Полный текст (350 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
هو البارز طوراً والغضنفر تارة ... تظل لديه الأسد وهي سقاب
إليك أمير المؤمنين معدة ... لها بين مصر والصعيد ركاب
وقد نفعت من نبغ عزمك أسهماً ... لهنّ بأثناء العراق رقاب
وما خصصت ترويعها بشهادة ... فكم دار منها في الثغور لعاب
مزاياك هالتها لفرط ظهورها ... وهل تحمل البحر الخضم رياب
فدم وأمر الأسياف تعمل بحكمها ... فقد طاب أعذار وطاب عتاب
وله أيضاً حين دخل الامام المسجد فوقع قنديل من القناديل بمجرد دخوله فتشاءم الامام من ذلك فأنشده في ذلك الوقت
لا تعجبوا إذ غدا القنديل منكسراً ... فما عليه أهيل الفضل من حرج
رأى الامام كشمس عند مطلعها ... وعند شمس الضحى لاحظّ للسرج
القسم الرابع في محاسن أهل العجم والبحرين والعراق وايراد ما رق من لطائفهم وراق وفيه فصلان الفصل الأول في محاسن أهل العجم الأمير محمد باقر بن محمد الشهير بالداماد الحسني طراز العصابة. وجواز الفضل سهم الاصابة. الرافع بأحاسن الصفات أعلامه. فسيد وسند وعلم وعلامه. اكليل جبين الشرف وقلادة جيده. الناطقة السن الدهور بتعظيمه وتمجيده. باقر العلم وتحريره. الشاهد بفضله تقريره وتجريره. ووالله إن الزمان بمثله لعقيم. وإن مكارمه لا يتسع لبثها صدر رقيم. وأنا بريء من المبالغة في هذا المقال. وبر قسمي يشهد به كل وامق وقال وشعر
وإذا خفيت على الغبيّ فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياء
إن عدت الفنون فهو منارها الذي يهتدى به. أو الآداب فهو مؤملها الذي يتعلق بأهدابه. أو الكرم فهو بحره المستعذب النهل والعلل. أو النسيم فهو حميدها الذي يدب منه نسيم البرء في العلل. أو السياسة فهو أميرها الذي تجم منه الأسود في الاجم. أو الرياسة فهو كبيرها الذي هاب تسلطه سلطان العجم. وكان الشاه عباس أضمر له السوء مراراً. وأمر له حبل غيلته امراراً. خوفاً من خروجه عليه. وفرقاً من توجه قلوب الناس إليه. فحال دونه ذو القوة والحول. وأبى إلا أن يتم عليه المنة والطول. ولم يزل موفور العز والجاه. مالكاً سبيل الفوز والنجاه. حتى استأثر به ذو المنه. وتلا بآيتها النفس المطمئنه. فتوفي في سنة إحدى وأربعين وألف من مصنفاته في الحكمة القبسات. والصراط المستقيم والحبل المتين. وفي الفقه شارع النجاه وله حواش على الكافي في الفقه والصحيفة الكاملة وغير ذلك ومن انشائه البديع الاسلوب. الأخذ بمجامع القلوب ما كتبه إلى الشيخ بهاء الدين مراجعاً رحمهما الله تعالى لقد هبت ريح الأنس. من سمت القدس. فأتتنى بصحيفة منيفة كأنها بفيوضها. بروق العقل بوموضها. وكأنها بمطاويها. أطباق الأفلاك بدراريها. وكان أرقامها بأحكامها. أطباق الملك والملكوت بنظامها. وكان ألفاظها برطوباتها. أنهار العلوم بعذوباتها. وكان معانيها بأفواجها. بحار الحق بأمواجها. وأيم الله أن طباعها من تنعيم. وأن مزاجها من تسنيم. وأن نسيمها لمن جنان الرمضوت. وأن رحيقها لمن دفاق الملكوت. فاستقبلتها القوى الروحية. وبرزت إليها القوة العقلية. ومدت إليها فطنة صوامع السر أعناقها من كوي الحواس وروزاة المدارك وشبابيك المشاعر وكادت حمامة النفس تطير من وكرها شغفاً واهتزازاً. وتستطار إلى عالمها شوقاً وهزازاً. ولعمري لقد ترويت. ولكني لفرط ظمائي ما ارتويت
شربت الحب كاساً بعد كاس ... فما نفد الشراب ولا رويت
стр. 282
فلا زالت مراحمكم الجلية. مدركة للطالبين. بأضواء الأعطاف العلية. ومروية للظامئين بجرع الألطاف الخفية والجلية. ثم أن صورة مراتب الشوق والاخلاص التي هي وراء ما يتناثر ما لا يتناهى أظنها هي المنطبعة كما هي عليها في خاطركم الأقدس الأنور الذي هو لأسرار عوالم الوجود كمرآة مجلوه. ولغوامض أفانين العلوم ومعضلاتها كمصفاة مطحوه. وأنكم لأنتم بمزيد فضلكم المؤملون لامرار المخلص على حواشي الضمير المقدس المستنير. عند صوالح الدعوات السانحات في مينة الاستجابة. ومظنة الاجابه بسعد الله ظلالكم. وخلد مجدكم وجلالكم. والسلام على جنابكم الأرفع الأبهى. وعلى من يلوذ ببابكم الأسمى. ويعكف بفنائكم الأوسع الأسنى. ورحمة الله وبركاته أبداً سرمداً. ومن غريب رسائله رسالته الخليعه. وهي مما يدل على تاله سريرته. وتقدس سيرته. وصورتها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد كله لله رب العالمين. وصلاته على سيدنا محمد وآله الطاهرين. كنت ذات يوم من أيام شهرنا هذا وقد كان يوم الجمعة سادس عشر شهر رسول الله شعبان المكرم لعام ثلاث وعشرين وألف من هجرته المقدسة في بعض خلواتي اذكر ربي في تضاعيف إذكاري وأورادي باسمه الغني فاكرر يا غني يا مغني مشددها بذلك عن كل شيء إلا عن التوغل في حريم سره والامحا في شعاع نوره وكان خاطفة قدسيه قد ابتدرت إلي فاجتذبتني من الوكر الجثماني ففككت حلق شبكة الحس وحللت عقد حبالة الطبيعة وأخذت أطير بجناح الروح في وسط ملكوت الحقيقة وكأني قد خلعت بدني. ورفضت عدني. ومقوت خلدي. ونضوت جسدي. وطويت اقليم الزمان وصرت إلى عالم الدهر فإذا أنا بمصر الوجود بجماجم أمم النظام الحملى من الابداعيات والتكوينيات والالهيات والطبيعيات والقدسيات والهيولانيات والدهريات والزمنيات وأقوام الكفر والايمان وارهاط الجاهلية والاسلام من الدارجين والدارجات والغابرين والغابرات. والسالفين والسالفات. والعاقين والعاقبات. في الازال والاباد بالجملة آحاد مجامع الامكان ودارت عوالم الامكان بقضها وقضيضها وصغيرها وكبيرها بإثباتها وبإبدائها حالياتها وافياتها وإذا الجميع زفة زفة وزمرة زمرة يجذبهم قاطبة معاملون. وجوه ما هياتهم شطر بابه سبحانه شاخصون بأبصار نياتهم تلقاه جنابه جل سلطانه من حيل لا يعلمون. وهم جميعاً بالسنة فقر ذواتهم الفاخرة والسن فاقة هوياتهم الهالكة في صحيح الضراعة وصراخ الابتهال ذاكروه وداعوه ومستصرخوه ومنادوه يا غني يا مغني من حيث هم لا يشعرون. فطفقت في تلك الضجة العقلية. والصرخة الغيبية. اخر مغشياً على وكدت من شدة الوله والدهش أنسى جوهر ذات العاقلة وأغيب عن بصر نفسي المجردة وأهاجر ساهرة أرض الكون وأخرج من صقع قطر الوجود راساً إذ قد ودعتني تلك الخلسة الخالسة حيناً حيوناً إليها وخطفتني تلك الخطفة الخاطفة تائقاً لهوفاً عليها. فرجعت إلى أرض التيار. وكورة البوار. وبقعة الزور. وقرية الغرور تارة أخرى. هذا منتهى الرسالة المذكورة والله سبحانه أعلم.
الميرزا بن الميرزا إبراهيم
الهمداني
برهان العالم القاطع. وقمر الفضل الساطع. ومنار الشريعة ومنير جمالها. ومحقق الحقيقة ومفصل اجمالها. وجامع شمل العلوم وناسق نظامها. ومعلي كلمة الحق ومضاعف اعظامها. المقتني نفاس جواهرها. والمجتني أزاهر بواطنها وظواهرها. ملك أعنة الفضائل وتصرف. وبين غوامض المسائل فافهم وعرف. وأسرى ينابيع الحكمة وفجر وبكر إلى نيل الزلفى لدى ربه وهجر.
وزاد به الدين الحنيفيّ رفعة ... وشاد دروس العلم بعد دروسها
وأحيا موات العلم منه بهمة ... يلوح على الاسلام نور شموسها
стр. 283
إلى تاله وتنسك. وتعلق بأسباب العرفان وتمسك. وعفة وزهاده. وصلاح وطد به مهاده. وعمل زان به علمه. ووقار حلى به حلمه. وبلاغة وبراعه. ثقف بها لسانه ويراعه. وأخبرني غير واحد أن سلطان العجم الشاه عباس قصد يوماً زيارة الشيخ بهاء الدين محمد فراي بين يديه من الكتب ما ينوف على الألوف فقال له السلطان هل في العالم عالم يحفظ جميع ما في هذه الكتب فقال الشيخ لا وإن يكن فهو الميرزا إبراهيم وناهيك بها شهادة بفضله. واعترافاً بسمو مقداره ونبله. وكانت وفاته سنة ست وعشرين وألف ومن انشائه الذي بلغ من البلاغة الأرب. وعجز عن الحوك على مواله مدارة العرب. ما كتبه إلى الشيخ بهاء الدين المذكور وهو الاتحاد الحقيقي يقتضي سماحة توشيج مفتتح الخطاب. وترشيج مبتدا الكتاب. بما استقر عليه العرف العام. واستمر عليه الرسم بين الأنام. من ذكر المحامد والألقاب. ونشر المزايا في كل باب. مع أن ذلك أمر كفت شهرته مؤنة التصدي لتحريره. وأغنى ارتكازه في الأذهان عن شرحه وتقريره. فلو أطلقت عنان القلم في هذا المضمار. وأجريت فلك التبيان في ذلك البحر الزخار لكنت كم يصف الشمس بالضياء. ويثني على حاتم بالسخاء. فلذلك ضربت صفحاً عن ذلك. وطويت كشحاً عن سلوك تلك المسالك. واقتصرت على الايماء إلى نبذة من عموم مديده. سلم برهان السلم عدم انحصارها. وشرذمة من غموم عديه. لا ينطبق دليل التطبيق على عشر معشارها. واكتفيت عن الاطناب في هذا الباب. بما تضمنه قول بعض ذوي الألباب. وأظنه العارف النسائي
جفاى جرخ وغم دهر انجنانم كرد ... كه ازدوكس بودم حسرت ازجكر خارى
يكى برانكه زراهى عدم بملك وجود ... ينامد وخبرش نيست زين كرفتارى
دبكر برنكه درين خاكدان غم برور ... بخواب رفت ونكر دار زوى بيدارى
نسأل الله سبحانه مفتح أبواب السرور. بقطع علائق عالم الزور وحسم عرائق دار مغرور. وتبديل الأصدقاء المجازيين. بالاخلا الروحانيين. والانزوا في زاوية العزله. والانفراد عن جلسا السوء والذله. وصرف الأوقات. في تلافي ما فات. واعداد الزاد. ليوم المعاد. فإن ذلك أعظم المقاصد وأعلاها. وأهم المطالب وأولاها.
نان جوين وخرفه بشمين اب شور ... سى باره كلام حديث بيمبرى
هم نسخه سرجارز علمه كه نافع است
وزدين ان لغوبو على وزاز بحترى ... رين مردمان كه ديوان شياف حرز كند
در كوشيه نهان شده بنشته دون برى
بايك دو اشتكاه نيرزد بنيم جو ... در بيش ملك همت شان ملك سنجرى
اين ان سعاد تست كه بروى حسد برد ... آب حيات ورونق ملك سكندرى
وهذه لمعة من كثير. وجرعة من غدير في القلب أشياء كثيره. لا سبيل إلى تقريرها. ولا طريق إلى تحريرها. زبان حموش وليكن ذهان براز عربست هذا ولقد أوجع قلبي. وأزعج لبي. ما صرحتم من حكاية السقطة التي ألمت قدم قدوة المتأهلين. وأوهنت رجل سلطان المتولهين. لكن ألقى هاتف الغيب في بالي أن السقوط مبشر بالارتقا. والهبوط مخبر عن غاية الاعتلا. فإن القطرة لما هبطت صارت لؤلؤه والحبة لما سقطت على الأرض صارت سنبله. مع أن المصيبة والابتلا. موكل بالانبيا ثم الأوليا. فيجب الشكر على التشبه بهم. والتهنئة بالانخراط في سلكهم.
تهنيت جزدر مصيبت بيش ما عيب است ... عيب عيد رادر مارسم مبارك بادنيست
ثم نسأل الله تعالى التوفيق لانتظام الأحوال وتحقيق الآمال هذا وابلاغ السلام إلى ثمرات دوحة السيادة والنقابه. وأغصان شجرة الامامة والنجابه. بلغهم الله أرفع معارج الكمال مأمول مسئول والسلام عليكم أولاً وآخراً. وباطناً وظاهراً
الحكيم أبو الحسن بن إبراهيم
الطبيب الشيرازي
стр. 284
الحكيم الآسي. والطبيب النطاسي. المديد الباع. المشيد الرباع. فارس حكماء فارس. المحيي من آثار الحكمة كل عارف ودارس. بلغ على فتا سنه ما لم يبلغه المشايخ الكبار. وبرع في فن الطب براعة لا يشق لها غبار. فلو أدركه الشيخ الرئيس. لقضى له بالرئاسه. أو ابن النفسي. لقال له فضلك الجدير بالنفاسه. أو المعلم الأول. لأذعن بأنه الذي عليه المعول. أو التالي. لقال إليه فليثن الأعنة الثاني. ولو راجعته البروق شاكية لزال خفقانها. أو الشمس عند الغروب لأذهب برقانها. إلى تقدس نفس وذات ومكارم أخلاق مستلذات واطلاق كف وطلاقة محياه يحيى بهما عفاة كرمه وعلمه إذا حيا ورد علينا من الهد في سنة خمس وسبعين وهو يرفل من الشباب في برد قشيب. ويتخلق من الوقار والسكينة بأخلاق الشنيب. فعاشرت منه صديق صدق ووفا. وصفي محبة وصفا. وحافظ لازمة الصحبة والعهود. وقائل من حدائق الفتوة في روض معهود. واعتنى في مدة يسيرة بأدب العرب. فملا منه الدلو إلى عقد الكرب. وأبرز فيه نثراً ونظماً. وأجرى من سلسال طبعه ما ينوب عن الماء الزلال لمن يظما وأما نظمه بلسانه فما زهر ربيعه وورد نيسانه وقد أقر له أقرانه بالاعجاز والتفرد في نوعي الحقيقة منه والمجاز وهذا حين أثبت من شعره العربي ما هو شرط الكتاب ونجعة المشاب فمنه قوله متغزلاً
من أودع الشهد والسلاف فمه ... والجوهر الفرد فيه من قسمه
وواو صدغيه فوق عارضه ... يا ليت شعري بالمسك من رقمه
ووافر الحسن والجمال له ... من دون كل الحسان من رسمه
وخده الورد في تضرجه ... ما ضره لو محبه لثمه
دمي ودمعي بلحظه سفكا ... فلا شقى منه ربه سقمه
كم من قتيل بسيف مقلته ... لم يخش ثاراً لما أباح دمه
كتمت حبي عن الوشاة فما ... ظن به كاشح ولا علمه
وكم محب أعيت مذاهبه ... أذاع سر الهوى وما كتمه
وقوله أيضاً وأجاد في الجناس ما شاء
قضى وجداً بحب أهيل رامه ... وما نال الذي في الحب رامه
محب لم يطع فيهم عذولاً ... ولا قبلت مسامع الملامه
بهاه عن الهوى لاحيه سراً ... فقال له جهاراً في الملامه
فقولوا يا أهيل الود قولوا ... علام هجرتم المضني علامه
وقد أمسى بحبكم قتيلاً ... وحبكم له أضحى علامه
وكتبت إليه وقد تخلف عن زيارتي لعذر سنح
شوقي إليكم يا أهل ودي ... ألف بين الأسى وبيني
هذا وشوقي لكم أراه ... شوقاً لنفسي من غير مين
وصدق ما أدعيه فيكم ... أن علياً أبو الحسين
فأجاب وأجاد
يا أيها السيد الحسيني ... شرف قدراً أبا الحسيني
إن بنت عنكم فلي فؤاد ... لديكم لم يمل لبين
دمت مدا الدهر في سرور ... رحيب صدر قرير عين
تذري مساعيك في المعالي ... بذى نواسٍ وذي رعين
وقال أيضاً
كشف الصبح اللثاما ... وجلا غنا الظلاما
فأجل لي الكاس ونبه ... أيها الساقي النداما
علنا نقضي كما رم ... نا من الأنس المراما
ما ترى الورق على الا ... يك يجاوبن الحماما
وزهور الروض أصبحن ... يفتقن الكماما
والحيا يبكي عليه ... نّ فيضحكم ابتساما
ووميض البرق قد سل ... على الأفق حساما
وحبيب النفس قدلاح لنا بدراً تماما
أي عذر لك إن لم ... تصل الراح مداما
فاغنم الأنس وباين ... من لحا فيه ولاما
وعارض بهذه الأبيات أبيات بلدية الشيخ سعدي الشيرازي التي هي
يا نديمي قم بليل ... واسقني واسق النداما
خلني أسهر ليلى ... ودع الناس نياما
اسقياني وهدير الر ... عد قد أبكى الغماما
في أوانٍ كشف الورد ... عن الوجه اللثاما
стр. 285
أيها المصغي إلى الزه ... اد دع عنك الكلاما
فز بها من قبل أن يج ... علك الدهر عظاما
قل لمن عير أهل ال ... حب في الحب ولاما
لا عرفت الحب هيهات ... ولا ذقت الغراما
لا تلمني في غلام ... أودع القلب سقاما
فبذاك الحب كم من ... سيد أضحى غلاما
الملا فرج الله الشوشتري
أحد مفلقي شعراء العجم. الذي طلع نبت مقاله في روض البلاغة ونجم. علا في البراعة شعره. فغلا في سوق الأدب سعره. رايته بمجلس الوالد وقد جاوز السبعين وهو يهدي السحر من بيانه إلى عيون العين. وديوانه في هذا الأوان. يزاحم بعلو طبقته كيوان. وفيه كل معنى مستبدع. ولفظ هو للحسن مستقر ومستودع. ونظمه بالعربيه محرز خصل الاجاده. وسأثبت مما ساقه غيث احسانه وجاده. فمنه قوله من قصيدة مدح بها الوالد عدتها مائة وثمانية وخمسون بيتاً.
ما بين دجلة والفرات مراتع ... هي للنفوس معارج وسماء
ومنازل هي للقلوب منازل ... لا جاوزتها ديمة هطلاء
لا الجزع يسليني ولا وادي الف ... ضا عنها ولا النجّا ولا الدهناء
لا رامة رومي ولا حزوي ولا ... وادي النقا والخيف والخلصاء
سقت الغوادي روضها وفلاتها ... ورعت بمرعها مهاً وظباء
أصبو إلي سكانها طول المدا ... لم تلهنى خود ولا هيفاء
إن الأمكان تستحب لأهلها ... أعروّة وجميعهم عفراء
بهم أشبب لا بعاتكة وكم ... في مهجتي من بينهم برحاء
أسماؤهم ملأت خروق مسامعي ... لا ميّ تسكنها ولا أسماء
للناظرين على الفراق مواطن ... لهم بهن عن الجنان غناء
وبسوحهن مراتع وملاعب ... الليل فيها والنهار سواء
مستوطن الآمال غايات المنى ... للغانيات بها الغداة ثواء
يرتعن بين ضلوعنا فكأنما ... أرباعها الألباب والاحشاء
آرام أنس للنفوس أوانس ... داءٌ ولكن للعيون دواء
يصغي إليهن الجليس فينتشي ... وهناك لا خمر ولا صهباء
حل الربيع متى حللن بمنزل ... فكأنهن عوارض وحياء
وإذا ارتحلن ترى الديار كأنها ... من فقدهم سباسب قفراء
كم من مناهل للفرات وردنها ... وصدرن وهي لعودهن ظماء
لا تعجبن إن لم يفين بموعد ... إن الغواني ما لهن وفاء
سكان تلك الأرض كلهم لهم ... عندي هوى وصداقة واخاء
أن يسلبوا عني السرور ببينهم ... فلمهجتي بحديثهم سراء
فهم مناط مسآءتي ومسرتي ... وهم لقلبي شدة ورخاء
أكبادنا نار الغضا من بعدهم ... تذكي الأسى وجفوننا أنواء
الظاعنون القاطنون قلوبنا ... هم واصلين وقاطعين سواء
وإذا المحبة في الصدور تمكنت ... فقد استوى الابعاد والادناء
القتني الأيام من أرض إلى ... أرض لها أرض العراق سماء
شتان ما بيني وبين مزارهم ... هيهات أين الهند والزوراء
كيف احتيالي في الوصول إليهم ... إن الوصول إليهم لرجاء
لا تركبهن ظهر الرجاء مطية ... إن الرجاء مطية عرجاء
وكواذب الآمال لا تهدى بها ... دعها فتلك هدية عمياء
يا ساكني دار السلام عليكم ... مني السلام ورحمة ودعاء
أين العزاء وأهله وضجيعه ... روحي له ولما حواه فداء
ومن مديحها
الأحمد المحمود كل فعاله ... ما شاءه وقضى به فقضاء
ما للعقول وفوق ساحة وصفه ... قد ضلت الافهام والآراء
فله يد وله أنامل فعلها ... الانعام والاحسان والاعطاء
стр. 286
لا كالبحار تظل تجمع ماءها ... بل كالجبال يسيل عنها الماء
دار المعاني والبحار كليهما ... يوم العطاء لدى يديه هباء
خلق الأنام لقهره ونواله ... فهو الذي نشأت له الأشياء
فلسيبه وعطائه بسؤاله ... ولسبيه ولسيفه الأعداء
شرك الأفاضل في خصائص فضلهم ... وله خصائص دونها الاحصاء
إن لم أخص مشاعري بمديحه ... لا القلب ينفعني ولا الأعضاء
إن لم تسعه منازلي ومعاهدي ... فمحله بين الضلوع فضاء
مال الخلائق حيث مال كأنه ... شمس السما وكأنهم حرباء
عادت عصافيراً بذات زمانه ... وتصاغرت لجلاله الكبراء
ومنه
أنت العليّ ومن سواك أسافل ... أنت الامام وما وراك وراء
فعليك القاء الكلام على النهى ... وعلى العقول السمع والاصغاء
مروانه واملك واعط وامنح إذ ... على الأيام إلا الطوع والامضاء
قم هم وافتح وامض واعزم وانتصر ... فعلى الزمان لحكمك الاجراء
يا أيها الشهم المومل بايه ... يا من له الأحكام كيف يشاء
كنا نضاء بكل ضوءٍ فاختفت ... لما بدوت لضوءك الأضواء
حسبي سموا إن تكن بي عارفاً ... ما ضر أن ينكرني الضعفاء
الكل أنت فإن علمت طويتي ... لا ضير إن جهلتني الاجزاء
لا غرو إن لم تفصح الأيام بي ... الدهر ابن عطا وغني راء
وبذا جرى طبع الزمان وأهله ... دفن الكمال وأهله أحياء
لك في مجاري الروح ودّ كامن ... منه انبرى ذا القدح والابراء
هب لي قصوري واغفرن ذنبي فما ... أنا منه في هذا الهذاء براء
ما الجود مخصوص ببذل المقتنى ... بل منه عندي العفو والاغضاء
هذا مديح من خلوص عقيدة ... معلومة وتحية وثناءٌ
تنبيه أشار بقوله الدهر ابن عطاء وإني راء إلى واصل ابن عطا المعتزلي وذلك أنه كان الثغ قبيح اللثغة في الراء فان يخلص كلامه منها ولا يفطن بذلك حتى ضرب به المثل واستعمل الشعراء ذلك في شعرهم كثيراً فمنه قول أبي محمد الخازن من قصيدة مدح بها الصاحب بن عباد وهي قوله.
نعم تجنب لا يوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لثغة الراء
وقال آخر محبوب يلثغ بالراء
أعد لثغة لوان واصل حاضر ... ليسمعها ما أسقط الراء واصل
وقال آخر
أجعلت وصل الراء لم تنطق به ... وقطعتني حتى كأني واصل
رجع وقال أيضاً يمدح الوالد وهي من غرر القصايد
اليلة قدر أم ليالي الرغائب ... ليال قطعناها بوصل الحبايب
ليال تجلت بالوجوه وزينت ... بها لا بأقمار ولا بكواكب
وما اسمن الأنظار والقلب وامق ... إذا كان مرعاها خدود الكواعب
رأيت وما آنست نوراً كوجهها ... وطفت بقاع الأرض من كل جانب
إذا خفيت لاحت وأخفت إذا بدا ... سنا وجهها مثل النجوم الثواقب
تعرضتها شاكي السلاح أخاف من ... صوارم لحظ أو سهام صوايب
لئن أخطأت بعض القلوب سهامها ... فما كل ما يرمى السقيم بصائب
لرويتها كلي عيونٌ وكلها ... بهاءٌ وحسن لم يزين بجالب
وما جثأت نفسي لدى الصد والنوى ... ويعرف قدر المرء عند النوايب
ولا أتحاشى الموت إن كان مقتلي ... بسهم لحاظ من قسيّ الحواجب
وكيف يخاف الموت من كان هلكه ... باشباه اطراف القنا والقواضب
مسافة بين الخافقين يذكرها ... لا قرب مما بين عين وحاجب
فل أدر إذ طال السرى بحديثها ... مشيت برجلي أم مشت بي ركائبي
اراقت دمي أم لم ترقه فإنني ... وإن أتلفتني لست عنها براغب
стр. 287
لكثرة ضربي باليدين قد أنمحت ... لها أسفاً يوم الوداع رواجبي
رجعنا وما أبصارنا برواجع ... وابنا وما ألبابنا بأوائب
تراني يا سلم ابن ود لصاحب ... وصاحبة يستعذبان مشاربي
فلا أستقي إلا بحبل مساجلي ... ولا أرتوي إلا بكاس مصاحبي
وما خفت شخصاً اتقاء لشره ... ولكن لأن يلقاه شر بجانبي
وما بخلت نفسي ولا ضاقت ساعة ... بلين لسلم أبو بحزن لحارب
أجيب المنادي سائلاً أو مسايلاً ... وأعراض عمّن لا أراه مجاوبي
فمن يرتضى قربي قليلاً وصلته ... ولست لمن لم يهوه بمقارب
وتلك سجايا ليس يعرفها الورى ... سوى سيد السادات من آل غالب
نظام الورى ديناً ودنيا وحشمة ... وعلماً وراياً مرغباً للنواصب
مناقبه بين المناقب مثلة ... ومث اسمه فخر الكنى والمناقب
تزاحمت الآمال طرّاً ببابه ... في الناس إلا بين جاء وذاهب
لديه تمنى كل باد وحاضر ... إليه قصارى كل سار وسارب
مصائبنا من قربه في مصيبة ... فنحن بلقياه مصاب المصايب
مواهب رب العالمين كثيرة ... وأنت لنا منها أجل المواهب
بك اعتلت العلياء لا أنت بالعلى ... وما أنت إلا رافع للمناصب
فأنت الذي تكسى وتكسب منحة ... وما الخلق إلا بين كاس وكاسب
بغير حساب ما تنيل ومنة ... فلست بمنّان ولا بمحاسب
وأنت الذي عمت جوائزه الورى ... فما لك للاخّاذ إلا لغاصب
وأنت الذي حاز المحاسن كلها ... وجمع وجوه الحسن ليس بواجب
أيا دهر اعط القوس باريها اذن ... وراع على هذا صلاح العواقب
امام لدي الهيجا امام لدي الحجى ... مشير مجيرٌ هازم للكتائب
مصيب بضرب السيف والطعن بالقنا ... قويّ قدير عارف بالمضارب
شجاع كميٌّ لوذعي غشمشم ... يد السيف ظهر الرمح قلب المواكب
يدٌ لو رآها البحر أصبح ناضباً ... ظلمت متى شبهتها بالهواضب
بصير بأعماق الأمور مجرب ... كان جرّب الدنيا بكل التجارب
أتيتك مهتوفاً بروحي كما أتى ... نبي الهدى سلما سواد ابن قارب
وفقري إليك الدهر أغنى من الغنى ... وذلك فقر لست عنه بهارب
فلا أشتفي إلا بمدحك أن أفز ... بلفظ غريب أو بمعنى مناسب
ولم اشتغل إلا بذكرك أن أجد ... لساناً فصيحاً ناطقاً بالمطالب
فهذا مديح من خلوص عقيدة ... واخلاص ودّ لم يشب بشوائب
لزمت ذمامي إن قبلت وذمتي ... وإلا فقد ألقيت حبلي بغاربي
فلا زلت في الدنيا أماناً لخائف ... وغوثاً لملهوف وكهفاً لهارب
وبابك للاجين مأوى ومؤل ... وجودك مبذول لعاف وطاب
стр. 288
يشير بقوله. أتيتك مهتوفاً بروعي كما أتى. نبي الهدى سلماً سواد بن قارب. إلى اتيان سواد بن قارب. إلى النبي ﷺ مسلماً لما أتاه ريبة بظهوره ﵇ والخبر ما رواه أصحاب السير من حديث محمد بن كعب القرطبي قال بينما عمر ابن الخطاب ﵁ جالساً إذ مر به رجل فقيل يا أمير المؤمنين هذا سواد بن قارب الذي أتاه ريبة بظهور النبي ﷺ فقال له عمر رضي الله تعالى عنه أنت سواد بن قارب قال نعم قال أنت على ما أنت عليه من الكهانة فغضب فقال عمر ﵁ سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه فأخبرني باتيانك ريبك بظهور النبي ﷺ فقال بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل انه قد بعث وسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشا بقوله
عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس باقتابها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى ... ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قداماها كأذنابها
قلت دعني أنام فإني لست ناعياً فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت نعقل أنه قد بعث رسول من لؤي ابن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشا يقول
عجبت للجن وتخبارها ... وشدها العيس بأكوارها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... بين روابيها وأحجارها
قلت دعني أنام فإني أمسيت ناعساً فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول
عجبت للجن وتحساسها ... وشدها العيش بأحلاسها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى ... ما خيّر الجن كأنجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... وانظر بعينيك إلى رأسها
قال فرحلت ناقتي وأتيت المدينة فإذا رسول الله ﵌ وأصحابه حوله فأنشأت أقول
أتاني نجيّ بين هدو ورقدة ... ولم أك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت عن ذيلي الأنوار ووسطت ... بي الذعلب الوجناء بين السباسب
فاشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدني المرسلين وسيلة ... من الله يا ابن الآمنين الأطائب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
стр. 289
قال ففرح رسول الله ﵌ وأصحابه فرحاً شديداً فقام إليه عمر رضي الله تعالى عنه فالتزمه وقبل بين عينيه وقال كنت أشتهي أن أسمع هذا الحديث منك فهل يأتيك ريبك اليوم قال أما منذ قرأت القرآن فلا أنتهي. قال مؤلف الكتاب عفا الله عنه أعيان العجم وأفاضلهم الذين هم من أهل هذه المائة كثيرون العدد. متوفرون المدد. غير أن أكثرهم لم يتعاط نظم الشعر العربي اهتماماً بما هو أهم منه ولعل لهم ترسلاً وانشا بالعربية ولكني لم أقف عليه فلهذا لم اذكر منهم إلا من ذكرت فمن أعظم فضلائهم. وأكبر نبلائهم. الذين لم أترجم لهم في هذا الكتاب للعذر المذكور جدي الأمير محمد معصوم بن إبراهيم بن سلام الله ابن عماد الدين مسعود بن صدر الدين محمد بن غياث الدين منصور الحسيني كان يلقب سلطان الحكماء وسيد العلماء توفى ﵀ عام خمس عشرة وألف وله مصنفات جليلة منها اثبات الواجب وهو ثلاث نسخ كبير وصغير ووسط وغير ذلك ومنهم أخوه الأمير نصير الدين حسين المتوفى سنة ثلاث وعشرين وألف وكانا يشبهان بالشريفين المرتضى والرضى ﵄ ومنهم السيد تقي الدين محمد النسابه المتوفى سنة تسع عشرة وألف والمولى عبد الله بن الحسين التردي استاذ الشيخ بهاء الدين محمد المقام المذكر كان علامة زمانه من غير نزاع ولم يدانه أحد في جلالة القدر وعلو المنزلة وكثرة الورع وله مؤلفات مفيدة كشرح القواعد في الفقه وشرح العجالة والتهذيب في المنطق وغير ذلك ومنهم ابنه المولى حسن علي خلفه الصالح. وقدوة كل فالح. توفى سنة تسع وستين وألف رحمه الله تعالى ومنهم الميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الاسترابادي صاحب كتب الثلاث رجال المشهورة نزيل مكة المشرفة توفى بها لثلاث عشرة خلون من ذي القعدة الحرام سنة ثمان وعشرين وألف وله شرح آيات الأحكام ورسائل مفيدة رحمه الله تعالى ومنهم صهره المولى محمد أمين الجرجاني صاحب الفوائد المدنية جاور بمكة المشرفة وتوفى بها سنة ست وثلاثين وألف رحمه الله تعالى ومنهم السيد حسين الشهير بخليفة سلطان صهر سلطان العجم توفى سنة ست وستين وألف ومنهم المولى صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي المعروف بالملا صدر كان أعلم أهل زمانه بالحكمة متفنناً بسائر الفنون له تصانيف كثيرة عظيمة الشان في الحكمة وغيرها منها شرح الكافي في مجلدين توفى بالبصرة وهو متوجه للحج في العشر الخامس من هذه المائة رحمه الله تعالى ومنهم المولى العلامة محمد بن المرتضى الشهير بملا محسن القاشاني له كتب ومصنفات جليلة في الفقه والحديث والكلام والحكمة وهو من أهل العصر الموجودين الآن ومنهم الملا خليل بن غازي القزويني وهو من أهل العصر أيضاً له شرحان على الكافي عربي وفارسي وشرح العدة في أصول الفقه ومؤلفات أخر ومنهم الميرزا رفيع الدين الشهير بالميرزا رفيعاً كان أفضل أهل عصره توفى سنة ثمانين وألف رحمه الله تعالى وله تعليقة جليلة على الكافي وغيرها من المصنفات ومنهم الميرزا محمد هادي بن معين الدين محمد وزير فارس ابن غياث الدين الشيرازي كان فاضلاً متفنناً آية في الذكاء والأدب والمحاضرة توفى سنة إحدى وثمانين وألف رحمه الله تعالى ومنهم الأمير محمد زمان بن محمد جعفر الرضوي المشهدي كان من عظماء عصره توفى سنة إحدى وأربعين وألف ومنهم الاغا حسين الخسناري علامة هذا العصر الذي عليه المدار. وآماله الذي تخضع لمقداره الأقدار ومنهم المولى محمد باقر الخراساني أحد المجتهدين. في علوم الدين. وغيرها من فنون العلوم. وأصناف المنطوق والمفهوم. ورد مكة المشرفة عام ثلاث وستين وجاوريها سنة فتشرفت برؤيته ولم يتفق لي الأخذ عنه إلا أني حضرت مجلسه ومباحثه مراراً ثم عاد إلى العجم وهو الآن بها وخلائق آخرون بعدت عنا أرضهم وسماؤهم. فلم يبلغنا إلا أسماؤهم. هم تجوم الأرض. وشموس السنة والفرض. يعترف لسان القلم عن حصرهم بالحصر والوجوم. ومتى حصرت نجوم السماء حصرت هذه النجوم. والله أعلم.
الفصل الثاني
محاسن أهل البحرين والعراق
السيد أبو علي ماجد بن هاشم
стр. 290
بن علي بن المرتضى بن علي بن ماجد الحسيني البحراني أنا ابتدى هذا الفصل . بمن يرجع إليه الفرع والأصل. وأقدمه لنسبه الذي به تقدم. وإن كان مدح فالنسيب المقدم. هو أكبر من أن يفي بوصفه قول. وأعظم من أن يقاس بفضله طول. نسب يؤول إلى النبي. وحسب يذل له الأبي. وشرف ينطح النجوم. وكرم يفضح الغيث السجوم. وعز يقلقل الأجيال. وعزم يروع الأشبال. وعلم يخجل البخار. وخلق يفوق نسائم الأسحار. إلى ذات مقدسه. ونفس على التقوى مؤسسه. واخبات ووقار. وعفاف يرجع من التقى بأوقار. به أحيا الله الفضل بعد اندراسه. ورد غريبه إلى مسقط راسه. فجمع شمله بعد الشتات. ووصل حبله بعد البتات. شفع شرف العلم بظرف الأدب. وبعدر إلى احراز الكمال وانتدب. فملك للبيان عياناً. وهصر من فنونه أفناناً. فنظمه منظوم العقود. ونثره منثور الروض المعهود. ومما يسطر من مناقبه الفاخره. الشاهدة بفضله في الدنيا والآخره. أنه ﵀ كان قد أصابته في صغره عين. ذهبت من حواسه الشريفة بعين. فرأى ولده النبي ﵌ في منامه فقال له أن أخذ بصره فقد أعطى بصيرته ولقد صدق وبر صلى مه عليه وآله وسلم فإنه نشا بالبحرين فكان لها ثالثاً. وأصبح للفضل والعلم جارثاً ووارثاً. وولي بها القضاء. فشرف الحكم والامضاء. ثم انتقل منها إلى شيراز. فطالت به على العراق والحجاز. وتقلد بها الامامة والخطابه. ونشر حبر فضائله المستطابه. فتاهت به المنابر. وباهت به الأكابر. وفاهت بفضله السن الأقلام وأفواه المحابر. ولم يزل بها حتى أتاه اليقين. وانتقل إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. فتوفى سنة ثمان وعشرين وألف رحمه الله تعالى وهذا محل نبذة من شعره. ونفثة من بيان سحره. ولا أراني أثبت منه غير اللؤلؤ البحراني وأخبرني بعض الأصحاب أنه كان أنشأ في يوم جمعة خطبة أبدعها. وأودعها من نفائس البراعة ما أودعها. فلما ارتقى ذروة المنبر. أنسي ما كان أنشأ وحبر.
فاستأنف لوقته خطبة أخرى ... وختمها بهذه الأبيات التي كست فنون
القريض فخراً وهي قوله
ناشدتك الله إلا ما نظرت إلى ... صنيع ما ابتدا الباري وما ابتدعا
تجد صفيح سماء من زمردة ... خضراء فيها فريد الدر قد رصعا
ترى الدراري بذاتين الجناح فما ... يجدن غب السرى عيا ولا ضلعا
والأرض طاشت ولم تسكن فوقّرها ... بالراسيات التي من فوقها وضعا
فقرّ طائشها من بعد ما امتنعا ... وانحط شامخها من بعد ما ارتفعا
وأرسل الغاديات المعصرات لها ... فقهقهت ملاء ثم اكتست خلعا
هذا ونفسك لو أمّ الخبير لها ... لأرتد عنها كليل الطرف وارتدعا
وليس في العالم العلويّ من أثر ... يحير اللب إلا فيك قد جمعا
وهذه الأبيات لو كانت عن روية لا فحمت مصافع الرجال فكيف وهي عن بديهة وارتجال. وقال يحن إلى الغد ووطنه. حنين النجيب إلى عطنه.
يا ساكني جدّ خفض لا تخطفكم ... ربب المنون ولا نالتكم المحن
ولا عدا زاهرات الخصب واديكم ... ولا أغب ثراه العارض الهتن
ما الدار عندي ولو ألفيتها سكناً ... يرضاه قلبي لولا الألف والسكن
مالي بكل بلاد جئتها سكن ... ولي بكل بلاد جئتها وطن
الدهر شاطر ما بيني وبينكم ... ظلماً فكان لكم روح ولي بدن
مالي ومالك يا ورقاء لا انعطفت ... بك الغصون ولا استعلى بك الفنن
مثير شجوك اطراب صدحت بها ... ومصدر النوح منى الهم والحزن
وجيرتي لا أراهم تحت مقدرتي ... يوماً والفك تحت الكشح محتضن
هذا وكم لك من أشياء فزت بها ... عني والزمنا في عولة قرن
وقال أيضاً متغزلاً
قالت ترحلت عنا قلت طيفكم ... عندي وقلبي لديكم غير منساق
ما فرق الدهر بين اثنين قد علقت ... يمين كل من الثاني بميثاق
стр. 291
لله وقفة توديع شددت بها ... برمة من حبال الوصل أخلاقي
جزت بها حدق الحسنا من حدقي ... رمزاً واطراقاً باطراق
لا ضم صدر إلى صدر يبل صدا ... قلب ولا لي أيد فوق أعناقي
ثم انصرفت وقلبي ثم أكثره ... وقد تشبث قح الحب في الباقي
كأنما لعبت أيدي السقاة به ... إلا عقابيل لم يذهب بها الساقي
تقطعت منك أسباب الوصال سوى ... طيف على عدواء الدار طراق
وقال أيضاً وهي من غررا لقصائد
طلعت عليك المنذرات البيض ... وابيض منك الفاحم الممحوض
صرحن عندك بالنذارة بعدما ... لم يفنها الايماء والتعريض
ست مضين وأربعون نصحن لي ... ولمثلهن على التقى تحضيض
وافى المشيب مطالباً بحقوقه ... وعليّ من قبل الشباب قروض
أيقوم أقوام بمسنون الصبي ... مستوفراً ويفوتني المفروض
لا حق هذا قد نهضت به ولا ... أنا بالذي يبغي المشيب نهوض
إن الشياب هو المطار إلى الصبي ... فإذا رماه الشيب فهو مهيض
بادرته خلف الصبي إذ لاح لي ... بممارق الغورين منه وميض
فنشا وحاز السبق أذانا قارح ... جذع بمستن العذار ركوض
وأسود في نظر الكواعب منظري ... إذ سودته النائبات البيض
والليل محبوب لكل ضجيعة ... تهوي عناقك والصباح بغيض
عريت رواحل صبوتي من بعد ما ... أعيا المناخ بهن والتقريض
قد كنت أجمح في العنان فساسني ... وال يذلل مصعبي ويروض
عبث الربيع بلمتيّ وعاث في ... تلك المحاسن كلهن مقيض
هذا فما غفل عنه السيد ﵀ فإن المقيظ المشاله لا بالضاد ففي القافية أكفا وإن قصد ذلك على رأي من عده من الجناس اللفظي ولو كان في القوافي فلا يعد أكفاء ومنه قول أبي حجه
قد حرت من شوقي إليكم ... فكيف أطق مكنة بأرض
وحيث لم أحظ بالتلاقي ... فغايتي أن ألوم حظى
عاد شعر السيد رحمه الله تعالى
يا علو إن قصر الشباب فإنما ... حظى طويل في هواك عريض
جهلاً حسبت بأن عهدك بعدما ... نقض الشباب عهوده منقوض
نصل السواد ضيع حبك في الحشا ... كالشيب ليس لصبغه تعويض
ما دام طرفك لا يصح فإنما ... قلبي على الحدق المراض مريض
وقال متغزلاً
حسناء سأت صنيعاً في مثيمها ... يا ليتها شفعت حسناً باحسان
دنت إلينا وما أدنت مودتها ... فما انتفاع امرء بالباخل الداني
وقال
وقد سمع مليحاً يقرأ على القبور ويت ... لو القران بنغم الزبور
وقار لآي الذكر قد وقفت بنا ... تلاوته بين الضلالة والرشد
بلفظ يسوق الزاهدين إلى الخنا ... ومعنى يسوق العاشقين إلى هند
وقال وأجاد في الجناس ما شاء
وذي هيف ما الورد يوماً ببالغ ... مدا وجنتيه في احمرار ولا نشر
برئنا من العلياء أن سيم وصله ... علينا بما فوق النقوس ولا نشري
وقال على هذا النمط
وأحوى أطار القلب مني وما انطوى ... عليه جناحا مضرجيّ ولا نسر
عققتا العلى إن سامنا دلج السرى ... إليه إلى أحقاف قاف ولا نسري
وقال أيضاً
يعز جناب الظبي إن قسته به ... وما هو منه في سكون ولا نفر
فرتنا ظبا الاعدا أن قال قائل ... فروا كل جيب في هواه ولا يعرى
ولمؤلفه ﵀ وعفى عنه على هذا المنوال
وأهيف قد قد القلوب بلحظه ... وما هو عن حدّ سنان ولا نصل
صلتنا لظى الهيجاء إن سامنا هوى ... على حبه صلى النفوس ولا نصلي
ولمؤلفه أيضاً
ومزرٍ بضوء الشمس لم تر وجهه ... ولا ما تلته في علو ولا نبل
стр. 292
بلينا جوى إن رام منا تذللاً ... من الحب ابلاء النفوس ولا نبلي
وقال السيد المذكور يرثي خاله السيد جعفر بن عبد الرؤوف
حلت عليك معاقد الانداء ... ونحت ثراك قوافل الأنواء
وسرت على أكناف قبرك نسمة ... بلت حواشيها يد الأنداء
منها
هتفت أياديك الجسام بأعيني ... قسمحن بالبيضاء والحمراء
أنى يجازي شكر نعمتك التي ... جللتنيها قطرة من ماء
منها
بادرة سمحت بها الدنيا على ... يأس من الاحسان والاعطاء
واسترجعتها بعد ما سمحت بها ... بخلا كذلك شيمة البخلاء
منها
فلئن قصرت من الاقامة عندنا ... حتى كأنك لمحة الايماء
فلقد أقمت بنا قريباً بالعلى ... وكذا تكون إقامة الغرباء
السيد أبو محمد حسين بن حسن
بن أحمد بن سليمان الحسيني الغريفي البحراني
ذو نسب يضاهي الصبح عموده. وحسب أورق بالمكرمات عوده. وناهيك بمن ينتهي إلى النبي في الانتما. وغصن شجرة أصلها ثابت وفرعها في السما. وهو بحر علم تدفقت منه العلوم أنهارا. وبدر فضل عاد به ليل الفضايل نهاراً. شب في العلم واكتهل وهي صيب فضله واستهل. فجرى في ميدانه طلق عنانه. وجنا من رياض فتونه أزهار افتنانه. إلا أن الفقه كان أشهر علومه. وأكثر مفهومه ومعلومه. عنه تقتبس أنواره. ومنه يقتطف ثمره ونواره. وكان بالبحرين امامها الذي لا يباريه مبار. وهمامها الذي يصدق خبره الاختبار. مع سجاي تستمد منها المكارم. ومزايا تستهدي محاسنها الأكارم. وله نظم كثير ما يمده بالفخر. وكأنما يقده من الصخر. فمنه قوله رحمه الله تعالى.
قل للذي غاب فعاب الذي ... قلت وقلت النبر مني ضروس
لا تمتحنها تمتحن أنها ... دليلة قد دليت عن مروس
بل وقناتي صعدة صعبة ... تخبر أني الهبرزي الشموس
وكانت وفاته في سنة إحدى وألف رحمه الله تعالى ولما بلغ شيخه الشيخ داود ابن شافير البحراني استرجع وأنشد بديهة
هلك القصر يا حمام فغنى ... طرباً منك في أعالي الغصون
وقال الشيخ جعفر بن محمد البحراني الخطي يرثيه
جد الردى سبب الاسلام فانجد ما ... وهد شامخ دين الله فانهدما
وسام طرف العلى غمضاً وقد غربت ... شمس الضحى وحسام المجد قد ثلما
الله أكبر ما أدهاك مرزئة ... قصمت ظهر التقى والدين فانقصما
أحدثت في الدين ثلماً لو أتيح له ... عيسى ابن مريم يأسوه لما التحما
أي امرؤ يك أفجعت الأنام به ... فاستشعروا بعده التزفار والالما
كل يزير ثناياه أنامله ... حزناً عليه ويدميها له ندما
وينثرون وسلك الحزن ينظمهم ... على الخدود عقيق الدمع منسجما
لهفي وما لهفي مجد عليّ على ... مجد تفرق أشتاتاً فما التأما
لهفي على كوكب حل الثرى وعلى ... بدر تبوء بعد الأبرج الرجما
ايهٍ خليلي قوماً واسعدا دنفاً ... أصاب أحشاه رامي الحزن حين رمى
نبكي خضم علوم جف زاخره ... وغاض طاميه لما فاض والتطما
نبكي فتى لم يحل الضيم ساحته ... ولا أباح له غير الحمام حمى
ذا منظر يبصر الأعمى برؤيته ... هدى وذا منطق يستنطق البكما
لو علّم الوحش ما ينشيه من حكم ... لراحت الوحش من تعليمه علما
أو أسمع الأسد شيئاً من مواعظه ... لظلت الأسيد خوفاً تكرم الغنما
لو أنصف الدهر أفناناً وخلّده ... وكان ذلك من أفعاله كرما
ما راح حتى حشا أسماعنا درراً ... من لفظه وسقى أذهاننا حكما
كالغيث لم ينأ عن أرض ألم بنا ... حتى يغادر فيها النبت قد لجما
كأنه وضريح ضم جثته ... ذو النون يونس لما أن له التقما
يا قبره لأعداك الدهر منسجم ... من المدامع هامٍ يخجل الديما
стр. 293
السيد أبو عبد الله محمد بن عبد الله
الحسيني بن إبراهيم بن شبابه البحراني
علم العلم ومناره. ومقتبس الفضل ومستناره. فرع دوحة الشرف الناضر. المقر بسمو قدره كل مناضل ومناظر. أضآت أنوار مجده مأثراً ومناقباً. كالبدر من حيث التفت رأيته يهدي إلى عينيك نوراً ثاقباً. أما العلم فهو يجره الذي طما وزخر. وأما الأدب فهو صدره الذي سما به وفخر. أن نثر فالنثر منه في خجل. أو نظم فالثريا من استلابه عقدها في وجل. طالما استنزل الدراري بقلمه. واستخرج الدر من البحار بكلمه. فاطلعها في سماء بيانه. ونظمها في سلك عقيانه. وناهيك بمن تهابه النجوم في سمائها. وتخشاه اللآلي في دائها. وكان قد دخل الديار الهندية فاجتمع بالوالد ومدحه بمدائح نقضت عن غزل الحارث بن خالد فعرف له حقه. وقابله من الاكرام بما استوجبه واستحقه. وذكره عند مولانا السلطان بما قدم لديه. وفداً من المواهب الجليلة بين يديه. ولما قضى آماله من مطالبها ارتحل إلى الديار العجميه. وقطن بها فلقى بها تحية وسلام. وتنقل في المراتب حتى ولى مشيخة الاسلام. وهو اليوم نازل بأصبهان. ورافع من قدر الأدب ماهان. ومن نثره ما كتبه إلي من ديار العجم سنة سبعين وألف وأنهى أبهى سلام شدت بنغمات السرور أطياره. وبدت على صفحات الدهر أنواره. وأصلح دعاء تعاضدت شرائط إجابته. وترادفت وسائط إصابته. وسمت مصاعد قبوله. ونمت فوائد فروعه وأصوله. وأنفس ثناء ثنيت بالوفاء وسائده ومسائده. وبنيت علي الولاء قواعده ومقاعده وخالص اخلاص حديث خلوصه قديم. وحظ خصوصه مستقيم. يخدم به المجلس العالي. ببدر المعالي. والمحفل السامي. بالفرع النامي. سيدنا الأمجد. ومخدومنا الأنجد. شمس سماء المحامد والفضائل. وغرة سماء الأماجد والأفاضل. ديباجة صفحتي الشرف والفتوه. ونتيجة مقدمتي الولاية والنبوه. صاحب ذبول العز الشامخ. صاحب أصول المحتد الباذخ. مريع الكرم والجود. مرتع الآمال والمقصود. الذي نيطت أعمدة فضائل أحسابه الفائقه. بسلاسل أنسابه السامقه. وأصبحت كعوب أعراقه في الكرم متناسقه. وشعوب أخلاقه في الهمم متوافقه. لا زالت زوايا أشكاله عن أشكال الحصر والحد خارجه. وقضايا أحواله لنتائج السعد والجد ناتجه. ولا برح تهذيب أخلاقه كافياً في استبصار كل فقيه. ودلائل اعجاز سلسلة أعراقه الذهبية شافية في ايضاح مطول نعته النبيه. وبعد فإن المخلص المشتاق وإن حجبته ضروب الخطوب المتكانفه. وصنوف الصروف المتكاثفه. عن الاستنارة بتلك الغرة البهيه. والطلعة السنيه. لكن مناطق النطق بالثناء على اللسان مشدوده. وعقائد الولاء في الجنان معقوده. وأيدي الدعاء في المظان ممدوده. بدوام توفيقكم لاستجلاء عرائس العلوم الفائقه. واستقصاء الفنون اللائقه. سائلاً منه سبحانه أن يرفع لكم المراتب الفاخره. ويجمع المطالب في الدنيا والآخره. ويجري بأيدي عنايته أقلام أقضيته وأقداره. بنظمنا في سلك جلاس ذلك المجلس الأنيس وحضاره. هذا وإن عطفت عواطف اشفاقكم. على بلة غلة مخلصكم ومشتاقكم. برشحة من رشحات أقلامكم. في صفحة من صفحات أرقامكم. فذلك من كرم أخلاقكم لا زلتم بدولة في دائرة الارتفاع دائره. ونعمة في آفاق الاتساع سائره. ما خطبت على منابر السطور خطباء الأقلام. بالحمد والثناء والدعاء والسلام. ومن شعره قوله مادحاً الوالد وهي من فرائد القصائد
أرى علماً ما زال يخفق بالنصر ... به فوق أوج السعد تلعو يد الفخر
مضى العمر لا دنيا بلغت بها المنى ... ولا عمل أرجو به الفوز في الحشر
ولا كسب علم في القيامة نافع ... ولا ظفرت كفى بمغن من الوفر
فأصبحت بعد الدرس في الهند تاجراً ... وإن لم أفز منها بفائدة البحر
طويت دواوين الفضائل والتقى ... وصرت إلى طي الأماني والنشر
وسودت بالأوزار بيض صحائفي ... وبيضت سود الشعر في طلب الصفر
وبعت نفيس العمر والدين صفقة ... فيا ليت شعري ما الذي بهما أشرى
إذا جننى الليل البهيم تفجرت ... عليّ عيون الهم فيها إلى الفجر
تفرقت الأهواء منى فبعضها ... بشير ازدراء العلم والبعض في الفكر
стр. 294
وبالبصرة الفيحاء بعض وبعضها ... القويّ ببيت الله والركن والحجر
فما لي إلى الهند التي مذ دخلتها ... محت رسم طاعاتي سيول من الوزر
ولو أن جبرائيل رام سكونها ... لا عجزه فيها البقاء على الطهر
لئن صيد أصحاب الحجى بشباكها ... فقد تأخذ العقل المقادير بالقهر
وقد يذهب العقل المطامع ثم لا ... يعود وقد عادت لميس إلى العتر
هذا تلميح إلى المثل المشهور وهو قولهم عادت إلى عترها لميس أي رجعت إلى أصلها والعتر بكسر العين المهمله وسكون المثناة من فوق الأصل يضرب لمن رجع إلى خلق كان قد تركه وليس هو المثل بعينه حتى يعترض بأن الأمثال لا تغير. راجع
مضت في حروب الدهر غاية قوتي ... فأصبحت ذا ضعف عن الكر والفر
إلى م بأرض الهند أذهب لذتي ... ونضرة عيشي في محاولة النضر
وقد قنعت نفسي بأوبة غائب ... إلى أهله يوماً ولو بيد صفر
إذا لم تكن في الهند أصناف نعمة ... ففي هجرٍ أحظى بصنف من التمر
على أن لي فيها حماة عهدتهم ... بناة لمعالي بالمثقفة السمر
إذا ما أصاب الدهر أكناف عزهم ... رأيت لهم غارات تغلب في بكر
ولي والد فيها إذا ما رأيته ... رأيت به الخنسا تبكي على صخر
ولكني أنسيت في الهند ذكرهم ... بإحسان من يسلى عن الوالد البر
إذا ذعرتني في الزمان صروفه ... وجدت لديه الأمن من ذلك الذعر
وفي بيته في كل يوم وليلة ... أرى العيد مقروناً إلى ليلة القدر
ولا يدرك المطري نهاية مدحه ... ولو أنه قد مد من عمر النسر
وفي كل مضمار لدى كل غاية ... من الشرف المنصان لي سابق يجري
إذا ما بدت في أول الصبح نقمة ... ترى فرجاً قد جاء في آخر العصر
فقل لي أبيت اللعن أذعن مفضع ... أأصبر أم أحتاج للأوجه الغر
إذا لا علت في المجد أقدام همتي ... ولا كان شعري فيك من أنفس الشعر
وإن مشكل وافاك ثم سليته ... غنيت بقس فيك عن نظر السفر
وإني لأرجو من جميلك عزمة ... تبلغني الأوطان في مدة العمر
تقر عيوناً بالفراق سخينة ... وتبرد أكباداً أحر من الجمر
وتؤنس أطفالاً صغاراً تركتهم ... لفرقتهم ما زال دمعي كالقطر
وعيشي بهم قد كان حلواً وبعدهم ... وجدت لذيذ العيش كالعلقم المر
إذا ما راوني مقبلاً فرأيتهم ... تقول أيوم القر أم ليلة التفر
وما زلت مشتاقاً إليهم وعاجزاً ... كما اشتاق مقصوص الجناح إلى الوكر
ولكنما حسبي وجودك سالماً ... ولو أنني أصبحت في بلد قفر
فمن كان موصولاً بحبل ولائكم ... فليس بمحتاج إلى صلة البر
وقال مراجعاً الوالد ومادحاً له وقد كتب إليه بأبيات يهنيه بقدوم ولده أولها
ليهنك أيها العلم العليم ... لقا أنجل له وجه وسيم
فأجابه عنها بقوله
أسحر جاء أم در نظيم ... فمنه قد تحيرت الفهوم
كان كواكب الجوزاء غارت ... له فتناثرت منها النجوم
كلام يعجز الفصحاء نظماً ... ويسحر من بلاغته الفهيم
يكاد لحسنه لفظاً ومعنى ... يضيىء بنوره الليل البهيم
كان مصاقع البلغاء عادوا ... وعاد لبدئه العصر القديم
بأبيات غدت للشعر روحاً ... وبالأرواح تنتعش الجسوم
دقائق لو تمر على نسيم ... لمرت لا يحسّ بها النسيم
ومثل السيل وافت بانسجام ... بها يتحدر الطبع السليم
وأنت لواحد في الفضل فرد ... ولكن لا يكون له قسيم
стр. 295
زعيم بالمفاخر والمعالي ... ولكن عنده قس زعوم
له في كل مكرمة حديث ... يصححه له مجد قديم
له بنت المكارم بنت عز ... به ركن المطالب والحطيم
كان وفوده من كل قطر ... تسير إليه خط مستقيم
هو البحر المحيط وأي بحر ... سواه مرام ساحله عديم
أتاه العلم من يتبو وحيّ ... ومنه قد تفجرت العلوم
له فهم كأن الوحي يلقى ... إليه وعنده ملك كريم
له ثنيت وسادة كل علم ... ليبلغ كل ساع ما يروم
وقد جمعت له من كل نوء ... فضايل لا يحيط بها الرقوم
لاقدام الاكابر من قديم ... إلى تقبيل الدين القويم
توافق في اسمه لفظ ومعنى ... واعرب عن بناء الأصل خيم
له علمان من علم وحلم ... بلامين هنا للخلق نيم
التامة بكسر النون النعمة راجع
هو المولى ولكن عند عبد ... يسير كأنه الخل الحميم
فما ولد الزمان له ضريباً ... كان لضربه ضرب عقيم
خفيض بالمفاخر والمعالي ... ولكن جوده أبداً عميم
ولما أن دهت نوب الليالي ... وفرق جمعنا الدهر الشؤوم
وجدنا من فواضله نظاماً ... بدا فتفرقت عنا الهموم
وأصبحنا بنعمته بأمن ... ولو أن الأنام لنا خصوم
ألا يا مخرس الفصحاء عفواً ... فنظمي حول نثرك لا يحوم
ولكن المعالي والمباني ... لمن قد رام مدحك تستقيم
وتزدوج اذدواجاً ثم تأتي ... مقومة وليس لها مقيم
تروم بذكركم شرفاً عظيماً ... لعمري ذلك الشرف العظيم
لئن جاريتم في نظم شعر ... فقد تجري مع الشمس النجوم
وما مولى جرى إلا ويجري ... وراء ركابه العبد الخدوم
وكيف أطيق حمل كثير فضل ... وما بقليله شكري يقوم
وساحل شكركم أضحى بعيداً ... لمن في بحر نعمتكم يعوم
ولكن جوهر الاخلاص صاف ... وحبل الودّ أحكمه الحكيم
لكم مني بلاءٌ من وداد ... مغارسه من القلب الصميم
فلا برحت من الله الأيادي ... عليك كسعدك الباقي تدوم
ولا زالت صفاتك في البرايا ... تضوع كأنها المسك الشميم
وقال مراجعاً له أيضاً عن أبيات كتبها إليه وهذه القصيدة غاية في الانسجام
أحمد من صعد كعب أحمد ... وذروة المجد وهام السودد
بالعلم والفضل وطيب المحتد ... وهمة تدوس فوق الفرقد
السيد الندب الجواد الأوحد ... من لا يحاط وصفه بالعدد
همته مصروقة في مددي ... ولم تفارق يده قط يدي
فمن جزيل فضله المجدّد ... ولطفه بعبده محمد
بليلة بها الزمان مسعدي ... قد أسفرت صبح يوم أحد
أهداؤه العنب الذي مذاقه ... ألذ من وصل الحسان الخرد
أحلى من السكر في الطعم وإن ... تستشهد الشهد بذاك يشهد
لو قلت لم تحو الجنان مثله ... طعماً ولوناً وشذى لم تبعد
قد كاد لطفاً أن يذوب عندما ... تلمحه العين كذوب البرد
من نال شيئاً منه في زمانه ... كأنما نال حياة الأبد
كأنما الشمس إذا ما طلعت ... قد لبست من لونه المورد
ترى إذا رأيته شمس الضحى ... طالعة في كرة الزبرجد
قد جاءنا من دوحة المجد التي ... ما برحت أثمارها كالعسجد
قد بسقت أفنانها وظلها ... جلل كلاً منهم ومنجد
من سيد مكرم معظم ... مبجّل مفضل ممجد
ذي همة ونجدة أخبرنا ... كل الورى عن شرف في المحتد
стр. 296
لو شئت أن تظفر في الدهر بما ... قارب مثل مثله لم تجد
بحر خضم لا ترى ساحله ... بعلمه يقذف لا بالزبد
وواضع الفضل لمعنى مفرد ... كأنه لغيره لم يقصد
قد كثر النظر ولكني أرى ... نظماً بغير مدحه لم يحمد
قد أخذ الأخلاق عن أجداده ... نقلاً صحيحاً بحديث مسند
فكلها حميدة محمودة ... يسندها أحمد عن محمد
يسفر عن نجابة تهللت ... بوجهه الأغر عند المولد
وكل شمل للعلى مفرق ... جمعه بملله المبدد
لو صور العقل صفات قلبه ... ولم تشبه شائبات الحسد
رأيت أرواح الكمالات غدت ... سارية في ملك مجسد
كم منة في العلم قد ناظره ... فعاد عند علمه كالمبتدى
لم أر في الدهر وهوباً مادحاً ... أوسع فضلاً باللسان واليد
غير الذي قد حمدت أخلاقه ... نظام دين الله حقاً يا أحمد
وكيف أحصي من ثناء سيد ... لكل مجد في الورى مشيد
وافتخر الدهر بأن صار له ... عبداً ولكن من أقل الأعبد
وكل ذي حاج تراه مدلجاً ... يؤم بيت جوده المصمّد
قد جاد في الدهر بكل جي ... د لكنه بعرضه لم يجد
ما زلت من ألطافه أعهد ما ... ينسي غريب الدار ذكر المعهد
وكنت أخشى قبله الدهر فمذ ... خدمته أمنت صرف الأبد
أصبح في الدهر لنا مؤيداً ... كفى به والله من مؤيد
قيدني احسانه وما أرى ... للحر كالاحسان من مقيد
لمخلصيه وعلي أعدائه ... كالصارم المهند المجرد
صيرتني مجتهداً ولم أكن ... في غير مدحي لك بالمجتهد
لكن تفاءلت بقول مرشد ... والفوز مقرون بقول المرشد
وصرت في الشكر له مجتهداً ... وصار من أنعامه مقلد
وفقه الله لكل مطلب ... يرومه في دهره ومقصد
عفواً فقد قابلت دراً بحصى ... وبحر نظم شعركم بالثمد
ولي لسان طال في مدحكم ... إذ قصرت عن المجازاة يدي
واعلم بأني مذ وصلت حيكم ... ما خطر الفراق لي في خلد
لكن أرى صعب أمور دونها ... تستسهل الروح فراق الجد
لا برحت تترى عليكم نعم ... عظيمة من الاله الصمد
ممتعاً بالعز والاقبال ما ... حن إلى الوالد قلب الولد
وما سلي بفضلكم مغترب ... عن بلد الأهل وأهل البلد
وكتب إليه أيضاً أو إن سفره إلى فارس
ما كنت أحسب إن الدهر يبعدني ... عن سيد قربه في الدهر مطلوب
لكن جرى قلم التقدير من قدم ... إن الفراق على الألفين مكتوب
وكتب إليه في المعنى أيضاً
ما كنت أحسب أن الدهر يحرمني ... عن الحضور بذاك المجلس العالي
لكن جرى قلم التقدير من قدم ... أن لا يدوم نعيم قط في حالي
وكتب إليه من فارس سنة سبعين وألف
لولا مضايق أحوال وقعت بها ... لم تبق لي سيداً يوماً ولا لبدا
لما جرى بشكاة الدهر لي قلم ... ولا جمعت عليه اصبعاً أبدا
والحر ما زالت الأقدار تقحمه ... شدايد الدهر حتى يفقد الجلدا
ما زلت في موقف الاخلاص منت ... صباً وفي مجاهدة الأعداء مجتهدا
وكنت عندك في قرب ومنزلة ... فليت شعري ما بعد البعاد بدا
لا زال عمرك بالتأبيد متصلاً ... وعضد عزك بالتأييد معتضدا
ومن شعره أيضاً ما كتبه إلى ولده الآتي ذكره
بليت بدهر بالأفاضل غادر ... وأنت على علاته غير عاذر
قطعت حبال الوصل خوف خصاصة ... ولم تك في الضراء عندي بصابر
стр. 297
وبعدك عني إن سلكت طريقة ... تودي إلى رشد فليس بصابر
فإن شئت أن أرضي عليك فلا تكن ... على غير منهاج الصلاح بسائر
عسى الدهر يوماً أن يلم شتاته ... وتقطع أسباب النوى والتهاجر
وذلك موكول إلى رحم راحم ... ومنة منان وقدرة قادر
ولله تدبير وللدهر رجعة ... وللعسر تيسير بحكم المقادر
وما غلقت أبواب أمر على امرءٍ ... فصابر إلا فتحت في الأواخر
تحية مشتاق وتسليم والد ... إلى غايب بين الجوانح حاضر
وقال مضمناً
ولما أن تراءت من بعيد ... خيامكم لعين المستهام
تأجج وجده ونما جواه ... وذاب القلب من وجد الغرام
وأعظم ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنت الخيام من الخيام
وقال على طريقة أهل الحال
لعمري لقد ضل الدليل عن القصد ... وما لاح لي برق يدل على نجد
فبتّ بليل لا ينام ومهجة ... تقلب في نار من الهم والوجد
وقلت عسى أن أهتدي لسبيلها ... بنفحة طيب من عرار ومن رند
فلما أتيت الدير أبصرت راهباً ... به ثمل من خمرة الحب والود
فقلت له أين الطريق إلى الحمى ... وهل خبر من جيرة العلم الفرد
فقال وقد أعلى من القلب زفرة ... وفاضت سيول الدمع منه على الخد
لعلك يا مسكين ترجو وصالهم ... وهيهات لو أبلغت نفسك بالكد
إذا زمرة العشاق في مجلس الهوى ... نشاوى غرام من كهول ومن مرد
ألم تر إنّا من مدامة شوقهم ... سكارى ولم نبلغ إلى ذلك الحد
فكم ذهبت من مهجة في طريقهم ... وما وصلت إلا إلى غاية البعد
فقلت أأدنوا قال من كل محنة ... فقلت أأرجو قال شيئاً من الصد
ألم ترنا صرعى بدهشة حبهم ... نقلب فوق الترب خداً إلى خد
فكم طامع في حبهم مات غصة ... وقد كان يرضى بالمحال من الوعد
ابنه
السيد عبد الله بن محمد البحراني
أديب قام مقام والده وسد. ولا عجب للشبل أن يخلف الأسد. فهو نفحة ذلك الطيب وأريجه. ونهر ذلك البحر وخليجه. المنشد لسان محتده. وهل ينبت الخطي إلا وشيجه. أثمر أغصان أقلامه اليانعة بثمرات البيان. وضم هوامل الكلام لقمة النهج وغنى وراءها الحاديان. فنثره الورد ولكن في رياض النفوس لا الغروس. ونظمه العقود لكن في ترابب الطروس لا العروس. وهو أحد من خدم الوالد ومدحه. وأورى زند فكره لشكره وقدحه. ولم يزل في فيض فضله وسعته. بين خفض العيش ودعته. حتى صدرت منه هفوة بعد هفوه. كدرت منه مورد اقباله وصفوه. فلما علم سقوط منزلته لديه وعرف. ودع حضرته السامية وانصرف. ومن فوائد قصايده قوله مادحاً له دام مجده
ما ترت ليلة المزار الازارا ... هند إلا لتهتك الأستارا
أطرقتنا ولاة حين طروق ... حبذا زاير إذا النجم غارا
رق بعد الصدود عطفاً برق ... ورعى حرمة العهود فزارا
غير ما موعد ألم ولما ... ترتقب للمنام منه ازديارا
قابلتنا بطلعة قد أرتنا ... الشمس ليلاً فأوهمتنا النهارا
طفلة تخلب العقول بطرف ... وبدل تستعبد الأحرارا
دمة لو تصورت لمجوس ... تخذوها الاها وعافوا النارا
ناهد تسلب النفوس بطرف ... غنج زاده الفتور احورارا
ذات خد جنى لنا الورد غصناً ... وشتيت جلا علينا العقارا
وفم مثل خاتم من عقيق ... عمر الدر في نواحيه دارا
ولحاظ تصمي القلوب وخصر ... زاده باسط الجمال اختصارا
وإذا ما ترنح القد منها ... قلت قد هز ذابلاً خطارا
غادة لذّ لي بها هتك ستري ... في طريق الهوى وخلعي العذارا
وعجيب ممن توغل أمراً ... في الهوى أن يروم منه استتارا
стр. 298
أيسر الهوى وشان دموع ... الصب بالصب تظهر الاستارا
والذي عقله غدا بيد الغيد ... أسيراً لا يستبد اختيارا
كيف أرجو من الخطوب خلاصاً ... بعد ما انشبت بي الأظفارا
أرهفت إذ عدت علي نصالاً ... ليس ينبو فرندها وشفارا
قصدت أن تسومني الخسف ظلماً ... والسري الابيّ يا بي الصغارا
ما درت أنني رفعت مقاماً ... بحمى أحمد وزدت اعتبارا
وهو أسمى في رتبة المجد من أن ... يدرك الضيم لمحة منه جارا
سيد ساد في البرية نبلاً ... وزكى عنصراً وطاب نجارا
ماجد نال رتبة في المعالي ... لم ينلها من قبل كسرى ودارا
أريحيّ إذا أراح لنيل ... أرسلت سحب راحته الأمطارا
وهي طويلة جداً فلنقتصر منها على هذا القدر وقال يمدحه ويصف جوداً حمله عليه
لأي آلائكم أشكر ... وأي نعمائكم أذكر
وأي صنيع لكم يحتوي ... أقله من حمدي إلا كثر
وأي اكرامكم انتمى ... به إلى العلياء أو أفخر
وأي أعلام جميل به ... أعلام مدحي لكم تنشر
إني على حد أياديكم ... العظام لا أقوى ولا أقدر
أربت على عد الحصى فهي لا ... تحصى لمن حد ولا تحصر
أوليتم المملوك منكم يداً ... لم يولها الفضل ولا جعفر
بيضاء طوبي عن مدى فضلها ... طايل شكري أبداً يقصر
وكم وكم من صلة عايد ... إليّ منها لطفكم بيدر
من بعضها الجابل في حلبة ... الثناء مني الأجود الأشقر
أحجل يعبوب له غرة ... تهزأ بالصبح إذا يسفر
طلق يمين فيه باليمن قد ... تطابق المخبر والمنظر
مطهم أقود رحب المطا ... فعم طويل باعه طمر
مقلد نهد سليم الشظا ... مؤدب ما راعه محضر
أطوع للفارس من نعله ... عاداته بالسبق لا تنكر
طرف يراه الطرف في ركضه ... خاطف يرق لم يكد يبصر
يغادر الريح إذا ما جرى ... حسرى بأذيال السفا تعثر
جواد خيل جاد فيه لنا ... خير جواد في الورى يذكر
السيد الندب النبيه الذي ... ألقى له اقليده المفخر
العالم الحبر الذي لم تزل ... مجالس العلم به تحبر
الفاضل الصدر النقاب الذي ... يكاد غما لم يكن يجبر
أزهر في الاشراق أخلاقه ... يغار منها القمر الأزهر
أشم في الفضل أحاديثه ... يسندها للأصغر الأكبر
أغر طلاع الثنايا فتى ... عن شأوه كل فتى مقصر
سميدع أطمح أنظاره ... إلى سوى العلياء لا تنظر
نديّ راح راح يجتاحها ... عند العروض العارض الممطر
بحر خضم في الندى قازف ... تغرق في تياره الأبحر
مملك في السلم يزهى به ... السرير والكرسي والمنبر
وفي مشار النقع يزهي به الا ... شهب والأبيض والأسمر
غضنفر يروي المواضي إذا ... شب من الحرب اللظي المسعر
من ذكره في كل اكرومة ... يطرب ما لا يطرب المزهر
من لفظه ودّ ومن علمه ... بحر ومن أعرافه عنبر
إن نظام الدين شمس به ... أضاءت الأكوان والأعصر
بلغه الله من سؤل ما ... يظهره الدوما وما يظهر
وزاده من زائد العمر ما ... طالت به الأعوام والأشهر
يا أيتها المولى الذي فضله ... عن حد أوهام الورى يكبر
لا غرو إن أطلق في فض ... لك الأكبر من مملوكك الأصغر
стр. 299
فشكركم فرض على مخلص ... في برد نعمائكم يخطر
وقال يمدحه أيضاً
أغار في تيهه وأنجد ... فصوب الفكر بي واصعد
وجد في مطلب التجني ... فجد حبل الوداد بالصد
أتيت أشكو إليه وجدي ... فصد كبراً وصعر الخد
سما به عجبه فأضحى ... يضن عند السلام بالرد
ظبي بديع الجمال أحوى ... أغن حلو الدلال أغيد
مهفهف تخضع العوالي ... إذا تثنى ورنح القد
مجازب ردفه لخصر ... ورق فخفنا عليه من قد
ذو مبسم بالرضا حال ... من حوله اللؤلؤ المنضد
كم بات يروي لنا قديم ال ... حديث نقلاً عن المبرد
فنال منا المدام مم ... اقد لم تنله مدام صرخد
بدر تغار النجوم منه ... إذا سنا وجهه توقد
نضا على المستهام عضباً ... من جفنه اذرنا وجرد
متى يقل ها له مثيراً ... على معنى به فقد قد
أحل قتل الأنام عمداً ... ولا قصاصاً يرى ولا حد
لا رسم لفظ يبين معنى ... جماله مجملاً ولا حد
ما هلّ يوماً لعاشقيه ... إلا وخروا لديه سجد
كل عميد به عميد ... وكل مولى له معبد
أطلق حبي له فأمسى ... قلبي به واجباً مقيد
هويته عامداً لمعنى ... منه أتى بالجمال مفرد
ولست أبغي به بديلاً ... وإن تجافى قلب وإن صد
ما زلت شوقاً إليه أصبو ... وعهد ودي له يجدد
كما صبا للندى ارتياحاً ... سيدنا ابن النبي أحمد
أرفع من ترفع المعالي ... طراً إلى مجده وتسند
وخير من بالندى إليه ... أعنق مسترقد واسأد
أشجع منه أمست ظبآه ... لها رقاب الأسود معمد
سما به مجده إلى أن ... انشاء نحو المساء يصعد
نماه في سودد وفضل ... ورفعة أمجد لأمجد
كم جمعت للكرام شملاً ... يد له مالها مبدد
وكم أقالت عثار قيل ... أطاحه دهره وأقعد
زناده للسماح وار ... إذا زناد الكرام أصلد
كم رد نحو الديار شخصاً ... أشخصه فقره وأبعد
يجر ذيل الغني اختيالاً ... بكشر نعماءه ويحمد
العالم العامل المسدد ... الفاضل الكامل المؤيد
ما زال احسانه إلينا ... تفضلاً وأصلاً مردد
أكثر حسادنا وأكمد ... عائد معروفه المجدد
أصبحت من جوده وجيدي ... بفضل آلائه مقلد
ضاعف لي لطفه مزيداً ... فصار رقي له مجرد
لست له محصياً ثناءً ... عمري ولو أنني مخلد
أبا عليّ فداك نفسي ... وما حوته يداي من يد
أنت الذي لم نجد سواه ... إذا رمانا الزمان مقصد
وهاكها يا أجل مولى ... وسيداً بالعلى تفرد
عذراء راقت لها معان ... ألفاظها فاقت الزبرجد
قلدها مدحكم عقوداً ... يفخر منها بها المقلد
تهز رب الندا ارتياحاً ... إذا اغتدت بالنداء تنشد
من مخلص ينتمي ولاء ... ورامق بالدعاء قد مد
وابق بقاء الدهور ما إن ... أضاء بدر ولاح فرقد
وقال يعتذر إليه ويتنصل. ويتقرب إلى رضاه ويتوصل. ولم يتفق له انشادها إياه
أيا با يا أبا يحيى أيا با ... فقابل بالتجاوز من انابا
ولا تبعد من الغفران رقاً ... أقر بذنبه عمداً وتابا
نخالك داخلاً للصفح بيتاً ... وامك قارعاً للعفو بابا
стр. 300
تنصف من ذنوب مرقبات ... عظام لا يطيق لها عذابا
وأمل من نداك جميل ستر ... لجرم ليس يحصيه كتابا
ولم يك ما أتاه سلمت عمداً ... ولكن سابق الخطأ الصوابا
وليس عن المقدر من مفر ... إليه يرى أخو حزم ذهابا
ويحسن عفو مقتدر لجان ... خصوصاً أن تنصل واستنابا
ومثلك من عفا عن حوب عبد ... وإن جلت جنايته اكتسابا
ورب جريرة جرت لقتل ... فعاد عقاب فاعلها ثوابا
وإني إن جنيت لديك ذنباً ... فقد أعددت فضلك لي مثابا
فرفقاً يا أبا الاحسان رفقاً ... فأنت أجل مدعواً أجابا
فقدني ما لقيت نوى وحبي ... من الابعاد ما وافا عقابا
وأنت الناس أن تغضب علينا ... رأينا الناس قاطبة غضابا
واقسم لو غضبت على جبال ... لأضحت من مخافتها ترابا
ولو أوعدت ماء البحر زجراً ... لامست من مهابته سرابا
ولو رمت استوا فعال دهر ... لما استعن انعكاساً وانقلابا
أمنت مكايد الأيام لما ... خدمت على الولاء لكم جنابا
وبت من الطوارق رب أمن ... منيعاً لا مخاف ولا مهابا
وكيف أخاف سطوة أسد دهر ... وما طرقت لعز حماك غابا
وكنت متى رميت بسهم أمر ... وإن أبعدت في المرمي أصابا
ومن خدم الملوك غدا مطاعاً ... ملبى نحو دعوته مجابا
وراح يجر للراحات ذيلاً ... ويجتلب السعادات اجتلابا
وإني أيها المولى لرق ... قديم في قديم الرق شابا
وما استنشي لغيرك عرف عرف ... ولا لسوى أياديك استصابا
وقد جربته فخبرت منه ... عقايل مخلص لن تسترابا
منها
قصدت إليك من بلد بعيد ... وباعدت المنازل والرحابا
وجانبت الأقارب والأهالي ... وخليت الأخلة والصحابا
وغادرت الأحبة من فراق ... مواصلة بكاء وانتحابا
لاولي عن فواضلكم نصيباً ... وأعطي من فواضلكم نصاباً
واجمع بين اثراءٍ وعز ... وأسرع نحو مثواي انقلابا
وأسند من فضايلكم حديثاً ... يخال حديثه المصغى شرابا
وأنشد مطرباً في كل ناد ... قريض مديح عرفك مستطابا
وأقضى للعلى قبلي حقوقاً ... لبست بمطلها عاراً وعابا
ولولا ما عهدت لكم قديماً ... من البر الذي ملك الرقابا
لما واصلت بعد القطع هنداً ... ولا قاطعت سلمى والربابا
ولا استعذبت من بحر أجاجاً ... ولا استبررت من بر ببابا
ولا أثقلت لي في الهند ظهراً ... يسرب لا أطيق به انسرابا
ولم أترك أباً شيخاً كبيراً ... يسقي صاب هجريه مصابا
له بولايكم عهد وثيق ... صميم لن يحل ولن يشابا
وما حظ ألاقي ببال عند ... وإن أولاه مولاه اجتنابا
ولكن حادثات الدهر تجري ... بقلب مراد أغلبنا غلابا
وتعكس مستقيم الرأي منا ... وتجعل صدق تقوانا كذابا
وتولى الحر اعراضاً وهجراً ... وتسلب حال من شرف اغتصابا
ولم تضل الأفاضل من قديم ... تلقى من صوارمها ضرابا
وكنت لديك في قرب وعز ... ومنزلة بها طلت الهضابا
ونعمة مترف لم أحص منها ... قليلاً لو أطقت لها حسابا
ولم تنح الخصاصة لي بباب ... ولا قضبت إلى ربعي ركابا
فلم يزل الزمان لسوء طبع ... يحاول بزة الحال استلابا
ومنها
وخدمتكم لنا شرف وعز ... ومرتبة بها العيش استطابا
ونفخر أن نكون جوار جار ... لرقتكم لنرجي أو نهابا
стр. 301
وكم من سيد ندب تمنى ... يكون لسرج عبدكم ركابا
وذي تاج يفاخر لو يداني ... لارفع عيسكم نسباً قرابا
وأنت أجل من يدعي لجلي ... وأزكى من زكى أصلاً وطابا
وهز إلى المكارم منه عطفاً ... وثار لكسب منقبة وثابا
وسار جميله في كل قطر ... وشاهد فضله من كان غابا
وليس لآل طه من مجير ... سواك إذا سطا زمن ونابا
ويأخذ ثارهم من كل باغ ... ويسكن من مروعهم اضطرابا
ومثلك من ينيل بلا سؤال ... ويرغب في الثواب إذا أنابا
ويصطفد الحوامل والمتالي ... وينتهب المسوّمة العرابا
ويبتدر الوفود بحسن قول ... وجود يخجل القطر الربابا
وعز لو حوته الأرض أضحت ... تباهي في معاليها السحابا
وتلك فضيلة لك من قديم ... خصصت بها اصطفآءً وانتخابا
سلكت بها سبيل أب كريم ... بدا بسماء كل علا شهابا
وجدد للمآثر شاد بيتاً ... أجد لكل قصد مستجابا
وأنت الشمس منزلة وصيتا ... وذو الأشبال قهرا واحترابا
ألا يا أغزر الفضلاء علماً ... وأطهر كل ذي تقوى ثيابا
وارحب كل ذي عز جنابا ... وأضرب كل من ضرب القبابا
أقلتي عثرة قد كدت أقضي ... بها أسفاً وهبنيها مثابا
وهب لي زلة قد نغصتني ... على وجل طعامي والشرابا
ولا تلزم ذنوب الدهر قنا ... أناب إليك ملتجاه وآبا
وعد بالبر إحساناً لمن قد ... تعود وصل عائدك احتسابا
وسرّ بعز قرب منك عبداً ... يؤمل من جميلك أن يثابا
وأصلح فاسد الأحوال منه ... وأبدله من الخفض انتصابا
وحز بجميل فضلك منه شكراً ... يفوق المسك نشراً وانتسابا
وعبدك عاجز كلٌّ ضعيف ... أسير سامه الزمن اغترابا
وخذها أيها المولى فتاة ... نضت مقلة لسيدها النقابا
بنية ساعة من طبع رق ... ترق إذا سمعت لها خطابا
بها الجوزاء قد علقت نطاقا ... كذا الكف الخضيب صبا خضابا
ولو بلغت معاصرة جريراً ... لهز العطف منه بها اعتجابا
صبت شوقاً لعز حضور مولى ... وسارت وهي تنجذب انجذابا
وجدّ بها إلى لقياه وجد ... أجدّ لنار صبوتها التهابا
تمادى الوقت فيها عن زفاف ... فأبدت ضيقة العنس اكتئابا
وخافت أن يشيب لها قذال ... ولم تسعد بحضرته كعابا
أتتك تجر مطرقها حياء ... وتسيل فضل بردئها حجابا
لتنشق طيب أخلاق غوال ... إليها كل غالية تصابى
وتسال منك للعاني فكاكاً ... وتأمل منك للجاني مثابا
وتلتبس القبول له مآلا ... وتقتبس الوصول له مآبا
فلا يرجع لها مولى سوالاً ... فترجع مثل من أكدى وخابا
ودم لا زال جدك ذا سمو ... وغيث نداك ينصبّ انصباب
ولا برحت ربوعك عامرات ... تناخ به أمانينا خصابا
ولا فتئت جواري الوفد تجري ... إليك لتستثيب وتستثابا
وقال يمدح الميرزا محمد طاهر كاتب الوقائع لسلطان العجم
أوجهك أم برق تالق أم بدر ... ولفظك أم در تناثر أم سحر
وقدك أم غصن يرنحه الصبا ... وردفك أم موج به قذف البحر
وفتانة العينين عذّرته الهوى ... فمال لمعنى لا يهيم بها عذر
تبسم عن ثغر كان رضابه ... إذا زين ماء المزن شيب به الخمر
بنفسي من زارتني ليلاً بهمة ... يسايرها من صبح طلعتها فجر
فقالت سلام قلت أهلاً ومرحباً ... بمن زار غياً بعدما نفد الصبر
стр. 302
وباتت لنا حتى الصباح نديمة ... إذا ما طواها السكر ضاع لها نشر
تدير علينا من كؤوس حديثها ... عتيق سلاف راح يسنده الثغر
كما أسندت في العلم والحلم والتقى ... أحاديث من ثمه ثم له الشكر
أمير به غصن المكارم يانع ... نضير وضوح المجد منه له زهر
كريم بنا للجود بيتاً مصمداً ... رفيعاً له في كل زاوية فخر
فتى زاد كل الخلق رأياً وحكمة ... وأعزب حتى قيل فيه هو الدهر
فتا أمره بالفضل والبذل والندى ... فسار له في كل قافلة ذكر
تراه الورى شفعاً لصحبته النهي ... ولكنه ما بين أهل النهي وتر
فاقسم لو أن شاء مطرٍ مديحه ... وساعده في ذلك النظم والنثر
لما بلغوا معشار عشر صفاته ... ولو فنيت فيه القراطيس والحبر
إليك أبيت اللعن سارت ركائب ... وجاء لحاديها بحيها لها زجر
تكاد من الشوق العظيم إليكم ... تطير بنا شوقاً وأنّى لها الصبر
ولاحت لها من أصبهان بوارق ... توقد منها بين أخفافها جمر
فلو لم نعوّذها بنصف لا حرف ... من اسمكم ما ذل منها لنا ظهر
سوى نظمنا الاخلاص في سلك خدمة ... يقوم بنا يوماً إذا قعد الدهر
السيد ناصر بن سليمان
القاروني البحراني
هو من قوم لم يجنح المجد عن خطتهم إلى التخطي. وفيهم يقول شاعر البحرين جعفر بن محمد الخطي.
آل قارون لا كبا بكم الدهر ... ولا زلتم رؤوس الرؤوس
وهذا السيد ناصر عزهم. وناشر بزهم. وصفوة مجدهم. وبؤة مجدهم. وفرقد سمائهم. وأوحد عظمائهم. وراس رؤسهم. وباسق غروسهم. الخطيب الشاعر. الرحيب المشاعر. نثر فأكثر. ونظم فأعظم. وصاب فأصاب. وجاد فأجاد. وقضى وشرع. ونضا وأشرع. ففرع وفنن. وبرع وتفنن. فنظمه وشح الزمان. ونثره نجح الأمان. يفضل زهر المروج. بل يفضح زهر البروج. ويفوق سجع الحمام. بل يخجل سفح الغمام وقد أثبت من كلامه. وزهرات أقلامه. ما تنافح به القمارى. وتصادح به القماري. أخبرنا شيخنا العلامة جعفر بن كمال الدين البحراني. قال كنت ذات يوم جالساً في مسجد السدرة أحد مساجد القرية المعمورة المسماة بحد حفص أحد قرى البحرين وهو مدرسة العلم. ومجمع أولي الفضل والحلم. وكان عميد البلاد وكبيرها. وقاضيها القايم به تدبيرها. السيد حسين ابن عبد الرؤوف جالساً في ذلك المجلس وإلى جنبه السيد ناصر المذكور. وأحد المدرسين يقري كتاب القواعد المشهور. فجاء ابن أخ السيد حسين المشار إليه نافحاً كمه. وزحزح السيد ناصر عن مكانه وجلس بجنب عمه. فغضب السيد ناصر وعتب. وتناول القلم مسرعاً وكتب. لا تعجبن من تقدم ذي البنان الخاضب. على ذي البيان الخاطب. وذي الطرف الفتون. على ذي الظرف والفنون. وذي الجسم الفاصل. على ذي الجسم الفاضل. وذي الطول. على ذي الطول. فإن الزمان طبع على هذه الشيمة. منذ كان في المشيمه. وكتب ناصر بن سليمان البحراني. ورمى بالبطاقة وقام. وأقام على المعنى من بلاء ما أقام. وأنشدني شيخنا المذكور للسيد ناصر هذا
أيا من يغالي في القريب ويشتري ... قرابة انسان بألف أباعد
تعال فإني ليتني لا قريب لي ... أبيعك منهم كل ألف بواحدٍ
وأنشدني أيضاً قال ونظم هذه الأبيات وهو في السفينة وقد عصفت بهم الريح وأشرفوا على الغرق فقال
خليلي لو ذقت النبا قبل هذه ... وحدثني عنها الصديق المصدق
لعمركما لم أرتحل قيد اصبع ... ولو كنت أحيى بالرحيل وأرزق
فلا تسلا عني فإني ميت ... بلا مرية والملتقى يوم تخلق
فإن عشت حياً ثم عدت لمثلها ... فإني أخو الخرقا بل أنا أخرق
وأنشدني له أيضاً
ألا رب ليل بت غير مدثر ... على خفر فيه وغير موسد
تسامرني فيه البعوض وكاسها ... معتق جسمي لا معتق صرخد
وأنشدني له من مرثية المرحوم نجم بن علي بن حوز الساري البحراني أولها
стр. 303
بالبحر بحر من السماحة غارا ... بعد ما مد فيضه الأنهارا
وقليب من المروة طام ... غاض صافي زلاله فانهارا
طعن اللوم في المروة طعناً ... أنهر الدهر فتقها أنهارا
ولنجم هدى ولم يك قدماً ... يخلق الدهر نؤه الأمطارا
أيها النايمون والدهر يقظا ... ن أصاحون أنتم أم سكارى
طالما نمتم فهبوا من النو ... م فداعي المنون يدعو جهارا
هو داع إذا أهاب بمن في ... رأس نشوة أطار الخمارا
هو داع يجيبه من دعاه ... كارهاً للقاء أو مختارا
هو ذا منزل الملوك برغم ... لرغام من الصياصي اقتسارا
هو هذا مكسر عظم كسرى ... ومدير رحي المنون بدارا
وانتهازاً لفرصة ليس تبقى ... قبل أن تسلبوا عليها الخيارا
وهدايا هدية سبل المجد ... وقد ضلها اللئيم وجارا
وصلات به وصلن المعالي ... رافعات لربهن منارا
وعطايا بغير منّ ونذر ... عم فيها الورى وحصن نزارا
كان برّاً بهم رؤوفاً رحيماً ... عرّف الحق قادراً مختارا
خطب الناس كلم منه صهراً ... فأبى غيرهم له أصهارا
وارتضاهم ليرتضى الله عنه ... يوم يلقى أباهم المختارا
فلذا أنتجت مساعيه منهم ... صالحات وسادة أبرارا
وأنشدني له قال وكتبها على قبر السيد حسين بن عبد الرؤوف البحراني
الحكم والامضاء والأمر ... والحلم والاغضاء والصبر
فيك اجتمعن وإن واحدة ... منها يحق بها لك الفخر
وقال يهجو بعض أهل بلده
يا ليتنا بنصر من سآنا ... وألبس العالم بهتانه
تاجاً من الليف على رأسه ... وجبة من شعر العانه
السيد عبد الرضا بن عبد الصمد
الولي البحراني
الرضي المرتضى. والحسام المنتضى الصحيح النسب. الصريح الحسب. مجمع البحرين بحر العلم وبحر العمل. ومقلد النحرين. نحر الأدب ونحر الأمل. ثنى إلى الفضل أزمة رحاله. فأصبح في الأفاضل علماً فرداً. وأنشد لسان حاله.
ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا
إلى أدب مستفاض. وبيان وساع فضفاض. ومع ذلك فطبقة شعره وسطى. وإن مد له من مديد القول بسطا. وقد وقفت على ما لم يهز الاستحسان منه لا كثره عطفه. ولا كساء الاحسان رقته ولطفه. فمما اخترته من مطلع قصيدة
بان يسقيني من الثغر مداماً ... ذو بهاء يخجل البدر التماما
حلل الوصل وقد كان يرى ... وصل من يشتاقه شيئاً حراما
ويرى سفك دم العشاق فرضاً ... في هواه ويموتون غراما
جاءني في حلة من سندس ... ثمل الأعطاف سكراً يترامى
فاعترتني دهشة من حسنه ... حين أرخى لي عن الوجه اللثاما
منها
ليلة كانت كابهام القطا ... أو كرجع الطرف قصراً وانصراما
حين كان العيش غضاً والصبى ... مجمع اللذات والدهر غلاما
يا حماماً ناح في ايكته ... صادحاً ما كنت لي الا جماما
تندب الألف ولا تذرف دمعاً ... ودموعي تشبه الغيث انسجاما
ومنها
أيها الريح إذا ما جئت سلعاً ... فاقرعني ذلك الحي السلاما
جيرة إن بعدوا عني فهم ... في فؤادي ضربوا تلك الخياما
يا أهي المنحنى في الحب جرتم ... ومنعتم جفن عيني أن يناما
وأسرتم في حبال الشوق قلبي ... وتجنيتم فلم ترعوا ذماما
إن عدلتم عن ودادي إن لي ... بالنبيّ المصطفى الهادي اعتصاما
وقوله في مناجاة له وهي قصيدة هذا منتقاها
على الورى لك فضل ... وجودك الغمر جزل
لسان كل ثناء ... أي المحامد يتلو
стр. 304
عليك يا رب نثنى ... بما له أنت أهل
إنىّ نوفيك شكراً ... وقد عرا الكل كل
يا من تقدس شاناً ... عن أن يدانيه مثل
وكنهه ليس فيه ... لزائد الفكر دخل
أرادك العقل علماً ... فعافه عنه جهل
وتاه سكراً وأنى ... له إلى ذاك سبل
ولا يحدّك جنس ... ولا يساويك فصل
ولا يحلك شيء ... ولا حواك محل
طوبى لمن حاز قرباً ... وناله منك وصل
وأنفق العمر فيما ... له به الشأن يعلو
قوم لهم بك شغل ... ولا لهم عنك شغل
وقد أديرت عليهم ... خمر الوصال فضلوا
باب الرضا لازموه ... طوعاً فعزوا وجلوا
وطاولوا السبع فخراً ... وفي ذرى العز حلوا
يا ليتني كنت معهم ... فأين حلوا أحل
يا رب إن جل ذنبي ... فالعفو منك أجل
وإن غفران حوبي ... عليك يا رب سهل
عبد الرضى منك يرجو ... رضاك وهو الأفل
إن لم يصبني وبل ... من الرضاء فطل
وقوله وكتبها على قبر السيد حسين بن عبد الرؤف
طل على الناس أيها القبر فخراً ... واسم شاناً على جميع البقاع
إن من حل في ثراك مقيماً ... كان فخر الزمان بالاجماع
أخوه
لسيد أحمد بن عبد الصمد
البحراني
هو للعلم علم. وللفضل ركن ومستلم. مديد في الأدب باعه. جليد كريم خيمه وطباعه. خلد في صفحات الدهر محاسن آثاره. وقلد جيد الزمن قلامة نظامه ونثاره. فهو إذا قال صال. وعنت لشبا لسانه النصال. ولا يحضرني من شعره غير ما أنشدنيه له شيخنا العلامة جعفر بن كمال الدين البحراني
لا بلغتني إلى العلياء معرفتي ... ولا ادّعتني العلى يوماً لها ولدا
إن لم أسرّ على الأعداء مشربهم ... مرارة ليس يحلو بعدها أبداً
السيد علوي بن إسماعيل
البحراني
فاضل في النسب والأدب معرق. وكامل تهدل فرع مجده وأعرق. وهو اليوم شاعر هجر. ومنطيقها الذي واصله المنطق الفصل وما هجر. يفسح للبيان مجالاً. ويوضح منه غرراً وأحجالاً. ويطلع في آفاقه بدوراً وشموساً. ويروض من صعابه جموحاً وشموساً. ويشتار من جناه عسلاً. ويهز من قناه أسلاً. ومعظم شعره فائق مستجاد. فمنه قوله في الغزل وقد أجاد
بنفسي أفدي وقلّ الفدا ... غزالاً بوادي النقا أغيدا
مليحاً إذا نض عن وجهه ... نقاب الحيا خلت بدراً بدا
غزالاً ولكن إذا ما نصب ... ت شراكاً لاصطاده استأسدا
سقيم اللواحظ مكحولها ... ولم يعرف الميل والاثمدا
رشيق القوام إذا هزه ... رأيت الغصون له سجدا
له ريقة طعمها السكري ... يجلى الصداء ويروى الصدا
ولحظ كعضب ولكنه ... يشق القلوب وما جردا
تفرد بالحسن دون الملا ... فسبحان مولى له أفردا
ناىء بعد فهو لغيري ولي ... قريب المزار بعيد المدا
رعى الله أيامنا الماضيات ... وعيش الغناء بها أرغدا
وصبّ على ترب تلك الربوع ... متعنجراً مبرقاً مرعداً
فكم قد أقمنا به لم نخف ... عدواً ولم نرتقب حسدا
إلى حيث أحنت صروف الزمان ... وشمل الوصال بها بددا
وأضحت قفاراً وليس به ... ن مقيم من الجمع إلا الصدا
إذا قلت أين حبيبي غدا ... يجيب باين حبيبي غدا
وقوله أيضاً
أشيم البرق وهو عليّ شوم ... ويثنيني له الشغف القديم
واصبر للهوى العذريّ ما إن ... شدى القمريّ أو هب النسيم
رعاك الله يا قمريّ نجد ... تنوح فلا تنام ولا تنيم
أرقت ولا كما أرق النسيم ... قلقت ولا كما قلق السقيم
стр. 305
وكابدت الأسى والحزن أذلاً ... أخ يدري بذاك ولا حميم
زعمت بأن وجدك فوق وجدي ... وذاك لأنني صب كتوم
أعرض أن بكيت بذكر حزوي ... ولا حزوى عنيت ولا الغميم
ولولا المنجدون لما شجتني ... طلول بالغوير ولا رسوم
ألا يا منجدون ولم يعودوا ... لقد أبطأتم فمتى القدوم
وله أيضاً
وليلة باتت براغيثها ... ترقص إذ غنى لها البق
فكدت من همي وأفراحها ... أنشق لولا الصبح ينشق
السيد عبد الله بن السيد حسين
البحراني
أديب يبين أفراد الأعيان. الممثلين فرايد البيان للعيان. ينظم شعراً جزلاً. فيجيد جداً وهزلاً. ويزيل به عن المسامع أزلاً. ونثره أحسن مغنى وأتقن لفظاً ومعنى. وقد صحبني سنيناً. وما زلت بفراقه ضنيناً. حتى فرق الدهر بيننا. فمن نظمه ونثره ما كتبه إلي.
فخر العلى بحر المكارم لم تزل ... بكم المعالي تستطيل علاء
طوقتني طوق السرور فهاك من ... جيد تطوّق بالسرور ثناء
فمتى أقوم بشكر برك سيدي ... والنذر لا أسطيعه احصاء
ويود مني كل عضوانه ... يمسى ويصبح ناطقاً ثنّاء
عبداً ملكتم سامحوه تفضلاً ... إذ كنتم السمحاء والفضلاء
نجل ساحة رافع قواعدها ساطع آيات الكمال. ونقبل راحة جامع فوايدها بالغ آيات الفضيلة والافضال. من نيط بهمته الرفيعة نياط النجوم. فمتى يشاكل أو يماثل. وميط بعزمته المنيعة بساط الهموم. فمتى يساحل أو يساجل. الحايز قصبات السبق فلا يدرك ثناؤه. وإن أرخى العنان. الفايز بوصلات الحق فاستنارت أراؤه. بشموس التبيان. المحدد لجهات مكارم الأخلاق. المجدد لسمات المفاخر على الاطلاق. الحاوي لعلوم آبائه الأكابر وراثة كابر عن كابر. برج سعادة الاقبال. أوج سعادة الأقيال. مطلع شمس العلوم والمعارف. مجمع بحري الحلوم والعوارف. من أوقفت نفسي بأعتابه موقف الارقاء. فارتقيت عن حضيض الامتهان غاية الارتقاء. كيف لا وهي كهف اللائذ. ورقيم القائذ. وصفا الصفا. ومروة المروة والوفا. وعرفات العرفان. ومنى المنى ومظنة الاحسان. لا زالت منهلاً للواردين. ولا برحت مؤملاً للقاصدين. حميد الذمار. أبية الوصم والعار. ولا فتئت كعبتها معمورة ومحروسة. وندوة أنديتها بالفيض مغمورة ومأنوسه. بمنه وإحسانه. وكرمه وامتنانه. ومن شعره قوله في النسيب
أتت تحمل الابريق شمس الضحى وهناً ... ولو سمحت بالريق كان لها أهنى
حكاها قضيب الخيزران لأنه ... يشاركها في الاسم والوصف والمعنى
ترينا الضحى والليل ساج وما الضحى ... وتلعتها من نور طلعته أسنى
مهفهفة الأعطاف حور وخلتها ... من الحور إلا أن مقلتها وسنى
لها كفل كالدعص ملء ازارها ... وقدّ إذا ماست به تخجل الغصنا
عليها برود الأرجوان كأنها ... شقايق أو من وجنتيها غدت تجنى
ولا عيب فيها غير أن مليكها ... براها بخلق يعقب الحسن بالحسنى
تقوم تعاطينا سلافة ثغرها ... على وجل نلنا به المن والأمنا
هي الروح والريحان والراح والمنى ... عليها بها معطي المواهب قد منّا
قصرت عليها محض ودي فلم يكن ... سواها له في القلب ربع ولا معنى
الشيخ داوود بن أبي شافين
البحراني
البحر العجاج. إلا أنه العذب الأجاج والبدر الوهاج. إلا أنه الأسد المهاج. رتبته في الاناءة شهيرة. ورفعته أسمى من شمس الظهيرة ولم يكن في مصره وعصره. من يدانيه في مده وقصره. وهو في العلم فاضل. لا يسامى. وفي الأدب فاصل. لم يكل الدهر له حساما. إن شهر طبق. وإن نشر عبق. وشعره أبهى من شف البرود. وأشهى من رشف الثغر البرود. ومرشحاته الوشاح المفصل. بل التي فرع حسنها واصل. ومن شعره قوله
أنا والله المعاني بالهوى شوقي أعرب ... كل آنٍ مرّ حالي في الهوى يا صاح أغرب
стр. 306
كل ما غنى الهوى لي أرقص القلب وأطرب ... وغدا يسقيه كاسات صبابات فيشرب
فالذي يطمع في سلب هوى قلبي أشعب ... قلت للمحبوب حتام الهوى للقلب ينهب
وبميدان الصبا واللهوساء أنت تلعب ... قال ما ذنبي إذا شاهدت نار الخد تلهب
فهوى قلبك فيها ذاهباً في كل مذهب ... قلت هب أن الهوى هبّ فألقاه يهب هب
أفلا تنقذ من يه ... واك من نار تلهب
وقوله
طال في الحب غرامي إذ رمى المهجة رامي ... فأصاب القلب مجروحاً بمسموم السهام
والهوى فوقي وتحتي وورائي وأمامي ... ويميني ويساري وهو لا شك أمامي
قايداً قلبي إلى نار هوان وهيام ... قلت للمحبوب حتام نيران الغرام
من ضريع الشوق والأحزان أكلي وطعامي ... وشرابي من حميم الهجر أغرى بي حمامي
لا تغنى في أراك الوصل في وقت حمامي ... قال قف واصبر على بلوى الهوى صبر الكرام
فعسى تحظى بجنا ... ت وصالي وسلامي
ومن موشحاته الفايقة
قل لأهل العذل لو وجدوا ... من رسيس الحب ما نجد
أوقدوا في كل جارحة ... زفرة في القلب تتقد
فاسعد الهايم. أيها اللايم ... فالهوى حاكم. إن عصى أحد
أو أراد القلب أن يردد ... سنة العشاق أو يبعد
قال سلطان الغرام اعبد ... خاضعاً واسجد كما سجدوا
فاتركن الصب. دمعه ينصب ... فالهوى بالقلب يتحد
فاعذرن إن كنت لا تسعد ... لو تهم العين إن ترقد
صاح ناطور الهيام اقعد ... ساير العشاق ما رقدوا
فاتبع الزفره. وكف العبره ... لا تدع قطره. ليها الكمد
واترك الأقوال والأهوا ... وانتظم في سلك من تهوى
ظامياً في الحب لن تروى ... وارداً في العشق ما وردوا
واقض بالحسره دايم الفكره ... واجهد القدره كلما جهدوا
واصطبر للضرب من بتار ... طرف ريم أدعج سحار
واصطبر للطعن من خطار ... مايس ما شانه أود
والحط الجؤذر قد نضا الخنجر ... طرفه الأحور حوله الأسد
بينما المجروح بسهام قد ... قلبه المفرى من قناة القد
راح مطعوناً وإن يجحد ... فيه من كل الورى شهدوا
ها أنا القايل طرفه الذابل ... بل ومن ذابل قده عمدوا
فاسقني خمر الهوى يا ريم ... وادخلن في جنة النعيم
عاشقاً من شانه التسليم ... وهو للعشاق مستند
مغرم يروى من حرٍ جوى ... علم الأهوا كل من يردّ
بجرود ذاخر لجيّ ... يغرق العشاق لا ينجي
مظلماً من نوره الزنجي ... تبصر الأمواج ترتعد
قاتم الأعماق سفنه الأشواق ... تحمل العشاق تطرد
كم بها من صايح باكي ... يشتكي من لحظ فتاك
ظالم لا يرحم الشاكي ... قلبه مستجمد صلد
معجب مختال فإنك قتال ... حامل عسال لا يجد
غير طعن في حشا الناظر ... بعد ضرب الصارم الباتر
من غرير ساهر ماهر ... ما نجا من سحره أحد
كم وكم تيم. بل وكم هيم ... عاشقاً مغرم شفه الكمد
كلما هاجت لظى الأشواق ... واعتدى في دمعه المهراق
سابحاً في بحره الدقاق ... صاح يا سبوح يا صمد
سكن الحسره واحبس العبره ... وادفع العسره ما بقى جلد
стр. 307
واسكن المحبوب في داري ... خالياً في خده الناري
ورد حسن ماؤه جاري ... فوقه والنار تتقد
وهو وسط الدار. ساطع الأنوار ... حوله الأقمار قد سجدوا
والنجوم الزهر قد أفلت ... كلها من نوره خجلت
والمصابيح التي شعلت ... خجلت من نوره خمد
كلما أزهر. نوره الأنور. ... ناظري أمطر. واغتدى البرد
ضاحك في بارق عذب ... باسم عن لؤلؤ رطب
برده يطفى لظى الكرب ... جارت النظار إذ شهدوا
وجهه الوضاح. فالق الأصباح. ... يشبه المصباح. يتقد
أبو البحر جعفر بن محمد حسن
بن علي بن ناصر بن عبد الامام الشهير بالخطي البحراني العبيدي أحد بني عبد القيس بن شن بن قصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان رحمه الله تعالى
ناهج طرق البلاغة والفصاحة. الزاخر الباحث الرحيب المساحة. البديع الأثر والعيان. الحكيم الشعر الساحر البيان. ثقف بالبراعة قداحه. ودار على السامع كؤوسه وأقداحه. فأتى بكل مبتدع مطرب. ومخترع في حسنه مغرب. ومع قرب عهده فقد بلغ ديوان شعره من الشهرة المدى. وسار به من لا يسير مشمر وغني به من لا يغنى مفرداً. وقد وقفت على فرائده التي لمعت. فرأيت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. وكان قد دخل الديار العجمية فقطن منها بفارس. ولم يزل بها وهو لرياض الأدب جان وغارس. حتى اختطفته أيدي المنون. فغرس بفناء الفنا وخلد عرايس الفنون. وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وألف رحمه الله تعالى ولما دخل أصبهان اجتمع بالشيخ بهاء الدين محمد العاملي وعرض عليه أدبه فاقترح عليه معارضة قصيدته الرائية المشهوره التي مطلعها
سرى البرق من نجد فجدد تذكاري ... عهوداً بحزوى والعذيب وذي قار
فعارضها بقصيدة طنانة أولها
هي الدار تستسقيك مدمعك الجاري ... فسقيا فخير الدمع ما كان للدار
ولا تستطع دمعاً تريق عيونه ... لعزّته ما بين نوء وأحجار
فأنت امرءٌ قد كنت بالأمس جارها ... وللجار حق قد علمت على الجار
عشوت إلى اللذات فيها على سنى ... سناء شموس ما يغبن وأقمار
فأصبحت قد أنفقت أطيب ما مضى ... من العمر فيما بين عون وأبكار
نواصع بيض لو أفضن على الدجى ... سناهن لاستغنى عن الأنجم الساري
حراير ينصرن الأصول بأوجه ... تغص بأمواه النضارة أحرار
معاطير لم تغمس يداً في لطيمة ... لهن ولا استعقبن جونة عطار
أيحنك ممنوع الوصال نوازلاً ... على حكم ناه كيف شا وأمّار
إذا بت تستسقى الثغور مدامة ... أتتك فحيتك الخدود بأزهار
أموسم لذاتي وسوق مآربي ... ومجني لباناتي ومهبط أوطاري
سقتك برغم المحل أخلاق مزنة ... تلفّ إذا جاشت سهولاً بأوعار
وفج كما شا المجال حشوته ... بعزمة عواد على الهول كرار
تمرس بالأسفار حتى تركته ... بدقته كالقدح أرهفه الباري
إلى ماجد يعزى إذا انتسب الورى ... إلى معشر بيض أماجد أخيار
ومضطلع بالفضل زر قميصه ... على كنز آثار وعيبة أسرار
سمي النبي المصطفى وأمينه ... على الدين في إيراد حكم واصدار
به قام بعد الميل وانتصبت به ... دعائم قد كانت على جرف هار
فلما أناخت بي على باب داره ... مطاياي لم أذمم مغبة أسفار
فكان نزولي إذ نزلت بمغدق ... على المجد فضل البرد عار من العار
أساغ على رغم الحوادث مشربي ... وأعذب ورد العيش لي بعد امرار
وأنقذني من قبضة الدهر بعدما ... ألح بأنياب عليّ واظفار
стр. 308
جهات على معروف فضلي فلم يكن ... سواه من الأقوام يعرف مقداري
ولما انتهى إلى هذا البيت في الانشاد قال له وأشار إلى جماع من سادات البحرين وأعيانهم كانوا عنده وهؤلاء يعرفون مقدارك إنشاء الله تعالى رجع
على أنه لم يبق فيما أظنه ... من الأرض شبر لم تطبقه أخباري
ولا غرو فالا كسيراً أكبر شهرة ... وما زال من جهل به تحت أستاري
متى بلّ لي كفاً فليس بأسف ... على درهم إن لم ينله ودينار
فيابن الأولى أثنى الوصي عليهم ... بما ليس تثنى وجهه يد انكار
بصفين إذ لم يلف من أوليائه ... وقد عض نابا للوغى غير فرار
وأبصر منهم حرب جن تهافتوا ... على الموت إسراع الفراش إلى النار
سراعاً إلى داعي الحروب يرونها ... على شربها الأعمار مورد أعمار
أطاروا غمود البيض واتكلوا على ... مفارق قوم فارقوا الحق فجار
وأرسلوا وقد لاثوا على الركب الجثى ... بروكاً كهدي أبركوه لجزار
فقال وقد طابت هنالك نفسه ... رضيّ وأقروا عينه أيّ اقرار
فلو كنت بواباً على باب جنة ... كما أفصحت عنه صحيحات آثار
يشير بذلك إلى همدان وهي قبيلة من اليمن ينتهي إليهم نسب الممدوح وكانوا قد أبلوا يوم صفين بلاء حسناً فروى أنهم في بعض أيامها حين استحق القتل وراوا فرار الناس أغمدوا سيوفهم فكسروها وعقلوا أنفسهم بعمائهم وجثوا على الركب وبركوا للقتل فقال أمير المؤمنين علي ﵁
لهمدان أخلاق ودين يزينها ... وبأس إذا لاقوا وحسن كلام
فلو كنت بواباً على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقال فيهم يوم الجمل لوت تمت عدتهم ألفاً لعبد الله حق عبادته وكان إذا رآهم تمثل بقول الشاعر
ناديت همدان والأبواب مغلقة ... ومثل همدان ثنى فتحة الباب
كالهند وإني لم تقلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجاب
ذكره ابن عبد ربه في كتاب العقد وهمدان بسكون الميم وبعدها دال مهمله وإن همذان بفتح الميم والذال المعجمة فبلد من بلاد العجم وهي أول عراق العجم وإليها ينسب بديع الزمان الهمذاني في صاحب المقامات الذي اقتفى الحريري أثره فيها وتمام القصيدة يؤخذ من ديوان الشاعر المذكور ولما أتم انشادها كتب إليه الشيخ بهاء الدين مقرظاً. أيها الأخ الفاضل الأعز الألمعي بدر سما أدباء الاعصار. وغرة سيما بلغاء الأمصار. أيم الله إني كلما سرحت بريد نظري في رياض قصيدتك الغراء. ورويت رايد فكري من حياض خريدتك العذرا. زاد بها ولوعي وهيامي واشتد إليها ولهي وأوامي. فكأنما عناها من قال
قصيدتك الغراء يا فرد دهره ... تنوب عن الماء الزلال لمن يظما
فنروى متى نروي بدائع نظمها ... ونظمأ إذا لم نرو يوماً لها نظما
ولعمري لا أزال إلا آخذاً فيها بأزمة أو أبد اللسن. نقودها حيث أردت. ونورها إني شئت وارتدت. حتى كأن الألفاظ تتحاسد على التسابق إلى لسانك. والمعاني تتغاير في الانهيال على جنانك. والسلام. ومن بديع قصايده أيضاً قوله في صباه يمدح وزير البحرين ركن الدين محمد بن نور الدين وهي أول قصيدة أثبتها في المدح وأنشدها يوم عيد الفطر للسنة الحادية بعد الألف
ماذا يفيدك من سوال الأربع ... وهي التي إن خوطبت لم تسمع
سفه وقوفك في رسوم رثة ... عجماء لا تدري الكلام ولا تعي
فذر الوقوف على محاني منزل ... عافٍ لمختلف الرياح الأربع
وامسك عنان الدمع عن جريانه ... في دمنة لا تحمدنك ومربع
الله جارك هل رأيت منازلاً ... عطلت فحلتها عقود الأدمع
واستبق قلباً لا تعيش بغيره ... وشعاع نفس إن يغب لم يطلع
واصرف بصرف الراح همك إنها ... مهما تفرق من سرورك تجمع
كرميّة تذر البخيل كأنما ... نزل ابن مامة من يديه باصبع
стр. 309
فهي التي آلت اليّة صادق ... أن لا تجاورها الهموم بموضع
مع كل ساحرة اللحاظ كأنما ... ترنو بناظرتي مهاة مرضع
وكأنما تثني على شمس الضحى ... أما هي انتقبت حواشي البرقع
وكأنما وضع البرى منها على ... عشر تعاوره الحيا أو خروع
يا من يفر من الخطوب وصرفها ... إني أراه يفر عنها يتبع
لذ بالوزير فإنما تأوى إلى ... الكنف الأعز المنع ابن الأمنع
ملك رقى درج الفخار فلم يدع ... فيها لراق بعده من مضمع
وتناولت كفاه أشرف رتبة ... لو قام يلمسها السهى لم يسطع
أندى من الغيث الملث إذا اجتدى ... أحمى من الليث الهزبر إذا دعى
التارك الأبطال صرعى في الوغى ... فكأنهم اعجاز نخل منقع
يذر الجماجم في المكر سواقطاً ... سقط الثمار من المحب الزعزع
أفديه وهو على أغر محجل ... ظامي الغصوص سليم سبر الأكرع
نهد المراكل واللبان بعيد ما ... وضع العنان به عصيّ طيّع
فكأنه لما استقام تليه ... مضع تلقف نباة من برقع
في جحفل كاليمّ إلا أنه ... لا ماء فيه غير لمع الأدرع
حتى ترجل للصلاة ولم نجد ... أسداً يصلي قبله في مجمع
بيناه أفتك فاتك أبصرته ... في النسك أخشع خاشع متخشع
حييت يا كسرى الملوك تحية ... تربى على كسرى الملوك وتبع
يا ابن الأولى جعلوا مراكز سمرهم ... حب القلوب بكل يوم مفظع
واستبدلوا للبيض من أغمادها ... في الحرب هامة كل ليث أروع
النازلين من العلى في رتبة ... هام السهى منها بأدنى موضع
ما حدثت نفس امرءٍ ببلوغها ... إلا ومات بغلة لم تنفع
وإليك من عرب الكلام خريدة ... جآتك مسفرة ولم تتبرقع
عذراء أولى ما جلاه لناظرٍ ... نظمي وأول ما تلاه لمسمع
من شاعر ذرب اللسان مفوه ... طب بتركيب القوافي مصفع
فاضمم عليه يديك تحظ بآحظ ... أزكى من المتقدمين وأبرع
فليسمعنّك إن بقى لك بعدها ... ما تستبين لديه ذل الأشجع
قال مؤلفه عفا الله عنه لما وقفت على هذه القصيدة راق لي هذا الوزن والروي فأحببت أن الظم عليها وبالله التوفيق
يا دار مية باللوى فالأجرع ... حياك منهمل الحيا من أدمعي
وسرى نسيم الروض يسحب ذيله ... بمصيف أنس في حماك ومربع
لو لم تبيتي من أنيسك بلقعا ... ما بت أندب كل دار بلقع
لم أنس عهدك والحبة جيرة ... والعيش صفو في ثراك الممرع
أيام لا أصغي للومة لائم ... سمعاً وأن تفر الصبابة أسمع
حيث الربا تسري برياها الصبا ... والروض زاهي النور عذب المشرع
تحنو عليّ عواطفاً أفنانه ... عند المبيت به حنو المرضع
والورق في عذب الغصون سواجع ... تشدو بمراي من سعاد ومسمع
كم بت فيه صريع كاس مدامة ... حلف البطالة لا أفيق ولا أعي
أصبو بقلب لا يزال موزعاً ... في الحب بين معمم ومقنع
مستهتر طوع الصبابة في هوى ... قمري جمالٍ مسفراً ومبرقع
ما سآني أن كنت أول مغرم ... بجمال رب ردا وربة برقع
يعتادني زهو الشباب وعفتي ... فيه عفاف الناسك المتورع
لله أيامي بمنعرج اللوى ... حيث الهوى طوعي ومن أهوى معي
لم أنسه والبين ينعق بيننا ... متصاعد الزفرات وهو مودعي
إن شب في قلبي الغضا بفراقه ... فلقد ثوى بالمنحني من أضلعي
стр. 310
أتجشم السلوان عنه تكلفاً ... والطبع يغلب شيمة المتطبع
رجع. ومن غرر قصايده أيضاً قوله يصف حاله وقد ضربته في وجهه سمكة تعرف بالسبيطية فشجته وهو خارج من قرية يقال لها مرى بكسر الميم وتشديد الراء المهملة وبعدها ياء مثناة من تحت متجاوز من بحرين يقال لأحدهما البلاد والأخر نويلي ومعه ابنه حسان ومن تأمل هذه القصيدة عرف سمو مقداره في البلاغة وأخذه برقاب الكلام وتلاعبه بمحاسن المعاني وهي قوله
برغم العوالي والمهندة والبتر ... دماء أراقتها سبيطية البحر
ألا قد جنى بحر البلاد ونويلي ... عليّ بما ضاقت به ساحة البر
فويل بني شن ابن قصي وما الذي ... رمتهم به أيدي الحوادث من وتر
دم لم يرق من عهد نوح ولا جرى ... على حد ناب للعدوّ ولا ظفر
تحامته أطراف القنا وتعرضت ... له الحوت يا بؤس الحوادث والدهر
لعمري أبى الأيام أن باءً صرفها ... بثار امرءٍ من كل صالحة مثر
فلا غرو فالأيام بين صروفها ... وبين ذوي الأخطار حرب إلى الحشر
ألا فابلغ الحيين بكراً وتغلباً ... فما الغوث إلا عند تغلب أو بكر
أيرضيكما أن امرأ من بنيكما ... وأي امرءٍ للخير يدعي وللشر
يراق على غير الظبا دم وجيه ... ويجري على غير المثقفة السمر
وتنبو ينوبٌ عنه أيضاً وينثني ... أخو الحوت عنه دامي الفم والثغر
ليقض امرء من قصتي عجباً ومن ... يرد شرح هذا الحال ينظر إلى شعري
أنا الرجل المشهور ما من محلة ... من الأرض إلاّ قد تخللها ذكري
فإن أمسي في قطر من الأرض أن لي ... بريد اشتهار في مناكبها يسري
طوالع بي صرف القضاء ولم يكن ... لتجري صروف الدهر الأعلى الحر
توجهت من مرّى ضحى فكأنما ... توجهت من مرّى إلى العلقم المر
تلججت خور القريتين مشمراً ... وشبلي معي والماء في أول الجزر
فما هو إلا أن فجئت بظافر ... من الحوت في وجهي ولا ضربة الفهر
لقد شق يمنى وجنتيّ بنطحة ... وقعت لها دامي المحيا على قطر
فخيّل لي أن السموات أطبقت ... عليّ وأبصرت الكواكب في الظهر
وقمت كجدي ندّ من يد ذابح ... وقد بلغت سكينه ثغرة النحر
يطوحني نزف الدماء كأنني ... نزيف طلا مالت به نشوة الخمر
فمن لامرءٍ لا يلبس الوشي قد غدا ... وراح موشى الجيب بالنقط الحمر
ووافيت بيتي ما رآني امرؤ ولم ... يقل أو هذا جاء من ملتقى الكر
فها هو قد أبقى بوجهي علامة ... كما اعترضت في الطرس اعرابة الكسر
فإن يمح شيئاً من محياي أثرها ... بمقدار أخذ المحو من صفحة البدر
فلا غرو بالبيض الرقاق إذا لها ... على العنق ما لاحت به سمة الأثر
وقل بعد هذا للسبيطيّة افخري ... على سائر الشجعان بالفتكة البكر
وقل للظبا مهلاً إليك عن الطلى ... وللسمر لا تهززن يوماً إلى صدر
فلو همّ غير الحوت لي لتواثبت ... رجال يخوضون الحمام إلى نصري
فأما إذا ما عزّ ذاك ولم يكن ... لادراك ثاري منه ما مد في عمري
فلست بمولى الشعر إن لم أزجه ... بكل شرود الذكر أعدى من العسر
أمر على الأجفان من حادث العمى ... وأبلى على الآذان من عارض الوقر
يخاف على من يركب البحر شرها ... وليس بمأمون على سالك البر
تجوس خلال البحر تطفح تارة ... وترسو رسو الغيض مبتدر القعر
لعمر أبي الخطيّ إن بات ثاره ... لدى غير كفوء وهو نادرة العصر
стр. 311
فثار عليّ بات عند ابن ملجم ... وأعقبه ثار الحسين لدى شمر
ولما عرضت هذه القصيدة على الشريف العلامة ماجد بن هاشم البحراني قدس الله سره كتب عليها مقرظاً قوله. أجلت رايد النظر في ألفاظها ومعانيها. وأحللت صاعد الفكر في أركانها ومبانيها. فوجدتها قرة في عين الابداع. ومسرة في قلب الاختراع. والحق أحق بالاتباع. فالحمد لله على تجديد معالم الأدب بعد اندراسها. وتقويم راية البلاغة بعد أساسها. ورد غرايب الفصاحة إلى مسقط راسها وإزالة وحشتها وإيناسها. وكتب ماجد بن هاشم البحراني وقال وهو بشيراز وكتبها إلى أهله بالبحرين يتشوق إليهم. ويبث لواعج أشجانه عليهم
سلام يغادي جوكم ويراوحه ... ونشر ثناء تحكيم روايحه
ولا زال مرفوع الثناء يؤمكم ... على كاهل البرق الشمالي صالحه
أأحبابنا والمرء يا ربما دعى ... أخا النأي إن ضاقت عليه منادحه
هل الدهر مدنيني إليكم فمبرد ... لهيب اشتياق يرمض القلب لافحه
ومجمع دمع كلما هتفت به ... دواعي هواكم قرح الجفن سافحه
كفى حزناً أني بشيراز مفرد ... أبا كرما يضني الحشا وأرايحه
وفرط هموم لو تضيفون يذبلا ... تضاءل واستعلت عليه أباطحه
وشوقاً لو استجلى ثناء أخو الدجى ... لأغناه عن ضوء المصابيح قادحه
غدا وهو عنوان الحوادث فاستوى ... لديه به خافي البداد وواضحه
وأشياء ضاق النظم عنها وبعضها ... يلوذ بظل الاستقالة جارحه
أحن فلا ألفي سوى هاتف الضحى ... يطارحني شكوى النوى أطارحه
يقطع آناء النهار بنوحه ... إلى أن يرى وجه الظلام يصافحه
وإنّ له بعد الهدو لعولة ... وأجزى وأشجى النوح ما لح نايحه
شكا وحشتي سجن وناى فأجرشت ... له رقة مما يحن جوارحه
يكاد إلى هز الجناح فخانه ... تغص بترجيع الحنين جوانحه
خلا أنه ذو رفقة فمتى دعا ... تجبه على قرب المكان صوادحه
وإني إذا ما اشتقتكم حال دونكم ... ودوني غيلان الفلا وصحاصحه
وملتطم الأمواج ما عبثت به ... يد الريح إلا وامتطى النجم طافحه
على أنه في السجن أرغد عيشة ... ولا يستوي داني القرين ونازحه
يشن عليّ البعد غارات جوره ... وتهتف بي من كل فج صوائحه
له الغلب فليثن الأعنة مبقياً ... عليّ فما عندي جنود تكافحه
ولا المفرد العاني يهز رماحه ... لطعن ولا تنضي الضروب صفائحه
سقى جد حفص البيض سحا ولو سما ... لها الدمع أغناها عن الغيث راشحه
ولا زال خفاق النسيم إذا سرى ... عليلاً يماسي جوها ويصابحه
بلاد أقام القلب فيها فلم يزل ... وإن طمحت بالجسم عنها طوامحه
هل الله مستبق ذمامي بعودة ... إليها يريني الدمع قد هش كالحه
ويصبح هذا البعد قد ريض صعبه ... وأمكن من فضل المفادة جامحه
وقال في صدد آخر
لعبت بعطفيه الشمول فمادا ... كالغصن حركه الهوى فأنادا
ريم أعار مهى الصريم لواحظاً ... نجلاً وآرام الحمى أجيادا
خنث اللحاظ وأنها لا شد من ... بيض الظبا يوم القراح جلادا
هاتيك جاورت الجفون وهذه ... أبت الجفون وحلت الأكبادا
نازعته راحا كبرد رضا به ... طعماً وجمرة خده ايقادا
فانقاد كالمهر الجموح جذبته ... رفقاً ثنى لعنانه فانقادا
والليل زنجي الملاة لناشر ... لمماً كأحداق الحسان جعادا
فضا دجاه بغرة أوفى بها ... حسناً على البدر المنير وزادا
قسماً بخوص كالحنيّ ضوامر ... وصلت بتدآب السرى الأسادا
стр. 312
يحملنّ شعثاً من ذوابة وائل ... شم المعاطس سادة أمجادا
لأفارقن الخط غير معول ... فيها على من ضن أو من جادا
بلد تهين الأكرمين بلومها ... تروى الزمان وتكرم الأوغادا
وقال أيضاً
عاطنيها قبل ابتسام الصباح ... فهي تغنيك عن سنا المصباح
أنت تدري أن المدامة نار ... فاقتدحها بالصب في الأقداح
فهي تمحو بضوءها صبغة اللي ... ل فيغدو بها الدجى وهو ضاح
وإذا ما أخاط بي وقد همّ ... مهدياً إلى طرائف الأتراح
فأرسلنها وردية كدم الكبش ... أسالته مدية الذبّاح
فهي تقصي إذا دنت وارد الهم ... وتدني شوارد الأفراح
الحفت في السؤال هل من فكاك ... لا سير ما إن له من سراح
مزجوها فقيدوها فلو تترك ... صرفاً طارت بغير جناح
يا خليلي ولا أرى لي من النا ... س خليلاً إلا فتى غير صاح
يتلقى عذل العذول بهيهات ... ويحثو في أوجه النصاح
ألف الراح فهو بين اغتباق ... لا ينادي وليده واصطباح
رح على الراح بي فليس على الأ ... جسام عيب في السعي للأرواح
واسقنيها صرفاً فللنار أنائي ... جانباً عن وصال ماءٍ قراح
خير ما يشرب المدام عليه ... وجه خود من الحسان قراح
ذات قد تثنى الغصون عليها ... حين تجفو به نسيم الرياح
فقوه طرة تظل محيا ... جايلاً ماؤه مضيىء النواحي
فهي من نور وجهها وظلام الش ... عر في حالتي مسا وصباح
وثغور يخلن في بارد الظلم ... حباباً يطفو على وجه راح
ما ترى الدهر كيف رقت ليا ... ليه فشقت عن أوجه الأفراح
وقال أيضاً
خذ في البكا أن الخليط مقوض ... فمصرح بفراقهم ومعرض
واذب فؤادك فالنصير على النوى ... عين تعيض ومهجة تتعضض
هاتيك أحداج تشد وهذه ... أطناب أحبية تحل وتنقض
ووراء عيسهم المناخة عصة ... أكبادهم وهم وقوف تركض
وقفوا وأحشاء الضماير بالأسى ... تحشى وأوعية المدامع تنفض
يتخافتون ضنى فمطلب أنة ... ومطامن من زفرة ومخفض
قبضوا بأيديهم على أكبادهم ... والشوق ينزع من يد ما تقبض
فإذا هم أمنوا المراقب عرضوا ... بشكاتهم وإذا استرابوا أعرضوا
رحلوا وأرآء البكاة وراءهم ... شتى فسافح عبرة ومغيض
أتبعتهم نفساً ودمعاً نادراً ... تشوى الرياض وماء ذاك يروض
من ناشد لي بالعقيق حشاشة ... طاحت وراء الركب ساعة قوضوا
لم تلو راجعة ولم تلحق بهم ... حتى وهت مما تطيح وتنهض
أترى رماتهم دروا من أوغلوا ... في قلبه تلك السهام وخضخضوا
أنا قد رضيت بما أراقوا من دمي ... عمداً على سخط القتيل فهل رضوا
فهناهم صفو الزمان وإن هم ... بالريق يوم وداعهم لي أجرضوا
باتوا أصحاء القلوب وعندنا ... منهم على الناي المعل الممرض
يا صاح أنت المستشار لمن عدا ... من حادث الأيام والمستنهض
أشكو إليك صباتعين على دمي ... برق تالق بعد وهن يومض
فمن المذم على المحاجر من سنا ... برق لصل الرمل حين ينضض
فلق الوميض فليس يغمض طرفه ... ليلاً ولا يدع المحاجر تغمض
نشرت له ليلاً على كثب الحمى ... حلل تذهب تارة وتفضض
أحيا الدجى نبضاً وأحياني فما ... أجلى سناه وفي عرق ينبض
стр. 313
ويمنحني الجرعاء حي ثوروا ... بالقلب ثايرة الظعون واربضوا
ولقد دعوت ووجد شوقي مقبل ... بهم ووجه الصبر عني معرض
ردوه أحيا يرده أو فالحقوا ... كلى به فالحي لا يتبعض
نفسوا بردهم النفيس وعوضوا ... عنه الأسي بعداً لما قد عوضوا
يا صاح هل يهب التجلد واهب ... أو يقرض السلوان عنه مقرض
وأبي لقد عز العزاء وما بقى ... بيديّ من سيف التجلد مقبض
أنفضت من زاد السلو وما عسى ... يبق عقيب نفاد زاد منفض
ومن محاسن مراثيه قوله يرثي الشيخ أبا علي عبد الله بن ناصر بن حسين بن المقلد من بني وائل للسنة الحادية بعد الألف
أكف البرايا من تراسهم صفر ... وبيض المنايا من دمائهم حمر
وخيل الرزايا ما تزال معدة ... تقاتلنا فرسانها ولها النصر
تكر علينا البيض والسمر بالردي ... فتبلغ ما لا يبلغ البيض والسمر
ومورد هذا الأمر مر وأنه ... لأعذب شيءٍ عندنا ذلك المر
خليلي من أبناء بكر بن وائل ... قفا واندبا شيخاً به فجعت بكر
وبدراً ترآى للنواظر فاهتدت ... به برهة ثم اختفى ذلك البدر
وعضباً ثنت أيدي النوايب حده ... وكان اعتراها من مضار به عقر
أرامي الردى أخطأتنا وأصبته ... أسأت بنا شلّت أناملك العشر
فيا أيها الثاوي الذي اتخذ الثرى ... مقاماً فهل لا كان في صدري القبر
وهل لاستخار الغاسلون مدامعي ... لجسمك غسلاً ثم شيب به السدر
فإن جعل الماء القراح بزعم من ... راه لكم طهراً فأنتم له طهر
وإن بليت أكفانك البيض في الثرى ... فما بلى المعروف منك ولا الذكر
كأنك مغناطيس كل مهذب ... فما كامل إلا وفيك له قبر
ليهنك فخراً إن ظفرت بتربه ... يعفر خداً دون إدراكها العفر
ثوابك من آل المقلد سيد ... هو الذهب الابريز والعالم الصغر
فتى كرمت أباؤه وجدوده ... وطابت مساعيه فتم له الفخر
عفيف ملاث البرد عن كل زلة ... وفي أذنه عن كل فاحشة وقر
جواد له في كل أنملة مجد ... بصير له في كل جارحة فكر
ويا بلد الحظ اعتراك لفقده ... مدا الدهر كسر لا يرام له جبر
من الآن بدؤ الشر فيك وأنه ... لمتصل باق وآخره الحشر
فأي فتى لا يرهب الضيم جاره ... فقدت ويسر لا يمازجه عسر
وليث وغى لو قبابل الليث أعزلا ... وحاربه لم يغنه الناب والظفر
فاقسم لولا موته في فراشه ... لجردت البيض المهندة البتر
وأرعشت الملد المثقفة السمر ... وأقبلت الخيل المسومة الشقر
عليهن من آل المقلد غلمة ... مساعير حرب لا يضيع لهم وتر
تثقف ملاّد الرماح أكفهم ... وتمنحها طولاً إذا شأنها قصر
كأنهم والسابغات عليهم ... إذا ما دجى ليل الوغى أنجم زهر
ولو خلد المعروف في الناس واحداً ... لخلد عبد الله نائله الغمر
ولكنها الأيام جاءته تبتغي ... نوالاً فأولاها نوالاً هو العمر
فيا قبره حيّاك منعبق الكلا ... ونشّر من ابراده حولك الزهر
بنيه اصبروا فالصبر أجمل حلة ... تردي بها من مس جانبه الضر
فلولا انقضا الأعوام ما فني الدهر ... ولولا فنا الأيام ما نفد الشهر
ودونكم من لجة الفكر درة ... منظمة يعنو لها النظم والشهر
وعذراء من حر الكلام خريدة ... بأمثالها في الشعر يفتخر الشعر
стр. 314
وما مهركم إلا قبولكم لها ... لقد كرمت ممهورة وغلى المهر
وكان بينه وبني الشريف العلامة ماجد بن هاشم البحراني رحمه الله تعالى مطارحات ومحاورات في الأدب فمن ذلك ما حكاه في ديوانه قال كنت عنده ليلة والسماء دكناء الجلباب. كاسية السحاب. فأخذنا في الأدب فقلت
توشحت السماء ببرد غيم ... فاجمل بالموشح والوشاح
فقال الشريف العلامه
فقم وانهض إلى فرط التصابي ... فليس عليك فيها من جناح.
فقلت
امط فدم البراني واجل منها ... بآفاق الكؤوس شموس راح.
فقال الشريف
كميت أن تشب بنمير ماءٍ ... يسكن ما اعتراها من جماح.
فقلت
تولد فوقها حببٌ إذا ما ... تغشاها فتى الماء القراح.
فقال الشريف
وتنزل من فم المبزال نبضاً ... كما نبض الدماء من الجراح.
فقلت
بكف مخضب الكفين رخص ... فسادي في محبته صلاحي
قلت وللمتقدمين من هذا النمط كثير والاجازات في المصاريع أصعب منها في الأبيات وعلى كثرة ما ذكره أرباب الأدب من النوعين فلم أسمع ألطف مما حكى أن أبا بكر بن المنخل وأبا بكر الملاح الشلبيين المغربيين كانا متواخين متصافين ولهما ابنان صغيران قد برعا في الطلب وحازا قصب السبق في حلبة الأدب فتهاج الاثنان بأقذع هجا فركب ابن المنخل في سحر من الأسحار مع ابن عبد الله فجعل يعتبه على هجا ابن الملاح وقال له يا بني قد قطعت ما بيني وبين صديقي وصفني أبي بكر في اقذاعك بابنه فقال له ابنه أنه قد بدا والبادي أظلم. وإنما يلحى من بالشر تقدم. فعذره أبوه فبينما هم على ذلك إذ أقبلا على واد تنق فيه ضفادع فقال أبو بكر لابنه أجز. تنق ضفادع الوادي. فقال ابنه. بصوت غير معتاد. فقال الشيخ. كان تفتق مقولها. فقال ابنه. بنو الملاح قصاد. فلما أحست الضفادع بهما صمتت فقال أبو بكر. وتصمت مثل صمتهم. فقال ابنه. إذا اجتمعوا على زاد. فقال الشيخ. فلا غوث لملهوف. فقال ابنه. ولا عيث لمرتاد. ولا خفاء إن هذه الاجازة لو كانت من الكبار لحصلت منها الغرابة فكيف بمن هو في سن الصبي والله أعلم أهل العراق. السيد علي بن خلف بن مطلب بن حيدر المشعثي ملك الحويزة في هذا العصر أخبرني بعض الوافدين من تلك الديار قال كان بينه وبين السيد حسين الشهير بخليفة سلطان. رابطة محبة فلما بلغته أنه ولى الوزارة لسلطان العجم أنشد بديهة قوله
بشرت بالخير يا بشير ... جئت على الوقف من ضميري
لو أحد طار من سرور ... لطرت من شدة السرور
السيد أبو الغنايم محمد الحلي
فرع من ذوابة عبد مناف. ودوحة علم مخضرة الأكناف. له في منهل الفضل ايراد واصدار. ومورد لم يشب صفوه للنقص أكدار وكان قد دخل الهند فخدم ملكها أكبر شاه وليس من برود الجاه ما طرزه العز ووشاه ولم يزل في خدمته محمود الجناب راسخ الأوتاد مشدود الأطناب حتى وسوس الشيطان للسلطان فادعى الربوبية في تلك الأوطان واستكبر واستعلى وقال أنا ربكم الأعلى وزعم أن كل من أذن وكبر إنما يعنيه بقوله الله أكبر فأكبر السيد هذه المقالة واستقاله من خدمته فأقاله فانفصل عنه غيرة على الاسلام وأنفة لشريعة جده ﵊ وقد وقفت له على أبيات هي في سور البلاغة آيات وهي
أنا الذي شهدت بالمعجزات له ... أقلامه وحروف الخط والنقط
أخذت في كل فن من عجائبه ... حتى تعجب مني الفن والنمط
يسطو على البحر سطر من تموجه ... للناظرين وبدر ليس يلتقط
يفوح زهر حديثي عن شذا أدبي ... كما يفوح بريا عطره السفط
لكنكم معشر لا در درهم ... سيان عندهم التصحيح والغلط
خابت قوافل آمالي بساحتكم ... كما يخيب برأس الأقرع المشط
السيد حسين بن كمال الدين
بن الأبرز الحسيني الحلي
سيد ساد بالجد والجد وجد في اكتساب المعالي فقطع طمع اللاحق به وجد وسعى إلى نيل غايات الفضائل ودأب وأنشد لسان حاله
وما سودتني هاشم عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
стр. 315
وهو في الأدب. عمدة أربابه ومنار الأحبة ولجة عبابه. وقفت له على رسالة في علم البديع سماها درر الكلام. ويواقيت النظام وأثبت فيها من نثره في باب الملايمة قوله فيمن ألف الرسالة باسمه مكي الحرم برمكي الكرم هاشمي الفصاحة حاتمي السماحة يوسفي الخلق محمدي الخلق خلد الله ملكه وأجرى في بحار الاقتدار فلكه ولم أسمع من شعره غير قوله مذيلاً لقول أبي الطيب
أتى الزمان ينوه في شبيته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
وهم على كل حال أدركوا هرماً ... ونحن جيناه بعد الموت والعدم
وكنت أظنه هو المبتكر لهذا المعنى حتى وقفت على أنه عقد لقول الحافظ الحجازي صاحب المسهب في أخبار المغرب فإنه حكى عن نفسه في كتابه هذا أنه سأل عمه أبا محمد عبد الله بن إبراهيم عن أفضل من لقى من أجواد حلبة عصره وهم المعتمد بن عباد ومنه في طبقته فقال يا ابن أخي لم يقدر أن يقضى لي الاتصال بهم في شباب أمرهم وعنفوان رغبتهم في المكارم ولكن اجتمعت بهم وأمرهم قد هرم وساءت بتغير الأحوال ظنونهم وملوا الشكر وضجروا من المرؤة وشغلتهم المحن والفتن فلم يبق فضل للافضال وكانوا كما قال أبو الطيب
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
ثم قال الحجازي قلت أنا إن يكن أتاه على الهرم فإنا أتيناه وهو في سياق الموت انتهى. ولا خفاء في أن هذا هو المعنى الذي نظمه السيد المذكور بعينه على أنه في المعاني التي تتبادر إلى الأذهان بل هو من البديهيات لأهل كل زمان بعد ذلك الزمان والله أعلم والأبرز بفتح الهمزة وسكون الباء الموحد وضم الزاي وبعدها راء مهملة هكذا ينطق به ولا أعرف معناه.
الشيخ عبد علي بن ناصر
بن رحمه الحوزي
فاضل قال من الفضل بظل وريف. وكامل حل من الكمال بين خصب وريف. فالأسماع من زهرات أدبه في ربيع ومن ثمرات فضله في آخر خريف. إن إنشاء أبدى من فنون السجع ضرائب. أو طفق بنظم أهدى الشنوف للأسماع والعقود للترايب. ومؤلفاته في الأدب. أحلى من رشف الضرب. بل أخدى من نيل الأرب. ومتى جاراه قوم في كلام العرب. كان النبع وكانوا القرب. واتصل بحكام البصرة وولاتها. فوصلته بأسى أفضالها وأهنى صلاتها. وهبت عليه من قبلهم رخاء الاقبال. وعاش في كنفهم بين نضرة العيش ورخاء البال. ولم يزل بها حتى انصرمت من الحياة أيامه. وفوضت من هذه الدار الفانية خيامه. ومن مؤلفاته المعول. في شرح شواهد المطول. وقطر الغمام. في شرح كلام الملوك ملوك الكلام. وغير ذلك وله ديوان شعر بالعربية وانتخب منه نبذة سماها مجلى الأفاضل وله أشعار بالفارسية والتركية. إلا أنها عند العارفين بها متروكة منسية. ومن انشائه ما كتبه إلى القاضي تاج الدين المالكي. طبقات صحائف الأوراق. وإن كانت السبع الطباق. وأعلام الأقلام. وإن كانت عدد الأجام. وبحار المداد. وإن سفحت على الأطواد. ليست بمستقلة بالاحاطة بيسير من كثير الاشتياق. وليس ضرب الصفح. وطي الكشح. عن أعلامه من مكارم الأخلاق. فرقمت هذه الصحيفة عن سويداء القلب بسواد الأحداق. انموذجاً يستدل به الاخوان على الأحزان. بما جرى من شان عن الشان. محيلة ما تجده القلوب عليها مرجعة ما يطلب منها إليها.
وحق من أرتجي شفاعته ... يوم تكون السماء كالمهل
ما سرت عنكم ولا حشا بسوى ... خيالكم مذ نأيت في شغل
يا تاج الاخاء ما أنا من ... يعقل عنكم ركائب الرسل
لكنني قد جعلت معتمدي ... ما أثبتته لنا يد الأزل
وخذ على البعد ما همى مطر ... تحية من أخيه عبد علي
فراجعه القاضي تاج الدين بقوله. وصل الكتاب الذي تفتقت كمايم ألفاظه عن زهور معانيه فإذا هي من حميد حكمي. وتلا المخلص عند وروده أنه ألقى إلى كتاب كريم فقبله المخلص ألفاً وقراه حرفاً حرفاً ولم يكد يستطع أن يتجاوز فقرة منه إلى أخرى واعترف أن منشيه بالتقدم في محراب البلاغة أحرى. وأما الشوق فلو دخل التسلسل في دائرة الامكان. لأنهى المخلص ما يجد من الهيمان. وكيف ينهى شوق لا يتناهى. وتوق كلما وصل إلى رتبة تجاوزها وتعداها. لكن نفث بانموذج من ذلك نفثة مصدور. وتنفس من البين مزتور.
стр. 316
والله والله ثم ثالثة ... بخاتم الأنبياء والرسل
تجر اشتياقي إليك منسرج ... ما سار ركب العشاق في رمل
وليس في توسلي طلب ... غير حصول اللقاء بالعجل
يا سيداً أكدت سيادته ... تسمية فضلت من الأدب
كلّلت تاجي لؤلؤاً فعلى ... بذاك دين الأخافي الملل
عليك ما هبت الصبا سحراً ... تحية من محب عبد علي
ومن بديع شعره قوله يمدح علي باشا ابن قرا سباب حاكم البصرة ويهنيه بعيد الفطر
لمن العيس عشياً تترامى ... تركتها شقق البين سهاما
كلما برقعها ريح صبا ... لبست من أحمر الدمع لثاما
وترامت خضعاً أعناقها ... كلما هزله البرق حساما
شفها جذب براها للحمى ... وهي تثنى لربا نجد زماما
وتلقيها نسيماً حاملاً ... عن ثرى وجرة أنفاس الخزاما
ما على من حملت لو وقفوا ... ساعة نشرح وجداً وغراما
ومن الجهل ارتجائي يقظة ... ارباً لا أترجاه مناما
يا بني عذرة هل من أخذ ... بدمي المسفوك من حل الخياما
قمر لو لم ير البدر دجى ... ما حوى البدر كمالاً وتماما
غادر لم يرع مني نسباً ... دون أن يحفظ عهداً وزماما
نسباً أيسره أن الحشا ... مثل خديه لهيباً واضطراما
ولجسمي من بقايا حبه ... شبه الطرف فتوراً وسقاما
يا نديميّ دعا خمريكما ... أن أراق الحب من فيه مداما
وتثنى يا قضيب البان إذ ... رنحت سكر اللمى ذاك القواما
واصغ يا روض أناجيك إذا ... فلقد لاح لنا الثغر ابتساما
أيها الظاعن عن عيني وفي ... مهجتي قد شاد ربعاً ومقاما
عاقب الله بأدهى صمم ... أذني إن سمعت فيك ملاما
وعشت يوم ترى ذاك إليها ... مقلتي إن زارها النوم لماما
أنا من ينظر في شرع الهوى ... كل شيء ما سوى الموت حراما
فقت أهل العشق طراً مثل ما ... فاق في المجد عليٌّ وتساما
ملك راحته غيث ندا ... رشحها يخجل بالسح الغماما
وهزبر يصدم الموت إذا ... ما تنادت أسد الحرب الصداما
رب سيب فاض من أنمله ... فكفى رزق أيامى ويتاما
وعنيد كسرت صولته ... وحمام قد أذاقته حماما
ومكرّ كسفت شمس الضحى ... فيه وانصاع سنا الأفق ظلاما
طلعت فيه نجوم من ظبا ... وتردت عوض الليل قتاما
موقف لا يبصر الطرف به ... إن رنا إلا حساماً أو هماما
انعل الخيل بأجساد العدا ... بعد ما قد توج السمر اللهاما
وثنا عنه الظبا مخمورة ... والكؤوس الروس والدم المداما
قلب الطرف به فكراً تجد ... ديمة تهمى وضرغاماً شهاما
وأخا فضل إذا ما انسجمت ... سحبه أخجل سحبان نظاما
أبحر الدنيا إذا ما سجلت ... جوده أقعدها الفخر وقاما
لو أتاه يوم حشر سائل ... وهو لا يملك إذ ذاك حطاما
لتلقاه بأعلى همة ... وحباه بالذي صلّى وصاما
أيها المولى الذي من ربه ... سمّى المولى وسميّت الغلاما
لا تضعني وأجد تربيتي ... تلفني إذ صدق الجد تماما
واهن بالعيد الذي أنت بنا ... مثله في الدهر فضلاً واحتراما
وألقه شكراً ببشر إذا أتى ... بعد أن صمت فوفيت الصياما
واسم واسلم بالمعالي مقصداً ... نحوك الخلق رجاء تترامى
стр. 317
وقال يمدحه ويستأذنه لحج بيت الله الحرام. وزيارة نبيه ﵊
لمع البرق في أكف السقاة ... وبدا الصبح من سنا الكاسات
فالبدار البدار حي على الراح ... وهبوا لأكمل اللذات
نار موسى بدت فأين كليم الذ ... ات يمحو بها حجاب الصفات
صاح ديك الصباح يا صاح بالرا ... ح فوات الأفراح قبل الفوات
واصطبحها اصطباح من راح لا يف ... رق بين الشموس والذارات
تلق فيها العقول منتقشات ... كانتقاش الأشخاص في المرآة
فهي الشربة التي عثر الخضر ... عليها في عين ماء الحياة
وتقصى الاسكندر البحث عنها ... فعداها وتاه في الظلمات
سكنت من حضاير القدس حانا ... جل عن أن يقاس بالحانات
نور حق بنفسه قام ما أحتا ... ج إلى كرة ولا مشكاة
قبس أشعلته أيدي التجلي ... فأضاءت به جميع الجهات
حجبت بالزجاج وهي عيان ... كاحتجاب البدور بالهالات
يا نديمي أجل عرايس ستر ... بغواشي الكؤوس محتجبات
هات راحي وناد خذها فإني ... لست أنسى يوم اللقا خذ وهات
فلقد هد ركن نحسي لما ... سعدت بالحبيب كل جهاتي
هي شهد الشهود بل راحة الار ... واح بل حسن طلعة الحسنات
غير بدع ممن حساها إذا ارتا ... ح وقال الوجود بعض هباتي
قام زين القياد من شربها قطباً ... عليه دارت رحي البينات
فتلاشى بشعلة فتح العي ... نين منها إلى عيون الذوات
وخطت بالجنيد لجة بحر ... غرقت فيه أكثر الكائنات
ورمت بالحسين حتى ترقى ... بانا الحق أرفع الدرجات
أسمعتنا من شيح بسطام ما أع ... ظم شاني بالنفي والاثبات
وقصاري خلع العذار بها ني ... ل مقام يقاوم المعجزات
رب وفر منها نصيب فتى المجد ... عليّ العلى سريّ السراة
فهو في سره المنزه سرى ... وإذا لم يهم بجوز الفلاة
حاد عن ظاهر التقشف وانحا ... ز إلى مذهب الحماة الكماة
وتردى برد البواطن والأص ... ل خلوص الأعمال بالبينات
فهو في السر خادم الفقر عاف ... وهو في الجهر ضيغم الملك عات
وله في مراتب الفضل ذهن ... هو مفتاح مقفل المشكلات
كتمته الدهور حيناً فأبدت ... هـ على فترة من المكرمات
فأفادت بمجده البصرة الفي ... حاء حلى المعاهد العاطلات
حل من خفض نفسه للمساكي ... ن بسنام المراتب العاليات
أسد في ملاحم الحرب غيث ... في الندى خضرم بعلم اللغات
كفه مقلة العدو فلا ينفك ... كل عن شيمة المرسلات
وكذا خيله وأفئدة الأعدا ... ء سيان في وحا العاديات
وكذا ما له وأرواح من عا ... داه في كونهن في النازعات
أن يضع وقت من سواي فأني ... لي بعلياه أشرف الأوقات
شملتني منه العناية حتى ... شمخت همتي على النيرات
يا امام الكرام يا صادق الوعد ... إذا لم يف الورى بالعدات
وهماماً تعود الحلم والجود ... وهاتان أكرم العادات
نلت من جودك العميم نوالاً ... وجبت فيه حجتي وزكاتي
عرف الناس في حماك وقوفي ... فأجزني الوقوف في عرفات
ومرادي لك الثواب وللرق ... قضاء المناسق الواجبات
стр. 318
طوف بيت الله الحرام وتقبي ... ل ثرى قبر سيد السادات
لم أفارق حمى عليّ لبيت ... غير بيت العلي ذي الدرجات
وابق واسلم على الرجال مليكاً ... طوع ما تشتهي الزمان المواتي
وقال أيضاً وهي من حر الكلام وناصع النظام
قام يجلوها في الأجفان غمض ... والندامى نوّم بعض وبعض
والضيا يرمى به الفجر الدجى ... ولخيل الصبح في الظلماء ركض
وكان الليل غيم مقلع ... لمعان الكاس في جنبيه ومض
في رياض نسجت فيها الصبا ... ولها في زهرها بسط وقبض
ضرج الورد بها وجنته ... والأقاحي ضحك والآس غض
وكان النرجس الغض بها ... أعين العين وما فيهن غمض
وكان البان قدّ مايس ... كل غصن منه عرق فيه نبض
وكان الأرض مما أنبتت ... نهرها جو السما والجوّ أرض
مجلس طل دم الكاس به ... وله ظل له طول وعرض
نظمت فيه اللآلي حبباً ... حين عنها صدف الدن يغض
بي وبالراح الذي أجفانه ... تحسب البيض صحاحاً وهي مرض
كيف ترجو البيض نحوي رسمها ... ولها في حدها رد ونقض
ما وفت ديني منها ولها ... في فؤادي أبداً نشر وقرض
يا حبيباً قد غدا معتزلي ... ليس لي عن سنة العشاق رفض
إن يكن قد شيب دمعي بدمي ... حمرة فالود بالاحشاء محض
مستقر نهك العظم به ... بعد أن ذاب به لحم ونحض
وبقلبي عقرب الصدغ له ... كلما هب الصبا نهش وعض
حملت جسمي أعباء الهوى ... وهو لا يمكنه بالثوب نهض
وقال أيضاً وهي قصيدة تشتمل على أنواع من البديع
قلبي وطرفك منصوب وكسور ... كلاهما مطلق منا ومأسور
ناديت دمع جفوني كي ترخمه ... يا مستغاثي مالي عنك تحذير
حاكى فؤادي منك الوجه وافترقا ... فذاك نار لتعذيب وذا نور
قدري وقدك مخفوض ومنتصب ... والثغر والدمع منظوم ومنثور
بخفض قدري فيك الناس تعرفني ... وهكذا الحب تعريف وتنكير
قد أعرب الحب نحواً بيننا حسناً ... فالشعر والشعر مرفوع ومجرور
يا طرف من نهبت قلبي محاسنه ... ذكرى كسيفك في الآفاق مشهور
ينجاب ذو الجهل عنى حين يبصرني ... كأنما أنا أصبح وهو ديجور
لو رمت فخراً على المحبوب قلت له ... دمعي وثغرك ياقوت وبلور
أصناف جورة عطار بطلعته ... فخاله عنبر والخد كافور
أقام سوى الهدى خد له أبداً ... لحبة القلب فيه اليوم تسعير
لا ترج مني امتناعاً عن محبته ... وطرفه قادر والقلب مقدور
لنا بمقلته النجلاء ذو شطب ... له على فلك المريخ تدوير
أبدى ضروب بديع طرفه فله ... في فتية العشق تصريع وتشطير
حمت لواحظه معسول ريقته ... يا كوثراً متعتنا ورده الحور
يقول إن صدقتنا القول مقلته ... يا محرمي العشق إني كعبة زوروا
قد أخلصت كيمياء الحب وجنته ... كأنها للهوى العذري أكسير
لو لم يكن كيمياء ما تيسر لل ... أنفاس والدمع تصعيد وتقطير
يحيى بجعفر دمعي فيه فضل وفى ... أنا الرشيد به والقلب مسرور
يا دمع مقلتي الكشاف أنت لفي ... تقدير للحب تأويل وتفسير
وسعت بالدمع أشكالاً خلقت بها ... اقليدساً ولها في الخد تحرير
стр. 319
لله مجلسنا والغصن يعطفه ... من نسمة الصبح تقديم وتأخير
والنهر جسم بثوب الزهر ملتحف ... والزهر برد من الريحان مزرور
فصل الربيع إذا ما العشق وافقه ... للقلب فيه وللأشجار تقطير
وللسماء التباس بالرياض لما ... حكت كواكبها منها التصاوير
فالزهرة الورد والسعد الشقائق والم ... جرة النهر والجوزاء منثور
تصرفت بي أيامي لتنقصني ... فما تغيرت والتصريف تغيير
لا ينفع المرء تدبير يهذبه ... إلا إذا عضد التدبير تقدير
وقال أيضاً
شهودي على أني لاذن العلى قرط ... لباس التقى والعلم والشعر والخط
فإن قبلت مني الشهادة أثبتت ... مرادي وإلا فالصوارم والخط
حويت ملاك المجد من قبل أن يرى ... لمسك عذاري في صفا عارضي خط
ولم يقض لي الدهر الخوون مطالبي ... وها قد بدا للشيب في لمتي وخط
ألا أتشكى من زماني وقد غدا ... سلاحاً به يسطو على الأجدل البط
وتفترس الضان احتقاراً أسوده ... ويقصر عما يدرك الجعفر الشط
وتخضع شمس الأفق منه لدى السهى ... ويسجد لليل النهار وينحط
تخالف حكم الفضل والنقص عنده ... فهذا به قبض وهذا له بسط
وليس لأهل النظم فيه محرك ... فلا ماجد يعطى ولا شاذن يعطو
إلى الله أشكو جور دهري وجيرة ... نأوا بالجفا عني ولم ينأهم شحط
تباين ما بيني وبين أحبتي ... كان لم يكن وصل لدينا ولا ربط
نصيبهم مني دنو إذا جفوا ... رضا ونصيبي منهم أبداً سخط
ولو صوبوا أنظارهم بي وحاولوا ... خطا وصواباً لم يصيبوا ولم يخطوا
وقال
بدا شيب المحب فبان لما ... عذار حبيبه في الخد لاحا
فهذا صبحه أمسى مساءً ... وذاك مساءه أضحى صباحاً
وقال
دع الدنيا ولا تركن إليها ... فزخرفها سيذهب عن قليل
وإن ضحكت بوجهك فهو منها ... كضحك السيف في وجه القتيل
وأنشدني له شيخنا الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني في مرثية له في السيد مبارك بن مطلب قال وهو مما زعم أنه لم يسبق إليه وكان يقول لو لم يكن لي من الشعر إلا هذان البيتان لكفى
سفها توهم ما أرقن من الظبا ... أيدي القيون من الأشعة جوهرا
هذا عمود الماء طلقاً جارياً ... وافاه ما صدع العلى فتكسرا
قلت فإني لأعجب من زعمه أنه لم يسبق إليه وليس فيه غير تشبيه فرند السيف بالماء المتكسر وهذا المعنى في قول أبي العلا المعري من قصيدته المشهورة
وكل أبيض هندي به شطب ... مثل التكسر في جار بمنحدر
وقلت أنا في السيف وأظن أني لم أسبق إليه والله أعلم
لا تحسبن فرند صارمه به ... وشياً أجادته القيون فأبهرا
هذا ندى يمناه سال بمتنه ... فغدا يلوح بصفحتيه مجوهرا
الشيخ جمال الدين محمد
بن عبد الله النجفي المالكي من أولاد مالك الأشتر
ذو النسب الأشتري. والأدب البحتري. سماء فضل مشرقة البروج. وحديقة دب مزهرة المروج وطود حلم لا تزعزعه الرياح وبحر علم لا يفيض الامتياح طلع في سماء البيان سراجاً وعلي في سبع الطباق منها معراجاً ونهد إلى معاقل المعاني ببلاغته ففتحها وشرع أرشية أقلامه إلي قلب البديع فمنحها. ونظم في أسلاك القريض درة المنتقى. وأجرى سلسال ترسله بين العذيب والنقي إلى أخلاق وشمايل قال منها في رياض وخمائل. وصفاء سريرة وضمير. كرع منه في عذب نمير. إن ذكرت الفتوة فهو شيخها وفتاها. أو المروة فهو مصيفها ومشتاها. ولقد عاشرته حضراً وسفراً. فألفيته على العسر واليسر كما قال الشنفري.
فلا جزع من خلة متكشف ... ولا مرح تحت الغنى متجيل
стр. 320
وهو ممن دخل الهند وخدم سلطانها. وبوأته الجلالة في غربته أوطانها. وها أنا مثبت من قلايد عقيانه. وفرائد بيانه. ما تهتز له الأعطاف طرباً. وترشفه الأذواق ضرباً. فمن انشائه ما كتبه إلي مراجعاً في سنة ثلاث وسبعين وألف. الله يعلم أني لم أخم بفكرتي مبسم القلم. لا رسم خد القرطاس باسم ذلك العلم. إلا وبسطت الحيرة بناني. وقبض الحصر بياني. وصدرت بين أن أصدر الكلام بالسلام. أم أفتح الكتاب بالعتاب. وهل أقدم ثنائي عليه. أم أذكر أشواقي إليه. أحد كل أليف بصدر الكلام. من الكواكب في صدر الظلام. وأحلى بوجه الكتاب. من العقد في نحر الكعاب. إلا أن للنوي شيطاناً يوسوس في الصدور. ويبهم واضح الأمور. فلم أعلم أيهما أحسن موقعاً لديه. وأكرم موضعاً بين يديه. لعلي أنثر ألفاظاً تشرق بمعانيها. شرق الجواهر بمائها وتشرق بمبانيها. اشراق الزواهر بسمائها. وانظم كلاماً تذوب له حدا ثغور الحور. وتنقد غيرة منه عقود النحور. هيهات أن دون هذه المسرة. ورود نهر المجرة وقبل إدراك تلك المطالب. اجتناء نرجس الكواكب. وأي بليغ يتسع ذراعه. ويطول باعه. لئن يحرر ما يحسن وقعه. ويحمل ما يحمل رفعه. إلى الجناب الذي لو طاف به خطباء الأوائل. وأنكروا فصاحة سحبان وائل. ولو وقف به ابن ساعده. لتبؤ من العي مقاعده. ولعلم ثم كيف تشبه الألفاظ بالجواهر. والمعاني بالنجوم الزواهر. ولم ينسب النثر إلى الفرائد. والشعر إلى العقود والقلائد. ومتى يبرز الرق المسطور. بنضارة الروض الممطور. حرس الله تلك السماء التي تبهر بسهاها البدر. ولو أقلعت عنها تلك السحابة التي تغمر بقطرها البحر. ولا برح ذلك النادي الذي خزمت خلقته عرنين الندى. وتزينت بكواكبه سماء الهدى. وأضحى لبحر العلم قراره. وأمسى لبدر الفضل داره. حرماً لا يلجه صرف الزمان. إلا مقلداً بعهود الأمان. ولا زال تمر عليه الليالي حوالي الأجياد. والأيام في ذي الأعياد. أسأل الله أن يثني على ما أعانيه من ظماء القلب. إلى ورود ذلك المنهل العذب. وما أقاسيه من فحول الخاطر. لبعد ذلك الغمام الماطر. عودة يخضر لها عودي. ويورق بها غصن سعودي. وأن يوفقني لشكر الغمامة التي صدرت عن لج ساحته. والروضة التي وردت من سحابة راحته. فقد أحييت بقطر وأنهار. وحبيت برياحين وأزهار. إنه أرحم الراحمين. وكان كتب إلي كتاباً أخلى فقراته من السجع. وجرى فيه من استرسال الطبع. فكتبت. إليه. ما هذه البلاغة الفروية. وما هذه البديهة والروية. أكلما نشرت يمينك ورقة وضمت قلماً جلوت من الصحيفة ثغراً ومن المدام لمى. مهلاً أيها الخطيب المدرى. كم تحرص علي التلاعب بالكلام ونثره طوراً تبعثه سجعاً مقفى. وعسلاً مصفى. وتارةً فرائد امداداً. وطرايق قداداً. أما والبراعة وما وضعت. واليراعة وما رضعت. لقد رعت الدراري والدرر. وأرعبت الحجول والفرر. أملاعب يراع أنت أم ملاعب أسنه. وصاحب كتب أم كتايب مطلقة إلا عنه. لا بل الفضل أصبح لك وصفاً ونعتاً. وسمر اليراع انفردت بها برياً ونحتاً. فسللت من البلاغة سمتاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتى عذراً أيها العلم. مما ظغى به القلم. فقد بهرني نور كلامك. عن رد سلامك وشغلت عن رد السلام. فكان شغلي عنك بك. وقد وصل الكتاب الذي ألبس الثناء. وسلب العناء. وأشكى البث والحزن. وأنهل انهلال المزن. فلم أداري اليدين منه وأشكر. وأي الحسنين أصف وأذكر. أيد مبانيه التي أهدت الدر. أم يد معانيه التي كشفت الضر. فجدد المقلة. وأكد الثقة. إلى غير ذلك. فكتب إلي مجيباً. وسلك من البلاغة نهجاً عجيباً. أيد المخدوم بنصره. ودفع إلى يد اختياره زمام عصره. ما زلت أظن أن رحى البلاغة. تدور على قطب براعتي. وأن رياض الفصاحة. تشفى من رشح براعتي. وأن سحر البيان من نفثات أقلامي. وأن نور البديع من أكمة كلامي. حتى وقفت على ديباج الفضل. ودرج الكلام الفصل. وعقود يتيمات اللآل. وعقد السحر الحلال. وروضة الأدب الأنف. وعقيلة الرسائل والصحف. فتبين ثم صدى الأبنية. من رعد الغمام. وطنين الذباب من رنين الضرغام. وتميز رضاض الغبرا. من دراري الخضرا. فسرحت سوام نظري في ذلك الروض الأغن. وأكثرت من تلاوة أن بعض الظن. وجعلت أقلب في ممر تلك الأنامل الوابلية. وممشى تلك البراعة البابلية. التي ما للجداول رسوم مشيها ولا لمساقط الوسمي أثر لعابها. ولا لمحاجة
следующие страницы →