس التقى ... كنز أولي العلم العظيم النبا
مولى جليل عام مرشد ... عن كل علم لم يزل معربا
لم تر عيني أبداً مثله ... بين البرايا مشرقاً مغربا
فأجابه بقوله من أبيات طويلة
وافتكم مختالة قوقبا ... تحية من نحو وادي قبا
هبت بها ريح الصبا نحوكم ... تنوب عن صب بكم قد صبا
أقام في مكة جثمانه ... والقلب في أرجائكم طنبا
تهزه الأشواق قسراً كما ... تهز غصن الشيح شيح الربى
تؤم ربعاً حله سيد ... في مجده قد جاوز الكوكبا
امام هذا العصر من صيته ... قد طبق المشرق والمغربا
فهو بمصر صدر في وقته ... مجدد للشافعي مذهبا
ومن بديع شعره قوله
يا من جميعي بآي الحمد ذاكره ... وشعب قلبي لديه الحب عامره
стр. 237
ومن تهب صبا الأسحار توقظني ... شوقاً إليه ودفني سح ماطره
والطرف في أرق يرعى النجوم أسى ... مولع القلب باكي الطرف ساهره
يسامر الورق في الأغصان نائحة ... ولا يطيق سوى الورقا سامره
باح السقام بما في القلب منكتم ... وصادق الحب لا تخفي أشايره
وبلبل القلب داعي الشوق فانكدرت ... نجوم صبري وقلبي جل فاطره
والله ما طلعت شمس ولا غربت ... إلا وأنت حليف القلب حاضره
منها
يا نفحة نفحت من حيه سحراً ... وضمنها من شميم الأنس عاطره
تحملي من سلامي نحو حضرته ... وباريه فاهني العيش باكره
تلطفي وانقلي صدق الوداد له ... وشرح حال به ضاقت دفاتره
عسى تجيب باقبال القبول وإن ... كان الوصول له لاحت بشائره
ورب جمع أتى بعد الشتات كما ... مرّ التصبر قد تحلو أواخره
وفيه يقول الشيخ شرف الدين يحيى الأصيلي مشجراً
أقبل بالحسن في مواكب ... تقيس أضوائها الكواكب
بطلعة بالهلال أزرت ... فاكتن للغيظ في الغياهب
وجيه غصن إذا تثنى ... فالغصن مادت به الجنايب
اغزال شعري له وأما ... مدحي ففي فخر آل غالب
لابس برد الكمال راقي ... روق العلى الشامخ المراتب
مولى العطايا أخو السجايا ... نجل المزايا أبو المواهب
وارث صديق آل طه ... ومنشىء الكتب والكتائب
أحياه مولى الوري لتحيى ... مناقب الفضل والماتب
هامي العطا مشرق المحيا ... حامي السطا مغدق الرغائب
به الأصيلي حاز حباً ... بلغه أشرف المطالب
ومنهم ابن أخيه
الشيخ أحمد بن زين العابدين
البكري
ومن نثره قوله في صدر كتاب. اللهم يا مجري أنهار البلاغة في رياض المعاني والبيان. وموشح غصن الحكمة البديع النور بثمرات حسان. كأنهن الياقوت والمرجان. ومالىء أكمام الافهام وأردان الأذهان. من جنى جنتي العلم والعرفان. فقام شحرورها خطيباً على منابر الايقان. بأعظم بلاغة وتبيان. فما قس في الفصاحة وسحبان. نسالك أن تهب نسمات اللطف. على ذلك العطف. حتى نفوز منه بالعطف. ونقطف من ثمرات وداده اليانعه. ونراقب أنوار جنانك من جنات تلك الجنان العلميه ساطعه. ومن نظمه قوله
أحن إذا جن الظلام تشوقاً ... إلى زمن بالقرب زاد تألقا
واقطع ليلي ساهراً متفكراً ... لعل زمان الأنس يسعف باللقا
ومنهم أخو المذكور قبله
لشيخ عبد الرحمن بن زين العابدين
البكري
ومن نثره ما كتبه إلى بعض أصحابه بمكة المشرفة. استهتف ورقا أفنان الملكوت هاورة. واستدرف وطفاء هتان سحائب الرحمات ماطره. واستورق ظلال أدواح العناية الأحديه. واستشرف لمعاني تصور العظمة الصمديه. واستنجز عدة الله لعبد لا أعرف له في مصاعد المحبة نظيراً. وإن كنت كما يظن فأنا الضمين الملتزم بذلك تقريباً وتقديراً. مصطفوي الصفات. محرر أرقام اشارات العبارات. عين أعيان الأحباب. ومحب أبناء الصديق بلا ارتياب. المتشرف بخدمة كتابة سيد سادات ملوك عبد مناف. طراز العصابة الهاشمية وتاج مفارق هامات الاشراف. زاده الله تقرباً ونوالاً. وقبولاً واقبالاً. ومن نظمه قوله
يا الله أي فتى مثلي بكم فتنا ... يبكي فتبكي حمام في الدجى شجنا
أنفاسه كلهيب البرق وامضة ... وقلبه برعود الشوق ما سكنا
كأنما جفنه سحب الشتاء إذا ... كانونها بهمير الدمع قد هتنا
قد صار من شغف فيكم ومن أسف ... حليف وجد وأشجان بكم وضنا
وأن ينادي منادي كل ناحية ... من عذب الحب بالهجران قلت أنا
والله ما ملت عنكم بعد بعدكم ... ولا مللت سهاداً حرم الوسنا
منها
وإنني عابد الرحمن منتسب ... إلى صديق نبي أوضح السننا
стр. 238
أبي هو القطب زين العابدين ومن ... في سبل أهل المعالي اقتفى السننا
الشيخ تاج العارفين بن محمد
بن أمين الدين
لجة علم لا تدركها الدلاء. ومحجة فضل لا يفتقر سالكها إلى الادلاء. حل من رتب المعارف المحل الاسمى. ودل عرفانه على أن الاسم عين المسمى. وكان والده مفتي الحنفية بتلك الدار. وقطب الشريعة التي عليه المدار. فنشأ ولده هذا في حجر العلم والعلى. وتحلى من الكمال بأشرف الحلى. وله أدب شاد من أبياته قصوراً. لا ترى الأسماع في اطالة احسانها قصوراً. فمن رقيق نظمه الرائق. البديع الأسلوب والطرائق. قوله
اذكرت ربعاً من أميمة اقفرا ... فاسلت دمعاً ذا شعاع أحمرا
أم شاقك الغادون عنك سجرة ... لما سروا وتيمموا أم القرى
زموا المطي واعنقوا في سيرهم ... لله دمعي خلفهم ياما جرى
ما قطرت للسير أحمال لهم ... إلا ودمعي في الركاب تقطرا
فكان ظهر البيد بطن صحيفة ... وقطارهم فيه تحاكي الأسطرا
وكأنها بهوادج قد رفعت ... سفن ودمع العين يحكي الابحرا
رحلوا وما عاجوا على مضناهم ... واها لحظي كيف كنت مؤخرا
إن كان جسمي في الديار مخلفاً ... فالقلب معهم حيث قالوا هجرا
أظهرت صبري عنهم متجلداً ... وكتمت وجدي فيهم مستبشرا
وغدا العذول يقول لي من بعدهم ... باد هواك صبرت أم لم تصبرا
وقوله
وحق من كون الأشياء تكويناً ... نار المحبة في الحشاء تكوينا
وكلما هب من نجد نسيم صبا ... أزمة الشوق للأحباب تلوينا
وكلما سار ركب لم نسر معه ... أجرى الدموع دماء من أماقينا
هيهات نسلو وما نسلو محبتهم ... ولو أرونا من الهجران تلوينا
ساروا فراح فؤادي سائراً معهم ... يقفو الركائب في أثر المحبينا
جسمي بمصر وقلبي بالحجاز يرى ... من صدق حب وود حكما فينا
سقياً لأيامنا ما كان أطيبها ... بالرقمتين وما أحلى ليالينا
الشيخ جمال الدين المصري
العلقمي
أديب بديع البيان. ونجيب مؤسس البنيان. بيته أحد بيوت العلم بالقاهرة. والعلاقمة قوم فضائلهم كأنوار الصبح ظاهرة. وهذا الأديب درة من فرائد عقدهم. وغرة أشرقت في سما فخرهم ومجدهم. حاز من قداح الأدب المعلي والرقيب. واجتلى من محاسنه ما لم يصده عنه واش ولا رقيب. فمن شعره اللطيف الايناس. البديع الجنس والجناس. قوله
حتى رسما لربع مية عافي ... لمسته من الرياح السوافي
كان مغنى ظباء أنس الغواني ... صار مأوى ظباء وحش الفيافي
كم سفحنا بسفحه دم دمع ... وكفي عن سحابه الوكاف
ووقفنا به وقوف امرء القيس ... بن حجر نبكي مع استيقاف
والتاسي بمن مضى جهد من لم ... يغنه الجهد وهو في العذر كاف
وعلى كل فائت ﵀ ... ولكن بكاء المحبين شاف
ودعانا بوصل ميمة داع ... فتلاف الرضا تلافي التلاف
وطواف بالربع فيه لروحي ... راح سر قد انطوى في طوافي
ولحاني على سراي وسيري ... عاذل عاذر المطافي المطاف
قلت قال العلى ولا شك فيما ... قال عندي إن المنى في المنافي
قد مضى أكثر الحياة ورسمي ... بعد جسمي مني عفا في عفافي
وكثير المتاع عني قليل ... فقليل منه كفا في كفافي
وإذا اغثر مستغر فقولي ... سوف تبقى غداً سوا في سوافي
ولقد حل بي نذير المنايا ... وهو ضيف وكم مضى في مضافي
غير مسترجع زمان تقضى ... في التصابي وقد خلا في خلافي
وفؤادي قد شط غياً ومهما ... رمت تقريبه التجافي التجافي
الشيخ شرف الدين يحيى الأصيلي
المصري
стр. 239
شاعر ناط شعره بالشعرى. وقلد جيد الدهر دراً سماه شعراً. يسخر انتساق نظامه بالعقد الثمين. وتتلوا السن سامعيه إن هذا إلا سحر مبين. وكم فصل ببيانه من الأدب مجملاً. شعر ألذ من السلوى وأطيب نفحة. من المسك مفتوقاً وأيسر محملاً. إلي رقة طبع وخفة روح. ودماثة أخلاق تؤسى بها الجروح. ومجون يسلب الحليم ثوب وقاره. وينسى الخليع كاس عقاره. وتعلق بفنون الألحان. يدير بها من سلاف الطرف ما يهزء بسلاف ألحان. فإذا غدا مترنماً أطرب الناطق والجماد. واهتز له عطف السامع ارتياحاً وماد. ولم يزل موفور الجاه بالديار المصرية. لا سيما عند المشايخ البكرية. حتى قصد الحج لأداء الفرض. وطوى لمشاهدة تلك المشاهد مهامة الأرض. فلما قضى مناسكه وتفته. ولم من وعثاء السفر شعثه. طافت به المنية. طوافه بتلك البنية. فانتقل من جوار بيت الله وحرمه. إلى مقر رحمته وكرمه. وذلك لثمان خلون من محرم الحرام سنة إحدى وألف وقد أثبت له ما يروق السامع والناظر. ويحسد أزهاره الروض الناضر. فمنه قوله
لي في المحبة عن ملام العاذل ... بجمال من أهواء أشغل شاغل
أثرت عيوني بالسهاد وإنما ... دمعي الذي أضحى بوصف السائل
إن غردت ورق الحمائم جددت ... شوقاً أهاج من الغرام بلابل
يأبى غزال أرض نجد داره ... لكن لواحظه عزين لبابل
لدن المعاطف رق موشف ثغره ... فأعجب له من ذايل في ذابل
ولحاظه حفت بأصداغ فيا ... لله من سيف سطا بحمايل
تتطاول الأغصان تحكي قده ... وإلى التناهي مرجع المتطاول
أعيا الفصيح نبات عارضه فقل ... قس الفصاحة من أسارى باقل
وله من قصيدة
بدا بوجه جميل الوصف والشان ... يقول سبحان من بالحسن وشاني
كأنه روضة غناء مزهرة ... من دمع عاشقها تسقي بغدران
أشبهت في حبه ورق الحمى ففدا ... كل يبيت الجوى شجواً على البان
منها
تقول أعطافه لما نشبهها ... بالرمح من قال إن الرمح حاكاني
عطفاي حلوان مما أينعا ثمراً ... فكيف تحكيهما أعطاف مران
وقوله فيمن اسمها شمس الضحى مورياً باسمه
لما وفت شمس الضحى لي ... موعدي وشفت غليلي
ما هدت أي عجيبة ... شمس الضحى عند الأصيل
وقوله في عرب العشير وأجاد في التورية
عن العشير أبعد وكن سالماً ... وكن فتى بالبعد عنهم مشير
عاشرت منهم واحداً خانني ... عهدي وميثاقي فبئس العشير
وقال في مليح يعرف بالمنهلي
يناديك جيد المنهلي إذ أبدا ... تنقل فلذات الهوى في التنقل
وقالت لنا أصحابه في مقاله ... ورد كل صاف لا تقف عند منهل
وقرأت في تذكرته ما نصه قال كنا بخدمة الاستاذ محمد البكري بمنزلة ببولاق أنا وجماعة من فقرائه. وذوي ولائه. فأرسل لكل واحد حصة من الرمان وكنت أنا قد ظهرت من المنزل لقضاء حاجة فلما حضرت أخبرت بذلك فكتبت إليه
مولاي يا أكرم الأنام ومن ... بحار جدوى نداه منصبّه
قد جاء رمانك الورى جملاً ... والعبد ما جاءه ولا حبه
فأرسل منه جملة وافرة وكتب مجيباً
نأمر بالقلب واللسان بما ... يفيض منه غيث العطا صبه
فليس هذا الفقير يعرف من ... ابتاعه مثلكم غدا صبه
فاعذر فلا عتب في الحساب على ... مخطي محسوبة ولا حسبه
فانظر إلى حسن قوله نأمر بالقلب فإنه رمان ثم قال لي احتفظ هذه الرقعه. فإنها لك غاية الرفعه. وهي تشهد علي باعترافي أني لا أعرف أحداً من أتباعي يحبني كمحبتك ويودني كمودتك. وقال أيضاً كنت أنا وشيخنا العلامة نور الدين العسيلي جالسين عنده وقد ذكر في المجلس جماعة من أفاضل الدهر. وأدباء العصر. توفوا في مدة قريبة كالعلامة الفارضي والشهاب النسفي والبرهان المبطل وخلائق آخرون فأنشد بديهة
أقول وقد قيل لي كم مضى ... أديب له حسن نظم جليل
دعوا كل ذي أدب ينقضي ... ويحيى العسيلي ويحيى الأصيلي
стр. 240
ومن شعره أيضاً ما كتبه مقرظاً على نظم في العربية لبعض الفضلاء سماه الاشارات
إن الاشارات للعلم العزيز حوت ... وحازت الرفع مثل المفرد العلم
وإن تقل مادحاً في نعتها كلما ... ففي الاشارات ما يغني عن الكلم
وقال اقترح على مولانا الشيخ شهاب الدين أحمد النسفي المالكي أن أنظم بيتين من بحر المديد عند ما وصلت في القراءة عليه إلى هذا الموضع من عروض ابن الحاجب وشرحها لابن واصل
وجنة المحبوب ذات احمرار ... من لظى القلب استعار استعارا
فلهذا صار قلبي كليماً ... حيث من خديه آنست نارا
وقال في كتاب إلى الشريف حسن بن أبي نمي سلطان الحجاز
أيد الله تعالى سيداً ... كاملاً في سره والعلن
بدر فضل أشرقت أنواره ... من ذرى الشام لأقصى اليمن
من حوى رق المزايا والعلى ... وشرى المجد بأغلى ثمن
مجده من ذاته من أصله ... حسن من حسن من حسن
الشيخ محمد بن أحمد الحثادي
المصري
أديب رقيق حواشي صقيل الأديم. وهو ريحانة الجليس ولا فخر ومنه مزاج كاس النديم. طلع بدر أدبه في سماء البلاغة وتجلى. وسبق جواد قلمه في ميدان البراعة وجلى. فملك زمام البيان نثراً ونظماً. وأروى بما روى من بديعه وما أظما. مع اتقان لسائر الفنون. وغوص على در الفضل المكنون. خصوصاً على الطب والحكمة. فقد أنفد في معرفتهما أمره وحكمه. إلا أنه غدا في نهج البطالة وراح. وتوج راحاته بكؤس الراح. فواصل الغبوق والصبوح. وجري في حلبة اللهو بطرف سابق سبوح. وأنصت المثالث والمثاني. ولم يثنه عن اتباع هواه ثاني. فانحط من أوج الشرف قدره. وخوى من أفق النباهة بدره. وأصبح غرضاً لسهام الملام. مكلوماً بأسنة الكلام شعر
جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان
وذكره السيد محمد كبريت في رحلته فقال تشرفت بالاجتماع به وتحليت بمحاسن أدبه. فوجدت منه نديماً للسرور مديماً. ونفس حركسي في باب الهيام أديماً. فأزلت بطلعته السنية عن مرآة القلب صدى القسوة والغم. ونلت من حديثه. ما يسلو به الخاطر وينجلي الهم
وكنت إذا حدثته أو رأيته ... تزول حرارات الصبابة والجوى
ولا سيما أن ظل يتلو لمسمعي ... أحاديث أرباب الصبابة والهوى
ورأيت له حاشية على البيضاوي أتى فيها بالأبحاث الرائقة. والتحقيقات الفائقة. وله رحلة جامعة لفوائد الفوائد. سماها الاسفار عن الاسفار. وديوان شعر جيد النظم والمعنى وتعليقات على فنون الحكمة وسمعت بعض أهل الشام يقدح في شأنه. أو شرف مكانه. وما أظن الحال معهم إلا كما قيل
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لذميم
انتهى. ومن نثره العالي الطبقة. ونظمه الذي أرج به الكون وعبقه. قوله في مرجة دمشق. بصبا المرجة المبلل ذيله. علل القلب على يبرد ويله
ومر الروح أن تسيل دموعاً ... أن أبى الجفن أن يعينك سيله
واذكرن بالرياض يومي حبيب ... سلفاً والسلاف ترتع خيله
وتمسك بسالفيه على البعد ... عسى الكرب ينجلي عنك ليلة
ومن غرر حكمه ودرر كلمه قوله
تأن ولا تجزع لأمر تحاوله ... فخير اختيار المرء ما الله فاعله
وما ضمن الرحمن لا تخش فوته ... ومالاً فلا تجهد فما أنت نائله
دع السعي فالمسعود تطلبه المنى ... وسعي بلا سعد محال تحاوله
هو السعد يدو آخر الأمر ساعياً ... وحسبك سعياً في المرام تناوله
ولا تبتئس أن اخلق المجد واصطبر ... هو الشهد قد شيبت بصبر أوائله
وما المجد إلا الصبر فهو أبو التقى ... وكم حامل بالصبر عزت منازله
تفياء بظل الله من روض قوله ... الست بكاف تلحقنك فواضله
وعزتهن دنياك واغن بتركها ... ولا تحفلن بالرزق فالله كافله
стр. 241
تحل بتاجا لصنع تغد مملكاً ... يطول على هام الرجال كواهله
وقوله وأجاد
عرفتك دهري ليس لي فيك حيلة ... يروج بها فضلي لديك واسلك
سرى الياس مما في يديك وإن يكن ... رجاء ففي الأخرى التي لست تملك
وقوله أيضاً
يا بني الزهراء لا لقيتم ... أبد الأيام سواء من أحد
بشراكم لاح بمغنى أدم ... فلذا كل إليه قد سجد
بدر الدين حسين
الشهير بباشا زاده
غرة جبهة الزمان. وواسطة عقد الفضل المزري بعقد الجمان. وتاريخ الحسب والمجد. وصدر الكرم والشرف النجد. الجامع بين جلية النسب ومزية الأدب. والشافع كرم نفسه النفيسة بحسن الأدب. جر على هام المجرة ذيله. وأنار بقمر فضله ليله. فأصبح وهو عزيز مصره. والفاخر على ذي التاج المحجب في قصره. أجري بمصر نيله نيلها. وما زال مانح الفضائل والفواضل ومنيلها. فساق كل فاضل فلك أمله إليه وأرجاه. تالياً يا أيها العزيز مسناً وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاه. وأما أدبه فمأدبة البراعة والاحسان. القاصر عن نثره ونظمه سحبان وحسان. وما برحت كواكب فضله مشرقة لائحة. وسواكب أفضاله غادية رائحة. حتى وافته بأجله وفاته. وعفت آثاره وبكت عليه عفاته. فتوفى في رجب سنة ثلاث وعشرين وألف ومن نظمه ونثره ما كتبه إلى القاضي محمد دراز المكي مراجعاً عن كتاب كتبه إليه معزياً له في ولده عبد الرحمن وكان قد وصل إلى مكة المشرفة للحج فتوفى بها ثامن ذي الحجة الحرام سنة ثمانية عشر ومائة وألف وافتتح القاضي كتابه بقوله
على أريحي شافني بخياله ... سلام يحاكي منه طيب خصاله
عشقت وما أبصرته غير أنني ... سمعت من الحاكين وصف كماله
فأجابه بقوله
على المعي شمت آيات فضله ... فهمت به مستغنياً عن خياله
فمن أجل ذا اثني عليه ولم أقل ... سمعت من الحاكين وصف كماله
لا يزال برؤياه قميص الجو معنبراً. وثناء لا ينفك بمرآه بساط البسيط معشوشباً نضراً. أطيب من النسائم صافحت أنامل الزهور. فحلت منها العقود. وأرق منها إذا اعتلت شوقاً للثم الثغور. وهز القدود. إلى من هو الآخذ من الفضل بزمامه. والصاعد من المجد فوق غاربه وسنامه فارس حلبة المعارف وكميها. وشاكي سلاحها ولوذعيها. فاني يشق لها غبار. وكيف يركض معه مبار في مضمار. أعني الفاضل الممجد. ابن دراز محمد. نسأل الله تعالى كما فرده بما جمع له من الشيم الصالحة والأفعال. أن يكثر له الأمثال. ويهيىء له الآمال. ما لمع آل. واختلفت آصال. وبعد فقد ورد من تلك الديار. ووفد من هاتيك الآثار
ديار معال طال ما هاج برقها ... جفوناً أحال الوجد من دمعها دما
بكر فكر ترفل من التيه في برد قشيب. دوحة فضل تميس في روض خصيب. سماء أنجم الفصاحة في أرجائها لوائح. حديقة بلابل البلاغة في منابر أفنانها صوادح. فيا لله ما أحسنه من كلام. وواعجباً ما أبدعه من نظام. ولعمري لقد غاص فجاء بالدر منضوداً. وما أخاله إلا ارتقى فأتى بالنجم مصفوداً. فلو تليت لصخر لتفجرت أنهاره. أو شدى بها في روض لتبسمت أزهاره. ولو اقتاد بها الجوزاء لانقادت. أو استمال بها جلامد القلوب للانت. أقداح ألفاظها تطوف من المعاني برحيق. فمن قرع سمعه شيء منها فسكر أني يفيق. وشاهاً ساحر بيان ليس له مماثل. بل هو سحبان وائل لو قال بالتناسخ عاقل. فأماطت فضلة النقاب. ولاحت دون ما حجاب. حركت سواكن شوق اشتعل ضرامه. واستعرت لهيب قلب اشتد أوامه. فاه لولا ما ابتهجت به الأبصار من حسن روائها. وآض به روض السرور من سلسال مائها. كيف وقد بشرت بصحتكم التي هي نهاية الآمال. وأشعرت بقيام خيام عزتكم الذي هو أوراد الاخوان بالعشي والآصال. فلله الحمد أولاً وآخراً. وباطناً وظاهراً. وقد أشرتم إلى ما أشرتم إليه. مما يأبى القلب اللسان رحمة أن ينطق به أو يعرج عليه. فإنا لله وإنا إليه راجعون ولسنا أول من رماه الدهر نبيل مصائبه. وضرسه بنابه وافترسه بمخالبه. ولنا الآن إلى مزيد الثواب مزيد استشراف. وبالدهر في أن لا يعاندنا مزيد تلطف واستعطاف. والسلام. ومنه ما كتبه إلى الشيخ عبد الرحمن المرشدي
стр. 242
عندي لودك فاعلم ذاك ميثاق ... وللتملي بمراى منك أشتاق
وللحلول بأرض أنت ساكنها ... قلب يحاذي الجوى والوجد يشتاق
إلى حرم الفضائل الذي يأوى إليه أهل البلد الحرام. وكعبة الفواضل التي يطوف بها أهل ذلك المقام. ركن الافادة الذي يستند إليه كل فريق. وملتمس السعادة الذي يقصد من كل فج عميق. لا زالت مشكاة الشريعة مشرقة بأشعة فهمه. وألوية مذهب النعمان خافقة برياح علمه. يهدي سلاماً يصعد على ذروة الصفا. وثناه يتعرف بالوقوف بعرفات الوفا. تهب به نسائم الود على رياض المجالس. وتميس بملقاه غصون القلوب التي لم يحلها مؤانس. هذا وصدق ودك الأكيد. وفرط اخلاصنا الشديد. يقتضى أن لكم إلى استشراف أحوالنا استشرافاً. وإلى تلقي الأخبار السارة توجهاً وانعطافاً. فنحن بحمد الله داخل دائرة الصحة والسلامة. ووسط زائحة الراحة والكرامة راجين أن تكونوا كذلك. قائمين على قدم الانتظار للأخبار السارة من تلك المسالك
فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي
ملتمسين صالح دعواتكم في تلك الشعاب. راغبين في النيابة عنا في تقبيل تلك المعاهد والقباب. والسلام.
شهاب الدين أحمد الخفاجي
المصري صاحب الريحانة
أحد الشهب السياره. المقتحم من بحر الفضل لجه وتياره. فرع تهدل من ذواية خفاجه وفرد سلك سبل البيان ومهد فجاجه. أجرى من ينبوع الفضل ما أخجل بمصر نيلها وبالشام سيحانه. وأهدى لمشام أرباب الأدب من رياض أدبه أطيب ريحانه. إلا أنه كان كثير الاعجاب بنفسه. ساحباً ذيل الفخر والكبريا على أبناء جنسه. وما لابن آدم والفخار. وهو مخلوق من صلصال كالفخار. وشعره يجمع الغث والسمين. ويشتمل على الرخيص والثمين. وقد ترجم لنفسه في كتابه. فقال كنت بعد سن التمييز. في مغرس طيب النبات عزيز. ممتعاً في حجر والدي. بذخائر طريفي وتالدي مربى بغذاء على الظاهر والباطن. في النعيم المقيم بأرفع المساكن. ومقام والدي غني عن المدح. والورق بأوكارها لا تعلم الصدح. فلما درجت من عشى قرأت على خالي سيبويه زمانه علم العربية فجثوت بين يديه على الركب. ونافثت اخواني في الجد والطلب. ثم ترقيت فقرأت المعاني والمنطق وبقية العلوم الاثنى عشر ونظرت في كتب المذهبين مذهب أبي حنيفة والشافعي مؤسساً على الأصلين من مشايخ العصر. متنزهاً في حدائق السحر موشحاً لأدبي بحلل النظم والنثر
فلولا الشعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد
ومن أجل م أخذت عنه شيخ الاسلام ابن شيخ الاسلام الشمس الرملي حضرت دروسه الفرعية وقرأت عليه شيئاً من مسلم فأجازني بذلك وبجميع مؤلفاته ومروياته بروايته عن القاضي زكريا الأنصاري وجلالته أشهر من الشمس كما قلت فيه
فضائله عد الرمال ومن يكن ... ليحصل معشار الذي فيه من فضل
فقل لفتى قد رام احصاء فضله ... تربت استرح من جهد عدك للرمل
ومنهم شافعي زمانه القطب العارف بالله الشيخ نور الدين الزيادي حضرت درسه زماناً طويلاً وهو كما قلت فيه
لنور الدين فضل ليس يخفى ... تضىء به الليالي المدلهمه
يريد الحاسدون ليطفوه ... ويأبى الله إلا أن يتمه
стр. 243
ومنهم العلامة في سائر الفنون علي بن غانم المقدسي الحنفي حضرت دروسه وقرأت عليه الحديث وكتب لي إجازة بخطه. ومنهم العلامة الفهامة خاتمة الحفاظ المحدثين إبراهيم العلقمي قرأت عليه الشفا بتمامه وأجازني به وبغيره. وممن أخذت عنه الأدب في الشعر شيخنا أحمد العلقمي ومحمد الصالحي الشامي. وممن أخذت عنه العروض الشيخ محمد المغربي المعروف بركروك وممن أخذت عنه الطب الشيخ داود البصير. ثم ارتحلت مع والدي إلى الحرمين الشريفين وقرأت على الشيخ علي بن جار الله وعلى حفيد العصام وغيره. ثم ارتحلت إلى قسطنطينية فتشرفت بمن فيها من الفضلاء والمصنفين واستفدت منهم وتخرجت عليهم وهي إذ ذاك مشحونة بالفضلاء الأذكيا كابن عبد الغني ومصطفى بن عزمي. وممن أخذت عنه الرياضات وقرأت عليه اقليدس وغيره وأجلهم إذ ذاك سعد الملة والدين بن حسين ولما توفى قام مقامه صنع الله ثم ولده ثم انقرضوا في مدة يسيرة فلم يبق بها عين ولا أثر وصار الدين ملعبة وسخرية وآل الأمر إلى اجتراء السلاطين والوزراء على قتل العلماء واهانتهم. ولما عدت إليها ثانياً بعد ما توليت قضاء العساكر رأيت تفاقم الأمر وغلبة الجهل فذكرت ذلك للوزير ظناً بأن النصح يفيد. فإذا هو كما قيل.
هو الوزير ولا ازر يشد به ... مثل العروض له تجر بلا ماء
فكان ذلك سبباً لعزلي وأمري بالخروج من تلك المدينة واظهار العداوة لمن هو في زي العلماء مع أنه لم يبق بها من يحسن قراءة الفاتحة. ومن تأليفي الرسائل الأربعون وحاشية تفسير القاضي في مجلدات. وحاشية شرح الوامض. وشرح الدرر. وطراز المجالس. وكتاب السوانح. والرحلة. وحواشي الرضى. والجامي. وشرح الشفا. وغير ذلك. ولى من النظم ما هو مسطور في ديواني. ومن المنثور رسائل ومكاتيب لم أجمعها انتهى ملخصاً. وها أنا أثبت من نتائج بيانه.
بعد تمييز خزفه من عقيانه. ما يروقك ساه. ويشوقك لفظه ومعناه. فمن نثره قوله في فصوله التي سماها الفصول القصار. في نتائج الاعمار. ساعد زينته بسوار المنايح. حري بأن يمرى لك ضروع الثنا والمدايح. رب موقد نار بها يحترق. ومحسن للشيخ في اللجة غرق. كيف ينجو من ظلمة الجهل المدلهمة. ويبغى نسل الفضل والحكمة. من كان مقعد العزم عقيم الطلب عنين الهمة. الصديق والسكن. من تأنس به أنس العين بالوسن. من أمثال العامة. حمار نزلت عنه لا تبال بمن يركبه. وشهر لا خير فيه لا تعد أيامه. وكل شهر لا خير فيه عدك أيامه جنون. في الأثر مداومة أكل اللحم عشية وغدوة. تورث القلب غلظة وقسوة. وفلان يأكل ليلاً من عيور الغلمان. ونهاراً بغيبة الاخوان. لكل قلب هوى. كما أن لكل داء دوا فما اعتل نسيم الصبا. ألا تحب زهور الربى. أنا في مبارقة من أريد وصحبة من لم أرد. كواجد من لا يشتهيه ومشته ما لا يجد. نصح البليد عناء لا يفيد وصقل السيوف. بلا جوهر. يبين من عيبها ما خفى. من جهل زمانه. عد الخمول زمانه. الحوت لا يهدد بالغرق. والبحر لا يخاف من الشرق.
لو هم الفلك برفعة ماجد في الأبد. ما قدم الثور في منازلة على الأسد. ما أنصف الشيب من ستر وقاره. فسود وجهه واطفاء أنواره. الدهر خصم الد. وبلوغ الأسد البلاء الأشد. المعروف والصنيعه. عند الأحرار وديعه. ليس الصديق من إذا رآك قام. بلى من إذا أقعدك الدهر أقام. ليس باتحاد الاسمي. تتحد ذات المسمى. حمرة الخد جمال. وحمرة العين اعتلال. من كان دليله الغراب. رضي بالمنزل الخراب. الحكما الجهال. رسل عزرائيل للاستعجال. مقاومة من لا تقاومه خرف ولولا مقاومة البدر للشمس ما انكسف فصل فإذا أقول لقوم أجثوا منى ثمر مقال دانية القطاف. وقالوا في ظلال الرأفة والألطاف. فإذا عطف الدهر وهو لهم مساعد. كنت لديهم ككف بغير مساعد. فحالي معهم في المبره. كحال الناس والابره
كست قيصراً ثوب الجمال وتبعا ... وكسرى وجاءت وهي عارية الجسم
وقد كنت أعيب على الخوارزمي قوله
كفى حزناً أن لا صديق ولا أخ ... يفيد غنى إلا تداخله كبر
فلا نال فوق القوت مثقال ذرة ... صديق ولا أوفى على عسره اليسر
وما ذاك إلا رغبة في وصاله ... وإلا حذارا أن يميل به الدهر
стр. 244
ظناً مني أنه بدل. علي خبث الطويه. وفساد العقيدة والنيه. فإذا هو قد حلب الدهر أشطره. وذاق حلوه ومره فقلت لله دره ما أخبره. ومن شعره
لا وغصن راق للطرف ورق ... وعليه حلل الظرف ورق
وشموس لم تغب عن ناظري ... والشعور الليل والخد الشفق
وعيون حرمت نومي وما ... حللت لي غير دمعي والأرق
ما احمرار الراح إلا خجل ... من رضاب سكرت منه الحدق
والذي قد حسبوه صبياً ... فوق خد الكاس قطرات العرق
وهو على منوال قول الشيخ قطب الدين الحنفي المكي المتوفي سنة تسعين وتسعمائة
لا وفرع كدجى الليل غسق ... وجبين ضوءه الفلق
ومحيا كلف البدر به ... وخدود من حواليها شفق
ما أرى الغزلان إلا سرقت ... منك جيداً والتفاتاً وحدق
ثم خافت فتولت شرداً ... كيف لا يشرد خوفاً من سرق
رجع ومنه قوله في صدر قصيدة كتبها إلى أبي المعالي الطالوي
قبلت مصطحباً شفاه لا كؤس ... والصبح يبسم لي بثغر العس
حتى غدت منه الغزالة واختفى ... مسك الدجى عند الجواري الكنس
والنهر سيف بالنسيم فرنده ... وله حمائل من خمائل سندس
أو صدر خود فتحت أطوافها ... أو شققت للوصل حلة أطلس
والطير تشدو والغصون رواقص ... في وشى ديباج الربيع السندس
وعلى الخلاعة ليس جيدي عاطلاً ... من حلية المجد العزيز الأنفس
ولواحظ مرضى بها اعتل الصبا ... والصب بالسقم المبرّح مكتسى
فتنت بأنفسها ففيها علة ... من وجدها وفتور مهجور نسي
فلكم قطفت ثمار لهو أينعت ... وغفلت عما قد جنى الزمن المسى
وطردت آمالي براحة عفتي ... إن التمني رأس مال المفلس
رام التلمس نزر شعري برهة ... فطرحته كصحيفة المتلمس
وكحلت طرفي بالسهاد صبابة ... ووهبت نومي للعيون النعس
ونظرت خد الورد لما احمر من ... خجل وقد بهتت عيون النرجس
ذكرت بهذه الأبيات قصيدة لي على هذا الوزن والروى راجعت بها السيد حسين ابن علي من شدقم الحسيني عن قصيدة مدح بها الوالد فأمرني بإجابته عنها فقلت وهو صدرها.
ماست فازرت بالغصون الميس ... وأتتك تخطو في غلال سندس
وتبرجت جنح الظلام كأنما ... شمس تحلت في دياجي الحندس
تختال بين لداتها فتخالها ... بدراً بدا بين الجواري الكنس
أرجت برياها الصبا وتضوعت ... أنفاسها والصبح لم يتنفس
ووفت بموعدها وبات وشاتها ... للوجد بين عم وآخر أخرس
والبرق يخفق قلبه من غيرة ... والنجم يرمقنا بمقلة أشوس
يا طيب ليلتنا بشرقي الحمى ... ومبيتنا فوق الكثيب الأوعس
إذ بات شملي في ضمان وصالها ... والقرب يبدل وحشتي بتأنسى
والليل يكتم سرنا ونجومه ... ترنو إلينا عن لحاظ نعس
وسنا المجرة في السماء كأنه ... نهر تدفق في حديقة نرجس
باتت تدر على من ألحاظها ... كأساً وأخرى من لماها الألعس
حتى إذا رق النسيم وأخفقت ... من أفق مجلسنا نجوم الاكوس
قالت وقد واليت هصر قوامها ... ضاق الخناق من العناق فنفس
ثم انثنت حذر الفراق مروعة ... في هيئة المستوحش المستأنس
تتنفس الصعداء من وجد وقد ... غص الظلام بصبحه المتنفس
واستعجلت شد النطاق وودعت ... توديع مختلس بحيرة مبلس
لله غانية غنت لضيائها ... شمس الضحى إذا شرقت في الأطلس
سلبت عقول أولى الغرام صبابة ... بجمالها الباهي السنى الأنفس
لم انسها يوماً فاذكر انسها ... لا كان من ينسى الأحبة أونسى
ومن شعره أيضاً قوله في مليح لابس فروة سمور
стр. 245
وظبي من السمور ألبس فروة ... وماس كما هزت صبا سحرة سروا
والا عيون الناس من دهشة به ... تخلف أهداباً فتحسبها فروا
وله أيضاً
يا يوسف الحسن الذي لم يزل ... عذابه للصب مستعذبا
سري نسيم منك في طيه ... نشر لكرب القلب قد أذهبا
لو لم أكن يعقوب حزن لما ... أزال أحزاني نسيم الصبا
وله أيضاً
قل للأحبة أنتم مذ غبتم ... لم ألق وجهاً للسلو جميلا
فجعلت أيام الوصال قصيرة ... ولبست ليلاً للهموم طويلا
وقال من قصيدة في خاله الشيخ أبي بكر بن إسمعيل الشفابي
فرائد تزهو في ترائب مدحه ... وعندي لولا الجيد ما حسن العقد
سقى الله هاتيك الربى سحب راحة ... لها نسمات من عواطفها تحدو
وإن بقا عاقد سقاها بنانه ... لينبت في أرجائها الفخر والمجد
والبيت الأول من قول المتنبي
وأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
وأحسن منه قول الشيخ حسين الحكيم
وللدر فضل حيث نيطت عقوده ... ولكنه فوق الترائب أجمل
وأعذب من ذلك كله قول شيخنا محمد العلامة الشامي
لا يحسن الشعر إلا في مدائحه ... كالدر أحسن ما يبدو على الجيد
ومن شعر الشهاب المذكور قوله وأجاد
وليلة زارني والسعد وافى ... على رغم المنافق والمداجي
رأى ليلاً عيون الشهب رمداً ... فعصبها بمسود الدياجي
وقوله أيضاً
جيوش مالها في الملك نفع ... حكت صوراً تصور في كتاب
رأيت قتالهم من غير نبل ... كمثل الضرب في كتب الحساب
وله مضمناً
صقيل خدوده مرآت قلبي ... وماء الحسن رق به وراقا
تحيط به العيون إذا تبدى ... وهل طرف يطيق له فراقا
فخالوا صورة الأهداب فيه ... عذارا قد كسى بدراً محاقا
وظلنا نجتلي منه محيا ... كأنّ عليه من حدق نطاقا
وهو من قول الأرجاني
أعد نظراً فما في الخد نبت ... حماه الله من ريب المنون
ولكن رق ماء الخد حتى ... أراك خيال أهداب الجفون
وأما تضمينه فليس من الحسن في شيء فإن النطاق لا يكون للمحيا وإنما هو للخصر وما أحسنه في قول المتنبي الذي ضمنه منه
وخصر تثبت الابصار فيه ... كان عليه من حدق نطاقا
وفي معناه للسري الرفا
أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهن له دون النطاق نطاق
وقد نص أرباب البديع على أن أحسن التضمين ما صرف عن معنى غرض الناظم الأول كقول الشيخ شهاب الدين بن أبي حجله
قل للهلال وغيم الأفق يستره ... حكيت طلعة من أهواه بالبلج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج
وأما إذا لم يصرفه عن معناه الأصلي فهي استعانة ليس لها موقع ومنى الشهاب المذكور بعداوة بعض شعراء عصره فقال يهجوه
إذا نظم المدائح والأهاجي ... شهاب الدين أحمد الخفاجي
فلا تعبأ بذلك واطرحه ... ومن يعبأ بقوقاة الدجاج
وقال أيضاً
شهاب الدين دع عنك اللجاجه ... فلست تعدّ من عليا خفاجه
نسبت إليهم ظلماً لعمري ... كما نسبت إلى الطير الدجاجه
أتقوى أن تهاجيني بشعر ... وهل تقوى على الحجر الزجاجه
ولما وقف على كتابه الريحانة كتب عليه لما رأى من قلة جدواه
هذا الخفاجي الذي لم تزل ... سوأته غادية رائحه
أهدى لنا من سوء أفكاره ... ريحانة ليس لها رائحة
وهو من قول لسان الدين بن الخطيب في أهل سلا
أهل سلا صاحت بهم صائحه ... غادية في دورهم رائحه
يكفيهم من غرر أنهم ... ريحانهم ليس لها رائحة
السيد محمد وفا
بن زين العابدين الحسيني المصري
стр. 246
سيد جمع بين شرفي السيادة والزهادة. ولم يفارق مهده حتى وضع على النجم مهاده تقيل في الاباء أباه وأسلافه. واصطبح من معتق الأدب رحيقه وسلافه فهو السري في الورع ولا أنسبه إلى السقط. وهو السري في فنون الأدب ولا أقول في الشعر فقط أنشدني بعض السادة له أبياتاً تمتزج بالأرواح. ويطرب مكررها في الغدو والرواح وهي
قدحت زناد الراح في الأقداح ... قبسا فأغنتنا عن المصباح
مصباح راح في زجاجة راحة ... كالكوكب الدري في الاصباح
مشمولة تسري الشمول بنشرها ... في طيه من طيبها الفياح
مزجت فكادت أن تطير وإنما ... حبست بنسج الدر في الأقداح
تسري بسر الشكر في أسرارنا ... لكن يباح بهادم البواح
شنف بها الكاسات مع أكياسها ... ودع الصحاة وخالفن نصاحي
الشيخ داود الأنطاكي
الحكيم المشهور بالبصير
أعمى قائداه التوفيق والتسديد. ومحجوب كشف عنه غطاؤه فبصر ذكائه حديد أدرك ببصيرته ما لم تدركه أولوا الأبصار. وفطن بمصر فسار صيته في الأمصار. جمع فنون العلم جمعاً أصبح به علماً فرداً. وسرد متونه وشروحه عن ظهر قلب سرداً. إلى أدب بهر بتبيانه. وأظهر حكمة شعره وسحر بيانه. فهو عالم في شخص عالم. وعلم شيدت به دوارس المعالم. واعتنى بالطب فصار به طباً عديماً. وفاق أربابه حديثاً وقديماً. حتى كان يقول لو رآني ابن سينا لوقف ببابي. أو ابن دانيال لاكتحل بتراب أعتابي. وله فيه مؤلفات حرر مطولاتها بباع غير ذي قصر. وهذب موجزاتها ففاقت كل مبسوط ومختصر. منها تذكرة الاخوان. في طب الابدان. وشرح نظم القانون. المتكفل بحل هذه الفنون. ومختصر القانون وبغية المحتاج وقواعد المشكلات. ولطائف المنهاج. واستقصاء العلل. وشافي الأمراض والعلل. والنزهة المبهجة. في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة. وفي غير الطب شرح قصيدة ابن سينا وفي الأدب تزيين الأسواق. بتفصيل أشواق العشاق. إلى غير ذلك وكان قد هاجر في ابتداء حاله إلى مصر فباهى ببحر علمه نيلها. وأنال أهلها فواضل فضل ما كان سواه لينيلها. حتى دب داء الحسد في علمائهم. وثقلت وطأته على هام عظمائمهم. فرموه بالالحاد. وفساد الاعتقاد. وزعموا أنه يرى رأي القدماء من الفلاسفة والحكماء ويعتقد أن العالم قديم وأن الأرض والسماء لا يطوي لها أديم وما ثبت قديم امتنع عدمه وأن الخلق لا يعاد له أول. وقوله تعالى كما بدانا أول خلق نعيده ونحوه متأول إلى غير ذلك من مقالاتهم وشبهات ضلالاتهم فلما كثر منهم فيه اللغط وعاد ثمر منه قتاداً يخترط ركب متن عزمه على الفرار من ذلك الكمين فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين.
وتوجه تلقاء البيت الذي من دخله كان آمناً وكان صنع الله تعالى بنجابة ضامنا فألقى عصاه بالبلد الأمين وحل من أهله محل الفريدة من العقد الثمين وخدمه سلطان الحرمين الحسن ابن أبي نمي وآوى من كنفة في ظل ظليل بعد صكة عمي. وألفت من اليوم الأسود والموت الأحمر. إلى النعمة البيضاء والعيش الأخضر واستناف من الحياة عمراً جديداً ومد إلى نيل أمانيه باعاً مديداً حتى تصرمت لياليه وأيامه وفوضت من هذه الديار خيامه فتوفى سنة تسع وألف رحمه الله تعالى وها أنا ملي عليك من ابكار شعره وعونه ومحاسن قريضه وعيونه. ما يروق وتستهدي لمعانه البروق.
فمنه قوله
بروحي أقي من خلتها حين أقبلت ... على أثر حزن تنثر الدمع في الخد
قضيباً من الكافور يمطر لؤلوءاً ... من النرجس الوضاح في فرش الورد
وقوله
نظرت إليها والسواك قد ارتوى ... بريق عليه الطرف مني باكي
تردده من فوق در منظم ... سناه لأنوار البروق يحاكي
فقلت وقلبي قد تفطر غيرة ... أيا ليتني قد كنت عود أراك
فقالت أما ترضى السواك أجبتها ... وحقك ما لي حاجة بسواك
وقوله
لقد فقت أرباب المحاسن كلهم ... وزدت عليهم بالرشاقة والعقل
فمذ أعجز المغتاب شيء بقوله ... رماك بأوصاف القطيعة والبخل
فلا تثبتي بالهجر زور مقاله ... ولكن صليني أو عديني بالوصل
стр. 247
ولا تمطلي بالوعد شباً معذباً ... وإن قيل إن الشيء يعذب بالمطل
وقوله
أقول لها هل تسعفين بزورة ... مريضاً كواه البين بالهجر والسقم
فقالت إذا ما فارق الروح زرته ... لأن محالاً جمع روحين في جسم
وقوله في الجناس
هواك مازج روحي قبل تكويني ... وأنت ظلماً بنار الهجر تكويني
صبرت فيك على أشياء أيسرها ... ذهاب نفسي وقوم عنك تلويني
وكلما قلت صحت لي محبتها ... أرى ودادك مزوجاً بتلويني
قد حل عقد اصطباري طول هجرك لي ... وليس غير وصال منك يبريني
إذا شممت شذا رياك منتشقاً ... فما نسيم أتى من نحو يبرين
وقوله
أفدي فتاة فتنت مهجتي ... وقد أذيب القلب من صدها
مالي وللدنيا إذا لم تزر ... وليس يحلو العيش من بعدها
يقول لي الأسى وقد راعه ... ما بفؤادي من جوى بعدها
خذ ماء ورد ولسان معاً ... واشربه بالماء ذي من شهدها
قد صدق الأسى فهذا الدوا ... هو الشفا لو كان من عندها
بان يكون الشهد من ثغرها ... يجني وماء الورد من خدها
وقوله موجهاً بأشكال الرمل
سألتها عن بياض. في وجنتيها وحمره. ... إذا طريق اجتماع. قالت وراية قصره
وأحسن منه قولي
وذو هيف ما زال بالرمل مولعاً ... إذا ما سالت الوصل منه تبلدا
ووشى نقي الخد منه بحمرة ... فقلت طريق للوصال تولدا
قال المؤلف عفى الله عنه هذا ما تيسر ذكره واثباته من محاسن أهل مصر والقاهرة. واقتطافه من رياض آدابهم الزاهرة. مع علمي بأنه قطرة من ماء. ونجمة من سماء وقل من جد وغيض من فيض وكيف وفي مصر وأهلها يقول القائل
قل للذي سار بلاد الورى ... وأظهر القوة والباسا
من لا أرى مصر ولا أهلها ... فما رأى الدنيا ولا الناسا
ولكن بعد ديارنا من ديارهم أوجب عدم الوقوف على آثارهم والاطلاع على محاسن أحبارهم. وأين الديار المصرية. من الديار الهندية. وفيها يقول ابن القريه. أرض الهند شاسعة نائية. بلد كفرة طاغية. على أني لم آل جهداً. ولم أهمل شيئاً من ذلك هداً
إذا بذل الانسان غاية جهده ... فليس عليه بعد ذاك ملام
والله سبحانه أعلم. القسم الثالث في محاسن أهل اليمن. المقلدين بدر أشعارهم جيد الزمن
السيد محمد بن عبد الله
بن الامام شرف الدين يحيى الزيدي اليمني
стр. 248
سيد تفرع من دوحة النبوة والرسالة. وأيد ترعرع في روضة الفتوة والبسالة. زبدة سلالة السراة من لؤي بن غالب. ونتيجة مقدمات القضايا التي هي للعدل والجور موجبات سوالب. تاط طرف مجده بين الرئاسة والسيادة وجمع بين كرم الأصل والخطاب الفصل فاجتمعت له الحسنى والزيادة وآباؤه من سادات كوكبان الأعظمين وأئمة الزيدية المتسمين بأمرة المؤمنين الذين أرغموا أنف الدهر بشمم أقدارهم واركوا أديم الخطوب بهمم اقتدارهم فطلعوا في آفاق الشرف شموساً وأقماراً واقتطفوا من حدائق الرئاسة زهوراً وماراً وما زالوا هناك مستولين على تلك الحصون والأطراف منازل الأشراف حتى غزت جيوش بني عثمان اليمن واستولت على القصور منها والدمن فنازلوهم في ديارهم وحصونهم وظهروا على ظاهرهم ومصونهم وشددوا حصارهم وفرقوا أنصارهم إلى أن جنحوا للسلم قسراً فتركوهم في مواطنهم كأنهم أسرى ثم دالت الدول ونال أواخرهم ما لم ينله الأول كما سيأتي ذكره مجملاً إن لم يكن مفصلاً وكوكبان هذا مقر ملكهم ومستقر ملكهم وهو حصن على جبل باليمن ينيف بقلة سماء ويخوض براسه في عنان السماء تسقط قوادم الأبصار قبل الوقوع عليه وتهمي خوافي اللحاظ دون التلحيق إليه وأخبرني من رأه أنه يرى من مسيرة ثلاثة أيام ولما دخلت العساكر العثمانية إلى الأقطار اليمنية كان كبير السادة المذكورين الامام شرف الدين جد السيد محمد المذكور ثم عمه السيد مطهر بن شرف الدين فأظهرا الطاعات للسلطان واذناً في الخطبة له في تلك الأوطان وكتبا بذلك إليه وعرضا طاعتهما عليه ثم وقع بينهما وبين الأمراء الرومية جدال أفضى بهم لى جلاد وقتال.
ولما بلغ ذلك السلطان سليمان كتب إلى السيد مطهر بن شرف الدين هذا الكتاب وضمنه شديد التهديد والعتاب وصورته هذا مثالنا الشريف السلطاني وخطابنا المنيف الخاقاني لا زال نافذاً مطاعاً بالعون الرباني والمن الصمداني أرسلناه إلى الأمير الكبير العون النضير الهمام الظهير الشريف الحسيب الأديب النسيب فرع الشجرة الزكية طراز العصابة العلوية نسل السلالة الهاشمية السيد مطهر ابن الامام شرف الدين نخصه بسلام أتم وثناء أعم ونسند لعلمه الكريم أنه لم يزل يتصل بمسامعنا الشريفة العالية المنيفة اخلاصه لدينا وقيامه بقلبه وقالبه في مرضاة سلطنتنا والانقياد لجنبانا وبمقتضى ذلك كان حصل شكرنا التام وثناؤنا العام على مناصحته ولما برزت أوامرنا الشريفة سابقاً بتعيين وزيرنا الأعظم والدستور المكرم سليمان باشا إلى البلاد الهندية لفتح تلك الولاية السنية احياء لسنة البلاد وقطعاً لدائرة أهل الكفر والعناد فاستبشر لذلك كل مسا فرحاً وسروراً ووقع ما قدر الله وكان أمر الله قدراً مقدوراً فرجع وزيرنا المشار إليه ووجد طائفة من اللوتدية تملكوا بلاد زبيد من المملكة المحمية وحصل منهم غاية المشاق وأذى الرعية وزاد ظلمهم وجورهم على العباد وعم ضررهم كل حاضر وباد فتتبع آثارهم وقطع دابرتهم واستنقذ الرعايا من أيديهم وصارت مملكة زبيد من جملة ممالكنا الشريفة وعادت إلى أعتابنا العالية المنيفة.
стр. 249
وأبرز بريده مكتوبكم ومكتوب والدكم يتضمنان الاخلاص في طاعتنا واتباع مرضاتنا وأنهما صارا من أتباعنا ومن اللائذين بأعتابنا وتحققنا ما بلغنا عنهما من الأخبار على السنة المترددين إلى شرائف أعتابنا من تلك الديار وأنهما صارا من توابعنا ومملكتهما من جملة ممالكنا ثم بلغنا عنهما خلاف ذلك وتغيير ما كاتبانا عليه في السابق وأنه وقع بينهما وبين أمرائنا بتلك الجهات خلف كبير ووقائع متناقضة عم ضررها المأمور والأمير وهذا عين الخطأ المحض المترتب عليه ذهاب الأرواح لمن عقل وفهم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فإن مقامنا الشريف السلطاني الخنكار الخاقاني قد ملك بعون الله بساط الأرض شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً وصارت سلطنتنا الباهرة كالابريز المصفى والخلاص المستسفى ورقم سجل سعادتنا بآيات النصر وختم لنا في شرقها وغربها على أهل العصر واستديم فخرنا على سائر الملوك باحياء سنة الجهاد إلى يوم العرض ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وعساكرنا المنصورة حيث سلكت ملكت وحيث حلت فتكت لا يعجزهم صغير ولا كبير ولا هم جليل ولا حقير ولو شئنا لجاءكم منا شرذمة قليلون مائة ألف أو يزيدون ونتبع العسكر بالعسكر والجيش بالجيش حتى تصير عساكرنا المنصورة أولهم في البلاد اليمنية. وآخرهم في مملكتنا المصرية. ولا يخفاه قدرة سلطتنا. وتشييد أركان دولتنا. وإن أكابر الملوك ذو التيجان. وأصحاب القوة والامكان. لا يزالون خاضعين لمرتبتنا العالية. مطأطئين رؤسهم خشية مما يحل بهم عند المخالفة من القضايا القاضية. وذلك مشهور معلوم. ظاهر ليس بمكتوم. لكن غلب حلمنا عليه كونه من سلالة سيد المرسلين. ومن آل بيت النبوة الطاهرين. فلزمنا أن ننبهه قبل اتساع الخرق عليه. ونعرفه بما يؤول أمره إليه. وكونه أوى إلى جبال يتحصن بها ويزعم أن ذلك ينجيه عين المحال. وتدبيره تدميره على كل حال. جهل ذلك أو علم. لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. أين المفر ولا مقر لها. وقد اقتضت أوامرنا الشريفة تعيين افتخار الأمراء الكرام. محترم. ذوي القدر والاحترام. مصطفى باشا أن يكون باشا على العساكر المنصورة من المشاة والرماه. والعادة والحماه. معونة للأمير إذ دمر باشا بلغه الله ما شاء. وحال وصوله إلى تلك الديار. لا بد لك من الحضور إلى خدمته. والسعي إلى مقابلته. بقلب منشرح. وصدر منفسح. وتمشي تحت صنجقنا الشريف. العالي المنيف. وتدخل تحت طاعتنا المعظمة. وأحكامنا المكرمة. وتكون مع عساكرنا المنصورة على قلب رجل واحد. موالياً لمن والانا. معادياً لمن عادانا. من كل معاند وجاحد. فإن مصطفى باشا رأس عساكرنا المنصوره. وأمير جنودنا المبرورة. خليفتنا في أمرنا. كلامه من كلامنا. وحكمه من حكمنا. ومن أطاعه فقد أطاعنا. ومن خالفه فقد خالفنا. والعياذ بالله من المخالفة. فليتفكر العاقل لنفسه. ويتدبر بآراء حسه. قبل حلول رمسه. وينبه من رقدته. ويصح من غفلته وسكرته. فمن انضم إلى سلطنتنا. وانقاد لامرتنا. فقد رحم نفسه وصان مهجته. وحقن دمه وحفظ حرمته. وله في دولتنا العادلة كل جميل ورعاية. وما يتمناه من الزيادة إلى حد النهاية. وقد أمرنا مصطفى باشا بأنه إذا دخل تحت طاعتنا. ومشى على الاستقامة وانضم إلى عساكرنا. أن ينعم عليه بأمرنا الشريف. بسنجق منيف. لا معارض له في ذلك. وليكن مستقلاً فيما هنالك. فإن فعلت فأنت من الفائزين. لا تخف ولا تحزن أنك من الآمنين. وإن حصل والعياذ بالله مخالفة واستمر في العناد والضلال. وخاض في بحر الوبال. فاثمه في رقبته. وهو المهلك نفسه بطلبته. ويكون من الداخلين. في قول أصدق القائلي. يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. وينتقل من الوجود إلى العدم. ويندم حيث لا ينفعه الندم. وقد حذرناه رأفة به وتحنناً عليه. فإذا خالف أتيانه بجنود لا قبل له بها. وأخرجناه منها ذليلاً صاغراً لا ملجأ له من سلطنتنا إلا إليها. ومثله لا يدل على صواب فليعتمد ذلك وعلامتنا الشريفة حجة عليه. وهذا آخر ما انتهى منا إليه. حرر بمعمورة قسطنطينية بأوائل شوال سنة سبع وخمسين وتسعمائة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. فراجعه السد بما صورته. نور الله شموس الاسلام واطلعها. وفجر عين معين الشريعة النبوية ومتعها. وفتح أكمام ثمار السعادة الأبدية
стр. 250
وأينعها. ولألأ كواكب الدين الحنيف وأسطعها. وأعلى منار الملة الحنيفية البيضاء ورفعها. وكسر نواجم قرون الشرك والبغي وقمعها. وزلزل جموع الظلم والعدوان وزعزعها. وأرعد قلوب الجبابرة المردة وأفزعها. وألف بين قلوب المؤمنين والمسلمين وجمعها. بدوام دولة مولانا السلطان العظيم. ذي الملك الباهر القاهر العقيم. القاطع بسيوف عزمه عنق كل جبار أثيم. هماز مشاء بنميم. الهادي بأوامره ونواهيه إلى سواء الصراط المستقيم. الذي أوتي الحكمة والتحية والله يؤتي من يشاء من فضله العميم. شمس سماء الخلافة وقمرها المضيىء في الليل البهيم. ظل الله في أرضه. القائم بإحياء سنته وفرضه. ودينه القويم. حجة الله الواضحة. ودلالته الناصحة. للخلق على التعميم. امين الله على خلقه. وخليفته القائم بحقه. بتقدير العزيز العليم. المستنم بحماية آل الرسول. وأبناء فاطمة البتول. وسلالة النبي الكريم. الباسط عليهم ظلال عدله فلا ينالهم حر الجحيم. فهم راتعون في رياض من إحسانه لها نبت ونسيم. وكارعون من حياض امتناعه التي لا يشوب صوفها صرف الدهر المليم. سامي الفخار. وزاكي الأصل والنجار. الفائز بحوز قصبات السبق في الحسب الصميم. الكاف لأكف من تجافى عن الهداية. وسلك مسالك الغوايه. وكان له في الجهالة والعجوفة تصميم. الذي لا تحصى صفاته تعداداً. ولو أن الشجر أقلام والبحر مداداً. وسل بذلك كل خبير عليم. الخنكار الكبير. والخاقان الأعظم الشهير. سليمان بن سليم. واصل إلى جنابه الشريف نجائب ركائب التحية والتسليم. ورحمته الطيبة. وبركاته الصيبة. الموصولة بنعيم دار النعيم. حرس الله مقامه العالي. ولألأ كواكب الدين الحنيف وأسطعها. وأعلى منار الملة الحنيفية البيضاء ورفعها. وكسر نواجم قرون الشرك والبغي وقمعها. وزلزل جموع الظلم والعدوان وزعزعها. وأرعد قلوب الجبابرة المردة وأفزعها. وألف بين قلوب المؤمنين والمسلمين وجمعها. بدوام دولة مولانا السلطان العظيم. ذي الملك الباهر القاهر العقيم. القاطع بسيوف عزمه عنق كل جبار أثيم. هماز مشاء بنميم. الهادي بأوامره ونواهيه إلى سواء الصراط المستقيم. الذي أوتي الحكمة والتحية والله يؤتي من يشاء من فضله العميم. شمس سماء الخلافة وقمرها المضيىء في الليل البهيم. ظل الله في أرضه. القائم بإحياء سنته وفرضه. ودينه القويم. حجة الله الواضحة. ودلالته الناصحة. للخلق على التعميم. امين الله على خلقه. وخليفته القائم بحقه. بتقدير العزيز العليم. المستنم بحماية آل الرسول. وأبناء فاطمة البتول. وسلالة النبي الكريم. الباسط عليهم ظلال عدله فلا ينالهم حر الجحيم. فهم راتعون في رياض من إحسانه لها نبت ونسيم. وكارعون من حياض امتناعه التي لا يشوب صوفها صرف الدهر المليم. سامي الفخار. وزاكي الأصل والنجار. الفائز بحوز قصبات السبق في الحسب الصميم. الكاف لأكف من تجافى عن الهداية. وسلك مسالك الغوايه. وكان له في الجهالة والعجوفة تصميم. الذي لا تحصى صفاته تعداداً. ولو أن الشجر أقلام والبحر مداداً. وسل بذلك كل خبير عليم. الخنكار الكبير. والخاقان الأعظم الشهير. سليمان بن سليم. واصل إلى جنابه الشريف نجائب ركائب التحية والتسليم. ورحمته الطيبة. وبركاته الصيبة. الموصولة بنعيم دار النعيم. حرس الله مقامه العالي.
وحرمه المحرم من صرف الأيام والليالي. بما حفظ به الأيات والذكر الحكيم وبعد فإنه ورد إلينا من تلقائه أطال الله للاسلام والمسلمين في بقائه. مرسوم سطعت أنواره وطلعت للمسرات شموسه وأقماره وتضاحكت في عرصات المجد كمائمه وأزهاره. وجرت في جداول رياض المحامد أنهاره وزخرت بما تقربه العيون وتصلح به الأحوال إن شاء الله تعالى والشؤن بحاره وتحاسد على شرفه ليل الزمان ونهاره فوجدناه أشفى من الدرياق وأبهى من الاثمد في دعج الأحداق. يتبلج تبلج البرق ويتحلب بالخيرات تحلب الودق يفوق اللؤلؤ الثمين منثوراً ويفضح شقائق النعمان زهوراً. ويجعل ممدود الثناء عليه مقصوراً. فتعطرت الأفئدة بنشره. وأعلنت الألسن بحمده وشكره. وهب في البوادي والأمصار نسيم ذكره. ودخلت الناس أفواجاً تحت نهيه وأمره. حبذا مدرج كريم جليل. زانه منشا كريم جليل
لفظه الدر في السموط وفحوا ... ومعناه سلسل سلسبيل
следующие страницы →