Полный текст (350 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الشيخ شرف المدرسين عبد الرحمن وجيه الدين بن عيسى بن مرشد العمري نسباً الحنفي مذهباً علامة القطر الحجازي ومفتيه، ومولى معروف المعارف ومؤتيه. وبحر العلم الذي لا يدرك ساحله. وبره الذي لا تطوى مراحله. أشرقت في سماء الفضائل ذكاء ذكائه. وخرس به ناطق الجهل بعد تصديته ومكائه. فأصبح وهو للعلم والجهل مثبت وما حق. وسبق إلى غايات الفضل وما للوجيه لا حق.
حتى طار صيته في الآفاق. وانعقد على فضله الوفاق، وانتهت إليه رياسة العلم بالبلد الأمين فتصدر وهو منتجع الوافدين والآمين. منه تقتبس أنوار أنواع الفنون. وعنه تؤخذ أحكام المفروض والمسنون. تشد الرحال إلى لقائه. ويستنشق أرج الفضل من تلقائه. وتصانيفه في أقسام العلم صنوف. وتآليفه في مسامع الدهر أقراط وشنوف. إن نثر فما أزاهر الرياض غب المزن الهاطل، أو نظم فما جواهر العقود تحلت به الغيد العواطل وها أنا أقص عليك من خبره. ما يزدهيك وشي حبره.
وأتلو عليك من تفصيل حاله. ما يروقك خصبه وتأسف على امحاله. ثم أثبت من منظومه بعد منثوره. ما يطرب الأسماع بحسن مأثوره فصل في ذكر انتقال جده من شيراز إلى الحجاز وتوطنه بمكة المشرفة على الحقيقة لا المجاز. وخبر ابتداء أمر الشيخ المشار إليه. وذكر من أخذ عنه وقرأ عليه قرأت في بعض التذاكر ما نصه. قدم جده الشيخ مرشد إلى مكة المشرفة من بلده شيراز في حدود الثلاثين وتسعمائة وكان وروده إليها بعد أن وصل إلى الديار الرومية وخدم سلطانها الأعظم يومئذ ببعض مؤلفاته ثم استوطن مكة المشرفة متصدياً للتأليف والتدريس مع الانقطاع للعبادة وألف حاشية على تفسير البيضاوي لم تتم بل بقيت مسودة وله عدة تعاليق وشروح وحواش ورسائل وتفرقت كتبه إلى الآفاق بأيدي تلامذته لصغر أولاده وكان أصغرهم والد صاحب الترجمة الشيخ عيسي فحفظ القرآن واستقل وكتب الخط الحسن وصار المشار إليه فيه وجميع ما على أبواب المسجد الحرام والمدارس السلطانيه العظام من الآيات والطرازات بخط المشار إليه تأهل في حدود سنة أربع وسبعين وتسعمائة وولد له صاحب الترجمة ليلة الجمعة خامس جمادي الأولى سنة خمس وسبعين وتسعمائة ونشأ في حجر والده وحفظ القرآن العظيم وقرأ به التراويح في المسجد الحرام أما ما وحفظ الألفية والأربعين حديثاً للنووي وكنز الدقائق إلا قليلاً منه والجزرية والشاطبية وقطعة من منظومة التلخيص للجلال السيوطي وغير ذلك وشرع في الاشتغال في حدود سنة ثمانين وتسعمائة ولازم الشيخ عبد الرحيم بن حسان وقرأ عليه الآجرومية وشرحها للفاكهي ومقدمة الشيخ محمد الحطاب وشرح القواعد الصغرى للشيخ خالد الأزهري وشرح القطر للمصنف وقطعة من الألفية والمنهل الصافي للدماميني ما عدا شيأً يسيراً منه وشرح التصريف للسعد التفتازاني مع حاشيته وفي علم الفقه منية المصلى وربع العبادات من شرح النقاية وقطعة من شرح الكنز للعيني وأخذ عن القاضي علي بن جار الله بن ظهيرة الحنفي الفقه والفرائض وقطعة من شرح المنار وشرح النخبة لابن حجر العسقلاني في دراية الحديث وشرح السراجية في الفرائض لمير باد شاه الحنفي وقرأ على الملا عبد الله السندي آداب البحث وأخذ علم العروض عن الشيخ محمد بن علي الركروك الجزايري قرأ عليه شرح السيد الغرناطي على الخزرجية فأجازه إياه مع رواية الصحيحين والشفا وروى صحيح البخاري عن الامام شمس الدين محمد الرملي الشافعي وأجازه المذكورون وغيرهم بتدريس مدرسة المرحوم محمد باشا في حدود سنة تسع وتسعين وتسعمائة فدرس بها صحيح البخاري وأملي عليه شرحاً بلغ فيه إلى باب رفع العلم وظهور الجهل فعزل عنها ووافا مدرسها السابق ونظم منظومة في علم التصريف عدتها خمسمائة بيت من بحر الرجز وشرحها شرحاً مستوفي وشرح كتاب الوافي في علم العروض والقوافي.
стр. 37
وألف رسالة مسماة ببراعة الاستهلال. فيما يتعلق بالشهر والهلال. ونظم رسالة متعلقة بمنازل القمر. موسومة بمناهل السمر. وشرحها وكتب على آية الكرسي رسالة وكتب قطعة على الخزرجية وولى التدريس سنة خمس بعد الألف فدرس به في أوائل شهر ربيع الثاني من السنة المذكورة وشرع في كتابة شرح على كنز الدقائق مجرداً عن نقل خلاف غير المذهب فشرح كتاب النكاح والرضاع وكتاب الحج منه بديباجة مستقلة فصار كتاباً مفيداً في المناسك وذلك في سنة ثمان بعد الألف وأفتى بعد موت شيخه القاضي علي بن جار الله على مذهب أبي حنيفة وانتهت إليه الفتوى بالديار المكية انتهى. وقرأت في إجازته للشيخ العلامة شهاب الدين أحمد المقري الأندلسي ما نصه. كان مولدي بمكة المشرفة ليلة الجمعة الخامس من جمادي الأولى سنة خمس وسبعين وتسعمائة فلقبت بشرف المدرسين وهو تاريخ عام ولادتي المذكورة على ما جرت به عادات المشارقة من ضبط تواريخ المواليد والوقائع بلفظ يكون عدد حروفه بحساب الجمل مطابقاً لعدد ذلك العام ثم شرعت في الاشتغال على علمآء الحرم. ومن يفد إليه من عرب وعجم بعد أن حفظت القرآن العظيم وصليت به التراويح اماماً بالمسجد الحرام سنين عديدة وحفظت متوناً عديده.
في فنون مفيده. أجزت بها عند عرضها على المشايخ ثم قلدت تدريس مدرسة الوزير محمد باشا التي بمكة المكرمة في عام تسع وتسعين وتسعمائة فدرست بها الجامع الصحيح للبخاري وأمليت عليه شرحاً إلى كتاب العلم وصنفت في عام ألف منظومتي التي في الصرف التي قلت في آخرها شعر
فهاك نظماً شافياً في الصرف ... ألف في مكة عام ألف
ثم اشتغلت بالتأليف والتدريس والاشتغال إلى أن قلدت الأمر الخطير. والشأن الذي لولا الرجا لعفو الله لكنت منه على وجل كبير. وهو القيام بأعبآء الفتوى في سنة إحدى عشرة بعد الألف وهي سنة وفاة شيخنا الامام. شيخ مشايخ الاسلام. الشيخ علي ابن جار الله بن ظهيرة القرشي الحنفي مفتي مكة وابن مفتيها فباشرته حسبة إلى سنة عشرين بعد الألف فقلدت الافتاء السلطاني وخدمة الامامة والخطابة بالمسجد الحرام ثم قلدت في سنة سبع وعشرين بعد الألف تدريس المدرسة السليمانية فأقرأت فيها تفسير البيضاوي مع حاشية جدي الشيخ مرشد العمري وكنت في أيام الشباب. وخلو الزرع من الأوصاب. ربما تعلقت بأهداب الشعر فلي فيه قصائد ومقاطيع وأسئلة منظومة وأجوبة كذلك حسبما يرد من ذلك النوع واخوانيات ومداعبات. والغازات ومعمايات ومعارضات. وقد امتدحت شريف مكة وحامي حماها الحسن بن أبي نمي بن بركات بقصيدة عارضت بها قصيدة ابن هانيء المغربي التي مطلعها
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر
وامتدحت ابنه المسعود بقصيدة ذات تواريخ ستة مشجرة في أبياتها على اسلوب عنوان الشرف لابن المقري فلما تقلدت القيام بأمر الفتوى أشغلني ذلك. عن سلوك هذه المسالك.
وأنشدت قول المعري
بعين الشعر أبصرني أناس ... فلما ساءني أخرجت عينه
خروجاً بعد راء فهو راء ... فسار الشعر مني الشرع عينه
اللهم إلا ما يستدعيه الحال من أجوبة ما برد إلي من رسائل الاخوان مشتملة على نظم قلائد العقيان. فتقتضي لمشاكله. والموافقة في المراسله. فلي أجوبة عما ورد إلي من علماء الآفاق. مما يستدعيه الوفا. وقد اجتمع عندي من ذلك شيء كثير. ضمن سفر كبير. ولي ديوان خطب لاني منذ تقلدت الخطابة لم أزل أنشي في كل نوبة خطبة تناسب الوقت فاجتمع عندي من ذلك في نحو عشر سنين ما يناهز الستين انتهى ما أردت نقله من كلامه في اجازته المذكورة وعد من مصنفاته فيها الفتح القدسي. تفسير آية الكرسي. وتعميم الفائده. بتفسير المآئده. وهي رسالة وقع الكلام فيها على معنى قول الجلال السيوطي عند تفسير قوله تعالى لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير. ومنه إثابة الطائع وتعذيب العاصي وخص العقل ذاته فليس عليها بقادر.
стр. 38
ومنها شرح صحيح البخاري المقدم ذكره وشرح مناسك الكنز. المسمى بفتح مسالك الرمز. ومنها رسالة تتعلق بالوقف مسماة بوقوف الهمام المنصف. عند كلام الامام أبي يوسف. ألفها لما وقع الخلاف بينه وبين بعض المفتين في مسئلة تتعلق بالأوقاف ومنها المنظومة في علم التصريف. المسماة بترصيف التصريف. وشرحها الموسوم بالشرح اللطيف. ومنها الوافي. لشرح الكافي. في العروض والقوافي. ومنها شرح عقود الجمان. في المعاني والبيان. للجلال السيوطي شرحها مزجاً بشرح مطول. يكاد يزيد على المطول. ومنها رسالة منظومة في منازل القمر. وشرح عليها موسوم بمناهل السمر. ومنها كتاب يتعلق بالشهور والأيام. وما يناسب ذلك من مباحث وكلام. له بكل علم تعلق والمام. مسمى ببراعة الاستهلال. فيما يتعلق بالشهر والهلال ومما لم يذكره شرح ألفية الجلال السيوطي والأشعار. بما لقائله من الانشا والأشعار. والله أعلم ولم يزل ممتطياً صهوة العز المتين. وراقياً ذروة طود الجاه الركين. لا يقاس به قرين. ولا تطأ آساد الشرى له عرين.
إلى أن تولى الشريف أحمد بن عبد المطلب مكة المشرفه. ورفل في حلل ولايتها المفوفه. وكان في نفسه من الشيخ المشار إليه ضغن. حل بصميم مهجته وما ظعن. فأمر أولاً بنهب داره. وخفض محله ومقداره. ثم قبض عليه قبض المعتمد على ابن عمار. وجزاه الدهر على يديه جزاء سنمار. إلا أن المعتمد أغص ابن عمار بالحسام الأبيض. وهذا طوفه هلال فتر من أنامل عبد أسود. فجرعه طعم كاس الموت الأحمر. وكان قد أبقاه في مجلسه إلى ليلة عرفه. ثم خشى أن يسعى في خلاصه من أكابر الروم من عرفه. فوجه إليه بزنجي أشوه خلق الله خلقاً. وتقدم إليه لقتله في تلك الليله خنقاً. فامتثل أمره فيه. وجلله من برد الهلاك بضافيه. فأقفرت لموته المدارس. وأصبحت ربوع الفضل وهي دوارس. وذلك في عام سبع وثلاثين وألف ومن الاتفاق إن الشريف المذكور قتل هذه القتلة بعينها. حتى تقاضت منه الليالي ما أسلفته من دينها. وفي الأثر كما تدين تدان. وهذا حال الدهر مع كل قاص ودان.
فصل وهذا حين أثبت من نثره الباهر. ونظمه المزرى بعقود الجواهر. ما تستلذه المسامع. ويطرب له الناظر والسامع. فمن نثره البديع ما كتبه إلى شيخ الاسلام محمد بن سعد الدين المفتي بقسطنطينية يقبل الأرض التي تمنى الشمس إن لو حظيت منها بالقبل. وبدلتها ببرج درجة شرفها الحمل.
أرضاً تقاعست عنها الأفلاك. أرضاً ترافعت على الفرقدين والسماك. أرضاً تحيط بها الأعاظم. إحاطة الهالة بالقمر. أرضاً تنيط بها الأفاخم. ما يختص به كل من نهى وأمر. أرضاً أعد التضمخ بثراها طيبي. وأرى التخلق ببراها أعز سهم من نصيبي. أرضاً تنافس حصباؤها الدراري. أرضاً تنافح شذا المسك الداري. أرضاً تمشت فيها إقدام تستقل الثريا موطئاً ومرقي. وتجل عن أن ترى بينها وبين السها في العلياء فرقاً. أرضاً مقبلة بشفاه الأعاظم. مبجلة بشفاه الأفاخم. بها تشديد بنيان المعالي. بها تأيد إيوان الأعالي. بها اكتحلت ألحاظ الموالي. بها افتخر الثرى على الأثير العالي. ولا بدع إذ هي ممشى لسيد كرع من معين الفضل سلسبيله. وأوضح لمفترع هضاب الفرع دليله. وأصبح كماله موقي من العين والعيب فلا مجال لعين الرضى عن كل عيب كليله. أعلم من قضى وأفتى. أفضل من باشر التدريس والأفتا. أكثر العلماء علماً. أغزر مشايخ الاسلام فهماً. أجمع أرباب العلوم رواية. أوسع أصحاب الفهوم دراية.
стр. 39
أرفع أهل النصوص رايه. أبرع ولى الخصوص آيه. ابن الأثير دونه في الأثر. ومسلم مسلم له صحة الخبر. من سد على ابن الجوزي طرق المجاز. وفتح على ابن معين باب الأعواز. وتواتر خبر فضله. وعرف حديث بيته القديم ولم يكن غريباً في أهله. واعترف له ابن كثير بقلة الجمع. وقال الفخر لمعقوله ما أنت وأدلة السمع. وتطامن ابن الحاجب لشرف أصله. ومنى القطب بالقطوب عند بيان جنسه وفصله. وأصبح النظام لديه مجدلاً. وكان الانسان أكثر شيء جدلاً. وابن مالك عنه اكتسب تلك الملكة في العربية. وأقر ابن عصفور إنه ليست له حوصلة على هذه الفنون الأدبية. وأضحى به مذهب النعمان منصوراً. ونصر الايمان عليه مقصوراً وأناط به ملك الربع المسكون مهمات الدين والدنيا. فابان فيهما عن الباع الأطول واليد العليا. وصارت أعتابه العلية لذوي الفضائل قبله. وأبوابه السنية مترافعة عن أن يحظي النجم منها بقبله. ما قصدها قاصد من مشارق الأرض ومغاربها. إلا ونال أقصى مرام نفسه ومطالبها. ولا انتسب إليها منتسب إلا ارتفع قدره على الفلك. وكان دليلاً على أفضلية خواص البشر على خواص الملك. سيدنا ومولانا وسندنا وملجأنا. شيخ الاسلام. ومفتي الأنام. مولانا محمد أفندي بن سعد الدين.
لا زال مؤيداً به الشرع المبين. ولا برح الاسلام به مؤيد الحجج والبراهين. والايمان به مسدد الأدلة والتبيين. وينهى إلى حضرته التي هي الغاية القصوى للآمل. والنهاية الرجوى لكل عالم وعامل. بعد إهداء سلام عبق الأكوان عنبره وريحه. ونبت في الأرجاء الحرمية عبهره وشيحه. مع دعاء ترفعه الملائكة من مواطن الاجابة. وتثبته في دواوين الدعوات المستجابة. البقاء على صدق الخلوص في الانتساب. إلى ذلك المقام العالي. الذي هو عند أولي الألباب. من أعظم المفاخر والمعالي. ولعمري لهو الشرف الأقعس. والمجد الأنفس. فنسأل الله تعالى أن يبقيه على رؤسنا تاجاً. ولنفوسنا طريقاً إلي الخير ومنهاجاً. هذا وقد ورد الكتاب الكريم. والخطاب الوسيم. فتشرفنا بوصوله. وتزينت حلالنا بحلوله. واتخذناه خوذة من سطعات الدهر. وعوذة من تسلطات القهر. وقر الناظر وصوله. وسر الخاطر حلوله. كيف لا وقد تضمن تبليغ المراد والمرام. والانعام بمناصب الافتاء والخطابة والامامة بالمسجد الحرام. لا زالت منن مولانا في أعناق الأنام. هي الأطواق والناس أكمام. إلى غير ذلك والسلام. ومنه ما كتبه إلى السيد محسن بن الحسين حين صالح عمه الشريف ادريس ابن الحسن وذلك في عام خمس عشرة بعد الألف. يقبل الأرض مهنياً بما عم بشره كافة البشر. ورفعت له في قلوب الرعايا رايات الفرح والظفر. ودقت له نوبات التهاني. وبلغت به أنفس الأوداء غاية الأمل والأماني، وانشد لسان الحال. على الارتجال
حسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته السن الحساد
وأرادته أنفس حال تدبي ... رك ما بينها وبين المراد
فلعمري لقد كان الداهية الدهياء. والصاخة العميا
فكيف يتم بأسك في أناس ... تصيبهم فيؤلمك المصاب
هل أنتم النفس تفرقت في أجسام. ونفس تصاعد من اخشام
لا عدا الشر من بغي لكما الشر ... وخص الفساد أهل الفساد
أنتما ما انفقتما الجسم والرو ... ح فلا احتجتما إلى العوّاد
فوالله لقد ناجتني بذلك نفسي. وقرطس في غرض الإصابة سهم حدسي. وكنت جاز ما بان هذه الحالة لا تستقر. وإن نار الحرب بينكما لا تستعر. أني يتمي ذلك وأنتم السنم رصانه. التي لا توازيها الأطواد ثباتاً ورزانه. لستم ممن يستخفه الطيش ويستشيره. ولا من لا ينظر فيما يقتضيه قبل الأمر ولا دبيره. بل أنتم ممن جبل على الرحمة والرأفة. واستحكمت بينكما اللحمة والالفة. وتواصلت بينكم الارحام. وحفظ فيكم الذمام.
منع الود والرعاية والسو ... دد إن تبلغا إلى الاحقاد
وحقوق ترقق القلب ولو ... ضمنت قلوب الجماد
حتى أني كنت ممن يشاهد هذا الأمر من كتب. ويتحققه تحقق من سطر وثائقه وكتب. فأرخت ذلك بقولي عاقبة الأمر هو الصلح. فكان فالاجاء كفلق الصبح. فالحمد لله الذي أبدل الضراء بالسراء. وأزال عن المسلمين الباس والبأساء. وجمع بكم شمل السيادة. وحرس بكم بلاده
стр. 40
فغدا الملك باهراً من رآه ... شاكراً ما أتيتما من سداد
فيه أيديكما على الظفر الحلو ... وأيدي قوم على الأكباد
هذه دولة المكارم والرأ ... فة والمجد والندا والايادي
كسفت ساعة كما تكسف الشمس ... وعادت فنورها في ازدياد
لله در أبي الطيب، كأنما شاهد هذه الواقعة. فوضع هذا الدر مواضعه. فلا بدع للمتنبي إذ أخبر بالمغيبات. وحدث عما هو آت. وكان ذلك مما له من المعجزات. والآيات البينات. فالله تعالى يصون شملكم عن التفريق. ويوشى شملكم بطراز الوفاق والتوفيق. ويمتع بكم الرعايا. بل كافة البرايا. والسلام. على الدوام. ومنه ما كتبه إلى الشريف ادريس بن الحسن سلطان مكة المشرفة مهنياً له بالبرء من مرضه الذي مرضه بالشرق. يقبل الأرض متضرع اعتاض من الهجوع الهجود. وارتاض بالركوع والسجود. ولاذ بالملتزم الشريف والمستجار. وعاذ بالركن المنيف والاستار. وتوصل إلى الله تعالى بكل نبي ورسول. وتوسل إليه في أعز مرام وسول. مذ طرقه طارق أسهره وأقلقه. وأوقعه في بحار الفكر والمغرقة. وأضجعه على القتاد والمعك. حين لايم ذلك الجسد الشريف الوعك. فإني لك والتجري على حمي مصون بأسوار السور. يحوط بها عن تطرق الحوادث والغير. لم يزل قايماً في طاعة خالقة ومنشيه. دائماً في مساعي مبدعه ومبديه. كيف تطرقت الحمى إلى ذلك الحمي. وإني استجازت المقام حيثما. يا لها جرأة على متهيب. واقداماً على ممتنع متجنب. لكن لا بدع في ذلك. ولا عجب مما هنالك.
فمنازل الحمى الجسوم فقل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها
اعجب بها شرفاً فطال وقوفها ... لتأمل الأعضاء لا لاذاتها
وإلا
فكيف تعلك الدنيا بشيء ... وأنت المستغاث لم ينوب
وكيف تنوبك الدنيا بداء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب
فوعزتك القعسا. وصحتك التي أطابت للمعالي نفساً. لئن اعتللت فقد اعتلت لعلتك السماء والأرض. وتمارض لمرضك الباس والكرم المحض. بل اعتل لعلتك في العيون الغمض. وذوى لذلك شباب الزمان الغض. فالحمد لله الذي أزال العرض بعد حصول الانتفاع بثوابه. وابعد المرض عن ذلك الجسم اللطيف وما ثوى به. فقد رفعت في ساحات التهاني رايات البشاير. وتليت في منازل الأماني آيات الأشاير وظهر برهان البعد الباهر. وأنشد لسان المجد معبراً عن ضميره باسمه الطاهر. فقال. واطلب المقال.
المجد عوفي مذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم
صحت بصحتك الغارات وابتهجت ... بها المكارم وانهلت بها الديم
وراجع الشمس نور كان فارقها ... كأنما فقده من جسمها سقم
فنوسع المنعم على هذه النعمة حمداً وشكراً. ونصير الثناء على ذلك اللسان ذكراً وللجنان ذكراً. إذ من علينا بشفاء سيد تفرد في شأو المعالي. وارتفع شأنه على الأثير العالي. وتفرع غصنه من دوحة النبوة والخلافة. وتضوع نشره من سوحة الفتوة والشرافة وأحيا الله به مآثر آبائه الصيد من آل هاشم. وأعيابه الغلب الصناديد من كل غاشم. وحمي بكلاءته حمي البيت المطهر. وحرس بإيالته سوح حرمه الأطهر. واختاره على الخليقة خليفة. وامتازه بكل سجية شريفة. وجمع له بين فحامة القدر. ولطافة الخلق السبط الحسن. وأتاح له مآثر جده الكامل الخلق السبط الحسن. ومنحه الشفقة على رعيته. والرأفة عند استجاشة شهامته وحميته. فالله تعالى يبقيه وساحته عن تطرق الغير محروسة. وباحته بكل عزأ ولعز مانوسة. فالحمد لله على بلوغ الأمل باجابة الدعا وقبول العمل ممن تبتل ودعا. وقد كان الواجب على العبد المثول بنفسه إلى تلك الحضرة العالية. والحلول بتلك الرحبة السامية. ليتملى بطلعة مولانا وقد تسربل بسربال الصحة. ولبس ثياب الشفا فتلك أعظم منحه. غير إن العجز أقعده. وسوء الحظ أبعده فأناب كتابه منابه. وأقامه سفيراً يبلغ ما نابه. مهنياً مولانا بالصحة والعافية. ومصح جسده الشريف بيد الله الشافية
وما أخصك في بر بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا
стр. 41
فالله تعالى يبقيك محروساً بجناب مأنوس القباب. متلفعاً من الجلالة بأشرف جلباب. مستقراً على كراسي الملك. وأعداؤك في الهلك. بجاه جدك ﵇. وآله البررة الكرام. وصحبه الخيرة الأعلام. ومنه ما كتبه مراجعاً للشيخ أبي المواهب البكري في سنة اثنين وعشرين وألف أن أشرف ما تتوج به المفارق والرؤس وأبهر ما تبتهج به المهارق والطروس. وأبهي ما ينظم في سلوك السطور. من الدرر الباهرة لدرر النحور. وأنهي ما يرقم في صكوك الصدور. من الغرر المضاهية للآلى البحور. تحيات نظمت بأنامل الاخلاص عقودها. وتسليمات رقمت بطراز الاختصاص برودها. تشفعها الأدعية التي على السن المقربين تتلى. وتشيعها الأثنية التي في مناص الكروبيين تجلى. مرفوعة في الموقف الأعظم. متلوة في المستجاد والملتزم. صادرة من قلب منيب أواه. ناظرة أن ليس في الوجود إلا الله. فها ملائكة الاجابه. تحفها بالقبول والانابه. بأن يديم الله للعلم وأهله. ويبقى للفروع وأصله. بقآء مولانا الاستاذ الأعظم. والملاذ الأعصم. والجهبذ النقاد. والكوكب الوقاد. والبحر الزخار. والليث الزءار. عالم الاسلام على الحقيقه. الجامع للشريعة والطريقه. كشاف مشكلات العلوم. حلال معضلات الفهوم. شعر
علامة العلمآء واللّج الذي ... لا ينتهي ولكل لج ساحل
الامام العلامه. الهمام الفهامه. شيخ الاسلام. ملجاء الأنام. مفتي المسلمين. صدر المدرسين. الحبر النحرير. امام الفقه والتفسير. وما يخدمهما من أصول وفروع. وما يتبعهما من مرفوع ومشروع. مولانا الشيخ أبي المواهب محمد الصديقي البكري. مفتي السلطنة الشريفة. بالقاهرة الزاهرة المنيفه. أدامه الله للاسلام ملاذاً. وللأنام ملجأ ومعاذاً. ورفع به عماد البيت الصديقي. وأسطع به منار المحتد العتيقي. هذا والمنهى إلى حضرته بعد اتجافه بتحف تحيات مسكية الأرج.
واشفاعها بطرف تسليمات مكية المنعرج. البقاء على أكيدود يشهد الله بحقيقته. وأطيد عهد لم يحل ولم يحل عن طريقته. لم يزل ماداً أكف ضراعة لم ترد. وألسنة شفاعة لا يكفح صاحبها ولا يصد. في مواقف عرفه. ومزالف مني ومزدلفه. وسوح البيت والملتزم. وخلف المقام وزمزم. بأن يمتع الله الاسلام والمسلمين ببقآء مولانا الذي هو بركة العالمين. فإن في وجوده جمال هذا الوجود. وشهوده كمال كل شاهد ومشهود. وقد وصل الكتاب المبين. والخطاب الذي جاء به الأمين. فياله من كتاب أعجز سائر البلغا. فاضمحل عنده وجودهم ولغا. فاتخذه المملوك عوذة من سطوات الدهر. وخوذة من صدمات القهر. وأحله مواضع الحواس الخمس من الرأس. وجعله من أحزابه المتلوة لدفع البؤس والبأس. فالله تعالى يبقيه ماناً على كل عبد رقيق بالمكاتبه. ومنعماً على كل صديق راسله أو كاتبه. وإن تلفت إلى أحوال هذه الديار. وآثار هذه الأقطار.
فهي بحمد الله بغاية من الأمان. ونهاية من الرفاهة والاطمئنان. وذلك لما بين عميدي السادة الأشراف. من الاتفاق والائتلاف. وإنما ذلك ببركة شمول أنفاسكم الطاهرة لأهل هذه البقاع بالدعا. وملاحظتهم بالخاطر الذي حفظ الله به عبوده ورعا. وقد كان الجمع في هذا العام كبيراً والحج أكبر. وشملت المغفرة إن شآء الله تعالى كل فاجر فما بالك بالبر. ودعونا لكم في تلك المشاهد. وذكرنا كم في تلك المعاهد. وكان من جملة من حج في هذا العام. أسعد الموالي الكرام. فسعدنا برؤياه. وحظينا بلقياه. فياله من عالم عامل. وصالح كامل. وكان مما اخترعه على ولاة هذه الديار. أبطال بيع التنباك واطفاء هاتيك النار. فأجيب على ذلك. ونودي بمنعها في الأسواق والمسالك.
стр. 42
ومنه إنه التمس أن لا يكون خطيب الجمعة الأحنفيا في أيام الموسم لأن غالب الحجاج من طائفة الأروام. وخطر بباله هذا المعنى في أول جمعة بعد الحج وهي الموافقة للسادس عشر من ذي الحجة الحرام. فأرسل إلى حضرة مولانا الشريف وقد ناهزت الشمس الزوال. والتمس من حضرته ذلك فأجابه إلى السؤال. وكان الخطيب ذلك اليوم شافعياً وقد عقد طيلسانه. واصلت لادآء الخطبة منصله ولسانه. فأرسل حضرة مولانا الشريف إلى حضرة هذا الفقير. وأمره بمباشرة الجمعة وقد أدرك وقتها غير يسير فقابل الأمر بالامتثال. وبرز على غير أهبة في الحال. فجمله الله ببركة ملاحظتكم وسدده. وكان الاستمداد في ذلك اليوم من أنفاسكم مدده. فخطب خطبة ارتجلها على المنبر. وكان المشار إليه في مقام إبراهيم البر. وكان الخطيب بذلك المجمع. بمرأى من أسعد ومسمع. فتعجب من تلك البديهه. وقرض المحب بما يقتضي تنويهه. فالله تعالى يمددنا بمدكم. ويطيل لنا في مددكم. والسلام ومنه هذه الخطبة التي أنشأها لعقد جدي السيد الأمير محمد معصوم ببنت عمه السيد الأمير نصير الدين حسين رحمهم الله تعالى. الحمد لله الذي بعث محمداً المعصوم بالدين القيم والشريعة القائمه. وجعل ملته لسائر الملل عن ارضاع ثدي البقآء فاظمه. أحمده على أن أقام بأحمد نظام الدين فزاد تعظيماً وتشريفاً. وأوحى إليه في الكتاب المبين أن أتبع ملة إبراهيم حنيفا. وأشكره على أن أذهب عن أهل بيته الرجس وطهرهم تطهيرا. وتولى نصره على الأعدآء وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيرا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تطيب بها النفس وتقربها العين. وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله المجعول ذريته من نسل الحسن والحسين. صلى الله عليه وعلى آله الذين من تمسك بولائهم فقد ازدلف إلى الله قربا. وعمل بمضمون قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى. وعلى أصحابه الذين دلت سورة الفتح على مناقبهم. وقلت الأنجم عن بلوغ شأو مراتبهم. صلاة وسلاماً يتقارنان تقارن الايجاب والقبول. ويتواردان عليه مع نسائم الصبا والقبول. أما بعد فإن العنصر النبوي لا يزال ظاهر النمر طاهر الانتماء. كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. ناهيك بنتيجة مقدمتاها الوصي والبتول. فلا غرو إن زكت الفروع لزكا هاتيك الأصول. فمن ثم وجب أن تصرف الهمم العلية إلى تكثير فروعها وثمارها.
وتوجه الشيم الأبية إلى تقريرها واستقرارها. وذلك بالنكاح الذي به تحفظ الأنساب. ويكون لبقائه ثم من أتم العلل وأقوى الأسباب. كيف وقد نطق الكتاب العزيز بمشروعيته. ودلت الأحاديث النبوية على سنيته. قال الله تعالى علواً وقدراً. وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهرا. وقال تعالى مهنياً لعباده بهذه النعمة. ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة. وقال تعالى وهو أعز قائل. يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل. وقال صلي الله عليه وعلى آله وسلم مبيناً يمنه لهذه الأمة. التزويج بركة والولد رحمة. وقال صلي الله عليه وعلي آله وسلم معرضاً بمن لم يكن بشأنه معني. النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني. وقال صلي الله عليه وعلى آله وسلم منفراً عن العزوبية والايامة. تناحكوا تناسلوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة. وقال صلي الله عليه وعلى آله وسلم مبيناً الاقتداء به والائتساء. حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء وقال صلي الله عليه وعلى آله وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج وفضل صلي الله عليه وعلى آله وسلم الأبكار على غيرهن بكثير.
стр. 43
فقال تزوجوا الأبكار فإنهن أعذب أفواهاً وأشق أرحاماً وأرضي باليسير. وعاتب صلي الله عليه وآله وسلم جابراً. حيث لم يكن على النكاح يثابر. فقال هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك يا جابر والأخبار الواردة في فضله كثيرة وهي في مظانها معروفة وشهيرة. وفيما أوردنا من ذلك كفاية ومقنع. سيما من كان بمرأى من الاصغاء ومسمع. ولما ذكرناه من فضائله. وسردناه من براهينه ودلائله. مال إلى التحلي بعقوده. والتجلي في موشيات بروده. السيد السند. الأصيل الأوحد المعتمد. الجليل الأمجد. خلاصة الصدور الأجلاء الأكابر. سلالة السادة الأعزاء ذوي المفاخر. المتفرع من دوحة السيادة. المترعرع في روضة السعادة. ذي الفضائل العديدة. والشمائل الحميدة. المقتفي آثار أسلافه الكرام. المرتقي بهمته العلية إلى أشرف مقام. السيد محمد معصوم ابن الصدر الأجل الكبير. ذي القدر الأشم الخطير. فخر السادة الذين تجملت بهم المحافل والمجالس. وتكملت بهم الصدور والمدارس. ونظموا بجيد الوجود عقود فرائدهم.
ونثروا على بساط المناظرة جواهر فوائدهم. وأحيوا مآثر علوم الأوائل. وأقاموا على المطالب العلية مسلمات البراهين والدلائل. وسارت مصنفاتهم في سائر الآفاق. وأذعن لهم بالتسليم أهل الخلاف والوفاق جمال ذا العصر كانوا في الحياة وهم. بعد الممات جمال الكتب والسير. الامام العالم العلامة. الهمام الكامل الفهامة. ناشر لوآء التحقيق. جامع معاني التصور والتصديق. السيد الأعظم الأمجد. مولانا نظام الدين أحمد. سقي الله ضريحه شآبيب الرحمة. وأسكنه الفراديس مع آبائه الأئمة. فرغب في نكاح مخطوبته الحرة الطاهرة المصونه. الدرة الفاخرة الثمينه. ذات الجناب الرفيع. والحجاب الضافي المنيع. السيدة الجليله. المثيلة الأصيله. العفيفة الصينه. المتفرعة من دوحة السيادة والسلطنه. المتربية في مهود العقل والصيانه. الموفية بعهود الاتصاف بالديانه. الشريفه فاطمة ابنة سيدنا ومولانا الذي انعقد على جلالته الاجماع. واعترف له بالتقدم في ميدان الفضائل بلا نزاع. كشاف مشكلات المسائل. حلال معضلات الدلائل. اللامعة أساريره بأنوار التنزيل. الجامعة تقاريره لآثار التأويل. المعترف بالعجز عن مداركه العلمآء الجهابذة. المغترف من بحار فوائده الأساتذه. فضلاً عن التلامذه. الجامع بين شرفي العلم والنسب. الحائز لفضيلتي المجد الموروث والمكتسب. شعر
علامة العلمآء واللج الذي ... لا ينتهي ولكل لج ساحل
سيد العلمآء المحققين. سند الفضلاء المدققين. جامع المعقول والمنقول. مستنبط الفروع من الأصول. قطب دوائر التحقيق صدر صدور المدرسين. فخر السادة الصلحآء المقدسين. مولانا السيد نصير الدين حسين. لا زال بالنظر إلى وجه ربه قرير العين. وصان ابنته المشار إليها. وأسبل ستر الصيانة والديانة عليها. وذلك على كتاب الله وسنة رسول الله. ومهر قدره والمقدم ما وقع التراضي عليه. مما المقام في غنى من الاشارة إليه.
ومن أحسن شعره قوله مادحاً سلطان مكة المشرفة الشريف حسن بن أبي نمي بن بركات وابنه الشريف أبا طالب ومهنياً لهما بظفر الثاني منهما بأهل شمر وهو جبل بنجد وعارض بهذه القصيدة كما زعم قصيدة محمد بن هانيء المغربي الآتي ذكرها
نقع العجاج لدى هياج العثير ... أزكى لدينا من دخان العنبر
وصليل تجريد الحسام ووقعه ... في الهام أشدى نغمة من جؤذر
وسنا الأسنة لامعاً في قسطل ... أسنى وأسمى من محيا مسفر
وتسربل في سابغات مزرّد ... أبهى علينا من قباء عبقري
وتتوج بقوانس مصقولة ... أزهى علينا من سدوس أخصر
وكذاك صهوة سابح ومطتهم ... أشهى إلينا من أريكة أحور
ولقا الكمى مدرعاً في مغفر ... كلقا العرين بمقنع وبمخمر
ألفت أسنتنا الورود بمنهل ... علقت به علق النجيع الأحمر
وسيوفنا هجرت جوار غمودها ... شوقاً لهامة كل أصيد أصعر
فتخالها لما تجرد عند ما ... هاج القتام بوارقاً بكنهور
стр. 44
وصهيل جرد الخيل خيل كأنه ... رعد يزمجر في الجدي المثعنجر
ودم العدا متقاطراً متدفقاً ... كالوبل كالسيل الجزاف الجوّر
ورؤسهم تجري به كجنادل ... قذفت به موج السيول الهمرّ
غشيتهم في العام منا فرقة ... تركت فريقهم كسبسب أقفر
أودتهم قتلاً وأجلتهم إلى ... أن حطم الخطى ظهر المدبر
تركت صحاراهم موائد ضمنت ... أشلآء كل مسوّد وغضنفر
ودعت ضيوف الوحش تقريها بما ... أفنى المهند والوشيج السمهري
فأجابها من كل غيد زمرّة ... تحدو منار عملّس أو قسور
وأظلها ظلل نشاص صحابها ال ... مر المركوم أجنحة البزاة الأنسر
فبراثن الآساد تضبث في الكلى ... ومخالب العقبان تنشب في المرى
شكرت صنيع المشرفية والقنا ... إذ لم تضفها الهبر غير مهبر
فغدت قبورهم بطون الوحش من ... ها يبعثون إذ دعوا للمحشر
وخلت ديارهم وأقوى ربعهم ... وسرى السرى مشمراً عن شمر
أُنفت من استقصآء قتل شريدهم ... كيما يخبر قائلاً من مخبري
فثنت أعنة خيلنا أجيادها ... عن قتل كل مزند وحزوّر
حتى إذا حان القطاف ليانع ... من أرؤس تركت ولما تؤبر
عصفت بها ريح المنون فالقحت ... وتحركت بزعازع من صرصر
فدعت سراة كماتنا لقطافها ... بأنامل القصب الأصم الأسمر
ملأ تشوق إلى الكفاح نفوسهم ... توقانها للقا الرواح المعصر
يغشون أبطال الوطيس بواسماً ... كالليث أن يلق الفريسة يكشر
وتخالهم فوق الجياد لوابساً ... سدّا يمور من الحديد الأخضر
فأذاهم ازدحموا بجزع وانثنوا ... أورى زناد دروعهم ناراً يرى
جيش طلائعه الأوابد ان تصخ ... لوجيبه من قيد شهر تنفر
يقتاده الملك المشيح كأنه ... بين العوالي ضيغم في مزأر
ملك تدرع بالبسالة فاغتنى ... يوم الوغا عن سابغ وسنور
ملك تتوج بالمهابة فاكتفى ... عند الطعان لقرمه عن مغفر
ملك تذكرنا مواقع عضبه ... في الهام وقعة جده في خيبر
ملك إذا ما جال يوم كريهة ... لم تلق غير مجدل ومعفّر
ملك يجهز من جحافل رأيه ... قبل الوقيعة جحفلاً لم ينظر
ملك تسنم ذروة المجد التي ... من دونها المريخ بل والمشتري
ملك نداه البحر إلا أنه ... عذب أهذا البحر نهر الكوثر
ملك إذا ما جاد حدث مسنداً ... عن جوده جود الغمام الممطر
ملك علا قدراً فكنته العلا ... بأبي على فهو أعلى مفخر
ملك سما عن أن أصرح باسمه ... لسموه عن كل وصف مشعر
ملك قفا سنناً سنياً سنه ... للمجد والده الزكي العنصر
الأشرف الشهم الذي خضعت له ... شم الأنوف وكل جحجاح سرى
الأفضل السند الذي بجنابه ... لاذ الغطارفة الأولى من حمير
الأكمل الندب الذي أوصافه ... أنست سما الوضاح وابن المنذر
الأكرم المفضال من إحسانه ... أربى على كسرى الملوك وقيصر
ذو الهمة العليا الذي قد نال ما ... عنه تقصّر همة الاسكندر
شرفاً تقاعست الكواكب دونه ... لو لم تمد بنوره لم تزهر
هبها بمنطقة البروج مقرها ... أمنا هزٌ هذا بنوة حيدر
كلا فكيف بمن حواها جامعاً ... نسباً سما بابوة المدثر
стр. 45
أعظم بها من نسبة نبوية ... علوية تنمي لأصل أطهر
قد شرّفت بدءاً بأشرف مرسل ... ونهايةً بالسيد الحسن السرى
فخر الخلائق درة التاج الذي ... بسواه هام ذوي العلا لم تفخر
بشر ولكن في صفات ملائك ... جليت لنا أخلاقه فاستبصر
لم تلقه يومي وغاً وعطا سوى ... طلق المحيا في حلي المستبشر
يلقى العفاة وقد تلألأ وجهه ... بسنا السرور وذاك أنضر منظر
يعفو عن الذنب العظيم مجازياً ... جانيه بالحسنى كان لم يوزر
يا سيد السادات دونك مدحة ... نفحت بعرف من ثناك معطر
قد فصلت بلآلئ المدح التي ... وقف ابن أوس دمنها والبحتري
وافتك ترفل في برود بلاغة ... وراعة ببرود صنعا تزدرى
صاغت حلاها فكرة قد صانها ... شمم الاباء عن امتداح مقصر
ما شانها نظم القريض تكسبا ... لولا مقامك ذو العلا لم تشعر
ما شانها إلا اكتساب فضائل ... تغنيه عن شرف العظام النخر
فوردت منهلها الروى فلم أجد ... أحداً فنلت صفاه غير مكدر
فنهلت منه وعلني بنميره ... وطفقت وارده ولما أصدر
وطفقت فيه غائضاً للآلئ ... في غير نظم مديحكم لم تنثر
لا تدعني العليا رضيع لبانها ... إن كنت في تلك المقالة مفترى
خذها عقيلة كنز خدر فصاحة ... سفرت نقاباً عن محيا مسفر
جمعت بلاغة منطق الأعراب مع ... حسن البيان ورقة المستحضر
لو سامها قس لما سمعت له ... بعكاظ يوماً خطبة في منبر
شرفت على من عارضته بمدح من ... أضحى القريض به كعقد جوهري
فاستجلها وافت تهني بالذي ... نفحت بشائره بمسك أذفر
نصر تهز بنوده ريح الصبّا ... خفقت على هام الأشم الحزمري
هو نجلك المنصور دام مؤيداً ... بك أينما يلق العزيمة يظفر
لا زلتما في ظل ملك باذخ ... وجنود ملككم ملوك الأعصر
مستمسكين بهدى جدكم الذي ... بالرعب ينصر من مسافة أشهر
أهدى الآله صلاته وسلامه ... لجنابه في طي نشر العبهر
ولآله ولصحبه والتابع ... ين لهم باحسان ليوم المحشر
ما استنشق الأبطال في يوم الوغا ... نقع العجاج لدى هياج العثير
قلت ربما تشوق الواقف على هذه القصيدة إلى قصيدة ابن هانيء المعارضة لها فيحب الوقوف عليها فلا يجدها وها هي قد أوردتها بجملتها وقد نقلتها من ديوانه قال أبو القاسم محمد بن هانيء الأندلسي يمدح جعفر بن علي أمير الزاب من المغرب
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعاً ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر
وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر
ابنى العوالي السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير
القائد الخيل العتاق شوازياً ... خزراً إلى لحظُ السنان الأخزر
شعث النواصي حشرة آذانها ... قب الأياطل داميات الانسر
تنبو سنابكهن عن عفر الثرى ... فيطأًن في خد العزيز الأصعر
جيش تقدمه الليوث وفوقها ... كالفيل من قصب الوشيج الأسمر
وكأنما سلب القشاعم ريثها ... مما تشق من العجاج الكدر
وكأنما شملت قناه ببارق ... متألق أو عارض مثعنجر
стр. 46
ويقوده الليث الغضنفر معلماً ... من كل شثن اللبدتين غضنفر
تخذ القبول من الدبور وسار في ... جمع الهرقل وعزمة الاسكندر
في فتية صده الدروع عبيرهم ... وخلقوهم علق النجيع الأحمر
لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... ما عليه من القنا المتكسر
أًنسوا بهجران الأنيس كأنهم ... في عبقري البيد جنة عبقر
يغشون بالبيد القفار وإنما ... تلد السنبتي في اليباب المقفر
فرواية الصنديد تخبر عنهم ... وأسامة الصديق أصدق مخبر
قد جاوروا أجم الضواري حولهم ... فإذا هم زأروا بها لم تزأًر
ومشوا على قطع النفوس كأنما ... تجري سنابك خيلهم في مرمر
قوم يبيت على الحشايا غيرهم ... ومبيتهم فوق الجياد الضمر
وتظل تسبح في الدماء قبابهم ... فكأنهن سفائن في أبحر
فحياضهم من كل مهجة خالع ... وخيامهم من كل لبدة قسور
من كل أهرت كلح ذي لبدة ... أو كل أبيض واضح ذي مظفر
حي من الأعراب إلا أنهم ... يردون ماء الأمن غير مكدر
راحوا إلى أم الريال عشية ... وغدوا إلى طيب الكثيب الأعفر
طردوا الأوابد في الفدافد طردهم ... للاعوجية في مجال العثير
ركبوا إليها يوم لهو قنيصهم ... في زيهم يوم الخميس المصخر
إنا لتجمعنا وهذا الحي من ... بكر أذمة سالف لم تخفر
أخلاقنا فكأننا من نسبة ... ولداتنا فكانتا من عنصر
اللابسين من الجلود الهبر ما ... أغناهم عن لامة وسنور
لي منهم سيف إذا جردته ... يوماً ضربت به رقاب الأعصر
وفتكت بالزمن المدجج فتكة ... البراض يوم هاجين ابن المنذر
صعب إذا نوب الخطوب استصعبت ... متنمر للحادث المتنمر
فإذا عفا لم تلق غير مملك ... وإذا سطا لم تلق غير معفر
وكفاك من حب السماحة إنها ... منه بموضع مقلة من محجر
فغمامه من رحمة وعراصه ... من جنة ويمينه من كوثر
يحكى أنه أنشد هذه القصيدة وممدوحه راكب في جيشه فلما أنشد قوله
بني العوالي السمهرية والمواضي ... المشرفية والعديد الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير
ترجل العسكر كله ولم يبق أحد راكباً سوى الممدوح فلا يعلم سؤال كان جوابه نزول عسكر جرار غيره ومن الغريب ما توهمه بعض أهل العصر إن ابن هانيء مدح بهذه القصيدة سيف الدولة بن حمدان ممدوح المتنبي ويستدل على ذلك بقوله فيها
لي منهم سيف إذا جردته ... يوماً ضربت به رقاب الأعصر
كيف وابن هانىء لم يدخل المشرق قط كما ذكره القاضي ابن خلكان وأما الاستدلال بالبيت فليس بشيء فإن الشعراء تشبه الممدوح بالسيف والسنان وبالسهم كما قال ابن هانىء من قصيدة أخرى في جعفر
إذ عيشنا في مثل دولة جعفر ... والعدل فينا ضاحك والنائل
ندعوه سيفاً والمنية حده ... وسنان جد والكتيبة عامل
وقد وقفت في ديوان حسان بن ثابت شاعر النبي ﷺ على قصيدة في وزان قصيدة ابن هانيء الرائية ورويها يفتخر فيها بقومه ويعدد أفعالهم وقد رأيت ايرادها هنا فإنها في غاية الحسن وديوانه قليل الوجود وهي
أنسيم ريقك أختٍ آل العنبر ... هذا أم استنشاقه من مجمر
أبديد ثغرك ما أرى أم لمحة ... من بارق أم معدن من جوهر
أودعتني بلحاظ ثغرك حرقة ... الهبت جمرتها بطرف أحور
ونشرت فرعك فوق متن واضح ... وطويت كشحك فوق خصر مضمر
قولي لطرفك أن يكف عن الحشا ... سطوات نيران الهوى ثم اهجري
стр. 47
وانهي جمالك أن ينال مقاتلي ... فينال قومك سطوة من معشري
إني من القوم الذين جيادهم ... طلعت على كسرى بريح صرصر
وسلبن تاج الملك قسراً بالقنا ... واخذن قهراً درب آل الأصفر
آبائي من كهلان أرباب العلا ... وبنو الملوك عمومتي من حمير
قدنا من اليمن الجياد فما انثنت ... حتى حوت بالصين مهجة يعبر
ورمت سمرقنداً بكل مشقف ... لهج باحشاء الفوارس أسمر
ووطأَن أرض الشام ثم وفارساً ... بالحارث اليمني وابن المنذر
صبحت بلاد الهند بالبيض التي ... صبحت بها كسرى صبيحة دسير
ونصرن في الأحزاب حزب محمد ... وكسون مومة ثوب موت أحمر
وطلعن من رجوى حنين شرباً ... يحملن كل سليل قوم مسعر
ماذا يريد إذا الرماح شجرنه ... درعاً سوى سربال طيب العنصر
يلقى الرماح الشاجرات بنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطرف اصطبر لشبا القنا ... فهدمت ركن المجد إن لم تعقر
وإذا تأَمل شخص ضيف مقبل ... متسربل أثواب خل مقفر
أومى إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحر
كم قد ولدنا من نجيب قسور ... دامي الأظافر أو ربيع ممطر
سدكت أنامله بقائم مرهف ... وثبير فائدة وذروة منبر
كم فوق وجه الأرض من ذي ثروة ... لولا فواضل رفدنا لم يذكر
لولا صوارم يعرب ورماحها ... لم تسمع الآذان صوت مكبر
نحن الذين نذل أعناق القنا ... ونعز بالمعروف قل المعسر
قحطان قومي ما ذكرت فخارهم ... إلا علوت على سنام المفخر
السابقون إلى المكارم والعلا ... والحائزون غدا حياض الكوثر
فإذا أردت بأن ترى مسعاتنا ... فصل النواظر بالسماك الأزهر
لو أَمت الجوزاء أن تعلو إلى ... أعلى ذؤَابة مجدنا لم تقدر
ثم الصلاة على النبي وآله ... ما لاح برق في غمام ممطر
قال المؤلف عفا الله عنه لما وقفت على هذه القصائد أحببت النظم عليها فقلت مادحاً الوالد في سنة ثلاث وسبعين وألف
لمن الكتائب في العجاج الأكدر ... يخطرن في زرد الحديد الأخضر
ضربت عليهنَّ الرماح سرادفاً ... دُعمت بساعد كل شهم أصعر
والبيض تلمع في القتام كأنها ... لمع البوارق في ركام كنهور
وصليل وقع المرهفات كأنه ... رعد يجلجل في أجش مزمجر
والراية الحمراء يخفق ظلها ... يهفو عليها كل ليث مزئر
والخليل قد حملت على صهواتها ... من كل أصيد باسل ذي مغفر
متسربل بالقلب فوق دلاصه ... متلثم بالنقع لما يسفر
في موقف كسف الظهيرة نقعه ... فأضاءها بشروق وجه مقمر
يختال في حلق الدلاص كأنه ... يختال منها في مفوّف عبقر
في فتية أَلفوا الأسنة والقنا ... فقبابهم قصب الوشيج الأسمر
يغرون بيضهم الرقاب وينهلوا ... زرق الأسنة من نجيع أحمر
شادوا عمادهم بكل مثقف ... لدن ومجدهم بكل مشهر
حلّوا من العلياءِ قمة رأسها ... وحووا بسالة أكبر عن أكبر
من منهم الملك المهيب إذا بدا ... خضعت له ذلاً رقاب الأعصر
فخر المفاخر والمآثر والجحا ... فل والمحافل والعلا والمنبر
القائد الجيش العرمرم معلماً ... من كل ليث ذي براثن قسور
السائق الجرد المذاكي شزبا ... تخطو وتخطر بالرماح الخطر
стр. 48
الفالق الهامات في يوم الوغا ... والسمز بين محطم ومكسر
الشامخ النسبين بين ذوي العلا ... الباذخ الحسبين يوم المفخر
الواهب البدرات يتبعها الندى ... من جوده بسحاب تبر ممطر
يجلو دجى الآمال منه بنائل ... متلأليء وبوجه جود مسفر
ولكم جلا رهج القتام بباتر ... متألق وسنان أسمر سمهري
ملك إذا ما جاد يوماً أوسطا ... فالخلق بين مملك ومعفر
من دوحة المجد الرفيع عماده ... والفرع يعرب عن زكي العنصر
ما ينقضي يوماً شهير نواله ... إلا واتبعه بآخر أشهر
هذا الذي صدع القلوب مهابة ... وأذل كل عملس وغضنفر
هذا الذي غمر الأنام سماحة ... من جوده الطائي الجليل الأبهر
هذا الذي حاز المكارم قعساً ... وسواه يلطم خد حزن أقفر
هذا نظام الدين وابن نظامه ... نسب يؤَل إلى النبي الأطهر
لمعت أسرة نوره في وجهه ... فازور عنها كل لحظ أخزر
يجلو لنا من حلمه في حزمه ... أخلاق ثدى العارض المثعنجر
لله جدك أي مجد حزته ... فشأوت كل مقدّم ومؤخر
أنت الذي أحرزت كل فضيلة ... ووردت بحر الفضل غير مكدر
ظميت أماني الرجال لدى العلا ... فوردت منهلها ولما تصدر
واليكها غرآء قد أبرزتها ... تجلى بشكرك في ندىّ المحضر
أحكمت نظم قريضها فتناسقت ... كالعقد يزهو في مقلد جؤْذر
يزكو بمدحك نشرها فكأنني ... أزكيتها منه بمسك أذفر
ما ضاع نشر ثنائها في مجلس ... إلا تفتق عن ذكي العنبر
واسلم على درج المعالي راقياً ... يا جل أخبار وأصدق مخبر
وما أحسن قول بعضهم على هذا الوزن والروي
من كل أبلج واضح ذي صورة ... يمشي إلى الهيجاء مشي غضنفر
يلقى الرماح بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر
رجع إلى شعر الشيخ عبد الرحمن صاحب الترجمة فمنه أيضاً مادحاً السيد ثقبه ومهنئاً له بعافية ابنه السيد قتادة ومتشكراً من انعام أنعمه عليه
أقبل أرضاً حفها الله بالسعد ... والثم ترباً عرفها فائق الند
وأهدى سلاماً عبّق الكون نشره ... وفاق شذ النسرين والآس والورد
صخيب ثناء فصلت در عقده ... وفضله الرائي على الجوهر الفرد
وحاكته أيدي غانيات فضائل ... تحجبن إلا عن لقاء ذوي المجد
ووشته حتى خيل برداً منمنماً ... عل منكب العلياء طرّز بالحمد
ومذ نشرته فاح في الكون عرفه ... وأهدى إلى الأرواح رائحة الند
وأنشد من أضحى لرياه ناشقاً ... إلا يا صبا نجد متى هجت من نجد
رديف دعاً هزت معاطف غصنه ... قبول قبول فهي مائسة القد
تبختر في روض الانابة ساحباً ... مطراف أذيال الاجابة بالقصد
إلى حضرة عليا مقدسة سمت ... وجلت عن التعريف بالرسم والحد
وناف عن الألفاظ كنه احاطة ... بمعني معاليها العلية عن عد
وقصر عنها الواصفوها وإن يكن ... خطيب عكاظ وامريء القيس والجعدي
وإني وإن كنت المقصر عنهم ... سأبذل في مدحي وتقريضه جهدي
وهيهات أن أحصى ثناء لقائل ... تشرف جبريل بخدمته جدي
مليك له هام الفراقد منزل ... تبوأه ارثاً عن الأبّ والجد
مليك سنا الاجلال لاحت بوجهه ... مخايله مذ كان في حوزة المهد
مليك إذا ما جال في حومة الوغا ... ترى الهام تهوى في الرغام على الخد
стр. 49
تخيلها خرت لتقبيل حافر ال ... صوافن كيما تستجير من الحد
فإن شمت برقاً لاح في أفق غيهب ... من النقع قل ذا سيفه سل من غمد
وإن سمعت إذناك صوت قعاقع ... من الرعد قل ذا صوت أفراسه الجرد
وإن أبصرت عيناك سيلاً عرمرماً ... يسيل فقل هذا نداه لمستجدي
وإن عبق الأكوان نشر معنبر ... فقل ذا شذا أوصافه الفائق الند
وإن تر شمس الأفق قد أشرقت فقل ... سنا وجهه الوضاح لاح لمستهدي
وإن تر بدر الجو بين كواكب ... فقل هو في ابنائه الغراذ يبدي
وإن تر نوراً في المجرة لاح قل ... محجته البيضاء تهدي إلى الرشد
فمن كأبي عجلان في العلم والحجا ... وفي الفضل والتقوى وفي العلم والزهد
ومن كأبي عجلان للسيف والقنا ... وللحرب إذ قال العدا أزمة اشتدي
ومن كأبي عجلان في البأس والندى ... وفي الشرف البذاخ والعز والمجد
فيا سيد السادات دونك مدحة ... تفاخر در السمط بل جوهر العقد
قريض محب لم يزل متمسكاً ... بعروتك الوثقى المنوطة بالعهد
شكور لنعماك التي ألبسته من ... نسج يد الأفضال من أفخر البرد
وهيهات لا أسطيع شكر صنيعها ... ولكن على مقدار ما يقتضي جهدي
ولا سيما إن ذكرته مدائحي ... بسابق وعد كان من صادق الوعد
فلا زال محروس الجناب ممتعاً ... بابنائه الصيد الغطارفة الأسد
ولا سيما السامي لا فخر رتبة ... تسمنها بالعزم والحزم والجد
بهي الصفات الغر والمجد والسنا ... سمى السمات الساميات عن العد
قتادة حاوى المكرمات ومن علا ... على هامة الجوزاء من فلك السعد
ومن في سماء المجد أشرق نجمه ... وأضحت به الأكوان وردية الخد
وهزت له العليا معاطف بشرها ... وغنت حمام الايك في عذب الرند
تهنيه إذ حاكت له بيد الشفا ... معاطف تغنيه عن السابغ السرد
لعمري لقد عم الهنا كل مهجة ... لما ضمنته في مخبأة الود
فلا زال في ثوب المسرة رافلاً ... يجرر أردان السعادة والمجد
بسوح أبيه السيد المالك الذي ... تقلد من حلى السيادة بالعقد
وتوجه نور النبوة مغفراً ... تطرز بالاقبال والعز والسعد
وألبسه جاش الخلافة سابغاً ... تدرعه من سطوة الدهر إذ يعدى
فلا زال في عز السعادة مالكاً ... زمام العلا والدهر من جملة الجند
بجاه النبي الطهر مستنصراً وبالا ... ئمة أعني من ختامهم المهدي
عليهم صلاة الله ثم سلامه ... يدومان ماهز الصبا عذب الرند
وما حكت في مدح المليك قصائداً ... وطرزتها بالشكر والمدح والحمد
ومن شعره أيضاً وقد المس منه الاغا بهرام الشريفي تاريخاً لقاعته التي أنشأها بمكة المشرفة بمنزله المعروف الطلب على المسعى تجاه باب السلام فقال
غنى على عود السعود هزارى ... وشدا على الأوتار بالأوطار
في قاعة حل السعود بقائها ... وبقاعها حلى اللجين الجاري
قد شرفت بجوارها لمعاهد ... هي سوح بيت الله ذي الاستار
فلها الأمان بيمن من قد جاورت ... والأكرمون يرون حق الجار
مدت على المسعى الشريف ظلالها ... لتفيؤ الحجاج والعمار
ورنت إلى باب السلام مشيرة ... بسلامة من سائر الأكدار
طاف الطراز بها كمنطقة حوت ... لجواهر قد رصعت بنضار
стр. 50
ومياه بركتها المباركة التي ... قد أشبهت صرحاً من البلار
طرحت أشعتها كواكب سقفها ... فيه وقام الماء بالفوّار
يحكي عموداً من لجين قائماً ... في أرض تبرأ ونضار جاري
سال النضار بها وقام الماء في ... هذا فحار بها أولو الأبصار
بسطت بها البسط التي من وشيها ... حاكت رياض خمائل الأزهار
وغدت نمارقها بها مصفوفة ... بأرائك مسدولة الأستار
هي من منازل جنة لمشيدها ... عنوان منزله بعقبي الدار
وهو الأمين أبو المعالي من غدا ... عين الوجود وناظر النظار
فحر الأماثل عمدة الوزراء في ... دول الملوك السادة الأطهار
المستشار المستضاء برأيه ... عند اجتلا الآراء والأشوار
بهرام أغا لا زال دهراً آمناً ... من سائر الأسواء في الأسوار
فإشارة التاريخ لفظي قالها ... بالأمن من صرف الزمان الضاري
إن صح عند الضبط فيه قولنا ... بجوار بيت الله أمن الجار
وعلى النبي وآله وصحابه ... صلى وسلم ذو الجلال الباري
ما غردت ورق الرياض بدوحها ... وترنحت بنسائم الأسحار
وقال مخاطباً ومداعباً الشيخ أحمد بن حكيم الملك في يوم النيروز ومستدعياً منه بعض لوازمه
يا حكيماً أيامه نيروز ... وعظيماً من دونه فيروز
وكريماً به المكارم تسمو ... ولجم النوال منه تحوز
دم مهنا بيوم نيروز سعد ... أنت فيه معظم وعزيز
لترجى نوالك العذب فيه ... فتية للسماك حقاً تجوز
نورزونا مما تنورزتموا منه ... إذ كان ذاك شيئاً يجوز
واطفئا بالنمير قلباً تلظى ... بلهيب من دونه تموز
وابق في رفعة ترى الشمس حسري ... من علاها وما بذاك تفوز
وانعمن بالجواب منك شتابا ... بمرامي ولا تقل لي هنوز
فائدة ذكر سيبويه النيروز في باب الأسماء الأعجمية وقال نيروز بالياء المثناة من تحت وحكي غيره بالواو وقال علي كرم الله وجهه ورضي عنه نوروزنا كل يوم وليس فيه حجة على سيبويه لأن العرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية تصرفت فيها كيف شاءت قاله العكبري وقال الواحدي يقال لهذا اليوم نوروز على العجمية ونيروز تقريباً من التعريب ومثله من العربية ديجور وهذا أولى بالاستعمال لنه على أوزان كلامه انتهى. وقال في مليح سقط عن حصانه في السباق
لا تظنوا السقوط منه لعجز ... منه بالسبق فهو بالسبق عارف
إنما كان ذاك بالقصد لما ... رامت الأرض لثم تلك المعاطف
وقال مضمناً
أدار لنا الساقي الرشيق مدامة ... إذا نفحت شيحاً روائحها شبا
كبدر أحاطته من الشهب هالة ... ولم أر بدراً قبلها قلد الشهبا
ومن شعره أيضاً قوله
من كان صاحب قدر ... أو كان صاحب قدره
فليتخذ من نضار ... لطابة الأنس قدره
فالشيء يزداد ظرفاً ... إن ناسب الشيء قدره
وفي مثل هذه الصنعة من الجناس قول الربيع البلخي في الشاس وهو بلد بما وراء النهر
الشاس في الصيف جنه ... ومن أذى الحر جنه
لكنني تعتريني ... فيها لدى البرد جنه
وقول أبي بكر الخوارزمي في النسيب
يا شادناً مت قبلهقد صار في الحسن قبلهامنن على بقبله
رجع ومن شعره قوله مضمناً
إذا الحبشي راوده مريد ... أجاب ولو تسمط بالعذار
فلا تمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العماة والخمار
وقوله وقد كتب على مائدة أهديت إلى الشريف محسن بن حسين
مائدة قد أصبحت ... بكل خير مائده
قد بسطت في مجلس ... فيه الوفود وافده
تؤم من بفضله ... كل الملوك شاهده
стр. 51
المحسن المفضال من ... بالبشر يلقى قاصده
انسى نداه حاتماً ... ومعنا ابن زائده
دامت سعوده على ... طول الزمان صاعده
ما شكر العفاة في ... يوم الندى محامده
وما تلونا ربنا ... انزل علينا مائده
وقوله مؤرخاً قاعة السيد عبد المحسن بن حسن والقافية موقوفة
يا من أجال اللحظ في ... حسنى المنزه عن قسيم
متأملاً في بهجتي ... وبديع أسلوبي الحكيم
حصّن بهاء محاسني ... بالآي والذكر الحكيم
وانظر لانجم عسجد ... في لازورديّ الأديم
قد أشرقت ككواكب ... يسطعن في الليل البهيم
بل كالزهور تبسمت ... في الروض باكره النسيم
بل كالعقود تنظمت ... من خالص الدر اليتيم
تبدى سروراً بالذي ... هو في مغانيها مقيم
نجل الملوك الصيد آ ... ل المصطفى البر الرحيم
الذائدين بعضبهم ... عن بيت ربك والحطيم
حاوي المفاخر والعلا ... مغني المؤمل والعديم
مولى الندى مولاي عبد ... المحسن الندب الكريم
نجل المليك أبي المعالي ... المحسن الحسن الحليم
لا زال في تخت الخلا ... فة دائماً وبها مقيم
ولما لكى دام الهنا ... والسعد والمجد المقيم
وقوله في أثناء كتاب
ربما تجتني النفوس ذنوباً ... مع رشاد إلى طريق الصواب
لاجتلاب العتاب وهو لذيد ... مع حفظ العهود للأحباب
وقوله
أحبابنا طال عمر البين بين شج ... أودى به الشوق والذكرى وبينكم
وخانه لصبر لما رام هجركم ... فلا توالوه أشواقاً وبينكم
وقوله
أقول وقد شمت الدرارى تناسقت ... تناسق عقد قد تفصل بالدر
بعثت لنا در الكلام قلائداً ... ولا عجب أن يصدر الدر من بحر
ويعجبني من معمياته قوله في أحمد وحله بعمل التشبيه
وغصن من الكافور أبصرت تجته ... شويخاً من الركبان أصبح راكعاً
وقد شد زناراً بحقويه وانثنى ... على قوسه لما توكا خاشعاً
ولنكتف من نظمه ونثره بهذا المقدار على أنه قطرة من دأماء. ونجمة من سماء. وكتابه الأشعار. كافل بجميع ما قاله من الانشا والأشعار فصل ولما نعي الشيخ المذكور إلى سميه الشيخ عبد الرحمن العمادي مفتي الشام كتب إلى علامة عصره الشيخ أحمد المقري من جملة كتاب. وأما مصيبة من كان وليتي وسميتي ومنجدي. السعيد الشهيد المرحوم عبد الرحمن المرشدي. فإنها وإن أصابت منا ومنكم الأخوين. فقد عمت الحرمين. بل طمت الثقلين. ولقد عد مصابه في الاسلام ثلمه. وفقد به في حرم الله من كان يدعى للملمه. ولم يبق بعده إلا من يدعى إذا انحاس الحيس. واستحق أن ينشد في حقه وإن لم يقس به قيس.
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وقال الأديب الشيخ محمد بن عبد الله باقشير يرثيه
سائل الربع عن يمين الجسر ... خبر الظاعنين إن كان يدري
منزل طالما استهاجك فيه ... علق الوجد أو هديل القمري
امنحاه بعد الخليط ركام الودق ... عن أعين السحاب الغر
نال منه الزمان ما نال والقد ... رة لله من امام العصر
الذي كان رزؤنا فيه رزؤا ... ضم اعشار كل قلب وصدر
مأتم انحب المقام وأبدى ... جزع الركن والنوى بالحجر
واهيضت قوادم العلم والتا ... ع فؤاد النهي لنظم ونثر
تلكم النكبة التي أذن الله ... بايفائها غداة النحر
اقشعرت لها جلود اناس ... أنزل الله نعتهم في الذكر
ابن عيسي بن مرشد والذي نال ... وإن كانت المقادير تجري
غصة انحبت لهات المعالي ... بشج ضم نصبها بالكسر
стр. 52
أي ثاوٍ قد غيب الترب منه ... طود مجد مقلل مشمخر
خلق يفضح المدام وعرم ... قسوري واريخية بدر
وسجايا تقاعست دون شأوي ... نيلها طلع النجوم الزهر
فهي لله من عفاف وتقوى ... وهي للناس من حفاظ وبر
لم يزل رائد المنون إلى أن ... نال أسنى فروعها بالهصر
فقضت ما القضاء مجريه قسراً ... والردى اثر كلنا يستقري
يتبع اللاحق المؤم ولم يأ ... ل اجتهاداً في أن يبيد ويدري
والجناب الذي أبى الله إلا ... أن ينال الرضى بأعظم أجر
استخيرت له الشهادة والخلد ... أبي من أن يحل بقسر
وهو من عاش لا ذميم المساعي ... وقضى مؤجراً بما الله يدري
فليصب مضجعاً توالاه من مغد ... ودق السحب ذو وشأبيب تمري
وضروب من رحمة الله تغشي ... جدثا ضمه ليوم الحشر
أخوه القاضي شهاب الدين أحمد بن عيسى المرشدي شهاب الفضل الثاقب، الشهير المآثر والمناقب. سطع في سماء الأدب نوره. وتفتق في رياضه زهره ونوره. وامتد في البلاغة باعه. فشق على من رام أن يشق غباره أتباعه. لا تلين قناة فضله لغامز. ولا يلمز أدبه المبرأ من العيب لامز. كان قد ولى القضاء بمكة المشرفة. فنال به من أمله ما طمح بصره إليه واستشرفه. ولما حصل أخوه في قبضة الشريف أحمد بن عبد المطلب. ومنى منه بذلك الفادح الذي قهر به وغلب. حصل هو أيضاً القبض والأسر. وأردف معه على ذلك الأدهم بالقسر. حتى جرع أخوه تلك الكاس. وأنعم عليه بالخلاص بعد اليأس. فراش الدهر حاله. وأعاد منها ما غيره وأحاله، ولم يزل فارغ البال. من شواغل النكد والبلبال. إلى أن انقضت أيامه. وتنبه له من دواعي المنون نيامه. فتوفى لخمس خلون من ذي الحجة الحرام سنة سبع وأربعين وألف واتفق تاريخ وفاته صدر هذا البيت
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
وله نظم بديع الأسلوب. يملك برقته المسامع والقلوب. فمنه قوله يمدح سلطان الحرمين الشريف مسعود ابن ادريس عام تسع وثلاثين وألف
عوجا قليلاً كذا عن أيمن الوادي ... واستوقفا العيس لا يحدو بها الحادي
وعرجا بي على ربع صحبت به ... شرخ الشبيبة في أكناف أجياد
واستعطفا جيرة بالشعب قد نزلوا ... على الكثيب فهم غيي وارشادي
وسائلاً عن فؤادي تبلغاً أملي ... أن التعلل يشفي غلة الصادي
واستشفعا تشفعاً تسآلكم فعسى ... يقدر الله اسعافي واسعادي
واجملا لي وحطا عن قلوصكما ... في سوح مردي الأعادي الضيغم العادي
مسعود عين العلا المسعود طالعه ... قلب الكتيبة صدر الحفل والنادي
رأس الملوك يمين الملك ساعده ... زند المعالي جبين الجحفل البادي
شهم السراة الأولى سارت عوارفهم ... شرقاً وغرباً بأغوار وانجاد
نرد عمار العلا في سوحه ونرح ... أيدي الركائب من وخد وايساد
فلا مناخ لنا في غير ساحته ... وجود كفيه فيها رائح غادي
يعشو شب العز في أكناف عقوته ... يا حبذا الشعب في الدنيا لمرتاد
ونجتني ثمر الآمال يانعة ... من روض معروفه من قبل ميعاد
فأي سوح يرجى بعد ساحته ... وأي قصد لمقصود وقصاد
ليهن ذا الملك إن ألبست حلته ... محيي مآثر آباء وأجداد
لبستها فكسوت الفخر مرسلها ... مشهراً يبهر المصبوغ بالجادي
علوت بيتاً ففاخرت النجوم علا ... والشهب فخراً بأسباب وأوتاد
ولحت بدراً بأفق الدست تحسده ... شمس النهار وهذا حرها بادي
وصنت مكة إذ طهرت حونتها ... من ثلة أهل تثليث والحاد
стр. 53
قد غرّ بعضهم الاهمال يحسبه ... عفواً فعاد لاتلاف وافساد
فذدتهم عن حمي البيت الحرام وهم ... من السلاسل في أطواق أجياد
كأنهم عند رفع الزند أيديهم ... يدعون حياً لمولانا بامداد
وما ارعووا فشهرت السيف محتسباً ... يا برد حرهم في حر أكباد
غادرتهم جزراً في كل منجدل ... كان أثوابه مجت بفرصاد
وأثمر السدر من أجسادهم ثمراً ... حلواً بأفواه أجداث وألحاد
سعيت سعياً جنيناً من خمائله ... نور الأمان لأرواح بأجساد
فكم بمكة من داع ومبتهل ... ومن محب ومن مثن ومن فادي
وعاد كل عصي مصلحاً وغدت ... أيامنا بالهنا أيام أعياد
وقاد كل قصى ذله وهلا ... وكان من قبل صعباً غير منقاد
نفى لذيذ الكرى عنهم تذكرهم ... وقائعاً لك بين الخرج والوادي
أباح سرحك أن يرعى منازلهم ... مهملاً كل معوج ومنآدي
من كل أبيض قد صلت مضاربه ... لما ترقي خطيباً منبر الهادي
وكل أسمر نظام الكلا وله ... إلى العدا طفرة النظام مياد
وصان وسمك في حاش مخالطة ... عن رب غزو تنضّاه بأحساد
أسكنت قلبهم رعباً تذكره ... ينسى الشفوق الموالي ذكر أولاد
أقبلتهم كل مرقال وسابحة ... يسرعن عدواً إلى الأعدا بأطواد
من كل شهم إلى الأعداء منتسب ... بسادة قادة للخيل أجواد
فهاك يا ابن رسول الله مدحة من ... أورت قريحته من بعد إخماد
فأحكمت فيك نظماً كله غرر ... ما أحرزت مثله أقيال بغداد
أضحت قوافيه والاحسان يشرحها ... روض البديع لأرصاد بمرصاد
ترويه عني الثريا وهي هازية ... بالأصمعي وما يروى وحماد
وتستحث مطايا الزهران ركدت ... كأنها إبل يحدو بها الحادي
وتوقظ الركب ميلاً من خمار كرى ... والليل من طول تدآب السرى هادي
أمتك تشفع إذلالاً لمنشئها ... فأقبل تذللها يا نسل أمجاد
وأسبل الستر صفحاً أن بدا خلل ... تهتك به ستر أعداء وحساد
وقل تقرب إلينا تستعز بنا ... ماحق مثلك أن يقصي بابعاد
لا زلت يا عز آل البيت في دعة ... تحف منهم بأنصار وأنجاد
مسعود جد سعيد الفال طالعه ... سعد السعود ملقيًّ كل إسعاد
بحق طه وسبطيه وأمهما ... والمرتضى والمثنى الطهر والهادي
صلى عليهم إله العرش ما سجعت ... قمرية أو شدا في أيكة شادي
وهذه القصيدة تجارت في مضمار معارضتها أدباء العصر. فمنهم من نكص على عقبيه ومنهم من فاز بالنصر. وسيأتي بعض أخواتها مثبتاً في محله إن شاء الله تعالى ومن شعره أيضاً قوله في شداد ناقة الشريف المذكور وكتب عليه وفي كل من البيتين تورية لطيفة
أفق الشداد بدت به ... شمس الخلافة والهلال
ومن العجائب جمعه ... ليث الشرافة والغزال
وقوله وهو معنى مبتكر
ألا أنظر إلي هذا الصفاء لبركة ... تقول لمن قد غاب عنها من الصحب
لئن غبت عن عيني وكدرت مشربي ... تأمل تجد تمثال شخصك في قلبي
وقوله يستدعي جماعة من الفضلاء وهم بجبل النور الكائن بالمعلاة وهو بمنى
عليكم من محب حشواً ضلعه ... ودٌّ أرق إلى الظامي من النطف
تحية يرتضيها الفضل إن نفحت ... أربت على نفحات الروضة الأنف
حواكم الجبل العالي بكم شرفاً ... على المعالي التي تعلو على الشرف
стр. 54
نظمتم فيه نظم العقد متسقاً ... على تليل كعاب ظاهر الترف
وغادرت عبدكم أيدي مؤلفه ... مكبلاً وحده في ربقة الصدف
مني هي الصدف المومى إليه منيً ... للنفس فيها وفي أفنائها الورف
ولا أنيس لكم إلاّ مماثلكم ... على بثين جميل السفح والسعف
يجيبني بصدى صوتي فأرفعه ... من قلة الألف أو من كثرة الشغف
فهل وفيّ من الخلان يسعدني ... في الفجر أو بعدما صلى مع الحنفي
يجيبني أو يجيب الضير عنه وما ... يجيبني غير محيي الدين أو شرف
كفؤآن يرضاهما الاحسان إن نطقا ... أو ارعفا لدن الأقلام في الصحف
وقوله وكتب به إلى القاضي تاج الدين من الطائف
لا هاج قلباً همّ من ... برح الفراق بالانصداع
غيم أرق حواشياً ... من برد ضافية القناع
زجل الرعود كأنها ... نغمات آلات السماع
والهمع مثل الدمع من ... عيني مراءٍ أو مراع
يهمى ويسكن كي يع ... مّ بريه سعف التلاع
والبرق يخفق مثل قل ... ب الصب في يوم الوداع
ونسيمه قد رق من ... حر اشتياقي والتياعي
لفراق تاج الدين ما ... ضي الأمر قاضينا المطاع
من جمعت فيه العلا ... وتوفرت فيه الدواعي
ذي الفضل بالمعنى الأع ... مّ ولا أخص ولا أراعي
سبقت أنامله الأ ... نام فأحرزت قصب اليراع
لخجلت إذ فاتحته التر ... سيل من سوء اصطناعي
من ذا يباري ذا لسا ... ن راقم ويدٍ صناع
إن حاك وشّي ما يحو ... ك بالابتكار والاختراع
لا زال محمود الخصا ... ل ودام مشكور المساعي
فإليكها ابنة خاطر ... أصفى من الذهب المماع
تزهو على درر النحو ... ر وتزدري ودع الوداعي
وعلى شهاب الدين من ... يهوى النزوع إلى نزاعي
مني تحية شيق ... مزج الخلاعة بالخلاع
فراجعه القاضي تاج الدين بقوله
إن همّ قلبك صين من ... برح الفراق بالانصداع
فالقلب قد غادرته ... شذراً بمعترك الوداع
أوهاجك الزجل الرعو ... د سرى وأصبح في اندفاع
وسمعت من نغماته ... رنات آلات السماع
فلقد رحلت بمقلة ... عميا وسمع غير واعي
ولئن يكن رق النسي ... م بما تجن من التياع
فبزفرتي اشتعل الهوا ... ء من العنان إلى اليفاع
كم قلت للقلب المص ... دع بالنوى جد بارتجاع
فأحال ذاك على انتظا ... م الشمل في سلك اجتماع
عهدي به لما ان اس ... تولت عليه يد الضياع
أضللته في موقف التود ... يع من دهش ارتياعي
ناشدتكم نشداته ... لي بين هاتيك الرباع
تحت المواطئ من مم ... ر صديقي الخل المراعي
بل سيدي وأخي هوى ... وجلالة وأخي وباعي
من أصبحت شمس العلا ... بسناه ساطعة الشعاع
فخر القضاة وفيصل الأ ... حكام في يوم التداعي
بحر العلوم فإن أفا ... د ترى له سعة اطلاع
قل للمحاول شأوه ... قصر خطا هذي المساعي
فأنظر لمرآة الزما ... ن وقد غدت ذات اتساع
لا غير صورة مجده ... فيها تراه ذا انطباع
يا محرزاً ببيانه ... قصب السباق بلا دفاع
وموشياً حبر البلا ... غة واليراعة باليراع
إني يحاكي وشيها ... بحياكتي ذات الرقاع
كان الحريّ بي اشتما ... لي ثوب صمتي وادّراعي
стр. 55
لكن أمرت بأن أجي ... بك وامتثال الأمر داعي
فاتتك من خجل تج ... ر الذيل مرخية القناع
فأنشر لها ستر الرضا المن ... سوج من كرم الطباع
لا زال مجدك كل وق ... ت في ازدياد وارتفاع
ومن بديع نظمه ما كتبه في ديوان قصر ابن عقبة الكائن بقرية السلامة من أعمال الطائف وهي قصيدة فريدة لا يحضرني الآن منها إلاّ قوله
قصر ابن عقبة لا زالت مواصلة ... مني إليك التحايا نسمة السحر
ولاعدتك غوادي السحب تسحب في ... رحابك الفيح ذيل الظل والمطر
كم لذة فيك أرضيت الغرام بها ... يوماً وأرغمت أنف الشمس والقمر
وكم صديق من الخلان حاوزني ... أطراف أخبار أهل الكتب والسير
وقال في صوفية عصره
صوفية العصر والأوان ... صوفية العصر والأواني
فاقوا على قوم لوط ... بنقر زان لنقر زاني
وقال معللاً تسمية القدح قدحاً
مذ صب ساقينا الطلا ... حتى تناثر واتضح
خالوا شراراً ما رأوا ... فلأجل ذا قالوا قدح
وكتب إلى الشيخ غرس الدين الخليلي
غرسنا لغرس الدين في قلبنا الودّا ... فاطلع من أكمام أفواهنا الوردا
فعطر لما إن جنته يد الوفا ... وضاع فأذكى عرفه العنبر الوردا
سقيناه من عذب التصافي زلاله ... وما كدرت منا له جفوة وردا
رعى الله من يرعى أخاه إذا جفا ... ويوسعه عن أن يقابله حمدا
ويذكر عهداً أحكمت في قلوبنا ... أو اخيه أيدي الود أحبب به عهدا
وذلك غرس الدين لا زال باسقا ... بروضة من تسقى غرائسه المبدا
وذيل هذه الأبيات السيد أحمد بن مسعود فقال
امام سما فوق السماك بأخمص ... وجاوزه حتى ثنى الأب والجدا
وناظم أشتات العلوم بنثره ... فينظمه في جيدها للورى عقدا
وكاشف ليل الجهل من صبح علمه ... بشمس فتكسوه أشعتها بردا
أتيت بفضل فاستحقيت شاهداً ... لأحمد فاستوليت عني به مجدا
وأظهرت بالأفضال ما كان مضمراً ... فكنت به أحرى وكنت به أجدى
ولا عجب سبق الجياد فإنها ... معودة بالسبق إن كلفت شدا
ومن شعر القاضي المذكور قوله في البرقع الشرقي المعروف عند أهل الحجاز
وخود كبدر التمّ في جنح مصون ... حماها عن الأبصار برقعها الشرقي
سوى طرة مثل الهلال بدت لنا ... على شفق والفرق كالفجر في الأفق
فقلت هلال لاح والفجر طالع ... من الغرب أم لاح الهلال من الشرق
وقوله في مثل ذلك
بالبرق الشرقي تحت ... المصون الباهي الجمال
أبدت لنا شفقاً وليلاً ... لاح بينهما الهلال
ويعجبني من شعره قوله في مطلع قصيدة مدح بها السيد شهران بن مسعود وهو
فيروزج أم وشام الغادة الرود ... يبدو على سمط در منه منضود
وأعجب منه مخلصها وهو
صهباء تفعل بالألباب سورتها ... فعل السخاء بشهران بن مسعود
الشيخ حنيف الدين
بن الشيخ عبد الرحمن المرشدي
فاضل نبيه. قام مقام أبيه. فتقلد منصب الفتيا بعده. واجتلى في مطالع الاقبال سعده. فجلا بسناه الظلم. ومن يشابه أبه فما ظلم
شبيه أبيه خلقة وخليقة ... كما حذيت يوماً على أختها النعل
стр. 56
وبلغني أنه كان ينكر على أبيه. عشر قضايا من فتاويه. ثبت لديه بطلانها. ولم ينهض بصحتها برهانها. وكان يقول لولا خطة أخافها. لأشتهر عني خلافها. وله في الأدب محل. لا ينقض ابرامه ولا يحل. ملك به زمام السجع والقريض. وميز بين الصحيح منه والمريض. فمن نثره ما كتبه إلى المنلا علي بن المنلا قاسم مراجعاً له من الطائف سنة ثلاث وأربعين وألف. ما روضة غناء تدفقت أنهارها. وما حديقة حسناء تصادحت أطيارها. وما دوحة أمال أغصانها النسيم. وما سرحة غردت بأفنانها أكمال فأسجعت بصوتها الرخيم. وما هيفاء قد برزت متلثمة بالجمال. وطلعت بأفق الحسن كالهلال. وما الخزامى والمندل الرطب. وما العنبر والعبير إذا فاح وشب. وما الدر المكنون في الصدف. وما ساعات السرور المعدودة من الصدف. بأجل من كتاب ورد فبرد بوروده. غليل مشتاق. وأخجل بورده وعوده. روائح النرجس الغض وما ينثر في الأطباق. قد نظمت قلائد عقيانه أنامل مولى تسنم ذروة المجد. وأبرزته أفكار مخدوم حاز من الفضائل ما فاق به السعد. تختال في رياضه النضرة فرسان البلاغه. فلا تلحق جواده. وترشف حياضه العذبة أرباب الفصاحة والبراعه. مقتفية آثاره كيلا تضل جادة الاصابة والاجاده. قد هب من خلال سطوره نسيمه الرطب. فأشفى العليل. وجرى من بحر منثوره شهده العذب. فبرد اللوعة وأطفى الغليل. وانتشرت أزهار حدائقه فما الدر المنظوم لها بمثيل. وسطعت شموس آفاقه قائلة ألا أيها الليل الطويل. وأسفر صبح طرسه بعد ما تلثم بديجور مداده. فحار النظر إذ ذاك بين بياض طرته وحالك سواده. ووقف العقل عند تفضيل كل منهما. وحكم حاكم الانصاف أن لا تفاضل بينهما. حيت أقام كل منهما على ما ادعاه البرهان. فعلم المخلص حينئذ إنهما فرسا رهان. فالله تعالى يبقى ناشر لوائه. وفارس بيدائه. راقياً إلى معارج السعود. باقياً بالمعزة والجلالة إلى أن يقوم الناس ليوم مشهود.
آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أضيف لها ألف آمينا
هذا وما ذكره المولى بكتابه. وشكاه في طي خطابه. من مقاساته ألم الفراق. واشتياقه إلى ساعات التلاق. فهذه الشكوي. هي عين ما يجده المخلص من البلوى. استغفر الله الأحد. هل ما بالمحب أزيد وأشد.
وليس يمكنني شرح الغرام لكم ... وكيف يمكن وضع النار في الورق
غير إنه إذا تزايد به الشغف. واشتعلت بفؤاده نيران الأسا والأسف. أخذ يتسلى في رياض ذلك الكتاب. ويسلي نفسه بما تضمنه ذلك الخطاب. فيشاهد إذ ذاك ذات مهديه. عند ما يمر النظر فيه.
لا أستلذ بغير وجهك منظراً ... وسوى حديثك لا ألذ سماعا
والله المسئول أن يطوي مشقة البين من البين. ويقربكم في أشرف البقاع العين. إنه الجدير بالاجابه. وولي الانابه. ثم ما شرحه المولى من تلقيه الأهوية التي على خلاف هواه. وتقلبه في حر ذلك السموم اللافح وجوه أعداه. واعتياضه عن الأنهار الجارية بالخوض في بحار العرق. وتشاغله في مسامرة الأنجم الزواهر في جنح الغسق. وعدم وجد إنه فرصة إلى التنزه ولو إلى الأجداث الدوارس. وتعذر إسعافه بخل محادث ومجالس. وإن المملوك يستنشق روائح الأزهار. ويختال في الرياض المحفوفة بالنرجس والبهار. ويتنزه من حديقة إلى حديقه. ويتملى بزخارفها الأنيقه. فوالله إن حر ذلك السموم أطيب عندي من هذا النسيم. والخوض في بحار ذلك العرق أعذب إلي من هذه الأنهار التي يشفى بمائها السقيم. وتنزهي مع ذلك الخل بهاتيك النواحي الجليلة المقدار. أشهى لدي من الجولان بهذه الرياض المحفوفة بأنواع الأزهار. وأسأل الله تعالى. وأرجو فضله الذي لم يزل يتوالى. العود إلى الوطن. والرجوع إلى الاخلآء والسكن. لنتملى بتلك الذات الشريفة. والحضرة المنيفه. والسلام. فأجابه المنلا على المذكور بقوله
يا أهيل الحجاز إن حكم الده ... ريين قصآء حتم ارادي
فغرامي القديم فيكم غرامي ... وودادي كما عهدتم ودادي
قد سكنتم من الفؤاد سويدا ... هـ ومن مقلتي سواء السواد
стр. 57
لا أجد قوافل النسائم. فأستودعها بدائع الأثنية والتحايا. ولا أظفر بصوادح الحمائم. فأستخدمها لنقل ودائع الأدعية إلى رب المفاخر والمزايا. تعذر اقتناصها في حريم هذا الحرم. ولو تشبثت في ذلك بحبائل الطيف. ودام نفورها عن أهل هذا السوح المحترم. فلا يطمع في إيلافهم بها رحلة الشتاء والصيف. فالمسؤل من كرم الله تعالى أن يمن بتواصل لا يعدل معه إلى التوصل بهذه الوسائل. ولا يفتقر إلى التطويل بترتيب المقدمات في صفحات الصحائف والرسائل. يا مولانا لا ريب في إن البلاغة ذات أنواع وأقسام. وإن نوع الايجاز منها ينشرح له منها صدور المهارق وتمتد إليه أعناق الأقلام. فلا يحسن العدول عنه إذا كان مقتضي المقام سلوك نهجه الذي هو سواء السبيل. ولا يمدح الاسهاب والاطناب في كل حين فقد وقع النهي الصريح عن القال والقيل. وحيث كان مولانا مكدر البال لحنينه إلى الوطن. مشوش الفكر لبعده عن السوح المحترم والحرم المؤتمن. تعين على المملوك الاقتصار. خوفاً من السآم والملال. وترجح لديه الاختصار. عملاً بقولهم لكل مقام مقال. هذا وإن لهذه الديار من الحنين إلى مولانا أضعاف ما أفصحت عنه فصاحة كلمه. ولها من التطلع والتشوق أمثال ما بلغت إليه بلاغة يراعه وقلمه. لم تزل ربوعها الخوالي تستعيذ برب البيت من لواعج الحزن والأسف. وتستعين بكل من بكى واستبكى وذكر المنازل والأحباب واستوقف ووقف. لابدع إذا انهلت سحائب دمعها الهطال. ولا غرو إن سحت بسواكب الشؤن على ما بقى فيها من الرسوم والأطلال. فقد لعمري ألقت بأفلاذ كبدها وتخلت. ورمت المحبين بما بها من دآء الهجر وما انسلت. فلم تزل تجيب أنين الأخلاء بما يسمع فيها من الصدا. وتشحذ بأشجانها أذهانهم فينجلى بذلك بعض ما غشيها من الصدا.
قد مررنا بالدار وهي خلاء ... فبكينا طلولها والرسوما
وسألنا ربوعها فانصرفنا ... بشفاءٍ وما سألنا حكيما
ولقد افتقد المخلص أنس مولانا في هذا العيد الذي استنار بمصابيح مشكاة ضيآء النبوة. واستبان فضله ببزوغ شمس فلك الرسالة وبدر سمآء الفتوة.
فالله يبقيك لأمثالنا ... والله يحييك لأمثاله
وقد تم فيه ما به قد جرت العاده. وخفقت على رؤس الطوائف أعلام التنسك والزهاده. فأخذ كل من ذوي اللهو والزهد نصيبه المقسوم. وتمتع كل من الفريقين بتلك الليلة المشهودة وبذلك اليوم المعلوم. وما وسع الأعيان أن لا يستجيبوا حضرة الأفندي ومولانا شيخ الحرم. لكنهم صاروا يتسللون لواذاً فانفصل سلك ذلك النظام وانفصم. وقد كان الوزير المعظم. والحكيم النحرير المفخم. أعزه الله تعالى. ممن أحيا تلك الليلة بأنفاسه المسيحيه. وكمل تلك الحضرة بذاته الملكة المليكيه. فجلس نواب المحاكم على ميمنة المنيب وجنح شيخ الحرم إلى اليسار. وأجلس حضرة الوزير إلى ما يلي سلطان هيكله فلولا ما حازه من العلوم لقيل جزى الله اليسار. هذا واستغفر الله من الاطناب. الذي جرى به القلم فاستلزم عدم الوفاء بالوعد. واعتذر بما تقرر في مقتضى التطويل لدى مخاطبة الأحباب. عازماً علي أن لا أعود إلى مثل ذلك من بعد. والسلام. فأعاد عليه الجواب ثانياً وصورته
يا سميري روّح بمكة روحي ... شادياً إن رغبت في إسعادي
فذراها سربي وطيبي ثراها ... وسبيل المسيل وردي وزادي
نقلتني عنها الخطوب فجذّت ... وارداتي ولم تدم أورادي
آه لو يسمح الزمان بعود ... فعسي أن تعود لي أعيادي
стр. 58
مولانا الذي إذا قال لم يدع قولاً لقائل. وإذا أطلق عنان يراعه في هذا المجال فلسان حاله ينشد أين الثريا من يد المتناول. وسيدنا الذي إذا أخذ القلم ببنانه أطرق قس الفصاحة خجلاً لما يبديه من بديع المعاني. وأمسى سحبان البلاغة آخذاً من تلك الألفاظ التي ليس لها في النظير ثاني. وصديقنا الذي استنزل الثريا فنشرها في بياض طرسه فلا يدع أن يدعي بالسمآء ذات البروج. ومخدومنا الذي نظم الجوزاء في سلك دراري ألفاظه فكان الواسطة لها في العروج. أبقاه الله للعلم وتهذيبه. والفضل وترتيبه. وأحيا به مدارس العلوم. وأبدى به دقائق المنطوق والمفهوم. فيا أيها المشار إليه عند احتباك المجالس بأعيانها. ويا أيها المعول عليه في العويص من المسائل إذا أحجمت الأذهان عن بيانها. أهدي إلى ذاتك التي استجمعت كل فضيلة لا يدرك لها مدى. وحازت من الكمال ما لا غاية له فيهتدي إليه من رام الهدى. وأسدي إلى حضرتك التي لم ترض غاية بالأثير أن يكون لأخمصها حذا. سلاماً يفوق العنبر والعبير في الشذا. أينعت أغصان دوحته في رياض الفضائل فاكتست منه حللاً. وأشرقت أفنان سرحته فغدت الشمس كاسفة واستتر البدر في سحابة خجلاً. فنسيمه الرطب إذا هب أنعش الأرواح وأحيا. وتسنيمه العذب إذا جرى في خلال تلك الرياض أنسى الحزين حزنه وجلب له السرور وهيا. وثناء يقاوم الورد. استغفر الله بل يفوته عطراً. ويفاوح الند. بل يفوقه فخوا وا. وأبثك شوقاً يقصر اليراع عن حده. ويقف عن بثه بهذه السطور وسرده. لعلمه إنه لم يف منه أن ما في الأرض.
فالشوق أعظم أن يختص جارحة ... كلي إليك وحق الله مشتاق
فأسأل الله أن لا يرد يد سائله صفراً. وأتوسل إليه بصاحب الشفاعة والأسرا. أن يمن بساعة التلاق. في أشرف محل ومكان. ويقصر مدة الفراق. ويقربك للعين من الانسان. هذا وقد وصل الكتاب الذي لم يكن على بذل الفرائد بضنين. الحرى بان يقال فيه لولا الديانة إنه الكتاب المبين. فقام له المخلص عند إقباله عليه. فرحاً بوصوله. وتلقاه حال وفوده إليه. مجتهداً في إجلاله عند حلوله. وقبله ألفاً بل زاد في التقبيل. ورفعه على هامته واتخذه لها كالاكليل. وفض ختمه شوقاً إلى اقتطاف أزاهره. واستنشاق روائحه العطرة وعباهره. فإذا به قد جمع فأوعى. وأثرت مواعظه في القلوب صدعاً. وحرك ساكن ذلك الشوق الذي لم تخمد ناره. ولا خفيت آثاره.
أمسى وأصبح من تذكاركم وصبا ... يرثي لي المشفقان الأهل والولد
قد حدد الدمع خدي من تذكركم ... واعتادني المضنيان الوجد والكمد
وغاب عن مقلتي نومي لغيبتكم ... وخانني المسعدان الصبر والجلد
لاغرو للدمع أن تجري غواربه ... وتحته المظلمان القلب والكبد
كإنما مهجتي شلو بمسبعة ... ينتابها الضاريان الذئب والأسد
لم يبق غير خفي الروح في جسدي ... وذلك الباقيان الروح والجسد
فكيف وقد أذكرني بهاتيك العهود. وشوقني إلى تلك الأعياد المشرق طالعها في فلك السعود. فأسأل الله أن يمن بالعود إلى ذلك الحرم. وبوح ذلك السوح المحترم. إنه على ذلك قدير. وبالاجابة جدير.
ومن نظمه ما كتبه إلى بعض الأعيان مراجعاً عن لسان والده
تبدي لنا برق بأفق ربا نجد ... فأذكرني عهداً وناهيك من عهد
وهيمني شوقاً وزاد بي الأسى ... وأضرم لي نار الصبابة والوجد
وجدّد لي ذكر الليالي التي خلت ... وطيب زمان بالحمى طيب الورد
زماناً جلا ذو الحسن شمس جماله ... علينا فشاهدنا به الشمس في البرد
وأبدت لنا ذات الجمال جبينها ... فاخجل بدر الأفق في طالع السعد
هي الروض تبدو للأنام بوجهها ... فنقطف زهر الورد من خدها الوردي
وفاح لنا نشر الخزامى بروضة ... شدت ورقها شوقاً على الأغصن الملد
تغنت على غصن الأراك بمدح من ... علا قدره السامي على ذروة المجد
جمال أهالي العصر أو حد وقته ... مشيد ربع المجد بالسعد والجد
стр. 59
كمال قضاة المسلمين امامهم ... وموضح منهاج الرشاد لذي الرشد
امام التقى والفضل أعظم من غدا ... فريداً بهذا الدهر كالعلم الفرد
هو الحسن الأخلاق والاسم من حوي ... من الفضل ما قد جل قدراً عن العد
هو البحر بحر العلم والحلم والتقى ... هو السيد المفضال ذو الخير والزهد
محقق أبحاث العلوم بفهمه ... وكشاف ما تخفى العبارة من قصد
ومن صيته قد شاع في كل موطن ... ومن ذكره قد سار بالشكر والحمد
عليه مدى الأيام مني تحية ... تفوق فتيت المسك والعود والند
وقال في مثل هذا المعرض
غنت الورق في المسا والبكور ... ساجعات على غصون الزهور
وتبدت في كلة الحسن خود ... تخجل الشمس مع سناء البدور
قد تحلت من الجمان بعقد ... جل في الحسن والبها عن نظير
واقتطفنا من خدها زهر ورد ... فاق نشر النسرين والمنثور
وارتشفنا من ثغرها العذب شهداً ... فانتشونا لا نشوة المخمور
بردت بالوصال قلب كئيب ... كان فيه للهجر نار السعير
يالها عذبة الثنايا رداحاً ... قد تبدت في زي ظبي غرير
قد أتتنا من عالم العصر مولى ... قد تسامى على السها والأثير
الامام الهمام رب المعالي ... الفقيه البليغ في التقرير
شيخ كل الأنام من قد تعالى ... أوحد العصر في المقام الخطير
دام يبقى بمصر مفتي البرايا ... دام يرقي على ممر الدهور
قد أتاني مولاي منك كتاب ... ذو نظام حكى عقود النحور
ففضضت الختام عن كنز علم ... حاز منه الغناء كل فقير
وتأملت في رياض حماه ... وتسنمت ما به من عبير
مذ بدا نظم طرسه مع نثر ... ذي بيان فسر منه ضميري
دمت يا واحد الزمان فريداً ... في أمان بحفظ رب خبير
وصلاة الإله تترى دواماً ... مع سلام على البشير النذير
السيد عمر بن السيد عبد الرحيم
البصير الحسيني الشافعي المكي
ناصر الشريعة والطريقه. وهاصر أفنان رياضهما الوريقه. المخبت الأواه. الناطقة بفضله الألسن والأفواه. السالك مسالك القوم. ذو السيمة الغالية السوم جمع بين العلم والعمل. وبلغ من الفضل منتهى الأمل. فرفل في حلل الزهد والتقى. ورقى من الشرف أشرف مرتقى. إلى بلاغة وبراعه. أرعف بهما مخاطم اليراعه. وفصاحة ولسن. أرهف بهما مخادم الكلام وسن. وكان في عنفوان شبابه. وجدة ردائه وجلبابه. حليف بطالة ولهو. وأليف خلاعة وزهو. لا ينشط إلا إلى بلهنية عيش رغيد. ولا ينبسط إلا إلى مغازلة الخرد الغيد. حتى دعاه داعي التوفيق فأجاب. وكشف له عن وجه الحق الحجاب. فأقصر عن ذلك المدا. فتبدل ذلك اللهو زهداً وهدى. فقال من التقوى باورف ظل. ومن يهدي الله فما له من مضل. ولا يحضرني الآن من كلامه إلا كتاب كتبه إلى الشيخ عبد الرحمن المرشدي معزياً له في أخيه وهو إنا لله وإنا إليه راجعون. ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون
إني معزيك لا إني على ثقة ... من الخلود ولكن سنة الدين
أحسن الله لنا ولكم العزاء في المصاب. وأعظم لنا ولكم الجزاء والثواب. وألهمنا وإياكم الصبر المستحيل ولا أقول الشاق. ذهاباً إلى جواز التكليف بما لا يطاق. فلعمري إنها الصاخة التي أجدبت رياض الأنس وأمحل خصبها. وأقفرت بها ربوع المسرة وضاق رحبها. والخطب الذي يجم عند التسلية عنه نطق الخطيب. اللسن اللوذعي. والعضب الذي يعترف باستحالة مزايلة إزالته حذق الطبيب الفطن الألمعي. بيد أن في مشاهدة صدور الأفعال من مصادرها. ومعاينة ظهور الأسماء بمظاهرها. ما يمنع الجزع الورع عن الاسترسال. وإن جعل غرضاً لنبال الداء العضال. ويمنح المتأله المنيب الأواه. سربال التحقق بحقيقة قل كل من عند الله.
стр. 60
وخفف عني ما أقاسي تحققي ... بأنك أنت المبتلي والمقدر
على أن الحكيم إذا حدق البصر. وحقق النظر. وعرج عن حضيض المجاز إلى ذروة الحقيقه. وركب سفينة النجاة مستمداً من المبدئ الفياض تأييده وتوفيقه. أعترف بأن ذلك بالنسبة إلى تلك النفس الزكيه. واللطيفة القدسيه. من أكمل النعم. وأفضل القسم. إذ هو في الحقيقة رجوع من الغربة إلى الوطن. وهجوع بعد طول الأرق والوسن. وقفول بعد نيل الآمال. من اقتناص شوارد المعارف وتزكية الأخلاق والأعمال
فكأنها ذكرت عهوداً بالحمى ... ومنازلاً بفراقها لم تقنع
وصلى الله على سيدنا محمد وآله. فراجعه الشيخ عبد الرحمن بقوله يقبل الأرض حزين خانه صبره. وحانه دهره. وأسيف عضد البين عضده. وكبد الحين كبده. لم تزل الحسرات عليه تتوالى. والزفرات فيه تتعالى. فدمعه المهراق لا يكف إذ يكف. ووجده المحراق بمحاريب ضلوعه معتكف أضحى فريداً عن الأليف. ووحيداً عن الحليف. لم تمر به ساعة إلا بعد أن يتجرع من ألم الفراق أعظم غصه. ولم يتجاوز من لحظة إلا بعد أن يسهم له فيها من الهموم بأوفر حصه. حالة أجار الله منها العدا. وأبعد عن قدر مداها المدا. لم يزل الحزن فيها يتجدد. والأسف بمعاهد جوانحه بتعهد. والتذكر في كل آونة يتزايد ويتأكد
يذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأذكره لكل غروب شمس
قرح الدمع أجفاني. ولم أوفه بذلك فما أجفاني
ولولا كثرة الباكين حولي ... على اخوانهم لقتلت نفسي
غير إني حين أراجع الوجدان. وأرى بكاء الاخوة على الاخوان. أتوهم تبريد الغله. وأتظنى زوال العله
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي
فالمسؤل من الأنفاس المتصل سندها بالأنفس الزكيه. المرتفع شأوها إلى ذرى الشؤون العليه. أن تلحظ هذا المصاب بالدعاء بالهام الصبر كيلا تتكرر المصيبه. وأن يعوض ذلك الشاب أعظم الأجر. عما فاته من عنفوان الشبيبه. وأن يرفع له في عليين. من الدرجات إلى الفردوس طريقاً. مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك رفيقاً
القاضي جمال الدين بن محمد
بن حسن وراز المكي
جمال العلوم والمعارف. المتفيء ظل ظليلها الوارف. أشرقت بالفضل أقماره وشموسه. وزخر بالعلم عبابه وقاموسه. فدوخ صيته الأقطار. وطار ذكره في منابت الأرض واستطار. وتهادت أخباره الركبان. وظهر فضله في كل صقع وبان. وله الأدب الذي ما قام به مضطلع. ولا ظهر على مكنونه مطلع. استنزل عصم البلاغة من صياصيها. واستذل صعاب البراعة فسفع بنواصيها. إن نثر فما اللؤلؤ المنثور انفصم نظامه. أو نظم فما الدر المشهور نسقه نظامه. بخط يزدري بخط العذار إذا بقل. وتحسبه سائر الجوارح على مشاهدة حسنه المقل. ولما رحل إلى اليمن في دولة الروم. قام له رئيسها بما يحب ويروم. فولاه منصب القضا. وسطع نور أمله هناك وأضا. ولم يزل مجتلياً به وجوه أمانيه الحسان. مجتنياً من رياضه أزاهر المحاسن والاحسان. إلى أن انقضت مدة ذلك الأمير. ومني اليمن بعده بالافساد والتدمير. فانقلب إلى وطنه وأهله. فكابد حزن العيش بعد سهله. كما أنبأ بذلك قوله في بعض كتبه. ولما حصلت عائداً من اليمن. بعد وفاة المرحوم سنان باشا وانقضاء ذلك الزمن. أخثرت الاقامة في الوطن. بعد التشرف بمجلس القضاء في ذلك العطن. إلا إنه لم يحل لي التحلي عن تذكر ما كان في خزانة الخيال مرسوماً. وتفكر ما كان في لوح المفكرة موسوماً. فاخترت أن أكون مدرساً في البلد الحرام. وممارساً لما أذن غب الحصول بالانصرام. ولم يكن في البلد الأمين كفايه. ولا ما يقوم به الاتمام والوفايه. انتهى. وما زال مقيماً في وطنه وبلده. متدرعاً جلباب صبره وجلده. حتى انصرمت من العيش مدته. وتمت من الحياة عدته. وها أنا مثبت من بديع نثره. ما يذهب اللب حائراً في أثره. واتبعه من عالي شعره. ما يرخص الدر بغالي سعره. فمن نثره ما كتبه إلى بعض أصحابه من كتاب. ينهى المملوك إنه لا يزال ذاكراً لتلك الأيام الماضيه. شاكراً لهاتيك الأعوام التي حلت بفضل مولانا ولا أقول مرت بمسرات لا تزال النفس لدينها متقاضيه
كم أردنا هذا الزمان بذم ... فشغلنا بمدح ذاك الزمان
стр. 61
اقفر الصفا. من اخوان الصفا. وخلى الحطيم. من رضيع الأدب والفطيم. وأقوت المشاعر. من أرباب الادراك والمشاعر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
وكان مولاي محيطاً بحالي. إذ كنت آنس بأولئك الجلة وأرباب المعالي. كالشيخ العلامة كريم الدين القطبي. والفهامة المحقق الملا على العصامي المربي. والعلامة الأفندي خضر. وذلك المجلس السامي النضر. فلم يبق من يدانيهم. فضلاً عمن يساويهم. فكيف بمن يباريهم.
ولقد ذكرت هنا قول بعضهم
دجا الليل حتى ما يبين طريق ... وخوّف حتى ما يقر فريق
وجردت يا برق المنون مناصلاً ... لها في قلوب المبصرين بريق
وزعزعت يا ريح الردا كل شاهق ... عليه لأنفاس النفوس شهيق
سلام على الأيام إن صنيعها ... أساء فهل لي بالنجاة لحوق
هذا وإن سألتم عن شوقي إليكم فأقول إن السعير دون ما أجده في أضلعي من الوهج. وذات الوقود من الزفير المتصعد من الشغاف فهو المقتبس لمن سرج. إذا تذكرتكم كانت الثكلى بواحد ترعى البدور سنادوني. وإن تفكرتكم فما الآرام أضلت أخشافها في القفار تعدوني
أشتاقكم حتى إذا نهض الهوى ... بي نحوكم قعدت بي الأيام
стр. 62
ولولا الأمل في الله تعالى أن يطوي شقة البين. ويكحل بمرآكم الذي هو زلال الواله الحزين العين. لكنت ممن درج بآهات شوقه. وعرج بأنات توقه. ولما توجهت ركابكم إلى تلك الأمصار. أخذ الفقير قاصداً حضرة الوزير الذي ازدانت به الأعصار. فوجده مستمداً بالممالك اليمانيه. في هيئة كسرى أنوشروان وبذة بالمزايا الايمانيه. فلزمت حضرته لزوم الظل واختلت في خمائل عزه في الحرم والحل. فقلدني قضاء جذه بعد أب وأضاف. إلى ذلك النظر في الأوقاف. وفعل بي ما يفعل المحب بالحب فمكثت ثلاث سنين أتقلب في تلك الرياض وأتفيأ ظلال الاعزاز في خمائل هاتيك الغياض مرموقاً لديه بعين مقروره موموقاً ببهجة لا تزال بحرفة الأدب وذويه مسروره. إلى أن أتاه نذير الأجل. والجد في المخا بعد أن كان لصيت قدومه إلى الحجاز زجل. وكان الفقير حال وفاته في بلد يسمي حيس. مزمعاً على سعيه إلى مكة ظناً أن ذلك من الكيس. فجاءنا خبر وفاته هنالك. وأظهر السرور بذلك أهل تلك الممالك. وسبب انتقاله إلى الدار الباقيه. سورة تلك النفس السعيدة التي يعلمها مولانا كفاها الله لوافح لظى بآياته الواقيه. وذلك إنه لما نزل من صنعا. وأحسن في جمع العساكر والأموال والآلات والعدد صنعا. أراد أن يجتمع بحافظ اليمن جعفر باشا وهو إذ ذاك بتعز. وقد أكثر أمراء اليمن الأرجاف وأرهبوا جعفر باشا من لقيا سنان الذي تهابه الليوث وهي أجنة في الأرحام وتحترز. وكان مراد الوزير سنان. أرسل الله عليه شآبيب الرحمة والرضوان. الاجتماع به لأمر قد دبره. وفي نفسه من أمراء اليمن الأقدمين كالروم والشرعبي أحقاد وأحن عظم صغيرها وكبره. وربما خطر بباله إنه حال لقياه بجعفر. يتمكن ممن يريد التمكن منه ويظفر. ففهم الأمراء منه ذلك. فما زالوا يسعون في صده حتى الجؤه إلى المرور من أوعر المسالك. وأوقفوا على الطريق السلطاني جملة من العساكر. وأشعلوا الذبالات لقصد الرمي حتى كأن نجوم الأفق نشرت في بساط البسيطة والأدخنة كالليالي العواكر. فلما وافت محفته ذلك المكان. وتزعزعت للصعود والهبوط منها الأركان. أنكر المرور بتلك الوعور. واستوقف المقدم من الأجناد والأمراء حتى دنا الجمهور. فسألهم عن سبب الصعود والهبوط. والأمر الذي انتقض وهو بذمام السلطان مربوط. فقيل له إن مروركم هذا. إذا قصدتم الطريق السلطاني أفسد وآذى. لاختلاط العساكر بالعساكر. والمساجد بالدساكر. لما في قلوبهم منكم من الإحن. وما قاسوه منكم من المصائب والمحن. فخشى مولانا جعفر باشا. من أحداث العسكرين إيحاشاً. فحينئذ نصب سنان بالبعد من تعز ديوانه. وأقام هنالك وقد أخذت منه حمة الغضب التي تحمله على أن لا يبقي جماد العالم وحيوانه. وتفوه فيما قيل بكلمات يتدكدك منها ثبير. ويتفطر مرارة الليث الهصور إذا مر بسمعه زائر ذلك الخبير. ثم تفكر فرأى أن إغماد النتنة أولى. وأن الآخرة خير له من الأولى. فارتحل نازلاً إلى المخا وقد ابتدأت به من القهر الأسقام. وشب في جوفه نار لا يطفئها إلا الانتقام. فحصل من ذلك حبس في الطبيعه. ويبس في الدافعة التي كانت بالاجابة سريعه. وكان معتاداً بشرب دواء مخصوص. إذا اعتراه شيء من هذا المنصوص. فشربه فلم ينجع. ثم شريه أخرى فأسجح الأمعاء وأوجع. وكان ذلك سبباً لمماته. ودفنه بتربة الشاذلي محاذياً للولي وكماته. ثم آب الفقير راجعاً قافلاً إلى وطنه. وحيث كان رافلاً في شرخ شبيبته وعطفه. فلم يجد به ذلك الأنس المألوف. ولا رأى ذلك الرواق المعروف. وتنكرت عليه الديار. وأقوت الربوع والمعاهد من الصفوة وأولئك الأخيار. وغصت الصدور بالمتشدقين والمتزندقين والأعثار. وزبب قوم قبل أن يحصرموا. لا تمحضوا للتحصيل ولا تخضرموا. وصرفت المدارس السلطانية لمن لا يعرف التهجي. فكيف إذا طلب منه الفرق بين التوقع والترجي. ولا يفرق بين الاسم والمسمى. فكيف يفك فك اللغز والمعمى. ثم إنهم أرتجوا أبوابها. ومزقوا جلبابها. تمر السنون والأعوام. ولا يكحل بألفاظهم المسودة للوجوه ولا أقول للآماق يوماً من الأيام. وهم على ما فيهم من عوج. كأنهم أهل بدر فلا يخشون من حرج. يختالون في صدور المواكب. بالعذبات المعوجة وهز المناكب. ويتنافسون في المجالس. ويتقاعسون عما يروم المجالس. ويدرجون العمائم. ولا يتحرجون عن النمائم. أستغفر الله فيما جرى به القلم. وإنما هو نفثة
стр. 63
مصدور أصدرها الألم. فلذلك ضاقت على محبكم هذا بلاده. وهان عليه الجلاء من مآلفه وآن جداله وجلاده. والعجب من مولانا وهمته ومودته. التي يوثق بها من بين كماة الفضل وأئمته. أنه يمحو صداقته عن صحيفة خاطره. ويدع عناكب النسيان تنسج عليه فتنسخ ما أثبت في وده من قماطره. ولله در ابن الخياط الدمشقي حيث يقولور أصدرها الألم. فلذلك ضاقت على محبكم هذا بلاده. وهان عليه الجلاء من مآلفه وآن جداله وجلاده. والعجب من مولانا وهمته ومودته. التي يوثق بها من بين كماة الفضل وأئمته. أنه يمحو صداقته عن صحيفة خاطره. ويدع عناكب النسيان تنسج عليه فتنسخ ما أثبت في وده من قماطره. ولله در ابن الخياط الدمشقي حيث يقول
أبعد تعلقي بك مستعيذاً ... وأخذي منك بالحبل المتين
يرشح للعلا من ليس مثلي ... ويدعي للغنى من كان دوني
ومالي لا أذم إليك دهراً ... إذا المتأخرون تقدموني
وما إن قلت ذا حسداً ولكن ... أفاق الدهر فيه من الجنون
стр. 64
نعود ونتلو عليكم باختصار. ما جرى للسيد فهيد من تقاعس اخوانه عن المعاونة والانتصار. وما ذاك إلا إنه جبر الله خاطره. وأدر عليه من خلف العناية مواطره. كان قد شد قوسه على مولانا الشريف واخائه. واستل صارم الصرامة عليه في شدته ورخائه. ومولانا الشريف متدرع جلباب الصبر. متورع عن فتح باب المصارمة وصدع ما لا يلتئم بالجبر. يغار على مشاعره وحرمه. كما يغار على مفاخره وحرمه. فلما زاد كما تقول العامة الماء على الدقيق. ولوحظ ما حقه التفخيم بالترقيق. وأخذ مولانا السيد فهيد بجانب أكمل الدين القطبي. وأراد أن يلبسه القفطان من قبل أن يحرم ويلبي. وقف مولانا الشريف ذلك الموقف. وأعتنق السمهري بعاتق لا ينثني ولو أن الخميس العرمرم بزمزم أبطاله ترعب وترجف. وأقسم لا يلبس القفطان إلا وقد ورد السنان نحره. فقال مولانا السيد فهيد ولو خربت البلاد فقال ولو خربت قبل سحره. فعند ذلك تراجعاً إلى النهي. وفكرا في المبدا والمنتهي. وعادا وفي قلب كل منهما وقد. ومولانا الشريف أخذ من ذلك الآن في حل ما مضى من العقد. خصوصاً لما صمم القطبي ورجع مع الأمير. ولم يجعل التفكر في عواقب الأمور أصدق ضمير. ودخل معه إلى المدرسة المعروفه. ولبس الخلعة السنية الموصوفه. وتجاهه من جماعة الأمير. اثنان من الاساكفة أرباب التشمير. وشق الشارع الأعظم حتى انتهى إلى سويقه. وصواهل خيله تسمع من كل شباك وطويقه. كل ذلك عناد لسيده ومولاه. وكفر لمن خوله هذه النعمة وأولاه. فاضمر مولانا الشريف حينئذ الحقد. وابطن في ضميره وأضمر في نفسه أن يصوغ له خلخالاً ولكن مشدود بالقد. فلما انثنى الحج راجعاً. وبقى الفج فاجعاً. راسل مولانا الشريف ابن أخيه محسن في هذا الأمر المهم. واستدعاه لانتزاع ما كان قسم لفهيد وسهم. فأقبل السيد محسن هو وجنده من اليمن. وغيرهم من السادات الذين يقدون بصوارمهم الجواشن والجنن. فقل في وصفهم ليوث آجام. أم جن يثبون على الصهوات غير معتمدين على ركاب ولجام. ومولانا الشريف فهيد في جمع من نقاوة بني حسن. ومعه من الرماة مائتان لا يخطؤن إذا رموا في ليلة من جمادي ولو أن جفونهم ملأى من الوسن. فلم يزل كل منهم يبرق ويرعد. والجد لجند مولانا الشريف مسعد. ثم ألح أعوان مولانا الشريف في الاقدام. ولما تبين مولانا السيد فهيد أنهم لا يبالون بالفناء والاعدام. فتر مولانا السيد فهيد عن سفك الدماء في الحرم. وانتهاك الحرمات وهتك الحرم. وقبل قولهم في الخروج من البلاد. ولكن بعد مدة يمكنه فيها الاستقلال والاستعداد. فأجابه الشريف إلى الملتمس. ولابالي بمن هيثم أو همس. فلما دنت المده. توجه إلى الشرق بتلك العده. ولم يسفك بمكة من الدماء المحترمة دم. ولا سال ما يوجب الطهارة فكيف ما يملأ الأدم. ثم إن مولانا الشريف عن له أن ينتقم. ممن كان سبباً لهذه الفتنة وقد كتب عليه في الأزل ورقم. فأول ما ابتدأ بأمر الله الكاتب. لفلتات لسانه ووضعه اعداد الكلام في غير المراتب. وعدم جمعه بنفسه. وطرحه الزوائد التي لا تليق بجنسه. فعومل معاملة ابن هاني. واستراح من التعازي والتهاني. ثم ثنى بأكمل الدين. وجعله من أهل البادية بعد التمدين. وطلب إلى الفريق. وكاد أن يأمر بارتكاب إحدى المشقتين لولا الحلم والعرق العريق. ووفى له الشريف بذلك الخلخال الموعود. وأعلاه الأدهم بعد ركوبه الأشقر. بعيشه الأخضر. ومن يومه المسعود. وهكذا الدنيا شعر
دار إذا ما أضحكت في يومها ... أبكت غداً سحقاً لها من دار
стр. 65
وهو إلى الآن في فريقه. يغص في كل آن بريقه. والله تعالى يعينه. فإنه الذي يصدق عليه المثل ولا يمينه. يداك أوكتا وفوك نفخ. هذا ولا يحتاج هذا المخلص في إعادة سور التأكيد. فإن مولانا حافظ لذمام المودة والاخاء وللشاني مكيد. والسلام. وفي تذكرته ما نصه كتبت إلى المولى عفيف الدين كاتب الحضرتين الشريفتين الحسنية والطالبيه وأنا أعزيه بسلطان الحجاز الشريف أبي طالب بن حسن في عام اثنى عشر بعد الالف كتبت إليك يا مولاي كتب الله لك سعداً لا يزال يتجدد. ومجداً لا ينقطع بانقضاء ملك إلا واتصل بملك ملكي مؤبد. وإنما كتبته بدم الفؤاد. وأمددت اليراع سويدائي وشفعها اللحظ بما في انسانه من السواد. والكون علم الله كأنما هو بحر من مداد. والقلوب ولا أقول الأجساد. مسربلة بلباس الحداد. لا يسمع إلا الأنين. ولا يصغى إلا لمن تفضح بنعيها ذوات الحنين. أضحى النقع من مثار النقع كليلة من جمادي. وربات الخدور يلطمن الخدود مثني وفرادى. وذو الحجا يغوص في لجة الفكر فيسمع له زفير. وليث العرين كاد من صدمة هذا المصاب أن يتفطر من الزئير. وشارف الحطيم أن يتحطم. وأبو قبيس أن يتقطم. وبيت الله لولا التقى لقلت ودلو بتهدم. والأبطح يزحف للقيا ذلك الجسد الذي أودع روحه في الفردوس الأعلى ويتقدم. وأخال أن الحجر اسف حيث لم يكن تابوتاً لذلك الجثمان وتندم. أي داهية دهياء أصابت قطان هذا الحرم. وأي بلية نزلت بلازم أذيال ذلك الملتزم. إنا لله وإنا إليه راجعون. كلمة تقال عند المصائب ولا نجد لهذه المصيبة مثلاً. ولم تشاركنا فيها زينة ولا ثكلى. بأي لسان نناجي. وقد أخرسنا هذا النازل. بأي قلب نحاجي. وقد بلغنا هذا المجد الهازل. بينا نحن في سرور وفرح. إذ نحن في هموم وترح. أشكو إلى مخدومي ضحوة يوم شمسه كاسفه. أزفت الآزفه. ليس لها من دون الله كاشفه. أقبل نعش لابس أثواب المرحمة بعد الخلافه. المتلقى روحة الملائك. مع الحور على الأرائك. تتحفنه بالسلافه. والأيدي ممتدة تشير إليه بالعوبل. والحجاج وأرباب الفجاج. يضجون بالنحب الطويل. وكادت آماقنا والله أن تسل. وأضحت جلاميد القلوب كضحضاح المسيل. فلم نجد شخصاً من الرعايا إلا وهو محرور. وذو قرابته في الحي مسرور. إنا لله من هذه الطامه. التي أدهشت العامه. وأذهبت الشامه. ليت شعري أبعده السلاهب تركب. أم الجنائب تجنب. أم القربات تقرب. أم المنابر يتلي عليها غير اسمه ويخطب شعر واحر قلباه ممن قلبه شبم
مضى من أقام الناس في ظل عدله ... وآمن من خطب تدب عقاربه
فكم من حمى صعب أباحت سيوفه ... ومن مستباح قد حمته كتائبه
أرى اليوم دست الملك أصبح خالياً ... أما فيكم من مخبر أين صاحبه
فمن سائلي عن سائل الدمع لم جرى ... لعل فؤدي بالوجيب يجاوبه
فكم من ندوب في قلوب نضيجة ... بنار كروب أحجبتها نوادبه
سقت قبره الغرّ الغوادي وجادها ... من الغيث ساريه الملث وساربه
стр. 66
فما كان في الأكلمحة طرف. أو حلول حتف. وقد وضع على الباب الشريف. وسمع من أجنحة الملائكة حفيف. وتليت ولكنت أود أن أكون المصلى ولا أقول التالي في جمع ذلك الترصيف. فما ترك الرئيس لقباً من الألقاب التي يتنافس بها الصماصيم. ولا مكرمة من المكارم التي يتحامس بها القماميم إلا وحلاه بدره. وعله بدره. حتى كاد النهار أن ينتصف. والمقل أن تسح بالدموع وتكف. ومن عدم إنصاف الدهر الخون. إن لم يطف به سبعاً وهو الملك هذا لبيت مسنون. ثم ازدحم على رفع جنازته قاضي الشرع والساده. فذادوه عنها ورفعوه على أعناق السلاطين والقاده. وقلت في ذلك المقام. وعيناي تهمل ولا همول الغمام. يعز عليّ أن أراك على غير صهوه. وأن تنادي يا مرغم الأنوف ولا تجيب دعوه. وأن تحف بك الصفوف. ولا تدع لكرك فيها فجوه. فلطالما ضرعت لك السلاطين. وخضعت لك الأساطين. وارعدت الفرائص. وأوهنت القلائص. وحميت الحمى ولم يرعك جساس. واقتنصت حتى لم تدع شادناً في كناس. أو ليثاً في افتراس. فلله جدث ضمك وقد ضاقت الأرض عن علاك. ولله لحد علاك وقد اتخذت انعلك من السماك. وكيف بك تحل في الثرى فبالأثير ملعب جودك. والسدرة مضمار أسلافك والنبوة لحمة بردك. فلك بجدك في ارتقائك إلى العالم العلوي اسوه. ولنا بنقدك الجزع الذي لا يعقبه سلوه فأنت لقيت الحبيب. ولقينا بعدك ما يلقي الكئيب. فلك البشرى بلقيا ربك. ونرجو بك اللقيا على الكوثر وأنت فرح بثوابك وشربك. ثم يا عفيف لا تسأل عن نعش حفه الوقار. وتقدم الروح الأمين والملائكة الأبرار. وفوائح المسك الأذفر تنفح من كل جانب. كأنما ينفض من غدائر خرعوبة كاعب. وبالله أقسم أن طيبه نفحني وأنا في الخلوه. وهم في تجهيز تلك الذات على هاتيك العلوه. وحاصل ما أقص عليك من القصص. إنا أودعنا في كنف الرحمن ذلك القفص. وعدنا ونحن كما يقال شاهت الوجوه. حيارى ولا نعمل من نؤمله ونرجوه. وقد اطلحم قتام العثير. ودجا النقع حتى خيل لم يكن صبح اسفر. وحين هجوم هذا الخبر المهيل. كادت البلدان أن تنهب لولا تسهيل بعض السادات بأصعب فيه التسهيل. والنداء من الحاكم بالعافيه. والأعين قد امتلأت من الهاربين بالسافيه. وغلقت الأبواب. وانقطعت الأسباب. حتى والله كانت القيامة قد قامت. وحقت كريمة يوم يفر المرء والأنفس قد حامت. وحال بيني وبين الخلوة طرق طالما عهدته صاحب الربا. وسبيل وبيل صرت أقطعه وثبا. فكل من لاقيته لا يجيب. ومن كان من ورائي فكأنما هو طريد أو سليب. وبعد الدفن كثر القال والقيل. ونودي كما بلغكم وصليل السيوف منعنا المقيل. وزف المنادي عصبة مشهورة القواضب. معنونة الشوازب. والأسواق من السكان خاليه. فكأنما هي خود أضحت عاطلة بعد أن كانت حاليه. ودور مكة كأنها وابله أقسم دور البرامكه. وكأنا لم يتغزل فيها برهة كدار عاتكه. ولقد تذكرت فيها قينة الأمين. وقولها كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس غير الأنين. هذا وقد أطلت عليك ما ينبغي أن يقتصر فيه مع علو مكانك. ومشيد مبانيك في البلاغة وأركانك. والله تعالى يلهمك صبراً جميلاً. على هذا المصاب ويوليك أجراً جزيلاً. على فقد ذلك المليك المهاب. ولا يسمعنا وإياك بعدها صوت عزاء. ولا فقد أحد من الأعزاء. ولا يحملنا ما لا طاقة لنا به من مثل هذه الأرزاء. فوالرحمن لهو الرزء الذي كل رزء بالنسبة إليه أقل الأرزاء. والسلام. ومن انشائه أيضاً ما كتبه إلى جدي الأمير نصير الدين حسين قدس سره مراجعاً
أمولاي يا نجل خير البرايا ... ومن في العلوم إليه المصير
أبوك غياث لدين تسامى ... وأنت لنا صرت نعم النصير
стр. 67
وصل إلي من تلقاه سيد تولى الروح الأمين تحريك مهود آبائه. وجاء إلي من أرجاء أيدي جده الذي نفحت شنشنته الأرجة من دوحة إبائه. وتنقل في الأصلاب الطاهره. فأضحت شمائله هذه الشمائل العنبرية الباهره. أبت أخلاقه إلا أن تسمو وتتقاصر دون معاليه أرباب الرتب. وأبى فضله إلا أن يتسنزل دراري الأفق إذا كتب من كتب. تبارك الذي أنشأه وحلاه بهذه المعارف. وأظله في خميلة شرف تهتز أعطافه في روضها البديع الوارف. ولا بدع فمن كان محمد أباه. وعلى أودعه في الأصداف الثمينة وحباه. أن يتطاول إلى الأتير بفخاره. ويسمو على كافة الحسب والنسب بنجاره. كتاب ما هو إلا سحر بابل. وسلافة أدب تلعب بعقول الأنابل. وأيم الله أنه ترك الفكر حيارى. والذكر من جوابه سكارى وما هم بسكارى. إن تأملت بيانه. قلت لله در منشئه وحرس بنيانه. ما هو إلا تقاصير عقود نحور الخرد الكواعب أناط بها مولانا ابريزه وعقيانه. ثم أنه أفاض الله على أعطافه سوابغ فضله. وأسبل جوده الهامر على ساحاته المشرقة ومساعيه التي تنفحت بشمائم نبله. أودع كتابه جملة فنون لا يقوم بالاحاطة بكنهها أحد. وكليات اندرج تحتها جزئيات لو رآها الرئيس لم يتجاوز في ضرب قانونه الحد. وبالله أقسم أنه كشف لي ما انبههم من مخدرات الحكم. وأماط نقاب الفضل عن محررات فهوم يجزم فرسان التدقيق بأنه بين أرباب العقول الفاضلة حكم. ولله دره فيما حكى عن حاله من غوامض الاشارات. بعبارة مفهمة لتلك الرموز والاعتبارات. وفهمت من كتاب مولانا أنه شكا ألماً ألم بجسمه. وما هو إلا أنه زار ذلك الجثمان للتشرف وحاشا أن يكون لمحو رسمه. وكيف وهو حياة العالم. وخيرة الله من بني آدم. وهو الذي بوجوده استنت السنن وفرض الفرض. وصدقت عليه كلمة قوله تعالى وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. وعرف مكنونات التنزيل ومضمونات الأثر صحيحها والهزيل. ولقد بالغ المملوك في تكليف سيده بالمكاتبه. ولم يطلع على ما حكاه لسان قلمه من الفتور عن المخاطبه. إلا بتحبير انبوبته التي لا تزال بالفضائل راعفه. وتحرير كلمه التي لا تفتأ تهدى لخدم أعتابه كل عارفه. ولعمري لقد سررت بأن مولانا تتمايد أعطافه في رياض العافيه. وتتمايل أكتافه إلا أنها في غياض أنهار صافيه. وأيم الله لا أزال أشتاق إلى محيا أقسم أنه فطرت قسماته من ملامح النبوة. وعطرت نسماته من ريحانتي هاتيك المكارم والفتوه. ثم أن سيدي لا تزال صدقاته على المملوك متواليه. من تفاح فياح. وأوراق عطرة الأرواح. متتاليه. وترنج كأنما هو أنامل بالندى مبسوطه. وبأنواع العبائر المخضلة محوطه. حتى أن المملوك القروي. وأما ما أشار إليه مولانا من أم القرى وكونها من مقتضيات الفصاحه. فما أنا إلا عن جراثيمك الطيبة الزكية اقتبس محسنات الألفاظ وأروى مآثر السماحه. وإلا فالمعجز من البلاغات والسور. هو ما حكته لهاة جدك عن مفيض الفيوضات القدسية على الذوات والصور. فما المملوك إلا سلمان بيتكم. وحسان كرمكم وصيتكم. والباذل لمهجته في مرضاة أبيك الفاتح الخاتم. المتمسك بود آل بيت لا يفرحون بالمسرات ولا يترحون بالمآتم. هذا والله يجزي سيدنا ومولانا عنا أفضل الجزا. ويجعل نصيبه من الثواب الجزيل أوفى الأنصباء والأجزا. والملتمس أن لا يخليني من دعائه ووداده. وأن يكون وسيلتي يوم لا وسيلة إلا هو وأسلافه الكرام إلى كوثر النعيم ووراده. والسلام. ومنه ما كتبه أيضاً إليه. وقد سأله عن خبر الناب الوارد م مصر. يقبل الأرض لاثماً تلك الأعتاب الشريفه. ويؤدي الفرض جازماً بأنه تشرف بالاضافة إلى شرائف تلك الرحاب المنيفه. رحاب سيدنا ومولانا الذي تفرع من ذلك المحتد المعظم. وغدى لبان النبوة فلا بدع إذا ارتفع مقامه العلي وتنظم. وتدرع سربال الفتوة بكريمة قل لا أسألكم عليه أجراً. وتشرع بجلباب الفضائل فكان مصداقاً لعظيمة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس شرفاً وذكراً. غرة ذلك المحيا النبوي. درة عقد ذلك المحيا الأماني العلوي. سلالة الائمة الذين حبهم يسند على أرائك النعيم. دلالة الجلة الذين ودهم أداهم إلى تلقي الأكواب من راحات ملائك التنعيم. الغني بنسبه الواضح عن الطراز الأخضر. السني بحسبه الفاضح إذا ازدهر روض الاحساب الأنضر. السيد الذي إذا قال قال الذي عنده علم من الكتاب. الأيد إذا طال قصر كماة الفصول والأجناس عن حد
стр. 68
نوعه بالرسوم والأبواب. فما الرازي إلا ملثمس بفخره. وما ابن كثير إلا قليل بالنسبة إلى شرف ذكره. وما الرئيس إلا ناطق عن اشاراته. وما ابن النفيس إلا مقتبس من عباراته. مولانا وسيدنا العالم المحقق. الايد الفهامة المدقق. أبو المعالي نصير الدين ابن العلامة المحقق غياث الدين منصور حرس الله تعالى ايوان الفضل بودوده. وروح ديوان الكرم الوافر السجل بأويده. وابقاه لحياة أرواح العلوم. وتحقيق الفرق الأدق بين الاسم والمسمى والعلم والمعلوم. آمين. وينهى وصول الكتاب المنبي عن كرم مرسله. وهمم مهديه وموصله. وسجايا مسديه وملحمه. ومزايا مؤديه ومفهمه. لله دره من كتاب. وعين الله على أنامل رقمته فما ألفت إلا نجم الأفق قلائد للرقاب. ولقد تصدق مولانا وأنعم. وملأ قلب المملوك بوده ولعمري كيف يملأ ما هو مشحون بحبه ومنعم. ولقد أدى مولانا حقوق السياده. وكاتب المملوك مع أنه لا يرغب إلا في الرق لباب علي والدخول في العبودية من باب الزياده. ولما اطلع على ما رقمه مولانا في الحاشية وهو ما لفظه المحب نصير الحسيني. هملت عينه بالدموع ويقل في حب تلك الريحانة ان تهمل بالدماء عيني. وسألت الله أن يجعلني يوم لا يوم من المحشور في زمرتكم الفائزه. المنشورين في نور غرركم يعرفون به فينادون أيها الفرقة الناجية الحار جدك الذي تولى تزويجه البتول فاطر السموات والأرض من حوض الكوثر. واسمع مولى كل من خامر الايمان قلبه ومن طبع الله على قلبه ارتد وتعثر. هذا وكم وكم أقول. وفي الذكر المنزل ما يغني عن النصوص والنقول. وما ذكره مولانا من جهة النجاب. والخبر الذي ضرب بيننا وبينه سوراً إلا أنه ليس له باب. إلى غير ذلك. ومنه ما كتبه إليه مراجعاً وصدره بهذه الأبيات من نظمه وهيه بالرسوم والأبواب. فما الرازي إلا ملثمس بفخره. وما ابن كثير إلا قليل بالنسبة إلى شرف ذكره. وما الرئيس إلا ناطق عن اشاراته. وما ابن النفيس إلا مقتبس من عباراته. مولانا وسيدنا العالم المحقق. الايد الفهامة المدقق. أبو المعالي نصير الدين ابن العلامة المحقق غياث الدين منصور حرس الله تعالى ايوان الفضل بودوده. وروح ديوان الكرم الوافر السجل بأويده. وابقاه لحياة أرواح العلوم. وتحقيق الفرق الأدق بين الاسم والمسمى والعلم والمعلوم. آمين. وينهى وصول الكتاب المنبي عن كرم مرسله. وهمم مهديه وموصله. وسجايا مسديه وملحمه. ومزايا مؤديه ومفهمه. لله دره من كتاب. وعين الله على أنامل رقمته فما ألفت إلا نجم الأفق قلائد للرقاب. ولقد تصدق مولانا وأنعم. وملأ قلب المملوك بوده ولعمري كيف يملأ ما هو مشحون بحبه ومنعم. ولقد أدى مولانا حقوق السياده. وكاتب المملوك مع أنه لا يرغب إلا في الرق لباب علي والدخول في العبودية من باب الزياده. ولما اطلع على ما رقمه مولانا في الحاشية وهو ما لفظه المحب نصير الحسيني. هملت عينه بالدموع ويقل في حب تلك الريحانة ان تهمل بالدماء عيني. وسألت الله أن يجعلني يوم لا يوم من المحشور في زمرتكم الفائزه. المنشورين في نور غرركم يعرفون به فينادون أيها الفرقة الناجية الحار جدك الذي تولى تزويجه البتول فاطر السموات والأرض من حوض الكوثر. واسمع مولى كل من خامر الايمان قلبه ومن طبع الله على قلبه ارتد وتعثر. هذا وكم وكم أقول. وفي الذكر المنزل ما يغني عن النصوص والنقول. وما ذكره مولانا من جهة النجاب. والخبر الذي ضرب بيننا وبينه سوراً إلا أنه ليس له باب. إلى غير ذلك. ومنه ما كتبه إليه مراجعاً وصدره بهذه الأبيات من نظمه وهي
أنت نعم النصير في كل نادي ... أنت نعم المولى لكل العباد
ذو الأيادي والأيدي أنت جميعاً ... سيد الناس أوحد العباد
ولك الارث في الولاء بحق ... في رقاب الورى ليوم التناد
لمقال النبيّ في ماء خم ... أنت مولى لمؤمن ذي قياد
فتهادي بالطوع قوم ففازوا ... وتمادي الغبيّ في الانتقاد
ثم قال النبيّ وال علياً ... يا إلهي فكاد حتف المعاد
خص باللعن من تولى عتوّا ... وحشاه مقطع بالعناد
شرف شامخ ومجد رفيع ... وافتخار يذيل غلب الهوادي
стр. 69
كنت في الصلب إذ دنا فتدلى ... كنت في الصف في مقر الجلاد
ثم من قبل إذ أجبت نداء ... لأ لست الاله في كل وادي
من يباريك في السيادة غر ... بمزايا تنير منها الدآدي
أو يجاريك في العلوم جهول ... ماله في الفهوم من مستفاد
أنت أنت المعروف في كل فضل ... أنت صدر الاصدار والايراد
وسوى بينك المنكر جهلاً ... وسواك الضنين بالامداد
فابق واسلم لك السلامة دار ... والمثاني من الثنا في ازدياد
стр. 70
كيف لا اثنى على امام فضل جاد وأجاد. أم كيف لا أعني همام نبل لا أعلم غيره البر البحر السجاد. نعم هو السيد المفضال إذا عدت السادات الأجواد. وهو الأيد الفضال إذا مدت الافادات أيدي الأعلام الأطواد. سلسلة مدارج الشرف التي ليس لسدرة عزها منتهى. صلصلة معارج الغرف التي من دونها أزهى الفراقد والسها. نضرة محيا رافع علم الرساله. خضرة محيا شافع السماحة بالبساله. اذفر لطائم النبوه. عبهر شمائم الفتوه. ريحان مشام المكلم من قاب. ريعان مسام العلم فصل الخطاب غربة جبين الامامه. درة ثمين الكرامه. مياد معاطف العلوم. مياس معاً كف الفهوم. نصير كتائب السياده. مصير سحائب السعاده. أرج الشناشن والسجايا. بهج المحاسن والمزايا. السيد الذي أورقت أغصان سيادته في خمائل المعالي. والأيد الذي أورفت أفنان سعادته في الأفلاك العوالي. ومولانا السيد الأعلم. أبو المعالي. نصير الدين ابن مولانا المحقق الأفهم. غياث الدين منصور. أدام الله عزته إلى يوم ينفخ في الصور. آمين. ورد الكتاب. الذي أزهرت أفانينه. وازدهرت دراريه وقوانينه. وما هو إلا روضة بليلة الأدواح. عليلة النسائم والأرواح. سقيت بسلسال البراعه. وبقيت في صلصال البداعه. صدحت حمائم همزاتها على منابر البلاغه. ونفحت شمائم رمزاتها فأخذ للقوة منها بلاغه. سبحان من أفاض على منشيء هذه الرسالة مطارف المعارف. وأسبل على أكناف موشي هذه النسالة لطائف العوارف. مهلاً يا درة التاج من أبناء العواتك. وغرة مستخدمي الأرواح المجردة من الملائك. فما أناملي تتطاول لاجابة من استنزل المشترى وأودعه من كتابه. ولا عواملي تهتز في ميادين اثابة من استخدم عطارد لترجمة خطابه. على رسلك فما أهديتك الانيرات الفلك تتألق. وما أسديت الأشمو ما أذبتها وطبعتها صحائف فهي بأناملك الشريفة تتملق. رجع إلى ذكر حقائقها. وعود إلى شكر شقائقها. إن مرت على ناد قلت هذه إذا فرفضت لطائمها. أو على واد قلت هذا الوادي المقدس تنشقك من أزاهره شمائمها. يا ليت شعري أهذا كتاب أم جنة الخلد ومعانيه الكواعب. أم سماء وألفاظه الكواكب. أم فراديس النعيم وهذا مقيل الحور والملاعب. وهذه المتلوات سحر هاروت الذي هو للعقول خالب. أم شمول يطوف بها ولدان مخلدون بأباريق على الأصاحب. أم سلاف أدب تديرها حور عين كأنهن بيض مكنون. مزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون. لعمري إن لك في أنهار الطرس سبحاً طويلاً. وفي أسحار النفس تقوم الليل إلا قليلاً. جل من أقدرك على إجراء جداول مشارع البيان العذبه وسواك فعدلك في صورة المقتدر على ابتداع خطبة بعد خطبه. ابلست عنادل الفصاحة بسجع حمائمك إبان الربيع. وبخست منادل الخمائل النفاحة لمعطار كلامك الذي سلك في الحكيم ينابيع. حرس الله مشاهد الفضل ومقاعده. ومعاهد الفصل ومعاقده. ببقائك يا سيد الاعلام. وامام أرباب التأليف والإعلام. آمين. وما نوه به مولانا في الحاشيه. من المكارم التي لم تزل للمملوك غاشيه. وبكرائم الاثنية فاشية. وبنمائم الامداح العنبريه واشيه. من الاحجام والاستعجام. والبروز من باب هضم النفس والدخول إلى أجناس البلاغة والآجام. كيف وقد أتى سيدنا بالمعجز الذي يكع عن مباراته فيه المصقع ذو السقاسق. والقرم الذي تنفهق لهاته بالشقاشق. ولا بدع فهو العربي أصلاً. الأدبي جنساً وفصلاً. والمعرفة الذي بالاعتزاء إليه يتعرف المتوغل في الابهام. والعلم الذي تنقشع بمفهوه سحائب الايهام. ولعمري أنه العمدة الذي يخبر عن مكارمه. والصدر الذي تتفرع عنه الأفعال الطيبة وتتعرف عن معالمه. وأما صحة جثمان المملوك فوحق جدك الأجد. ووصيه الأشد الساعد والأسد. فما كأنها كانت إلا منوطة بكتابكم الذي هو برء ساعه. وخطابكم الذي لا أشك أن ملبيه فائز بما لا يفوز به شهود الجمعة والجماعة. كأن الكتاب والشفاء وردا معاً. وكأن مولانا أجابه الله إذ توجه لشفاء المملوك ودعا. نعم وامتثلت لاشارته أولاً بمنع نفسي عن شرب الماء بعد الغذاء قدر ساعتين أو ثلاث. وتقليل المأكول بمقدار مثنى من اللقم وثلاث. إذ المعدة كانت عاجزة عن تحمل الكثير. كالة عن انضاج ما كانت تنضجه غير قادرة على التأثير. والآن بحمد الله إذ ثنيتم عنان العنايه. ولم يتم عنوان الالتفات إلى مربكم والرعايه. فهو في نعمة سابغة المطارف. فياضة الذوارف. وأما شوق
стр. 71
المملوك إلى المثول بساحتكم المخضلة الربا. المعتلة النسائم والصبا. فهو والله كاد أن يماثل الرمال. بل ويتجدد بمعاقد التأكيد كما تتجدد الأعمال. وفي الحقيقة ما أخلفت الوعد بملكي. ولكن الدهر لا يزال يوقفني مواقل التشكي. كيف أقول أم كيف أحكي. وقد نثرت الأقدار درر الاثراء من سلكي. والله تعالى يحفظ مولانا ويديمه. ولطاعته يقيمه. آمين. ومن انشائه أيضاً قوله. يقبل الأرض وفؤاده من لظى هذه الفجائع الهائلة بتسعر. وانهار شؤونه من هذه الوجائع النازلة تتفجر. وجوانحه من لوافج هذه الوقائع القاتلة تكاد تتميز من الغيظ وتتفطر. وأحشاؤه صليت بنار هذه الفادحة الصائلة فأضحى دم السويداء السواد يتقطر. كيف لا وقد عمت مصيبتها البلاد. وشملت نكاية صعوبتها العباد. وانثلم بمكانها بنيان الثغور. وانفصم بزمانها عرى الدواوين والصدور. وحق للمحابر والاقلام. أن تهشم وترمي في البحور. والدفاتر والأرقام أن تحرق وتذر في مهب النكباء والدبور. ولمداد الخط أن يفيض. ولا مداد اللحظ أن يقيض. ولقد أصبح وجه الكورة متسربلاً بشعار العباس. وشق جيب اليراع وسود وجه القرطاس. ونعق غراب البين بعد صدح حمائم الأفراح. وخلت المنازل من تلك الوجوه الصباح. وك إلى المثول بساحتكم المخضلة الربا. المعتلة النسائم والصبا. فهو والله كاد أن يماثل الرمال. بل ويتجدد بمعاقد التأكيد كما تتجدد الأعمال. وفي الحقيقة ما أخلفت الوعد بملكي. ولكن الدهر لا يزال يوقفني مواقل التشكي. كيف أقول أم كيف أحكي. وقد نثرت الأقدار درر الاثراء من سلكي. والله تعالى يحفظ مولانا ويديمه. ولطاعته يقيمه. آمين. ومن انشائه أيضاً قوله. يقبل الأرض وفؤاده من لظى هذه الفجائع الهائلة بتسعر. وانهار شؤونه من هذه الوجائع النازلة تتفجر. وجوانحه من لوافج هذه الوقائع القاتلة تكاد تتميز من الغيظ وتتفطر. وأحشاؤه صليت بنار هذه الفادحة الصائلة فأضحى دم السويداء السواد يتقطر. كيف لا وقد عمت مصيبتها البلاد. وشملت نكاية صعوبتها العباد. وانثلم بمكانها بنيان الثغور. وانفصم بزمانها عرى الدواوين والصدور. وحق للمحابر والاقلام. أن تهشم وترمي في البحور. والدفاتر والأرقام أن تحرق وتذر في مهب النكباء والدبور. ولمداد الخط أن يفيض. ولا مداد اللحظ أن يقيض. ولقد أصبح وجه الكورة متسربلاً بشعار العباس. وشق جيب اليراع وسود وجه القرطاس. ونعق غراب البين بعد صدح حمائم الأفراح. وخلت المنازل من تلك الوجوه الصباح.
علينا لك الاسعاد إن كان نافعاً ... بشق قلوب لا بشق جيوب
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
وأيم والله لقد تزعزعت لافول ذلك النير أركان الرياسه. وتضعضعت لفقده حيطان البسالة والنفاسه. بوأه الله مقعد صدق عند مليك مقتدر. ولا برحت رشحات سحاب رحمته على مثواه تدر. ولم يبق إلا الأخذ بسنة النبي ﷺ وآله في الصبر والاحتساب. وتسليم الأمر إلى صاحبه الذي كتب هذا المصرع على الرقاب. وهذا مصاب لم يكن بد من الاصطبار. على تصاريف الزمان الغدار. وطوارق نوائب أدوار الفلك الدوار، إذ من البين الذي لا يشتبه على ذي بصيره. إن الله جعل هذا مآل كل حي ومصيره. سليت خاطري الكئيب بوجودكم المغتنم. وأخمدت نار حزن كان قد شب لظاها واضطرم. ومن شعره قوله في صدر كتاب
هذا نظامك أم در بمنتسق ... أم الدراري التي لاحت على الأفق
وذا كلامك أم سحر به سلبت ... نهى العقول فتتلو سورة الفلق
وذا بيانك أم صهباء شعشعها ... أغن ذو مقلة مكحولة الحدق
بتاج كل مليك منه لامعة ... وجيد كل مجيد منه في أنق
روض من الزهر والأنوار زاهية ... كأنجم الأفق في اللآلاء والنمق
وذي حمائم ألفاظ سجعن ضحى ... على الخمائل غب العارض الغدق
رسالة كفراديس الجنان بها ... من كل مؤتلق يلفى ومنتشق
كأنما الألفات المائدات بها ... غصون بان على أيد من الورق
تعلو منابرها الهمزات صادحة ... كالورق ناحت على الأفنان من حرق
стр. 72
ميماتها كثغور يبتسمن بها ... يزرى على الدر إذ يزهى على العنق
فطرسها كبياض الصبح من يقق ... ونقسها كسواد الليل في غسق
يا ذا الرسالة قد أرسلت معجزة ... ردت بلاغتها الدعوى من الفرق
ويا مليك ذوي الآداب قاطبة ... ويا اماماً هدانا أوضح الطرق
من ذا يعارض ما قد صاغ فكرك من ... خلى البيان ومن يقفوك في السبق
أنت المجلى بمضمار العلوم إذا ... أضحى قروم أولى التحقيق في قلق
صلي أئمة أهل الفضل خلفك يا ... مولى الموالي ورب المنطق الذلق
مسلمين لما قد حزت من أدب ... مصدقين بما شرفت من خلق
مهلاً فباعى من التقصير في قصر ... وأنت في الطول والاحسان ذو عمق
سبحان بارىء هذي الذات من همم ... سبحان فاطر ذا الانسان من علق
يا ليت شعري هل شبه يرى لكم ... كلا وربي ولا الأملاك في الخلق
عذراً فما فكرتي صوّاغة درراً ... حتى أصوغ لك الأسلاك في نسق
واسلم ودم وتعالى في مشيد علا ... تستنزل الشهب للانشا فلم تعق
وقوله مخاطباً بعض أكابر عصره لأمر اقتضى ذلك
حصل القصد والمنى والمراد ... واستكانت لمجدك الأضداد
اسجد الله في عتابك شوساً ... تتقي الأسد بأسها والجلاد
وأذلت لك الجدود أناساً ... شيد للمجد في رباهم عماد
ثم جاءت إليك طوعاً وكرهاً ... تتهادى حيناً وحيناً تقاد
أنت في الشهب ثاقب لا تسامى ... في معاليك حين تثني الوساد
لا تبالي بنازل وملمّ ... ولو أن الملمّ سبع شداد
ساهراً في طلاب كل منيع ... عزّ نيلاً فلم ينله العباد
سهره النفس إن يسمه كميّ ... والطريق السهاد والجسم زاد
من يجد بالجنان نال مناه ... والشحيح الجنن عنة يذاد
لا تنال العلى بغير العوالي ... لا ولا الحمد يكتسيه الجماد
احمد الناس أنت قولاً وفعلاً ... والوفيّ الذمام والمستجاد
يا شهاباً بجده حاز جداً ... ومقاماً لغيرة لا يشاد
ماز بيني وبين خدني فدم ... ذو سبال يدب فيها القراد
ولو أن الذي تحكم فينا ... ألمعيّ لقر منى الفؤاد
أنكر المارقون فضل عليّ ... ورماهم إلى الجحيم العناد
وحقيق أن البلاء قديم ... وأهالي الفهوم منه تكاد
ويولىّ الأمي حكم البرايا ... والبليغ المقال لا يستفاد
وولاة الأمور فينا حيارى ... وذوو النقص لا تزال تزاد
عادة الدهر أن يؤخر مثلي ... وعلى الأصل جاء هذا المفاد
قل لمن يبتغي التفاضل بيني ... ثم بين القضاة هذا الزماد
فاقتبس من زنادهم لك ناراً ... أو فدعهم إن لاح منه الرماد
ويح دهر لا يعرف الفرق فيه ... بين عيّ وقائل يستجاد
هين ما لقيت ما دمت فينا ... ذا عفاف وصح منك الوداد
وقوله أيضاً
سلام على الدار التي قد تباعدت ... ودمعي على طول الزمان سفوح
يعز علينا أن تشط بنا النوى ... ولي عندكم دون البرية روح
إذا نسمت من جانب الرمل نفحة ... وفيها عرار للغوير وشيح
تذكرتكم والدمع يستر مقلتي ... وقلبي مشوق بالبعاد جريح
فقلت ولى من لاعج الوجد زفرة ... لها لوعة تغدو بها وتروح
ألا هل يعيد الدهر أيامنا التي ... نعمنا بها والكاشحون نزوح
وقوله في صدر كتاب
بحق الوفا بالود بالشيمة التي ... عرفتم بها بالجود والكرم الجم
стр. 73
بتلك الخصال الأشرفيات بالنهى ... بعزتك العليا على قمة النجم
بذاك المحيا الهش بالمنطق الشهي ... بما فيك من خلق رضيّ ومن عزم
أجرني من التكليف واقبل تحيتي ... بتقبيل أرض لم تزل منتهى همي
فدهري من الاسهاب امنع مانع ... ووقتي عن الاطناب أضيق من سم
وماذا عسى في الوصف يبلغ مقولي ... ولو مدت الأقلام من مدد اليم
الشيخ عبد الملك
بن الشيخ جمال الدين العصامى
هو عبد الملك بن جمال الدين بن صد الدين بن عصام الدين الاسفرايني المشهور بالملا عصام صاحب الحاشيه. على الشرح الجديد على الكافيه. والاطول. الذي عارض به المطول. وغيرهما من التصانيف المفيده. والتآليف السديده. وعبد الملك هذا إمام العلوم العربية وعلامها. والمنشورة به في الخافقين أعلامها. والسالك أوضح مسالكها. والمالك لازمتها وابن مالكها. ورد عذب الفضل نهلاً وعلا. وفاز من سهمه بالقدح المعلى. فجدد معني العلم الدريس. ونصب نفسه للاقراء والتدريس. واشتغل بالتصنيف والتأليف. وتخلي عن كل أنيس وأليف. حتى بلغت مؤلفاته الستين. من شرح مفيد ومتن متين. فلقب بخاتمة المحققين. وعد من أرباب الفضل واليقين. إلى زهد وصلاح. وتقوى أشرق نورها في أسرة وجهه ولاح. والمام بالأدب وافر. طلع في أفق الحسان بدره السافر. إلا أن قل ما أعار ذهنه وفكره. غير مسائل العلم التي خلدت في صحائف الأيام ذكره. فمن نظمه قوله مضمناً
أهدى لمجلسه الكريم ... فرائداً تهدي إليه
كالبحر يمطره السحا ... ب وما له منّ عليه
وهو من قول البديع هبة الله الا سطر لأبي
أهدى لمجلسه الكريم وإنما ... أهدى له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما له ... فضل عليه لأنه من مائه
وما ألطف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة على لسان ابريق مضمناً ذلك
لي في المحاسن والندى ... خبر يلذّ ويستطاب
فأنا وكفى مالكي ... كالبحر يمطره السحاب
وأنشدني صاحبنا الشيخ أحمد الجوهري للشيخ عبد الملك المذكور مضمناً
بمثر أو فلاسفة وبرش ... تدفوا في الشتاء إذا بردتم
وأولها المفضل وهو معنى ... تمثروا في الشتاء إذا اجتمعتم
وهو صدر بيت عجزه. وكونوا في المصيف بنات نعش.
وكتب إليه القاضي تاج الدين المالكي سائلاً
ماذا يقول إمام العصر سيدنا ... ومن لديه يرى التحقيق طالبه
في الدار هل جائز تذكير عائدها ... في قولنا مثلاً في الدار صاحبه
ومن ابانة همز ابن اراد فهل ... يكون موصوفه إسماً نطالبه
أم كونه علماً كاف ولو لقبا ... أو كنية إن أراد الحذف كاتبه
أفد فما إن رأينا الحق منخفضاً ... إلا وأنت على التمييز ناصبه
فأجاب بقوله
يا فاضلاً لم يزل يهدي الفرائد من ... علومه وتروّينا سحائبه
تانيثك الدار حتم لا سبيل إلى التذ ... كير فامنع إذا في الدار صاحبه
والاسم موصوفه عمم فان لقبا ... أو كنية فارتكاب الحذف واجبه
هذا جوابي فاعذر أن ترى خللاً ... فمصدر العجز والتقصير كاتبه
لا زلت تاجاً لهامات العلى علماً ... في العلم يجوى بك التحقيق طالبه
وكتب هو إلى القاضي المذكور طالباً منه شرح الاستعارات للحلوائي بهذا البيت الفرد
منك حلو الآداب يعرف ... لا شك فجدلى بالسّرح للحلوائي
فأجابه القاضي بقوله وأرسله صحبة الكتاب
يا اماماً علا على الجوزاء ... وهماماً رقى ذري العلياء
من إذا رام وصف معنى فقس ... وإذا ما أبان فابن جلاء
من إذا رمت مدحه بمقال ... هيبة منه فل حد ذكائي
قد طلبتم شرحاً على الاستعا ... رات بدر أضا كصبح الضحاء
وبعثتم بيتاً بديع معان ... هو يا سيدي رفيع البناء
استعارته فؤادي حلت ... والعلاقات قد ثوت أحشائي
стр. 74
وتحلى بدره عاطل الجي ... د فحلّيت في بروح العلاء
ولساني لما تلا لفظه الد ... رّ اكتسى لفظي الحلا بالحلاء
فأتاكم عن استعارات قلبي ... مذ بعثنا بالشرح للحلوائي
الشيخ محمد بن أحمد المنوفي
هو جدي لأمي. ومن ملت به من عريق النسب كمي. إمام الأئمة الشافعيه. ورب الفطنة الألمعيه. ملك للعلوم ذماماً. وتقدم في مقام الفضل إماماً. فصلت الأفاضل خلفه. وظلت الفضائل حلفه. لا يشق له غبار في مضمار سباق. ولا يباريه مبار في اصطباح واغتباق. ولا سوى الأدب والفضل صبوح وغبوق. وهو السابق فيهما ومن عداه مسبوق. وكان قد شد لرحلة الروم ركابه وابله. يريد بسطة كف يستعين بها على قضاء حقوق للعلى قبله. فأسفرت سفرته عن وجوه آماله. وأهب عليه الاقبال نسائم قبوله وشماله. فتلقاه ملكها بأهل ومرحب. وأنزله من ألطافه واسعافه افسح منزل وارحب. ونفحه بنسمات عنايته المسكيه. حتى قلده أكثر المناصب المكيه. فلما عاد قافلاً إلى وطنه. بقضاء أمله ووطره. نصبت له المنون أشراكها في طريقه. وأغصه إذ ساغت له أمانيه بريقه. فتوفي بالشام عام أربع وأربعين وألف. ولا يحضرني الآن من شعره غير ما رأيته منسوباً له بخط سيدي الوالد وهو شعر
عتبت على دهري بأفعاله التي ... أضاق بها صدري وأضنى بها جسمي
فقال ألم تعلم بأن حوادثي ... إذا أشكلت ردت لمن كان ذا علم
وهذان البيتان لا يشيد مثلهما إلا من شاد ربوع الأدب وسارع لاقتناص شوارد القريض وانتدب وهما انموذج براعته وبلاغته. واقتداره على سبك ابريز الكلام وصياغته. وقد صدرتهما وعجزتهما فقلت
عتبت على دهري بأفعاله التي ... براني بها برى السهام من الهم
ليصرف عني فادحات نوائب ... أضاق بها صدري وأضنى بها جسمي
فقال ألم تعلم بأن حوادثي ... وأخطارها اللائي تلم بذى الفهم
يضيق بها ذو الجهل ذرعاً وإنما ... إذا أشكلت لمن كان ذا علم
ابنه
القاضي عبد الجواد المنوفي
جواد علم لا يكبو. وحسام فضل لا ينبو. سبق في ميدان الفضل أقرانه. واجتلى من سعد جده ومجده قرانه. ولي القضاء مرة بعد أخرى. فكسى بمنصبه شرفاً وفخراً. وأنفذ الأحكام وأمضاها. وأسخط من خالف الشريعة وأرضاها. ثم تقلد منصب الفتوى. فبرز فيها إلى الغاية القصوى. مع تحليه بالامامة والخطابه. والهمة التي ملأ بها من الثناء وطابه. وكانت له عند شريف مكة المنزلة العليا. والمكانة التي تنافسه فيها الدنيا. ولم يكن يفارقه في حضر ولا سفر. وشهوره ربيع وشهور حساد صفر. وما زال راقياً ذرى العز والجلاله. ساحباً على قمم المعالي أردانه وأذياله. حتى انقضت أيامه وسنونه. ودعاه داعي الأجل فأجاب منونه. فتوفى خامس شوال سنة ثمان وستين وألف بالطائف الميمون ودفن به. وأما أدبه فروض تبسمت أزهاره. وجرت بسلسبيل الاحسان أنهاره. تحسد النثرة نثره. وتغبط الشعرى شعره. فمن نثره ونظمه ما راجع به الوالد من مكة المشرفة وهو بالطائف سنة إحدى وخمسين وألف صورته
يا ابن الأئمة من ذؤابة هاشم ... شرف سما بفروعه وأصوله
ماذا يقول المادحون وقد أتى ... بمديحك القرآن في تنزيله
أقبّل الأرض من بُعدٍ وإن سمحت ... له الليالي بقرب قبّل القدما
وأنهى إلى حضرته العلية التي هي قطب دائرة الكمال محط الرحال. ومحيط بحور الشعر الذي هو السحر الحلال. لا زالت الفضلاء تستمد من عناياته. وتقابل نسخ المعارف على صقيل مرآته. آمين. أنه وصل إلى العبد الداعي النظم الرائق. واتصل بشاكر جميل تلك المساعي النظام الفائق. الذي نثر من أسرار أوصافكم درراً. ونشر من آثار أنصافكم حبراً. فسرح الناظر طرفه في در منثوره. فتمتع في أنيق رياض سطوره. فلم يدر أروض نشر فروع ورد وعبهر. أم يلد بليغ رصعت عقود در وجوهر. فارتشف من زلال أسراره. ما زاده إخلاصاً وتمكيناً. وتحقق صدق ما قيل
ورب غراء لم تنظم قلائدها ... إلا لتحمد فيها الهاشميينا
أغناهم عن صفات المادحين لهم ... مدائح الله في طه وياسينا
стр. 75
إن ادّعوا جاءت الدنيا مصدقة ... وإن دعوا قالت الأيام آمينا
لا زالت فضائلكم على منصات عرائس الفوائد تجلى. ولا برحت فواضلكم على منابر جوامع مجامع الذكر تنشر وتتلى
قسماً بما أوليت من حسن الشيم ... وجنيت من غرر المعارف والهمم
لم أرض من اكبار نظمك عندما ... قابلته أني أقبله بغم
بل صغته تاجاً لمفرق جبهتي ... ووضعته حاشاه من وضع علم
وبدت بديهتي العجولة إذ زهت ... بعلاه قائلة تفاءل من نظم
هذا نظام الدين فزت بنظمته ... أم سجع قمري نعمت بنغمته
أم زهر نسرين تدلى نوره ... فسرى النسيم لنا بطيّب نفحته
أم جيب غزلان اللوى والمنحنى ... أبدى ضياء الفجر أبيض صفحته
أم وجه ليلي العامرية أسفرت ... لما بدت ليلاً براقع غرته
أم شامة المحبوب في وجناته ... شامت بروقاً أو مضت عن طرته
أم نقش معصم ذات حسن أبرزت ... بيض الليالي في دياجي خضرته
أم سمط ياقوت بسلك دمقسه ... بهر العقول بدائع في صنعته
أم نظم مولى راق إذ فاق الورى ... بكمال ما أوتيه موشى رقعته
نظم إذا ما دار كاس سلافه ... في رأسي الراسي سكرت بخمرته
نظم إذا ما فاح نشر عبيره ... بين الورى عبق الوجود بعطرته
غنى به ركب الحجاز وزمزمت ... بين الصفا أهل الصفا ومروته
وحدت به وفاد موشى طرسه ... فبدت تخبرنا عالي رفعته
هو مجمع البحرين بحر حقائق ... ومحيط كنز الفقه صدر شريعته
مغنى اللبيب بفضله وبفهمه ... يسرى إليه منه سرّ سريرته
وخلاصة الفضلاء عمدتهم إذا ... ما أشكل الأشكال كشف حقيقته
ومساعد النبلا بكشف غوامض ... كشفت على عالي علىّ قريحته
نجني الفواكه من رياض قد نمت ... وتنمنمت في روض رائض روضته
شرح الصدور ينال من تلقائه ... وشفاؤها منه بلامع فطنته
لا أستطيع لفضله وصفاً ولو ... بالغت في مدحي ببالغ مدحته
خمدت صحاح الفكر إذ ألفيته ... قاوس فضل فاز منه ببلغته
فحجلت أن أبدي نظامي عنده ... وخشيت منه أن يبوأ بخجلته
لكن هجمت على فواضل فضله ... وجعلته هدياً لعالي حضرته
لا زال للطلاب خير مؤمل ... فينال كل منه كامل بغيته
تبدي له الأيام رونق صفوها ... وتنيله ما رام من أمنيته
ما سجع القمري فوق إراكة ... وترنم العصفور وسط أريكته
نعتذر لسيدنا فيما أبديناه من هذيان تمجه المسامع ولا لقبله الطباع فغايته الحيلة على تحريك سلاسل مراسلاتكم العذبة لتتشرف بالنظر إليها العيون وتتشنف بسماعها الأسماع. يسر الله لكم العود إلى أشرف البقاع ومتعنا بمشاهدة تلك الطلعة الشريفة المتفق على شرفها الاجماع. والله يبقى المولى ومقامه مقام إبراهيم رزقاً وأماناً. محفوظاً ومحروساً مؤيداً بالله معاناً. مصوناً في الخمس من الست بالسبع. عالياً مكانه علو الشمس وحماه المفرد محفوظ وما حواه من سالم الجمع. آمين. وقد وصل ما تفضل به مولانا وكان من أعز ما وصل. وحصل به من أنواع المسرة والفرح ما حصل فالله تعالى يجزل لسيدنا المنه. ويطعمه بعد العمر الطويل من ثمار الجنه. والأيادي الكريمة والاقدام. مقبلة على الدوام والسلام. حرر في ٢٢ ثاني الربيعين لسنة ١٠٥ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
فراجعه سيدي الوالد عن هذه القصيدة بقوله
يا طائراً أشجي الفؤاد بنغمته ... ما هاج نوحك يا هتوف بدمنته
هل هبت الأرواح من ذي ضارج ... أم ذا نسيم الغور عاد بنفحته
أم قد ذكرت فروع بانات الحمى ... وتجاوب الأطيار فيه بسحرته
إذ رحت تذكرني بلحن مسجع ... زمناً حويت الأنس فيه برمته
следующие страницы →