Полный текст (350 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
المملوك إلى المثول بساحتكم المخضلة الربا. المعتلة النسائم والصبا. فهو والله كاد أن يماثل الرمال. بل ويتجدد بمعاقد التأكيد كما تتجدد الأعمال. وفي الحقيقة ما أخلفت الوعد بملكي. ولكن الدهر لا يزال يوقفني مواقل التشكي. كيف أقول أم كيف أحكي. وقد نثرت الأقدار درر الاثراء من سلكي. والله تعالى يحفظ مولانا ويديمه. ولطاعته يقيمه. آمين. ومن انشائه أيضاً قوله. يقبل الأرض وفؤاده من لظى هذه الفجائع الهائلة بتسعر. وانهار شؤونه من هذه الوجائع النازلة تتفجر. وجوانحه من لوافج هذه الوقائع القاتلة تكاد تتميز من الغيظ وتتفطر. وأحشاؤه صليت بنار هذه الفادحة الصائلة فأضحى دم السويداء السواد يتقطر. كيف لا وقد عمت مصيبتها البلاد. وشملت نكاية صعوبتها العباد. وانثلم بمكانها بنيان الثغور. وانفصم بزمانها عرى الدواوين والصدور. وحق للمحابر والاقلام. أن تهشم وترمي في البحور. والدفاتر والأرقام أن تحرق وتذر في مهب النكباء والدبور. ولمداد الخط أن يفيض. ولا مداد اللحظ أن يقيض. ولقد أصبح وجه الكورة متسربلاً بشعار العباس. وشق جيب اليراع وسود وجه القرطاس. ونعق غراب البين بعد صدح حمائم الأفراح. وخلت المنازل من تلك الوجوه الصباح. وك إلى المثول بساحتكم المخضلة الربا. المعتلة النسائم والصبا. فهو والله كاد أن يماثل الرمال. بل ويتجدد بمعاقد التأكيد كما تتجدد الأعمال. وفي الحقيقة ما أخلفت الوعد بملكي. ولكن الدهر لا يزال يوقفني مواقل التشكي. كيف أقول أم كيف أحكي. وقد نثرت الأقدار درر الاثراء من سلكي. والله تعالى يحفظ مولانا ويديمه. ولطاعته يقيمه. آمين. ومن انشائه أيضاً قوله. يقبل الأرض وفؤاده من لظى هذه الفجائع الهائلة بتسعر. وانهار شؤونه من هذه الوجائع النازلة تتفجر. وجوانحه من لوافج هذه الوقائع القاتلة تكاد تتميز من الغيظ وتتفطر. وأحشاؤه صليت بنار هذه الفادحة الصائلة فأضحى دم السويداء السواد يتقطر. كيف لا وقد عمت مصيبتها البلاد. وشملت نكاية صعوبتها العباد. وانثلم بمكانها بنيان الثغور. وانفصم بزمانها عرى الدواوين والصدور. وحق للمحابر والاقلام. أن تهشم وترمي في البحور. والدفاتر والأرقام أن تحرق وتذر في مهب النكباء والدبور. ولمداد الخط أن يفيض. ولا مداد اللحظ أن يقيض. ولقد أصبح وجه الكورة متسربلاً بشعار العباس. وشق جيب اليراع وسود وجه القرطاس. ونعق غراب البين بعد صدح حمائم الأفراح. وخلت المنازل من تلك الوجوه الصباح.
علينا لك الاسعاد إن كان نافعاً ... بشق قلوب لا بشق جيوب
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
وأيم والله لقد تزعزعت لافول ذلك النير أركان الرياسه. وتضعضعت لفقده حيطان البسالة والنفاسه. بوأه الله مقعد صدق عند مليك مقتدر. ولا برحت رشحات سحاب رحمته على مثواه تدر. ولم يبق إلا الأخذ بسنة النبي ﷺ وآله في الصبر والاحتساب. وتسليم الأمر إلى صاحبه الذي كتب هذا المصرع على الرقاب. وهذا مصاب لم يكن بد من الاصطبار. على تصاريف الزمان الغدار. وطوارق نوائب أدوار الفلك الدوار، إذ من البين الذي لا يشتبه على ذي بصيره. إن الله جعل هذا مآل كل حي ومصيره. سليت خاطري الكئيب بوجودكم المغتنم. وأخمدت نار حزن كان قد شب لظاها واضطرم. ومن شعره قوله في صدر كتاب
هذا نظامك أم در بمنتسق ... أم الدراري التي لاحت على الأفق
وذا كلامك أم سحر به سلبت ... نهى العقول فتتلو سورة الفلق
وذا بيانك أم صهباء شعشعها ... أغن ذو مقلة مكحولة الحدق
بتاج كل مليك منه لامعة ... وجيد كل مجيد منه في أنق
روض من الزهر والأنوار زاهية ... كأنجم الأفق في اللآلاء والنمق
وذي حمائم ألفاظ سجعن ضحى ... على الخمائل غب العارض الغدق
رسالة كفراديس الجنان بها ... من كل مؤتلق يلفى ومنتشق
كأنما الألفات المائدات بها ... غصون بان على أيد من الورق
تعلو منابرها الهمزات صادحة ... كالورق ناحت على الأفنان من حرق
стр. 72
ميماتها كثغور يبتسمن بها ... يزرى على الدر إذ يزهى على العنق
فطرسها كبياض الصبح من يقق ... ونقسها كسواد الليل في غسق
يا ذا الرسالة قد أرسلت معجزة ... ردت بلاغتها الدعوى من الفرق
ويا مليك ذوي الآداب قاطبة ... ويا اماماً هدانا أوضح الطرق
من ذا يعارض ما قد صاغ فكرك من ... خلى البيان ومن يقفوك في السبق
أنت المجلى بمضمار العلوم إذا ... أضحى قروم أولى التحقيق في قلق
صلي أئمة أهل الفضل خلفك يا ... مولى الموالي ورب المنطق الذلق
مسلمين لما قد حزت من أدب ... مصدقين بما شرفت من خلق
مهلاً فباعى من التقصير في قصر ... وأنت في الطول والاحسان ذو عمق
سبحان بارىء هذي الذات من همم ... سبحان فاطر ذا الانسان من علق
يا ليت شعري هل شبه يرى لكم ... كلا وربي ولا الأملاك في الخلق
عذراً فما فكرتي صوّاغة درراً ... حتى أصوغ لك الأسلاك في نسق
واسلم ودم وتعالى في مشيد علا ... تستنزل الشهب للانشا فلم تعق
وقوله مخاطباً بعض أكابر عصره لأمر اقتضى ذلك
حصل القصد والمنى والمراد ... واستكانت لمجدك الأضداد
اسجد الله في عتابك شوساً ... تتقي الأسد بأسها والجلاد
وأذلت لك الجدود أناساً ... شيد للمجد في رباهم عماد
ثم جاءت إليك طوعاً وكرهاً ... تتهادى حيناً وحيناً تقاد
أنت في الشهب ثاقب لا تسامى ... في معاليك حين تثني الوساد
لا تبالي بنازل وملمّ ... ولو أن الملمّ سبع شداد
ساهراً في طلاب كل منيع ... عزّ نيلاً فلم ينله العباد
سهره النفس إن يسمه كميّ ... والطريق السهاد والجسم زاد
من يجد بالجنان نال مناه ... والشحيح الجنن عنة يذاد
لا تنال العلى بغير العوالي ... لا ولا الحمد يكتسيه الجماد
احمد الناس أنت قولاً وفعلاً ... والوفيّ الذمام والمستجاد
يا شهاباً بجده حاز جداً ... ومقاماً لغيرة لا يشاد
ماز بيني وبين خدني فدم ... ذو سبال يدب فيها القراد
ولو أن الذي تحكم فينا ... ألمعيّ لقر منى الفؤاد
أنكر المارقون فضل عليّ ... ورماهم إلى الجحيم العناد
وحقيق أن البلاء قديم ... وأهالي الفهوم منه تكاد
ويولىّ الأمي حكم البرايا ... والبليغ المقال لا يستفاد
وولاة الأمور فينا حيارى ... وذوو النقص لا تزال تزاد
عادة الدهر أن يؤخر مثلي ... وعلى الأصل جاء هذا المفاد
قل لمن يبتغي التفاضل بيني ... ثم بين القضاة هذا الزماد
فاقتبس من زنادهم لك ناراً ... أو فدعهم إن لاح منه الرماد
ويح دهر لا يعرف الفرق فيه ... بين عيّ وقائل يستجاد
هين ما لقيت ما دمت فينا ... ذا عفاف وصح منك الوداد
وقوله أيضاً
سلام على الدار التي قد تباعدت ... ودمعي على طول الزمان سفوح
يعز علينا أن تشط بنا النوى ... ولي عندكم دون البرية روح
إذا نسمت من جانب الرمل نفحة ... وفيها عرار للغوير وشيح
تذكرتكم والدمع يستر مقلتي ... وقلبي مشوق بالبعاد جريح
فقلت ولى من لاعج الوجد زفرة ... لها لوعة تغدو بها وتروح
ألا هل يعيد الدهر أيامنا التي ... نعمنا بها والكاشحون نزوح
وقوله في صدر كتاب
بحق الوفا بالود بالشيمة التي ... عرفتم بها بالجود والكرم الجم
стр. 73
بتلك الخصال الأشرفيات بالنهى ... بعزتك العليا على قمة النجم
بذاك المحيا الهش بالمنطق الشهي ... بما فيك من خلق رضيّ ومن عزم
أجرني من التكليف واقبل تحيتي ... بتقبيل أرض لم تزل منتهى همي
فدهري من الاسهاب امنع مانع ... ووقتي عن الاطناب أضيق من سم
وماذا عسى في الوصف يبلغ مقولي ... ولو مدت الأقلام من مدد اليم
الشيخ عبد الملك
بن الشيخ جمال الدين العصامى
هو عبد الملك بن جمال الدين بن صد الدين بن عصام الدين الاسفرايني المشهور بالملا عصام صاحب الحاشيه. على الشرح الجديد على الكافيه. والاطول. الذي عارض به المطول. وغيرهما من التصانيف المفيده. والتآليف السديده. وعبد الملك هذا إمام العلوم العربية وعلامها. والمنشورة به في الخافقين أعلامها. والسالك أوضح مسالكها. والمالك لازمتها وابن مالكها. ورد عذب الفضل نهلاً وعلا. وفاز من سهمه بالقدح المعلى. فجدد معني العلم الدريس. ونصب نفسه للاقراء والتدريس. واشتغل بالتصنيف والتأليف. وتخلي عن كل أنيس وأليف. حتى بلغت مؤلفاته الستين. من شرح مفيد ومتن متين. فلقب بخاتمة المحققين. وعد من أرباب الفضل واليقين. إلى زهد وصلاح. وتقوى أشرق نورها في أسرة وجهه ولاح. والمام بالأدب وافر. طلع في أفق الحسان بدره السافر. إلا أن قل ما أعار ذهنه وفكره. غير مسائل العلم التي خلدت في صحائف الأيام ذكره. فمن نظمه قوله مضمناً
أهدى لمجلسه الكريم ... فرائداً تهدي إليه
كالبحر يمطره السحا ... ب وما له منّ عليه
وهو من قول البديع هبة الله الا سطر لأبي
أهدى لمجلسه الكريم وإنما ... أهدى له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما له ... فضل عليه لأنه من مائه
وما ألطف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة على لسان ابريق مضمناً ذلك
لي في المحاسن والندى ... خبر يلذّ ويستطاب
فأنا وكفى مالكي ... كالبحر يمطره السحاب
وأنشدني صاحبنا الشيخ أحمد الجوهري للشيخ عبد الملك المذكور مضمناً
بمثر أو فلاسفة وبرش ... تدفوا في الشتاء إذا بردتم
وأولها المفضل وهو معنى ... تمثروا في الشتاء إذا اجتمعتم
وهو صدر بيت عجزه. وكونوا في المصيف بنات نعش.
وكتب إليه القاضي تاج الدين المالكي سائلاً
ماذا يقول إمام العصر سيدنا ... ومن لديه يرى التحقيق طالبه
في الدار هل جائز تذكير عائدها ... في قولنا مثلاً في الدار صاحبه
ومن ابانة همز ابن اراد فهل ... يكون موصوفه إسماً نطالبه
أم كونه علماً كاف ولو لقبا ... أو كنية إن أراد الحذف كاتبه
أفد فما إن رأينا الحق منخفضاً ... إلا وأنت على التمييز ناصبه
فأجاب بقوله
يا فاضلاً لم يزل يهدي الفرائد من ... علومه وتروّينا سحائبه
تانيثك الدار حتم لا سبيل إلى التذ ... كير فامنع إذا في الدار صاحبه
والاسم موصوفه عمم فان لقبا ... أو كنية فارتكاب الحذف واجبه
هذا جوابي فاعذر أن ترى خللاً ... فمصدر العجز والتقصير كاتبه
لا زلت تاجاً لهامات العلى علماً ... في العلم يجوى بك التحقيق طالبه
وكتب هو إلى القاضي المذكور طالباً منه شرح الاستعارات للحلوائي بهذا البيت الفرد
منك حلو الآداب يعرف ... لا شك فجدلى بالسّرح للحلوائي
فأجابه القاضي بقوله وأرسله صحبة الكتاب
يا اماماً علا على الجوزاء ... وهماماً رقى ذري العلياء
من إذا رام وصف معنى فقس ... وإذا ما أبان فابن جلاء
من إذا رمت مدحه بمقال ... هيبة منه فل حد ذكائي
قد طلبتم شرحاً على الاستعا ... رات بدر أضا كصبح الضحاء
وبعثتم بيتاً بديع معان ... هو يا سيدي رفيع البناء
استعارته فؤادي حلت ... والعلاقات قد ثوت أحشائي
стр. 74
وتحلى بدره عاطل الجي ... د فحلّيت في بروح العلاء
ولساني لما تلا لفظه الد ... رّ اكتسى لفظي الحلا بالحلاء
فأتاكم عن استعارات قلبي ... مذ بعثنا بالشرح للحلوائي
الشيخ محمد بن أحمد المنوفي
هو جدي لأمي. ومن ملت به من عريق النسب كمي. إمام الأئمة الشافعيه. ورب الفطنة الألمعيه. ملك للعلوم ذماماً. وتقدم في مقام الفضل إماماً. فصلت الأفاضل خلفه. وظلت الفضائل حلفه. لا يشق له غبار في مضمار سباق. ولا يباريه مبار في اصطباح واغتباق. ولا سوى الأدب والفضل صبوح وغبوق. وهو السابق فيهما ومن عداه مسبوق. وكان قد شد لرحلة الروم ركابه وابله. يريد بسطة كف يستعين بها على قضاء حقوق للعلى قبله. فأسفرت سفرته عن وجوه آماله. وأهب عليه الاقبال نسائم قبوله وشماله. فتلقاه ملكها بأهل ومرحب. وأنزله من ألطافه واسعافه افسح منزل وارحب. ونفحه بنسمات عنايته المسكيه. حتى قلده أكثر المناصب المكيه. فلما عاد قافلاً إلى وطنه. بقضاء أمله ووطره. نصبت له المنون أشراكها في طريقه. وأغصه إذ ساغت له أمانيه بريقه. فتوفي بالشام عام أربع وأربعين وألف. ولا يحضرني الآن من شعره غير ما رأيته منسوباً له بخط سيدي الوالد وهو شعر
عتبت على دهري بأفعاله التي ... أضاق بها صدري وأضنى بها جسمي
فقال ألم تعلم بأن حوادثي ... إذا أشكلت ردت لمن كان ذا علم
وهذان البيتان لا يشيد مثلهما إلا من شاد ربوع الأدب وسارع لاقتناص شوارد القريض وانتدب وهما انموذج براعته وبلاغته. واقتداره على سبك ابريز الكلام وصياغته. وقد صدرتهما وعجزتهما فقلت
عتبت على دهري بأفعاله التي ... براني بها برى السهام من الهم
ليصرف عني فادحات نوائب ... أضاق بها صدري وأضنى بها جسمي
فقال ألم تعلم بأن حوادثي ... وأخطارها اللائي تلم بذى الفهم
يضيق بها ذو الجهل ذرعاً وإنما ... إذا أشكلت لمن كان ذا علم
ابنه
القاضي عبد الجواد المنوفي
جواد علم لا يكبو. وحسام فضل لا ينبو. سبق في ميدان الفضل أقرانه. واجتلى من سعد جده ومجده قرانه. ولي القضاء مرة بعد أخرى. فكسى بمنصبه شرفاً وفخراً. وأنفذ الأحكام وأمضاها. وأسخط من خالف الشريعة وأرضاها. ثم تقلد منصب الفتوى. فبرز فيها إلى الغاية القصوى. مع تحليه بالامامة والخطابه. والهمة التي ملأ بها من الثناء وطابه. وكانت له عند شريف مكة المنزلة العليا. والمكانة التي تنافسه فيها الدنيا. ولم يكن يفارقه في حضر ولا سفر. وشهوره ربيع وشهور حساد صفر. وما زال راقياً ذرى العز والجلاله. ساحباً على قمم المعالي أردانه وأذياله. حتى انقضت أيامه وسنونه. ودعاه داعي الأجل فأجاب منونه. فتوفى خامس شوال سنة ثمان وستين وألف بالطائف الميمون ودفن به. وأما أدبه فروض تبسمت أزهاره. وجرت بسلسبيل الاحسان أنهاره. تحسد النثرة نثره. وتغبط الشعرى شعره. فمن نثره ونظمه ما راجع به الوالد من مكة المشرفة وهو بالطائف سنة إحدى وخمسين وألف صورته
يا ابن الأئمة من ذؤابة هاشم ... شرف سما بفروعه وأصوله
ماذا يقول المادحون وقد أتى ... بمديحك القرآن في تنزيله
أقبّل الأرض من بُعدٍ وإن سمحت ... له الليالي بقرب قبّل القدما
وأنهى إلى حضرته العلية التي هي قطب دائرة الكمال محط الرحال. ومحيط بحور الشعر الذي هو السحر الحلال. لا زالت الفضلاء تستمد من عناياته. وتقابل نسخ المعارف على صقيل مرآته. آمين. أنه وصل إلى العبد الداعي النظم الرائق. واتصل بشاكر جميل تلك المساعي النظام الفائق. الذي نثر من أسرار أوصافكم درراً. ونشر من آثار أنصافكم حبراً. فسرح الناظر طرفه في در منثوره. فتمتع في أنيق رياض سطوره. فلم يدر أروض نشر فروع ورد وعبهر. أم يلد بليغ رصعت عقود در وجوهر. فارتشف من زلال أسراره. ما زاده إخلاصاً وتمكيناً. وتحقق صدق ما قيل
ورب غراء لم تنظم قلائدها ... إلا لتحمد فيها الهاشميينا
أغناهم عن صفات المادحين لهم ... مدائح الله في طه وياسينا
стр. 75
إن ادّعوا جاءت الدنيا مصدقة ... وإن دعوا قالت الأيام آمينا
لا زالت فضائلكم على منصات عرائس الفوائد تجلى. ولا برحت فواضلكم على منابر جوامع مجامع الذكر تنشر وتتلى
قسماً بما أوليت من حسن الشيم ... وجنيت من غرر المعارف والهمم
لم أرض من اكبار نظمك عندما ... قابلته أني أقبله بغم
بل صغته تاجاً لمفرق جبهتي ... ووضعته حاشاه من وضع علم
وبدت بديهتي العجولة إذ زهت ... بعلاه قائلة تفاءل من نظم
هذا نظام الدين فزت بنظمته ... أم سجع قمري نعمت بنغمته
أم زهر نسرين تدلى نوره ... فسرى النسيم لنا بطيّب نفحته
أم جيب غزلان اللوى والمنحنى ... أبدى ضياء الفجر أبيض صفحته
أم وجه ليلي العامرية أسفرت ... لما بدت ليلاً براقع غرته
أم شامة المحبوب في وجناته ... شامت بروقاً أو مضت عن طرته
أم نقش معصم ذات حسن أبرزت ... بيض الليالي في دياجي خضرته
أم سمط ياقوت بسلك دمقسه ... بهر العقول بدائع في صنعته
أم نظم مولى راق إذ فاق الورى ... بكمال ما أوتيه موشى رقعته
نظم إذا ما دار كاس سلافه ... في رأسي الراسي سكرت بخمرته
نظم إذا ما فاح نشر عبيره ... بين الورى عبق الوجود بعطرته
غنى به ركب الحجاز وزمزمت ... بين الصفا أهل الصفا ومروته
وحدت به وفاد موشى طرسه ... فبدت تخبرنا عالي رفعته
هو مجمع البحرين بحر حقائق ... ومحيط كنز الفقه صدر شريعته
مغنى اللبيب بفضله وبفهمه ... يسرى إليه منه سرّ سريرته
وخلاصة الفضلاء عمدتهم إذا ... ما أشكل الأشكال كشف حقيقته
ومساعد النبلا بكشف غوامض ... كشفت على عالي علىّ قريحته
نجني الفواكه من رياض قد نمت ... وتنمنمت في روض رائض روضته
شرح الصدور ينال من تلقائه ... وشفاؤها منه بلامع فطنته
لا أستطيع لفضله وصفاً ولو ... بالغت في مدحي ببالغ مدحته
خمدت صحاح الفكر إذ ألفيته ... قاوس فضل فاز منه ببلغته
فحجلت أن أبدي نظامي عنده ... وخشيت منه أن يبوأ بخجلته
لكن هجمت على فواضل فضله ... وجعلته هدياً لعالي حضرته
لا زال للطلاب خير مؤمل ... فينال كل منه كامل بغيته
تبدي له الأيام رونق صفوها ... وتنيله ما رام من أمنيته
ما سجع القمري فوق إراكة ... وترنم العصفور وسط أريكته
نعتذر لسيدنا فيما أبديناه من هذيان تمجه المسامع ولا لقبله الطباع فغايته الحيلة على تحريك سلاسل مراسلاتكم العذبة لتتشرف بالنظر إليها العيون وتتشنف بسماعها الأسماع. يسر الله لكم العود إلى أشرف البقاع ومتعنا بمشاهدة تلك الطلعة الشريفة المتفق على شرفها الاجماع. والله يبقى المولى ومقامه مقام إبراهيم رزقاً وأماناً. محفوظاً ومحروساً مؤيداً بالله معاناً. مصوناً في الخمس من الست بالسبع. عالياً مكانه علو الشمس وحماه المفرد محفوظ وما حواه من سالم الجمع. آمين. وقد وصل ما تفضل به مولانا وكان من أعز ما وصل. وحصل به من أنواع المسرة والفرح ما حصل فالله تعالى يجزل لسيدنا المنه. ويطعمه بعد العمر الطويل من ثمار الجنه. والأيادي الكريمة والاقدام. مقبلة على الدوام والسلام. حرر في ٢٢ ثاني الربيعين لسنة ١٠٥ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
فراجعه سيدي الوالد عن هذه القصيدة بقوله
يا طائراً أشجي الفؤاد بنغمته ... ما هاج نوحك يا هتوف بدمنته
هل هبت الأرواح من ذي ضارج ... أم ذا نسيم الغور عاد بنفحته
أم قد ذكرت فروع بانات الحمى ... وتجاوب الأطيار فيه بسحرته
إذ رحت تذكرني بلحن مسجع ... زمناً حويت الأنس فيه برمته
стр. 76
زمناً أطعت الغيّ فيه وطالما ... عاد العذول مكنباً في غصته
زمناً قضيت من الحبيب لبانتي ... وجنيت ورداً فائقاً من وجنته
وغديت أسحب في ميادين الهوى ... برد الشباب كرائق من سفرته
في كل وقت ألثم القمر الذي ... بهر الشموس بنوره وبطلعته
وأقبل الزند الذي شبهته ... في نقشه الباهي وكامل بهجته
ببديع طرس مستنير لفظه ... جمع المعاني والبيان بصنعته
فكأنه سحر لهاروت غدا ... يسبي العقول بسبكه وبرقته
خلت الكواكب أنزلت من أفقها ... كيما تعود قلائداً في لبته
أم بدرها العالي تذلل خاضعاً ... حتى تراءى غرة في جبهته
إذ كان منشيه وصائغ حليه ... علم الأئمة كالشهاب بلمعته
زاكي الشمائل والخصائل منيع ... للفضل والأفضال زاخر لجته
مفتاح أبواب المكارم والهدى ... نفاح أرواح العبير بشيمته
ومهذب الأخلاف أوار الهدى ... حاوي العلوم معظم في رتبته
ارشاد غاويها ومنهاج الذي ... منها تعمس فاستنار بفكرته
كشاف مشكلها وقاضي حقها ... مصباح عيهبها روائق فطنته
وجواهر البحر المحيط فرائد ... سمحت بها أنظار عالي فطرته
ومقلد الأعناق أطواق الندى ... من جوده الوافي ووافر منحته
ماذا أقول مجاوباً عن محكم ... حار البليغ لما رأى من فطنته
فالعجز درك حيث عز مناله ... من كل ذي أدب سما في همته
لكنني أظهرت عيّي راجياً ... كتمانه كيلا يبوأ بخجلته
ومؤملاً ستر القبيح بفضل من ... حاز الكمال بذاته وبشيمته
فاستر على العبد المؤمل صفحكم ... كرماً وفضلاً ما بدا من زلته
لا زلت توليني الجميل تكرماً ... وتنال من ذي العرش أوفر نعمته
ما لاح برق في الدجى أو غرد ال ... شحرور وهنا في بواسق دوحته
ومن شعر القاضي المذكور قوله مادحاً سلطان الحرمين الشريفين. زيد بن محسن ابن الحسين. ومهنئاً له بالظفر بأهل غمد وهي من غرر القصائد الطنانة
العز تحت ظلال السمر والقضب ... يوم الوغى ومساعي البيض لم تخب
والعزم ما خضعت صعب الرقاب له ... صغراً وصارت به الأفكار في تعب
والحزم ما دان صعباً عز مدركه ... وما بنى شرفاً يبقى مدى الحقب
ما عز غير فتى عضب يقوم إذا ... نام العدا ويقدّ العصب أن يثب
ولا اجتنى العز من أفنان مثمرة ... بالهام في ماقط من جحفل لجب
إلا امرؤ همه كسب العلا وله ... سعى يقصر عنه كل ذي حسب
قد طلقت للوغى أجفانه وسناً ... وسن حداً وجاز الحد في الطلب
ذو غرة كغرار السيف ماضية ... وهمة في العلا تسمو على الشهب
مثل الشريف أبي عجلان من شرفت ... به المعالي ونالت منتهى الأرب
أبي الحسين يمين الملك ساعده ... شريف مكة عالي المجد والحسب
حامي حمى الحرم الأعلى وطيبته ... زيد بن محسن رجوى كل ذي طلب
خير الملوك وخير الناس قاطبة ... روح الزمان وروح الواهن الوصب
الأشرف النسب ابن الأشرف النسب ابن ... الأشرف النسب ابن الأشرف النسب
الهاشمي الذي سارت مكارمه ... سير الكواكب في عجم وفي عرب
ملك إذا ثوّب الداعي وقد لقحت ... حرب اجاب ونار الحرب في لهب
ملك إذا ما بدا في الناس بارقه ... اربي نداه على الهطالة السحب
ملك إذا راية يوم الفخار سمت ... سمالها وعليها غير محتجب
стр. 77
ذو المجد كالمجد ما زادت قواضبه ... أرضاً وأبقت عليها غير منتخب
ينال بالسعد إن عدت مفاخر من ... بالسعي نال مرامات ولم يخب
يرى العواقب في مرآة فكره ... عيناً فيدرك مرمى كل مطلب
تقضي كل مهج الأعداء رؤيته ... بصارم من نجيع القوم مختضب
ويمتطى كأهل العليا على مهل ... إذا سعى غيره أوجد في الخبب
عزت مساعيه عن إدراك طالبها ... إن السعادة شيء غير مكتسب
رقى إلى غاية في المجد سامية ... ورتبة فذّة نافت على الرتب
ما زال يسمو لها والله يسعفه ... بما أراد على أمن بلا رهب
حتى أتت نحوه تسعى مطالبه ... فنالها لأعلى خيل ولا نجب
فقام بالأمر شهماً دارعاً بطلاً ... ممنعاً برقاق البيض واليلب
بنى ربوع المعالي بعد ما انهدمت ... وشادها بكمال الفضل والأدب
ونال باللين ما أعيا تطلبه الملوك ... دهراً وما نالوا سوى التعب
يلقى العدوّ بوجه مسفر طلق ... فيستحيل ولا يلجبه للغضب
إذا أتاه عثور عف عن كرم ... عنه إذا تاب تحقيقاً ولم يؤب
أكرم به من مليك سيد سند ... بالحلم مشتمل باللطف منتقب
عليه من شيم المختار عارفة ... تغنى علاه عن الأمداح والخطب
فخراً وعزا بنى الزهراء إن لكم ... بفضله نسبة من أفضل النسب
يا ابن الملوك الأولى أرسوا ممالكهم ... على قواعد أعيت كل منتدب
لما حموها بأطراف الأسنة عن ... من ليس كفؤاً من الأطراف والوشب
واصدروا البيض حمراً بعدما وردت ... من العدا كل شيخ أسود وصبي
حتى غدت ملة الاسلام وهي بهم ... مكفولة أبداً منهم بخير أب
لله درك من حام ومن بطل ... وخير نجل لخير العجم والعرب
أوصافك الغر في بأس وفي كرم ... تنوّعت بين طعم الصبر والضرب
عقل وحلم واقدام وهزقنا ... في مجمع حفل أو محفل لجب
الضيف والسيف في سلم ويوم وغى ... ترجى وتخشى لبذل أو لدى غضب
غضنفر جسد في مأزق حسد ... وفي السماحة غيث سح بالذهب
لو شئت قلت وخير القول أصدقه ... البئر بئري وإن الماء ماء أبي
فدم وجد واسم واسلم واستقم وعلى ... كيد العدو أقم وأحكم وطل وطب
وليهنك الفتح والنصر المبين على ... أعدائك الغبر أهل الشر والشغب
لما عصوك وعقبي الصبر كافلة ... نيل النجاح ونيل السؤل والارب
صبرت صبر كريم قادر يقظ ... مدبر أمره بالحزم محتزب
وجئتهم بخميس لواتيت به ... حنود عاد لعادوا منه في تعب
في مقنب من عتاق الخيل ذي رهج ... مدرع بدروع الروع والرعب
وفتية ألفوا حرّ المصاع به ... كأنهم تحت ظل السمر في قبب
من سادة قادة شم غطارفة ... من آلك الغر أهل المجد والحسب
بيض الوجوه جحاجيح لهم أنف ... عن أن يقيموا على ضيم ولا نصب
شم الأنوف من القوم الذين هم ... وما لهم في سوى العلياء من أرب
تفرعت عن صميم المجد دوحتهم ... من معدن الوحي مثوى خير كل نبي
معنى الرسالة مغناهم ومعهدهم ... أعظم بذلك من بيت ومن سبب
فحين شاموا جيوش النصر مقبلة ... شانوا ديارهم بالحتف والخرب
وقوّضوا خيم التسليم وأشجعوا ... غمداً وما استعصم المسلوب بالسلب
стр. 78
وشجعوا أنفساً منهم قد امتلأت ... جبنا وظنوا بان الظن لم يخب
ظنوا بأن الجبال الشم نافعة ... وإنهم فئة غلب ذوو غلب
فخيب الله ما ظنوا وقد خذلوا ... حقاً ولم يجدوا منجاً سوى الهرب
قلوبهم خشيت أبصارهم عميت ... شاهت وجوههم خوفاً من العطب
سطا بهم فتراهم ذا يفر وذا ... غدا يقر بما لاقاه من شجب
أين المفر وخيل الله طالبة ... والسعد يغتالهم كالصيد من كتب
فمن يبلغ عني غير معتذر ... سكان غمد مقالاً ليس بالكذب
بني عفيف وعبساً ثم خلفهم ... ثقيف ترعة من ناءٍ ومقترب
ما أنتم والمعالي يا بني لكعٍ ... ونسل حجاج شرابن وشرأب
ما أنتم وقراع البيض يوم وغى ... في مقنب حفل أو محفل لجب
أتحسبون الوغي حرثاً بمزرعة ... أو سقى أرض بها شيء من العنب
حتى وطئتم على ذل ومنقصة ... مواضياً ما لكم فيهن من ذرب
وقمتم قومة الشيطان في منع ... من قنّة لا على أمن وفي رعب
ان تنكروا لأبي عجلان فرسته ... فيكم وفيمن مضى منكم مدي الحقب
سلوا مواضيه عن أبناء عمكم ... ثقيف يوم لقيتم معشر الوشب
تنبيكم كيف ناشتهم بواتره ... عن دارهم نوش قرم دارع ذرب
ما زال يركض مع أبنا أبيه بها ... والنصر يقدم معواناً على النوب
حتى إذا أينعت للقطف ارؤسهم ... وحان بالسيف منهم منتهى النجب
أمست ديارهم للوحش معتركاً ... وأصبح الرأس منهم موضع الذنب
سلوا الحريبة عن صبح ووقعته ... وقت الضحى ومثار النقع في الكثب
لما تعدوا على شاووش خلعته ... ونابذوه ولم يخشوه في العقب
فدكهم بخميس لو تدك به ... هضاب رضوى لعادت منه في خرب
حتى استقامت له فيهم أوامره ... بالسيف واستنقذ الأرواح بالنشب
سلوا بجيلة عما كان في نضد ... فوقعة الرجل ترميكم على الركب
نسيتم أو تناسيتم وقائعه ... وقرعه البيض بالخطية السلب
هلا رجعتم وتبتم قبل سطوته ... فيكم وسرتم إلى علياه في رغب
وسقتم المال في مرضاته فعسى ... يفضي قليلاً ومن للقرع بالزغب
فللحروب رجال يعرفون بها ... وللدواوين حساب ذوو كتب
لكنكم حين أيقنتم بفرسته ... حقيقة واستلاب الروح والعقب
وشمتم الذبح في أخلافكم وغدت ... ديارهم مأتماً للويل والحرب
وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ... وكل منجدل منهم ومنتحب
لنتم إليه وجئتم باذلين له ... طوعاً على رهب من أخذة الريب
فجاد بالعفو إحساناً ومكرمة ... عن اقتدار وما هذا من العجب
فما القضاء بكم يشفى ضمائره ... إن القضاء من الأكفاء في الطلب
والعفو عن مجرم من بعد مقدرة ... والصفح عن ذنبه نوع من القرب
فدتك نفسي أبا عجلان من ملك ... ترى المكارم فيه علة السبب
مننت بالعفو مذ دانوا إليك ولو ... دانوا سواك إليه الدهر لم يجب
فحزت فيهم ثواب العفو عن كرم ... وفزت بالنصر والآمال والأرب
فلا برحت قرير العين في دعة ... مبلغاً ظافراً بالسعد كل أبي
وأنت ملك بفعل الخير تأمر من ... بغى وتنهاه عن شر وعن شغب
مؤيداً برسول الله جدك والولي ... وابنيه والزهرا وكل نبي
стр. 79
ما فاز بالنصر من رب السما ملك ... وحاز بغيته عفواً بلا تعب
وأصبحت ألسن الأفراح منشدة ... العز تحت ظلال السمر والقضب
وقوله مؤرخاً هذا الظفر
نزلوا بغمد أهل ترعة إذ أتى ... شرف الملوك أبو علي وانتدب
زعموا بأنهم إذا نزلوا به ... أنجاهم والدهر يغلب إن طلب
وتحركوا خوفاً وظنوا إنه ... إن حاربوا عاف القتال وما حرب
فدعاهم للصلح واستدعى بهم ... فأبوا فأرسل نحوهم جيش الطلب
فجفوا منازلهم وخلوا دورهم ... قفراء خالية وجدوا في الهرب
فنحاهم جند الشريف ونكلوا ... بهم وأبقوا كل دار في خرب
فاستصغروا ذلاً وعز شريفنا ... فلذا أتى تاريخه زيد غلب
ومن شعره قوله أيضاً
أتزعم أنك الخدن المفدي ... وأنت مصادق أعداي حقا
إليّ إليّ فاجعلني صديقاً ... وصادق من أصادقه محقا
وجانب من أعاديه إذا ما ... أردت تكون لي خدنا وتبقى
وهو ينظر إلى قول الأول
إذا وافى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانقطع الكلام
وما أحسن قول الآخر
تريدين أن أرضى وترضي وتمسكي ... زمامي ما عشنا معاً وعناني
إذن أبصري الدنيا بعيني واسمعي ... بأذني فيها وانطقي بلساني
стр. 80
القاضي تاج الدين بن أحمد
بن إبراهيم المالكي المكي
فاضل طوى على الفضل أديمه. وأديب نش به من الأدب حديثه وقديمه. فاستخدم من الكلام حره ورقيقه. وأصبح وهو القاضي الفاضل على الحقيقه. طلعت شمس محتده من المغرب. وطارت بنظيره عند كمال بدره عنقاء مغرب. فلم يكن في آخر الوقت من علماء الحرمين من يجاريه أو يباريه. فأقر بوحدانيته في الأدب لسان القلم وهو باريه. نظم ونثر. وأحسن العين والأثر. فدبج الطروس بوشي يراعه. وأبهج النفوس بحسن اختراعه. إلى دماثة أخلاق تستنير بها الليالي الجون. وطيب شيم أرجت نفحته أرجاء الصفا والحجون. وكان امام المالكية بالمسجد الحرام. ومرجعهم في مسائل الحلال والحرام. وقد رأيته بمكة شرفها الله تعالى. وهو كافوري الشعر مسكي الثناء. يبهر العيون والقلوب سنا وسناء. ولم يزل في جاه وجيه. وعز لا يقنط مرتجيه. حتى وافته منيته. وانقطعت من الحياة أمنيته. فتوفى سحر يوم الخميس لثمان مضين من شهر ربيع الأول عام ست وستين وألف وحضرت الصلاة عليه وشيعت جنازته مع جميع أكابر مكة المعظمة إلى مدفنه ودفن بالمعلاة عصر ذلك اليوم. وها أنا مورد من سجعه وقريضه. ما يقصر طويل القول عن نعته وتقريظه. فمن انشائه ما كتبه عن لسان سلطان مكة المشرفة الشريف زيد بن محسن إلى مولانا السلطان خلد الله ملكه. وأجرى في بحار النصر فلكه. في شان الوالد عام دخوله الديار الهنديه. وكان قد تكرر من مولانا السلطان طلب إرسال الوالد إلى حضرته من الشريف المذكور ونصه ما صدع خطيب اليراعه. ولا صدح عندليب البراعه. بأحسن من سلام يغدو من أهله إلى محله. ويبلغ بلوغ الهدى الواجب إلى محله. مشفوعاً بثناء ينفح عند نشره الوجود. ويفضح ببشره الروض المجود. يتلوهما بث اشتياق ووداد. واخلاص واتحاد. إلى الحضرة التي شيد على أساس العز بنيان مجدها. وأشرق في أوج الجلالة طالع سعدها. والذات التي هي جوهرة تاج الملك. وواسطة عقد ذلك السلك. خلاصة الملوك الذين خفقت على مفارقهم البنود. وتشرفت بالسير في ركابهم العساكر والجنود. وخضعت لهيبتهم الضواري من الأسود. وتواضع لجلالتهم السيد والمسود. حائز فضيلتي الفخر والجلاله. وحاوي منقبتي الكرم والبساله. ووارث العظمة التي لم يك يصلح إلا لها ولم تك تصلح الإله. وراقي معارج المجد الذي جر على المجرة أذياله. ومجرى أنهار الكرم التي واردها لا يظما. وناظم شمل المعاني التي أعجز البلغاء وصفها نثراً ونظماً. مولانا السلطان أبو المظفر عبد الله قطب شاه لا زالت رايات إقباله منشوره. ولا برحت آيات إجلاله على صفحات الدهر مسطوره. وبعد فان السيد الجليل. العريق الأصيل. الفائز عند الاستهام على الفضائل بالقدح المعلى. القائم على قدم أسلافه في سلوك الطريق المثلى. ذا القدم الراسخ في جميع العلوم. السيد الجليل أحمد بن معصوم. هو كما علمتم قد غذى لبان الفخر والجلاله. وورث العلوم عن غير كلاله. وروى حديث العظمة عن أسلافه بالسند الموصول. وبهر العقول في المعقول والمنقول. ومهر في تحقيق العلوم. وملك أزمة المنثور والمنظوم. وجمع ذلك إلى ما اتصف به من شرف النسب. واحتوى على طرفي الكمال الغريزي والمكتسب. فهو الذي إن افتخر بنفسه كان له منها عليها شواهد لكل راء وسامع. أو إن فاخر بآبائه قال
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وقد أحلته فضائله لدينا من المكانة أعلى مكان وأرفع محله. وحلته أوصافه وشمائله بحلى الكمال الذي احتسى به منا صفوة الاصطفاء واكتسى به حلة الخله. بحيث كنا لا تخطر مفارقتنا له في الأوهام. ولا نجوز أن نتصور بعده عنا ولو في الأحلام. ولكن لما تكرر الطلب منكم له المرة بعد المره. وفهمنا الرغبة منكم في وفوده على تلك الحضره. وعلمنا أن تصوركم لصورة أدبه وكماله لا ينفك عن التصديق. وتحققنا إن مقدمات أفضاله وفضائله لمقدمة لديكم بديهية الانتاج لكونها مسلمة بالتحقيق. وجزمنا بأن الخبر عند ملاقاتكم له سيصغر الخبر. وإن الأذن لم تكن سمعت بأحسن مما قد رآه البصر. سمحنا له بالتوجه إلى ذلك السوح المعشب المراد. والنادي الذي يبلغ الأرب مريده فكيف بمن كان هو المراد. فالمأمول مقابلته بما يجب له من الاجلال. ومعاملته بما يقتضيه ما اشتمل عليه من كرم الصفات والخلال. بحيث يكون لديكم في منزلة دونها السها. ورتبة ليس وراءها منتهى.
стр. 81
ومنه ما كتبه عن لسان الشريف المذكور أيضاً إلى السيد محمد بن الحسن القائم بالدعوة في الديار اليمنية وقد أجاد ما وشى. في هذا الانشا. ما روضة غناء جادها الغمام. وسجع على أفنانها الحمام. وتفتقت فيها كمائم الزهر. وتبخترت فيها نسائم السحر. وتمايلت أغصانها. وتمايدت أفنانها. وجرت في جداولها الأنهار. وشدت في خلالها بلابل الأطيار. بأطيب أرجا. وأطرب هزجا. من صفات مولانا حين تنفح روائحها. وترنم صوادحها. بأنه الذي أوتي من الكمال ما لوحظى به البدر لما سيم بالخسوف. أو الشمس لما تطرقت غليها أيدي الكسوف. وحاز من الشمائل ما لو حوته الشمول لما شينت بالتحريم. أو تمسكت بأذياله القبول لما فضلها النسيم. وحوى من الفضائل ما تشتت. وفصم قلوب الحساد وفتت. فكسيت أعطافه حلة الشرفين. وجمع بين طرفيها المستظرفين. فأضحي واسطة عقد آل بيت النبوة. ورابطة قضايا المكارم والفتوه. واعترف بالعجز عن أوصافه أرباب الفصاحة واللسن. مولانا الامام محمد بن الحسن. أدام الله سعوده. وجدد في معارج المعالي صعوده. اهداء نوافح السلام المبثوثه. وارجاء ركائب الشوق المحثوثه. فقد ورد الكتاب المحمدي الفائق بسبكه وصياغته. فآمنت به البلغاء ولا بدع في الايمان بالكتاب المحمدي وبلاغته. وكيف لا يفوق صنعاً. وهو من وشى صنعا. وموشيه البليغ الذي اعترف له خطيب عكاظ. ومنشيه الفصيح الذي استعبد حر المعاني ورقيق الألفاظ. ولعمري إنه لروض تفاوحت عباهره. وكست النسيم طيباً أزاهره. وسقت غرائسه أنهار الاخلاص. وزفت عرائسه في حبر الاختصاص. وجلاها على كفئها خير أب. بمقتضى ما أشار إليه مولانا من الاتحاد في النسب. والتحلي بحمد الله بفضيلته التي لا تكتسب. فيا حبذا ذلك الاتحاد والاتفاق. والتساوي عند الاستباق. شعر
ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبدا كلانا معرق ومطوق
وهذا جرياً على مقتضى الظاهر وسياق الكلام. والافانك المقدم في محراب الجلالة تقدم الامام. والسلام.
стр. 82
ومنه ما كتبه عن لسان مولانا الشريف المذكور أيضاً إلى سيدي الوالد مراجعاً ومعزياً له في والدته الشريفه المرحومة واتفقت وفاتها ليلة الاثنين لسبع عشرة خلون من جمادي الأولى سنة اثنين وستين وألف رحمها الله تعالى بعد إهداء سلام يتبخبر النسيم من عطره في غلاله. ويتعنبر كافور البطاح إذا جر عليه أذياله. إلى من تفرع من دوحة العظمة والجلاله. وترعرع في روضة سقاها المبدأ الفياض سلسبيل الفضل وسلساله. وتطلع في مرآة الزمان فرأى مثاله. ولم ير فيها أمثاله. فلا جرم لو كان العلم في الثريا لقال أناله فناله. ولا غرو إذا أقر الضد لسموه بقصوره عن أن يناله. كيف لا وهو الذي كسيت أعطافه حلة الشرفين فنشأت فيهما مختاله. وأضحى نسيب الطرفين أباً وعماً وأماً وخاله. وأحاطت بنير شهابه من ضياء العلوم هاله. وود البدر انهاله. السيد السند الأمجد الذي كمل الله كماله. الأمير نظام الدين أحمد. أدام الله إقباله. وبلغه من خيري الدنيا والآخرة آماله. وبعد فلا يخفاكم إن الله خلق النوع الانساني وقدر آجاله. ولم يجعل الخلد لبشر فليس البقاء والدوام الإله وجعل أعظم دليل يتاسى به المصاب وفاة خاتم النبوة والرساله. ولما كان ممن حان موافاة أجله وقدر الله انتقاله. الشريفة المدفونة قبل الترب في كرم الخلال صيلة وجلاله. الوالدة التي تفرعت من أزكي عنصر وتفرع منها أطي بسلاله. أجابت داعي الله وآثرت نزله ونواله. فأعظم الله لكم فيها الأجر وأفاض عليها سحائب غفرانه الهطاله. وأفرغ على فؤادكم ملابس الصبر وقضي لعمركم بالاطاله. وأدام لكم الصحة المشعر بها كتابكم الذي اشتمل من بديع البيان على سلافة وترك لسواه جرياً له. واحتوى على زلال المعاني وأبقى لما عداه الحثاله. ففهمنا مضمونه منطوقاً ودلاله. وسررنا بما احتوى عليه من كونكم تتفيؤن من روض الصحة والسرور ظلاله. وما ذكرتموه من وصول هديتنا إلى ناشر لواء العداله وحائز فضيلتي الكرم والبساله. ومقابلتها بالقبول من المهدي له. فذلك المأمول من مكارم أخلاقه أدام الله أفضاله. وعرفتم بوصول الحصان المرسل منا إليكم. فجعله الله مركوب المعزة التي لا تزال سابغة عليكم. وما أشرتم إليه من تشوقكم إلى المشاعر المكيه. والأباطح المسكيه. وتشوقكم للاجتماع بنا في تلك الأماكن الزكية. فالله ﵎ في حضرة قدسه. يختار للعبد ما لا يختاره لنفسه. ونرجو أن يختار لكم ما هو الأولى. في الآخرة والأولى. والسلام.
ومنه ما كتبه إلى الوالد أيضاً
يا نسيماً يفوق نسمة نجد ... طالما هجت لي غرامي ووجدي
ولقد رابني شذاك فبالله ... متى عهده باطلال هند
стр. 83
ربما ظن من ليس له طبع وزان. إن رتبة بيدقه في رقعة الاعتراض رتبة الغرزان فبادر بالملام. واعترض بأن المقام يستدعى تحلية هند بالألف واللام. فكأني أنظر إلى مولانا وهو يبين له خطأ ظنه. ويعين له بإقامة الوزن سقوط وزنه. ويجرعه مرارة تلك التحليه. ويذيقه حلاوة هاتيك التخليه. ولما كان هذا العاثر ومثله لا يقال. تصورت إن المولي يتبع المقال السابق بلا يقال. إن هند كناية عن المخصوص بالوداد. لما علم قصد المحبين بمثل دعد وزينب وسعاد. لأنا نقول طريقتهم التي لا انقضاض لها ولا انتكاث. الكناية بتلك الأسماء عن المخصوص بالوداد من الاناث. اللهم إلا أن يقال نزل البيت منزلة الأمثال. التي لا تغير عند الاستعمال. فيمكن حينئذ أن نسلم. كما يمكن أن نريد بهند القطر المعروف مضافاً لياء المتكلم. وتكون الاضافة حينئذ لدنى ملابسه. والمعنى على هذا غير خاف على من له علم بأحوال القلوب وممارسه. ولما انتهى تصوري لكلام ذلك النحرير. وما أراده وأورده من الرد والتقرير. أفقت من سكرة التصور والتصوير وعلمت إني جنيت بتقديم ما حقه التأخير. واستغفرت من وقوع الحاجب. عن تقديم ما هو الواجب. من تقبيل أياديك. وإهداء شريف التحية لناديك. وبذل الدعاء لك وعلى أعاديك. وبث الشوق الذي طما بحره. والأسف على الشمل الذي تحلي بالعطل نحره. على أني أعتقد أن سيدنا الذي هو بطرق البلاغة أدري. يقيم للمملوك بقصد التفنن في التعبير عذراً ويرفع عن وجوه استحسان ذلك ستراً. ولا أقول يسبل ستراً. أدام الله تعالى ذاتك للأيام شمساً ولليالي بدراً. وأطلع نجوم سعادتك في سماء المعالي زهراً. والسلام. ومنه ما كتبه إلى الشيخ محمد بن حكيم الملك وهو باليمن وصدره بهذه الأبيات من شعره
ألا أيها الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أضحى هواناً يمانيا
هلموا فلو أني استطعت لزرتكم ... وحق أكيد الود رجلان حافيا
ولكن عدت عن ذاك بل عن كتابتي ... إليك عواد أمرها ليس خافيا
أقم بجميل الظن لي عذر مخلص ... فإن عهود الود منى كما هيا
وإن عز شرحي ما لقيت من الأسى ... فهذا لسان الحال قام مناجيا
فحث مطايا الحزم في العزم نحونا ... سراعاً لعل الله يدني التدانيا
فقد يجمع الله الشتيتين بعد ما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
يا مولانا شغلني البداءة بالأهم من استجلابك. وافهام ما هو الواجب لك والأولى بك. عن رد السلام. واداء الواجب من تقبيل أياديك الكرام
فشغلت عن رد السلا ... م فكان شغلي عنك بك
стр. 84
فأهدي بعد أداء الفرض. من تقبيل الأرض. ثناء كالروض المجود. وسلاماً يتأرج منه الوجود. وأنهى ما من الله به بعد تلك الشدائد. من تداركه بجزيل فضله وجميل العوائد. وكان من أجل ذلك خبر سلامة مولانا وبقائه. رافلاً في مطارف عزه وارتقائه. والتباشر بقدومه ووصوله. وبلوغ المرام وحصوله. وطالما أجلسا الافهام. وأحلنا الأوهام. في سبب تأخير الوصول. فنقع بعد تحصيل الحاصل على غير محصول. لا سيما بعد أن صدرت إليكم الكتب الجالبه. ولكن مقادير الله تعالى هي الغالبه. والغائب حجته راجحه. ومحجته في التأنى واضحه. وإن سألتم عن حال الأولاد والعيال. فهم في أسر حال وأنعم بال. مشمولين بنظر سيدنا ومولانا الحرز المنيع. والكهف الرفيع. والمقام الباذخ. والمرام الشامخ. مولانا السيد رضوان. المقلد بمآثره جيد الزمان. أمتع الله الوجود بحياته. ولا أخلى من شريف ذاته. فإنه يا مولانا قد فعل الفعل الذي يبقى ذكره. ويؤرج الأرجاء نشره. وأربى على من سبقه من الكرماء الأوائل. وطار صيت ثنائه في العشائر والقبائل. لم يترك طريقاً من طرق الامكان إلا سلكه. ولا وجهاً من وجوه الاجتهاد إلا استدركه. وبذل فيما يعود نفعه عليكم الرغائب. والحاضر يرى ما لا يرى الغائب وبالجملة فقد سعي في أمركم سعي الأب الشفوق. في مصالح الولد البار البري من العقوق. فنسأل الله تعالى أن يخلد سعادته. ويؤيد سيادته. ويفتح له أبواب الخير ويقيه كل مكروه وضير. وإن سألتم عن المملوك فهو بحمد الله بخير وعافيه. ونعمة من الله ضافيه. بعد تقلب أحوال. وتغلب أهوال. وفيما قدمناه كفايه. لمن له سمع ودرايه. كتبت على عجل. والمسؤل من الله . أن يجمع الشمل بكم على أحسن الأحوال. ويسمعنا عنكم ما يقر به البال. والسلام.
ومنه ما كتبه تقريظاً على تصدير وتعجيز لشيخ تقي الدين السنجاري. الآتي ذكره في هذا الفصل لقصيدة المتنبي التي مطلعها شعر
أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل
стр. 85
وقد استعمل في بعض فقراته الابهام من البديع. الحمد لله الذي جعل روضة الأدب جنة جارية الأنهار فلا تزال رياً. وأورث تلك الجنة من عباده من كان تقياً. أحمده على أن زين سماء الفضائل بنجوم كلما انقض كوكب منها اطلع كوكباً سنياً. وأشكره على أن أكسب المتحلى بها شرفاً يحيي به ذكراً. ويحيي قدراً. ومكاناً علياً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي أنزل على عبده قرآناً عربياً. وأعجز البلغاء أن يأتوا بسورة من مثله حصراً وعياً. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله المبعوث هدى ورحمه. القائل إن من الشعر لحكمه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه. وشيعته وتابعيه وأنصاره وذريته وأحزابه. صلاة وسلاماً دائمين متلاحقين تلاحق الأفكار. متعاقبين تعاقب العشي والأبكار. ما صدح عندليب البراعه. وصدع على منبر البيان خطيب اليراعه. وبعد فقد وقفت على هذا التصدير الذي تصدر صاحبه على أقرانه. والتعجيز الذي أعجز ببرازته في مضمار رهانه. المجعول بيت قصيده وواسطة در فريده. أعظم سلاطين العصر. أشرف الأساطين الحاف بألوية النصر. ملك الحجاز وابن ملوكه. حلية جيد الفخر وواسطة عقد سلوكه. ذي الشيم التي أنبأت عن كرم العناصر. والهمم التي أنالته من المناقب ما تعقد عليه الخناصر. والهيبة التي تركت الأسود وأجمة في الآجام. وطرقت حتى قلوب الأجنة في الأرحام. ليث السراة الصيد من بني هاشم. غوث الطريد فما لجاره من حاشم. الشجاع الذي تحدث عن وقفاته الخيل والرجل. وتكاثر مآثره الحصى والقطر والرمل. الملك المفتخرة بدولته الأيام والليالي. الجواد المجمع بتشتت شمل ماله شمل المعالي. الطود الذي لا يعتصم منه بشوامخ الجبال ولو تحصن فيها الأعصم لا نصدع. الهمام الذي ما تناهيت في وصي مناقبه إلا وأكثر مما قلت ما ادع. سلطان الحرمين الشريفين. الذاب ببيضه وسمره عن المحلين المنيفين. سيدنا ومولانا السيد الشريف المحسن بن الحسين بن الحسن. خلد الله ملكه على توالي الزمن. آمين. فإذا منشيه قد أجاد في النظم والانشا. وما كل من أخذ القلم وشى. ووفق بعجيب تصرفه بين معوج المعاني ومعتدلها وطابق. وكأنه قصد الرد على الطغرائي في قوله وهل يطابق. ولعمري لقد نسق ذلك التصدير نسق التسطير. وسبك ذلك التعجيز سبك الابريز. فتراه إذا أخرج بيتاً عن معناه. تلاعب به فيما اخترعه من مبناه. وإذا طبق المعني بالمعنى وأبقاه على أصله. أوصله إلى غاية الاعجاب بفعله. وألف بينهما ائتلاف اللحم والعظم. ودل بذلك على علو رتبته في النظم. وكيف لا وهو الفاضل الذي فاق الأقران. وطلع نجمه في أسعد قران. الشيخ الأوحد. ذو الكمالات التي لا تجحد. أبو الفلاح تقي الدين بن الشيخ يحيى شرف الدين السنجاري. المكاثر بمآثره الدراري. فلقد حقق فيه الظنون. وشارك في شتى من الفنون. وغذى لبان حب الكمال في المهد. وخطب عروس الفضيلة فأجابته سافرة الوجه بادية النهد. وأمهرها تطليق النوم ومواصلة السهر. في اكتساب ما تتشنف به المسامع ويطيب معه السمر. فلم يزل فيما يشرف الفكر. ويصل على تلك الحال عشياته بالبكر. ويداب في الاشتغال والتحصيل. ويتعب نفسه في التفريع والتأصيل. ويطابق بينهما مطابقة الاجمال للتفصيل. إلى أن حصل من ذلك على ما ترجم عنه لسان حاله. وبرهن عليه ببيان مقاله. وسودته النفس العصامية على أقرانه وأمثاله. وسولت له همته العلياء حكاية حياكة ما لم ينسج على منواله. فقصد أن يسبك درر الأسلاك. ويتصرف فيها تصرف الملاك. أو المنجم الماهر في إدراك الأفلاك. فانتبذت منه مكاناً قصياً. وقالت لعلمها بقدرته على تصرفه كيف شاء أني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً. فما فتئ حتى سبكها في قالب الألفاظ. وسبكها في سوق العبارة لا في سوق عكاظ. وأماط عن وجوه المعاني البديعة النقاب. وأتى في ذلك بالعجب العجاب. فالله أسال. وبنبيه أتوسل. إن تبلغه من خيري الدنيا والآخرة ما أمله. ويسهل له كل طريق أم له. آمين. والحمد لله رب العالمين.
وكتب إليه أيضاً مراجعاً وضمنه لغزاً في خوخ أهداه إليه وقد أبدع. فيما أودع.
لم أؤخر عمن أحب كتابي ... لقلىً فيه أو لتركي هواه
غير إني إذا كتبت كتاباً ... غلب الدمع مقلتي فمحاه
стр. 86
تشوقاً إلى تلك الذات. وتشوقاً إلى شهى تلك الفاكهة التي لا يعد لها شيء من اللذات وهذا تماد من المخلص مع أهل الظاهر خشية الانتقاد. وإلا فقد قضى امتزاجه بك أن يقول وهو أشعري العقيدة بالاتحاد.
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا
كيف أقول لمن هذه حالتي معه أوحشني. أم كيف أدعي شوقاً إلى من إذا أبصرني مبصر أبصره وإذا أبصره أبصرني. أم كيف يصح أن أسلك باطناً هذه الطريقه. فيمن إذا دعوت له كان الدعاء لنفسي في الحقيقه. فلا غرو إذاً إذا قلت أدام الله تقلبه في رياض السلامه. مع انتظام أحواله في سلك الاستقامه. وأحيا به رفات العلوم. ولا برحت أفنان أقلامه تثمر فنون المنثور والمنظوم. آمين. وبعد فقد وصل ما تفضلتم به من الفاكهه. التي أملت علي صفاتها ما سطرته في صحيفة المفاكهه. وذلك إن كمام طرفها تفتح عن ثمر مستوي الأول والآخر. تشتمل جملته على مضمر مباين للظاهر. جمعت بعض أفراده بين لوني الخجل والوجل. ودلت على بديع صنع الله . طالما فارق وطنه عند ما لعب به الهوى. وانقاد لسلطانه مع ما في أحشائه من مرارة النوى. ربما أشكل على أرباب الهندسه. حيث خلق كروي الشكل وهو ذو أجزاء مسدسه. له فك وليس بحيوان. وفي القلب منه سر إذا قلب أدرك حقيقة الانسان باللسان. لا يغيب شيء منه عنك في سفرك وهو في أبان عدمه. وترى له أبداً شامة على رأسه واخرى تظهر أحياناً على قدمه. إن جوز ترخيمه النحوي فهو في يده بقى فرساً يمرح على رؤس الأصابع. وإن عكس صياغة لفظه اللغوي رأى منه السادس بغير سابع. وإن صوغ خرمه العروضي كان تصحيف باقيه آلة جماع وإن صير الحلاج كلا من حاشيتيه مكان الاخرى طاب على ما حشى به الاضطجاع. وإن تصرفت فيه بالذوق فسكر. ومن عجيب أمره إنه يؤنث المذكر. وترى حليلة آكله حصرم عنقودها لا يتزبب. فتطلب من حليلها الفراق وتتسبب. وله اسمان يقرا أحدهما طرداً وعكساً في الكلام. لأنه ثلاثي والمبتدا منه كالختام. فشكر الله تعالى فضل مهديها. وأدام بسطة يده التي ساقت مهراً لأبكار طال تعنيسها في فكر مبديها. والسلام. ومن إنشائه أيضاً خطبة نكاح خطب بها لعقد سلطان الحرمين زيد بن محسن على ابنة السيد حمزة ابن موسى بن بركات وهي الحمد لله الذي بعث محمداً ﵌ هدى ورحمه. وفضل أمته بنص الكتاب فقال سبحانه كنتم خير امه. وميز من شاء منها بالمزايا التي اقتضتها الحكمة الالهية والقسمه. فاختص زيداً من الأمة بكونه أفرضها. وأملكه بذلك زمام الجلالة التي أسندها إليه وفوضها. واصطفى أهل البيت الذين اطلعهم في سماء الشرف زهراً. ونفحهم بعطر ريحانتي الروضة الزهرا. ثم اجتبى من أهل البيت آل الحسن والحسين. وخول محسنهم سيادة الدنيا وسعادة الاخرى ففاز بكلتا الحسنيين. فأحمده على أن جعل بيتهم الشامخ بيت القصيد. واصطفى منهم لحماية هذا البيت السراة الصيد. وحض على طلب ودادهم من عباده عجماً وعرباً. بآية قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى. وطهرهم من الرجس بنص الكتاب فتقدس باطنهم وظاهرهم. وألبسهم لباس التقوى فصدق إذ قال شاعرهم.
آل بيت النبي طبتم وطاب المدح ... لي فيكم وطاب الثناء
سدتم الناس بالتقوى وسواكم ... سوّدته الصفراء والبيضاء
ولا غرو إن أنشد لسان مفاخرهم مفاخرهم من الورى
هم الأولى إن فاخروا قال العلى ... بغى امروءٌ فاخركم عفر الثرى
هم الذين جرّعوا من ما حلوا ... أفاوق الضيم ممرات الحسا
إذا الأحاديث انتضت أبناءهم ... كانت كنشر الروض غاداه الندى
لا يسمع السامع في مجلسهم ... هجراً إذا خالطهم ولا خنا
عمر الله بوجودهم الوجود. وخلد فيهم ملك أسلافهم الموروث عن آبائهم والجدود. شعر
آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أضيف إليها ألف آمينا
стр. 87
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي جدع بالحلال أنف الغيره. وبين بما شرعه لعباده الحلال وغيره. وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله الذي غاضت عند بعثته بحار للجهالة متلاطمه. وفاضت أنهار شريعته التي أضحت عن ارتضاع ثدي المحرمات فاطمه. ﵌ الذين منهم أسد الله حمزه. وعلى أصحابه الذين بهم أيد الله الدين وأعزه. صلاة وسلاماً دائمين ما هبت الشمال والقبول. متقارنين تقارن مقارنة الايجاب للقبول. أما بعد فإن النكاح جنة. يتقى بها الفتنة. وجنة يتلى على متفيىء ظلالها اسكن أنت وزوجك الجنة تثمر رياضه الرحمة بين الزوجين والوداد. وتطلع زينة الحياة الدنيا إذا حملت غرائسه ثمرة الفؤاد. وتسفر ليلته عن طرة صبح تحت أذيال الدجى. ويتبلج يومه عن شمس تتوارى بحجاب الحجال والحجى. وهو الغرض الذي لا يخطىء قاصده الاصابه. والعرض الذي لا يقوم إلا بجوهر أفخر عصابه. والحصن الذي يعتصم به عن الوقوع في حمى الحرج. ويحتمي به من مصارع الفحول لتي هي ما بين معترك الأحداق والمهج. والوسيلة التي يتوسل بها الآخذ بزام التقوى إلى مطلوبه. وينشده بلبل الأفراح هنيئاً لمن أمسى سمير حبيبه. وناهيك في فضلها ما ورد فيه من الآيات. والأحاديث الثابتة في صحيح الروايات. فقال عز من قائل. " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل ". وقال تعالى علواً وقدراً. " وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ". وقال تعالى مبيناً ما فيه من الفوائد الجمه. " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ". وقال ﵌ وهو القائل خذوا عني. النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني. وقال ﵌ مبيناً ما فيه لهذه الأمة من سني الكرامه. تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامه. وقال ﵌ مبيناً ما له من سني الرتب. ركعتان من المتزوج أفضل من سبعين ركعة من العزب. وقال ﵌ منبهاً على مزية الابكار وفضلهن الكثير. تزوجوا الأبكار فإنهن أعذب أفواهاً وانتق أرحاماً وأرضى باليسير. وقال ﵌ مظهراً لفضله ومبدياً. أربع من سنن المرسلين التعطر والنكاح والسواك والحيا. وقال ﵌ مرغباً فيه ومنفراً عن الطلاق لما فيه من الارش. تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش. وقال ﵌ منبهاً على ما يرغب فيه لتلتمس أيها الشخص هداك. تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك. وقال ﵌ محذراً من رد الاكفاء أشد تحذير. إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه ألا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. والآيات الواردة في شأنه كثيره. والأحاديث الناطقة بفضله أظهر من شمس الظهيره. وفيما ذكرناه من ذلك كفاية ومقنع. لمن كان بمرأى من التوفيق ومسمع. هذا وأمر الله تعالى يجري إلى قضائه. وقضاؤه يجري إلى قدره. ولكل قضاءٍ قدر. ولكل قدر أجل. ولكل أجل كتاب. يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. ولما قضى الله تعالى باجتماع النيرين في أسعد البروج. وأخذت سعود هذا القران في العروج. رغب سيدنا ومولانا سلطان الحرمين الشريفين. حامي حمى المحلين المنيفين. شرف التخوت والمنابر. وإرث الملك كابراً عن كابر. إنسان عين الملوك وعين إنسانها. سلطان هذه الأقطار المشرفة به وابن سلطانها. الملك الذي ألقت إليه الخلافة مقاليدها. وكتبت باسمه تقاليدها. ممهد قواعد الدولة التي ابتهجت بها الأيام. وحسنت حتى كأنها في فم الزمن ابتسام. ليث السراة الصيد من بني هاشم. غوث الطريد فليس لجاره من حاشم. ذو المواقف التي تحدث عنها الخيل والرجل. والحملات التي لا تثبت لها الابطال ولو إنهم عدد الرمل شعر
لو مثل الحتف له قرناً لما ... صدته عنه هيبة ولا انثنى
ولو حمى المقدور منه مهجة ... لرامها أو يستبيح ما حمى
تغدو المنايا طائعات أمره ... ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى
стр. 88
الشهم الذي جمع أشتات المعالي فلم يترك شيئاً ولم يدع. الهمام الذي ما تناهيت في وصفي مناقبه إلا وأكثر مما قلت ما أدع. بدر أفق الملك الذي لم يكن في غرة الشهر هلال. حائز أزمة المجد بيمينه ولو شاء حازها بالشمال. قادح زناد السعاده. ساحب ذيل الفخر والسياده. طراز العصابة الهاشمية الأسمى. فرع الشجرة الزكية التي أصلها ثابت وفرعها في السما. واسطة عقد المجد والشرافه. تاج الشرفاء وصدر الخلافه. ناشر لواء العدل والفضل والمنن. سيدنا ومولانا الشريف زيد بن محسن بن الحسين بن الحسن
نسب كان عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا
نسب تحسب العلى بحلاه ... قلدتها نجومها الجوزاء
خلد الله دولته الفاخره. وأفاض شآبيب الرحمة على أصوله الظاهره. فرغب في السيدة الجليله. الشريفة المثيله. المحجبة في كلل المجد حتى عن أعين الكواكب. المحروس حجابها المنيع بسمر القنا وبيض القواضب. الممدود عليها ظل والدها سيدنا ومولانا المقام الكريم العالي. الراقي بحسبه ونسبه إلى أوج المعالي. واسطة عقد الفخر الثمين. رافع راية المجد باليمين. جامع شيم العز المنيع. حائز سجايا الجلالة والمهابة والشرف الرفيع. خلاصة بني الزهراء البتول. فرع الشجرة المتصلة بالوصي والرسول. راوي حديث الجلالة عن أسلافه الكرام حاوي قديم المجد عن أجداده ملوك هذا البيت الحرام. الذابين عن حريم حرمه بالسمهري والحسام صفوة السادة الأشراف وخلاصة آل عبد مناف ذي البسالة التي لا تضاهي. والصرامة التي لا تذيب الصوارم إذا انتضاها. والمناقب التي يعترف المدره البليغ بالعجز عن استقصاها. سيدنا ومولانا السيد حمزة بن موسى بن بركات. صان الله حجابها وأطال بقاء والدها وأفاض على أسلافه سحائب الرحمات. الآذن لي في تزويجها على كتاب الله وسنة رسوله وعلى مهر أمثاله المعلوم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من جميع الذنوب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم الحمد لله إن الحمد لله نحمده ونشكره. ونستهديه ونستنصره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. وسيآت أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده خير نبي أرسله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما هبت الرياح المرسله. ومن نظمه قوله مادحاً سيد البشر. والشافع المشفع في المحشر. ﵌ وسماها جواهر التاج. في مديح صاحب المعراج. وكان نظمه لها في عام زيارته وهو عام أربع وخمسين وألف.
طال المقام على ارجوحة الصغر ... وبالغ الشيب في التحذير والنذر
وجيش ليل الصّبا فرت كتيبته ... لما أتى جيش صبح الشيب بالبتر
فأغسل بدمعك جفناً بات مكتحلاً ... بنومه واكتحل من إثمد السهر
وانهض لتصقل مرآة البصيرة من ... غين الغشاء وما للذنب من أثر
إن الذنوب وإن جلت فإن لها ... إيتاء ساحة طه سيد البشر
فشد حزم مطايا قصده وأنخ ... ببابه والثم العتاب واعتذر
وقف تجاه شريف الوجه منه وقل ... أسندت ظهري من وزري إلى وزر
ولذ بمن تفد الأملاك محدقة ... به كما تحدق الهالات بالقمر
وناد يا نفس هذا البحر منهله ... عذب الورود روى صفواً بلا كدر
مدى شباك الرجا في مدّ لجته ... وادعى الإله لدى الشباك وانتظر
واستمطري غيث سحب الجود من يده ... وأذرى المدامع لا تبقي ولا تذر
فهو الشفيع المرجي يوم لا أحد ... سواه يشفع من خوف ومن خطر
أسرى به الله ليلاً ثم قرّبه ... وأم في ليلة الاسراء كل سرى
وشرف الملأ الأعلى وجاوزه ... يخب من خلع التشريف في حبر
ساد الخلائق من جن ومن ملك ... والرسل والناس من بدو ومن حضر
كم معجزات له جلت وأعظمها ... ما أفحم البلغاء اللسن بالحصر
أغناه عن مدح المدّاح قاطبة ... ما كان من ذاك في الآيات والسور
стр. 89
وجاء من جاء مستغفراً محيت ... ذنوبه في الكتاب الصادق الخبر
وعنك يروى صلاة الله دائمة ... عليك يا صادق الأقوال من يزر
فيا نبي الهدى وافيت مرتجياً ... منك الذي جاء في القرآن والأثر
أرجوه منك ومالي غير حبك قد ... جعلته في معادي خير مدخر
حب أزمته قادت إليك فتى ... طوى بأيدي المطايا شقة السفر
جاب المهامه من سهل إلى جبل ... شوقاً لمنظر تلك الروضة النضر
وها أنا الآن ضيف قد حللت بها ... والضيف يقرى وأرجو أن يكون قرى
ولي مطالب حسبي العلم منك بها ... إذ أنت أدرى بما في النفس من وطر
فامنن بها منّ ذي عطف على وجل ... بالباب يرجف من خوف ومن حذر
ما زال يطعمه طوراً ويؤنسه ... حسن الرجاء وذنب قاصم الفقر
فامح الاياس وحقق في الرجا طمعي ... وامنح بحسن ختام آخر العمر
فاشفع تشفع وقل يسمع ومنّ بما ... للقلب والعين من سؤل ومنتظر
واقبل هدية ذي فقر لرب غني ... يرجو جوائز ذي جود لمفتقر
أذاب تبر المعاني ثم أبرزها ... في اللفظ مفرغة من بوطة الفكر
لولا صفاتك لم تصبح قوالبها ... تضئ كالزهر في الأفلاك والزهر
بها تطفل تاج دره صدف ... فكلل التاج يا ذا التاج بالدرر
والظن إنك قد حليته فلقد ... أتى بذا شاهد حق لمعتبر
أتت جواهر تاج الدين تفصح عن ... تاريخها وهو وجه أبلج الطرر
فيه دليل بنيل القصد أجمعه ... يا من مرجيه بالمأمول منه حر
دامت صلات صلاة كل آونة ... تزف وهي من الأملاك في زمر
تغشاك والآل والأصحاب ما غذيت ... أرواحنا بشميم الروضة العطر
ومنه قوله في المناجاة
يا بارىء الخلق ايجاداً من العدم ... يا باديء العبد بالاحسان والنعم
يا ساتر العيب يا مبدي الجميل ويا ... ذا الحلم واللطف والتدبير والحكم
أنت اللطيف فلا ينفك لطفك عن ... قضائك المبرم المحتوم في القدم
فالطف بذي أسف يدمي أنامله ... عضّاً ويقرع منه سن ذي ندم
فاغفر وسامح وقابل بالرضا كرماً ... والعفو عن سالف التقصير في الخدم
واجعل على قدم التوفيق سيري في ... مستقبلي واحمني من زلة القدم
ولا تكلني إلى نفسي ولا عملي ... واجعل مماتي على الاسلام مختتمي
واملأ فؤادي ايماناً يضىء إذا ... أمسيت فرداً رهين الرمس والظلم
وارض عني خصومي يوم لا ولد ... يغني عن الأب عند العادل الحكم
يا ذا العطاء الذي قد عم نائله ... للجن والأنس من عرب ومن عجم
لنا إليك افتقار كامل ولك ... الغنى وعلمك يغنينا عن الكلم
فامنن بادخالنا يا رب قاطبة ... جنات عدن بمحض الفضل والكرم
هذا الرجاء وحسن الظن فيك فلا ... تقطع رجانا بطه شافع الأمم
عليه أزكي صلاة عرف نفحها ... أزكي من الروض عرفا غب منسجم
والآل والصحب ما دام الرجا وما ... دام التوسل للمولى من الخدم
ومنه قوله متوسلاً برسول الله ﷺ لضر نزل به فشفى منه
لذ بطه في جميع النوب ... وانخ نجب الرجا واحتسب
وادعه أن مسّك الضر الذي ... عجزت عنه الأطبا تطب
قائلاً يا رحمة الله ويا ... كاشف الغم المجلى للكرب
يا رسول الله يا من خصه ... مجتبيه بزكي النسب
أنا يا خير الورى مستشفع ... بك عند الله فاشفع تجب
في شفا دائي وأمراضي التي ... أوهنت عظمي وأوهت عصبي
стр. 90
لا تخيب أملي يا سيدي ... لذنوبي ولسوء الأدب
فأنا عبد مسيىءٌ مذنب ... مستقيل عثرتي فاستجب
ولك الحلم الذي تياره ... لم تكدره ذنوب المذنب
قل أجبنا غير مأمور فيا ... خيبة المسعى إذا لم تجب
وشفعنا وقبلناك وقد ... جاءك البر ونجح المطلب
وافض ما في النفس لي من ارب ... لم أزل من شانه في تعب
وصلاة الله مع تسلمه ... أبداً في سبب معتقب
يستهلان على سوحك ما ... عقب الصبح ظلام المغرب
وعلى آلك والصحب الأولى ... أسسوا دين الهدى بالقضب
وقوله مادحاً شريف مكة المشرفة الشريف ادريس بن الحسن لما عرض له في وظيفة الخطابة بالمسجد الحرام والبسه القفطان يوم مباشرته لها وذلك لتسع عشرة خلون من شهر رمضان عام ثمان وعشرين وألف
زها بك دست الملك والتاج والعقد ... غداة إليك الحل أصبح والعقد
مطاعاً بعطف الله بعد رسوله ... أولى الأمر فالعاصي لأمرك مرتد
أبا شرف ادريس منتخب العلى ... أبا الشرف الوضاح غيرك والمجد
لقد حظيت شمس الخلافة بدرها ... فقارنها في الأوج والطالع السعد
قنصت العلا بالراغبية واللهي ... هما شركاها لا الأماني والوعد
وقمت بملك ما لغيرك حمله ... منال المهاوي ليس تدركه الرّبد
وشرفت دست الملك حين حللته ... ومرقاتك المرقال والفرس النهد
فكنت به ادريس ادريس اذرقي ... مكاناً علياً خصه الصمد الفرد
وكنت ولم تفتن سليمان إذ دعى ... فأوتيت ما لا ينبغي لفتى بعد
وما لم ينله غير آبائك الأولى ... ربوع الندى شادوا وأنف العلا شدوا
ملوك هم الأنياب للملك والسوى ... إذا نسبوا كانوا الزوائد أو عدوا
تولوا وأفضى ملكهم لمحجب ... تصادم تيجان الملوك إذا يبدوا
تأخر عصراً فاستزاد من العلى ... كما زاد بالتأخير ما تُرغم الهند
وأصبح عطلاً جيد من رام عقدها ... سواء وأضحى يستضيء به العقد
تفرد طود الملك بالمجد جامعاً ... مزاياه فهو الجامع العلم الفرد
رأى أن عدته خلت منه خلة ... فصيره قصراً عليه فلا يعدو
فيا ملكاً بالفضل أذعن ضده ... وما الفضل إلا ما أقربه الضد
بك الدست يزهو يوم سلمك والبرد ... ويوم الوغي يزهو بك السرج والسرد
وما زلت في حاليك سلما وضده ... عليك رواق المجد يرفع والبند
فيشقى بك الجاني ويسعد مخفق ... ويأمن مطرود وترهبك الأسد
إذا بيت الأعداء أمراً تضاءلت ... لدى خطبه الآراء واستتر الرشد
وترّت قويم الفكر قوساً لوترهم ... من العزم لم يكهم له أبداً حد
وقدت من القود الجياد مقاتباً ... إذا طلبت يدنو بتقريبها البعد
وغلى إلى الأعناق أيدي بطشهم ... من الرعب جيش لا تشام له جند
فأحياؤهم في الأرض موتى كأنها ... عليهم وقد ضاقت بما رحبت لحد
سجايا أبيّ لايجار طريده ... ولا راع يوماً جار عقوته طرد
مليك هو الطود الأشم للائذ ... هو البطل الطعان والأسد الورد
جواد له في المال ثروة ثائر ... تحكم في الجاني واحفظه الحقد
طوت نحوه بالوقد كل تنوقة ... نجاة بخد الأرض من وخدها خد
وجاد فلم تفقد مراماً بجوده ... فقل عوضاً عن جاد قد فقد الفقد
هو البحر عذب للموالي والعدا ... عذاب لهم من لجه الجزر والمد
стр. 91
هو الغيث يهمي للولي وليته ... فينبت إلا أن منبته الحمد
ويعدو العدا وسميّ هامي ربابه ... وتبلغها منه الصواعق والرعد
أخا الجود قد قلدت جيدي ودون ما ... لقلدت أعناق المطامع تنقد
وامطيتني من كاهل العز مركباً ... تريني ذكا كالغور صهوته النجد
فقمت خطيباً في المحافل بالثنا ... وبالشكر اتلو ذا وذاك به اشدو
ينافسني قوم شأوت وقصروا ... وما كظليع ظالع خلفه يعدو
وينحس منهم در لفظي زعانف ... فوا عجباً من أين للنقد النقد
سماء سماة الفضل لفظي نجمها ... ولم يخفه إن لم ترى ضوءه الرمد
وني لما خوّلت أهل ولم أكن ... كقول حسود إنما أسعد الجد
ولست به لا غير أسمو وإن يكن ... هو الفخر يوم الفخر والشرف العد
ولكن بنفسي والعبودية التي ... بها شرف الآباء من قبل والجد
وإني لأرجو منك ما نال من مضي ... ولا عجب أن عز بالسيد العبد
بقيت بقاء الدهر فينا مملكاً ... بك التاج يزهو والغلائل والبرد
وقوله مادحاً سلطان الحرمين الشريفين. الشريف محسن بن الحسين. في سنة تسع عشرة وألف بقوله
لقد جرى بالذي تختاره القدر ... فمر بما شئت إن الدهر مؤتمر
وضر من شئت وانفع من تشاء ففي ... أكفك الواكفان النفع والضرر
والدهر من جيشك المنصور قائده ... القى يد السلم خوفاً وهو يعتذر
فاغفر جنايته العظمى لتوبته ... إن العظيم عظيم الذنب يغتفر
وقد أتى معلناً عن جرمه ملكاً ... يطوي انتقاماً ويعفو وهو مقتدر
ذاهيبة راب ريث الدهر فانقلبت ... تغزو عداه صروف الدهر والغير
وسطوة تترك الآساد واجمة ... لم يفر من رعبها ناب ولا ظفر
به تبلج صبح الملك وابتسمت ... ثغوره ودياجي الخطب يعتكر
وأصبح الدست معموراً وكافله ... ملك به أضحت الأملاك تفتخر
أخباره استصغرت أخبارهم عظماً ... كما برؤيته يستصغر الخبر
ليث إذا خط سطراً نصل قاضبه ... مالت لتعجمه الخطية السمر
كأنه لاعب يرمي الرؤس به ... بالصولجان وتلك الأرؤس الأكر
ما كرّ بعد ورود الحرب قط وهل ... يكر من ليس من وزر له صدر
ولم يفر وهل يدنو الفرار فتى ... بالعزم مدرع بالنصر معتجر
فتى له جيش عزم قد أحاط من الس ... ت الجهات به التأييد والظفر
نمى إلى دوحة للملك زاكية ... قد طاب عنصرها والفرع والثمر
أغر ثبت الجنان الفارس البطل الل ... يث الهمام الشجاع الصارم الذكر
القائد الخيل إن رامت مدى وضعت ... في خطوها يدها حيث انتهى البصر
من كل أدهم يكسي من دم حللاً ... كأنه بلظى الهيجاء يستعر
وكل أشهب محجول قوائمه ... أغر أبلق ما في باعه قصر
وكل ظرف يدك الصخر حافره ... وطأ تطاير من صدماته الشرر
كأنما تطرد الأقدام أيديها ... فلا تقر ولم يلحق لها اثر
تخال تصهالها رعداً يزمجر في ... سحاب نقع مثار برقه البتر
مهذبات إذا ثار الوغى استعرت ... لا بالعنان ولا بالشكل تنحجر
عليهم الأسد فرساناً مصوّرة ... تطيعهم كيفما شاؤا وتنزجر
من كل شهم شديد البأس متصل ... كالسهم إن ثارت الهيجاء يبتدر
وكل أصيد مرّ الجد ذي جلد ... ما مسه سأم فيها ولا ضجر
стр. 92
وكل ذي لمة سوداء حالكة ... كالليل في جنحه قد أشرق القمر
قوم إذا التمسوا كانوا الأهلة وال ... لأقمار أن يسفروا والأسدان زاروا
كأنهم والصبا تسرى بنشرهم ... في محكم الزرد الأكمام والزهر
بهم حوى الفخر أبناء الرسول كما ... به على العرب فخراً قد حوت مضر
يسوسهم صادق الآراء فطنته ... تقضي بما هو آت قبل والفكر
متوّج هو فيهم مثلهم شرفاً ... في قوسهم وهم في قومهم غرر
إذا بدا بينهم في موكب نزه ... كأنه ابدر دارت حوله الزهر
صفات أورع لا تحصى محامده ... وليس يحصرها قول فتنحصر
وكيف يحصر بالألفاظ فضل فتى ... مطوّل القول في معناه مختصر
سمح الكف كريم عم نائله ... يعطى الجزيل ابتداءً وهو يعتذر
كأنما كفه تهمى بنائله ... غمامة بوليّ الجود تنهمر
أو دوحة غضة الأغصان دانية ... قطوفها بنسيم العرف تنهصر
يلقى النضار لديه المقتفون قوى ... كأنما لقراهم تنحر البدر
تريك جدواه جدوى حاتم بخلا ... إذ كل جود لدى جدواه محتقر
فيا أبا الجود يا جم المواهب يا ... أخا الندى مفخر الأقوام إن فخروا
يا ابن الحسين لقد وافتك واصلة ... عذراء قد فات منها غيرك النظر
لم ترض غيرك كفؤاً والصداق لها ... صدق القبول فما لي غيره وطر
فلست ممن يقول الشعر مبتغياً ... كسباً وفقراً وما بالشعر يفتخر
ولست ممن إذا ما جاء مفتخراً ... ما فخره غير آباءٍ له غبروا
وإنما أنا ذو الفضل الشهير ولي ... نفس عصامية ما نالها بشر
هذا وآبائي الشم الكرام فهم ... في المجد أخبارهم تزهى بها السير
سلني وسل عني الأقوام مختبراً ... لا يعرف المرء إلاّ حين يختبر
عمري ولولاك يا حامي الذمار لما ... صغت المدائح أبديها وأبتكر
فسرّح الطرف فيها روضة أنقا ... غناء تقصر تحكي نظمها الدرر
واسمّله عذبة الألفاظ مفردة ... يصد سحبان عنها العيّ والحصر
قد أحرز السبق منشيها فلو ركضت ... فوارس الفضل في مضماره قصروا
وعش ودم بالغاً ما أنت آمله ... يجري القضاء بما تختار والقدر
وقوله مادحاً سلطان مكة المشرفة الشريف مسعود بن الشريف ادريس لما وليها سنة تسع وثلاثين وألف وعارض بهذه القصيدة قصيدة القاضي أحمد بن عيسى المرشدي المقدم ذكرها
غذيت درّ التصابي قبل ميلادي ... فلا ترم يا عذولي فيه ارشادي
غيّ التصابي رشاد والعذاب به ... عذب لديّ كبرد الماء للصادي
وعاذل الصب في شرع الهوى حرج ... يروم تبديل اصلاح بإفساد
ليت العذول حوى قلبي فيعذرني ... أو ليت قلب عذولي بين أكبادي
لو شام برق الثنايا والتثني من ... تلك القدود انثنى عطفاً لاسعاد
ولو رأى هادي الجيداء كان درى ... أن اشتقاق الهدى من ذلك الهاد
كم بات عقداً عليه ساعدي ويدي ... نطاق مجتمع المخفّى والبادي
إذ أعين العين لا تنفك ظامئة ... لورد ماء شبابي دون أورادي
فيا زمان الصبا حُييت من زمن ... أوقاته لم نرع فيها بانكاد
ويا أحبتنا روّى معاهدكم ... من العهاد هتون رائح غادي
معاهداكن مصطافي ومرتبعي ... وكم بها طال كم قد طاب تردادي
يا راحلين وقلبي إثر ظعنهم ... ونازحين وهم ذكرى وأورادي
стр. 93
إن تطلبوا شرح ما أيدي النوى صنعت ... بمغرم حلف ايحاش وايخاد
فقابلوا الريح إن هبت شآمية ... تروى حديثي لكم موصول اسنادي
والهف نفسي على مغنى به سلفت ... ساعات صفو لها كانت كأعياد
كابها وأدام الله مشبهها ... أيام دولة صدر الدست والناد
ذو الجود مسعود المسعود طالعه ... لا زال في برج اقبال واسعاد
عادت بدولته الأيام مشرقة ... تهتز مختالة أعطاف ميّاد
وقلد الملك لما أن تقلده ... فخراً على مرّ أزمان وآباد
وقام بالله في تدبيره فغدا ... موفقاً حال اصدار وايراد
حق له الحمد بعد الله مفترض ... في كل آونة من كل حماد
أنقذتهم من يد الاعدام متخذاً ... عند الاله يدافيهم بانجاد
داركتهم سهدا رمقي فعاد لهم ... غمض لجفن وأرواح لأجساد
بشراك يا دهر حاز الملك كافله ... بشراك يا دهر أخرى بشرها بادي
عادت نجوم بني الزهراء لا أفلت ... بعودة الدولة الزهرا لمعتاد
واخضل روض الأماني حين أصبحت ال ... أجواد عقداً على الأجياد أجياد
وأصيح الدين والدنيا وأهلهما ... في حفظ ملك لظل العدل عداد
يبيح هام الأعادي من صوارمه ... ما استحصدت بالتعاصي كل حصاد
شهم أيادي أياديه ونائله ... على الورى أصبحت أطواق أجياد
يفضي ميمم جدوى راحتيه إلى ... طلق المحيا كريم الكف جوّاد
بذل الرغائب لا يعتدّه كرماً ... ما لم يكن غير مسبوق بميعاد
والعفو عن قدرة أشهى لمهجته ... صينت واشفي من استيذاء ابعاد
مآثر كالدراري رفعة وسنا ... وكثرة فهي لا تحصى لعدّاد
تسمو مناقب من كل الكمال حوى ... وأنت ذلك عن حصر باعداد
فأنت من معشر إن غادرت عرضت ... خفوا إليها وفي النادي كأطواد
كم هجمة لك والأبطال محجمة ... ووقفة أوقفت ليث الشري العاد
بكل أبيض مقصود لمضطهر ... وللمرائر والمران قصاد
وكل مجتمع الأطراف معتدل ... لدن لعرق نجيع القرن فصاد
فخر الملوك الأولى فخر الزمان بهم ... دم حائزاً ملك آباء وأجداد
وليهن حلته إذ رحت لابسها ... إذ أصبحت خير أثواب وابراد
واستجل ابكار أفكار مخدرة ... قد طال تعيينها في فكر نقاد
كم رد خطابها حتى رأتك وقد ... أمتك خاطبة يا نسل أمجاد
أفرغت في قالب الألفاظ جوهرها ... سبكا بذهن وريّ الزند وقاد
وصاغها في معاليكم واخلصها ... ودّ ضميرك منه عدل اشهادي
يحدو بها العيس حاديها إذا زرجت ... من طول وخد وارقال واساد
كأنها الراح بالباب لاعبة ... إذا شدا بين سمار بها شادي
بفضلها فضلاء العصر شاهدة ... والفضل ما كان عن تسليم أضداد
فلو غدت من حبيب في مسامعه ... أو الصفى استحالاً بعض حسادي
واستنزلا عن مطايا القول رحلهما ... واستوقفا العيس لا يحدو بها الحادي
وحسبها في التسامي التقدم في ... عدّ المفاخر إذ تغدو لتعداد
تقريظها عند ما جاءت معارضة ... عوجا قليلاً كذا عن أيمن الوادي
وقوله مهنئاً للشريف محسن بن الحسين ومؤرخاً عام ولايته مكة المشرفة
стр. 94
بشراك دار الملك قد صرت في ... حوزة سلطان الملوك العظيم
من أصبحت من وطء أقدامه ... رؤسنا تغبط منك الأديم
ملك زهت أم القرى عندما ... أصبح للملك الكفيل الزعيم
أن يمش في بطحائها فاح من ... هـ فتيت كافور البطاح الشميم
يكاد من عرفان كفيه أن ... يمسك البيت وركن الحطيم
فرع زكا من دوحة المصطفى ... أكرم بفرع وبأصل كريم
فخر بني عبد مناف وهم ... فخر بني الدنيا أساة الكليم
شهم وفي الوعد ذو فطنة ... ادراكها يكفي الكلام الكليم
مطاع حكم نافذ أمره ... حتماً بتنزيل حميد حكيم
شبت كهول عنده مثل ما ... شاب برعب منه فود العظيم
امدّ بالرعب فأعداؤه ... عندهم المقعد منه المقيم
يرد عنه كيدهم خوفه ... وأسهم من قوس رامي قويم
والبيض والسمر ومن فوق ذا ... وقاية الله السميع العليم
تبلج الملك به مسفراً ... عن طلعة غرّا ومراي وسيم
واعتدل الدست به وازدهى ... غداة أضحي ملكه مستقيم
وتاه قصر الملك مذ حله ... كالروح حلت جسم عظم رميم
كل مهنيك بما نلته ... قصر العلا من ذا يسل القديم
بشراك ألبست ثياب البها ... والعز والسعد الذي لا يريم
عز حكى التاريخ تأييده ... إذ صح فيه بيت درّ نظيم
بمحسن دام علا ملكه ... حل بدار الملك عز مقيم
وقوله مؤرخاً عمارة دار بناها القائد ياقوت وزير الشريف حسن
مجلسك المشرق النفيس ... في حسنه حارت النفوس
يخاله من يراه يزهو ... بمن به أنه يميس
ليس له في البها شبيه ... ومن يضاهيه أو يقيس
وهو بياقوت أشرقت من ... آفاقه للعلا شموس
لا زال ذا طالعاً سعيداً ... وجدّ أعدائه تعيس
تحفه دائماً سعود ... كما لأضداده النحوس
فهو الفتى الحامد المرجى ... القائد المكرم الجليس
أكرمه واصطفاه ملك ... يحمى به الجار والخميس
ليث الوغى إن عرا ملم ... مدبر الملك إذ يسوس
المحسن الاسم والمسمى ... من أوقرت من نداه عيس
ليس إذا شب نار حرب ... في جنبها تذكر البسوس
ألبسه الله تاج ملك ... وتوجت باسمه الطروس
إذا بدا للملوك يوماً ... تصادمت منهم الرؤس
يحفه منهم سراة ... صيد وغلب الرقاب شوس
سهل شديد الجلاد ثبت ... مجدّل قوته فريس
أصيد ذو لبدة هصور ... له حبيك الرماح خيس
لبوسه في الهياج مما ... يديمه في العدا لبيس
حسب عدا الذي عراهم ... من باسه أنهم يئيس
قد خسروا دينهم ودنيا ... كأنهم في الورى مجوس
وحسب من ينتمي إليه ... أنهم قادة رؤس
أجلهم من سما فابقي ... مآثراً مالها دروس
أبو سليمان ذو المعالي ... ياقوت من لم يزل يريس
علا على الفرقدين قدراً ... وهو على ذاك لا يئيس
طلق المحيا لمعتفيه ... فلا ضجور ولا عبوس
يكسبه جوده انتشاء ... كأنما الجود خند ريس
مناقب للعيان أضحت ... واضحة ما بها طموس
لئن تكن في الخميس تقضى ... مآرب ربها يؤوس
فأين سليمان سائلوه ... أيامهم كلها خميس
لا زال في رفعة وعز ... وصحة لا عراه بوس
تزف من كل ما تمنى ... في كل وقت له عروس
فليهن بالمنزل الذي قد ... للسعد فيه تمت غروس
стр. 95
والعز والحظ والتهان ... خلاله لم تزل تجوس
فروضه يانع نضير ... وربعه آهل أنيس
منزل سعد ودار عز ... لها رداء البقا لبوس
من رام أوصافها بحصر ... منطقه منطق حبيس
فلا تقسها بما سواها ... بل ما سواها هو المقيس
أما ترى صادح التهاني ... قام بها والملا جلوس
يسجع في روضها وكل ... منا بتغريده ميوس
موجها نحو كل فرد ... متالة نظمها نسيس
إن أنت أرخت دار مجد ... شيدها القائد الرئيس
فقل محل به بهاء ... ياقوته جوهر نفيس
ومن مقاطيعه النابغة قوله مقتبساً
مذ واصل الخل شمس الراح قلت له ... الشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
فقال معتذراً لوحيل بينهما ... وفى الخسوف لبدر التم مبتدرا
يشير إلى ما بزعمه المنجمون من أن سبب خسوف القمر حيلولة الأرض بينه وبين الشمس وقوله أيضاً
انظر لشمس المحيا وهي مشرقة ... والشمس من ضوئها في الأفق قد كسفت
قد قلدت بالنجوم المشرقات سنا ... والشمس تخفي النجوم الزهر إن ظهرت
وقوله في البرقع الشرقي المعروف بالحجاز وهو أول من ابتكر هذا المعنى
بدا البرقع الشرقيّ كالشفق الذي ... على فرقه لاح الهلال بلا فرق
وأبدى عجيباً في عجيب لأنه ... أرانا هلال الأفق يبدو من الشرق
وقوله وهو معني غريب أيضاً.
لا تحسبوا ما قد بدا في جسمه ... شجراً وحاشا أن يكون مقدّرا
ما ذاك إلا أعين العشاق قد ... ومقته وهو مجرد فتأثرا
وقوله في مليح اسمه ياقوت
رشيق براه الله قوت قلوبنا ... فما أحد يدعوه إلا بياقوت
تجول حميا سلسبيل رضابه ... على عقد درّ صين في حق ياقوت
إذا شبه الساقي المدام مشعشعاً ... كما ريق ياقوت فقل ريق ياقوت
وقلت في مثل ذلك مسولاً
إلا إنما الياقوت أحسن جوهر ... وأحسن منه في البرية ياقوت
على أنه قوت القلوب بأسرها ... ألم تر كل الخلق يدعوه ياقوت
رجع ومنها قوله في الزهر المعروف بالصد برق
قدم الربيع على الرياض فاطلعت ... لقدومه صد برقها العبق الندى
فكأنها لسرورها نثرت دنا ... نير النثار على كؤس زبرجد
وقوله في ذلك شعر
كان خمائل الصد برق لما ... أراد وصالها فصل البهار
صنعن من الزبرجد كل كاس ... نثرن به دنانير النثار
وقوله وقد كتب على عنق كمنجة لمسمعة اسمها قمراء من مسمعات الشريف ادريس
كمنجة غردت قمراء دوحتها ... على أفانين أوتار لهن نبا
والشمس من كفها المخضوب قد قرنت ... ببدر دارتها في القوس واصطحبا
شمس أشعتها الأوتار تكسبها ... سنا بسمعك لا بالطوق مكتسبا
إذا شدت في حجاز سار في رمل ... ركب العراق إلى نغماتها طربا
في روضة ظل من عشاق ساحتها ... سعد لادريس فيها ضارب طنبا
وقوله في نحو ذلك وكتب بها على عنق كمنجة أخرى لمسمعة اسمها زهراء
وكمنجة قد أغربت ألحانها ... وغناؤها ما قط عنه غناء
قرن السرور بها كما قرنت به ... زهراء طلعة بدرها الغراء
سعد لدى ادريس سلطان الورى ... دامت لا أيامه الزهراء
أعلى الملوك فهم إذا نسبوا إلى ... علياه كانوا الأرض وهو سماء
стр. 96
الشيخ محمد بن الشيخ أحمد
حكيم الملك رحمه الله تعالى
فاضل تأزر بالفضل وارتدى. وسلك سبل المكرمات واهتدى. سام في فنون العلم وصرح. وأوضح متون الأدب وشرح. فقوم منه ما آده. وقام بعباه فما آده. وهو من بيت رياسة وجلاله. وقوم لم يرثوا المجد عن كلاله. وكان لسلفه عند ملوك الهند التيموريه محل تستضوع المراتب رياه. وتستسقى المناصب ريه. ولما وفد جده على السادة الملوك من بني حسن. قابلوه مقابلة الجفن المسهد للوسن. فأكرموا لديهم نزله. وقلدوا بأيادي مننهم برله. وولد سبطه هذا بمكة المشرفة فنشأ في حجر الفضل والمجد. وانتشق عرف خزامي تهامة وشميم عرار نجد. فجمع بين تليد المجد وطارفه. ورفل من فضفاض الأدب في أبهى مطارفه. ولم يزل متبوأ تلك الدرا. محمود الايراد والاصدار. مع تمسكه من سلطانها الشريف محسن بالعروة الوثقي التي لا تنفصم. وحلوله لديه بالمكانة التي ما حلها ابن داود لدى المعتصم. حتى حصل على مكة شرفها الله تعالى من الشريف احمد ما حصل. وانحل عقد ولاية الشريف محسن منها وانفصل. فكان الشيخ محمد المذكور ممن أنهب الشريف داره وماله. وقطع من الأمان أمانيه وآماله. فالتجأ مستأمناً إلى بعض الأشراف. فأمنه على نفسه بعد مشاهدته الوقوع على الهلاك والأشراف. فلما قتل الشريف أحمد وتولى بعده الشريف مسعود. رأى الشيخ من الأغراض منه ما تحقق معه انجاز الوعيد لا الوعود. فهاجر إلى الديار الهندية مثقلاً. وهجر تلك المواطن المشرفة لا عن قلي. وذلك في آخر سنة تسع وثلاثين وألف فألقى بالديار الهندية عصاه إلى أن بلغ من أمد العمر أقصاه. فتوفى بها سنة خمسين وألف رحمه الله تعالى. ومن مشهور نثره ونظمه. الذي دل على اشراق بدره في سماء الأدب وعلو نجمه. رسالته التي كتب بها من الهند في سنة سبع وأربعين. إلى القاضي تاج الدين. شاكياً من كربة الغربة بعبارات تصدع معانيها قلوب المخلصين. وألفاظها قلوب الحاسدين وهي قوله
سقى الدمع مغنى الوابلية بالحمى ... سواجم تغنى جانبيه عن المحل
ولا برحت عيني تنوب عن الحيا ... بدمع على تلك المناهل منهل
مغاني الغواني والشبيبة والصبا ... ومأوى الموالي والعشيرة والأهل
سقاها الحيا من أربع وطلول ... حكت دنفي من بعدهم ونحولي
سقى صوت الحيا دمناً ... بجرعاء اللوى درسا
وزاد حلك المأنو ... س دار للهوى أنسا
لئن درست ربوعك فال ... هوى العذري ما درسا
سقى بالصفا للرتع ربعاً به الصفا ... وجاد بأجياد ثرى منه ثروتي
مخيم لذاتي وسوق مآربي ... وقبلة آمالي وموطن صبوتي
إنما المحافظة على الرسوم والآداب. والملاحظة للعوائد المألفة في افتتاح الخطاب. لمن يملك أمره إذا اعتن ذكر زينب والرباب. ولم تحكم عقال عقله يد النوى والاغتراب. وليس لمن كلما لاح بارق ببرق تهمد. فكأنه أخو جنة مما يقوم ويقعد. لتقاذفه أمواج الأحزان. وتترامى به طوامح الهواجس إلى كل مكان. فهو وإن كان فيما ترى العين قاطن بحي من الأحياء يوماً بالعقيق وبالعذيب يوماً ويوماً بالخليصاء. لا يأتلي مقسم العزمات. منفصم عرى العزيمات. لا يقر قراره. ولا يرجى اصطباره. إن روح القلب بذكر المنحنى. أقام الحنين حنايا ضلوعه. أو استروح روح الفرج من ذكر ليالي الخيف ومنى. أو مضت بوارق زفراته تحدو بعارض دموعه شعر
من تمنى مالاً وحسن مآل ... فمناي منى وأقصى مرادي
فياله من قلب يهدأ خفوقه. ولاقني لامعة بروقه. ولا يبرح من شمول شمول الأحزان صبوحه وغبوقه. يساور هموماً فما مساورة ضئيلة من الرقش. ويناجي أحزاناً لولا مس بعضها الصخر الأصم لانهش. ويركب من أخطار الوحشة أهوالاً دونها ركوب النعش. يحن إلى مواضع ايناسه. ويرتاح إلى مواقع غزلان صريمه وكناسه. ويندب أياماً يستثمر الطوب من افنان أغراسه
أيام كنت من اللغوب مراحا ... أيام كنت من اللغوب مراحا
أيام لا الواشي يعدّ ضلالة ... ولهى عليه ولا العذول يؤنب
أيام ليلى تريني الشمس طلعتها ... بعد الغروب بدت في أفق أزرار
стр. 97
أيام شرخ شبابي روضة أنف ... ما ريع منه بروع الشيب ريعاني
أيام غصي لدن من نصارته ... أصبو إلى غير جاراتي وحاراتي
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
لم يبق مني لمشتاق إذا ذكرا ... إلاّ لواعج وجد تبعث الفكرا
ولم يبق مني الشوق إلاّ تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا
لم أكن على مفارقة الأحباب جلداً. فأقول وهي تجلدي. وإنما وهي جلدي. مما حملت النوائب على كتدي. فتتت صرفة البين المشتت من أفلاذ كبدي
جبرت من صرف دهري كل نائبة ... أمرذ من فرقة الأحباب لم أجد
فراقاً قضى أن لا تأسى بعد ما ... مضي منجداً صبري وأوغلت متهما
وفجعة بين مثل صرعة مالك ... ويقبح بي أن لا أكون متمما
خليلي إن لم تسعداني على البكا ... فلا أنتا مني ولا أنا منكما
وحسنتما لي سلوة وتناسيا ... ولم تذكرا كيف السبيل إليهما
آليت لا أفتح لسرور على قلبي المعنى باباً. ولا أعير طرفي قاصرات الطرف كواعب أتراباً. ولا أجيل نظري في رياض نضره. ولا أسرح فكري في الأخفار إلى حدائق خضره. ولا أحور إلى محاورة أنيس. ولا أحضر لمحاضرة جليس. ولو أنه الشيخ الرئيس. لأني لي أياماً من ذلك فعلت. وعلي أي واحد منهما لتنفيس الكرب عولت. تذكرت به عهد الأحبة فاعولت. وصدع الحنين والتذكار أعشار فؤادي فولولت. فما أطبى عيني مذ فارقتهم. شيء يروق الطرف من هذا الورى. إن كنت أبصرت لهم من بعدهم. مثلاً فأغضيت على وخز السفا. فعكفت همتي على مساورة الهموم. ومسامرة النجوم. والاتساء بشيخ كنعان. في اتخاذ بيت الاحزان. فحزني ما يعقوب بث أقله. وكل بلاء أيوب بعض بليتي. رحلت عن كعبة البطحاء والحرم. ونزلت بساحة قوم لا يدرون ما حماية الحرم. مثل من هو خارج من الأنوار إلى الظلم. ونقلت من جوار البيت وسدنته. إلى حيث خوار العجل وجوار عبدته. واستبدلت بالوقوف والركن والمقام. الفوف بين يدي عبدة الأصنام. وهجرت مهابط الوحي والتنزيل. ومتردد الروح الأمين جبريل. إلى مساقط أنداء الكفر والضلال. ومرابط الانعام والأفيال. وعوضت بالمشاعر الاسلامية حيث فرض الفروض والسنن. معتكف أقوام يجرون في رفض الفرائض على سنن. وبدلت بزمزم والحطيم. ومقام إبراهيم. زمزمة البراهمة على الحطيم. بديار لا تطيب إلا لمن خلع ربقة الاسلام من عنقه. ولا ينعم بها سو من أمعن في تخريده إلى ميادين الضلالة وعنقه. لا يصفو لي بها عيش. ولا التذ بالحياة في نعيم ولو أنه على ما يقال ايس وايش شعر
كيف يلتذ بالحياة معنى ... بين أحشائه كورى الزناد
في قري الهند جسمه والاصيحا ... ب حجازاً والقلب في أجياد
يقاسي من متاعب الوحدة كل محنة وشده. وايعاني من أهوال الغربة كل غمة وكربه شعر
فما غربة الانسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكل
وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
стр. 98
كنت ممن قد أتى على حين من الدهر متخلياً بأشجاني. متسلياً ممن شانه في اعتيام الحوادث شاني. حزيناً لما منيت به من مفارقة جيرتي وأوطاني. حتى طرق الطارق. وما أدراك ما الطارق. بناء هائل. وخبر واعيه ذاهب اللب ذاهل. وهو وصول الأتراك من اليمن. واجهازهم على رمقي تلك الفتن السابقة والمحن. ومصارع السادة الأشراف الصفوة من بني الحسن. فزاد كما يعلم الله الفؤاد جمراً إلى جمر. وغادر الأحشاء كأنما تشك بأطراف المثقفة السمر. فهل يا مولاي على مغمور بغمرات هذه الأحوال. ومطمور من سهام النوائب بين أنياب أغوال. من لائمة إذا ذهب عما يجب من تقديم الثناء على تلك الشمائل. وتقويم ماهية الرسائل التي هي إلى قوام الأرواح أعظم الوسائل. ببث يسير من حميدات الخصائل. لتلك الذات الجامعة لجميع الفضائل. بعد تقبيل أرضها التي تعشو شب بأكنافها العلوم والآداب أعشاب الأعشاب. وتشرق بساحتها شموس الحقائق والمعارف. فتؤمن من الضلال بظلمات الشبه في مسالك الهداية المخاوف. الامام الذي غذى بلبان الكمالات والفضائل. الهمام الذي نصت عليه مخدرات العلوم. فكل أجل كفء بحل عويصاتها كافل. العلامة المبرز على أقرانه. بفضائل غير متناهية تشكك في امتناع التسلسل وصحة برهانه. كالشمس قلت وما للشمس أقران. خلاصة العلماء الاعلام. سلالة العظماء الذين سادوا بمجدهم الأنام. مولانا وسيدنا القاضي تاج الدين زاد الله اجلاله. ثم ينهي أنه قد تبين من شرح نبذة من أحواله. بما بثه من مقاله. وهجر به هجر الواله. ما هو جواب عن سؤال مقدر. واستفهام يقتضيه المقام مضمر. فيعطف عن استقصاء ذلك عنان القلم خاسئاً وهو حسير. ويصرفه إلى استعطاء ذي الفضل الكبير مبتهلاً سائلاً. ومتضرعاً قائلاً. اللهم فبحق من انتخبتهم لتبليغ رسالاتك. وأيدتهم بحججك البالغة وآياتك. وبحق المقتدين بآدابهم. من ذرياتهم وأصحابهم. وبحق الصافين في طاعتك أقدامهم. المستغرقين في جلال هدايتك لياليهم وأيامهم. وبحق سمواتك وما فيها من آيات للمتبصرين. وبحق مجاوري بيتك الحرام حجاجاً ومعتمرين. إلا ما رزقتني العود إلى حرمك. وقضيت لي بالرجوع إلى جوار بيتك المحرم بجودك وكرمك. ويلتمس من فضلكم هذا الدعاء في الملتزم والمستجار. وفي ادبار الصلوات وبالاسحار. لعل الله سبحانه يمن عليه بالخلاص من هذه الديار. والاياب إلى تلك المشاعر المشرفة الاوطار. إنه على ما يشاء قدير. وبالاجابة لمن دعاه جدير. والمأمول من فضلكم أن تؤنسوا وحشته بمكاتباتكم الكريمه. وتصلوا وحدته بمراسلاتكم التي هي من داء الهيام أعظم عوذة وتميمه. فإنه في دار وحشة ليس بها أنيس. وفي جيل أنس منهم اليعافير والعيس. لا يتسلى إلا بأبيات من الشعر سمح بها فكر قد صلد زناده. وصرد ايقاده. وحم بشآبيب الحوادث احماده. في مكان اعرابه اهناده. فهو لا يستأنس إلا بانشادها في الخلوات. واسعادها بالمسامرة إذا جنت الظلمات. لا لأنها لذلك أهل. بل لكون الهشيم يرعى لا محالة في المحل. وعند الضرورة يعتاض تمايل الأغصان بالنسيم عن الهيف ويقتنع لفقد محيا الحبيب بالبدر على ما فيه من الكلف. والجوع يرضي الأسود بالجيف وقد أداه ما ادعاه من الوله والهيام إلى اثباتها. كيلا تكون دعواه مجدرة عن بيناتها وهي
صوادح البان وهنا شجوها بادي ... فمن عذير فتى في فت أكباد
صب إذا غنت الورقاء أرّقه ... تذكيرها نغمات الشادن الشادي
فبات يرعف من جفنيه تحسبه ... يزبرج المدمع الوكاف بالجاد
جافي المضاجع الف السهد ساوره ... سم الأساود أو أنياب آساد
له إذا الليل واراه نشيج شج ... وجذوة في حشاه ذات ايقاد
سمّاره حين يضنيه توحشه ... فيشرئبّ إلى تانيس عوّاد
وجدوهم وأشجان وبرح جوى ... ولوعة تتلظى والأسى ساد
أضناه تفريق شمل ظل مجتمعاً ... وصو من بالعود دهر خطبه عاد
فالعمر ما بين ضن ينقضي وضنا ... والدهر ما بين ابعاد وايعاد
لا وصل سلمي وذات الخال يرقبه ... ولا يؤمل من سعدي لاسعاد
стр. 99
أشجى فؤادي واستوهى قوى جلدي ... أقوى ملاعب بين الهضب والوادي
عفت محاسنها الأيام فاندرست ... واستبدلت وحشة من أنسها البادي
وعطلتها الرزايا وهي حالية ... بساكنيها وروّاد وورّاد
وعاث صرف الليالي في معالمها ... فما يجيب الصدى فيها سوى الصادي
دوارج المور مارت في معاهدها ... فغادرتها عفى الساحات والنادي
وناعب الموت نادي بالشتات بها ... فأهلها بين أغوار وأنجاد
وصوّحت بالبلى أطلالها وخلت ... رحابها الفيح من هيد ومن هاد
أضحت قفاراً تجري الرامسات بها ... ريحاً جنوب وشمل ريحها الخادي
كأنها لم تكن يوماً لبيض مها ... مرتعاً قد خلت فيهن من هاد
ولم تظل مغانيها بغانية ... تغني إذا ما ردى من بدرها راد
ولا عطا بينها ريم ولا طلعت ... بها بدور دجي في برج مسطاد
ولا تثنت بها لمياء ساجته ... ذي النعيم دلالاً بين أنداد
فارقتها فكأني لم أظل بها ... في ظل عيش يجلي عذر حساد
أجني قطوف فكاهات محاضرة ... طوراً وطوراً أناغي زينة الهاد
هيفاء يزري إذا ماست تمايلها ... بأملد من عصون البان ميّاد
بجانب الجيد يهوى القرط مرتعداً ... مهواه جد سحيق فوق أكتاد
شفاهها بين حق الدر قد خزنت ... ذخيرة النحل ممزوجاً بها الجادي
إذا نضت عن محياها النقاب صبا ... مستهتراً كل سجاد وعبّاد
وإن تحلت ففي ما قد جلته دحي ... لتائه في الدآدي أيما هادي
وميض برق ثناياها إذا ابتسمت ... بعارض الدمع من مهجورها حاد
وناظران لها يرتد طرفهما ... مهما رن عن قتيل ما له وادي
وصبح غرتها في ليل طرتها ... يوماي من وصلها أو هجرها العاد
تلك الربوع التي كانت ملاعبها ... أخنى عليها الذي أخنى على عاد
إلى مراتع غزلان الصريم بها ... يحن قلبي المعنى ما شدا شاد
بعد الدهر رماني بالفراق لها ... ولا سقى كنفيه الرائح الغادي
عمري لقد عظمت تلك القوادح من ... خطوبه وتعدت حد تعدادي
فقد نسيت وأنستني توائقه ... تلك التي دهدهت أصلاد أطواد
مصارع لبني الزهرا وأحمد قد ... اذكرن فخاء من أردى به الهادي
لفقدهم وعلى المطلول من دمهم ... تبكي السماء بدمع رائح غادي
وشق جيب الغمام البرق من حزن ... عليهم لا على أبناء عبّاد
كانوا كعقد لجيد المجد مذ فرطت ... من ذاك واسطة أودي بتبداد
وهو المليك الذي للملك كان حمى ... مذ ماس من برده في خير ابراد
كانت لجيران بيت الله دولته ... مهادها من لسرح الخوف ذوّاد
وكان طوداً بدست الملك محتبياً ... ولات ناص المعالي أي نهاد
ثوى بصنعا فيا لله ما اشتملت ... عليه من مجده في ضيق الحاد
فقد حويت به صنعاء من شرف ... كما حوت صفدة بالسيد الهادي
فحبذا أنت يا صنعاء من بلد ... ولا تغشى زياداً وكف رعاد
مصابه كان رزالاً يوازنه ... رزء ومفتاح ازراء وآساد
وكان رأساً على الأشراف منذ هوى ... تتابعوا أثره عن شبه ميعاد
لهف المضاف إذا ما أزمة أزمت ... من خطب نائبة للمتن هداد
لهف المضاف إذا ما أقلحت سنة ... يضن في محلها الطائيّ بالراد
لهف المضاف إذا كرّ الجياد لدى ... حر الجلاد اثار النقع بالوادي
لهف المضاف متى ما يستباح حمى ... لفقد حام بورد الكر عوّاد
стр. 100
لهف المضاف إذا جلى به نزلت ... ولم يجد كاشفاً منها بمرصاد
لهف المضاف إذا حمل المغارم في ... نيل العلا أثقل الأعناق كالطاد
لهف المضاف إذا نادى الصريخ ولم ... يجد له مصرخاً كالغيث للصادي
لهف المضاف إذا الدهر العسوف سطا ... بضيم جار لنزل العز معتاد
بل لهف نفس ذوي الآمال قاطبة ... عليهم خير مرتاد لمرتاد
كانت بهم تزدهي في السلم ندبة ... وفي الوغى كل قداد ومنآد
على الأرائك أقمار تضيىء ومن ... تحت الترائك أسباد لمساد
تشكو عداهم إذا شاكي السلاح بدا ... شد القنا ماضغاً من نسج ابراد
إلى النحور وما تحوي الصدور وما ... وارته في جنحها ظلمات أجساد
جنا جنا قلقاً تحوي جآجؤها ... مما يقصد فيها كل قصاد
بادوا فباد من الدنيا بأجمعها ... من كان فكاك أصفاد بأصفاد
وقد ذوت زهرة الدنيا لفقدهم ... وألبست بعدهم أثواب أحداد
واجتث غرس الأماني من فجيعتهم ... وانشد الدهر تقييظاً لروّاد
يا ضيف اقفى لبيت المكرمات فخذ ... في جمع رحلك واجمع فضلة الزاد
يا قلب لا تبتئس من هول مصرعهم ... وعز نفسك في بؤس وانكاد
بمن غدا خلفاً يا حبذا خلف ... في الملك عن خير آباءٍ وأجداد
فحائز ارثهم حاو مفاخرهم ... كما حوى الألف من آحاد اعداد
وذاك زيد أدام الله دولته ... وزاده منه تأييداً بامداد
سما به النسب الوضّاح حيث غدا ... طريقه جامعاً اشتات اتلاد
لقد حوى من رفيعات المكارم ما ... يكفي لمفخر أجداد وأحفاد
أليس قد نال ملكاً في شبيبته ... ما ناله من سعي اعمار آباد
أليس في وهج الهيجا مواقعه ... مشكورة بين أعداءٍ وأضداد
أليس أسبح بالشعميم سابحه ... لج المنايا ليحيى فل أجناد
أليس يثبت يوم الليث أن هل ... وثبات ليث يزجى ذود نقاد
أليس يوم العطا تحكى أنامله ... خلجان بحر نقيص التبر ميداد
أليس قد لاح في تأسيس دولته ... من جده المصطفى رمز بارشاد
دامت معاليه والنعمى بذاك له ... مصونها وهو ملحوظ باسعاد
ما لاح برق وما غنت على فنن ... صوادح البان وهناً شجوها باد
وحسبي يا مولانا التصديع بهذا الهذيان. وإنما أوجبه القصد إلى إقامة البرهان. على ما ادعاه من الوله والهيمان. لا زلتم محفوفين بعين الله من طوارق الحدثان. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تنبيه قوله
أليس قد لاح في تأسيس دولته ... من جده المصطفى رمز بارشاد
يشير به إلى ما وقع للشريف المذكور فإنه لما وردت الأوامر السلطانية بولايته الحرمين الشريفين وكان إذ ذاك بالمدينة المنورة قصد زيارة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فأراد الخدام أن يفتحوا له الباب فوجدوه مفتوحاً وكانوا قد أغلقوه من قبل فعلم الناس أنه إشارة إلى الفتح والظفر فكان كذلك. فأجابه القاضي تاج الدين عن هذا الكتاب بهذا الجواب
بقبل الأرض اجلالاً ويشرح ما ... لاقى من الوجد والأشواق والحرق
يشتكي بعض ما لاقى وأعجب ما ... رآه أن تخمد النيران في الورق
محب جرعه الدهر مرارة الثوى. وأضرم في أحشائه حرارة الجوى. فهو يشكي النوى طوراً. فيتمالأ في طورها ويتغالا. ويرجع باللوم على نفسه فوراً. فينشد بقايا ثناء ليس هي ارتجالاً. هجيراه سقيا معاهد الأحبة من عهاد دموعه. وسميراه التلهف على ذلك العهد وتمنى رجوعه شعر
أرى آثارهم فأذوب شوقاً ... واسكب في مواطنهم دموعي
واسأل من بفرقتهم رماني ... يمنّ عليّ منهم بالرجوع
стр. 101
قد حارب جفنه الرقاد فليس بينهما صلح. ودجى عليه ليل الفراق فلم يتبلج له صبح شعر
وطال عليّ الليل حتى كأنه ... من الطول موصول به الدهر أجمع
لا يزال يسامر النجوم والقمر. وياسور الهموم والفكر. وتتلاعب فيه لواعج الأشواق تلاعب الصوالج بالاكر. وينشد إذا هجع النوام وطلب المسعد على السمر
أيها النائمون حولي أعينو ... ني على الليل حسبة وائتجارا
حدثوني عن النهار حديثاً ... وصفوه فقد نسيت النهارا
كيف لا ينسى النهار. وينكر سائر الأغيار. من لم يرتسم في مرآة تصوره غلا تصور تلك الذات. ولا يجول في فكره إلا تذكره سابق تلك الأيام المستلذات. ولا يغير وده لقادم العهد. ولا يسوغ أن يسيغ ماء السلو ولو أداه تعطشه إلى اللحد
ولي نفس حر لو بذلت لها على ... تناسيك ما فوق المنى ما تناست
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا ... إذ طالما غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أرواحنا بدلاً ... عنكم ولا انصرفت فيكم أمانينا
وليس عهدكم عهد الغمام فما ... كنتم لأرواحنا إلاّ رياحينا
ولولا تعلل النفس بعل وعسى. ورجوي جمع القادر على جمع الشتيتين لقضيت اسا. شعر
ما قدر الله أن يدني على شحط ... من دار الحزن ممن داره صول
رجع يا مولانا فقد أجرى المملوك جوار قلمه مرخي العنان. وشرح من انموذج حاله ما هو عند مولانا كالعيان. واسناه بث شوقه ما هو الواجب من تصدير السلام. وتقديم الثناء الذي لا تستوفيه الأرقام. ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام. ولئن شغل المملوك عما هو الأحرى. فقد أقام له البيت المشهور عذراء شعر
وشغلبت عن رد السلا ... م فكان شغلي عنك بك
فهو يحمل العبودية هذه من التحيات ما يتضوع قبل نشرها نشره. ومن الأثنية ما يضاهي الأفق زهره. ويباهي الرياض زهره. إلى ذلك المقام الذي سحب على فرقد الفراقد ذيل عقوه. وأورد نهر المجرة خيل مجده وسموه. وسلم له أهل الحل والعقد. وأذعنت لبلاغته جهابذة النقد. وألقت إليه الفصاحة مقاليدها. وكتبت ملوك البراعة باسمه تقاليدها. وأقر بفضله حتى الحسود. وأجمع على سودده السيد والمسود. وأرى الناس مجمعين علي فضلك ما بين سيد ومسود. امام جماعة الصناعتين. ومالك زمام براعة البراعتين. العلامة الذي خاض بحراً وقفت بساحله العلماء. وقفت اثره فانتهت إلى حدها من نقطة العلم وشكلة الحكم الحكماء. سلالة الوزراء الذين اقتعدوا صهوة الجلالة والمجد. وخلاصة العلماء الذين تركوا الغير في الغور وافترعوا من المكانة المكان النجد. مولانا الشيخ محمد بن حكيم الملك. لا زال محروساً بعناية مجري الفلك والفلك. بمحمد وآله آمين. وينهي ورود الكتاب الذي استهلت البراعة استهلاله. وأتى بالسحر الذي لا حرج في القول باستحلاله. وحرم على الأدباء حكاية حياكته والنسج على منواله.
أني تجاريه فرسان القريض ومن ... غباره في هواديهن ما نقضوا
يجرم المتأمل في فاتحته إنها فريدة وقتها. ويتلو عليه ما بعدها وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها. فقبل المملوك منه مواقع الأقلام. شوقاً لتقبيل مواضع الأقدام. وقراه سطراً سطراً. ولم يكن يستطيع مجاوزة فقرة منه إلى الأخرى. وسرح الفكر في معانيه التي هي إلى الافهام أجرى من الماء تحدر في صبب. وافعل بالالباب من ابن غمام زوج بابنة العنب. فاضحك المملوك بما تضمنه من تقلب مالكه في رياض البقا. وشغله في مراتب العز والارتقا. وأبكى بما انطوى عليه من شرح الحال التي عند المملوك شاهدها. والغربة التي يعالج لواعجها المملوك وإن كان في وطنه ويكابدها.
يودّ من عمره أن لا يفارقكم ... ما كل ما يتمنى المرء يدركه
стр. 102
فصبراً يا مولانا على ما جرت به الأقدار. ورضا بإرادة الله واختياره فإنهما خير مما يريده العبد لنفسه ويختار. ولا أبلغ في الوعظ والتنبيه لمن طلب منهما الغايه. من قوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئاً الآيه. وعذراً يا مولانا فأنا بهذه المواعظ كمن جلب التمر إلى هجر. وأهدى إلى البحر الدرر. ولكنني أتيقن أن مولانا لا يرى ذلك بحسن الظن والنظر. ثم انتهي المملوك إلى تلك القصيدة التي كل بيت منها ببيت القصيد. فكلل تاجه من جواهر عقدها الفريد. واستخرج من بحرها البسيط فرائد الفضل المديد. وعلم أن مولانا أراد اثبات عجز من عارضه فتم له ما يريد. وأكدت صوادح البان بشجوها أشواقه ولا أقول زادت فليس عليها مزيد.
وترنمت ذات الجناح بسحرة ... بالواديين فهيجت أشواقي
ورقا تعلمت البكا والبث من ... يعقوب والالحان من اسحاق
إني تضاهيني هوى وصبابة ... وأسا وفرط جوىً وفيض ماقي
وأنا الذي أملي الهوى من خاطري ... وهي التي تملى من الأوراق
وكيف يا مولانا يقبل المزيد شوق هو أعظم مما تصف الألسن وتشرح الأرقام. وفوق ما يتصوره الفكر وتتخيل الأوهام. ووراء ما يمكن أن يرى في الأحلام. أطفا الله حر النوى بالمشافهه. وأغنى عن المراسلة بالمواجهه. وعجل لكم الاياب إلى حرمه الشريف. والاقامة بسوح بيته المنيف. إنه على ما يشاء قدير. وبالاجابة جدير. والسلام ومن اشناء الشيخ محمد المذكور ما كتبه مراجعاً إلى بعض أصحابه من سادات العجم وقد كتب طلبه كتاباً يتضمن اظهار تلك المودة وأهدى إليه مرآة وعصا لو تطاولت إلى الأفلاك. وتناولت عن الأملاك. وسخرت لي الدراري المؤتلقه. ونضدت لي الدرر المونقه. فسولت لي الأمارة. والقريحة وقد غدت ببديع البيان سحاره. معارضة الدر المنثور في الكتاب المسطور. الذي ردت بلاغته دعوى معارضه رد الغيور بد الجابي عن الحرم. لكنت أورى في رابعة النهار. وأريه السها وقد أراني طوالع الأقمار. فاقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا اتسق. إن منشىء تلك الحديقه. وموشى هاتيك الروضة الأنيقه. ممن أوتي الحكمة وفصل الخطاب. وجليت عليه من مخدرات عرائس البلاغة ما توارت عن غيره بالحجاب. كيف لا وهو الفرع المتهدل من دوحة أفصح من نطق بالضاد. وأوتي جوامع الكلم فآمن بمعجزها كل حاضر وباد. فاعجاز البلاغة تراثه. وإن من البيان لسحراً وإن من الشعر لحكمة ميراثه. ثم أبت نفسه الأبيه. وأنفت همة كماله العليه. أن يتقصر على تليد مفاخره العديده. حتى شفعها بطريف مآثره الحميده. فبلغ في المعاني الغايات. واخرس من تصدى لاحصاء ما أعطى من الكمالات
فإن قميصاً حيك من نسج تسعة ... وعشرين حرفاً عن علاه قصير
فعلى رسلك يا مولاي فجدك ﵌ القائل. أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم. وقد خاطبت الملوك بما يرد شقاشق البلغاء المبرزين في لهاة فحولهم. فكيف به وليس هو منهم في عير ولا نفير. ولا يعد منهم في قبيل ولا دبير. وقد الجأته الضرورة إلى ارتكاب أول القبيحين مقابلة الدر بالخشب. واغلاق باب المكاتبة فيعود نهاره لذلك كليل فتى الفتيان في حلب. ثم ما طرز به الكتاب. وحبر بوشيه الخطاب. من فقد المحبة الذي لا يزال المملوك به مثرياً. ولحديثه راوياً. ولعطاش الفقراء إليه مروياً. فقد يحمد الله غذى بلبانها. ورتع في ميدانها. وكرع من غدرانها. وتمسك بأشطانها. وضربت عنده بجرانها. فصار بها مذ كان في المهد صبياً صبا. وتلقاها في ضمن كريمة قل لا أسالكم عليه أجراً إلا المودة في القربى.
إن المودة في قربى النبي غني ... لا يستميل فؤادي عنه تمويل
فهي لا تنفك كما ذكر مخدومي تزداد كثره. فيزداد بها القلب مسره. والعين قوه تتأكد كل حين. وتتجدد على تقادم السنين.
ويزيدها مرّ الليالي جدة ... وتقدم الأيام حسن شباب
لا يغشى سنا قمرها سحاب نقصان. ولا فصمت عروتها الوثقى يد الحدثان. فيزحزح المولى أيده الله سحابها. ويوثق أسبابها. باسداء الهدايا. واهداء المزايا شعر
تملك بعد حبك كل قلبي ... فإن ترد الزيادة هات قلبا
стр. 103
لكن سمعاً لما أمر به وطاعه. وقبولاً وامتثالاً لما أمر جهد الاستطاعه فشكر الاياديه. وهطلاً لفؤاديه. وسقيا لناديه. وسحقاً لأعاديه. ولا زالت فواضله مغدقة دائمة الهمول وفضائله مشرقة لا يدانيها أفول. والسلام.
ومن نظمه قوله مادحاً لقائد أحمد بن يونس وزير الدولة الحسينية الادريسية ومهنئاً له بالنيروز
إلى علاك اشارة أنجم الأفق ... فظل طرف الثريا شاخص الحدق
وأشرقت بك شمس المجد لا أفلت ... ونضدت بك زهر السعد في نسق
وعفرت لك آساد الشرى وعنت ... لك الوجوه وأضحت منك في فرق
كل لطولك يرجو وهو ذو أمل ... كل لباسك يعنو فهو في قلق
قد استكانت لك الأضداد واشتعلت ... لما طعلت شهاباً باهر الفلق
شهاب باس به كف العلى قذفت ... فأحرقت بسناه كل مسترق
به استقامت قناة الملك من أود ... وأصبح العدل منه واضح الطرق
يا من به أبدت الأيام زخرفها ... وراق من صفوها ما كان لم يرق
قد شرفت أمة أصبحت قائدها ... وأصبحت بك في أمن وفى غدق
ألقت مقاليدها والله أرشدها ... إليك يا محرز الغايات في السبق
قد طوّفت جيدها منك الجميل يد ... تعدّ فعلك هذا أحسن الخلق
قد ذل من لم تكن للخطب عدّته ... وخب من بعرا علياك لم يثق
مهابة لك نابت في تطوّقها ... أقصى البلاد مناب الصارم المزق
رعى حشاشة قوم دارهم نزحت ... ثم انثنى وهو محمر من العلق
فأنت تعمل رأياً والقضاء به ... يجري وفاقاً له يا طيب متفق
من ظن وصفك يحصى أو يحاط به ... دعه فما فيه يكفيه من الحمق
أو رام يثنى بما أنت الجدير به ... لم يستطع وهو رب المنطق الذلق
نعم المغيث ونعم الغوث أنت لدى ... كر الحوادث بين الصبح والغسق
ما زلت تدرك ما تنويه عن أمم ... فلو تروم منال النجم لم يعق
بهمة أرغمت من تحت أخمصها ... أنف الثريا وخداً غير منفلق
وهيبة ترهب الآساد سطوتها ... وجود كف كموج اليم مندفق
وحسن رأى يسوس الملك تعضده ... عناية يقتفيها فتح منغلق
وطيب ذكر لك الركبان تنقله ... تفض عنه ختام العنبر العبق
وغيرها من صفات قد خصصت بها ... كأنها الدهر إذ يزهى على العنق
لا زلت ترقى إلى ما أنت آمله ... توق ذلك والأعداء في نعق
مهنئاً بك يوم شمسه وزنت ... بنور هديك فانحطت عن الأفق
ممتعاً بك دهراً أن يرم أحد ... وكان ينمي إلى علياك لم يطق
وكتب القاضي تاج الدين المالكي للشيخ محمد المذكور وهو بالطائف. في سنة سبع وعشرين وألف قوله
سلام كنشر الروض تنفحه الصبا ... سلام كعرف المسك أو زهر الربا
سلام كأنفاس المتيم رقة ... سلام كايناس المزمزم مطربا
سلام كعرف الراح فض ختامها ... سلام كما يستنشق الثغر اشنبا
سلام كتسليم الأغن مواصلاً ... سلام كتلحين المطوّق معربا
سلام كوصل بعد يأس من اللقا ... سلام كوعد بالتواصل أو نبا
سلام كعصر الوصل في الطيب لا المدى ... سلام كأيام الشبيبة والصبا
سلام كقرب الدار بعد نزوحها ... سلام كبشرى من حبيب وقد نبا
سلام كغمض الجفن بعد سهاده ... سلام كطيف زار من ربة الخنا
سلام كأشكاء الحبيب محبه ... سلام كعتب عنده الصب اعتبا
سلام كبرء عند يأس من الشفا ... سلام كأمن المرء للقتل قربا
تحية مشتقا يبث تشوّقاً ... أقام بساحات الفؤاد وطنبا
وإني أبث الشوق وهو موزع ... نهاي وفكري والضمير المحجبا
стр. 104
وبي من سوى هذا عن البث غنية ... فعندك لي قلب مناجيك معربا
يسير إذا ما سرت شرقاً مشرقاً ... ويسري إذا ما سرت غرباً مغرباً
كحرباء شمس لا تزال تؤمها ... ولكن في ودّه ليس قلبا
وإن بجسمي منه أعظم غيرة ... على كونه رهناً لديك مطنبا
ومن قلم يسعى إليك براسه ... يؤديك قبلي مالك الود أوجبا
واغبط طرسي إذ يقبل انملا ... سيضحى بها عما قليل مقلبا
فدونكه سجفاً لعذراء قلدت ... عقوداً تسامي درّها أن ينقبا
ممنعة لم ترض غيرك كفأها ... من الخلق طرا حيث كنت لها أبا
فأسبل عليها بعد رفعك سجفها ... من الستر ما يضفو وزدها تقربا
فما زلت محمود الشمائل من راي ... كمالك حدث السن ظنك أشيبا
بقيت على مرّ الجديدين سالماً ... وربعك مأهولاً ومغناك مخصبا
فكتب إليه الجواب بسرعة يكاد كون بديهة وهو
لعمرك يا رب البلاغة والحبا ... ومالك رق الفضل شرقاً ومغربا
وبدر سماء المجد بل شمسها التي ... أنارت بها طرق الرياسة والابا
وراقي ذري العلياء بالهمة التي ... تعدّ لها شهب المجرة مشربا
وجامع أشتات المفاخر كلها ... تراثاً وكسباً رائضاً كل أصعبا
لقد ظلت تهدي من بحار فضائل ... جواهر تاج درها لن يثقبا
وأبرزت من خدر القريحة كاعباً ... عروساً عن المملوك لن تتحجبا
وكم رامها غيري فعز لقاؤها ... ولم يحظ من ممنوعها بسوى نبا
يقل لها بذل النفوس صداقها ... وتكبر عن قولي تحل لها الحبا
فشرفت قدري إذ بعثت أخا العلا ... إليّ بها عقداً من الدر معجبا
وروضاً مريعاً يانعاً متضوّعا ... شذاه يرد المسك من نافج الظبا
بل كل بيت منه روض مدبج ... بأفنانه غنى هزار فأطربا
طفقت بها جذلان يرتع ناظري ... بجنات حسن يالها متقلبا
بها كل معنى تشتهي النفس أو به ... تلذ عيون أبصرت ثم مأربا
فمن لي بشكوى يا ابن ودّي ومن له ... يظل لسان الدهر بالمدح مطنبا
ومن هو أشهى من حياتي التي إذا ... أراه لها روحاً إليها محبباً
ومن بجميل الراي فيه تملكت ... مودته منى الضمير المحجبا
يقوم ببعض من حقوق تتابعت ... عليّ وفضل من هوى النفس أطيبا
فلا زلت تولينا الجميل مشنفاً ... مسامعنا يا من له الله قد حبا
стр. 105
الملا علي بن الملا قاسم
بن نعمة الله الشيرازي المكي
إمام المعاني والبيان. والمغني فضله عن الايضاح والتبيان. ومن عليه المعول. في بيان كل مختصر ومطول. هصر أفنان الاقتنان. ونطق عن لسان الاحسان. وسمع فوعى. وجمع فأوعى. وجاء منقطع القرين يكاثر بمحفوظاته رمال يبرين. إلى هدى ورشاد. وصلاح أسس بنيانه وشاد. وأما الأدب فهو جذيله المحكك وعذيقه المرجب. والمعمل فيه يده ولسانه وضميره المحجب. إن نثر فالنثرة في قلق. أو شعر عاذت الشعرى برب الفلق. وهو شيرازي المحتد. حجازي المولد. وجده الرابع من آبائه. الناهضين بأثقال الفضل وأعبائه. هو الشيخ ظهير الدين. أحد العلماء المهتدين. كان له بشيراز مدرسة وطلبه. ورتبة أحرز بها من الخير ما طلبه. جامع بين الحقيقة والشريعه. واصل إلى مراتب الفضل بأوثق ذريعه. وولد الملا على هذا بمكة المشرفة ونشأ بها. ولحظته بالسعادة عناية ربها. فأكب على طلب العلم وتحصيله. وتأثيل الفضل وتأصيله. حتى ظهر شانه. وتهدلت بفنون العلم أفنانه. فلما نبابه الوطن. وضاق عنه العطن. ارتاج السفر. وأمل حصول الظفر. وامتثل قول الأول وإذا نبابك منزل فتحول فدخل العجم أولاً والهند ثانياً. وراح لعنانه عن أوطانه ثانياً. فاختطفته المنيه. في بعض البلاد الهنديه. أنضر ما يكون شباباً. وأحكم ما يكون أسباباً. وذلك في عام إحدى وخمسين وألف. رحمه الله تعالى. وهذه نبذة من نثره المعجب. وكلامه المعرق المنجب. فمنه ما كتبه إلى الشيخ حنيف الدين ابن الشيخ عبد الرحمن المرشدي مراجعاً وهو بقرية السلامة من أعمال الطائف. ما ألحان السواجع في حدائق ذات بهجة تحتها الأنهار. وما ترجيع البلابل على أغصان خميلة رنحتها نسائم الأصائل والأسحار. بأطيب من تسجيع كتاب جمع الفضائل. فهزم جمع الأفاضل. وحاز أزهار فصاحة تقصر عنها يد المتناول. وإن اقتطفها منشئه بأطراف الأنامل. أزكى لهيب الأشواق بلطائف عباراته. فهيج أشجان الفؤاد وما يدري. وأضرم نيران الفراق بمحاسن إشاراته. فكأنما أثار بهذا طائراً كان في صدري.
أتاني كتاب لو يمرّ نسيمه ... بقبر لأحيا نشره صاحب القبر
وذكرني شوقاً وما كنت ناسياً ... ولكنه تجديد ذكر على ذكر
لله دره من كتاب ينعش الافئدة كما ينعش العليل نسيم السلامه. ويفعل بألباب ذوي الآداب ما يقصر عن مثل طلا الحبيب ونشوة المدامه. أزرت جواهره المنثورة بالعقد الثمين في جيد الحسنا. وقضت دراري الأفلاك بأن زواهر ألفاظه المشرقة أبهى وأسنى. ما استغرب الفكر تشييد معالي مبانيه الفائقه. ولا استنكر نسيم خمائل معانيه الرائقه. لعلمه بأن مولانا هو الذي أتقن هذا البناء وأحكم. حتى يقول من أين هذا النفس الطيب بل قال شنشنة أعرفها من أخزم. لا زلتم تحيون بهذه الآثار مآثر سيدنا الذي كان في العلوم كضوء على علم. وتثبتون في صفائح الصحائف ما يقال عند رؤيته ومن يشابه ابه فما ظلم. هذا وقد اشتغل اليراع بوصف ذلك الكتاب عن ذكر ألقاب ناظم عقده. وتاه في طيار مدحه فطوى الكشح عن نشر صفحات مفوف برده. علماً بقصوره عن مطاولة هذا الأمر بذلك الجسم الضئيل. واعترافاً بعجزه عن محاولة ما لم تصل إليه بلاغة الصاحب ولا تفي به مهارة الخليل. فالمملوك يعتذر في هذا الباب بنظير ما اعتذر به ذلك المولى. ويعتقد أن القاب مولانا هي أحرى بتلك المعذرة وأولى. فإنه نهر من بحر فضلكم الوافر. وغصن من دوح مجدكم الزاهر. على أن مولانا لا يتأثر مجده الرفيع بعدم انتصاب القلم في مقام المدح والاطرا. ولقد غنى مقامه المنيع عن أن يدع من رام حصر القابه يقدم لحصره رجلاً ويؤخر أخرى شعر
من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيءٌ ولا يضع
نرجع إلى ما يجب من اهداء سلام تصدح به حمائم القلوب في خمائل الود وغياضه. وتترنم صوادح الأنس بفنونه على أفنان حدائق الاخلاص ورياضه. وأما الشوق إلى ذلك الجناب الكريم. والمحيا السامي الوسيم. فالشاهد العدل في اثباته ما استتر في ضميركم الذي لا يعتريه الزلل ولا يأتيه الباطل. فلذلك كان هو مغنى اللبيب عن التصدي لشره الذي يطول عن غير طائل.
وما شوق أعرابية بان دارها ... وحنت إلى بان الحجاز ورنده
بأكثر من شوقي إليكم وإنما ... رماني زماني بالبعاد بجده
стр. 106
والمأمول من فضل تلك البراعة هو الجريان على ما سبق من الاتحاف بآثارها التي تشرح الأفئدة والصدور. وتدبج ديباجة الطروس والسطور. وتذكى نار القريحة بعد خمودها. وتجري أنهار الأفكار غب جمودها. فإن بعد العهد عن مكاتبة مولانا هو السبب في تنميق هذه الألفاظ المنحلة العرى. وطول زمان الفترة هو الموجب لتلفيق هذه الكلمات التي هي كما ترى. بعد أن كان المملوك على ما قيل ينظم من بديع الألفاظ قلائد العقيان. ويزف من عرائس الأفكار ما يقصر عن نيله يد الاكفاء والأقران. لكن المرجو بعد مراسلتكم البهية رجوع تلك الملكة ولو بعد حين. ولا يؤمن مع الترك أن يؤدي الحال إلى الانتظام في سلك الصورة التي طبعت من صلصال أو طين. وليس المخلص في هذا الملتمس كالباحث عن حتفه بظلفه. والجادع ما رن أنفه بكفه. لأنه بان على أن يكون ممن يلقى السلاح عند الكفاح. ويسعى حال المجاوبة في سلوك جادة السداد والصلاح. فإن صادف المحز فمرحباً بالوفاق وإن كان دونه مناط الفرقد. وإن أخطأ الغرض أو فاته الشنب فما هو أول من عاوض الدر بالودع واحكم أن يشبه الشبه بالعسجد. ولقد سرنا خبر وصولكم بالسلامة إليها. وما صادفتم من رخص الاسعار عند الوفود عليها. لا زالت سحائب الخير تحل حيث حلت ركائبكم. ولا برحت نوائب الضير ترحل عن سوح تناخ فيه نجائبكم شعر
تحيا بكم كل أرض تنزلون بها ... كأنكم لبقاع الأرض أمطار
ومنه ما كتبه إلى الشيخ تقي الدين السنجاري وقد طلب منه اعارة الزيج وشرحه شعر
حسبت لصبري والسلو منجماً ... فجاء من الهجران ما ليس يحسب
وساءلت تقويم الهوى عن صبابتي ... فقال لي التقويم صبرك يغلب
اللهم يا من زين السماء الدنيا بزينة الكواكب. وأودع في الأفلاك بحكمته الأنجم الثوابت والشهب الثواقب. نسألك أن تديم مولانا الذي أشرقت شموس علومه. من مقر الفلك التاسع. وبزغت نجوم فهومه فلو تأخر زمان القطب لحام حول شعاعها الساطع. وتم بدر كماله مصوناً عن كلف البدر ونقص الأهله. وامتد محيط فضله الغني عن اقامة البراهين والأدله. فأضحى يقر له بالفضل كل محقق. ويقضي له بالسعد كل منجم. أدامه الله لتحقيق كل عويصة ودقيقه. وأعلى به درجات الفضل وقوم به نهجه وطريقه. ولا زالت فضائله مذكورة بألسنة الأقلام وأفواه المحابر. ولا برحت محامده مسطورة في صدور المحارق وبطون الدفاتر. المعروض بعد اهداء سلام يخجل النيرين عند سطعه واشراقه. وعرض اشتياق يفحم اللسانين عن وصف بزوغ كواكبه من مطالع الود وآفاقه. وصول الكتاب المحوي على أزاهر الرياض وزواهر الأفلاك. المشتمل على ما هو أبهى من جواهر العقود ولآلىء الاسلاك. فحمدنا الله على صحة تلك الذات التي لم تزل تتردد في بروج المعالي. ولم تبرح تحل من منازل الاخلاء القلب ومن سماء العز أوجها العالي. وقوبل بالامتثال ما تضمنه ذلك المثال المثيل. وأرسل كلا الكتابين ومعهما من تعلق الخاطر ما يقصر عن بيانه الاجمال والتفصيل. إلا أن المخلص صار يضرب أخماسه في أسداسه. ويستعمل في أخذ الارتفاع سائر أنواعه وأجناسه. فيرفع الاسطرلاب تارة ويضعه. ويلحظ التقويم مرة ويدعه. ليعلم الخائض مع مولانا في جداول هذا الفن الذي جل عن إقامة البرهان صعوبة دقائقه الخفيه. وأبت مسائله أن تكلم الناس إلا رمزاً سيما من كان كمولانا منزهاً عن علة العجمة معدوداً من أعيان فرسان العربيه. فما أسعف الطالع باهتداء الفكر إلى من له طاقة على أن يدخل معكم من هذا الباب. اللهم إلا أن قيل أعجمي فافعل به ما شئت أو يقتبس بالالهام وليس الثاني بمستنكر فالله يرزق من يشاء بغير حساب. وكتب إلى القاضي شهاب الدين أحمد ابن القاضي حسن وكان قد توجه إلى الديار اليمنيه. ليتوصل منها إلى الأقطار الهنديه. فتعذر عليه ذلك فرجع دون الوصول إلى المقصود ولما وصل إلى جدة كتب إليه هذا الكتاب مهنئاً بالقدوم. وسالكاً في بعض فقره مسلكاً هو لديه معهود ومعلوم.
ربع الحمى مذ حللتم معشب نضر ... بروق أكنافه يزهو بها النظر
لا كان وادي الغضا لا تنزلون به ... ولا الحمى سح في أرجائه المطر
ولا الرياح وإن رقت نسائمها ... إن لم تعد نشركم لاضمها سحر
стр. 107
ولا خلت مهجتي تشكو رسيس جوى ... وحر قلبي بربا حبكم عطر
ولا رقت عبرتي حتى يكون لمن ... ذاق الهوى وضنا في عبرتي عبر
أحمد من أعاد إلى الآفاق الحرمية شهابها الذي بزغ من أسعد المطالع. بل نيرها الذي له تسجد الأقمار وهي طوالع. بل نحريرها الذي حل بفهمه الثاقب أشكال أشكال التحرير. وبر بذهنه الصائب تسيير الكواكب فوافق تدبيره التقدير. وانتهى بطبعه القويم إلى منتهى العلم ونهاية الادراك. واعتلي بذهنه الغنى عن التقويم على منازل الأنجم ومراتب الأفلاك. لا زال سالكاً مسالك قواعد الارشاد إلى سبل الشرائع. ناهجاً مناهج الاهتداء إلى ما هو منتهى المطلب من جادة الذرائع. بها مفترعاً من صهوة علم الفروع ذروتها الرفيعه. مقتطفاً من سائر الفنون أزهار مسائلها البديعه. وأنهى إلى السمع الكريم. بعد اهداء شرائف التحية والتسليم. إن مولانا لما توجه تلقاء الديار اليمنيه. وزمت رحاله عن هذه الأقطار الحرميه. ألم يوماً يقصر عنه ألم مفارقة الروح للجسد. وصادمت شواهق الأشواق فلقيت ما لم يلقه قبلي أحد. وأزفت حشاشة النفس على الرحيل عند الوقوف مع مولانا في موقف التوديع. وسارت حيث سار ذلك المولى فلم أدر أبداً أي الظاعنين بالتشييع. وأنشد لسان الحال. متمثلاً بقول من قال.
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق
فلما أن جاء البشير يخبر وصولكم الذي هو عند المخلص ألذ من نيل الوصل لدى صريع الغواني. وأشهى إلى الأسماع من رنات الأنغام ونوادر الأغاني. وأجل موقعاً من غفلة الكاشح وفقد الرقي. وأعظم خطراً من تبلج صج الوصال لمتيم أوقعته المواعيد في شك مريب. كاد المحب أن يجعل مهجته صلة لهذه البشرى. وأن يجود بالنفس الناطقه لولا أنه تذكر تمتعها بذلك الجناب فشفعه الذكرى ولله در القائل شعر
لولا تمتع مقلتي بلقائه ... لوهبتها بمبشري بإيابه
على أن الروح في الحقيقة تقفوا أثر المولى الذي به انتعاش النفوس والمهج. وتحل حيث حلت ذاته التي يصير النازح عنها ذا كبد حراء ومقلة من نجيع الدمع في لجج. فلا مجال في هذا المقام لبذل النفوس وخلع الأرواح. فقد قيل الجود من الموجود وليس ها هنا سوى الصور الخالية والأشباح.
لو أن روحي في يدي ووهبتها ... لمبشري بقدومه لم أنصف
وقد كان المخلص استشعر تقشع سحائب الفراق. وترقب تبدل وحشة الهجر بلذة التلاق. وذلك لتجاوز ألم الصد عن غايته وجده. ووصوله إلى القدر الذي كاد ينعكس فيه إلى ضده. ولقد سلكتم من الراي الحسن منهجه القويم. وتمسكتهم في ذلك بالعروة الوثقى والصراط المستقيم. حيث وليتم الوجه شطر المسجد الحرام ورجحتم جهة المقام في سوح هذا المقام. فتحلى جيد تلك الشيم الوفية بحب الوطن الذي هو من الايمان. وتنزه ذلك الجنان الكريم عن الجفوة الكائنة فيمن يستبدل أهلاً بأهل وجيراناً بجيران. وستشكرون سعيكم إلى هذا السوح الذي يمدح قاصده ويحمد وتحمدون السرى إذا انجلى صبح الآمال بعد الرجوع فيتبين لكم أن العود أحمد. ولله در الطغرائي حيث قال شعر
وللنجم من بعد الرجوع استقامة ... وللحظ من بعد الذهاب قفول
يا مولانا هلم إلينا فقد علمت تزايد لواعج الشوق بقرب المزار. وتضاعف آثار الهجر إذا دنت الديار من الديار. فالأولى حسم مادة النزاع بالوصول إلى هذه المشاعر فإن ذلك بالاخلاء ارفق وانسب. وإلى سلوك التوفيق أدنى وأقرب. والسلام ومنه ما كتبه عن لسان الوالد مراجعاً بعض أعاظم أبناء الأشراف عن كتاب يشتمل على أبيات خمرية وأشعار تتضمن البقاء على حفظ الوداد. وسلوك جادة الوفاء في حالتي القرب والبعاد. وذلك في شهر رمضان من سنة اثنتين وأربعين وألف قوله
ما الورد ينضح بالندى أثوابه ... والروض يهتك بالحيا جلبابه
والهائم الممطول فاز بوصله ... والاشيب الموخوط عاد شبابه
والنازح المهجور يقرع ليله ... بيدي حبيبته المليحة بابه
أوفى وأوفر بهجة ومسرة ... منى إذا وافى إليّ كتابه
стр. 108
بأي عبارة أصف براعة ذلك الكتاب الذي قد انفرد في بابه. وبأي يراعة أرتجم عن جزالة ذلك الرقيم الذي غدا كهف أهالي الأدب وأربابه. وكيف يجول جواد القلم في هذا الميدان الذي هو بيد المنال. أم كيف يجيد المدره في وصف هذا المدرج الذي هو عديم النظير والمثال. قسماً ببلاغة تلك الكلمات البارعه. وبروضة فصاحتها التي قطوفها داني وثمارها يانعه. لو استنزلت دراري الأفلاك وسبكتها في قوالب المباني. والتقطت لطائف فن البيان ودقائق البديع من علم المعاني. مستعيناً بالموروث من بلاغة الأجوبة الهاشميه. مستعملاً ما هو مقتضى الغرائب من العلوية والفطر الفاطميه. لعجزت عن الجواب الذي يضاهي كتاباً نسجته أنامل سيد الأدباء الأفاضل. وقدوة الأشراف الأماثل. ذي النسب الذي ضربت على قمة الفلك قبابه. والحسب الذي ينبئك عن شأنه الرفيع مقوله وكتابه. المستند على مساند العزة الباذخه. المستولي على مراتب الرفعة الشامخه. المتقدم في ميدان المناضلة والمناظره. البارز في حلبتي المشاجرة والمفاخره. المحتوي على فضائل ذوي الأحساب والأنساب. المنتهي إلى المرتبة التي يقصر عن وصفها الاطناب والاسهاب. سيدنا ومولانا السيد محمد. أدام الله عزه الثابت الموطد. أما بعد فالمنهي أن المخلص مستمسك بالود الذي ما شيبت عروته الوثقى بالانفصام. ومستوثق بالمواثيق التي ما شينت قط بالنقض والانصرام
نحن الأولى بوفاء العهد يعرفنا ... جل العباد وفي الحالات نرعاها
لا نقطع العهد والأسياف تقطعنا ... ولا نحول وكأس الموت نسقاها
وأما الاشتياق إلى تلك الأخلاق الحسنة المرضيه. والشمائل العلوية المحمديه. فدون الوصول إلى غايته يكبو جواد اليراع والبيان. وقبل البلوغ إلى محزه يصدأ مرهف الفكر إذا تصدى للبيان.
إذا رأيتم سنا برق يلوح دجى ... فإنه شعلة من نار أشواقي
ولقد كان المخلص في الغاية القصوى من ألم الهجر والبعاد. ووحشة الأحزان الكامنة في صميم الفؤاد. إلى أن ورد كتابكم الذي إلى رقة ألفاظه ينتسب النسيم. وفي دقة معانيه يتيه قلب المعنى ويهيم. ومن طوقه ترى طوراً حلبة الكميت وأخرى ديوان الصبابه. وعن نهجه لا يعدل من سلك في الهوى مسالك الاجادة والاصابه.
فذكرني شوقاً وما كنت ناسياً ... ولكنه تجديد ذكر على ذكر
والمأمول عدم العدول عن سنن المخاطبة بألسنة الأقلام. فإن ذلك اطفاء نائرة الآلام. وايقاد نبراس مشكاة الافهام. ولا يمنع مولانا من ذلك ما ذكره من عدم توفر الكتب الأدبية لديه. وفقد ما يرجع إليه في هذا الباب أو يعول عليه. فإن مولانا هو المجموع الجامع لفنون الأدب. الفائز بحيازة أساليب كلام العرب. وفي طبعه السليم ما يغنى عن حدائق المنثور وقلائد العقيان. وفي جوهر ذاته ما يكتفي به عما يؤثر من بلاغة قس وسحبان. وما تشبث به مولانا من البداوة التي استدعت خلافة طبائع الاعراب. واستبعث العدول عن جارة الصواب في صنعة الأدب وصناعة الاعراب فشواهد بعد اثرها من مولانا ظاهرة وباديه. ولطافة تلك الذات الكريمة قد طبعت في مرآة قلوب الحاضرة والباديه. هيهات أن تصدر هذه اللطائف الأدبية عمن يكون غذاؤه في الفيافي الأكمؤ والعساقل. لا بل تلك نتائج أفكار من ارتضع ثدي العلوم ونشأ في حجر الأفاضل. هذا ولا يخفى أن المخلص تيسر له الحوض في الأبحر الشعرية على وجه سلم من العوارض والعلل. وأنشد الفكر لما سبح في لجج بحره المديد لحظ أنا الغريق فما خوفي من البلل. فتوفر لنا من ذلك النصيب الكامل والحظ الوافر. وامتازت الأبحر المتشابهة عن بعضها وصار الفرق مثل الصبح ظاهر. والمأمول من كرم الله أن ييسر لنا نيل الفضائل على الوجه الأكمل. وأن يسهل لدينا كل ما أشكل من العلوم وأعضل. وينظمنا في سلك من يرى احيار رسوم السلامة من الأمور المهمه. ويصرفنا مجرد الافتخار بالعظم الرميم مع الافتخام في ظلم الجهالة المدلهمه. لنصير كمن وفق لتشييد ما أسسه الأوائل. وحق له أن يتمثل في هذا المقام بقول القائل.
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
стр. 109
وإليكم المعذرة في مقابلة تلك الجواهر بما قد شابه الشبه والودع. وفي معاوضة تلك المقدمات المسلمة بالكلمات التي سقط جميعها عن حيز الاعتبار فليت مما يقال فيه خذ ما صفا ودع.. فقد كتبت بغاية الانفعال والخجل. ونمقت في إبان تسلط سلطان النوم واستيلاء جيوش الكسل. إذ علمتم أن ليالي هذا الشهر الشريف تحكي ليل طب لا يهجع لفراق الحبائب. فلذلك ترى الناس سهارى كأنما عقدوا كل جفن بالحواجب وكان الأولى بالمخلص أن يغلق باب المجاوبة حيث عدم القدرة والطاقه. لكن سولت له نفسه الامارة أن يسلك جادة الخطأ بكتابة هذه البطاقه. وعلى كل حال فلسان العذر عن التقصير قصير فالأنسب أن يكتفى في هذا المقام بهذا البيت شعر
قد أجبنا قول الشريف يقول ... وأثبنا الحصى عن المرجان
ومنه ما كتبه إلى الشيخ أحمد بن محمد علي الجوهري وكل منهما في بلد من ديار الهند.
أأحبابنا إن عفتم السفح منزلاً ... وأخليتم من جانب الجرع موطناً
فقد حزتم دمعي عقيقاً ومهجتي ... غصناً وسكنتم من ضلوعي منحنا
لا زال شهاب سماء الفضائل ساطع السنا باهر الضيا حالاً في بروج المجد والجلال. راقياً غفى منازل السعد محروساً عن الأفول والزوال. مكلوأ عن حوادث الأيام والليال. مصوناً عن الرجعة إلا إلى آفاق الديار الحرميه. موصوفاً بالاستقامة في سائر أفعاله المرضيه. سالكاً من مناهج المعالي سبيلها الأرشد. وأصلاً في مراتب الأعالي الغاية التي يقول عندها لسان الدهر أحمد أحمد. المنهي بعد اهداء سلام سطعت من آفاق الوداد أنواره. وتفتحت في رياض الاتجاد أزهاره.
سلام كنشر الروض لف بمدرج ... يريك بديع الود في اللف والنشر
البقاء على الود القديم. والقيام بالدعاء الصادر عن قلب سليم. وأما الاشتياق إلى تلك الذات الحسنه. ذات الصفات المستحسنه. فيقصر عن تفصيله سلك التحبير والتحرير. وينفصم دون تبيينه عقد التعبير والتقرير
الشوق أعظم أن يحيط بوصفه ... قلم وإن يطوى عليه كتاب
والأحوال جارية عل نهج الاستقامه. ملابسة لملابس الصحة والسلامه. إلا أن النفس اشمأزت من كثرة الحل والترحال. ومرهف العزم قد اتصف بفرط النبوة والكلال. وسئمت الرواحل من التأويب والادلاج. وكلت الصواهل من توالي الالجام والاسراج.
طاب اغترابي حتى حف راحلتي ... ورحلها وقوى العسالة الذبل
وضج من لغب تضوي وعج لما ... ألقى ركابي ولج الركب في عذلي
وليت شعري متى يقع التخلص من نوائب الزمن. وبعد هذه الغيبة الكبرى كيف يكون الرجوع إلى الوطن
يا ليت شعري والأماني كلها ... برق يغرّك أو سراب يلمع
هل تربعن ركائبي في بلدة ... أم هكذا خلقت تخب وتوضع
في كل يوم منزل واحبة ... كالظل يلبث في المقيل ويخلع
ولولا فسحة الأمل. والتعلل بعسي ولعل. لاوشك الدخول في خبر كان. والاندراج في حيز الطرف الآخر من شقي الامكان. مع أن المخلص لم يزل في تقربه ملحوظاً بعين الرضا. محفوفاً باللطف فيما جرى به القضا. مشمولاً بالعناية الربانية في حله وترحاله. مغموراً بما يوجب مزيد الشكر وشكر المزيد في سائر أحواله. مصوناً عن الحالة التي أشار الحريري في أول أبياته التائيه إلى اتصاف القريب بها. مكلوأ عن متاعب السفر ومعاتبه التي يتجسم المسافر عرق القربة بسببها. ولكن هوى كل نفس حيث كان حبيبها. ومن مذهبي حب الحجاز وأهله. والانتظام في سلك ساكني الحرم وحله. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وأيامكم ممن استطاع إليه سبيلاً. ويهىء لنا العود إلى تلك المشاعر التي هي خير مستقراً وأحسن مقيلاً. هذا ولا نصدعكم بذكر ما لا يفي الوقت بتفصيله. ولا تشرئب النفس إلى سماع تفريعه وتأصيله. فإن سلوك سبيل الاجمال أجمل. وأصلين إلى أرفع المراتب. والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الأطهار. وصحابته الأخيار. وسلم. ولنقتصر من نثره على هذا القدر. ففيه ما تسرح فيه العين ويشرح به الصدر. وأما نظمه فقد اغتالته يد الشتات. ومني نظامه الباهر بعد حسن النسق بالبتات. ولم أقف منه الأعلى قوله في صدر كتاب
أناخ بسوحي جيش هم وأوجال ... وأضحى قرين القلب من بعد ترحال
стр. 110
وما قلّ ذاك الجيش غير صحيفة ... تجل لعمري عن شبيه وتمثال
أتت تسلب الألباب طرا كأنها ... ربيبة خدر ذات سمط وخلخال
أتت من خليل قربه غاية المنى ... ومنظره الأسنى غدا جل آمالي
فلا زال محفوظاً عن الحزن والأسى ... ولا زال محفوفاً بعز واجلال
وقد عارض بهذه الأبيات قول سهل بن هارون
تكنفني همان قد كسفا بالي ... وقد تركا قلبي محلة بلبال
هما أذ رياد معي ولم تذر أدمعي ... ربيبة خدر ذات سمط وخلخال
ولكنما أبكي بعين سخينة ... على جلل تبكي اله عين أمثالي
فراق خليل فقده يورث الأسى ... وخلة حر لا يقوم لها مالي
فواحزني حتى متى أنا موجع ... بفقد حبيب أو تعذر أفضال
ومن شعره أيضاً قوله مضمناً
ولما أتتني من جنابك نفحة ... تضوّع من أنفاسها المسك والند
وقفت فاتبعت الرسول مسائلاً ... وأنشدته بيتاً هو العلم الفرد
وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... جنوناً فزدني من حديثك يا سعد
والبيت المضمن وهو الأخير للعباس بن الأحنف وبعده
هواها هوى لم يعرف القلب غيره ... فليس له قبل وليس له بعد
ابنه
شهاب الدين أحمد بن الملا علي
شهاب طلع في سماء المكارم بدراً. وشرح لاقتناء المعالي والمآثر صدراً. فملك أعنة المحاسن. وورد من مناهلها عذباً غير آسن. إلى أدب لم يقصر في مداه عن غايه. ونظم رفع به للقريض رايه. ومكارم شيم وأخلاق. هي من نفائس الذخائر أعلاق. معسول ذوق الاخاء والمروه. عسال قنال الوفاء والفتوه. مع صفاء باطن وظاهر. وناهيك بفرع ينتمي إلى ذلك الأصل الطاهر. وشعره جزل الألفاظ حلو المعاني. أثبت منه ملحا عامرة الأبيات آهلة المغاني. فمنه قوله مادحاً الوالد وقد قصده بالديار الهندية سنة ١٠٧٤
سقى الله ربعاً بالأجارع من نجد ... وحيا الحيا وادي الاراكة والرند
مغان بها كان الزمان مساعدي ... بأفنان بشر من أسرته يبدي
وريم إذا ما لاح ضوء جبينه ... بفرع حكى ليل التباعد من هند
أرانا محيا كالغزالة في الضحى ... أو البدر في برج التكامل والسعد
له مقلة وسناء ترشق أسهماً ... تصيب الحشى قبل الجوارح والجلد
وثغر إذا ما ضاء في جنح دامس ... توهمت دراً قد تنضد في عقد
يدير به ظلماً كأن مذاقه ... جنا الطلع أو صرف السلاف أو الشهد
وتالع جيد ما الغزالة إن عطت ... بمنعرج الجرعاء طالبة الورد
وصعدة قدّ أن نقل غصن النقا ... يقول لنا هيهات ما ذاك من ندى
وردف تشكي الخصر اعياء ثقله ... فناء به حتى تضاءل عن جهد
فلله هاتيك الليالي التي خلت ... وعوّضت عنها بالقطيعة والبعد
وأصبحت والأحشاء يذكو لهيبها ... أليف النوى حلف الجوى دائم السهد
أروح وأغدو واجداً بين أضلعي ... لهيب جوي لم يخل يوماً من الوقد
أعض بناني حسرة وتأسفاً ... وأندب عصراً لم أبت خالياً وحدي
وأرسل دمعاً كالغمام إذا همى ... فهيهات أن يغنى التأسف أو يجدي
إلى الله أشكو جور دهر إذا عدا ... على المرء حاجاه بالسنة لدّ
وقائلة والعيس يزعجها النوى ... وعبرتها كالطل يسقط في الورد
لبئس المنى أن تقطع البيد بالسرى ... وترحل عن وادي المحصب للهند
فقلت لها والله ما القصد منية ... ولا نيل سؤل من عروض ومن نقد
ولكن لا قضى شكر سالف نعمة ... مشيدة الأركان بالأب والجد
لا كرم مولى البست يده الورى ... مطارف نعماء تجل عن الحد
следующие страницы →