Полный текст (350 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
سيد جمع بين شرفي السيادة والزهادة. ولم يفارق مهده حتى وضع على النجم مهاده تقيل في الاباء أباه وأسلافه. واصطبح من معتق الأدب رحيقه وسلافه فهو السري في الورع ولا أنسبه إلى السقط. وهو السري في فنون الأدب ولا أقول في الشعر فقط أنشدني بعض السادة له أبياتاً تمتزج بالأرواح. ويطرب مكررها في الغدو والرواح وهي
قدحت زناد الراح في الأقداح ... قبسا فأغنتنا عن المصباح
مصباح راح في زجاجة راحة ... كالكوكب الدري في الاصباح
مشمولة تسري الشمول بنشرها ... في طيه من طيبها الفياح
مزجت فكادت أن تطير وإنما ... حبست بنسج الدر في الأقداح
تسري بسر الشكر في أسرارنا ... لكن يباح بهادم البواح
شنف بها الكاسات مع أكياسها ... ودع الصحاة وخالفن نصاحي
الشيخ داود الأنطاكي
الحكيم المشهور بالبصير
أعمى قائداه التوفيق والتسديد. ومحجوب كشف عنه غطاؤه فبصر ذكائه حديد أدرك ببصيرته ما لم تدركه أولوا الأبصار. وفطن بمصر فسار صيته في الأمصار. جمع فنون العلم جمعاً أصبح به علماً فرداً. وسرد متونه وشروحه عن ظهر قلب سرداً. إلى أدب بهر بتبيانه. وأظهر حكمة شعره وسحر بيانه. فهو عالم في شخص عالم. وعلم شيدت به دوارس المعالم. واعتنى بالطب فصار به طباً عديماً. وفاق أربابه حديثاً وقديماً. حتى كان يقول لو رآني ابن سينا لوقف ببابي. أو ابن دانيال لاكتحل بتراب أعتابي. وله فيه مؤلفات حرر مطولاتها بباع غير ذي قصر. وهذب موجزاتها ففاقت كل مبسوط ومختصر. منها تذكرة الاخوان. في طب الابدان. وشرح نظم القانون. المتكفل بحل هذه الفنون. ومختصر القانون وبغية المحتاج وقواعد المشكلات. ولطائف المنهاج. واستقصاء العلل. وشافي الأمراض والعلل. والنزهة المبهجة. في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة. وفي غير الطب شرح قصيدة ابن سينا وفي الأدب تزيين الأسواق. بتفصيل أشواق العشاق. إلى غير ذلك وكان قد هاجر في ابتداء حاله إلى مصر فباهى ببحر علمه نيلها. وأنال أهلها فواضل فضل ما كان سواه لينيلها. حتى دب داء الحسد في علمائهم. وثقلت وطأته على هام عظمائمهم. فرموه بالالحاد. وفساد الاعتقاد. وزعموا أنه يرى رأي القدماء من الفلاسفة والحكماء ويعتقد أن العالم قديم وأن الأرض والسماء لا يطوي لها أديم وما ثبت قديم امتنع عدمه وأن الخلق لا يعاد له أول. وقوله تعالى كما بدانا أول خلق نعيده ونحوه متأول إلى غير ذلك من مقالاتهم وشبهات ضلالاتهم فلما كثر منهم فيه اللغط وعاد ثمر منه قتاداً يخترط ركب متن عزمه على الفرار من ذلك الكمين فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين.
وتوجه تلقاء البيت الذي من دخله كان آمناً وكان صنع الله تعالى بنجابة ضامنا فألقى عصاه بالبلد الأمين وحل من أهله محل الفريدة من العقد الثمين وخدمه سلطان الحرمين الحسن ابن أبي نمي وآوى من كنفة في ظل ظليل بعد صكة عمي. وألفت من اليوم الأسود والموت الأحمر. إلى النعمة البيضاء والعيش الأخضر واستناف من الحياة عمراً جديداً ومد إلى نيل أمانيه باعاً مديداً حتى تصرمت لياليه وأيامه وفوضت من هذه الديار خيامه فتوفى سنة تسع وألف رحمه الله تعالى وها أنا ملي عليك من ابكار شعره وعونه ومحاسن قريضه وعيونه. ما يروق وتستهدي لمعانه البروق.
فمنه قوله
بروحي أقي من خلتها حين أقبلت ... على أثر حزن تنثر الدمع في الخد
قضيباً من الكافور يمطر لؤلوءاً ... من النرجس الوضاح في فرش الورد
وقوله
نظرت إليها والسواك قد ارتوى ... بريق عليه الطرف مني باكي
تردده من فوق در منظم ... سناه لأنوار البروق يحاكي
فقلت وقلبي قد تفطر غيرة ... أيا ليتني قد كنت عود أراك
فقالت أما ترضى السواك أجبتها ... وحقك ما لي حاجة بسواك
وقوله
لقد فقت أرباب المحاسن كلهم ... وزدت عليهم بالرشاقة والعقل
فمذ أعجز المغتاب شيء بقوله ... رماك بأوصاف القطيعة والبخل
فلا تثبتي بالهجر زور مقاله ... ولكن صليني أو عديني بالوصل
стр. 247
ولا تمطلي بالوعد شباً معذباً ... وإن قيل إن الشيء يعذب بالمطل
وقوله
أقول لها هل تسعفين بزورة ... مريضاً كواه البين بالهجر والسقم
فقالت إذا ما فارق الروح زرته ... لأن محالاً جمع روحين في جسم
وقوله في الجناس
هواك مازج روحي قبل تكويني ... وأنت ظلماً بنار الهجر تكويني
صبرت فيك على أشياء أيسرها ... ذهاب نفسي وقوم عنك تلويني
وكلما قلت صحت لي محبتها ... أرى ودادك مزوجاً بتلويني
قد حل عقد اصطباري طول هجرك لي ... وليس غير وصال منك يبريني
إذا شممت شذا رياك منتشقاً ... فما نسيم أتى من نحو يبرين
وقوله
أفدي فتاة فتنت مهجتي ... وقد أذيب القلب من صدها
مالي وللدنيا إذا لم تزر ... وليس يحلو العيش من بعدها
يقول لي الأسى وقد راعه ... ما بفؤادي من جوى بعدها
خذ ماء ورد ولسان معاً ... واشربه بالماء ذي من شهدها
قد صدق الأسى فهذا الدوا ... هو الشفا لو كان من عندها
بان يكون الشهد من ثغرها ... يجني وماء الورد من خدها
وقوله موجهاً بأشكال الرمل
سألتها عن بياض. في وجنتيها وحمره. ... إذا طريق اجتماع. قالت وراية قصره
وأحسن منه قولي
وذو هيف ما زال بالرمل مولعاً ... إذا ما سالت الوصل منه تبلدا
ووشى نقي الخد منه بحمرة ... فقلت طريق للوصال تولدا
قال المؤلف عفى الله عنه هذا ما تيسر ذكره واثباته من محاسن أهل مصر والقاهرة. واقتطافه من رياض آدابهم الزاهرة. مع علمي بأنه قطرة من ماء. ونجمة من سماء وقل من جد وغيض من فيض وكيف وفي مصر وأهلها يقول القائل
قل للذي سار بلاد الورى ... وأظهر القوة والباسا
من لا أرى مصر ولا أهلها ... فما رأى الدنيا ولا الناسا
ولكن بعد ديارنا من ديارهم أوجب عدم الوقوف على آثارهم والاطلاع على محاسن أحبارهم. وأين الديار المصرية. من الديار الهندية. وفيها يقول ابن القريه. أرض الهند شاسعة نائية. بلد كفرة طاغية. على أني لم آل جهداً. ولم أهمل شيئاً من ذلك هداً
إذا بذل الانسان غاية جهده ... فليس عليه بعد ذاك ملام
والله سبحانه أعلم. القسم الثالث في محاسن أهل اليمن. المقلدين بدر أشعارهم جيد الزمن
السيد محمد بن عبد الله
بن الامام شرف الدين يحيى الزيدي اليمني
стр. 248
سيد تفرع من دوحة النبوة والرسالة. وأيد ترعرع في روضة الفتوة والبسالة. زبدة سلالة السراة من لؤي بن غالب. ونتيجة مقدمات القضايا التي هي للعدل والجور موجبات سوالب. تاط طرف مجده بين الرئاسة والسيادة وجمع بين كرم الأصل والخطاب الفصل فاجتمعت له الحسنى والزيادة وآباؤه من سادات كوكبان الأعظمين وأئمة الزيدية المتسمين بأمرة المؤمنين الذين أرغموا أنف الدهر بشمم أقدارهم واركوا أديم الخطوب بهمم اقتدارهم فطلعوا في آفاق الشرف شموساً وأقماراً واقتطفوا من حدائق الرئاسة زهوراً وماراً وما زالوا هناك مستولين على تلك الحصون والأطراف منازل الأشراف حتى غزت جيوش بني عثمان اليمن واستولت على القصور منها والدمن فنازلوهم في ديارهم وحصونهم وظهروا على ظاهرهم ومصونهم وشددوا حصارهم وفرقوا أنصارهم إلى أن جنحوا للسلم قسراً فتركوهم في مواطنهم كأنهم أسرى ثم دالت الدول ونال أواخرهم ما لم ينله الأول كما سيأتي ذكره مجملاً إن لم يكن مفصلاً وكوكبان هذا مقر ملكهم ومستقر ملكهم وهو حصن على جبل باليمن ينيف بقلة سماء ويخوض براسه في عنان السماء تسقط قوادم الأبصار قبل الوقوع عليه وتهمي خوافي اللحاظ دون التلحيق إليه وأخبرني من رأه أنه يرى من مسيرة ثلاثة أيام ولما دخلت العساكر العثمانية إلى الأقطار اليمنية كان كبير السادة المذكورين الامام شرف الدين جد السيد محمد المذكور ثم عمه السيد مطهر بن شرف الدين فأظهرا الطاعات للسلطان واذناً في الخطبة له في تلك الأوطان وكتبا بذلك إليه وعرضا طاعتهما عليه ثم وقع بينهما وبين الأمراء الرومية جدال أفضى بهم لى جلاد وقتال.
ولما بلغ ذلك السلطان سليمان كتب إلى السيد مطهر بن شرف الدين هذا الكتاب وضمنه شديد التهديد والعتاب وصورته هذا مثالنا الشريف السلطاني وخطابنا المنيف الخاقاني لا زال نافذاً مطاعاً بالعون الرباني والمن الصمداني أرسلناه إلى الأمير الكبير العون النضير الهمام الظهير الشريف الحسيب الأديب النسيب فرع الشجرة الزكية طراز العصابة العلوية نسل السلالة الهاشمية السيد مطهر ابن الامام شرف الدين نخصه بسلام أتم وثناء أعم ونسند لعلمه الكريم أنه لم يزل يتصل بمسامعنا الشريفة العالية المنيفة اخلاصه لدينا وقيامه بقلبه وقالبه في مرضاة سلطنتنا والانقياد لجنبانا وبمقتضى ذلك كان حصل شكرنا التام وثناؤنا العام على مناصحته ولما برزت أوامرنا الشريفة سابقاً بتعيين وزيرنا الأعظم والدستور المكرم سليمان باشا إلى البلاد الهندية لفتح تلك الولاية السنية احياء لسنة البلاد وقطعاً لدائرة أهل الكفر والعناد فاستبشر لذلك كل مسا فرحاً وسروراً ووقع ما قدر الله وكان أمر الله قدراً مقدوراً فرجع وزيرنا المشار إليه ووجد طائفة من اللوتدية تملكوا بلاد زبيد من المملكة المحمية وحصل منهم غاية المشاق وأذى الرعية وزاد ظلمهم وجورهم على العباد وعم ضررهم كل حاضر وباد فتتبع آثارهم وقطع دابرتهم واستنقذ الرعايا من أيديهم وصارت مملكة زبيد من جملة ممالكنا الشريفة وعادت إلى أعتابنا العالية المنيفة.
стр. 249
وأبرز بريده مكتوبكم ومكتوب والدكم يتضمنان الاخلاص في طاعتنا واتباع مرضاتنا وأنهما صارا من أتباعنا ومن اللائذين بأعتابنا وتحققنا ما بلغنا عنهما من الأخبار على السنة المترددين إلى شرائف أعتابنا من تلك الديار وأنهما صارا من توابعنا ومملكتهما من جملة ممالكنا ثم بلغنا عنهما خلاف ذلك وتغيير ما كاتبانا عليه في السابق وأنه وقع بينهما وبين أمرائنا بتلك الجهات خلف كبير ووقائع متناقضة عم ضررها المأمور والأمير وهذا عين الخطأ المحض المترتب عليه ذهاب الأرواح لمن عقل وفهم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فإن مقامنا الشريف السلطاني الخنكار الخاقاني قد ملك بعون الله بساط الأرض شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً وصارت سلطنتنا الباهرة كالابريز المصفى والخلاص المستسفى ورقم سجل سعادتنا بآيات النصر وختم لنا في شرقها وغربها على أهل العصر واستديم فخرنا على سائر الملوك باحياء سنة الجهاد إلى يوم العرض ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وعساكرنا المنصورة حيث سلكت ملكت وحيث حلت فتكت لا يعجزهم صغير ولا كبير ولا هم جليل ولا حقير ولو شئنا لجاءكم منا شرذمة قليلون مائة ألف أو يزيدون ونتبع العسكر بالعسكر والجيش بالجيش حتى تصير عساكرنا المنصورة أولهم في البلاد اليمنية. وآخرهم في مملكتنا المصرية. ولا يخفاه قدرة سلطتنا. وتشييد أركان دولتنا. وإن أكابر الملوك ذو التيجان. وأصحاب القوة والامكان. لا يزالون خاضعين لمرتبتنا العالية. مطأطئين رؤسهم خشية مما يحل بهم عند المخالفة من القضايا القاضية. وذلك مشهور معلوم. ظاهر ليس بمكتوم. لكن غلب حلمنا عليه كونه من سلالة سيد المرسلين. ومن آل بيت النبوة الطاهرين. فلزمنا أن ننبهه قبل اتساع الخرق عليه. ونعرفه بما يؤول أمره إليه. وكونه أوى إلى جبال يتحصن بها ويزعم أن ذلك ينجيه عين المحال. وتدبيره تدميره على كل حال. جهل ذلك أو علم. لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. أين المفر ولا مقر لها. وقد اقتضت أوامرنا الشريفة تعيين افتخار الأمراء الكرام. محترم. ذوي القدر والاحترام. مصطفى باشا أن يكون باشا على العساكر المنصورة من المشاة والرماه. والعادة والحماه. معونة للأمير إذ دمر باشا بلغه الله ما شاء. وحال وصوله إلى تلك الديار. لا بد لك من الحضور إلى خدمته. والسعي إلى مقابلته. بقلب منشرح. وصدر منفسح. وتمشي تحت صنجقنا الشريف. العالي المنيف. وتدخل تحت طاعتنا المعظمة. وأحكامنا المكرمة. وتكون مع عساكرنا المنصورة على قلب رجل واحد. موالياً لمن والانا. معادياً لمن عادانا. من كل معاند وجاحد. فإن مصطفى باشا رأس عساكرنا المنصوره. وأمير جنودنا المبرورة. خليفتنا في أمرنا. كلامه من كلامنا. وحكمه من حكمنا. ومن أطاعه فقد أطاعنا. ومن خالفه فقد خالفنا. والعياذ بالله من المخالفة. فليتفكر العاقل لنفسه. ويتدبر بآراء حسه. قبل حلول رمسه. وينبه من رقدته. ويصح من غفلته وسكرته. فمن انضم إلى سلطنتنا. وانقاد لامرتنا. فقد رحم نفسه وصان مهجته. وحقن دمه وحفظ حرمته. وله في دولتنا العادلة كل جميل ورعاية. وما يتمناه من الزيادة إلى حد النهاية. وقد أمرنا مصطفى باشا بأنه إذا دخل تحت طاعتنا. ومشى على الاستقامة وانضم إلى عساكرنا. أن ينعم عليه بأمرنا الشريف. بسنجق منيف. لا معارض له في ذلك. وليكن مستقلاً فيما هنالك. فإن فعلت فأنت من الفائزين. لا تخف ولا تحزن أنك من الآمنين. وإن حصل والعياذ بالله مخالفة واستمر في العناد والضلال. وخاض في بحر الوبال. فاثمه في رقبته. وهو المهلك نفسه بطلبته. ويكون من الداخلين. في قول أصدق القائلي. يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. وينتقل من الوجود إلى العدم. ويندم حيث لا ينفعه الندم. وقد حذرناه رأفة به وتحنناً عليه. فإذا خالف أتيانه بجنود لا قبل له بها. وأخرجناه منها ذليلاً صاغراً لا ملجأ له من سلطنتنا إلا إليها. ومثله لا يدل على صواب فليعتمد ذلك وعلامتنا الشريفة حجة عليه. وهذا آخر ما انتهى منا إليه. حرر بمعمورة قسطنطينية بأوائل شوال سنة سبع وخمسين وتسعمائة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. فراجعه السد بما صورته. نور الله شموس الاسلام واطلعها. وفجر عين معين الشريعة النبوية ومتعها. وفتح أكمام ثمار السعادة الأبدية
стр. 250
وأينعها. ولألأ كواكب الدين الحنيف وأسطعها. وأعلى منار الملة الحنيفية البيضاء ورفعها. وكسر نواجم قرون الشرك والبغي وقمعها. وزلزل جموع الظلم والعدوان وزعزعها. وأرعد قلوب الجبابرة المردة وأفزعها. وألف بين قلوب المؤمنين والمسلمين وجمعها. بدوام دولة مولانا السلطان العظيم. ذي الملك الباهر القاهر العقيم. القاطع بسيوف عزمه عنق كل جبار أثيم. هماز مشاء بنميم. الهادي بأوامره ونواهيه إلى سواء الصراط المستقيم. الذي أوتي الحكمة والتحية والله يؤتي من يشاء من فضله العميم. شمس سماء الخلافة وقمرها المضيىء في الليل البهيم. ظل الله في أرضه. القائم بإحياء سنته وفرضه. ودينه القويم. حجة الله الواضحة. ودلالته الناصحة. للخلق على التعميم. امين الله على خلقه. وخليفته القائم بحقه. بتقدير العزيز العليم. المستنم بحماية آل الرسول. وأبناء فاطمة البتول. وسلالة النبي الكريم. الباسط عليهم ظلال عدله فلا ينالهم حر الجحيم. فهم راتعون في رياض من إحسانه لها نبت ونسيم. وكارعون من حياض امتناعه التي لا يشوب صوفها صرف الدهر المليم. سامي الفخار. وزاكي الأصل والنجار. الفائز بحوز قصبات السبق في الحسب الصميم. الكاف لأكف من تجافى عن الهداية. وسلك مسالك الغوايه. وكان له في الجهالة والعجوفة تصميم. الذي لا تحصى صفاته تعداداً. ولو أن الشجر أقلام والبحر مداداً. وسل بذلك كل خبير عليم. الخنكار الكبير. والخاقان الأعظم الشهير. سليمان بن سليم. واصل إلى جنابه الشريف نجائب ركائب التحية والتسليم. ورحمته الطيبة. وبركاته الصيبة. الموصولة بنعيم دار النعيم. حرس الله مقامه العالي. ولألأ كواكب الدين الحنيف وأسطعها. وأعلى منار الملة الحنيفية البيضاء ورفعها. وكسر نواجم قرون الشرك والبغي وقمعها. وزلزل جموع الظلم والعدوان وزعزعها. وأرعد قلوب الجبابرة المردة وأفزعها. وألف بين قلوب المؤمنين والمسلمين وجمعها. بدوام دولة مولانا السلطان العظيم. ذي الملك الباهر القاهر العقيم. القاطع بسيوف عزمه عنق كل جبار أثيم. هماز مشاء بنميم. الهادي بأوامره ونواهيه إلى سواء الصراط المستقيم. الذي أوتي الحكمة والتحية والله يؤتي من يشاء من فضله العميم. شمس سماء الخلافة وقمرها المضيىء في الليل البهيم. ظل الله في أرضه. القائم بإحياء سنته وفرضه. ودينه القويم. حجة الله الواضحة. ودلالته الناصحة. للخلق على التعميم. امين الله على خلقه. وخليفته القائم بحقه. بتقدير العزيز العليم. المستنم بحماية آل الرسول. وأبناء فاطمة البتول. وسلالة النبي الكريم. الباسط عليهم ظلال عدله فلا ينالهم حر الجحيم. فهم راتعون في رياض من إحسانه لها نبت ونسيم. وكارعون من حياض امتناعه التي لا يشوب صوفها صرف الدهر المليم. سامي الفخار. وزاكي الأصل والنجار. الفائز بحوز قصبات السبق في الحسب الصميم. الكاف لأكف من تجافى عن الهداية. وسلك مسالك الغوايه. وكان له في الجهالة والعجوفة تصميم. الذي لا تحصى صفاته تعداداً. ولو أن الشجر أقلام والبحر مداداً. وسل بذلك كل خبير عليم. الخنكار الكبير. والخاقان الأعظم الشهير. سليمان بن سليم. واصل إلى جنابه الشريف نجائب ركائب التحية والتسليم. ورحمته الطيبة. وبركاته الصيبة. الموصولة بنعيم دار النعيم. حرس الله مقامه العالي.
وحرمه المحرم من صرف الأيام والليالي. بما حفظ به الأيات والذكر الحكيم وبعد فإنه ورد إلينا من تلقائه أطال الله للاسلام والمسلمين في بقائه. مرسوم سطعت أنواره وطلعت للمسرات شموسه وأقماره وتضاحكت في عرصات المجد كمائمه وأزهاره. وجرت في جداول رياض المحامد أنهاره وزخرت بما تقربه العيون وتصلح به الأحوال إن شاء الله تعالى والشؤن بحاره وتحاسد على شرفه ليل الزمان ونهاره فوجدناه أشفى من الدرياق وأبهى من الاثمد في دعج الأحداق. يتبلج تبلج البرق ويتحلب بالخيرات تحلب الودق يفوق اللؤلؤ الثمين منثوراً ويفضح شقائق النعمان زهوراً. ويجعل ممدود الثناء عليه مقصوراً. فتعطرت الأفئدة بنشره. وأعلنت الألسن بحمده وشكره. وهب في البوادي والأمصار نسيم ذكره. ودخلت الناس أفواجاً تحت نهيه وأمره. حبذا مدرج كريم جليل. زانه منشا كريم جليل
لفظه الدر في السموط وفحوا ... ومعناه سلسل سلسبيل
стр. 251
فإذا المدرجات كانت ملوكاً ... فهو فيها وبينها اكليل
مدرج فيه للبهاء غدو ... ورواح ومسرح ومقيل
فلله أنامل رصعته بجواهر البلاغة. وضمنته ما يعجز عنه قدامة وابن المراغة. لو رآه الملك الضليل لطأطأ خاضعاً. أو لبيد البليغ لخر ساجداً أو راكعاً. وعرفنا ما ذكره سلطان الأمم. ومالك رقاب العرب والعجم. المختص بحماية الحرم المحترم. من الاحاطة بطاعتنا لجداله. ودخولنا تحت لواء أقواله وأفعاله. فالحمد لله الذي وفقنا لطاعته. وذادنا عن السلوك في مسالك مخالفته. وإن لنا بذلك الأسنى. والنصيب الأوفر من الخير الحسني. ونرجو إن شاء الله تعالى نيل الشرف الكامل وبلوغ المنى. ومن استمسك بعروتكم الوثقى فاز بمطالبه. وحاز الغاية القصوى من مآربه. وكان في أمن من حوادث الدهر ونوائبه. تختضع له رقاب البرية. وترفع له الدرجات السامية العلية. وتمم له كل مسؤل ومأمول وأمنية. ويحظى بعيشة هنيئة راضية مرضية. لا يخاف دركاً ولا يخشى من قضية. وهذه طريقة لنا معروفة. وشنشنة قديمة مألوفة. لا نميل عن الوفا. ولا نكدر من ذلك المشرب ما صفا. وكيف وطاعتكم من طاعة الملك الخالق. ومعصيتكم تظلم منها المغارب والمشارق. ونحن من مودتكم على يقين. ونرجو أنكم لا تصغون إلى قول الفاسقين. ولا تهملون رعاية الصالحين والمتقين. ولا تقطعون حقاً لذرية النبي الأمين.
стр. 252
وأبناء على الأنزع البطين. كرم الله وجهه في عليين. قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ذلك نص الكتاب المبين. وأنتم أولى برعاية ما أمر الله به أن يرعى. وأحق من أولى ما تقربه عترة النبي عيناً وسمعاً. وكم لكم من محامد مذكورة. ومفاخر مشهورة. ومعال حميدة منثورة. نؤمل أن تشقوا بحسامها. يوافيخ الوشاه. وتقطعوا طوق الواصلين بالأكاذيب والمشاه. وتردوا كيد كل كائد لا يراقب الله ولا يخشاه. والذي نقله إليكم أرباب الزور. وذووا الأفك من الناس والفجور. من تحولنا عن طاعة السلطان الأعظم. ومخالفتنا لما سبق من مودتنا وتقدم. كذب يعلمه الداني والقاص ومعنى للين الذي لناقله اشد الاختصاص. وحاشا الله وكلا أن نرضى مخالفة. أو نميل عن تلك الأحوال السالفة. أو ننكر تلك المعارف العارفة. نعوذ بالله من الحور بعد الكور. أو نكون من تعدي الحد والطور. أو نتقاعد عن طاعتكم وهي التي يجب السعي إليها على الفور. فتكون كمن اشترى الضلالة بالهدى. والتحول عن مواقف السلامة إلى مخاوف الردى. وآل الرسول ﵌ أعرف الناس بالصواب. وأدراهم بمعاني السنة والكتاب. أطيعوا الله وأطيعوا السلطان الحديث. فكل من نسب إلينا خلاف ما ذكرناه فهو مأمن خبيث. فتقوا بالمودة الراسخة أطنابها. والمحبة الشامخة قبابها. والرعاية المفتحة أبوابها. والذي أشرتم إليه في ساقة الكتاب. وبطاقة الخطاب. من بلوغ مخالفتنا لعساكركم المنصورة. وكتائبكم الواسعة الموفورة. ليس له صحة ولا ثبات. ولا كان منا إلى حربهم تعد ولا التفات. بل قصدونا إلى هذه الأقطار والجهات وجلبوا علينا تركاً وأرواماً. وهتكوا عهوداً بيننا وبينهم وذماماً. وما راعوا لأوامركم الشريفة فينا أحكاماً. وضيقوا علينا مسالك المعيشة خلفاً واماماً. ورمونا بمدافع لا يرمى بها إلا الذين يعبدون أوثاناً وأصناماً. ولم يعلموا أنا ممن أوجب الله له رعاية واحتراماً. نحيي الشرائع ونميت البدائع. ولم نلق اثاماً. ومن الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً. فدافعنا عن نفوسنا وأولادنا ما أمكن من الدفاع. وذدنا عن محارمنا وترك الذيادة عنها لا يستطاع. وأخذنا بدينار الحكم مع الصبر طريقاً. وقرأنا بها أن الباطل كان زهوقاً. ونحن في مهاجر يسير. ومكان يأوى إليه الضعيف من الأنام والصغير. لا يناقش من اعتصم به. واقتصر فيه على طاعة ربه. ولو أن عساكركم المنصورة الألوية. المسلمة إن شاء الله تعالى من صروف الأقضية. وجهوا هممهم العلية. وعزائمهم الصلبة القوية. إلى الجهات العاصية الكفرية. اذن لنالوا من الخير نيلاً عظيماً. وسلكوا إلى السعادة صراطاً مستقيماً. واصلوا أفئدة الكفار ناراً وجحيماً. وأدركوا من فضل الله جنة ونعيماً. غير أنهم تشاغلوا بحربنا عن جميع الحروب. وفوتوا بذلك كل غرض مطلوب. وأهملوا جهاد الكفار حتى سقط للجنوب. وهب في ديار الاسلام صباً للشرك وجنوب. وحين وصل المرسوم المشرف. والمثال الكريم المغوف. والخطاب الفخيم المزخرف. طبنا به نفوساً. وسكنا به محلاً من الأمن مأنوساً. ودفعنا به عن وجه المسرة ظلاماً وعبوساً وبوساً. فإن امتثل من حولنا من الأمراء الأكابر. ما صدر منكم من النواهي والأوامر. وثبتوا ما ذكرتم من الموارد والمصادر. فذلك البغية المقصودة. والضالة المنشودة. والدرة الثمينة المفقودة. والنعمة الشاملة المحمودة. وإن خالفوا أوامركم المطاعة. وقابلوا نواهيكم اللازمة بالاضاعة. فحسبهم عذابكم الوبيل. وما تعدونه لمن خالفكم من التنكيل. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 253
وحرر ثالث عشري رجب الحرام سنة ثمان وخمسين وتسعمائة ثم لما توفى السلطان سليمان. وقع بين السيد المذكور والأمراء خلف في العهود والايمان. فخرج السيد عليهم ثائراً. وقصدهم في جموعه سائراً. فقتل منهم كثيراً. وأصبح لنار الحرب مثيراً. واستولى على أكثر البلاد. وصدقهم الجهاد والجلاد. حتى أرسل السلطان سليم وزيره سنان باشا وجهز معه من الجيوش فورد اليمن وأسر من أسر واسترد ما ذهب. وأطفأ ثائرة ذلك اللهب. ولم تزل الأقطار اليمانية. في حوزة العثمانية. حتى قضى الله للأئمة الزيدية بالنصر. فغلبوهم عليها في أوائل هذا العصر. وأخرجوا جميع الأروام منها. وكفوا أكف المتغلبين عنها. بعد أن قتلوهم القتل الذريع. وتركوهم بين سليب وصريع. وكان آخر وزير دخل اليمن من الأروام قانصوه الوزير فإنه قدم مكة المشرفة لعشر بقين من حرم الحرام افتتاح عام تسع وثلاثين وألف فقتل الشريف أحمد بن عبد المطلب وتوجه إلى اليمن فلم يتم له مرام. ولا صح له نقض ولا ابرام. فرجع راضياً من الغنيمة بالاياب. لا يملك إلا ما عليه من الثياب. فاستبدت الزيدية. بالممالك اليمنية. وقضت ما في أنفسها من الأمنية. فهم اليوم ولاتها حزناً وسهلاً. ورؤساؤها فتى وكهلاً. وامام اليمن في عصرنا هذا وهو سنة اثنين وثمانين وألف الامام المتوكل على الله إسمعيل بن القاسم وقد ذكرت نسبه في سلوة الغريب. وأسوة الأريب وهذا وإن كان خارجاً عن غرض الكتاب.
إلا أن الاستطراد اقتضى ذكره ولا يخلو مع ذلك من فائدة. ولنعد الآن إلى ما نحن بصدده. وللسيد محمد بن عبد الله صاحب الترجمة من النظم والنثر ما يبهر الألباب. ويدخل إلى المحاسن من كل باب. فمن نثره ما كتبه إلى والده السيد عبد الله وهو يشتمل على شيء من شعره وصورته بسم الله الرحمن الرحيم مطالعة المملوك وطليعة باله. ولسان حاله وترجمان بلباله. وحديث سره. وبيان خبيئة صدره. مظهر جليل برجائه. ومصدر دخيل دائه. عبرة أجرتها عين جنانه. في عبارة لسانه. وزفرة صعدها لوعة أشجانه. في اشارة بيانه. ومهجة أهدتها في أثناء سلامه. لهبة أوامه. وحشاشة أثارتها نار غرامه. في لسان أقلامه
هي نفسي أودعتها نفس الشوق ... وقلبي تجري به الأفلام
وهي دمع تفيض من لوعة البين ... وفي أدمع المشوق الكلام
بل هي رجع صدى وساوس الشوق الكلام والنزوع. ومجرى الزفرات المرددة من وهيج الضلوع. برهان ما أكن من الداء الدفين. وعنوان ما أحسن من كلف الفؤاد الحزين
هي مرآة صفائي إنما ... أترآى لك في مرآتها
فإذا ما شاهدتها مقلة ... شاهدت نفسي على علاتها
مرآة نفس رقت وجداً وكآبه. ولم يدع منها صبابة الفراق غير صبابه. فلو أنها عرض لكانت هوى في فؤاد مهجور. أو لوعة في ترائب مصدور. ولو كانت قلباً لثوى في جوانح عاشق. أو دمعاً لما جرى إلا من محاجر وامق. ولو أنها جرم لكان ياقوتة راح. أو جوهر لما كان إلا من جوهر الأفراح. شمس الفضل المستوي على عرش الكمال. وقمر الفخر السائح في فلك السؤدد والفعال. مركز السماحة والحماسة. ومعدن الكرم والرئاسة. وقدوة الملوك الساسة
فتى من طينة المجد ... وما السودد العد
جواهر مجده انتظمت ... نظام جواهر العقد
كريم عرف رياه ... يفوح بنفحة الند
مساعيه مشغفة ... يواقيت من المجد
شمائله مقتدة من برد النسيم. وأخلاقه منتسخة من الروض الوسيم. ومحاورته مختلسة من الدر النظيم. وأنواره يقتبس منها محيا البدر في الليل البهيم. ذكره أطيب من نفس الحبيب. وروحه أخف من مغيب الرقيب. ومفاكهته أشهى من رشف الثغر الشنيب. وصدره أوسع من الأفق الرحيب.
رحيب فناء الصدر ليس يضيق ... ولا حرج لكن يعيد كما يبدي
ففيه مجال للتواضع والعلى ... وفيه نصيب للفكاهة والجد
стр. 254
نور العثرة وفخرها. وملاك الأمة وسرها. وسيد الأسرة بأسرها. ابن نجدتها وأبو عذرها. الطب اللب. السري الندي. الواضع الهنا مواضع النقب. الندس المهذب الحول القلب. غذيقها المرجب. وحجيرها الماوب. حسنة الدهر. ودرة تقصار الفخر. الرحلة العلامة الشهير مصباح زيت النبوة. وسيدار باب الفتوة. كريم الحرولة والابوه فحسبه صميم. ونسبه كريم. واباؤه أهلة المحامد. وأقمار المشاهد. وشجي فؤاد الحاسد فهم المجلون في حلبات العليا. والفائزون من أزلام الدين والدنيا. والمحلقون في قضاء الغوالي الغاية القصوى.
بيض لها ليل يستسقى الغمام بهم ... في المحل إن ضن يوماً هاطل الديم
يفوق عرف المعالي إن ذكرتهم ... ويعبق المسك من حديثهم
هم أرومة سيد الأسره. وجرثومة سرة السره. من علماء العتره. غرة أبناء البطين. ناظورة أهل بيت النبي الأمين. محيي الدين. المفضل عبد الله ابن أمير المؤمنين. يحيى شرف الدين. سلسلة من ذهب. منوطة بالشهب. ونسبة ترددت بين وصي ونبي سبحان من قدسها من سيآت النسب. لا برح نسبه تميمة في أجياد الحسب. ولا انفك حسبه رقية في لبات المكارم والأرب. ولا زال أدبه حلياً لعاطل الأدب. وجمالاً لشرف الأسماء والنسب. ولا فتئت أردية العلماء محبرة بمساعيه. ومطارف المحامد مفوفة بمعاليه. وريطة الفضل معلمة بأياديه. وركاب الفضائل والفواضل معكوفة بناديه. ولا برح عاكفاً تحت سرادق الكرم. واقفاً في رواق من حسن الشمائل والشيم. تخفق عليه أعلام العلم. وتنشر أماه ألوية الحلم. ما طلع نجم في برجه. ولاح نوره. ونجم طلع في مرجه. وفاح نوره.
دام في روضة النعيم تغنيه ... على ايكة الهنا الأفراح
لا خلا من هلاله فلك المجد ... ولا غاب نجمه الوضاح
فلجيد العليا منه عقود ... ولعطف الفخار منه وشاح
فلا أصابته عين الكمال. ولا سلب الدهر بفقده ثوب الجمال. ولا برح كعبة للجود. وعصرة للمنجود. ونوراً يلوح في أثناء الوجود. فإنه لما نفحت سمات الأشواق. ودارت على كؤوسها دون الرفاق. قدمت كتابي إلى الحضرة ينهى. إلى مولاي أن شوقي إلى مرآه البهي. ومحياه السني. شوق الغريب إلى الوطن. والنازح إلى السكن والمهجور إلى العناق. والمخمور إلى الدهاق. والصديان إلى الماء القراح. والحيران إلى تبلج الصباح. يحدثه أني من بينه فقيد الجلد. عميد الخلد. جديد الكمد. بالي الصبر والجسد. تهزني إليه نسائم الأصيل. وتبكيني مباسم البرق الكليل. وتشجيني نوح الحمام على الهديل. وإني لا أزال من فراقه متلفعاً بأبراد الضنى. متعلقاً بأذيال المنى لا يجمعني والسلوان فنا. ولا يفرق بيني وبين الأسف إلا القرب وإلا الفنا. ولعمري لولا رأفة سيدي بولده. وبضعة جسده. وفلذة كبده. قد أبر على كل مألوف. وأربى على عطف كل أب عطوف. لارخيت عنان القلم في ميدان الشكوى. ولكني ثنيته طاوياً الكشح على البلوى. فرقاً أن تالم نفس مولاي. وإشفاقاً أن يلتاح قلبه من جواي. وأمرته أن يرد فناء سيدي مسروراً فرحاً. وأن يسحب ذيله في ساحاته مرحاً. ويسفر طلاقة وبشراً. ويفتر ثمة عن ثغر خريدة عذراً. ملتثماً للأرض بين يديه. قاضياً بعض ما يجب من الثناء عليه. إذ ليس بممكن أداء الثناء بوجهه. ولا بلوغ غايته وكنهه. هيهات هيهات ذاك أعز من بيض الأفوق. وأبعد من العبوق. والا بلق العقوق. غير أن الحياء من عظمة تلك العفوه. والجلال لابهة تلك الربوه قد كسر من نشاطه. لما ضرب الحيا بسياطه. فلم يقدم إلا مدهوننا فشلاً. مصوباً بناصيته خجلاً. فليصرف سيدي زنديه صفحاً. ويضرب عن تتبع تبعاته عفواً وصفحاً. فقد جاء ملقياً للمعاذير. معترفاً بالقصور لا التقصير. وسيدي أكرم الناس شنشنه. وأولى من ستر سيئة ونشر حسنه. فلعل سيدي أن يغمض عن قذاه عين التغاضي. ويلحظه بعين محب راضي. فإن الرضى عينه عن العيوب حسيره. كما أن عين السخط بالذنوب بصيره. والكريم من أقال عثرة الكرام. واللئيم على هفوة المعترفين نمام. والانسان إلى شاكلته يجمح. وكل اناء بالذي فيه يرشح
ما كريم من لا يقيل عثارا ... لكريم ويستر العوراء
إنما الحر من يجر على الزلات ... منه ذيلاً ويغضي حياء
стр. 255
هذا وأنا أهدي إلى سيدي سلاماً رقيق الورود دقيق البرود. ألطف من ورد الخدود وأحسن من تفاح النهود. وأعذب من ماء البارق. وأرق من فؤاد العاشق. وأزهى من نور غيضه. وأبهى من روضة في بيضه. وأبهج من خريدة مشنفه. في حبرات مفوفه. وأحلى من رشف الثغور. وأسنى من الدر في نحور الحور. سلاماً لو تصور لكان مسكاً فائحاً. ونوراً لائحاً. يفوح في مقعد صدق قدسي. ويلوح من فوق عرش وكرسي. تهبط السكينة بأسراره المصونة. وتنزل به الملائكة والروح. إلى تلك الربوات والسوح. ويغشى تلك النفوس. التي لا يتلوث بها رحيق رجس النفوس. ويحيها عن الحي القيوم. بختام الرحيق المختوم. ورحمة الله سبحانه. وروحه وريحانه. فراجعه والده بقوله
رجوع شباب أم ورود كتاب ... أزال خطوباً للنوي بخطاب
وأبدل وهني قوة وأعاد لي ... وقد كنت شيخاً عنفوان شبابي
سطور بها شرح الصدور وجدتها ... طلاسم قد جاءت بكل عجاب
فعلقها عند الكروب تميمة ... لتفريج هم أو لنيل طلاب
وما ذاك نفث السحر إذ هو باطل ... وهذى أنت ملأي بكل صواب
فلا غرو أن غاضت مياه قريحتي ... وتاه بها عقلي وغاب صوابي
فإني ترى لي في الاجابة مسلكاً ... يناسبها إن رمت رد جوابي
فبسطاً لعذري أيها الولد الذي ... بخفض جناح منه رفع جنابي
روضة بلاغة أنيقه. وحديقة فصاحة غديقه سقت سماء المعاني أرض ألفاظها كإنباتها وهبت عليها لواقح البيان فنتجت في أحسن الصور أبناؤها وبناتها. وتبختر فيها ربيع البديع بزخرف حلل أنوار أنواره. فاهتزت وربت بزواهي زواهر مكنونات أسراره. فأوراقها من ورق الجنه. وأزهارها ضاحكة مفتنه. مفترة عن كل ثغر بديع. فكل فصولها دائمة الفواكه دانية القطوف وكل فصل منها ربيع. تتبادر فرسان نفائس المعاني على مضمرات سراكيب تراكيبها من يكون المجلى والسابق. ويتنافس منظومها ومنثورها في السبق إلى ما بين العذيب وبارق. فكلها مجل هناك لا مقبل ولا لاحق. فقر تبالغت في البلاغة إلى أن غدت لفوائد أساليبها خوارق. موشحة بسموط نظم لها معبد من نفسها ومخارق. خآر يد لم ترض همة منشيها من أبكارها إلا ما هو مبتكرها. وأبت أنفة قريحته التزين بعواري العواري وألذ لذوقه. مكررها. فبرزت للجنان جنان حور عين لم يمطمثهن أنس قبله ولا جان. فلا ينفعك المتنعم بها كل آن هو في شان.
حتى ينتهي إلى ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على الأذهان. ولم لا يكن كذلك ومنشئها ذو اليد البيضاء في معجزات البلاغة الذي آنس من جانب الطور نارا. والضارب بقلمه بحرها فلم يقبل الدر إلا كباراً. فلذلك رجع وهو من نفثة سحرها الكريم الكليم. وأصبح وعصى حجته تلقف ما صنع منهم كل سحار عليم. حتى ألقى سحرتها سجداً ومؤمنين برب حديثها القديم. قد رأوا من آياته عجباً من أسرار كهف صدره والرقيم بل هو ناموس البلاغة خاتمهم الأحمد المحمد. وكيف لا يكون كذلك وهو من العترة المحمديه ابن عبد الله محمد. فعليه من السلام أسناه. ومن الثناء أنماه وأهناه. وبعد فإن الولد الفذ البذ. المتخلق من طيب الخلال بما طاب وعذب ولذ. نور مصابيح زجاجات القلوب وروح الأرواح. وهز معاطف الأعطاف ورنح أغصان الأشباح. وسر أسرار نفيس الأنس وشرح سطور الصدور. بنفائس عرائس حور المعاني المقصورات من الاعجاز في القصور. التي اقتعدت مقاعد الصدق من صدور تلك الدور. التي كل موضع مفرداتها ومركباتها من المنظوم والمنثور. لملوك معانيها العزيزة في مقاعد اعجاز العزيزة كلها صدور. فهي سماوات فضل دارت أفلاك فخرها بدراري أنوار فصلا لخطاب.
стр. 256
وازدان رفيع منيع رقيمها بمصابيح السليقة العربية التي اختارها الله لأفضل نبي وأجل كتاب. فلا برحت قريحته السمحة السليمة عذيب بارق نصاح ينابيع الأدب. ولا انفكت مجلية تصلي وراها لواحق آداب من تأدب. وذلك أنها أخذت بجميع مجامع أحاسن أجناس القول وفصوله. ولم تدع نوعاً من محاسن الاحسان إلا وأحاطت بذاتيته وعرضيته ومقطوعه وموصوله. ولا غادرة بهيج زخرف بديع إلا وسحبت فواضل حبر حسنه في ميادين ايحاز الاعجاز وتطويله. محيطه بفنون الافتنان فلذلك انتظمت في أساليب الحسن. في كل فن منعمة بلطيف الادماج المسير بلطيف طرقه إلى استتباغ كل معنى حسن. لم تترك طريقاً من البلاغة إلا طرقته. ولا معنى من الفصاحة إلا خرقته. فلم تدع لمتكلم في قوس المعاني مترعاً. ولا أبقت لمنطيق في مواضع الاحسان موقعاً. فبماذا يجي من حاول الجواب لذلك القول الجامع. وقد أخذ من جميع طرق الاحسان بالمجامع. إلا عسى بالاغارة على ما حوته من اللفظ والمعنى. والقنوع بأنواع هنات السرقات ومن ذا بالسرقات استغنى. ولو شاء موشيها لترك للاجابة طريقه. ووسع لمخاطبه في الاشتفاء بمطارحته طريقه. فكم أردت ذلك فتبين بعد المناسبة بين بيانه وبياني. وكنت كلما حاولت ذلك يضيق صدري ولم ينطق به لساني. فلم أر في شرع البلاغة مجيزاً. لأن أقابل بحديد فكري من معدن ذهب منشيها ابريزاً. لكن لزوم الاجابه. أوجبها مع الاصابه وغير الاصابه. ولو اشترط استواء الابتدا والجواب في حسن المخاطبه. وأن لا يتفاوتا في كمال المناسبة.
لما سمى رجع الصدا جواباً ولا عدت حركات الحواجب وغمزات الجفون بين الأحباب خطاباً لكن ذلك عجز لماء حوض ملىء سري سروراً به حتى قال قطنى فلم أفزع منه على ما فاتني من الاحسان سنى. إذا كان عجزاً ممن يقول أنا منك وأنت مني وأقول له أنا أبوك وأنت ابني وإني لي بالشكر على ذلك وهو ممن يقول أنت شجري وأقول له أنت ثمري فغير بدع أن تفضل الشجرة الثمره فليجعل الولد البر من بره أن يعذر أباه عن عجزه في الاساءة فضلاً عن الاحسان فان أباه ولكنه عجزاً عاد الفرح به شباب السرور. وشب نار الحياة في القلب فشب شيخ السرور والحبور. فلا برحت غريزتك في العلوم النون. ولسانك في البيان القلم وصدرك اللوح وما يسطرون. والله سبحانه أسال أن يجعلك ممن هو على خلق عظيم وأجره غير ممنون. وأن لا يقطع عنك وعنا المراعاة بمعقبات رعايته إنه حميد مجيد. صبور رشيد. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين. والسلام ومن نظم السيد محمد المذكور هذه القصيدة الطائيه التي خاطب بها ابن عمه السيد عز الدين محمد بن شمس الدين بن شرف الدين وعاتبه فيها لكلام بلغه عنه
أعاتبه وهو المليك المكرم ... وقبل افتتاحي بالعتاب أسلم
سلام على أخلاقك الغر كلما ... تألق علويّ السنا المتبسم
سلام كزهر الروض صافحه الصبا ... وراح بريا نشره يتنسم
كماء الصبا يجري بخد خريدة ... فيزهو به ورد الخدود المنعم
سلام كأنفاس الحبيب اعتبقنه ... ففاح به ثغر شهي ومبسم
على حضرة الملك الأعز الذي له ... على صهوات النجم خيم مخيم
له شرف تهوى الدراري لوانها ... لها شرف والشأو أعلى وأعظم
وبيت تملى فيه ذرارة ما أحبتي ... ولا نهشل فيه يسوح مفخم
ولكنه بنيان مجد يشيده ... امام محن أو مليك معظم
قواعد مجد للفخار قديمة ... تأخر عن أدنى مداها المقدم
ليحيى أمير المؤمنين أساسها ... وفيها لشمس الدين مثوى وملزم
وقفاهما في بيت رفع علاهما ... فيقضي عليهم ما يشاء ويحكم
هو الفارس الحامي الذمار محمد ... حميد الثنا بدر الكمال المتمم
بدا في سماء الفخر شمساً منيرة ... تطيف به من آله الغرم أنجم
همام له فوق المجرة همة ... مضت حيث لا يمضي الحسام المصمم
وليث هصور يتقى جيشه به ... وطيس الوغى والحرب نار تضرم
стр. 257
علا للمعالي حد أرفعها على ... وشيدها إذ أوشكت تتهدم
صبا قلبه بالمجد والمجد دمية ... وما مهرها إلا بمعترك دم
ومن عشق العليا شاق فؤاده ... حسام وخطى وطرف يحمحم
فيا حائز الغايات آياتك التي ... سبقت بها مكشوفة ليس تكتم
رداء المعالي كان غفلاً فحيثما ... ترديته حبرته فهو معلم
أمولاي يا خير الأنام نداء من ... مودته ما عاش لا تتصرم
نداء أخ ما زال يسدي لسانه ... عليك ثناء كالعبير ويلحم
ثناء يغير الوشى وهو مفوف ... ويخجل منه الدر وهو منظم
ويفتر عن زهر الفراديس هرها ... وباكرها دمع من المزن مثجم
كأجنحة الطاوس حسناً وبهجة ... يذل له الروض الربيع المنمنم
ثناء لو أن الدهر ألبس برده ... لما كان منه ماجد يتجرم
ثناء فتى شاقته منك شمائل ... حلت فهي شهد أثملت فهي عندم
ودقت فكانت كالنسيم لطافة ... وراقت فليست كالشمائل تسأم
وطابت ففاحت عنبراً وتنسمت ... عبيراً فكادت في الوجوه تبسم
فما بالها في وجه ودي قطبت ... وكاد محيا بشرها يتجهم
وقول أتاني عنك قلبي بسيفه ... كليم وبعض القول كالسيف يكلم
تبيت له في القلب مني قوارض ... تورقني والناس حولي نيم
يهيم ببحر الفكر منذ سمعته ... فؤادي إذا السمار ناموا وهوموا
أقول أخي قد أصبح اليوم واجداً ... ووجد أخي يشجي فؤادي ويؤلم
وكيف يظن السوء في لنيرب ... نماها إليه شيخ سوء مذمم
وماذا الذي إن كان حقاً كلامه ... ستحويه كفى ساء ما يتوهم
فتبت يداه كيف يعزو إليّ في ... مقامك أسراً ليس لي فيه ملزم
وبعد معاداة المعادين غبطة ... بلى علة ينحو عليها فتحسم
كآدم إذ عاداه ابليس عامداً ... وليس له دخل عليه ولا دم
سعى بي واش لا سعت قدم به ... وزخرف أقوالاً فقال وقلتم
اما قسماً بالمسبحن بطيبة ... وحلفي عن حنث ابر وأكرم
لئن كان قد بلغت مني جنابة ... لمبلغك الواشي أغش وأظلم
فرقاً ورعياً للاخاء فإنني ... أخوك الذي يلوى عليك ويرام
يصون ويرعى سالفات عوارف ... وينبى عن مكنونها ويترجم
فيا مالكاً قد جاني عنك انة ... تمر بسمعي وهي صاب وعلقم
يقول فلان أنتم تعلمونه ... وهل علموا إلا الذي أنت تعلم
وهل ذمتي إلا الحسود فإنه ... ليعلم ما يشجيه عني ويرغم
ولو جاز اطرائي لنفسي سمعته ... ولكن مدح المرء للنفس يحرم
عليك فسل عن شيمتي غير حاسد ... يبث جميل الذكر لا يتلوم
يقل هو لا جعد على الوفر كفه ... إذا ناله من بذله يتبرم
ولا ضرع إن فاقة فوقت له ... سهاماً وللنعي وللبؤس أشهم
ولا هو إن نال الغنى قصر الغنى ... على نفسه بل وفره متقسم
ولا هو منه إن راح عطلاً من الثرى ... يرح وهو عطل من جلى القصد معدم
يكف جماح القول لا عن فهاهة ... وإن قال لاعى ولا هو مفجم
وياتلق النادي بسحر بيانه ... كان سناه في دجي الخط أنجم
وتحوى الغواني إن منظوم فكره ... ومنثوره في حليهن ينظم
طغى قلمي فاصفح فإنك هجته ... بمالكة فيها عليّ تحكم
стр. 258
تجنيت لي ذنباً لتعذر جانياً ... كذا الغر إذ يكوى صحيحاً ويسلم
فلا غرو إن فار الاناء بمائه ... ومن تحته نار الفضا تتضرم
وإن كمالي منتم ونقيصتي ... إليك وإن أثلم فإنك تثلم
فعرض أخي عرضي وعرضي عرضه ... ولي لحمه لحم ولي دمه دم
أمولاي يا من خلقه الروض ناظراً ... يروح له يرتاح من يتوسم
أعيذكما لا حزت خصل رهانه ... فجاوزت شاؤاً دونه النجم يحجم
وحلماً تزول الراسيات وركنه ... شديد المباني لا كمن يتحلم
وقلباً ذكياً مشرباً المعية ... اياس لديها أغلق القلب أفدم
أعيذك أن تصغي إلى قول كاشح ... يحبر زوراً وشيه ويسهم
يوافيك في برد التملق كاذباً ... وتحسب غفلاً برده وهو أرقم
وكيف وأنت الفحل جاز محاله ... عليك لعمري أنت أذك وأعلم
وهل في قضايا العقل مولاي أنه ... لديك يصدي صارمي ويكهم
أخي إن كففت الخير فالشر كفه ... كفافاً يكن إن الكفاف لمغنم
فرفقاً بنفس من مقالك أوشكت ... تذوب وكادت حسرة تتصرم
أقول إذا جاشت عليه وأزرمت ... وعادتها من جفوة الخل ترزم
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... لمولاي مني ما يحل ويحرم
أمولاي من يرضيك كل خلاله ... وأي فتى في الناس قدح مقوم
كفى المرء نيلاً أن تعد ذنوبه ... فتحصى ومن ذا من أذى الناس يسلم
وإني على ما كان مثن وشاكر ... مدى الدهر لا أشكو ولا أتظلم
ولست بناس ذكر أخلاقك التي ... بها أنا مهما عشت مغرى ومغرم
فلا تحسبني صارماً للثناء إن ... ثناك من الواشين ظن مرجم
وحقك إني ما حييت لوامق ... شمائلك الحسنى محب متيم
وهل يقلع الانسان مقلة نفسه ... وإن بات من هوارها لا يهوم
وليس انتزاحي عن جنابك جاحداً ... عوارف يدري حقها اللحم والدم
ولكن اخواناً أبوا لي فراقهم ... فطاوعتهم والقلب بالشوق مقيم
ولا صارفاً ودي لغيرك صادقاً ... به عنك يابي لي الوفا والتكرم
فؤادك أبغى أن يكون مكانتي ... به حيث لا يوفى وشاة ولوم
إذا صح لي من قلبك الود وحده ... ظفرت فلا أسى ولا أتشدم
وما لي إلى ماء سوى النيل حاجة ... ولو أنه استغفر الله زمزم
стр. 259
ثم اتبع ذلك بنثر فقال. المقر المشمحز علواً. الشامخ رفعة وسمواً. مركز دائرة الكمال ونقطة بيكار المجد والفعال. قطب فلك الكرم. وينبوع مكارم الأخلاق والشيم. معدن السودد العد. وفرع دوحة شرف النجار وكرم المحتد. كعبة الكرم والجود. وحرم الخائف المنجود. وهلالة هلال الوجود. ربيع الوفاد. وتمال المرتاد. ومقصد الحاضر والباد. مقام شدت الجوزاء لخدمته عقد نطاقها. وعنت الكواكب لعلياء شاخصة بأحداقها. وجرت لطاعته دورة الأفلاك. واقترنت حسب إرادته السبعة الأملاك. ربوة الفخر العليا. وبهجة الحياة الدنيا. ودوحة المجد التي سقاها ماء النبوة ريا. غرة الأمة نور الغمه. زبدة سلالة الأئمة. من كرم جده وسماء جده. وتغلغل في الشرف صيته وشرف مجده. وتضوع في مرابع الكرم شكره وحمده. مؤيل آل يس. وملك أبناء الا نزع البطين. سلطان عترة سيد المرسلين. محمد بن شمس الدين. لا زال للصريخ نصره. وللمنجود عصره وللعصر البهيم غره ما جن غاسق. وحن عاشق. وطلع نجم ولاح في رجه. ونجم طلع وفاح في مرجه. أمين. أما بعد فصدورها من أخيه ورقه. المعترف بموجبات حقه. حليف الأشواق إلى سوحه العالي. وأليف الأتواق إلى مقامه مرتبع المعالي. دائم الولوع بذكراه. وعقيد النزوع إلى محياه. منهية عن محبرها سلاماً رق حتى ود النسيم. لو اشتمل ببرده. وطاب حتى تمنى الروض الوسيم. لو تنفس بعبيره ونده. يفتر عن ساحته. غبطة وسروراً. ويسفر في حضرته. روضة وغديراً. ويتردى برداء العروس بالصيف رقرقت فيه العبيرا. أحلى من رشف الثغور. وأشهى من ضم تفاح الصدور. وأنق من يتيم الدر في نحور الحور. وألذ من خلس الوصال عند العاشق المهجور. وأعطر من نفس جرى بين شقات عذاب. وأرق من نسيم عتاب. مردود بين الأحباب. شعر
سلام حكى لذة العاشق ... ين بطيب العناق وطيب القبل
كروض الخدود كلين القدو ... د كدر العقود كورد الخجل
يفوح كأنفاس خود سرت ... لعاشقها من بديد رثل
يرق كما رق قلب المشو ... ق عند سماع رقيق الغزل
سلام كمثل سلام الحبي ... ب على الصب بعد الجفا والملل
يحكى أخلاق من أهدى إلى مقامه. ويشاكل شمائل من ألقى إلى مصامه. فتلقاه باكرامه. قبل فض ختامه. مؤدية لما يجب من أداء السلام الطريف. والتهنئة بسالف عيد التعريف. وتقدم ذلك اليوم الشريف. ثم ماثلة لتعرف لسيدي أن أخاه. ومملوك ممخوض ولاه. ولا زال ينشر مطارف شكره. ويفتح نافح مسك ذكره. ويجلو على أيدي الاسماع لعيون القلوب حدائق نعوت فخره. وأنه قد طويت حنايا فؤاده. على كنوز صدق وداده. واشتملت شغاف قلبه. على أصداف در حبه وإنه على ما يعهد من أخيه من الرعاية لحقوق الوداد. والصيانة لشروط الاخوة في القرب والبعاد.
أنا باق على ودادك مولاي مداماً ما بقيت ود الصديق.
لست ممن يخون في ظهر غيب ... ومراع لواجبات الحقوق
فما بال سيد وأنا منصف إلى نار الوفا. منطو على معين الاخلاص والصفا. غير قانع من صدق المودة باللقا. قد صدق في مرجمات الظنون. وجرعني من كاس موجدته زآم المنون. إذ قال في كتابه إلى سيدي حمال الدين بن لطف الله المطهر ما قال. ونسجني في تلك المقالة أنا ومن يحب اثارة الفتن بمنوال. في عبارة يركن من يركن إليها فيرفع ما يحب منها ويقيس ما يشاء عليها. وحين عثرت على ذلك الكتاب. ومر بسمعي صاب ذلك الجواب. جعلت أقول ما هذا من مولاي إلا نفثة في سورة غضب. ونار قد خبا منها اللهب. يزخرف زور أنهاه إليه خب خبور. والآن لم يبق لها لهب يصدع ولا دخان يثور. بل سكت غضبه في اثرها. ولم يتشرف فؤاده بورتها. فهو أصفى الناس قلباً. وأطهر الخليقة نفساً وسرباً. إلى غير ذلك.
السيد محمد بن عبد الله
بن الهادي
стр. 260
فرع من تلك الأرومه. وفرد ظاهر إلا كرومه. جده أحد أولئك الأئمة. ومجده تشهد به الأمة. رفعت رايات المكارم فكان غرابتها. وازدحمت شكوك الافهام فكشف أرابتها. بذكاء يؤتي منه بقبس. وفهم بوضح من المعاني ما التبس. وأدب إن نثر فالورد محمر خجلاً. أو نظم فالدر مصفر وجلاً. ولا يحضرني من كلامه غير كتاب كتبه إلى القاضي محمد دراز المكي مراجعاً عن لسان بعض أصحابه. وهو روض ممطور. ودر منظوم. في رق مسطور. وقراضات ذهب ساقطها اليراع من الأحرف النورانية فهي نور على نور. وشموس من الكلام. أطلعها أفقها في بروج من القراطيس وكواكب من الانتظام. تبلجت في سماء البلاغة وتنوعت وتذبحت فما هي إلا أجنحة الطواويس. وردت من تلقاء مولانا الأفندي علامة زمنه. عبد حميد الكتابة في شامه ويمنه. وغرة وجه الكتاب المعتبرين من مكة إلى عدنه. جمال الاسلام. وواسطة العقد النفيس من العلماء الأعلام. ودرة تاج المفاخرين السيوف بالأقلام. محمد بن حسن دراز حما الله حماه. وجعل درة ذاته الكريمة في صدفة من الكلاية ووقاه من كل سوء وحماه. وأهدى إلى حضرته العلية. وسدته التي هي بأبلغ ما يوصف به مليه. سلاماً تنزل بركاته غيوثاً هاميه. وتتوالى موارداته غصوناً من شجرات رحماته المتكاثرة ناميه. وتساوي أوقاته طيباً برداً وسلاماً على الجديدين من أوقاته التي لا تزال ركائبها لبلاغ المقاصد الصالحة متراميه. فإنه وافى ذلك المسطور النافثة بالسحر عقود أقلامه. الطالعة شموس عباراته في سموات الحقائق خافقة مسار الأخبار الطيبة على أعلامه. فشربنا من ماء تحقيقه زلالاً. وتلقينا من بين سطوره من البيان سحراً حلالاً. وشاهدنا منه الرياض المزهرة في الأوراق المكتوبه. ورأينا العقود المنظومة من الدرر في أجنية سطور البراعة المضرويه. فلله من وشح تلك السطور وسهم حواشي برودها. وذبح تلك الحلل التي نسجت من البلاغة على منوالها وعودها. واستعبدت العبدين حتى صارا من خؤلها وجنودها. وجاءت في زي الفصاحة المتناهي. ووافت في حلل جمال البلاغة التي هي ما هي. ناشرة مطويات تلك الأخبار التي مسراتها لا تحصى. قائلة سبحان الذي أسري بروح هذا الروح من المسجد الحرام إلى هذا القطر الأقصى. لقد جنيناها ثمرات ذات ألوان. واهتصرنا غصون حقائقها صنواناً وغير صنوان. وتقابلنا على سرر مشروحاتها المتقابلة اخواناً للصفا وغير اخوان. عسلاً ماذياً في لهوات الأصدقا وعلقماً مريراً تشرق به حلوق الحساد مغصاً مشرقاً. وذكرتم صلاح تلك الحال التي أعقبت نعماً. ومطرت سماؤها من عاندكم في هذه الأرض نقماً. تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار والسلام
السيد حسين بن المطهر اليمني
درة من ذلك العقد الفريد. وغرة أطلعها الشرف في أفقه كما يريد. سطع نور فضله وأشرق. وأغص الحساد بزلاله وأشرق. فقامت به سوق الأدب على ساق. واقتاد حقائب البلاغة والبراعة وساق. بنثر يهزا بالدر النثير. ونظم تحسده دراري الأثير فمن نثره ما كتبه إلى القاضي محمد دراز مراجعاً. حمداً لمن اطلع في سماء البلاغة شمساً لا يعتريها أفول. وبدر تم ليس للانمحاق إليه وصول. وبحر فضل أبدى العجائب فحدث عن البحر ولا حرج. وقاموس علم يخرج منه اللؤلؤ منظوماً ومنثوراً. فكان منظومه لاجساد المنثور مهج. فالنثر كالنثرة والشعر كالشعرى ضياء فوق ضوء الشهاب فأقسم بنجم سماء بديعه. وصبح فلق تسجيعه. وضحى شمس تسجيعه. وتجلى نهار تنميقه وتقميعه وضياء مصابيح ترصيعه. وتردد ألحان سواجعه وترجيعه. لقد أرسل رب البلاغة رسولها المعزز. فأظهر معجز البلاغة وقطع به أعناق الملحدين ورزز. واستنزل عصيم البلاغة من أعاليها. وأخذ بها بنواصيها. واستخدم العبدين. ورفع بالاضافة إليه ذكر الطايبين
أديب إذا أنشا وأنشدا قائلاً ... ترى الشعر كالشعرى وكالنثرة النثرى
أن تكلم استشار على ابن الأثير. وأخبر أنه فارس ميدان البلاغه ولا ينبئك مثل خبير شعر
حاز المحامد حتى ما لذى شرف ... في صورة الحمد لا جسم ولا ذات
وإن كتب حار ابن مقلة عند تلك العيون. وودت الحمائم إن لو سجعت على أفنان ألفات تلك الغصون. وود ابن الكاتب لو اتخذه العماد. والصاحب لو صاحبه وجعل له من السوادين المداد
стр. 261
كاتب يبذل النضار صحيحاً ... ويصون الشذور في الادراج
أعنى بذلك شعر
الأديب الذي إذا قال شعراً ... كان للدر ناظماً والدراري
من غاص بحر البلاغه. وأرغم ابن المراغه
سيد للمديح فيه وجود ... حين أضحى من غيره كالعديم
البليغ الذي أروى ببلاغته غلة الصاد. والكريم الذي ليس هو لجوده عن العفاة بالصاد مولانا الذي ارتقى ذروة المجد العظمى ونشر لواء العز العلي الأسمى ضارب هام الضلالة بعضبه الجراز. مولانا الأفندي محمد بن حسن دراز. لا زال للدين الحنيفي ركناً وعماداً. قامعاً لمن بغى بغياً وفساداً وبعد فالمنتهى إلى حضرته المعمورة بالعدل والانصاف المألوفة بحسن لطائف الألطاف أولا سلاماً تتعطر بنشره المشارق والمغارب وتتارج بذكره الاخلاء والحبائب
سلام كما فاح العبير لناسم ... عليك أبا العليا خلال النواسم
أحي به ذاك الجلال وإنما ... أحيى به شخص العلي والمكارم
وثانياً وصول مشرفه الذي احتلب العقول. واعيا الفحول
تخالنا منه سكارى وما ... دارت بأيدينا كؤوس الشراب
أطربنا حتى ظنناه قد ... عاودنا بعد المشيب الشباب
ولم ندر أهو الشهد المذاب. أم ضرب الرضاب. وزهر الكمام. أم زهر الظلام. وكلام البشر. أم السحر سحر. فلله در فكرة صاغت جواهره. وأنامل نظمت قلائده وجنت أزاهره. إلى غير ذلك ومن نظمه قوله
عج بالمطي وحي الاثل والبانا ... واستنجد الصبر إن الحي قد بانا
واسفح دموعك في سفح رعيت به ... غيد الظبا زرافات ووحدانا
وأنشد فؤادك إذ زمت مطيهم ... هل سار في أثرهم أم ضل حيرانا
من أين للصب صبر بعد بعدهم ... إذا تذكر أوطاراً وأوطانا
والشوق يرسل سحب الدمع ماطره ... والوجد يقدح في الاحشاء نيرانا
يا حادي العيس مرخاة أزمتها ... بلغت خيراً إذا ما جزت نجرانا
فقف على أربع أقوت معاهدها ... وقل لا مثلها أساً وبنيانا
والله ما استبدل المشتاق منذ نأى ... بالأهل أهلاً وبالجيران جيرانا
وقوله من أخرى
هذا العذيب وتلك برقة ثمهد ... مغني الغواني والظباء الخرد
لا غرو إن لعب الغرام بمهجتي ... وقضى عليّ هوى الغزال الأغيد
وأطعت من أغرى فؤادي بالهوى ... وعصيت كل مؤنب ومفند
وأنا الفداء لظبي أنس لم يصد ... بلحاظه غير الهزبر الأصيد
ريان من ماء النعيم يميس في ... أبراده كالغصن في الورق الندي
لعب الصبا بقوامه لعب الصبا ... غب الهواطل بالغصون الميد
ما لاح يثني عطفه إلا أرى ... قمراً تجلى فوق رمح أملد
وله أيضاً
لله ما صنع الفراق بمهجتي ... وأحبني ما للفراق ومالي
ما كنت أقنع بالتلاقي منهم ... واليوم أقنع منهم بخيال
وهو من قول الشهرزوري
وقد كنت لا أرضى من الوصل بالرضى ... وآخذ ما فوق الرضا متبرما
فلما تفرقنا وشط مزارنا ... فنعت بطيف منك يأتي مسلما
السيد حاتم بن السيد أحمد الأهدل
الحسيني
стр. 262
قطب دائرة الشرف. وعماد بيت المجد العالي الشرف. وبحر العرفان الخضم. وصدر المكارم الذي جمع شملها وضم. سالك مسالك الشريعة والحقيقة. ومالك ممالك الفضل الذي أظهر حقه وتحقيقه. ذو الكرامات الظاهره. والمقامات السامية الباهره. الجامع بين الفرع والأصل. والعارف بمواقع الفصل والوصل. المتحلي من حلى الأدب بما أبان تفضيله. والحائز من محاسنه ما تحكم له شواهده بالسبق وتقضي له. إن نثر فما زهر الربيع. تختال في وشيه البديع. أو توسل إلى النظم وتوصل. فما عقد الثريا متعرض تعرض أثناء الوشاح المفصل. ومن كراماته التي لهجت بها الألسنة. وارتاحت لها الأسماع ارتياح المقل للسنه. أنه كان يهوى فتاة رائعة الوصف والجمال. رائقة الظرف والكمال. لا ترى الشمس إلا من طلعة محياها. ولا يستضوع المسك إلا من نفحة رياها. فاتفق أن وشى به إليها بعض الوشاه. وسعى بينهما حتى أضرمت نار الهجر في حشاه. فلما علم بذلك قال في موشح له على طريقة أهل اليمن
يا ورد نيسان يا بهجة الدن ... والدان من علمك نقض العهود
يبلى بثعبان يلذع لسانه ... يا فتان حتى يصير في اللحود
فسعت حية في تلك الليلة إلى لسان ذلك الواشي ولذعته. ونفثت في فيه ذعاف سمها وأفرغته. فأصبح وهو في عرصات الفنا هالك. وأسلمه قابض الأرواح إلى اتباع مالك. ومن نثره قوله من كتاب. يقصر عن جسم معاليك قميص الثنا فيفوت الوصاف. ويرفل زهواً إذا فصلت لمعانيك حلل الأوصاف. ويعترف بالعجز سحبان. إذا سحب ذيول البيان. ويقر المعري بالتعري عن لفظك الحريري المشتمل على الجواهر الحسان. ويلحق القاضي الفاضل النقص في هذا الميزان. ويذوب البناني عند طلوع شمس معانيك البديعة التبيان. ومن شعره قوله مذيلاً بيت أبي دهيل
وأبرزتها بطحاء مكة بعدما ... أصات المنادي بالصلاة فاعتما
وسرحت عيني في رياض خدودها ... فشاهدت روضاً كالربيع منمنما
سقته مياه الحسن فازداد بهجة ... وغادر قلبي بالحطيم محطما
حسينية حسناء لمياء نحوها ... توجه قلبي بالغرام وأحرما
سعيت إليها بالصفاء مسلماً ... لروحي وقلبي طاف سبعاً وزمزما
غزال تعير الظبي لفتة جيدها ... وعن قدها المياس سل بانة الحمى
فتاة تعير الشمس بهجة وجهها ... سناها بغير الحسن لن يتلثما
عدى خصرها جسمي سقاماً وجفنها ... تعدى على جفني وللنوم حرما
إليها ثنت قلبي الثنايا صبابة ... فياما أحيلا ذلك الثغر واللما
إذا حدثت فاح الأناي وأظهرت ... برمزتها مني الحديث المكتما
وقوله مخمساً
لي حبيب ما زار إلا وحلا ... عقد صبري ومرّ عيشي تحلا
قلت لما سعى لداري مهلاً ... مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً
بحبيب ما زال للفضل أهلاً
جاد بالوصل والأنام هجود ... وبقلبي من الصدود وقود
ثم لما لم يبق مني وجود ... زارني والوشاة عني رفود
وفؤادي من القلى يتقلى
أرخص الصب حسنه وتغالى ... وتسامى عن جانبي وتعالى
قلت يا منية النفوس تعالى ... قال ماذا تريد قلت وصالا
قال بالروح وصلنا قلت سهلاً
أنت رب الجمال عذب المعاني ... أنت برد أم أنت للبدر ثاني
طال شوقي إلى سماع المثاني ... قال فانهض وقم وبادر لحاني
وكؤوسي على المحبين تجلى
من شفيعي إلى الجمال البديعي ... الذي سار حبه في جميعي
لست أنسى إذ قال لي بخشوع ... قم إلى بابنا وقف بخضوع
وتذلل إن رمت مني وصلاً
جاوب العود نطق صوت اليراع ... وسرى الناي في لطيف الطباع
فانجلى في المقام وجه السماع ... فتتكت عند طيب استماعي
وخلعت العذار لما تجلى
سجسج اللطف هب في غير جمعي ... فالرخا بالمخا يؤثر شفعي
قد تخلصت من مثيمة طبعي ... فحلا بالكمال قلبي وسمعي
وسقاني وقال قم فتملى
وله تصدير وتعجيز على فائية الشيخ ابن الفارض أوله
стр. 263
قلبي يحدثني بأنك متلفي ... عجل به ولك البقا وتصرف
قد خلت حين عرفته وعرفتني ... روحي فداك عرفت أم لم تعرف
ومنه
أنت القتيل بكل من أحببته ... فلك السعادة بالشهادة يا وفي
ولد وصفت لك الغرام وأهله ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
وقال في الجناس الملفق
لالي ثغور أم بدور تشف عن ... لآلي بحور أم بروق نحور
سما لثمها عني فيا لهفي على ... فوات نحور من فواتن حور
وقال فيه
نأى الحب فاشتد الجوى بي فصرت في ... فيافي فناي في سياق طريح
ألا فابعثوا لي نفحة وانظروا إلى ... مساق طريح في مساقط ريح
وقال فيه أيضاً
مقاتل يهدي عرف معروفه إلى ... مجال سعود في مجالس عود
وكم مقعد قد قام مذ شد سمعه ... مناطق عود من مناطق قعود
وقال فيه
إلى الحق أهل الحق ما بين سالك ... مريد ومجذوب إليه مراد
ولا بد للمجذوب من أخذه على ... مدارج هاد أو مدار جهاد
وقد أولع الناس بهذا النمط كثيراً وأول من نظمه الحاكم المطوغ من شعر اليتيمة في قوله
أرى مجلس السلطان تفضي عفاته ... إلى روض مجد بالسماع مجود
وكم لجباه الراغبين لديه من ... مجال سجود في مجالس جود
وأكثر منه الصلاح الصفدي فجاء بالغث أكثر من السمين فمنه قوله
بكيت على نفسي لنوح حمائم ... وجدت لها عندي هدية هاد
تنوب إذا ناحت على الايك في الدجى ... مناب رشاد في منابر شاد
وقوله أيضاً
وساق غدا يسقي بكاس وطرفه ... يجرد أسيافاً لغير كفاح
إذا جرح العشاق قالوا أقمت في ... مدارج راح أم مدار جراح
وقلت أنا في ذلك
أنوح اليتامى في نواحي ديارهم ... فيرحمني اللاحي لفرط نواحي
فلم أدر أحرّ البين بكاي من ... مراحم لاح أم مراح ملاح
السيد زيد بن علي بن إبراهيم
الحجاف
غيث الجود وغوث النجود. وبدر الوجود وروضة المجود. وطود السياسة والتدبير. المستخف عند ثباته رضوى وثبير. ناشر علم الباس المنصور. وفاطر قلب الأسد الهصور. الشهير الذكر والصيت. المعلن بفضله كل داع ومصيت. بحر عنبري الارج فحدث عن البحر ولا حرج. أما الخلق فكما اشترطه الايمان. وأما العدل فهو مستقر الأمان. وأما الجاه فدونه مناط الثريا. وأما البشر فبدر منبلج المحيا. وأما الأدب فمنه استمدت بحوره. وتلت بدراريه ودرره أفلاكه ونحوره. ولما دخلت المخا عام ست وستين كان هو الوالي عليها. وقبلة القاصد إليها. ومالك أزمة أمورها. ومرجع همات جمهورها. فاجتليت نور طلعته المضيه. واجتنيت نور مكارمه الوضيه. ورأيت من بره وعطفه. وكرم أخلاقه ولطفه. ما أربى على شفقة الوالدين. وافر العين وملأ الدين. وشاهدت منه أبا تجني مبراته قطوفاً. ويصدق قول النحاة زيد أبوك عطوفاً. هذا وإني معترف بالتقصير في وصف فضله. وقائل ما قاله نادرة باخرز في ترجمة مثله. لو ذهبت أصف ما تلقانا به من تشريف وتقريب. وأهلنا به من تأهيل وترحيب. لخرجت عن شرط هذا الكتاب. واستهدفت من السنة النقاد لسهام العتاب. وهذا محل اثبات شيء من درر فكره. وغرر شعره. التي تجتح إليها البلاغة جنوح المفرخ إلى وكره. أنشدني شيخنا العلامة جعفر بن كمال الدين البحراني. قال أنشدني السيد المذكور لنفسه بالمخاسنة ثمان وستين وألف
ولي عتب على قوم أساؤا ... معاملتي وساموني اغترارا
جنوا عمداً وما راعوا حقوقاً ... وما اعتذروا وساموني صغارا
سأضرب عنهم صفحاً واعصبي ... مخافة أن أقلدهم شنارا
ولو أني ركبت متون عزمي ... إذا لسقيتهم مرّا مرارا
ولو أني هممت بأخذ حقي ... لولوني ظهورهم فرارا
قال وسألني القول عن ذلك فقلت
لك العتبي ومنك الصفح يرجى ... إذا لم تستبن منهم وقارا
стр. 264
وإن هم قد جنوا عمداً وجهلاً ... وما راعوا وما طلبوا اعتذارا
فإن البدر لا يشنيه شيء ... من العجما صباحاً أو جؤارا
وأنت على أذاهم ذو اقتدار ... على أن لا تسامي أو تباري
فطب نفساً فكلهم ذليل ... لعزتك اختياراً واضطرارا
وللسيد المذكور أيضاً
ومالي والهم الذي أنا حامل ... ولي صلة من لطف ربي وعائد
إذا عادة الله التي أنا آلف ... تذكرتها هانت عليّ الشدائد
فلا تتقي هولاً وارهب طارفاً ... ولي ثقة بالله ما قام عابد
وأنشدني صاحبنا الشيخ أحمد الجوهري له قال كتب إلي وقد طلبت منه شرح النهج لابن أبي الحديد في بيتين من الشعر
أتاني نظمك المنضود يمشي ... من الاحسان في ثوب جديد
ووافى جوهري اللفظ لطفاً ... ومعنى صيغ من درّ نضيد
سمحت بذاك وهو أجل قدراً ... لأن يأتيك بابن أبي الحديد
ربحنا في التجارة وارتضينا ... لطيف الدر عن ثقل الحديد
قال فراجعته بقولي
أخا الهيجاء ذا الرأي السديد ... غياث الملتجي مأوى الطريد
طويل الباع في كسب المعالي ... بسيط الفضل كالبحر المديد
أتاني منك نظم فوق طرس ... كدر زان في نجر وجيد
فما أبصرت بيتاً منه إلا ... وقلت بأنه بيت القصيد
فشعرك يعجز الشعراء عنه ... ونثرك مخجل لابن العميد
وقد حزت المعاني كالمعالي ... وقت بها على جمع عديد
فلا زالت بك الأيام تزهو ... وجاهك كل يوم في مزيد
قال وكتب أيضاً
صوغ القريض على اختلاف رجاله ... ما بين حصباً لا تعد وجوهر
وإذا أردت بأن تفوز بدرة ... نظماً فخذه من صحاح الجوهري
السيد محمد بن أحمد
بن الامام حاكم بندر المخا سابقاً
رأيت منسوباً إليه في بعض الدفاتر بيتين دلا على إن حسام أدبه مرهف باتر وهما قوله
شبهت نرجسة وافى إليّ بها ... خلي وقد جئت في التشبيه بالعجب
كف من الفضة البيضاء ساعدها ... زمرد حملت كأساً من الذهب
قلت حق له التصديق ووجب ... فقد جاء في التشبيه بالعجب
السيد إسماعيل بن إبراهيم الحجاف
كتب إلى السيد زيد بن علي المقدم الذكر قوله
يا غائبين وفي قلبي محلهم ... وعاتبين لبعد العهد بالكتب
وصفي لشوقي محال أن أسطره ... فالشوق نار وأقلامي من القصب
فأجابه الشيخ أحمد الجوهري عن ذلك
الشوق نار له الأقلام عاجزة ... عن أن تسطره في الصحف والكتب
لكن معجز قلبي قد أثار هوى ... مؤلفاً بين نار الشوق والقصب
السيد محمد بن عبد القادر
المقاطعجي اليمني
أحد سحرة القريض. ومقتطفي نور روضه الأريض. نطق عن لسان الاحسان. ونثر من البلاغة رفرفها الخضر وعبقريها الحسان. إلى مجد ونسب. ومنطق يملك الأسماع إذا مدح أو نسب. وله ديوان يشتمل على غرر وقلائد. وفرائد تحسدها عقود الولائد وقفت عليه فاخترت منه قوله من قصيدة يمتدح بها السيد الحسن بن الامام القاسم أخا الامام محمد المؤيد ملك اليمن ويهنيه بعيد الفطر أولها
ألام هلال لاح أم نون حاجب ... بدا بجبين الأفق في ليلة الفطر
أم العيد من صافي اللجين بخنجر ... تمنطق أم سيفاً تقلد من تبر
أقوس لملك الغرب صيغ بعسجد ... وعلق موتوراً على قصره الدري
أم الكأس ساقي القوم ليلاً أدارها ... ليسقى النداما قهوة العيد كالخمر
أشكل سوار ذاك أم شق دملج ... بساعد ليلي بأن في غرة الشهر
أم الغادة الحسناء خلخال ساقها ... ابانته للعشاق من كوة القصر
توهمت ليس الأمر ما قد ذكرته ... وشبهت والتشبيه يحسن في الشعر
стр. 265
وما هو إلا هيكل في قلادة ... على طوق ملك قلد الملك بالفخر
هو السيد المعروف معروف جوده ... ومن كفه بالغيث تزري وبالبحر
هو الحسن الأخلاق والأسم من سما ... بهمته قدراً على فلك النسر
هزبر الوغى ليث الشري ضيغم العدى ... مؤيد أعلام المؤيد بالنصر
خضم الندى من في أكف عطائه ... زمام الغني المغني لراجيه باليسر
أتحسب إن السحب يمطر صيباً ... وإن بطون البحر تقذف بالدر
وما ذاك إلا أن نائل جوده ... أنال سحاب الغيث فانهل بالقطر
وما الدر إلا أن نيسان كفه ... حشا البحر حتى عاد فيضاً إلى البر
وما أحمر شفاف اليواقيت مشرقاً ... فأصبح منظوم العقود على النحر
ولكنه من نار غيظ حيائه ... توقد حتى صار في شعلة الجمر
وما انفتحت أكمام روض وعطرت ... بنفحتها الآفاق بالنور والزهر
ولكنه أخلاقه الغر أثرت ... وفيها سرت طيباً ففاح شدي النشر
وما غردت في الأيك يوماً حمامة ... ولا ناح من شوق به صادح القمري
ولكنها تدعو الإله تضرعاً ... ليبقى له ملك الولاية في القطر
وما اكتسب البدر المنير ضياءه ... من الشمس لما لاح في ليلة البدر
ولكن لاحت من محياه لمعة ... فعمته بالأنوار في عالم الأمر
وما البرق إلا لمحة من حسامه ... إذا شمته في الجو يلمع أو يسري
ولا ساعقات الجو إلا قواطع ... بأحكامه ان نقدتها يد القهر
وقائعه تنبي اللبيب بشأنه ... وأخباره تهدي التحير للفكر
هذا ما وقع عليه الاختيار منها وقد شبه الهلال في أولها بعشرة أشياء قال الصفدي وقد جمع بعض الأفاضل في أولها تشبيه الهلال ما يقارب السبعين قلت وجمع الشيخ جمال الدين بن نباتة جملة منها في قصيدته الرائية التي مدح بها الملك المؤيد صاحب حماه التي أولها قوله
يا شاهر اللحظ حبي فيك مشهور ... وكاسر الجفن قلبي منك مكسور
فإنه هناه فيها بعيد الفطر واستطرد فيها إلى تشبيه الهلال فقال
كان شكل هلال العيد في يده ... قوس على مهج الأعداء موتور
أو مخلب مده نسر السوء لهم ... فكل طائر قلب منه مذعور
أو منجل لحصاد الصوم منعطف ... أو خنجر مرهف الحدين مطرور
أو فصل تبر أجادت في هديته ... إلى جواد ابن أيوب المقادير
أو راكع الظهر شكراً في الظلام إلى ... من فضله في السماء والأرض مشكور
أو زورق جاء فيه العيد منحدراً ... حيث الدجى كعباب البحر مسجور
أولاً فقل شفة للكأس مائلة ... تذكر العيش إن العيش مذكور
أولاً فنصف سوار قام يطرحه ... كف الدجى حين عمته التباشير
أولاً فقطعة قيد فك عن بشر ... أخنى الظلام عليه فهو مأسور
أولاً فمن رمضان النون قد سقطت ... لما مضى وهو من شوال محصور
وزاد على ذلك فخر الدين بن مكانس في ارجوزته المشهورة التي سماها عمدة الحرفا. وقدوة الظرفا. فقال يصف ليلة أنس
يا طيبها من ليلة لو أنها طويلة ... ساعاتها قصار وكلها أنوار
بدا بها الهلال يزينها الجمال ... من جانب الغمامه كالحب في العمامه
ولمعة السراج والصدع في الزجاج ... وجانب المرآة والنصل في الفلاة
أو كشفاه الأكوس والحاجب المقوس ... قلت له حين وفا ورق لي وانعطفا
كغصن بان أعوج والفخ أو كالدملج ... معوجاً كالنون وهيئة العرجون
يشبه طوق الدره في الصحو بين الخضره ... يا صفوة الأقمار يا مبدأ الأنوار
стр. 266
يا من يحاكي العنبه والقينة المنقبه ... وزورق السباحه والظفر في التفاحه
أصبحت في التمثيل تشبه ناب الفيل ... فياله حيث وثب قربوس سرج من ذهب
أو منجل الثمار أو قسمة السوار ... أو مخلباً للطائر أو مثل نصل الحافر
يا مشبة القلامه هنيت بالسلامه ... والبدر والدراري والكنس الجواري
ملك لدى سمائه يختال في إنائه ... في وجهه آثار كأنه دينار
يشرق في الديجور كجامة البلور ... بين الظلام سار كالوجه في العذار
وما أحسن قول ابن المعتز فيه
هذا هلال الفطر جاء مبكراً ... الآن فاغد على المدام وبكر
انظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
وقوله أيضاً
انظر إلى حسن هلال بدا ... يهتك من أنواره الحندسا
كمنجل قد صيغ من عسجد ... يحصد من زهر الدجى نرجسا
وقول الوزير الطغرائي فيه
قوموا إلى لذاتكم يا نيام ... ونبهوا العود وصفوا المدام
هذا هلال الفطر قد جانا ... بمنجل يحصد شهر الصيام
ومن أحسن ما قيل قول علاء الدين النابلسي
هلال شوال ما زالت مطالعه ... يرنو إليها الورى من شدة الفرح
كاصبعي كف ندمان أشار إلى ... ساق لطيف يروم الأخذ للقدح
رجع ومن شعر السيد المذكور قوله من أبيات متغزلاً
أحوى حوى الرق مني شعره الشنب ... ومبسم لاح في جرياله الحبب
حلو التثني إذا ريح الصبا عطفت ... معاطف القد منه تخجل القضب
مهفهف العطف مياس القوام إذا ... ما اهتز كالغصن ليناً هزه الطرب
دمي مباح لسيف من لواحظه ... إن كان غير هواه للحشا أرب
ومنها
لا تعذلوني إذا ما همت من شغف ... بمن سباني منكم أيها العرب
قد بان عذر غرامي في محبته ... عند العذول وشأني في الهوى عجب
وصدر وعجز أبياتاً من أول البرآة فقال وأجاد ما شاء
أمن تذكر جيران بذي سلم ... كسيت برداً من الأحزان والسقم
أم من فراق ربوع كنت تعهدها ... مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... فأظهرت كامن الأشجان والألم
أم لاح بارق ليلي عند ما ابتسمت ... وأومض البرق في الظلماء من أضم
فما لعينيك إن قلت اكففا همتا ... بصوب دمع كغيث المزن منسجم
وما لنفسك إن قلت اسكني اضطربت ... وما لقلبك إن قلت استفق بهم
أيحسب الصب إن الحب منكتم ... وشاهد الحال يفشيه بكل فم
وكيف يخفي واحشاه ومقلته ... ما بين منسجم منه ومضطرم
لولا الهوى لم ترق دمعاً على طلل ... به اكتفى روضه عن وابل الديم
ولا قلقت لريح الشيح من شغف ... ولا أرقت لذكر البان والعلم
وقال في صدر أخرى
إن كان ذنب صبابتي لا يغفر ... فبأي نعت في المحامد أشهر
أو كان تهيام الغرام مذمة ... فلأي معن قيس ليلى يذكر
وعلام تضرب في الملا أمثاله ... وحديثه فوق الطروس يسطر
منها
كم ذا أكتم في هواه صبابتي ... طوراً أقربها وطوراً أنكر
أعلى لوم في معذب مهجتي ... إن قلت أن هواه لي مستأسر
الشيخ عبد الصمد بن عبد الله
باكثير
стр. 267
خاتمة مغلقي الشعراء باليمن. ونابغة العصر وباقعة الزمن. ينتهي نسبه إلى كنده وهو نسب تقف الفصاحة قديماً وحديثاً عنده وكان كاتب الانشا للسلطان عمر بن بدر ملك الشحر وشاعره الذي ينفث في عقود مدائحه سحر البيان وبيان السحر وله ترسل وانشاء تصرف في اعجازهما كيف شاء وديوان شعره مشهور تتلو محاسنه السن الأيام والشهور وقد وقفت عليه وصرفت عنان النظر إليه. فاستصغيت منه ما اصطفيت وأوردت منه ما أردت ولم يزل كاتباً للسلطان المذكور في عهده ثم لولده عبد الله بن عمر من بعده حتى انقضى أجله وعمره وخوفي من أفق الحياة قمره فتوفى بالشحر عام خمس وعشرين وألف وكان قد عمر طويلاً ولبس من العيش ثوباً جميلاً وهذا حين أتيت ما اخترته من ديوانه والتقطته من فرائده وعقيانه فمنه قوله منه قصيدة أولها
رعيا لأيام تقضت بالحما ... فزنا بها ووشاتنا غفلاء
جاد الزمان بها وأسعفنا بمن ... تهوى ولم تشعر بنا الرقباء
ومنادمي بدر على غصن على ... حقف له قلبي العميد خباء
عذب المقبل عاطر الأنفاس در ... باق النفوس شفاهه اللعساء
متبسم عن أشنب شيم له ... مهما تبسم في الدجى لالاء
ما مسك دارين بأطيب نكهته ... منه وقد ضاعت له رياء
عبر النسيم يجر فضل بروده ... فحبته من كافورها الانداء
فتعطرت من طيب فائح نشره ... أرواحنا وسرت لنا السراء
فسقى الاله مراتع الغزلان من ... وادي النقاء وهمت الأنواء
وتهللت برياضها سحب الحيا ... وسرت عليها ديمة وطفاء
حتى يراها أبهج روضة ... فيروقه الاصباح والامساء
والطير عاكفة بكل حديقة ... فكأنها بلحونها قراء
والروض مبتهج الحياء فكأنه ... وافاه من عمر الندى ايماء
وقوله في صدر أخرى
هذي المرابع والكثيب الأوعس ... وظبا الخيام الانسات الكنس
قف بي عليها ساعة فلعل أن ... يبدو لي الخشف الأغن الألعس
فلطالما عفت الكرى عن ناظري ... شوقاً إليه ومدمعي يلتجس
ينهل سحاً مثل منهمر الحيا ... فوق المحاجر مطلقاً لا يحبس
واغن ناعم طرفه سلب الكرى ... عني فطرفي ساهر لا ينعس
اشتاقه ما لاح صبح مسفر ... في أفقه أو جن ليل حندس
منها
يا عاذلي دعني وشأني إن لي ... قلباً بغير الحب لا يستأنس
لك قدرة أن لا تلوم وليس لي ... صبر به دون الهوى اتلبس
كيف السلو عن الأحبة بعدما ... دارت على من الصبابة أكؤس
نقل الصبا نشر الحبيب وحبذا ... نشر به ريح الصبا تتنفس
آها ولا يجدي التأوّه والأسى ... فالصبر أجمل والتجمل أكيس
وقال أيضاً
جاد الغمام مواقع الغزلان ... ومرابع الرشاء الأغن الغاني
وسرى عليها كل أسحم هاطل ... غدق سبح بوابل هتان
يحيى ربوعاً طالما لعبت بها ... الغيد الحسان نواعس الأجفان
من كل فاترة اللحاظ إذا رنت ... سلبت سحر اللحظ كل جنان
فكأنها الأقمار تطلع في دجى ... ليل من المسترسل الفينان
وكأنما تلك القدود إذا انثنت ... قضب تمايل في ربى الكثبان
وبمهجتي خشف أغن مهفهف ... أصمى فؤادي إذ رنا فرماني
ظبي من الأعراب في وجناته ... قوت القلوب وسلوة الأحزان
بالله ما طالعت طلعة وجهه ... إلا ورحت براحة النشوان
ماء الشبيبة فوق ورد خدوده ... يجري على متلهب النيران
ذابت عليه حشاشتي وجدا به ... وصبابة وجفا الكرى أجفاني
لم أنس أيام التواصل واللقا ... والشمل مجتمع بوادي البان
ومنادمي من قد هويت وبيننا ... الصرف الكميت تدار في الأدنان
стр. 268
شمس مطالعها سعود كؤوسها ... بين الندامي في مروج تهاني
في روضة مفروشة أرجائها ... بالورد والمنثور والريحان
تتراقص الندماء من طرب بها ... بتراجع النغمات والعيدان
لم لا يواصلنا السرور ونحن في ... الفردوس بين الحور والولدان
وقال في صدر أخرى
اشتاق من ساكني ذاك الحمى خيما ... لأجلها زاد شوقي في الحشا ونما
ولاعج البين والتبريح من كمد ... أجرى من العين دمعاً يخجل الديما
ما جن ليلي إلا بت من كلف ... ارعى النجوم بطرف يستهل دما
لولا هوى شادن في القلب مرتعه ... ما اشتقت وادي النقا والبان والعلما
ولا طربت غل نظم القريض ولا ... عليّ بالوجد سلطان الهوى حكما
نفسي الفداء لظبي وجهه قمر ... وبرجه في سما قلبي العميد سما
يصمى فؤادي بنبل من لواحظه ... عن قوس حاجبه مهما رنا ورما
في ثغره الدر منظوماً فيا لك من ... ثغر شنيب يريك الدر منتظما
جل الذي صاغه بدراً على غصن ... على كثيب وأبداه لنا صنما
لم يكسه الحسن ثوباً من مطارفه ... إلا كسبي جسدي من عشق سما
وقال أيضاً
بنشر وادي الفضا نشر النسيم سرى ... فافهم الصب عن أهل الحمى خبرا
أهدي التحية من أهل الخيام إلى ... حليف وجد يقاسي الوجد والسهرا
لكنه جد في وجدي واذكرني ... تلك الربوع وبان الحي والسمرا
منها
ولي من العرب ظبي ما رأى بصري ... شهباً له في الورى بدواً ولا حضرا
كالبدر وجهاً وبدر التم مبتسماً ... والظبي جيداً وغصن البان إن خطرا
كم ليلة زارني فيها على وجل ... مستوفزاً خائفاً مستعجلاً حذرا
يمشي الهوينا حذار الكاشحين وقد ... أرخى الستور ظلام الليل واعتكرا
قبلت مبسمه عشراً على عجل ... فقام عني إلى التواديع مبتدرا
فكدت أشربه لثماً وأهصره ... ضما وأثنى عناقاً قده النضرا
وقال أيضاً
يا مولعاً بالصد والاخلاف ... متعمداً بصدوده اتلافي
ما كان ضرك لو وصلت وجدت لي ... قبل التلاف من اللقا بتلافي
كلفتني أرعي النجوم ومدمعي ... كالعارض المتهلل الوكاف
متمزق الأحشاء من ألم النوى ... هل عطفة يا مايس الأعطاف
أم هل تجود على الكئيب من اللما ... العذب الرضاب بأول الأعراف
قسماً بمنظرك المنير وقدك الل ... دن النضير وردفك المتجافي
إني بعشقك صرت مشترك العنا ... بين اللما والقد والأرداف
وقال أيضاً
وعجز كل بيت معكوس كلمات ... صدره وفيه رد الصدر على العجز
تيمني من هواه واكمدي ... واكمدي من هواه تيمني
حيرني من سناه حين بدا ... حين بدا من سناه حيرني
ترشقني بالنبال مقلته ... مقلته بالنبال ترشقني
عذبني بالصدود واتلفى ... واتلفى بالصدود عذبني
صيرني فيهواه ذا قلق ... ذا قلق في هواه صيرني
يمطلني باللقا ويمطلني
وكلها على هذا الأسلوب.
وله من أخرى
عاذلاً في الغرام مهلاً فقلبي ... حملته الأحباب ما لا يطيق
كيف يصغى إلى اللوائم صب ... في حشاه من الفراق حريق
سلبته اللواحظ البابليات ... وأودى به القوام الرشيق
وسباه أغن أحوى رداح ... يسند العشق حسنه المعشوق
قد كفاه عن المهند لحظ ... وعن الرمح قده الممشوق
стр. 269
روض خديه جنة لاح فيها ... جلنار وسوسن وشقيق
وله مبسم يضيئ سناه ... عن شتيت حكاه در نسيق
ظلمه في لماه شهد مذاب ... في سلاف رياه مسك فتيق
خصره يشتكي من الردف فاعجب ... كيف يقوى عليه وهو رقيق
وله أيضاً
جاد وبل الغمام شيحاً وضالا ... ورياضاً بالسفح مدت ظلالا
لا جفاها الحيا فلى ثم ربع ... لم أزل مكثراً عليه السؤالا
تسحب الغيد في رباه ذيولاً ... تتهادى من النعيم اختيالا
ورشيق القوام ما ماس إلا ... أخجل الغصن قامة واعتدالا
ما تثنى إلا ثني كل قلب ... نحوه تابعاً إذا مال مالا
صاد قلبي لما تصدى لقتلي ... بلحاظ يريش منها النبالا
لوعتي في هواه أزكت غرامي ... وأعادت آناء ليلي طوالا
كلما لاح بارق من زرود ... فاض وادي عقيق دمعي وسالا
ويعجبني من موشحاته على طريقة أهل اليمن قوله وهو مما يتغنى به وكان سبب نظمه له أنه أتى زائراً بعض سادات عصره. فأراد السيد أن يسمع شيئاً من شعره. وكان للسيد ولد جميل الصورة. له في المحاسن أعظم آية وسوره. فأمره أن يلبس أفخر ثيابه. ويمر عليهما في ذهابه وايابه. فلما مر متمايلاً. أنشأ الشيخ قائلاً
زلّ يخطر مثل خوط البان مايس ... شادن زان الملابس
ورمى قلبي بفاتر طرف ناعس ... لحظه نائل وقائس
لؤلؤي الثغر معسول اللواعس ... عيطلي في القلب كانس
بيت
خاله الزنجي لورد الحد حارس ... لا تدنسه اللوامس
قلت وامحبوب قلبي هل تواصل ... والذي تهواه حاصل
لا تخف واشي ولا نمام ناقل ... لا ولا تدري العواذل
جد بطيب الوصل يا حلو الشمائل ... إن عقلي فيك ذاهل
بيت
ما ألذ الوصل في ديجور دامس ... وحبيب القلب آنس
جنتي في بهجة الخد المورد ... واعتناق الخد الأملد
وارتشا في سلسل الريق المبرد ... من لمى الثغر المنضد
لو سمح لي بالتداني ظبي ثمهد ... لاشتفى قلبي من الصد
بيت
وانجلى عن مهجتي غيم الوساوس ... وانطفى حر المقابس
ويح قلبي كلما إن الحمائم ... لم يزل ولهان هائم
كم أقاسي كم أكايدكم أكاتم ... كم أداري من لوائم
ساهر الأجفان دمعي كالغمائم ... والذي أهواه نائم
نصب عيني شخصه قائم وجالس ... فرداً وبين المجالس
بيت
عاذلني دعني فما قلبي بك أشبه ... لا ولا ذقت المحبه
لو صفا لك من رحيق العشق شربه ... كان قلبك قد تنبه
سر طريق أهل الهوى وإلا تنبه ... تعتلق منهم بصحبه
ينجلي همك وتحظى بالنفائس ... من مصونات العرائس
وقد كتبته على مصطلحهم وتقدم التنبيه على أنهم لا يراعون الاعراب في هذا النوع من النظم بل اللحن فيه مقصود والله أعلم
الشيخ عبد الرحمن بن المهدي
العقبي اليمني
قرأت في تذكرة القاضي محمد دراز المكي ما نصه لما ولى الخطابة والامامة والفتوى الشيخ العلامة شيخ الاسلام شرف المدرسين عبد الرحمن بن الشيخ العلامة عيسى بن مرشد العمري في آخر عام تسع عشرة بعد الألف امتدحه الأفاضل من تلامذته وغيرهم إلا انه لم يشنف سمعي بارق من قصيدة الشيخ الفقيه العلامة صاحبنا وجيه الدين عبد الرحمن بن المهدي العقبي اليمني التي أنشده إياها مهنئاً له وهي قوله
أنعمت بالجميل ذات الجمال ... وتجلت في حلة الاقبال
وصلت صبها ولكن من بع ... د صدود جنت به ومطال
حبذا زورة أتت لا بحول ... اعمل الصب لا ولا باحتيال
стр. 270
وجدت في الحشا حرارة وجد ... اطفائها ببرد ماء الوصال
لا عدا ربعها انهلال غواد ... مستهل بها انهلال الغوالي
كم أعادت به شبيبة شيخ ... نفحات من مسكها والغوالي
أنا لم أدر ما الصبابة لولا ... نظرة الريم من خلال الحجال
منية دونها المنية والآجال ... نيطت بأعين الاجال
لورثت لي لا لصقتني بما ... بين مجال القروط والأحجال
غير أن الهوى شديد محال ... يفتك الريم فيه بالريبال
لذت من حربه بسلم فما زا ... د سوى تيه عزة ودلال
أشكلت قصتي وها أنا أعدد ... ت لها رأي موضح الأشكال
طاهر الأصل ظاهر الفضل زاك ... علم الاهتدا شمس الكمال
مرشد مبرز الحقائق من بين ... خبايا غوامض الاجهال
منتض من قواطع الحجج البي ... ض حساماً مبتراً للضلال
وله شائد الزمان صنيعاً ... لا تؤدي له جزاء بحال
فاض جوداً وكان من قبل هذا ... حين يدعى يعد في النجال
وسما طالع به أوجب السعد ... لعبد الرحمن اسمي المنال
فشهدنا جمال يوم سناه ... مشرق من تبسم الآمال
وانجلت خلعة الهناء ونودي ... في النوادي بجودها والنوال
واشتدت معالم بذراها ... يالها من معالم ومعال
ومقام بفضه شهد الضد ... ودانت له رقاب الرجال
مدد سابق العناية أجرا ... هـ وفيض من سابغ الافضال
أحرزت كفوها المناصب حقاً ... وتباهت بعالم مفضال
وتحلت أجيادها بعقود ... أخجلت في البها عقود اللآلي
هكذا هكذا المواهب تأتي ... لا بسعي بها ولا بذل مال
هو أهل لذاك وهو جدير ... أن أغالي في مدحه وأعالي
هذه مدحة ومنحة ورد ... لمقام السناء والاجلال
بكر فكر تضمنت طيب ذكر ... لمعال أتت فخام جزال
فلدا لا تنال عند اجتلاها ... بأذى حاسد ولا قدح قال
وردت من جنابه المنهل العذب ... وحيث الثمل كل الثمال
نسأل الله أن يديم به النفع ... ويحيى به دوارس الامالي
ويبقيه مفزعاً في المهمات ... حياة لصالح الأعمال
ويوالي له الهنا والمسرات ... بمر البكور والآصال
وصلاة من الاله دواماً ... ما همت سحب مغدق هطال
لرسول الاله والآل والصحب ... فأكرم بخير صحب وآل
قلت مخلص هذه القصيدة من قبيل قول أبي الطيب
على الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلاً
وقال أبو نواس
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواها لعل الفضل يجمع بيننا
والأصل في هذا المعنى لقيس بن ذريح حين طلق زوجته لبناً فتزوجت غيره ثم ندم على طلاقها وكان مشغوفاً بها فشبب بها وما زال يشكو لوعة فراقها في أشعاره حتى رحمه ابن أبي عتيق فسعى في طلاقها من زوجها وأعادها إلى قيس فقال قيس يمدحه
جزى الرحمن أحسن ما يجازي ... على الاحسان خيراً من صديق
وقد جربت اخواني جميعها ... فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي
فلما سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس يا حبيبي أمسك عن مدحك هذا فما يسمعه أحد إلا ظنني قواداً
الشيخ علي بن حسن المرزوقي
اليمني
стр. 271
أديب شاعر نبيه. مقامه في الأدب كاسمه وشعره كاسم أبيه ورأيته بحضرة الوالد وقد أحنى عليه الكبر. وهو يرقم من برود الشعر ما يزري بموشي الرقوم والحبر. ولم يزل يخدم حضرته الشريفة بفرائد أفكاره. ويستنشق روح الأمل من نسائم آصاله وأبكاره. حتى استأذنته في العود إلى وطنه. والرجوع إلى مستقره وغطنه. فأذن له. بعد ابلاغه أمله. ومن شعره قوله معارضاً قصيدة الوالد المقدم ذكرها ومادحاً له
تالق من نحو الكثيب ووهده ... بريق تلالاً في حمائل برده
ترآى لعيني قد تقرح جفنها ... وعوض عن طيب المنام بسهده
فهيج وجداً مضمراً في سرائري ... وأبدى مصوناً ما استطعت لرده
فبت كئيباً واله القلب شقا ... ببحر غرام بين جزر ومدّه
وما افتر إلا جاد بالدمع ناظري ... واذكرني ماء العذيب ورده
ومسرح غزلان يرحن عشية ... بذات اللوى والأبرقين وثمده
ومياد غصن مذ تثنى بعطفه ... لوى عقربى صدغيه خفاق بنده
كثير التجني والمجون وطالما ... جنى سيف لحظ منه وهو بغمده
له حدق صحت بسقم جفونها ... ومن عجب تقويم شيء بضده
وإني إذا ما جن ليلي تخالني ... أحن حنين الثاكلات لفقده
ويطربني صدح الحمام بايكه ... إذا صاح قمري البشام برده
وتنبيه شحرور يرتل شدوه ... بغنته ادغام ولبن بمده
وترجيع صوت العندليب كأنه ... غدا راهباً فيه زعيماً بورده
وإن شق نحر الفجر ناجت بلابل ... تسبح لله القديم بحمده
وإني على ودي مقيم على الوفا ... وما ملت بل باق على حفظ عهده
كأني وما أرجو كثير عزة ... متى حار فكري فيه أو بشر هنده
إلا في سبيل الله دهر قضيته ... على ظماء لم يروه ماء صده
أبيت على جمر الفضا متقلباً ... وفي طي أحشائي تلظ بوقده
وقد جبلت نفسي على حبه كما ... جبلن أيادي أحمد قبل وعده
فما البحر إلا من شآبيب جوده ... وما المزن إلا من سحائب رفده
رؤف رحيم ناسك متبتل ... وطلق المحيا عند اقبال وفده
هو الضيغم الكرار في حومة الوغى ... يروّى عطاش السمر بعد فرنده
يشق قتام الجحفلين بابلج ... أغر رحيب الصدر أجدل زنده
يمد على قصر مقدم نحره ... ويحرص تاليه على بعد قصده
فلا زال محروساً بعين عناية ... من الله ما افترت كمائم ورده
وما دار كاس العتب في ملة الهوي ... على مذهب العشاق في شرع جنده
وقال يخاطب العفيف عبد الله بن حسين الثقفي وقد كتب إليه الوالد بأبيات يسأله فيها عن حاله في علة اعتلها. وقرظ أبيات الوالد ومدحه
أرحيق أم شمول أم ضرب ... أم أقاح أم زلال أم حبب
أم نسيم الوصل أهدى خبراً ... طيب النشر سحيراً حين هب
وشفى جسماً عليلاً طالما ... شفه الوجد واضناه الوصب
يا رضيع الود بل غايته ... ما جزا من حب إلا أن يحب
وقديم العهد في صحبته ... فاز في السبق بغايات الرتب
لا تشم برق زرود واللوى ... يا أخا الحب إذا الحب اقترب
أي عقد رام يحكى نظمه ... قل له فاتك والله الشنب
در لفظ ساقه الفكر على ... قالب الحسن وتقصار الذهب
حارت الألباب في تأليفه ... ومعانيه التي لا تكتسب
بطل يحمي حماه بالقنا ... وعروس الخيل إن رام انتدب
باسل في الحرب إلا أنه ... شمس عرفان فخذ عنه الأدب
وعباب الفضل في ساحله ... جوهر فرد إذا الدر احتجب
стр. 272
وخضم الجود يوليك المنى ... ظله الممدود إن عز الطلب
لا تقل كانوا كراماً سلفوا ... وبقى ذكرهم يروى عجب
فابن معصوم ختام لهم ... سابق من كان منهم قد ذهب
فتمسك بعراه أنه ... عروة وثقى لمن يخشى العطب
زده يا مولاي من فضلك ما ... يثلج الصدر إذا الوجد غلب
قد تناهى الأمر خذ يا سيدي ... بيد العبد وأبلغه الأرب
وقال مخاطباً الوالد وقد انتقل من القلعة إلى البلد. ومؤرخاً ذلك
سواك يقول ولا يفعل ... وغيرك يجبن أو يكسل
وأنت الذي بشبا سيفه ... يذل له الأسد المشبل
أتدري المنازل من حلها ... أضاء بها بدرها الأول
رسا في مقر العلى يذبل ... وعاد إلى غمده المنصل
وأرخت الدار من بشرها ... أضاء بأصحابه المنزل
شهاب الدين أحمد بن محمد الأنسي
اليمني
شاعر حظي من الأدب بنصيب. وهو مع ذلك تارة يخطى وطوراً يصيب. ورد مكة المشرفة فمدح بها سلطانها السيد الشريف زيد بن محسن بقصيدة طويلة الذيل. فأجازه عليها جائزة سنية الذيل. على أن نظام أبياتها غير مؤتلف. وانتساق معانيها يتفاوت ويختلف. فهي كما قيل درة وآجره. وقحبة وتجاورها حرة. وأولها قوله
سلوا آل نعم بعدنا أيها السفر ... أعندهم علم بما صنع الدهر
تصدى لشت الشمل بيني وبينها ... فمنزلي البطحا ومنزلها القصر
وإني ونعماً لاهيين ٣ فغالنا ... فشلت يد الدهر الخؤون ولا عذر
فوالله ما مكر العدو كمكره ... ولكن مكراً صاغه فهو المكر
هذا البيت ساقط جداً ويتلوه ما بعده
فقولاً لأحداث الليالي تمهلي ... ويا أيها ذا الدهر موعدك الحشر
سلام على ذاك الزمان وطيبه ... وعيش تقضى لي وما نبت الشعر
فتلك الرياض الباسمات كان في ... عواتقها من سندس حلل خضر
هذا البيت ملحون القافية إذ صوابها النصب لأنها صفة لحلل وهي اسم كان والظرف المقدم خبره رجع
تنضد فيها الاقحوان ونرجس ... كأعين نعم إذ يقابلها الثغر
كان غصون الورد قضب زبرجد ... يحال من الياقوت أعلامها الحمر
إذا خطرت في الروض نعم عشية ... تفاوح من فضلات أردانها العطر
وإن سحبت أذيالها خلت حية ... إلى الماء تسعى ما لأخمصها أثر
هذا من قبيح التشبيه على ما فيه من الخلل
كساها الحمال اليوسفي ملابساً ... فأهون ملبوس لها التيه والكبر
فكم تخجل الأغصان منها إذا انثنت ... وتغضي حياء من لواحظها البتر
لها طرة تكسو الظلام دياجياً ... على غرة إذ أسفرت طلع الفجر
وصحنان خد أشرقا فكأنما ... مصابيح رهبان أضاء لها الدهر
هذا البيت ملحون أيضاً إذ صوابه وصحنا خد بحذف نون التثنية لمحل الاضافة وفيه تشبيه المثنى بالجمع وقافيته مردوفة بخلاف ما قبله وما بعده وهو من السناد الذي هو من عيوب الشعر
وجيد من البلور أبيض ناعم ... كعنق غزال قد تكنفها الذعر
ونحر يقول الدر أن به غنى ... عن الحلى لكن بي إلى مثله فقر
وحقان كالكافورتين علاهما ... من الند مثقال فندبى الصبر
رويدك يا كافور إن قلوبنا ... ضعاف وما كل القلوب هي المصر
ادخل لأم التعريف على مصر وهي ... علم للبلدة المشهورة وهو غير جائز
بدا القد غصناً باسقاً متأوداً ... على نقوى رمل يطوف به نهر
تكاد تقد الخصر من هيف به ... روادفها لولا الثقافة والهصر
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
هذا البيت من قصيدة ذي الرمة المشهورة وقد انتحل من غير تنبيه على ذلك
رأتني سقيماً ناحلاً والهابها ... فأدنت لها عوداً أناملها العشر
стр. 273
وغنت ببيت يلبث الركب عنده ... حيارى بصوت عنده يرقص البر
أراد بالبر خلاف الفاجر
إذا كنت منظوراً فلا زلت هكذا ... وإن كنت مسحوراً فلا برىء السحر
فقلت لها والله يا ابنة مالك ... لما شفنى إلا القطيعة والهجر
رمتني العيون البابليات أسهماً ... فاقصدني منها سهامكم الحمر
فقالت وألقت في الحشا من كلامها ... تأجج نار أنت من ملكنا حر
فوالله ما أنسى وقد بكرت لنا ... بإبريقها تسعى بها القينة والبكر
تدور بكاسات العقار كأنجم ... إذا طلعت من برجها أفل البدر
نداماي نعم والرباب وزينب ... ثلاث شخوص بيننا النظم والنثر
على الناي والعود الرخيم وقهوة ... يذكرها ديناً لأقدامنا العصر
فتقتص من ألبابنا ورؤسنا ... فلم ندر هل ذاك النعاس أم السكر
يريد أن هذه القهوة عصرناها بأقدامنا فاقتصت من رؤوسنا وهو معنى حسن إلا أنه ضعف التركيب غبر في وجهه وهو من قول أبي نواس
عاقرتم معقورة لو سالمت ... شرابها ما سميت بعقار
ذكرت حقاً يدها القديمة إذ غدت ... صرعى تداس بأرجل العصار
ورنت لهم حتى انتشوا وتمكنت ... منهم فصاحت فيهم بالثار
وإنما نبهت على ذلك كله لأن بعض أهل العصر يغالي في استحسانها زاعماً أنها من أعلى طبقات الشعر وليس الأمر كما توهم ولا حاجة بنا إلى اثبات جميعها ومن مديحها قوله
مليك له سر خفي كأنما ... يناجيه بالغيب ابن داود والجفر
فإن كذبوا أعداء زيد فحسبه ... من الشاهد المقبول قصته البكر
ليالي إذ جاء الحصي وأكثروا ... أقاويل عني ضاق ذرعاً بها الصدر
فأيقظه من نومه بعد هجعة ... من الليل بيت زاد فخراً به الشعر
كأن لم يكن أمر وإن كان كائن ... لكان به أمر نفاذ لك الأمر
وفي طي هذا عبرة لأولي النهى ... وذكر لمن كانت له فطنة تعر
يشير بذلك إلى ما وقع للشريف المذكور وهو أن سلطان الروم وجه خادماً خصياً من أعاظم خدامه إلى مكة المشرفة وأمره بالقبض على الشريف وتقييده وأن يأتي به إليه وشاع اخبر بذلك فلما بلغ الشريف قلق واهتم فسمع في بعض الليالي هاتفاً ينشد هذا البيت
كأن لم يكن أمر وإن كان كائن ... لكان به أمر نفاذ لك الأمر
فلم يصل الخادم إلى وادي فاطمة حتى وافى البريد يخبر موت السلطان والأمر بعدم التعرض للشريف بمكروه فعد ذلك من غرائب الوقائع والله أعلم
بدر الدين محمد بن سليمان
أبو فاضل المرهبي اليمني
стр. 274
أحد فضلاء اليمن. وواحد أدباء الزمن. إن نثر أزري بزهر المروج. وأوفى على زهر البروج. وإن نظم أخجل جواهر العقود. وفعل بالألباب فعل ابنة العنقود. وكلامه يطرب الأسماع. ويأخذ بمجامع القلوب والأسماع. على أنه كان مغالياً بشعره. أسفا أن يقرن شعر أقرانه بشعره. وإذا ذكر معه أحد من الشعراء. قال ايقاس الفحل بالعشراء. وقد وقفت له على نثر اتبعه بنظم. نهك فيه من أدباء بلده اللحم والعظم. وهو رسالة كتبها إلى جمال الاسلام والمسلمين. علي بن المتوكل على الله أمير المؤمنين. وقد أحسن التوجيه فيها بأسماء السور. وجلا معانيها في أحسن الصور. وصورتها مولانا جمال الاسلام. وبهجة الايام. لا زالت آيات الثنا عليه منزلة. وسور المدائح لديه مجملة ومفصلة. فإن الشعراء ببابك العالي كالنمل. ولو طاب ما يخرج في أفواههم لقلت كالنحل. قد ملؤا الحجرات. وأشبهوا بأكمامهم الصافات. وبسرعة عدوهم إلى السفرة العاديات. فهم كالانعام لدى المائده. ما منهم إلا من يرى الحذر في الأطعمة. ولا يجيز الترتيل للقم البارده. قد جودوا الأكل لكنهم يرون اظهار البلع في موضع الاخفاه. ويلزمون العشا القصر والمقلاة الامالة وهذا مخالف لما عليه القراء طالما وقفوا في السفرة حيث لا يحسن الوقوف. وكم سمعت لهم عند رؤية الثريد غنة تنبىء عن معرفتهم بمخارج الحروف. يستجيدون في اللقم الادغام. ولا يقنعون من الطبائخ بالاشمام. لهم في تسهيل النجم تدقيق. وعند تفخيم الهضبات ترقيق. فأما فلان فللوغد عند صوته فخامه. ومتى أنشد قصيدة ظن السامع أنها الحاقة أو القيامه. لا يحسن العصص. ولا يجيد الفاتحة ولا المخلص. ليس له حجر إبراهيم. ولا عرفات بالطلاق والتحريم. يروم أن ينظم ما حرروه لقمان من الحكم. فيأتي من كهف خياله بقصة يونس وما لقي من الألم. فسبحان من أسرى بعقله من تلك الثياب. وصيره ضحكة بين الأحزاب. وأما فلان فما أحقه أن يتلى له الواقعه. ويرمي بجميع ما قاله في القارعه. لأن البقرة عنده انسان. وله عند الأنفال نضنضة افعوان. طالما نسجت على شعره العنكبوت. وضاقت بما قاله المنازل والبيوت. وتبرم به البلد. واستجار بالمعوذات منه كل أحد. يحب التكاثر ويبخل بالماعون. ويحضر الجمعة هو والمنافقون. وأما فلان وإن عز ببابه الغاشيه. وأعجب قاعداً بالانشاد على ركبه الجاثيه. وادعى أنه فرد العصر. وأنه لا يأتي الزمان بمثل إلى الحشر. فإنه يستعين في زخرف نظمه بالزمر. وكثيراً ما تراه لا يفرق في البروج بين النجم والشمس والقمر. فإذا رأيته يزمزم بالفتح في الكلام. ويتشبه بمحمد ﵊. فنعوذ بالله من جهل كالليل المظلم. وانسان في صورة الفيل المفلم. نعم أجمع أهل الشورى على أن يذري جميع ما قالوه في الذاريات. ويحال جوائزهم فيه على النازعات. ويؤمروا بالحج والتوبه. وأن لا يكون لهم إلى تعاطي الشعر من أوبه. ويخوفوا بالنبأ. وتتلى عليهم الأواخر من سبأ. وقد نظم المملوك قصيدة صعد بها الأعراف. وأتى فيها من أوصاف النساء بمحاسن الأوصاف. وأجاد فيها تشبيه العذار بالدخان والأرداف بالأحقاف. ووشحها بتقاصير الحكم. وعوذها من الناس بتبارك وحصنها من الجن بالقلم. وقطع في تنقيح مرسلات أمثالها شطر الدهر. واشتغل بتنميقها عن رعاية القدر في ليالي هذا الشهر. قضاء لحق نعمتك التي أحلتني الطور. وأقبستني النور. فإن تقض بالفرق بين شعري وشعرهم فكرتك الممتحنة. وتحقق أن فضل قافيتي على قوافيهم كالضحى مردوفة بالبينة. وتميز بين النظمين بالتباين. وإلا وقع في المعارج التغابن. وربما قطعت عليهم النشيد. وبرزت في الصف شاكاً في الحديد. لا زال النصر قرين لوائك. والزلزلة في بيوت أعدائك. وتبت يدا معاديك. وقر بالاخلاص قلب مواليك. والقصيدة الموعود بها هي هذه
أما آن أن ترقي الجفون السواجم ... وتقصر هاتيك القلوب الهوائم
وقد سمعت زهر النجوم دعايتي ... وملت مناجاتي لهن الحمائم
إلى الله حتى البرق أعداه رقة ... نحولي واعتلت لجسمي النسائم
ومن حر ما ألقاه من مهيع الصبا ... غدت نسمات الحي وهي سمائم
وقد ذهبت لوني يد الشوق واكتسى ... أصيل الحمى من صغرتي وهو نائم
стр. 275
ولولا بكاي في المعاهد سحرة ... لما سمعت للطير فيها مآثم
وكم يستمد القيظ من حر زفرتي ... وتمتار من أجفان عيني الغمائم
وما الرعد إلا أنه من جوانحي ... تنم بما زارته مني الحياء دم
فحتام قلبي في الصبابة هائم ... وإنسان عيني في المدامع عائم
خليلي كم أخفى الهوى وتذيعه ... جفون مساعي الدمع فيها النمائم
ولم أر مثل القلب عوناً على الهوى ... تشب به نار الجوى وهو كاتم
وفي كبدي من حب اسما جراحة ... تعز على الأسى فيها المراهم
وإن شفائي ما استدار نطاقها ... عليه وما ضمنته منه المباسم
ودون لقاء أسماء من بأس قومها ... سباسب ما سارت عليها المناسم
ومن ذا على خوض المهالك مسعدي ... وقد قل في هذا الزمان المسالم
أخلاي طرا حاسد ومفند ... وقال ومغتاب وواش ولائم
سقى تلعات الجزع فالشط فاللوى ... فسفح النقا سار من المزن ساجم
مغان قضت فيها الشبيبة حقها ... سروراً وغصن اللهو ريان ناعم
ولي بين هاتيك المعاهد ظبية ... تبات حواليها الليوث الضراغم
من الهيف نعساء النواظر طفلة ... لها السمر والبيض الرقاق تمائم
تنام فلم يلمم بها الطيف غرة ... بفحش ولم يحلم بها قط حالم
ترى علمت أني بها الدهر مغرم ... وأن فؤادي في الصبابة هائم
وإن لقلب لوعة يستثيرها ... إذا هدأت جنح الظلام الهمائم
لئن درست تلك المعاهد أو عفت ... فلم تعف من شهوى إليها معالم
وأن زماناً قد قضت لي صروفه ... بفرقة هاتيك الديار لظالم
وهل جاز لي أرض عن الدهر أواري ... به ضاحكاً والفضل غضبان واجم
ومالي لا أشكو الزمان وقد هوت ... بأهل النهى أحقاده والسخائم
يحار ذا ما سيل لم أخصب الفتى ... جهولاً ولم أكدى بها وهو عالم
وما هي إلا حكمة دون فهمها ... فلاة مطي العقل فيها روارم
تقاصرت الأوهام عنها كأنما ... عليها لتضليل العقول طلاسم
وأسلم شيءٍ أن يقال بأنها ... حظوظ قضى الباري بها ومقاسم
ألم ترني أستنهض الجد عاثراً ... وأستنطق الأقدار وهي أعاجم
وأستنجح الأيام وهي حوائل ... وأستمطر الأنواء وهي حوائم
وذنبي أن في البلاغة صادح ... وغيري في أسر الفهاهة باغم
وفي الناس من يستقصر الشعر رتبة ... وما الناس لولا الشعر إلا بهائم
فبي ختمت رسل الفصاحة وانتهت ... إلى ابن أمير المؤمنين المكارم
فتى يسعد الآمال والفضل عنده ... وتشقى القنا في كفه والدراهم
بمن ذا من الأجواد يوماً أقيسه ... وقد جاز في مسعاه كعب وحاتم
أنال الخراد البيض وهي كواعب ... وأعطي عتاق الخيل وهي كوائم
غدا حاكماً شرق البلاد وغربها ... وآمالنا فيما حواه حواكم
يجل صغير الأمر في عين غيره ... وتصغر في عينيه منه العظائم
أنيطت به الأحكام طفلاً وأنها ... تمائم مخصوص بهن الأكارم
نديماه يوم السلم شعر وعالم ... وخدناه يوم الروع رمح وصارم
ترج نداه المغني وهو نافع ... ولذ بحماه أمناً وهو عاصم
تخيلته في الدست بدراً متوجاً ... ولكنه في السرج ليث ضيارم
رسائله السمر العوالي إلى العدا ... وكم حمدت سمر العوالي العوالم
إذا سارا قذى مقلة الشمس عثيراً ... وروعت الجوازا به والنعائم
وسد الفضا الرحب بالخيل والقنا ... وضاقت به أنجاده والتهائم
стр. 276
وأدلج في ليل من النقع مظلم ... كواكبه فيه الظبا واللهازم
له كل يوم غارة ينتجي بها ... أساطين من باس العدا ودعائم
فتنفعل الاشيا له قبل كونها ... ويهزم من بعد إذا قيل قادم
فأراؤه تردي أعاديه لا القنا ... وصولته تغتالهم لا الصوارم
وذا حال من يعنا الاله بشانه ... يعاد القضا في أمره وهو نائم
ويسعده برجيس فيما يرومه ... ويمسى بهرام عليه يصادم
أبو الحسن الراقي من المجد منصباً ... نسيف الخوافي دونه والقوادم
وأكرم من ترجى المطايا لبابه ... وترسم في البيدا ثناه الرواسم
ترحل شهر الصوم عنا فأعلنت ... عليك المبادي بالثنا والخواتم
ولو كان معني الصوم شرعاً موافقاً ... له لغة ما قيل أنك صائم
لأنك لا تفنك بالخير آمراً ... وكفك فيها للنوال مزاحم
لقد جردت منك السماحة مرهفاً ... تجذبه للعس عنا غلاصم
وبحر نوال كلما غب زاخراً ... رأيت بحار الأرض وهي كظائم
إذا لم أشم في المحل برق غمامه ... فإني لبرق العرف منك لشائم
وإن لاح وجه الأرض في الجذب عابساً ... فإن ثغور الجود منك بواسم
وهاك ثناء أبرزته قريحتي ... كما أبرزت زهر الرياض الكمائم
وما كل شعر يشبه الدر نظمه ... فما الدر إلا ما أنا فيك ناظم
بقيت بقاء الشمس في أفق العلا ... يرجيك مظلم ويخشاك ظالم
ولا زلت مخدوماً لك الفلك الذي ... عليه مدار الأمر والسعد خادم
فلا تحرم الأقدار ما أنت رازق ... ولا ترزق الأقدار ما أنت حارم
الأديب صارم الدين إبراهيم بن صالح
المهتدي الهندي اليمني
هندي الأصل عربي اللسان. اتكأته البلاغة على رفرفها الخضر وعبقريها الحسان. أعرب بمقاله وما أعجم. وأقدم بصارم قاله وما أحجم. فلو أدرك عصره صاحب اللواء الكندي. لقال خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي. دخل والده اليمن فمن الله عليه بالاسلام. وقادته العناية الأزلية إلى دار السلام. ونشأ ولده هذا بالقطر اليماني. فبلغ من غلة العرب أقصى الأماني. والمرء من حيث نما. لا من حيث انتمى. وقديماً ما قال الرستمي. يفتخر وينتمي
إذا نسبوني كنت من آل رستم ... ولكن لساني من لؤي بن غالب
ولم يزل يصدح ويمدح. ويقدح ويكدح. حتى عب عبابه. وخلص من القشر لبابه. وشعره مجمع بين الرقة والجزاله. فهو عرين أسد وكناس غزالة. وقفت له على قصائد مدح بها ملوك اليمن. وسادات الزمن. أطنب فيها وأسهب. وأورى زناد بلاغته فيها وألهب. فمنها قوله مادحاً امام اليمن إسمعيل المتوكل على الله وهي قوله
نعم ما لريات الحجول ذمام ... وما لعهود الغانيات دوام
أغر إلى م البرق عندك خلب ... وحتام سحب الوصل منك جهام
تقلص ظل من وفائك سابغ ... ظليل وعاد الري وهو أوام
تخذت القلى والصد والبعد حسبة ... مللت ولا أن الملال سلام
وتلك لعمري في الحسان سجية ... وللشيح في المامهن لزام
ولكنه في حقه ممدح ... وحلال أما في الرجال حرام
قصارى جمال الغيد وجد ولوعة ... لها بين أثناء الحشا ضرام
تعصيت حتى ما لمضناك حصة ... من الوصل إلا من رناك سهام
حسبت بأن الحسن باق ورما ... غدا نبعه يا غر وهو تمام
وكل شباب بالمشيب مروع ... وإن لم يرعك الشيب راع حمام
ألم تعلمي أن المحاسن دولة ... يزول إذا زالت جوى وغرام
ولو دامت الدولات كانوا لغيرهم ... رعايا ولكن ما لهن دوام
стр. 277
إذا ازددت بعداً أو أظلت تجنياً ... رحلت وجسمي لم يذبه سقام
وما فضل رب السيف إن فتكت به ... جفون كليلات المضاء كهام
أينصبن لي من هدبهن جآلة ... وهل صيد في فخ الغزال همام
ولي همة لا توطئها صبابة ... وحزم فتى بالخسف ليس يسام
وعزمة ندب لا يذل فؤاده ... وجانب حر لن تراه يضام
هيامي في نهد أقب مطهم ... إذا القوم في نهد المليحة هاموا
ولم يك عندي غير كتب نفيسة ... تروق وإلا ذابل وحسام
ولي قلم كالصل أما لعابه ... فسم وأما نفثه فمدام
وإن رامني الدهر الخؤون بحادث ... فلي من أمير المؤمنين عصام
امام الهدى اسمعيل أفضل قائم ... به لاح بدر الحق وهو تمام
امام عظيم السر أما نهاره ... فصوم وأما ليله فقيام
رياض الأماني في حماه نضيرة ... وسحب الندى من راحتيه سجام
وفي سرحه حوض لمرواه منزع ... نمير يمير الناس منه غمام
وكم ملكت حرا جوادي هباته ... ببيض أيادي حولهن ركام
وطوق أعناق الملوك فكلهم ... له بأغاريد الثناء حمام
أخو الصدقات الدائمات صلاتها ... مساع وأيد في النوال جسام
وذو الخلوات اللاء يصعد أمرها ... عليها لأملاك السماء زحام
تحمد سر المصطفى بسريرة ... وسيرة عدل لا تكاد ترام
وصح به الدين الحنيفي مهجة ... وأتمك منه غارب وسنام
تدفق بحر العلم في طي صدره ... أوادي لج درهن تؤام
هو الجادة العظمى إلى الله فاعتمد ... عليه ويمم فالامام امام
لقد قام بالحق المبين بدعوة ... قياماً له شرع النبي قيام
اماماً خطيباً ليس إلا مشطباً ... ومنبره يوم الكريهة هام
ولاح بأفق الرشد شمساً منيرة ... به انجاب جنح الغي وهو ظلام
وجر ذيول الخيل وهي عوابس ... وقام زمام الجيش وهو لهام
وقد غبر السبع السموات نقعه ... فظلت سماء الأرض وهي قتام
وزينها منه نجوم أسنة ... مجرتها بيض لهن ضرام
ووسع أكناف الهدى بصوارم ... لهن بأحشاء الضلال كلام
إليك أمير المؤمنين قد انبرت ... وللمدح فيها روضة وكمام
أتتك بطرس خف حملاً وربما ... تصدع منه يذبل وشمام
وفي قلبها من فرط بعدك لوعة ... وللعتب فيها شرهة وغرام
وقد أرسلت أمثال عقل وحكمة ... وأمثالها في الخافقين عقام
مصدقة في ذكر مجدك أنها ... لعمر أبي فيما تقول حذام
وكم سامها ملك سواك ورامها ... وهيهات أكفاء المديح كرام
فهلا قضى منك الفخار برعيها ... عليك صلاة جمة وسلام
وها مقل الآمال نحوك شخص ... قد استيقظت دهراً وليس تنام
ولي همة عن قصد غيرك في الورى ... ترفع منها جانب ومقام
فعطفاً أمير المؤمنين ورقة ... فإنك للغر الكرام ختام
وله أيضاً يمدح أمير المؤمنين المهدي لدين الله السيد أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسمي.
دع العز وقم بالله مجتهداً ... وابشر فعقد الهنا باليمن قد نضدا
وأمدد يداً منك للرضوان بيعتها ... إن الخلافة قد مدت إليك يدا
стр. 278
أن يمض بعد محاق بدرها فلقد ... طلعت في أفق الاسلام شمس هدا
أن يغمدوا في قراب الرمس مرهفها ... فإن مرهفك الهندي ما غمدا
هزت إليك بنود طالما خفقت ... على اللواء لواه بالثنا عقدا
فانهض بأعبائها العظماء نهضة من ... يهد حدى مزايا مجده أحدا
قم واعتصم بعرى الجبار ملتفتاً ... إلى راضه ودع من قام أو قعدا
أنت الذي رمز الجفر الخفي لنا ... من الحقيقة ما في سره جحدا
هل تجحد الشمس إن الشمس واضحة ... هل يجحد البحر من للبحر قد وردا
لدعوة القائم المهدي قد وضحت ... طرق الرشاد وعادت مهيفاً جددا
صدر الخلافة مثلوج ببيعته ... من بعدما كاد يشكو البث والكمدا
فحل عنك بنيان الطريق وجز ... بهدية الجادة العظمى تصب رشدا
عنت له رؤساء الدين وابتدرت ... لما دعا غدا الاجماع منعقدا
بنو أبيه بنو العم الذين سعوا ... إلى مراضيه معدودون في السعدا
فيا بني القاسم انتالوا إليه إذا ... ما رمتموا أن تطولوا في الأنام يدا
واجمعوا أمركم كي يستديم ولا ... تفرقوا فتثيروا حسداً وعدا
وسارعوه ولبوا نحو دعوته ... فالله للقائم المهدي قد عضدا
العالم العامل القوام في غلس ... والشهب تسهو وطرف النجم قد رفدا
هل مثل ماضيه ما بين الصفوف إذا ... ما صلت البيض والخطي قد سجدا
هل مثله وبنو العرفان قد بهتوا ... والمشكلات ترد الأذكيا بلدا
هل السحابة تحكى صوب أنمله ... إذا همى بنوال يفرق البلدا
ألم يكن بأسه المخشي دونكم ... كم راع في الروع عن يعفوركم اسدا
بأس يهاب بأرجاء العراق وفي ... موارد النيل والأكناف من صفدا
لولا قوائم بيض من صوارمه ... لم يرفعوا للسموات العلى عمدا
ولا محياه لم يرفع لكم قمر ... على الورى في مراقي العز قد صعدا
هو المعد لدفع النائبات بكم ... إذا الملمات فتت منكم العضدا
هو الوفي لما يرجاه من أدب ... جوداً وكم خولتنا راحتاه يدا
بر رحيم بحال المؤمنين وكم ... يحنو عليكم حنو الوالد الولدا
تيقظوا واعرفوا نهج الصواب به ... فالناس ما بين أحساب وبين عدا
وفي الرسالة من قاضي القضاة لنا ... أدلة ليس تخفى منكم أحدا
هذا الامام امام المسلمين معاً ... هذا المشقق من أرماحكم أودا
خذها إليك أمير المؤمنين فما ... يهدى لمثلك إلا الحلة الزردا
أنت المجد للدين الحنيف وما ... رثت مبانيه لكن شدتها جددا
بك الخلافة قد عادت محاجرها ... بخلا وكانت لعمري تشتكي الرمدا
مدت منابرها الأجياد حامدة ... ألقابك الغر إذا هدت لك الجيدا
تكاد أعوادها يورقن مايسة ... بذكر اسمك للعدل الذي وجدا
جاءت تجر ذيولاً من غلائلها ... قد ألبست من نسيج المكرمات ردا
أحرزتها بصداق يستفيض له ... في الأرض بحران لكن من ندا وجدا
لو أنها غازلتها عين ذي مرح ... لغرها النوم واعتاضت به السهدا
حسمت بالباس خلطاً في جوانحها ... قد كان ينبت بؤساً في الأنام ودا
لولاك كان ضرام الشر ملتهباً ... لكن بالرأي إن وبخته خمدا
من أعظم الخطب إن أودى الخليفة ... إسمعيل أفضل من زكى ومن عبدا
فقمت إذ كاد يعرو الاضطراب به ... روعاً ففر قتار للهدا وهدا
стр. 279
ما كاد أن يدلهم الخطب معتكراً ... حتى طلعت بوجه الرشد متقدا
وزدت طخيه ديجور المخاف فعن ... حزن وسهل رعا سرحانه النقدا
يشد أزرك ذو العليا أبو حسن ... ناهيك ناهيك منه فارساً نجدا
محمد المتقي المختار عنصره ... من أحمد بحميد السعى قد حمدا
وصنوك الماجد البر الصحيح تقي ... نجل الخليفة تلو الغاديات ندا
إليك أزمع من صنعا في فئة ... من فتية العلم تبغي الحق والرشدا
ومن يرد أن يكون الحق متضحاً ... ومن يساوي ببحر خضرم ثمدا
فدم وهز قناة للهنا ثنيت ... فقد تثنى بك الاسلام وانفردا
وصل ونول تصحح للقلوب ولا ... في الود وأجر على العهد الذي عهدا
وله أيضاً يحرضه على نجاز أمر الخلافة ليلة عيد الفطر سنة ١٠٨٩
هل الرسل الأذبل وعراب ... وهل غير بيض المرهفات كتاب
ولا خاطب إلا على منبر الطلا ... غزارة فضل واضح وخطاب
صفيحة ماض لا صحيفة راقم ... طلاها وهل يتلو السيوف قراب
أجبها أمير المؤمنين وافتها ... فقد سألت والمشرفي جواب
ترى ما عسى الأقوام يبغون دون ما ... دعوت إليه إن ذا لعجاب
هو الفضل إلا أن تقام شريعة ... وتأمن سبل للهدى وشعاب
وهل غير فرقان النبي محمد ... وسنته الغرا فأين ذهاب
ترى وجبت بالنص فيهم لقاسم ... لفرط اشتياق عند ذاك يجاب
بلى دون ما ظنوه كل ثنوفة ... سحالف لم يعسل بهن ذئاب
هو البر إلا أنهم وسعوا به ... مسالك ما يرجون منه فخابوا
واطروا به اطراء عين مشرع ... وما ليس يرضى الشرع فيه سباب
على أنه الحبر الخشوع تعبداً ... أمن بعد محراب يكون حراب
لقد خدعوه واستلانوا قناته ... ومال به غي بهم وشباب
وقد يخدع الحر الكريم سجية ... إذا راوغته أسرة وصحاب
دعوت إلى الدنيا بما يظهرونه ... إلى طلب الأخرى وذاك كذاب
وعند من يرجو رضى الله فتنة ... تثار وهل إلا إليه إياب
فحقق ذوي التقميص يا قاسم العلى ... فثم ذئاب فوقهن ثياب
أجلك قدراً أن تصيح لرايهم ... فقد وقدت حرب وثار لهاب
لقد أحسنوا أمر التفرق فيكم ... وجالوا بدهماء الثراء وجابوا
وشقوا عصى الاسلام والدين جامع ... وأنتم على سر النبي صلاب
وقد رقش الأقوال منهم عصابة ... ولله دين ما عليه حجاب
أعد نظراً في أمرهم متيقظاً ... تجد قيعة فيها الخليج سراب
ويا أيها المهدي الامام أصح لها ... فما بعدها للناصحين خطاب
واحرص على هذي الخلافة أنها ... العروس وما غير الدماء خضاب
فيطالما حالت بحقن دمائهم ... ولكن رؤوس أينعت ورقاب
تراموا على حب الرئاسة غرة ... وثم مواب دونها وهضاب
مهالك يصخب بها الذئب نفسه ... ولا طار فيها بالجناح غراب
به حاولوا نيل المزايا وأملوا ... جوامع ما يبغونه وأصابوا
وقد ملكوا الدنيا لديك وأحرزوا ... بطاعتك الأخرى وصح مثاب
دعوتهم نحو الهداية مشفقاً ... عليهم وماء الود ليس يشاب
فظنوك سلما عند ذاك وما دروا ... روابض أسد تتقى وتهاب
ألا فادعهم والمرهفات معاتباً ... فما غيرها للمارقين عتاب
стр. 280
على السيف أسس ما بنيت فكلما ... شددت على أس الوداد خراب
دعى المصطفى دهراً إليه فلم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب
وقالوا له أما خوارق آية ... فسحر وأما ما تلا فكذاب
فلما دعى والسيف صلت بكفه ... به آمنوا واستسلموا وأنابوا
على السيف خيل الله سر رعيلها ... وجهز جنود الله حيث تتاب
وسر ذوي الرايات أعلام حاشد ... فهيهات أن ينسد دونك باب
وصل ببكير فتية الحرب إنهم ... عرانين أسد ماجدون نجاب
امام الهدى أجرر ذيول جيوشها ... همام له السيف المشطب ناب
أبا حسن ضغم الدسيقة من له ... مضاء إلى ما يبتغي وغلاب
محمد الريبال صفوة أحمد ... أبا طالب من لم ترعه صعاب
واعقد لواء النصر والطير عكف ... كلاها ففيها في المكر عقاب
إذا قدحت شهب الفوارس في الظبا ... جماراً وقد أورى الزناد ضراب
هنالك تلقى الحق أبلج وأضحا ... وللشمس من نسج العجاج نقاب
فصل ببني العم الذين دعوتهم ... بداعيك في دين الهدى وأجابوا
ولم تفد الدنيا خرائم عيسهم ... ولكن طابوا مشرعاً فأطابوا
من الصفوة اسمعيل قدس سره ... لهم جيبئة نحو التقى وذهاب
وحسبك عز المكرمات محمد ... فتى ليس للدنيا لديه حساب
على أنه قاض بما يستحثه ... إلى الدين منها لم يرعه مصاب
وصل بعلي منهم تلق سيداً ... له نهج ملك في الفخار صواب
هو الخاطب المنطيق ذو القلم الذي ... كمرهفة البتار ليس يعاب
ببائس يقد الصلد عند نفوذه ... وجيش له موج الحتوف شراب
وعجم حسيناً تلق قدح كنانه ... ينال بها مرمى العلى ويصاب
هو الأسد المقدام عند نزاله ... ولكنه عند النوال عباب
سرى وهلال العيد يهدي لطرفه ... من التبر سرجاً والسماك ركاب
جواد كان الشهب منها قلائد ... عليه ومن جنح الظلام أهاب
ولا تنس منهم أحمداً بشهاده ... فذلك طود شامخ وهضاب
هو المرهف الماضي الفرند وإنما ... حواه من العلم الرسوخ قراب
ولله من آل الحسين بن قاسم ... موارد في الدين الحنيف عذاب
وحسبك منهم أحمد بن محمد ... له نسب في المكرمات قراب
له العسكر المجر المثير نقعه ... سعيراً بقطر الغرب منه لهاب
يسابق عيد الفطر بالنحر ذابحاً ... كباش العدى مذ ناوشوه ونابوا
أطاعتك أكناف الأقاليم عن يد ... فما حجر في هنوم وتراب
وأرجو لأبناء المؤيد فتية ... يكون لها نحو السداد مآب
ولا تنس يحيى بن الحسين فإنه ... هو البدر إن قلنا سواه شهاب
وصل ببني القادات من آل قاسم ... بسيف يروع الليث منه ذئاب
أجل وبنيك الشامخين سياده ... لها فوق أفلاك النجوم قباب
وناهيك سيف الله منهم محمد ... هزبر له بين الأسنة غاب
يحاذره المريخ باساً وسطوة ... له نوب الدهر الخؤون تناب
وهل للحسين القسوري منابذ ... وشم الصياصي من سطاه تراب
همام له كهف الخلافة غاية ... وفي كل قطر من نداه سحاب
ورع بعلى ما قذفته من الذرى ... ففيه لأفيال الجبال عقاب
يصرّف رمحاً للطعان كأنه ... إذا ما رمى بوح الدلاص جناب
стр. 281
هو البارز طوراً والغضنفر تارة ... تظل لديه الأسد وهي سقاب
إليك أمير المؤمنين معدة ... لها بين مصر والصعيد ركاب
وقد نفعت من نبغ عزمك أسهماً ... لهنّ بأثناء العراق رقاب
وما خصصت ترويعها بشهادة ... فكم دار منها في الثغور لعاب
مزاياك هالتها لفرط ظهورها ... وهل تحمل البحر الخضم رياب
فدم وأمر الأسياف تعمل بحكمها ... فقد طاب أعذار وطاب عتاب
وله أيضاً حين دخل الامام المسجد فوقع قنديل من القناديل بمجرد دخوله فتشاءم الامام من ذلك فأنشده في ذلك الوقت
لا تعجبوا إذ غدا القنديل منكسراً ... فما عليه أهيل الفضل من حرج
رأى الامام كشمس عند مطلعها ... وعند شمس الضحى لاحظّ للسرج
القسم الرابع في محاسن أهل العجم والبحرين والعراق وايراد ما رق من لطائفهم وراق وفيه فصلان الفصل الأول في محاسن أهل العجم الأمير محمد باقر بن محمد الشهير بالداماد الحسني طراز العصابة. وجواز الفضل سهم الاصابة. الرافع بأحاسن الصفات أعلامه. فسيد وسند وعلم وعلامه. اكليل جبين الشرف وقلادة جيده. الناطقة السن الدهور بتعظيمه وتمجيده. باقر العلم وتحريره. الشاهد بفضله تقريره وتجريره. ووالله إن الزمان بمثله لعقيم. وإن مكارمه لا يتسع لبثها صدر رقيم. وأنا بريء من المبالغة في هذا المقال. وبر قسمي يشهد به كل وامق وقال وشعر
وإذا خفيت على الغبيّ فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياء
إن عدت الفنون فهو منارها الذي يهتدى به. أو الآداب فهو مؤملها الذي يتعلق بأهدابه. أو الكرم فهو بحره المستعذب النهل والعلل. أو النسيم فهو حميدها الذي يدب منه نسيم البرء في العلل. أو السياسة فهو أميرها الذي تجم منه الأسود في الاجم. أو الرياسة فهو كبيرها الذي هاب تسلطه سلطان العجم. وكان الشاه عباس أضمر له السوء مراراً. وأمر له حبل غيلته امراراً. خوفاً من خروجه عليه. وفرقاً من توجه قلوب الناس إليه. فحال دونه ذو القوة والحول. وأبى إلا أن يتم عليه المنة والطول. ولم يزل موفور العز والجاه. مالكاً سبيل الفوز والنجاه. حتى استأثر به ذو المنه. وتلا بآيتها النفس المطمئنه. فتوفي في سنة إحدى وأربعين وألف من مصنفاته في الحكمة القبسات. والصراط المستقيم والحبل المتين. وفي الفقه شارع النجاه وله حواش على الكافي في الفقه والصحيفة الكاملة وغير ذلك ومن انشائه البديع الاسلوب. الأخذ بمجامع القلوب ما كتبه إلى الشيخ بهاء الدين مراجعاً رحمهما الله تعالى لقد هبت ريح الأنس. من سمت القدس. فأتتنى بصحيفة منيفة كأنها بفيوضها. بروق العقل بوموضها. وكأنها بمطاويها. أطباق الأفلاك بدراريها. وكان أرقامها بأحكامها. أطباق الملك والملكوت بنظامها. وكان ألفاظها برطوباتها. أنهار العلوم بعذوباتها. وكان معانيها بأفواجها. بحار الحق بأمواجها. وأيم الله أن طباعها من تنعيم. وأن مزاجها من تسنيم. وأن نسيمها لمن جنان الرمضوت. وأن رحيقها لمن دفاق الملكوت. فاستقبلتها القوى الروحية. وبرزت إليها القوة العقلية. ومدت إليها فطنة صوامع السر أعناقها من كوي الحواس وروزاة المدارك وشبابيك المشاعر وكادت حمامة النفس تطير من وكرها شغفاً واهتزازاً. وتستطار إلى عالمها شوقاً وهزازاً. ولعمري لقد ترويت. ولكني لفرط ظمائي ما ارتويت
شربت الحب كاساً بعد كاس ... فما نفد الشراب ولا رويت
стр. 282
فلا زالت مراحمكم الجلية. مدركة للطالبين. بأضواء الأعطاف العلية. ومروية للظامئين بجرع الألطاف الخفية والجلية. ثم أن صورة مراتب الشوق والاخلاص التي هي وراء ما يتناثر ما لا يتناهى أظنها هي المنطبعة كما هي عليها في خاطركم الأقدس الأنور الذي هو لأسرار عوالم الوجود كمرآة مجلوه. ولغوامض أفانين العلوم ومعضلاتها كمصفاة مطحوه. وأنكم لأنتم بمزيد فضلكم المؤملون لامرار المخلص على حواشي الضمير المقدس المستنير. عند صوالح الدعوات السانحات في مينة الاستجابة. ومظنة الاجابه بسعد الله ظلالكم. وخلد مجدكم وجلالكم. والسلام على جنابكم الأرفع الأبهى. وعلى من يلوذ ببابكم الأسمى. ويعكف بفنائكم الأوسع الأسنى. ورحمة الله وبركاته أبداً سرمداً. ومن غريب رسائله رسالته الخليعه. وهي مما يدل على تاله سريرته. وتقدس سيرته. وصورتها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد كله لله رب العالمين. وصلاته على سيدنا محمد وآله الطاهرين. كنت ذات يوم من أيام شهرنا هذا وقد كان يوم الجمعة سادس عشر شهر رسول الله شعبان المكرم لعام ثلاث وعشرين وألف من هجرته المقدسة في بعض خلواتي اذكر ربي في تضاعيف إذكاري وأورادي باسمه الغني فاكرر يا غني يا مغني مشددها بذلك عن كل شيء إلا عن التوغل في حريم سره والامحا في شعاع نوره وكان خاطفة قدسيه قد ابتدرت إلي فاجتذبتني من الوكر الجثماني ففككت حلق شبكة الحس وحللت عقد حبالة الطبيعة وأخذت أطير بجناح الروح في وسط ملكوت الحقيقة وكأني قد خلعت بدني. ورفضت عدني. ومقوت خلدي. ونضوت جسدي. وطويت اقليم الزمان وصرت إلى عالم الدهر فإذا أنا بمصر الوجود بجماجم أمم النظام الحملى من الابداعيات والتكوينيات والالهيات والطبيعيات والقدسيات والهيولانيات والدهريات والزمنيات وأقوام الكفر والايمان وارهاط الجاهلية والاسلام من الدارجين والدارجات والغابرين والغابرات. والسالفين والسالفات. والعاقين والعاقبات. في الازال والاباد بالجملة آحاد مجامع الامكان ودارت عوالم الامكان بقضها وقضيضها وصغيرها وكبيرها بإثباتها وبإبدائها حالياتها وافياتها وإذا الجميع زفة زفة وزمرة زمرة يجذبهم قاطبة معاملون. وجوه ما هياتهم شطر بابه سبحانه شاخصون بأبصار نياتهم تلقاه جنابه جل سلطانه من حيل لا يعلمون. وهم جميعاً بالسنة فقر ذواتهم الفاخرة والسن فاقة هوياتهم الهالكة في صحيح الضراعة وصراخ الابتهال ذاكروه وداعوه ومستصرخوه ومنادوه يا غني يا مغني من حيث هم لا يشعرون. فطفقت في تلك الضجة العقلية. والصرخة الغيبية. اخر مغشياً على وكدت من شدة الوله والدهش أنسى جوهر ذات العاقلة وأغيب عن بصر نفسي المجردة وأهاجر ساهرة أرض الكون وأخرج من صقع قطر الوجود راساً إذ قد ودعتني تلك الخلسة الخالسة حيناً حيوناً إليها وخطفتني تلك الخطفة الخاطفة تائقاً لهوفاً عليها. فرجعت إلى أرض التيار. وكورة البوار. وبقعة الزور. وقرية الغرور تارة أخرى. هذا منتهى الرسالة المذكورة والله سبحانه أعلم.
الميرزا بن الميرزا إبراهيم
الهمداني
برهان العالم القاطع. وقمر الفضل الساطع. ومنار الشريعة ومنير جمالها. ومحقق الحقيقة ومفصل اجمالها. وجامع شمل العلوم وناسق نظامها. ومعلي كلمة الحق ومضاعف اعظامها. المقتني نفاس جواهرها. والمجتني أزاهر بواطنها وظواهرها. ملك أعنة الفضائل وتصرف. وبين غوامض المسائل فافهم وعرف. وأسرى ينابيع الحكمة وفجر وبكر إلى نيل الزلفى لدى ربه وهجر.
وزاد به الدين الحنيفيّ رفعة ... وشاد دروس العلم بعد دروسها
وأحيا موات العلم منه بهمة ... يلوح على الاسلام نور شموسها
стр. 283
إلى تاله وتنسك. وتعلق بأسباب العرفان وتمسك. وعفة وزهاده. وصلاح وطد به مهاده. وعمل زان به علمه. ووقار حلى به حلمه. وبلاغة وبراعه. ثقف بها لسانه ويراعه. وأخبرني غير واحد أن سلطان العجم الشاه عباس قصد يوماً زيارة الشيخ بهاء الدين محمد فراي بين يديه من الكتب ما ينوف على الألوف فقال له السلطان هل في العالم عالم يحفظ جميع ما في هذه الكتب فقال الشيخ لا وإن يكن فهو الميرزا إبراهيم وناهيك بها شهادة بفضله. واعترافاً بسمو مقداره ونبله. وكانت وفاته سنة ست وعشرين وألف ومن انشائه الذي بلغ من البلاغة الأرب. وعجز عن الحوك على مواله مدارة العرب. ما كتبه إلى الشيخ بهاء الدين المذكور وهو الاتحاد الحقيقي يقتضي سماحة توشيج مفتتح الخطاب. وترشيج مبتدا الكتاب. بما استقر عليه العرف العام. واستمر عليه الرسم بين الأنام. من ذكر المحامد والألقاب. ونشر المزايا في كل باب. مع أن ذلك أمر كفت شهرته مؤنة التصدي لتحريره. وأغنى ارتكازه في الأذهان عن شرحه وتقريره. فلو أطلقت عنان القلم في هذا المضمار. وأجريت فلك التبيان في ذلك البحر الزخار لكنت كم يصف الشمس بالضياء. ويثني على حاتم بالسخاء. فلذلك ضربت صفحاً عن ذلك. وطويت كشحاً عن سلوك تلك المسالك. واقتصرت على الايماء إلى نبذة من عموم مديده. سلم برهان السلم عدم انحصارها. وشرذمة من غموم عديه. لا ينطبق دليل التطبيق على عشر معشارها. واكتفيت عن الاطناب في هذا الباب. بما تضمنه قول بعض ذوي الألباب. وأظنه العارف النسائي
جفاى جرخ وغم دهر انجنانم كرد ... كه ازدوكس بودم حسرت ازجكر خارى
يكى برانكه زراهى عدم بملك وجود ... ينامد وخبرش نيست زين كرفتارى
دبكر برنكه درين خاكدان غم برور ... بخواب رفت ونكر دار زوى بيدارى
نسأل الله سبحانه مفتح أبواب السرور. بقطع علائق عالم الزور وحسم عرائق دار مغرور. وتبديل الأصدقاء المجازيين. بالاخلا الروحانيين. والانزوا في زاوية العزله. والانفراد عن جلسا السوء والذله. وصرف الأوقات. في تلافي ما فات. واعداد الزاد. ليوم المعاد. فإن ذلك أعظم المقاصد وأعلاها. وأهم المطالب وأولاها.
نان جوين وخرفه بشمين اب شور ... سى باره كلام حديث بيمبرى
هم نسخه سرجارز علمه كه نافع است
وزدين ان لغوبو على وزاز بحترى ... رين مردمان كه ديوان شياف حرز كند
در كوشيه نهان شده بنشته دون برى
بايك دو اشتكاه نيرزد بنيم جو ... در بيش ملك همت شان ملك سنجرى
اين ان سعاد تست كه بروى حسد برد ... آب حيات ورونق ملك سكندرى
وهذه لمعة من كثير. وجرعة من غدير في القلب أشياء كثيره. لا سبيل إلى تقريرها. ولا طريق إلى تحريرها. زبان حموش وليكن ذهان براز عربست هذا ولقد أوجع قلبي. وأزعج لبي. ما صرحتم من حكاية السقطة التي ألمت قدم قدوة المتأهلين. وأوهنت رجل سلطان المتولهين. لكن ألقى هاتف الغيب في بالي أن السقوط مبشر بالارتقا. والهبوط مخبر عن غاية الاعتلا. فإن القطرة لما هبطت صارت لؤلؤه والحبة لما سقطت على الأرض صارت سنبله. مع أن المصيبة والابتلا. موكل بالانبيا ثم الأوليا. فيجب الشكر على التشبه بهم. والتهنئة بالانخراط في سلكهم.
تهنيت جزدر مصيبت بيش ما عيب است ... عيب عيد رادر مارسم مبارك بادنيست
ثم نسأل الله تعالى التوفيق لانتظام الأحوال وتحقيق الآمال هذا وابلاغ السلام إلى ثمرات دوحة السيادة والنقابه. وأغصان شجرة الامامة والنجابه. بلغهم الله أرفع معارج الكمال مأمول مسئول والسلام عليكم أولاً وآخراً. وباطناً وظاهراً
الحكيم أبو الحسن بن إبراهيم
الطبيب الشيرازي
стр. 284
الحكيم الآسي. والطبيب النطاسي. المديد الباع. المشيد الرباع. فارس حكماء فارس. المحيي من آثار الحكمة كل عارف ودارس. بلغ على فتا سنه ما لم يبلغه المشايخ الكبار. وبرع في فن الطب براعة لا يشق لها غبار. فلو أدركه الشيخ الرئيس. لقضى له بالرئاسه. أو ابن النفسي. لقال له فضلك الجدير بالنفاسه. أو المعلم الأول. لأذعن بأنه الذي عليه المعول. أو التالي. لقال إليه فليثن الأعنة الثاني. ولو راجعته البروق شاكية لزال خفقانها. أو الشمس عند الغروب لأذهب برقانها. إلى تقدس نفس وذات ومكارم أخلاق مستلذات واطلاق كف وطلاقة محياه يحيى بهما عفاة كرمه وعلمه إذا حيا ورد علينا من الهد في سنة خمس وسبعين وهو يرفل من الشباب في برد قشيب. ويتخلق من الوقار والسكينة بأخلاق الشنيب. فعاشرت منه صديق صدق ووفا. وصفي محبة وصفا. وحافظ لازمة الصحبة والعهود. وقائل من حدائق الفتوة في روض معهود. واعتنى في مدة يسيرة بأدب العرب. فملا منه الدلو إلى عقد الكرب. وأبرز فيه نثراً ونظماً. وأجرى من سلسال طبعه ما ينوب عن الماء الزلال لمن يظما وأما نظمه بلسانه فما زهر ربيعه وورد نيسانه وقد أقر له أقرانه بالاعجاز والتفرد في نوعي الحقيقة منه والمجاز وهذا حين أثبت من شعره العربي ما هو شرط الكتاب ونجعة المشاب فمنه قوله متغزلاً
من أودع الشهد والسلاف فمه ... والجوهر الفرد فيه من قسمه
وواو صدغيه فوق عارضه ... يا ليت شعري بالمسك من رقمه
ووافر الحسن والجمال له ... من دون كل الحسان من رسمه
وخده الورد في تضرجه ... ما ضره لو محبه لثمه
دمي ودمعي بلحظه سفكا ... فلا شقى منه ربه سقمه
كم من قتيل بسيف مقلته ... لم يخش ثاراً لما أباح دمه
كتمت حبي عن الوشاة فما ... ظن به كاشح ولا علمه
وكم محب أعيت مذاهبه ... أذاع سر الهوى وما كتمه
وقوله أيضاً وأجاد في الجناس ما شاء
قضى وجداً بحب أهيل رامه ... وما نال الذي في الحب رامه
محب لم يطع فيهم عذولاً ... ولا قبلت مسامع الملامه
بهاه عن الهوى لاحيه سراً ... فقال له جهاراً في الملامه
فقولوا يا أهيل الود قولوا ... علام هجرتم المضني علامه
وقد أمسى بحبكم قتيلاً ... وحبكم له أضحى علامه
وكتبت إليه وقد تخلف عن زيارتي لعذر سنح
شوقي إليكم يا أهل ودي ... ألف بين الأسى وبيني
هذا وشوقي لكم أراه ... شوقاً لنفسي من غير مين
وصدق ما أدعيه فيكم ... أن علياً أبو الحسين
فأجاب وأجاد
يا أيها السيد الحسيني ... شرف قدراً أبا الحسيني
إن بنت عنكم فلي فؤاد ... لديكم لم يمل لبين
دمت مدا الدهر في سرور ... رحيب صدر قرير عين
تذري مساعيك في المعالي ... بذى نواسٍ وذي رعين
وقال أيضاً
كشف الصبح اللثاما ... وجلا غنا الظلاما
فأجل لي الكاس ونبه ... أيها الساقي النداما
علنا نقضي كما رم ... نا من الأنس المراما
ما ترى الورق على الا ... يك يجاوبن الحماما
وزهور الروض أصبحن ... يفتقن الكماما
والحيا يبكي عليه ... نّ فيضحكم ابتساما
ووميض البرق قد سل ... على الأفق حساما
وحبيب النفس قدلاح لنا بدراً تماما
أي عذر لك إن لم ... تصل الراح مداما
فاغنم الأنس وباين ... من لحا فيه ولاما
وعارض بهذه الأبيات أبيات بلدية الشيخ سعدي الشيرازي التي هي
يا نديمي قم بليل ... واسقني واسق النداما
خلني أسهر ليلى ... ودع الناس نياما
اسقياني وهدير الر ... عد قد أبكى الغماما
في أوانٍ كشف الورد ... عن الوجه اللثاما
стр. 285
أيها المصغي إلى الزه ... اد دع عنك الكلاما
فز بها من قبل أن يج ... علك الدهر عظاما
قل لمن عير أهل ال ... حب في الحب ولاما
لا عرفت الحب هيهات ... ولا ذقت الغراما
لا تلمني في غلام ... أودع القلب سقاما
فبذاك الحب كم من ... سيد أضحى غلاما
الملا فرج الله الشوشتري
أحد مفلقي شعراء العجم. الذي طلع نبت مقاله في روض البلاغة ونجم. علا في البراعة شعره. فغلا في سوق الأدب سعره. رايته بمجلس الوالد وقد جاوز السبعين وهو يهدي السحر من بيانه إلى عيون العين. وديوانه في هذا الأوان. يزاحم بعلو طبقته كيوان. وفيه كل معنى مستبدع. ولفظ هو للحسن مستقر ومستودع. ونظمه بالعربيه محرز خصل الاجاده. وسأثبت مما ساقه غيث احسانه وجاده. فمنه قوله من قصيدة مدح بها الوالد عدتها مائة وثمانية وخمسون بيتاً.
ما بين دجلة والفرات مراتع ... هي للنفوس معارج وسماء
ومنازل هي للقلوب منازل ... لا جاوزتها ديمة هطلاء
لا الجزع يسليني ولا وادي الف ... ضا عنها ولا النجّا ولا الدهناء
لا رامة رومي ولا حزوي ولا ... وادي النقا والخيف والخلصاء
سقت الغوادي روضها وفلاتها ... ورعت بمرعها مهاً وظباء
أصبو إلي سكانها طول المدا ... لم تلهنى خود ولا هيفاء
إن الأمكان تستحب لأهلها ... أعروّة وجميعهم عفراء
بهم أشبب لا بعاتكة وكم ... في مهجتي من بينهم برحاء
أسماؤهم ملأت خروق مسامعي ... لا ميّ تسكنها ولا أسماء
للناظرين على الفراق مواطن ... لهم بهن عن الجنان غناء
وبسوحهن مراتع وملاعب ... الليل فيها والنهار سواء
مستوطن الآمال غايات المنى ... للغانيات بها الغداة ثواء
يرتعن بين ضلوعنا فكأنما ... أرباعها الألباب والاحشاء
آرام أنس للنفوس أوانس ... داءٌ ولكن للعيون دواء
يصغي إليهن الجليس فينتشي ... وهناك لا خمر ولا صهباء
حل الربيع متى حللن بمنزل ... فكأنهن عوارض وحياء
وإذا ارتحلن ترى الديار كأنها ... من فقدهم سباسب قفراء
كم من مناهل للفرات وردنها ... وصدرن وهي لعودهن ظماء
لا تعجبن إن لم يفين بموعد ... إن الغواني ما لهن وفاء
سكان تلك الأرض كلهم لهم ... عندي هوى وصداقة واخاء
أن يسلبوا عني السرور ببينهم ... فلمهجتي بحديثهم سراء
فهم مناط مسآءتي ومسرتي ... وهم لقلبي شدة ورخاء
أكبادنا نار الغضا من بعدهم ... تذكي الأسى وجفوننا أنواء
الظاعنون القاطنون قلوبنا ... هم واصلين وقاطعين سواء
وإذا المحبة في الصدور تمكنت ... فقد استوى الابعاد والادناء
القتني الأيام من أرض إلى ... أرض لها أرض العراق سماء
شتان ما بيني وبين مزارهم ... هيهات أين الهند والزوراء
كيف احتيالي في الوصول إليهم ... إن الوصول إليهم لرجاء
لا تركبهن ظهر الرجاء مطية ... إن الرجاء مطية عرجاء
وكواذب الآمال لا تهدى بها ... دعها فتلك هدية عمياء
يا ساكني دار السلام عليكم ... مني السلام ورحمة ودعاء
أين العزاء وأهله وضجيعه ... روحي له ولما حواه فداء
ومن مديحها
الأحمد المحمود كل فعاله ... ما شاءه وقضى به فقضاء
ما للعقول وفوق ساحة وصفه ... قد ضلت الافهام والآراء
فله يد وله أنامل فعلها ... الانعام والاحسان والاعطاء
следующие страницы →