← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

اشتملت عليه من المصالح في القلوب والأبدان، وتلقَّاها صافيةً من مشكاة النبوة، وأحكم العقدَ بينها وبين الأسماء والصفات التي لم يَطمِسْ نورَ حقائقها ظلمةُ التأويل والتحريف. فصل وأما جمعُها بين الماء والتراب في التطهير، فلله ما أحسنه من جَمعٍ، وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفِطَر المستقيمة! وقد عقد الله سبحانه الإخاءَ بين الماء والتراب قدرًا وشرعًا، فجمعهما الله ، وخلَق منهما آدم وذريته، فكانا أبوين اثنين لأبوينا وأولادهما؛ وجعل منهما حياةَ كلِّ حيوان، وأخرج منهما أقواتَ الدَّوابِّ والناس والأنعام. وكانا أعمَّ الأشياء وجودًا، وأسهلَها تناولًا. وكان تعفيرُ الوجه في التراب لله من أحبِّ الأشياء إليه. ولما كان عقدُ هذه الأخوة بينهما قدرًا أحكمَ عَقْدٍ وأقواه كان عقدُ الأخوة بينهما شرعًا أحسنَ عَقْدٍ وأصحَّه. ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ [٣٤٦/ب] فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٦]. فصل فهذا ما يتعلَّق بقول أمير المؤمنين ﵁: «واعرف الأشباه والنظائر»، وفي لفظ: «واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله وأشبَهِها بالحق». فلنرجع إلى شرح باقي كتابه. ثم قال: «وإياك والغضب، والقلق (١)، والضجر، والتأذِّيَ بالناس،

стр. 1157

والتنكُّرَ عند الخصومة، أو الخصوم ــ شكَّ أبو عبيد ــ فإن القضاء في مواطن الحقِّ مما يُوجِب الله به الأجر، ويُحسِن به الذخر». هذا (١) الكلام تضمَّنَ (٢) أمرين: أحدهما: التحذير مما يحول بين الحاكم وبين كمال معرفته بالحق، وتجريد قصده له؛ فإنه لا يكون خير الأقسام الثلاثة إلا باجتماع هذين الأمرين فيه. والغضبُ والقلق والضجر مضادٌّ لهما، فإن الغضب غُول العقل يغتاله كما تغتاله الخمر. ولهذا نهى النبيُّ ﷺ أن يقضيَ القاضي بين اثنينِ وهو غضبانُ (٣). والغضب نوع من الغلق والإغلاق الذي يُغلِق على صاحبه بابَ حسن التصور والقصد. وقد نصَّ أحمد على ذلك في رواية حنبل، وترجم عليه أبو بكر في كتابيه «الشافي» و «زاد المسافر»، وعقَد له بابًا، فقال في كتاب «الزاد»: باب النية في الطلاق وذكر الإغلاق. قال أبو عبد الله في رواية حنبل (٤): عن عائشة سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا طَلاقَ ولا عَتاق في إِغْلاقٍ» (٥) فهذا

стр. 1158

الغضب. وأوصى بعضُ العلماء لوليِّ أمر فقال [٣٤٧/أ]: إياك والغلَق والضجر، فإن صاحب الغلَق لا يقدم عليه حقٌّ (١)، وصاحبُ الضجر لا يصبر على حقٍّ (٢). والأمر الثاني: التحريض على تنفيذ الحق، والصبر عليه، وجعل الرضا بتنفيذه في موضع الغضب، والصبر في موطن (٣) القلق والضجر، والتحلِّي به واحتساب ثوابه في موضع التأذِّي. فإن هذا دواء ذلك الداء الذي هو من لوازم الطبيعة البشرية وضعفها، فما لم يصادفه هذا الدواءُ فلا سبيل إلى زواله. هذا مع ما في التنكُّر للخصوم من إضعاف نفوسهم، وكسر قلوبهم، وإخراس ألسنتهم عن التكلُّم بحججهم خشيةَ معرَّة التنكُّر. ولا سيما أن يتنكَّر لأحد الخصمين دون الآخر، فإن ذلك الداء العُضال. وقوله: «فإن القضاء في مواطن الحقِّ مما يُوجب الله به الأجر، ويُحسن به الذخر». هذا عبودية الحكام وولاة الأمر التي تراد منهم. ولله سبحانه على كلِّ أحد عبودية بحسب مرتبته، سوى العبودية العامَّة التي سوَّى بين عباده فيها. فعلى العالم من عبوديته نشرُ السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما

стр. 1159

ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره. وعلى الحاكم من عبودية إقامةِ الحقِّ وتنفيذِه، وإلزامِ مَن (١) عليه به، والصبرِ على ذلك، والجهاد عليه= ما ليس على المفتي. وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير. وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما. وتكلَّم يحيى بن معاذ الرازي يومًا في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي [٣٤٧/ب] عن المنكر، فقالت له امرأة: هذا واجب قد وُضِعَ عنَّا. فقال: هبي (٢) أنه قد وُضِعَ عنكنَّ سلاحُ اليد واللسان، فلم يُوضَع عنكن سلاحُ القلب. فقالت: صدقتَ، جزاك الله خيرًا. وقد غرَّ إبليسُ أكثرَ الخلق بأن حسَّن لهم القيامَ بنوعٍ من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطَّلوا هذه العبوديات، فلم يحدِّثوا قلوبَهم بالقيام بها. وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقلِّ الناس دينًا، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به. فتاركُ حقوق الله التي تجب عليه أسوأُ حالًا عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي؛ فإنَّ تركَ الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجهًا ذكرها شيخنا (٣) في بعض تصانيفه (٤).

стр. 1160

ومن له خبرةٌ بما بعث الله به رسولَه وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أنَّ أكثرَ من يشار إليهم بالدين هم أقلُّ الناس دينًا، والله المستعان. وأيُّ دين وأيُّ خير فيمن يرى محارمَ الله تُنتهَك، وحدودَه تُضاعُ، ودينَه يُترَك، وسنَّةَ رسوله (١) يُرغَب عنها؛ وهو بارد القلب، ساكت اللسان، شيطان أخرس؟ كما أن المتكلِّم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سَلِمت لهم مآكلُهم ورياساتُهم فلا مبالاةَ بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزِّن المتلمِّظ (٢). ولو نُوزِع في بعض ما فيه غضاضةٌ عليه في جاهه أو ماله بذَل وتبذَّل وجدَّ واجتهَد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه. وهؤلاء ــ مع سقوطهم من عين الله، ومقتِ [٣٤٨/أ] الله لهم ــ قد بُلُوا في الدنيا بأعظم بليَّةٍ تكون، وهم لا يشعرون. وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتمَّ كان غضبُه لله ورسوله أقوى، وانتصارُه للدين أكمل. وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرًا: أنَّ اللهَ سبحانه أوحى إلى مَلَكٍ من الملائكة أن اخسفْ بقرية كذا وكذا. فقال: يا ربِّ كيف وفيهم فلانٌ العابدُ؟ فقال: به فابدأْ، فإنه لم يتمعَّرْ وجهُه فيَّ يومًا قطُّ (٣).

стр. 1161

وذكر أبو عمر في كتاب «التمهيد» (١) أنَّ الله سبحانه أوحى إلى نبيٍّ من أنبيائه أنْ قُلْ لفلانٍ الزاهد: أمَّا زُهدُك في الدنيا، فقد تعجَّلْتَ به الراحةَ. وأما انقطاعُك إليَّ، فقد اكتسبْتَ به العزَّ. ولكن ماذا عملْتَ فيما لي عليك؟ فقال: يا ربِّ، وأيُّ شيءٍ لك عليَّ؟ قال: هل واليتَ فيَّ وليًّا، أو عاديتَ فيَّ عدوًّا؟ فصل قوله: «فمن خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس. ومن تزيَّنَ بما ليس فيه شانه اللهُ» هذا شقيق كلام النبوة، وهو جدير بأن يخرج من مشكاة المحدَّث الملهَم. وهاتان الكلمتان من كنوز العلم، ومَن أحسن الإنفاقَ منهما نفَع غيرَه، وانتفَع غايةَ الانتفاع. فأما الكلمة الأولى فهي منبعُ الخير وأصلُه، والثانية أصلُ الشرِّ وفصلُه. فإن العبد إذا خلصت نيتُه لله وكان قصدُه وهمُّه وعملُه لوجهه سبحانه كان الله معه، فإنه سبحانه مع الذين اتقَّوا والذين هم محسنون. ورأس التقوى والإحسان خلوصُ النية لله في إقامة الحق. والله سبحانه لا غالب له، فمَن كان معه [٣٤٨/ب] فمَن ذا الذي (٢) يغلبه أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع

стр. 1162

العبد فممَّن (١) يخاف؟ وإن لم يكن معه فمَن يرجو وبمَن يثق؟ ومن ينصره من بعده؟ فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولًا، وكان قيامُه بالله ولله، لم يقُم له شيءٌ. ولو كادته السماواتُ والأرضُ والجبالُ لكفاه الله مؤنتَها، وجعل له فرَجًا ومخرجًا. وإنما يؤتى العبد من تفريطه أو تقصيره (٢) في هذه الأمور الثلاثة، أو في اثنين منها، أو في واحد. فمن كان قيامه في باطل لم يُنصَر، وإن نُصِرَ نصرًا عارضًا فلا عاقبة له، وهو مذموم مخذول. وإن قام في حقٍّ، لكن لم يقُم فيه لله، وإنما قام لطلب المحمَدة والشكور والجزاء من الخلق، أو التوصُّلُ إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولًا، والقيامُ في الحق وسيلة إليه= فهذا لم تُضْمَن له النصرة. فإن الله إنما ضمِن النصرةَ لمن جاهد في سبيله، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمن كان قيامه لنفسه ولهواه؛ فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين. وإن نُصِر فبحسب ما معه من الحق، فإن الله لا ينصُر إلا الحقَّ. وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر، والصبرُ منصورٌ أبدًا. فإن كان صاحبه مُحِقًّا كان منصورًا له العاقبة، وإن كان مُبطلًا لم تكن له عاقبة. وإذا قام العبد في الحقِّ لله، ولكن قام بنفسه وقوته، ولم يقُم بالله مستعينًا به، متوكلًا عليه، مفوِّضًا إليه، بريئًا من الحول والقوة إلا به= فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من [٣٤٩/أ] ذلك.

стр. 1163

ونكتة المسألة أن تجريد التوحيدين في أمر الله لا يقوم له شيء البتة، وصاحبه مؤيَّد منصور، ولو توالت عليه زُمَر الأعداء. قال الإمام أحمد (١): ثنا [أبو] (٢) داود، أنبأنا شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: «من أسخطَ الناسَ برضا الله كفاه اللهُ الناسَ. ومن أرضى الناسَ بسخطِ الله وَكَلَه إلى النَّاس». والعبد إذا عزَم على فعل أمرٍ، فعليه أن يعلم أولًا هل هو طاعة لله أم لا؟ فإن لم يكن طاعةً فلا يفعله إلا أن يكون مباحًا يستعين به على الطاعة، وحينئذ يصير طاعة. فإذا بان له أنه طاعة فلا يُقْدِم عليه حتى ينظر هل هو معان عليه أم لا؟ فإن لم يكن معانًا عليه فلا يُقدِم عليه، فيُذِلَّ نفسه. وإن كان معانًا عليه بقي عليه نظر آخر، وهو أن يأتيه من بابه. فإن أتاه من غير بابه أضاعه، أو فرَّط فيه، أو أفسد منه شيئًا. فهذه الأمور الثلاثة أصل سعادة العبد وفلاحه. وهي معنى قول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٥ - ٦]. فأسعَدُ الخلق أهلُ العبادة والاستعانة والهداية إلى المطلوب، وأشقاهم من عدِم الأمورَ الثلاثة. ومنهم من يكون له نصيب من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ونصيبُه

стр. 1164

من ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ معدوم أو ضعيف؛ فهذا مخذول مَهين محزون. ومنهم من يكون نصيبُه من ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قويًّا، ونصيبُه من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ضعيفًا أو مفقودًا؛ فهذا له نفوذ وتسلط وقوة، [٣٤٩/ب] ولكن لا عاقبة له، بل عاقبته أسوأ عاقبة. ومنهم من يكون له نصيبٌ من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولكن نصيبه من الهداية إلى المقصود ضعيف جدًّا، كحال كثير من العُبَّاد والزُّهَّاد الذين قلَّ علمُهم بحقائق ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق. وقول عمر: «فمن خلصت نيته في الحقِّ ولو على نفسه» إشارة إلى أنه لا يكفي قيامُه في الحق لله إذا كان على غيره، حتى يكون أولَ قائم به على نفسه، فحينئذ يُقبَل قيامُه به على غيره، وإلا فكيف يُقبَل الحقُّ ممن أهمل القيامَ به على نفسه؟ وخطب عمر بن الخطاب يومًا وعليه ثوبان، فقال: أيها الناسُ ألا تسمعون؟ فقال سلمانُ: لا نسمَعُ. فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمتَ علينا ثوبًا ثوبًا، وعليك ثوبانِ، فقال: لا تعجلْ. يا عبد الله، يا عبد الله. فلم يجبْه أحدٌ. فقال: يا عبد الله بن عمر. فقال: لبيك يا أميرَ المؤمنين. فقال: نشدتُك اللهَ، الثوبُ الذي ائتزرتُ به أهو ثوبُك؟ قال: اللهم نعم. فقال سلمانُ: أمَّا الآنَ، فقلْ نسمَعْ (١).

стр. 1165

فصل وأما قوله: «ومن تزيَّن بما ليس فيه شانَه اللهُ». لما كان المتزيِّنُ بما ليس فيه ضدَّ المخلص ــ فإنه يُظهِر للناس أمرًا وهو في الباطن بخلافه ــ عامَلَه اللهُ بنقيض قصده، فإنَّ المعاقبة بنقيض القصد ثابتةٌ شرعًا وقدرًا. ولما كان المخلص يعجَّل له من ثواب إخلاصه الحلاوةُ والمحبةُ والمهابةُ في قلوب الناس عُجِّل للمتزيِّن بما ليس فيه من عقوبته أن شانه اللهُ بين الناس؛ [٣٥٠/أ] لأنه شانَ باطنَه عند الله. وهذا موجَبُ أسماء الربِّ الحسنى وصفاته العُلى وحكمته في قضائه وشرعه. هذا، ولما كان مَن تزيَّن للناس بما ليس فيه من الخشوع والدين والنُّسك والعلم وغير ذلك قد نصَب نفسَه للوازم هذه الأشياء ومقتضياتها فلا بدَّ أن تُطلَب منه. فإذا لم توجد عنده افتُضِحَ، فيشينه ذلك من حيث ظنَّ أنه يزينه. وأيضًا فإنه أخفى عن الناس ما أظهر لله خلافَه، فأظهر اللهُ من عيوبه للناس ما أخفاه عنهم، جزاءً له من جنس عمله. وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خُشوع النِّفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسدَ خاشعًا، والقلبُ غيرُ خاشع (١).

стр. 1166

وأساس النفاق وأصله هو التزيُّن للناس بما ليس في الباطن من الإيمان. فعُلِم أن هاتين الكلمتين من كلام أمير المؤمنين مشتقَّة (١) من كلام النبوة، وهما من أنفع الكلام، وأشفاه للسَّقام. فصل وقوله: «فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا». والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة. فالمقبول ما كان لله خالصًا وللسنَّة موافقًا، والمردود ما فُقِدَ منه الوصفان أو أحدهما. وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبَّه الله ورضيَه، وهو سبحانه إنما يُحِبُّ ما أمرَ به وما عُمِل لوجهه. وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبُّها، بل يمقتها ويمقت أهلها. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. قال الفضيل [٣٥٠/ب] بن عياض: هو أخلصُ العملِ وأصوبُه. فسئل عن معنى ذلك، فقال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكنْ صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكنْ خالصًا لم يقبَل، حتى يكون خالصًا صوابًا. فالخالصُ أن يكون لله، والصوابُ أن يكون على السُّنَّة. ثم قرأ قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (٢). فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول، والعمل لله

стр. 1167

وحده مقبول. فبقي قسم آخر، وهو أن يعمل العملَ لله ولغيره، فلا يكون لله محضًا ولا للناس محضًا، فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كلُّه أم يبطل ما كان لغير الله، ويصحّ ما كان لله؟ قيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاثة: أحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في أثنائه. فهذا المعوَّل فيه على الباعث الأول، ما لم يفسَخه بإرادة جازمة لغير الله؟ فيكون حكمُه حكمَ قطع النية في أثناء العبادة وفسخها، أعني قطع ترك استصحاب حكمها. الثاني عكس هذا، وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله، ثم يعرض له قلبُ النية لله، فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته. ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة، كالصلاة، وإلا لم تجب كمن أحرَمَ لغير الله، ثم قلَبَ نيته لله عند الوقوف والطواف. الثالث: أن يبتدئها مريدًا بها [٣٥١/أ] الله والناس، فيريد أداء فرضه، والجزاء والشكور من الناس. وهذا كمن يصلِّي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلَّى، ولكنه يصلِّي لله وللأجرة؛ وكمن يحجُّ ليسقط الفرض عنه، ويقال: فلان حجَّ؛ أو يعطي الزكاة لذلك؛ فهذا لا يُقبل منه العمل. وإن كانت النية شرطًا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة. فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرطٌ في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلَّق بالشرط عدمٌ عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصد

стр. 1168

طاعةً للمعبود، ولم يؤمر إلا بهذا. وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر. وقد دلَّت السنَّة الصريحة على ذلك، كما في قوله ﷺ : «يقول الله يوم القيامة: أنا أغنى الشُّركاء عن الشرك، فمن عَمِل عملاً أشرك فيه (١) غيري فهو كلُّه للذي أشرَكَ به» (٢). وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. فصل وقوله: «فما ظنُّك بثوابٍ عند الله في عاجلِ رزقه وخزائنِ رحمته». يريد به تعظيم جزاء المخلص ، وأنه رزقٌ عاجلٌ إما للقلب أو للبدن أو لهما، ورحمةٌ (٣) مدَّخَرة في خزائنه. فإن الله سبحانه يجزي العبدَ على ما عمِل من خير في الدنيا ولا بدَّ، ثم في الآخرة يوفِّيه أجرَه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. فما يحصل في الدنيا من الجزاء على الأعمال الصالحة ليس جزاءَ توفيةٍ، وإن كان نوعَ أجرٍ (٤)، كما قال تعالى عن إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ

стр. 1169

لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢]؛ فأخبر سبحانه أنه آتى خليلَه أجرَه في الدنيا من النِّعم التي أنعَم بها عليه في نفسه وقلبه وولده وماله وحياته الطيبة، ولكن ليس ذلك أجرَ توفية. وقد دلَّ القرآن في غير موضع على أنَّ لكلِّ مَن عمل خيرًا أجرًا [يُعجَّل له] (١) في الدنيا، ويُكمَل له أجرُه في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١]. وقال في هذه السورة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وقال فيها عن خليله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢]. فقد تكرَّر هذا المعنى في هذه السورة دون غيرها في أربعة مواضع لسرٍّ بديع، فإنها سورة النِّعم التي عدَّد الله سبحانه فيها أصولَ النعم وفروعَها. فعرَّف عبادَه أن لهم عنده في الآخرة من النعم أضعافَ هذه بما لا يُدرَك تفاوتُه، وأن هذه من بعض نعمه العاجلة عليهم، وأنهم إن أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعمًا أخرى؛ ثم في الآخرة يوفِّيهم أجورَ أعمالهم تمامَ التوفية. وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾

стр. 1170

[هود: ٣]. فلهذا قال أمير المؤمنين: «فما ظنُّك بثوابٍ عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام». فهذا بعض ما يتعلَّق بكتاب أمير المؤمنين ﵁ من الحِكَم والفوائد. والحمد لله رب العالمين (١). * * *

стр. 1171

ذكر (١) تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك قد تقدَّم (٢) قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وأن ذلك يتناول القولَ على الله بغير علمٍ في أسمائه وصفاته وشرعه ودينه. وتقدَّم (٣) حديث أبي هريرة المرفوع: «من أُفتِيَ بفُتيا غيرِ (٤) ثَبَتٍ فإنما إثمُه على مَن أفتاه» (٥). وروى الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سَمِعَ النبيُّ ﷺ قومًا يتمارَوْن في القرآنِ، فقال: «إنما هلكَ مَن كان قبلكم بهذا، ضَربوا كتابَ اللهِ بعضَه ببعضٍ، وإنما نَزلَ كتابُ اللهِ يُصدِّقُ بعضُه بعضًا، ولا يُكذِّبُ بعضُه بعضًا، فما عَلِمتُم منه فقولوا، وما جَهِلْتُم (٦) فكِلُوه إلى عالِمِه» (٧). فأمر مَن جهِلَ شيئًا من عِلْم (٨) كتاب الله أن يَكِلَه إلى عالمه، ولا

стр. 1172

يتكلَّف القولَ بما لا يعلمه. وروى مالك بن مِغْوَل عن أبي حَصِين عن مجاهد عن عائشة أنه لما نزلَ عُذرُها قبَّل أبو بكرٍ رأسَها، قالتْ: فقلتُ: ألا عَذَرْتَني عند النبيِّ ﷺ ، فقال: أيُّ سماءٍ تُظِلُّني وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ ما لا أعلمُ؟ (١). وروى أيوب عن ابن أبي مُلَيكة: سُئل أبو بكرٍ الصديقُ ﵁ عن آيةٍ، فقال: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني؟ وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني؟ وأينَ (٢) أذهب؟ وكيف أصنعُ؟ إذا أنا قلتُ في كتابِ اللهِ بغيرِ ما أراد اللهُ بها (٣). وذكر البيهقي (٤) من حديث مسلم البَطِين عن عَزْرة (٥) التميمي قال: قال علي بن أبي طالب: وا بردَها على كَبِدي (٦)! ثلاث مرات، قالوا: يا أمير

стр. 1173

المؤمنين، وما ذاك؟ قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم. وذكر أيضًا (١) عن علي ﵁ قال: خمسٌ لو سافرَ فيهن رجلٌ إلى اليمن كنَّ فيه عِوضًا من سفره: لا يخشى عبدٌ إلا ربَّه، ولا يخاف [٢/أ] إلا ذنبَه، ولا يستحيي من لا يعلمُ أن يتعلَّمَ، ولا يستحيي من يعلمُ إذا سُئل عما لا يعلمُ أن يقولَ: اللهُ أعلمُ، والصبرُ من الدينِ بمنزلةِ الرأسِ من الجسدِ. وقال الزهري عن خالد بن أسلم ــ وهو أخو زيد بن أسلم ــ: خرجنا مع ابن عمر نمشي، فلحِقَنا أعرابيٌّ فقال: أنت عبد الله بن عمر؟ قال: نعم، قال: سألتُ عنك فدُلِلْتُ عليك، فأخبِرْني أتَرِثُ (٢) العمّةُ؟ قال: لا أدري، قال: أنت لا تدري؟ قال: نعم؛ اذهبْ إلى العلماء بالمدينة فسَلْهم؛ فلما أدبر قبَّلَ يديه وقال: نِعِمَّا قال (٣) أبو عبد الرحمن؛ سُئل عما لا يدري فقال: لا أدري (٤). وقال ابن مسعود: من كان عنده علمٌ فليقُلْ به؛ ومن لم يكنْ عنده علمٌ فليقلْ: «اللهُ أعلمُ»، فإنَّ اللهَ قال لنبيِّه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٥).

стр. 1174

وصحَّ عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ: من أفتى الناسَ في كلِّ ما يسألونه عنه فهو مجنونٌ (١). وقال ابنُ شُبرمةَ: سمعتُ الشعبيَّ إذا سُئل عن مسألةٍ شديدةٍ قال: زَبَّاءُ (٢) ذاتُ وَبَرٍ لا تَنْقادُ ولا تَنْساقُ؛ ولو سُئل عنها الصحابةُ لعَضَّلَتْ بهم (٣). وقال أبو حَصِين الأسدي: إنَّ أحدَهم ليفتي في المسألةِ، ولو وردتْ على عمرَ لجمع لها أهلَ بدرٍ (٤). وقال ابنُ سيرين: لأنْ يموتَ الرجلُ جاهلًا خيرٌ له من أن يقولَ ما لا يعلمُ (٥).

стр. 1175

وقال القاسم: من إكرامِ الرجلِ نفسَه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه (١). وقال: يا أهلَ العراق، والله لا نعلم كثيرًا مما تسألونا عنه، ولأن يعيشَ الرجل جاهلًا إلا أن يعلم ما فرضَ الله عليه خيرٌ له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم (٢). وقال مالك: من فِقه العالم أن يقول: «لا أعلم»، فإنه عسى أن يتهيَّأَ له الخيرُ (٣). وقال: سمعتُ ابنَ هُرمز يقول: ينبغي للعالمِ أن يُورِّث جلساءَه مِن بعدِه «لا أدري»، حتى يكون ذلك أصلًا في أيديهم يَفْزَعون إليه (٤). وقال الشعبي: «لا أدري» نصفُ العلمِ (٥). وقال ابن جُبير: ويلٌ لمن يقولُ لما لا يعلمُ: إني أعلمُ (٦).

стр. 1176

[٢/ب] وقال الشافعي: سمعت مالكًا يقول: سمعتُ ابن عَجْلانَ يقول: إذا أغفلَ العالمُ «لا أدري» أُصِيبتْ (١) مَقاتلُه (٢). وذكره ابن عجلان عن ابن عباس (٣). وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجلٌ إلى مالكٍ، فسأله عن شيءٍ (٤) أيامًا ما يجيبُه، فقال: يا أبا عبد الله إني أريدُ الخروجَ، فأطرقَ طويلًا ورفع رأسَه فقال: ما شاء اللهُ، يا هذا إني أتكلَّمُ فيما أحتسِبُ فيه الخيرَ، ولستُ أُحسِنُ مسألتَك هذه (٥). وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: العَجَلةُ في الفتوى نوعٌ من الجهلِ والخَرَف (٦). قال: وكان يقال: التأنِّي من اللهِ، والعَجَلةُ من الشيطانِ (٧).

стр. 1177

وهذا الكلام قد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سِنان (١) عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «التأنِّي من الله، والعَجَلةُ من الشيطانِ» (٢). وإسناده جيّد. وقال ابن المنكدر: العالمُ بين الله وبين خلْقِه، فلينظرْ كيف يدخلُ بينهم (٣). وقال ابن وهب: قال لي مالكٌ وهو يُنكِرُ كثرةَ الجوابِ في المسائلِ: يا عبد الله (٤) ما علمتَ فقلْ، وإيَّاك أن تقلِّدَ الناسَ قِلادةَ سوءٍ (٥). وقال مالك: حدثني ربيعة قال: قال لي أبو خَلْدةَ (٦) وكان نِعمَ القاضي:

стр. 1178

يا ربيعةُ، أراك تُفتي الناسَ، فإذا جاءك الرجلُ يسألُك فلا يكنْ همُّك أن تتخلَّصَ مما سألك عنه (١). وكان ابن المسيِّب لا يكاد يفتي إلا قال: اللهم سلِّمني وسلِّم مني (٢). وقال مالك: ما أجبتُ في الفتوى حتى سألتُ من هو أعلمُ مني: هل تراني موضعًا لذلك؟ سألتُ ربيعةَ، وسألت يحيى بن سعيدٍ، فأمراني (٣) بذلك، فقيل له: يا أبا عبد الله فلو نَهَوك؟ قال: كنتُ (٤) أَنتهِي (٥). وقال ابن عباس لمولاه عكرمة: اذهبْ فأفْتِ (٦) الناس وأنا لك عونٌ، فمن سألك عما يَعنيه فأفْتهِ، ومن سألك عما لا يَعْنيه فلا تُفْتِه، فإنك تطرح

стр. 1179

عن نفسِك ثُلثَي مُؤنةِ الناسِ (١). وكان أيوب إذا سأله السائل قال له: أَعِدْ، فإنْ أعادَ السؤالَ [٣/أ] كما سأله (٢) عنه أولًا أجابه، وإلا لم يُجِبْه (٣). وهذا من فهمه وفطنته ﵀، وفي ذلك فوائد عديدة: منها: أن المسألة تزداد وضوحًا وبيانًا بتفهُّم السؤال. ومنها: أن السائل لعلّه أهملَ فيها أمرًا يتغيَّر به الحكم، فإذا أعادها ربَّما بيَّنه (٤) له. ومنها: أن المسؤول قد يكون ذاهلًا عند السؤال أولًا، ثم يحضر ذهنه بعد ذلك. ومنها: أنه ربَّما بان له تعنُّتُ السائل وأنه وضع المسألة؛ فإذا غيَّر السؤال وزاد فيه ونقص فربما ظهر له أن المسألة لا حقيقةَ لها، وأنها من الأُغلوطات أو غيرِ الواقعات التي لا يجب الجواب عنها؛ فإن الجواب بالظن إنما يجوز عند الضرورة، فإذا وقعت المسألة صارت حالَ ضرورةٍ، فيكون التوفيق إلى الصواب أقرب، والله أعلم.

стр. 1180

ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يَسُوْغ (١) من غير إيجاب فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع: أحدها: الإعراض عما أنزل الله، وعدمُ الالتفات إليه اكتفاءً بتقليد الآباء. الثاني: تقليد من لا يعلم المقلِّد أنه أهلُ أن يؤخذَ بقوله. الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهورِ الدليل على خلاف قول المقلَّد. والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلَّد قبل تمكُّنه (٢) من العلم والحجة، وهذا قلَّد بعد ظهور الحجة له؛ فهو أولى بالذمّ ومعصيةِ الله ورسوله. وقد ذمَّ الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من (٣) كتابه، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا (٤) عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ (٥) فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ

стр. 1181

جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤]، [٣/ب] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ (١) مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١] وهذا في القرآن كثير، يَذمُّ فيه من أعرضَ عما أنزله وقنعَ بتقليد الآباء. فإن قيل: إنما ذَمّ من قلّد الكفّار وآباءه الذين لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون، ولم يَذمَّ من قلَّد العلماءَ المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر، وهم (٢) أهل العلم، وذلك تقليدٌ لهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهذا أمرٌ لمن لا يعلم بتقليد من يعلم. فالجواب أنه سبحانه ذمَّ من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق (٣) السلف والأئمة الأربعة على ذمّه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جُهدَه في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلَّد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ (٤) إن شاء الله. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، والتقليد ليس بعلمٍ باتفاق أهل العلم كما سيأتي. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا

стр. 1182

ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، فأمر باتباع المُنْزَل خاصّةً، والمقلِّد ليس له علم أن هذا هو المُنزل، وإن كان قد تبيَّنتْ له الدلالة في خلاف قول من قلَّده= فقد علم أن تقليده في خلافه اتباعٌ لغير المُنزل. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، فمنَعَنا سبحانه من الردّ إلى غيره وغير رسوله، وهذا يُبطِل التقليد. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا (١) وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ [٤/أ] وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦]، ولا وليجةَ أعظمُ ممن جعل رجلًا بعينه عِيارًا (٢) على كلام الله وكلام رسوله وكلام سائر الأمة، يقدِّمه على ذلك كلِّه، ويَعرِض كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة على قوله، فما وافقه منها قبِلَه لموافقته لقوله، وما خالفه منها تلطَّف في ردِّه وتطلَّب (٣) له وجوهَ الحِيل، فإن لم تكن هذه الوليجة فلا ندري ما الوليجة. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا

стр. 1183

الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٧]، وهذا نصٌّ في بطلان (١) التقليد. فإن قيل: إنما فيه ذمُّ من قلَّد من أضلَّه السبيلَ، أما من هداه السبيلَ فأين ذمَّ الله تقليدَه؟ قيل: جواب هذا السؤال في نفس السؤال، فإنه لا يكون العبد مهتديًا حتى يتبع ما أنزل الله على رسوله؛ فهذا المقلّد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتدٍ وليس بمقلّد، وإن لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضالٌّ (٢) بإقراره على نفسه، فمن أين يعرف أنه على هدًى في تقليده؟ وهذا جواب كلّ سؤالٍ يُورِدونه (٣) في هذا الباب، وأنهم إنما يقلِّدون أهل الهدى، فهم في تقليدهم على هدًى. فإن قيل: فأنتم تُقِرُّون أن الأئمة المقلَّدين في الدين على هدًى، فمقلِّدوهم على هدًى قطعًا؛ لأنهم سالكون خلفَهم. قيل: سلوكهم خلفهم مُبطِلٌ لتقليدهم لهم قطعًا؛ فإن طريقتهم كانت اتباعَ الحجة والنهي عن تقليدهم كما سنذكره عنهم إن شاء الله تعالى، فمن ترك الحجة وارتكب ما نَهَوا عنه ونهى الله ورسوله عنه قبلهم فليس على طريقتهم، وهو من المخالفين لهم. وإنما يكون على طريقتهم من اتبع الحجة، وانقادَ للدليل، ولم يتخذ رجلًا بعينه سوى الرسول ﷺ يجعله عِيارًا

стр. 1184

على الكتاب والسنة، يعرِضُهما على قوله. وبهذا يظهر بطلانُ [٤/ب] فَهْمِ من جعل التقليد اتباعًا (١)، وإيهامُه وتلبيسُه، بل هو مخالف للاتباع. وقد فرَّق الله ورسوله وأهل العلم بينهما كما فرَّقت الحقائق بينهما، فإن الاتباع سلوك طريقِ المتَّبَع والإتيانُ بمثل ما أتى به. قال أبو عمر في «الجامع» (٢): باب فساد التقليد ونفيه، والفرق بينه وبين الاتباع. قال أبو عمر: قد ذمّ الله ﵎ التقليدَ في غير موضع من كتابه، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. ورُوِي عن (٣) حذيفة وغيره قال: لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم أحلُّوا لهم وحرَّموا عليهم فاتبعوهم (٤). وقال عدي بن حاتم: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وفي عُنقي صليبٌ، فقال: «يا عديُّ ألقِ هذا الوثنَ من عنقِك». وانتهيتُ إليه (٥) وهو يقرأ سورةَ براءة حتى

стр. 1185

أتى على هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال (١): فقلت: يا رسولَ الله! إنّا لم نتّخذهم أربابًا، قال: «بلى، أليس يُحِلُّون لكم ما حُرِّم عليكم فتُحِلُّونه، ويُحرِّمون عليكم ما أُحِلَّ لكم فتُحرِّمونه؟» فقلت: بلى، قال: «فتلك عبادتُهم» (٢). قلت: الحديث في «المسند» (٣) والترمذي مطولا. وقال أبو البَخْتري في قوله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: أمَا إنهم (٤) لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلالَ الله حرامَه وحرامَه حلالَه فأطاعوهم (٥)، فكانت تلك الربوبية (٦).

стр. 1186

وقال وكيع: ثنا سفيان والأعمش جميعًا عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البَخْتري قال: قيل لحذيفةَ في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أكانوا يعبدونهم؟ فقال: لا، ولكن كانوا يُحِلُّون لهم الحرامَ فيحِلُّونه، ويحرِّمون عليهم الحلالَ فيحرِّمونه (١). وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا [٥/أ] ... قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، فمنعَهم الاقتداءُ بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤]. وفي هؤلاء ومثلهم قال الله : ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧]. وقال تعالى عاتبًا (٢) لأهل الكفر وذامًّا (٣) لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٤)﴾ [الأنبياء: ٥٢ - ٥٣]، وقال: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. ومثل هذا

стр. 1187

في القرآن كثير من ذَمِّ تقليد الآباء والرؤساء. وقد احتجّ العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفرُ أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين (١) بغير حجة للمقلِّد، كما لو قلَّد رجلًا فكفر، وقلَّد آخر فأذنبَ، وقلَّد آخر في مسألة فأخطأ وجهَها= كان كلُّ واحد ملومًا على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليدٌ يُشبِه (٢) بعضه بعضًا وإن اختلفت الآثام فيه. وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. قال (٣): فإذا بطلَ التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي الكتاب والسنة وما كان في معناهما بدليل جامع. ثم ساق من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمالٍ ثلاثة»، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «أخافُ عليهم زَلَّة العالم، ومن حكم جائرٍ، ومن هوًى متَّبَع» (٤).

стр. 1188

وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ أنه قال: «تركتُ فيكم أمرين لن تَضِلُّوا ما تمسَّكْتم بهما: كتاب الله، [٥/ب] وسنة رسوله (١) ﷺ » (٢). قلت: والمصنِّفون في السنة (٣) جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زَلَّة العالم، ليبيِّنوا بذلك فسادَ التقليد، وأن العالم قد يَزِلُّ ولا بدَّ؛ إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كلِّ ما يقوله، و [أن] (٤) يُنزَّل قولُه منزلةَ قول المعصوم؛ فهذا الذي ذمَّه كلُّ عالمٍ على وجه الأرض، وحرَّموه وذمُّوا أهله، وهو أصل بلاء المقلِّدين وفتنتهم، فإنهم يقلِّدون العالم فيما زلَّ فيه وفيما لم يزلَّ، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بدَّ، فيُحِلُّون ما حرَّم الله ويُحرِّمون ما أحلَّ (٥) ويشرعون ما لم يشرع، ولا بدَّ لهم من ذلك، إذ كانت العصمة منتفيةً عمن قلَّدوه، فالخطأ واقع منه (٦) ولا بدَّ. وقد ذكر البيهقي (٧) وغيره من حديث كثير هذا عن أبيه عن جده

стр. 1189

مرفوعًا: «اتقوا زَّلة العالم، وانتظروا فَيئتَه (١)». وذكر (٢) من حديث مسعود بن سعد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أشدَّ ما أتخوَّفُ على أمتي ثلاث: زَلَّة عالمٍ (٣)، وجدال منافقٍ بالقرآن، ودنيا (٤) تَقطَع أعناقَكم». ومن المعلوم أن المَخُوف في زلَّة العالم تقليدُه فيها؛ إذ لولا التقليد لم يُخَفْ من زلَّة العالم على غيره. فإذا عرف أنها زلَّة لم يجزْ له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين، فإنه اتباعٌ للخطأ (٥) على عَمْد، ومن لم يعرف أنها زلَّة فهو أعذَرُ منه، وكلاهما مفرِّط فيما أُمِر به. وقال الشعبي: قال عمر: يُفْسِدُ الزمانَ ثلاثةٌ: أئمَّة مُضِلُّون، وجدالُ المنافق بالقرآن ــ والقرآنُ حقٌّ ــ وزلَّةُ العالمِ (٦).

стр. 1190

وقد تقدَّم (١) أن معاذًا كان لا يجلس مجلسًا للذكر إلا قال حين يجلس: الله حَكَمٌ قِسْطٌ، هلكَ المرتابون ــ الحديث، وفيه: «وأُحذِّركم زيغةَ الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول الضلالةَ على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمةَ الحق». قلتُ (٢) لمعاذ: ما يُدرِيني [٦/أ]ــ رحِمَك الله ــ أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال لي: «اجتنِبْ من كلام الحكيم المشبَّهات (٣) التي يقال: ما هذه؟ ولا يَثْنِيَنَّك (٤) ذلك عنه، فإنه لعله يراجع، وتَلَقَّ الحقَّ إذا (٥) سمعتَه، فإنّ على الحقّ نورًا» (٦). وذكر البيهقي (٧) من حديث حمّاد بن زيد عن المثنّى بن سعيد عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويلٌ للأتباع من عَثَراتِ العالم، قيل: وكيف ذاك يا أبا عبّاسٍ (٨)؟ قال:

стр. 1191

يقول العالم من قِبَلِ رأيِه (١)، ثم يسمع الحديث عن النبي ﷺ فيدَعُ ما كان عليه. وفي لفظ: «فيلقَى من هو أعلمُ برسول الله ﷺ منه، فيخبِره فيرجع، ويقضي الأتباعُ بما حَكَم». وقال تميم الداري: اتقوا زلَّة العالم، فسأله عمر: ما زلَّة العالم؟ قال: يَزِلُّ بالناس فيؤخذُ به، فعسى أن يتوبَ العالم والناسُ يأخذون به (٢) (٣). وقال شعبة: عن عمرو بن مُرَّة عن عبد الله بن سَلِمة (٤) قال: قال معاذ بن جبل: يا معشر العرب! كيف تصنعون بثلاث: دنيا تَقْطَع أعناقَكم، وزلَّةُ عالم، وجدالُ منافقٍ بالقرآن؟ فسكتوا، فقال: أما العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينَكم، وإن افْتُتِن فلا تقطعوا منه (٥) إياسَكم؛ فإن المؤمن (٦) يُفتَتن ثم يتوب، وأما القرآن فله منارٌ كمنار الطريق فلا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه، وما شككتم فكِلُوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله الغِنَى في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليس بنافعتِه دنياه (٧).

стр. 1192

وذكر أبو عمر (١) من حديث حسين الجعفي عن زائدة عن عطاء بن السائب عن أبي البَخْتري قال: قال سلمان: كيف أنتم عند ثلاثٍ: زلّة عالم، وجدالُ منافقٍ بالقرآن، ودنيا تَقْطعُ أعناقَكم؟ فأما زلَّةُ العالمِ فإنِ اهتدى فلا تُقلِّدوه دينَكم، وأما مجادلةُ المنافقِ بالقرآنِ، فإنَّ للقرآنِ منارًا كمنارِ الطريقِ (٢)، فما عرفتم منه فخذوه، وما لم تعرِفوه (٣) فكِلُوه إلى اللهِ، [٦/ب] وأما دنيا تَقْطَعُ أعناقَكم فانظروا إلى مَن هو دونَكم، ولا تنظروا إلى مَنْ هو فوقَكم. قال أبو عمر (٤): وتُشبَّه زلَّةُ العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غَرِقتْ غرِقَ معها خلق كثير. قال (٥): وإذا صحَّ وثبت أن العالم يَزِلُّ ويخطئ، لم يجُزْ لأحدٍ أن يفتي ويَدِينَ بقولٍ لا يعرف وجهه. وقال غير أبي عمر (٦): كما أن القضاة ثلاثة: قاضيانفي النار وواحد (٧) في الجنة، فالمفتون ثلاثة، ولا فرقَ بينهما إلا في كون القاضي يُلزِم بما أفتى به، والمفتي لا يُلزِم به. وقال ابن وهب: سمعت سفيان بن عُيينة يحدِّث عن عاصم بن بَهْدلة عن زِرّ بن حُبيش عن ابن مسعود أنه كان يقول: اغْدُ عالمًا أو متعلمًا، ولا تَغْدُ إمَّعةً فيما بين ذلك. قال ابن وهب: فسألتُ سفيان عن الإمَّعَة، فحدثني عن أبي الزناد (٨) عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: كنّا ندعو الإمَّعةَ في الجاهلية الذي يُدعى إلى الطعام فيأتي معه بغيره، وهو فيكم المُحْقِب (٩) دِيْنَه الرجالَ (١٠). وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النَّصْري (١١): ثنا أبو مُسهِر، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد ابن

стр. 1193

أخت نَمِر أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إنّ حديثكم شرُّ الحديث، إن كلامكم شرُّ الكلام؛ فإنكم قد حدَّثتم الناسَ حتى قيل: قال فلان وقال فلان، ويُترك كتابُ (١) الله. من كان منكم قائمًا فليقُم بكتاب الله، وإلا فلْيجلِسْ (٢). فهذا قول عمر ﵁ لأفضلِ قرنٍ على وجه الأرض، فكيف لو أدرك ما أصبحنا فيه من ترْكِ كتاب الله وسنة رسوله وأقوالِ الصحابة لقول فلان وفلان؟ فالله المستعان. قال أبو عمر (٣): وقال علي بن أبي طالب لكُمَيل بن زياد النخعي ــ وهو حديث مشهور عند أهل العلم، يَستغني (٤) عن الإسناد لشهرته عندهم ــ: يا كُميلُ، إن هذه القلوب أوعيةٌ، فخيرُها أوعاها [٧/أ] للخير. والناس ثلاثة: فعالمٌ ربَّاني، ومتعلِّم على سبيل نجاة، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلون مع كل صائح، لم يَستضيئوا بنور العلم، ولم يَلجؤوا إلى ركنٍ وثيق. ثم قال: آه! إنّ ههنا علمًا ــ وأشار بيده إلى صدره ــ لو أصبتُ له حَمَلةً، بلى (٥) قد

стр. 1194

أصبتُ لَقِنًا غيرَ مأمون، يستعمل آلة الدين للدنيا، ويستظهر بحُجَج الله على كتابه وبنِعَمِه على معاصيه، أو (١) حامل حقٍّ لا بصيرةَ له في إحيائه، ينقدحُ الشكُّ في قلبه بأول عارضٍ من شبهة، لا يدري أين الحقُّ، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدْرِ، مشغوفٌ (٢) بما لا يدري حقيقته، فهو فتنةٌ لمن (٣) فُتِنَ به، وإنّ من الخير كلِّه مَن عرَّفه الله دينَه، وكفى بالمرء جهلًا أن لا يعرف دينه. وذكر أبو عمر (٤) عن أبي البَخْتري عن علي ﵁ قال: إيّاكم والاستنانَ بالرجال، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، ثم ينقلب لعِلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعِلْم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بدَّ فاعلينَ فبالأموات لا بالأحياء. وقال ابن مسعود: لا يقلِّدنَّ أحدُكم دينَه رجلًا إن آمنَ آمنَ وإن كفر كفر، فإنه لا أسوةَ في الشر (٥).

стр. 1195

قال أبو عمر (١): وثبتَ عن النبي ﷺ أنه قال: «يذهبُ العلماءُ، ثم يتَّخِذُ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، يُسأَلون فيُفْتونَ بغير علمٍ، فيَضِلُّون ويُضِلُّون» (٢). قال أبو عمر (٣): وهذا كله نفيٌ للتقليد وإبطالٌ له، لمن فهِمه وهُدِيَ لرُشدِه. ثم ذكر (٤) من طريق يونس بن عبد الأعلى ثنا سفيان بن عيينة قال: اضطجع ربيعة مُقْنِعًا رأسَه (٥) وبكى، فقيل له: ما يُبكِيك؟ فقال: رياء ظاهر، وشهوةٌ خفيَّة، والناس عند علمائهم كالصبيان في [حُجور] أمَّاتهم (٦): ما نهوهم عنه انتهَوا، وما أمروهم به ائتمروا. وقال عبد الله بن المعتز (٧): لا فرقَ بين [٧/ب] بهيمةٍ تُقاد (٨) وإنسانٍ يقلِّدُ (٩).
следующие страницы →