← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

يقول العالم من قِبَلِ رأيِه (١)، ثم يسمع الحديث عن النبي ﷺ فيدَعُ ما كان عليه. وفي لفظ: «فيلقَى من هو أعلمُ برسول الله ﷺ منه، فيخبِره فيرجع، ويقضي الأتباعُ بما حَكَم». وقال تميم الداري: اتقوا زلَّة العالم، فسأله عمر: ما زلَّة العالم؟ قال: يَزِلُّ بالناس فيؤخذُ به، فعسى أن يتوبَ العالم والناسُ يأخذون به (٢) (٣). وقال شعبة: عن عمرو بن مُرَّة عن عبد الله بن سَلِمة (٤) قال: قال معاذ بن جبل: يا معشر العرب! كيف تصنعون بثلاث: دنيا تَقْطَع أعناقَكم، وزلَّةُ عالم، وجدالُ منافقٍ بالقرآن؟ فسكتوا، فقال: أما العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينَكم، وإن افْتُتِن فلا تقطعوا منه (٥) إياسَكم؛ فإن المؤمن (٦) يُفتَتن ثم يتوب، وأما القرآن فله منارٌ كمنار الطريق فلا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه، وما شككتم فكِلُوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله الغِنَى في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليس بنافعتِه دنياه (٧).

стр. 1192

وذكر أبو عمر (١) من حديث حسين الجعفي عن زائدة عن عطاء بن السائب عن أبي البَخْتري قال: قال سلمان: كيف أنتم عند ثلاثٍ: زلّة عالم، وجدالُ منافقٍ بالقرآن، ودنيا تَقْطعُ أعناقَكم؟ فأما زلَّةُ العالمِ فإنِ اهتدى فلا تُقلِّدوه دينَكم، وأما مجادلةُ المنافقِ بالقرآنِ، فإنَّ للقرآنِ منارًا كمنارِ الطريقِ (٢)، فما عرفتم منه فخذوه، وما لم تعرِفوه (٣) فكِلُوه إلى اللهِ، [٦/ب] وأما دنيا تَقْطَعُ أعناقَكم فانظروا إلى مَن هو دونَكم، ولا تنظروا إلى مَنْ هو فوقَكم. قال أبو عمر (٤): وتُشبَّه زلَّةُ العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غَرِقتْ غرِقَ معها خلق كثير. قال (٥): وإذا صحَّ وثبت أن العالم يَزِلُّ ويخطئ، لم يجُزْ لأحدٍ أن يفتي ويَدِينَ بقولٍ لا يعرف وجهه. وقال غير أبي عمر (٦): كما أن القضاة ثلاثة: قاضيانفي النار وواحد (٧) في الجنة، فالمفتون ثلاثة، ولا فرقَ بينهما إلا في كون القاضي يُلزِم بما أفتى به، والمفتي لا يُلزِم به. وقال ابن وهب: سمعت سفيان بن عُيينة يحدِّث عن عاصم بن بَهْدلة عن زِرّ بن حُبيش عن ابن مسعود أنه كان يقول: اغْدُ عالمًا أو متعلمًا، ولا تَغْدُ إمَّعةً فيما بين ذلك. قال ابن وهب: فسألتُ سفيان عن الإمَّعَة، فحدثني عن أبي الزناد (٨) عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: كنّا ندعو الإمَّعةَ في الجاهلية الذي يُدعى إلى الطعام فيأتي معه بغيره، وهو فيكم المُحْقِب (٩) دِيْنَه الرجالَ (١٠). وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النَّصْري (١١): ثنا أبو مُسهِر، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد ابن

стр. 1193

أخت نَمِر أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إنّ حديثكم شرُّ الحديث، إن كلامكم شرُّ الكلام؛ فإنكم قد حدَّثتم الناسَ حتى قيل: قال فلان وقال فلان، ويُترك كتابُ (١) الله. من كان منكم قائمًا فليقُم بكتاب الله، وإلا فلْيجلِسْ (٢). فهذا قول عمر ﵁ لأفضلِ قرنٍ على وجه الأرض، فكيف لو أدرك ما أصبحنا فيه من ترْكِ كتاب الله وسنة رسوله وأقوالِ الصحابة لقول فلان وفلان؟ فالله المستعان. قال أبو عمر (٣): وقال علي بن أبي طالب لكُمَيل بن زياد النخعي ــ وهو حديث مشهور عند أهل العلم، يَستغني (٤) عن الإسناد لشهرته عندهم ــ: يا كُميلُ، إن هذه القلوب أوعيةٌ، فخيرُها أوعاها [٧/أ] للخير. والناس ثلاثة: فعالمٌ ربَّاني، ومتعلِّم على سبيل نجاة، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلون مع كل صائح، لم يَستضيئوا بنور العلم، ولم يَلجؤوا إلى ركنٍ وثيق. ثم قال: آه! إنّ ههنا علمًا ــ وأشار بيده إلى صدره ــ لو أصبتُ له حَمَلةً، بلى (٥) قد

стр. 1194

أصبتُ لَقِنًا غيرَ مأمون، يستعمل آلة الدين للدنيا، ويستظهر بحُجَج الله على كتابه وبنِعَمِه على معاصيه، أو (١) حامل حقٍّ لا بصيرةَ له في إحيائه، ينقدحُ الشكُّ في قلبه بأول عارضٍ من شبهة، لا يدري أين الحقُّ، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدْرِ، مشغوفٌ (٢) بما لا يدري حقيقته، فهو فتنةٌ لمن (٣) فُتِنَ به، وإنّ من الخير كلِّه مَن عرَّفه الله دينَه، وكفى بالمرء جهلًا أن لا يعرف دينه. وذكر أبو عمر (٤) عن أبي البَخْتري عن علي ﵁ قال: إيّاكم والاستنانَ بالرجال، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، ثم ينقلب لعِلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعِلْم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بدَّ فاعلينَ فبالأموات لا بالأحياء. وقال ابن مسعود: لا يقلِّدنَّ أحدُكم دينَه رجلًا إن آمنَ آمنَ وإن كفر كفر، فإنه لا أسوةَ في الشر (٥).

стр. 1195

قال أبو عمر (١): وثبتَ عن النبي ﷺ أنه قال: «يذهبُ العلماءُ، ثم يتَّخِذُ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، يُسأَلون فيُفْتونَ بغير علمٍ، فيَضِلُّون ويُضِلُّون» (٢). قال أبو عمر (٣): وهذا كله نفيٌ للتقليد وإبطالٌ له، لمن فهِمه وهُدِيَ لرُشدِه. ثم ذكر (٤) من طريق يونس بن عبد الأعلى ثنا سفيان بن عيينة قال: اضطجع ربيعة مُقْنِعًا رأسَه (٥) وبكى، فقيل له: ما يُبكِيك؟ فقال: رياء ظاهر، وشهوةٌ خفيَّة، والناس عند علمائهم كالصبيان في [حُجور] أمَّاتهم (٦): ما نهوهم عنه انتهَوا، وما أمروهم به ائتمروا. وقال عبد الله بن المعتز (٧): لا فرقَ بين [٧/ب] بهيمةٍ تُقاد (٨) وإنسانٍ يقلِّدُ (٩).

стр. 1196

ثم ساق (١) من «جامع (٢) ابن وَهْب»: أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمرو، عن عمرو بن أبي نَعِيمة (٣)، عن مسلم بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال عليَّ ما لم أقُلْ فليتبوَّأْ مقعدَه من النار، ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رُشْدِه فقد خانَه، ومن أُفتي بفُتيا بغيرِ ثَبَتٍ فإنما إثمُها على من أفتاه». وقد تقدّم هذا الحديث (٤) من رواية أبي داود (٥)، وفيه دليل على تحريم الإفتاء بالتقليد، فإنه إفتاءٌ بغير ثَبَت؛ فإن الثَّبَت الحجةُ التي يثبت (٦) بها الحكم باتفاق الناس، كما قال أبو عمر (٧): وقد احتجَّ جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليدَ بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدَّم، فأحسنُ ما رأيتُ من ذلك قول المزني (٨)، وأنا أورده.

стр. 1197

قال (١): يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجةٍ فيما حكمتَ به؟ فإن قال: «نعم» بطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبتْ ذلك عنده لا التقليد. وإن قال: «حكمتُ به بغير حجة»، قيل له: فلِمَ أرقْتَ الدِّماء وأبحتَ الفروج وأتلفتَ الأموال، وقد حرَّم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله : ﴿إِنْ (٢) ... عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨] أي من حجةٍ بهذا. فإن قال: «أنا أعلمُ أني قد أصبتُ وإن لم أعرف الحجة، لأنّي قلَّدتُ كبيرًا (٣) من العلماء وهو لا يقول إلا بحجةٍ خفيتْ عليّ». قيل له: إذا جاز تقليدُ معلِّمك لأنه لا يقول إلا بحجةٍ خفيتْ عليك فتقليدُ معلِّم معلِّمِك أولى؛ لأنه لا يقول إلا بحجةٍ خفيتْ على معلِّمك، كما لم يقلْ معلِّمك إلا بحجة خفيتْ عليك. فإن قال: «نعم» تركَ تقليد معلِّمه إلى تقليد معلِّمِ معلِّمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن أبى ذلك نقضَ قوله، وقيل له: كيف تجوِّز (٤) تقليدَ من هو أصغرُ وأقلُّ علمًا، ولا تجوِّز تقليدَ من هو أكبر وأكثر علمًا؟ وهذا تناقضٌ.

стр. 1198

فإن قال: «لأنّ (١) معلِّمي وإن كان أصغرَ فقد جمعَ عِلْمَ [٨/أ] من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصرُ بما أخذَ وأعلمُ بما تركَ»، قيل له: وكذلك من تعلَّم من معلِّمك، فقد جمع علْمَ معلِّمك وعلْمَ من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وتركُ تقليد معلّمك. وكذلك أنت أولى أن تقلِّد نفسك من معلِّمك؛ لأنك جمعتَ علْمَ معلِّمك وعلْمَ من هو فوقه إلى علمك. فإنّ قلد (٢) قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليدُ التابع والتابع من دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى أبدًا، وكفى بقولٍ يؤولُ إلى هذا تناقضًا وفسادًا (٣). قال أبو عمر (٤): قال أهل العلم والنظر: حدُّ العلم التبيينُ وإدراكُ المعلوم على ما هو به، فمن بانَ له الشيء فقد علِمَه، قالوا: والمقلِّد لا علمَ له، لم يختلفوا في ذلك (٥). ومن ههنا ــ والله أعلم ــ قال البُحتري (٦): عرفَ العالمون فضلَك بالعلـ ... م وقال الجهَّالُ بالتقليد

стр. 1199

وأرى الناسَ مُجمِعين (١) على فضـ ... لك من بينِ سيِّدٍ ومَسُود وقال أبو عبد الله بن خُوازِ مَنْدادَ (٢) البصري المالكي (٣): التقليد معناه في الشرع الرجوعُ إلى قول لا حجةَ لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة. والاتباع: ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعتَ قولَه من غير أن يجب عليك قبولُه بدليل يوجب ذلك فأنت مقلِّده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكلُّ من أوجب الدليلُ عليك اتباعَ قوله فأنت متَّبِعُه، والاتباع في الدين مَسُوغٌ، والتقليد ممنوع. قال (٤): وذكر محمد بن حارث في «أخبار سَحْنون بن سعيد» (٥) عنه قال: [كان] (٦) مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هُرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابنُ دينار وذووه لا يجيبهم، فتعرَّض له ابن دينار يومًا فقال له: يا أبا بكر لِمَ تَستحِلُّ [٨/ب] منّي ما لا يحلُّ لك (٧)؟ قال له: يا ابنَ أخي، وما

стр. 1200

ذاك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتُجِيبهما، وأسألك أنا وذَوِيَّ (١) فلا تُجيبنا! فقال: أوَقعَ ذلك يا ابنَ أخي في قلبك (٢)؟ قال: نعم، قال: إنّي قد كبِرتْ سِنّي ودَقَّ عظْمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثلُ الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا منّي حقًّا قَبِلاه، وإن سمعا خطأً تركاه، وأنت وذووك ما أجبتُكم به (٣) قبلتموه. قال ابن حارث: هذا واللهِ الدينُ الكامل، والعقلُ الراجح، لا كمن يأتي بالهَذَيان، ويريد أن يَنزِلَ (٤) من القلوب منزلةَ القرآن. قال أبو عمر (٥): يقال لمن قال بالتقليد: لِمَ قلتَ به، وخالفتَ السلف في ذلك فإنهم لم يقلِّدوا؟ فإن قال: قلَّدتُ لأن (٦) كتاب الله لا علْمَ لي بتأويله، وسنة رسوله ﷺ لم أُحصِها، والذي قلَّدتُه قد علم ذلك، فقلَّدتُ من هو أعلم منّي. قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل (٧) الكتاب أو حكايةٍ عن سنة رسول الله ﷺ أو اجتمع (٨) رأيهم على شيء فهو الحقُّ

стр. 1201

لا شكَّ فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلَّدتَ فيه بعضَهم دون بعض، فما حجَّتُك في تقليد بعضهم دون بعض وكلُّهم عالم؟ ولعلَّ الذي رغِبتَ عن قوله أعلمُ من الذي ذهبتَ إلى مذهبه. فإن قال: قلّدتُه لأني أعلم أنه على صواب، قيل له: علمتَ ذلك بدليلٍ من كتاب الله أو سنة أو إجماع؟ فإن قال: «نعم» أبطل التقليد، وطولب بما ادّعاه من الدليل. وإن قال: قلّدتُه لأنه أعلم مني، قيل له: فقلِّدْ كلَّ من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقًا كثيرًا، ولا تخُصَّ من قلَّدتَه إذ عِلَّتك فيه أنه أعلم منك. فإن قال: قلَّدتُه لأنه أعلمُ الناس، قيل له: فهو إذًا أعلمُ (١) من الصحابة، وكفى بقول مثلِ هذا قبحًا. فإن قال: أنا أقلِّد بعضَ الصحابة، قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلِّد منهم، ولعل من تركتَ قوله منهم [٩/أ] أفضلُ ممن أخذتَ بقوله. على أن القول لا يصحُّ لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. وقد ذكر ابن مُزَين (٢) عن عيسى بن دينار قال: عن [ابن] القاسم عن مالك قال: ليس كلَّما قال رجل قولًا ــ وإن كان له (٣) فضلٌ ــ يُتَّبَع عليه؛ لقول الله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨].

стр. 1202

فإن قال (١): قِصَري وقلَّة علمي يَحمِلني على التقليد، قيل له: أما من قلَّد فيما ينزِل به من أحكام (٢) شريعته عالمًا يتفق له على علمه فيصدرُ في ذلك عما يُخبِره فمعذورٌ؛ لأنه قد أتى ما (٣) عليه، وأدَّى ما لزِمه (٤) فيما نزل به لجهله، ولا بُدَّ له من تقليدِ عالِمه فيما جهله؛ لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلِّد من يَثِقُ بخبره في القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك. ولكن من كانت هذه حالَه هل تجوز له الفتوى في شرائع دين الله، فيحمِلُ غيرَه على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك، ويُصيِّرها إلى غيرِ من (٥) كانت في يديه بقولٍ لا يَعرِف صحته ولا قام له الدليل عليه، وهو مقِرٌّ أن قائله يخطئ ويصيب، وأنّ مخالفَه في ذلك ربّما كان المصيبَ فيما يخالفه فيه؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهِلَ الأصلَ والمعنى لحفظِه الفروعَ لزِمَه أن يجيزه للعامة، وكفى بهذا جهلًا وردًّا للقرآن. قال الله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]. وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبيَّن ولم (٦) يُستيقَن فليس بعلم، وإنما هو ظنّ، والظنّ لا يُغنِي من الحقّ شيئًا.

стр. 1203

ثم ذكر (١) حديث ابن عباس: «من أفتى بفُتيا وهو يَعمَى عنها كان إثمُها عليه» موقوفًا (٢) ومرفوعًا (٣). قال: وثبتَ (٤) عن النبي ﷺ : «إيّاكم والظنَّ، فإنّ الظنّ أكذبُ الحديث» (٥). قال (٦): ولا خلافَ بين أئمة الأمصار في فساد التقليد، ثم ذكر من طريق ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو عثمان بن سَنَّة (٧) أن رسول الله ﷺ قال: «إن العلم بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء» (٨). [٩/ب] ومن طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، قيل له (٩): يا

стр. 1204

رسول الله، وما الغرباء؟ قال: «الذين يُحيون سنتي ويُعلِّمونها عبادَ الله» (١). وكان يقال: العلماء غُرباءُ لكثرة الجهّال (٢). ثم ذكر (٣) عن مالك عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] قال: بالعلم. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، قال: يرفع الله الذين أُوتوا العلمَ من المؤمنين على الذين لم يُؤتَوا العلمَ درجاتٍ (٤). وروى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] قال: بالعلم (٥).

стр. 1205

وإذا كان المقلِّد ليس من العلماء باتفاق العلماء لم يدخل في شيء من هذه النصوص، وبالله التوفيق. فصل وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم ، وذمُّوا من أخذ أقوالهم بغير حجة؛ فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجّة كمثل حاطب ليلٍ، يَحمل حُزمةَ حطبٍ وفيه أفعى تلدغُه، وهو لا يدري. ذكره البيهقي (١). وقال إسماعيل بن يحيى المُزَني في أول «مختصره» (٢): اختصرتُ هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله، لأقرِّبه على من أراده، مع إعلامِيْهِ (٣) نهْيَه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه. وقال أبو داود (٤): قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبعُ من مالك؟ قال: لا تقلِّدْ دينَك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخُذْ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر. وقد فرَّق أحمد بين التقليد والاتّباع، فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتّباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو من بعدُ في

стр. 1206

التابعين مخيَّر (١). وقال أيضًا: لا تقلِّدني [١٠/أ] ولا تقلِّدْ مالكًا ولا الثوريَّ ولا الأوزاعيَّ، وخذْ من حيث أخذوا (٢). وقال: مِن قلّة فقهِ الرجل أن يقلِّد دينَه الرجالَ (٣). وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحلُّ لأحدٍ أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا (٤). وقد صرَّح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف مَن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟ فقال جعفر الفِريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، حدثني الهيثم بن جَمِيل، قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إنّ عندنا قومًا وضعوا كتبًا، يقول أحدهم: ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: وصحَّ عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية، كما صحّ عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يُستتابون (٥)، والله أعلم (٦).

стр. 1207

فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلّد وبين صاحبِ حجة منقادٍ للحقّ حيث كان قال المقلّد: نحن معاشر المقلّدين ممتثلون (١) قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فأمر سبحانه من لا علمَ له أن يسأل من هو أعلم منه، وهذا نصُّ قولنا، وقد أرشد النبي ﷺ من لا يعلم (٢) إلى سؤال من يعلم، فقال في حديث صاحب الشجَّة: «ألَّا سألوا إذْ (٣) لم يعلموا؟ إنما شفاءُ العيِّ السؤالُ» (٤). وقال أبو العَسِيف الذي زنى بامرأةِ مستأجِرِه: «وإنى سألت أهلَ العلمِ فأخبروني أنما (٥) على ابني جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ، وأن على امرأة هذا الرجمَ» (٦). فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلمُ منه.

стр. 1208

وهذا عالم الأرض عمر قد قلَّد أبا بكر، فروى شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: أقضي فيها، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنّي ومن الشيطان والله منه بريء، هو ما دون الولد والوالد، فقال عمر [١٠/ب] بن الخطاب: إني لأستحيي من الله أن أخالفَ أبا بكر (١). وصحَّ عنه أنه قال له: رأيُنا لرأيِك تَبَعٌ (٢) (٣). وصحَّ عن ابن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر (٤). وقال الشعبي عن مسروق: كان ستة من أصحاب النبي ﷺ يفتون الناس: ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي بن

стр. 1209

كعب، وأبو موسى، وكان ثلاثة منهم يَدَعُون قولهم لقول ثلاثة: كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب (١). وقال جندب (٢): ما كنت أدَعُ قولَ ابنِ مسعود لقول أحدٍ من الناس (٣). وقد قال النبي ﷺ : «إنَّ معاذًا قد سنَّ لكم سنَّةً، فكذلك فافعلوا» (٤)، في شأن الصلاة حيث أخّر، فصلّى ما فاته مع الإمام بعد الفراغ، وكانوا يصلُّون ما فاتهم أولًا ثم يدخلون مع الإمام. قال المقلّد: وقد أمر الله بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر، وهم العلماء، أو العلماء والأمراء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعةٌ تختصُّ بهم. وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وتقليدهم اتباعٌ لهم، ففاعله ممن ﵁، ويكفي في ذلك الحديث المشهور: «أصحابي

стр. 1210

كالنجومِ، فبأيِّهم اقتديتم اهتديتم» (١). وقال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مُستنًّا فليستنَّ بمن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفتنةُ، أولئك أصحاب محمدٍ أبرُّ هذه الأمةِ (٢) قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرِفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم (٣). وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنّتي [١١/أ] وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي» (٤).

стр. 1211

وقال: «اقتدُوا باللذينِ من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدُوا بهدْي عمّار، وتمسَّكوا بعهد ابن أم عبد» (١). وقد كتب عمر إلى شُريح: أنِ اقْضِ بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ فاقضِ بما قضى به الصالحون (٢). وقد منع عمر من بيع أمهات الأولاد (٣) وتبعه الصحابة، وأَلزم بالطلاق الثلاث (٤) وتبعوه أيضًا، واحتلم مرةً فقال له عمرو بن العاص: خذْ ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلتُها صارت سنةً (٥).

стр. 1212

وقد قال (١) أبي بن كعب وغيره من الصحابة: ما استبانَ لك فاعمَلْ به، وما اشتبهَ عليك فكِلْهُ إلى عالمِه (٢). وقد كان الصحابة يفتون ورسول الله ﷺ حيٌّ بين أظهُرِهم، وهذا تقليد لهم قطعًا؛ إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فأوجب عليهم قبولَ ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا تقليدٌ منهم للعلماء. وصحَّ عن ابن الزبير أنه سئل عن الجدّ والإخوة، فقال: أما الذي قال رسولُ الله ﷺ : «لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذته خليلًا»، فإنه أنزله أبًا (٣). وهذا ظاهر في تقليده له. وقد أمر الله سبحانه بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له، وجاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارِص والقاسم والمقوِّم للمُتْلَفات وغيرها، والحاكمَيْنِ بالمثل في جزاء (٤) الصيد، وذلك تقليدٌ محْض. وأجمعت الأمة على قبول قول المترجم والرسول والمعرِّف والمعدِّل

стр. 1213

وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد، وذلك (١) تقليد محض لهؤلاء. وأجمعوا على جواز شِرَى اللُّحمانِ والثياب [١١/ب] والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حِلّها وتحريمها اكتفاءً بتقليد أربابها، ولو كُلِّف الناس كلُّهم الاجتهادَ وأن يكونوا علماءَ لضاعت مصالح العباد، وتعطَّلت الصنائع والمتاجر، وكان الناس كلُّهم علماء مجتهدين، وهذا مما لا سبيلَ إليه شرعًا، والقدر قد مَنَع من وقوعه. وقد أجمع الناس على تقليد الزوج للنساء اللاتي يُهدِين إليه زوجتَه، وجوازِ وطئها تقليدًا لهنّ في كونها هي زوجته. وأجمعوا على أن الأعمى يقلِّد في القبلة، وعلى تقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة وما يصحُّ به الاقتداء، وعلى تقليد الزوجة ــ مسلمةً كانت أو ذميةً ــ أن حيضها قد انقطع فيباح للزوج وطْؤُها بالتقليد، ويُباح للوليّ تزويجُها بالتقليد لها في انقضاء عدّتها، وعلى جواز تقليد الناس للمؤذِّنين في دخول أوقات الصلوات، ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل. وقد قالت الأمة السوداء لعقبة بن الحارث: أرضعتُك وأرضعتُ امرأتك، فأمره النبي ﷺ بفراقها وتقليدها (٢) فيما أخبرتْه به من ذلك (٣). وقد صرَّح الأئمة بجواز التقليد، فقال حفص بن غِياث: سمعت سفيان يقول: إذا رأيت الرجلَ يعمل العملَ الذي قد اختُلِفَ فيه وأنت ترى تحريمَه

стр. 1214

فلا تَنْهَه (١) (٢). وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليدُ من هو أعلمُ منه، ولا يجوز له تقليدُ من هو مثلَه (٣). وقد صرَّح الشافعيُّ بالتقليد فقال: في الضِّلع بعيرٌ، قلتُه تقليدًا لعمر (٤). وقال في مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب: قلته تقليدًا لعثمان (٥). وقال في مسألة الجدّ مع الإخوة: إنه يُقاسِمهم، ثم قال (٦): وإنما قلتُ بقول زيد، وعنه قبلنا أكثر الفرائض (٧). وقد قال في موضع آخر من كتابه الجديد: قلته تقليدًا لعطاء (٨).

стр. 1215

وهذا أبو حنيفة ﵀ قال في مسائل الآبار (١): ليس معه [١٢/أ] فيها إلا تقليدُ من تقدَّمه من التابعين فيها (٢). وهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة، ويصرّح في «موطَّئه» بأنه أدرك العمل على هذا، وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا (٣). ويقول في غير موضع: «ما رأيتُ أحدًا أَقتدِي به يفعله» (٤). ولو جمعنا ذلك من كلامه لطال. وقد قال الشافعي في الصحابة: رأيهم لنا خيرٌ من رأيِنا لأنفسنا (٥). ونحن نقول ونصدِّق أن رأي الشافعي والأئمة معه لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا. وقد جعل الله سبحانه في فِطَرِ العباد تقليدَ المتعلّمين للأستاذين والمعلِّمين، ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا، وذلك عامٌّ في كلّ علم

стр. 1216

وصناعة، وقد فاوتَ الله سبحانه بين قوى الأذهان كما فاوتَ بين قوى الأبدان، فلا يحسُن في حكمته وعدله ورحمته أن يَفرِض على جميع خلقه معرفةَ الحق بدليله والجواب عن معارضه في جميع مسائل الدين دقيقِها وجليلِها؛ ولو كان كذلك لتساوتْ أقدامُ الخلائق في كونهم علماء، بل جعل سبحانه هذا عالمًا، وهذا متعلّمًا، وهذا متبعًا للعالم مؤتمًّا به، بمنزلة المأموم مع الإمام والتابع مع المتبوع. وأين حرَّم الله تعالى على الجاهل أن يكون متبعًا للعالم مؤتمًّا به مقلّدًا له، يسيرُ بسيرِه وينزل بنزوله؟ وقد علم الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كلَّ وقت نازلةٌ بالخلق، فهل فرض على كلّ منهم فرضَ عينٍ أن يأخذ حكم نازلته من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها؟ وهل ذلك في إمكانٍ فضلًا عن كونه مشروعًا؟ وهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا البلاد، وكان الحديثُ العهدِ بالإسلام يسألهم فيفتونه، ولا يقولون له: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل، ولا يُعرف ذلك عن أحدٍ منهم البتَّةَ. وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود فهو من لوازم الشرع والقدر. [١٢/ب] والمنكرون له مضطرُّون إليه ولا بدَّ، وذلك فيما تقدَّم بيانه من الأحكام وغيرها. ونقول لمن احتجَّ على إبطاله: كل حجة أثرية ذكرتَها فأنت مقلِّدٌ لحَمَلَتِها ورواتها؛ إذ لم يقُمْ دليل قطعيٌّ على صدقهم، فليس بيدك إلا تقليد الراوي، وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، وكذلك ليس بيد العامّي إلا تقليد العالم، فما الذي سوَّغَ لك تقليدَ الراوي والشاهد ومَنَعَنا من تقليد العالم؟ وهذا سمع بأذنه ما رواه، وهذا عقَلَ بقلبه ما سمعه، فأدَّى هذا مسموعَه، وأدَّى هذا معقولَه، وفُرِض على هذا تأديةُ ما سمعه، وعلى هذا

стр. 1217

تأديةُ ما عقَلَه، وعلى من لم يَبلغ منزلتَهما القبولُ منهما. ثم يقال للمانعين من التقليد: أنتم منعتموه خشيةَ وقوع المقلّد في الخطأ بأن يكون من قلَّده مخطئًا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق، ولا ريبَ أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه. وهذا كمن أراد شراء سِلْعةٍ لا خِبرةَ له بها، فإنه إذا قلَّد عالمًا بتلك السلعة خبيرًا بها أمينًا ناصحًا كان صوابه وحصول غرضه أقربَ من اجتهاده لنفسه، وهذا متفقٌ عليه بين العقلاء. قال أصحاب الحجة: عجبًا لكم معاشرَ المقلّدين الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم (١) ليسوا من أهله ولا معدودين (٢) في زمرة أهله، كيف أبطلتم مذهبكم بنفس دليلكم؟ فما للمقلّد وما للاستدلال؟ وأين منصب المقلّد من منصب المستدِلّ؟ وهل ما (٣) ذكرتم من الأدلة إلا ثيابٌ استعرتُموها من صاحب الحجة فتجمَّلتم بها بين الناس؟ وكنتم في ذلك متشبّعين بما لم تُعطَوه، ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تُؤتَوه؟ وذلك ثوبُ زورٍ لبِستموه، ومنصب لستم من أهله غَصَبتموه. [١٣/أ] فأخبِرونا: هل صرتم إلى التقليد لدليلٍ (٤) قادكم إليه، وبرهانٍ دلَّكم عليه، فنزَلْتم به من الاستدلال أقربَ منزل، وكنتم به عن التقليد بمعزلٍ، أم

стр. 1218

سلكتم سبيلَه اتفاقًا وبَخْتًا (١) عن غير دليل؟ وليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين سبيل (٢)، وأيُّهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكم، والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم. ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة قلتم: لسنا من أهل هذه (٣) السبيل، وإن خاطبناكم بحكم التقليد فلا معنى لما أقمتموه من الدليل. والعجب أن كلَّ طائفة من الطوائف، وكلَّ أمة من الأمم تدَّعي أنها على حق، حاشا فرقة التقليد فإنهم (٤) لا يدَّعون ذلك، ولو ادَّعَوه لكانوا مُبطِلين، فإنهم شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليلٍ قادَهم إليه، وبرهانٍ دلَّهم عليه، وإنما سبيلهم محضُ التقليد، والمقلِّد لا يعرف الحقَّ من الباطل، ولا الحاليَ من العاطل. وأعجبُ من هذا أن أئمتهم نَهَوهم عن تقليدهم فعَصَوهم وخالفوهم، وقالوا: نحن على مذاهبهم، وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بَنَوا عليه، فإنهم بَنَوا على الحجة، ونَهَوا عن التقليد، وأوصَوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه، فخالفوهم في ذلك كله، وقالوا: نحن من أتباعهم، تلك أمانِيُّهم، وما أتباعهم إلا مَن سلك سبيلهم، واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم.

стр. 1219

وأعجب من هذا أنهم مصرِّحون (١) في كتبهم ببطلان التقليد وتحريمه، وأنه لا يحلُّ القول به في دين الله، ولو اشترط الإمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معيَّنٍ لم يصحَّ شرطُه ولا توليتُه، ومنهم من صحَّح التولية وأبطل الشرط، وكذلك المفتي يَحرُم عليه الإفتاء بما لا يعلم صحته باتفاق الناس، والمقلِّد لا علمَ له (٢) بصحة القول وفساده؛ إذ طريق ذلك مسدودةٌ عليه، ثم كلٌّ منهم يعرِف من نفسه أنه مقلِّد لمتبوعه لا يفارق قوله، ويترك له كلَّ ما خالفه [١٣/ب] من كتاب أو سنة أو قول صاحب أو قول من هو أعلمُ من متبوعه أو نظيره، وهذا من أعجب العجب. وأيضًا فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلًا منهم يقلِّده في جميع أقواله فلم يُسقِط منها شيئًا، وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئا. ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابع (٣) التابعين، فليكذِّبْنا المقلّدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمةَ في القرون الفضيلة (٤) على لسان رسول الله ﷺ ، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه ﷺ ؛ فالمقلّدون لمتبوعيهم (٥) في جميع ما قالوه يبيحون به الفروج والدماء والأموال ويُحرِّمونها (٦)، ولا

стр. 1220

يدرون أذلك صواب أم خطأ= على خطر عظيم، ولهم بين يدي الله موقف شديد يعلم فيه من قال على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء. وأيضًا فنقول لكل من قلَّد واحدًا من الناس دون غيره: ما الذي خصَّ صاحبك أن يكون أولى بالتقليد من غيره؟ فإن قال: لأنه أعلمُ أهلِ عصره، وربما فضَّله على مَن قبله مع جَزْمِه الباطل أنه لم يجئ بعده أعلمُ منه. قيل له: وما يُدرِيك ــ ولستَ من أهل العلم بشهادتك على نفسك ــ أنه أعلم الأمة في وقته؟ فإنّ هذا إنما يعرفه من عرف المذاهبَ وأدلَّتها وراجحَها من مرجوحها، فما للأعمى ونقدِ الدراهم؟ وهذا أيضًا باب آخر من القول (١) على الله بلا علم. ويقال له ثانيًا: فأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان (٢) وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وعائشة وابن عباس وابن عمر ﵃ أعلمُ من صاحبك بلا شك، فهلّا قلّدتَهم وتركتَه (٣)؟ بل سعيد بن المسيّب والشعبيّ وعطاء وطاوس وأمثالهم أعلمُ وأفضلُ بلا شك، فلِمَ تركتَ تقليدَ الأعلم [١٤/أ] الأفضل الأجمع لأدوات الخير والعلم والدين ورغِبتَ عن أقواله ومذاهبه إلى من هو دونه؟ فإن قال: لأن صاحبي ومن قلَّدته أعلم به مني، فتقليدي له أوجبَ عليَّ مخالفةَ قوله لقول من قلّدته؛ لأن وفور علمه ودينه يمنعه (٤) من مخالفة من

стр. 1221

هو فوقه وأعلم منه إلا لدليل صار إليه هو أولى من قولِ كلّ واحد من هؤلاء. قيل له: ومن أين علمتَ أن الدليل الذي صار إليه صاحبك الذي زعمت أنت أنه صاحبك أولى من الدليل الذي صار إليه من هو أعلم منه وخير منه أو هو نظيره؟ وقولان معًا متناقضان لا يكونان صوابًا، بل أحدهما هو الصواب، ومعلوم أن ظَفَرَ الأعلمِ الأفضل بالصواب أقربُ من ظفرِ مَن هو دونه. فإن قلت: علمت ذلك بالدليل، فههنا إذًا فقد انتقلتَ عن منصب التقليد إلى منصب الاستدلال، وأبطلتَ التقليد. ثم يقال لك ثالثًا (١): هذا لا ينفعك شيئًا البتَّةَ فيما اختُلِف فيه، فإن من قلَّدته ومن قلَّده غيرك قد اختلفا، وصار من قلّده غيرك إلى موافقة أبي بكر وعمر أو علي وابن عباس أو عائشة وغيرهم دون من قلَّدتَه، فهلّا نصحتَ نفسك وهُدِيتَ لرشدك وقلتَ: هذان عالمان كبيران، ومع أحدهما مَن ذكر من الصحابة فهو أولى بتقليدي إياه. ويقال رابعًا: إمامٌ بإمام، ويسلم (٢) قول الصحابي، فيكون أولى بالتقليد. ويقال خامسًا: إذا جاز أن يظفَر من قلّدتَه بعلمٍ خفيَ على عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وذويهم (٣)، فأجوَزُ

стр. 1222

وأجوَزُ أن يظفر نظيره ومن بعده بعلمٍ خفي عليه هو؛ فإن الشَّبه (١) بين من قلّدته وبين نظيره ومن بعده أقربُ بكثير من الشبه بين من قلَّدته (٢) وبين الصحابة، والخفاء على من قلّدته أقرب من الخفاء على [١٤/ب] الصحابة. ويقال سادسًا: إذا سوَّغتَ لنفسك مخالفة الأفضل الأعلم لقول المفضول فهلّا سوَّغتَ لها مخالفة المفضول لمن هو أعلم منه؟ وهل كان الذي ينبغي ويجب إلا عكس ما ارتكبتَ؟ ويقال سابعًا: هل أنت في تقليد إمامك وإباحة الفروج والدماء (٣) والأموال ونقْلِها عمّن هي بيده إلى غيره موافقٌ لأمر الله أو رسوله أو إجماع أمته أو قول أحد من الصحابة؟ فإن قال: «نعم» قال ما يعلم الله ورسوله وجميع العلماء بطلانَه (٤)، وإن قال: «لا» فقد كفانا (٥) مؤنته، وشهد على نفسه بشهادة الله ورسوله وأهل العلم عليه (٦). ويقال ثامنًا: تقليدك لمتبوعك يُحرِّم (٧) عليك تقليدَه؛ فإنه نهاك عن ذلك، وقال: لا يحلُّ لك أن تقول بقوله حتى تعلم من أين قاله، ونهاك عن تقليده وتقليد غيره من العلماء، فإن كنتَ مقلّدًا له في جميع مذهبه فهذا من

стр. 1223

مذهبه، فهلّا اتبعتَه فيه؟ ويقال تاسعًا: هل أنت على بصيرة في أن من قلّدته أولى بالصواب من سائر من رغِبتَ عن قوله من الأولين والآخرين أم لستَ على بصيرة؟ فإن قال: «أنا على بصيرة» قال ما يُعلَم بطلانه، وإن قال: «لست على بصيرة» وهو الحق، قيل له: فما عذرك غدًا بين يدي الله حين لا ينفعك من قلّدته بحسنة واحدة، ولا يحمل عنك سيئة واحدة، إذا حكمتَ وأفتيتَ بين خلقه بما لستَ على بصيرةٍ منه هل هو صواب أم خطأ؟ ويقال عاشرًا: هل تدَّعي عصمة متبوعك أو تجوِّز عليه الخطأ؟ والأول لا سبيل إليه، بل تُقِرُّ ببطلانه؛ فتعيَّن الثاني، وإذا جوَّزت عليه الخطأ (١)، فكيف تحلِّل (٢) وتحرِّم وتُوجِب وتُرِيق الدماء وتُبِيح الفروج وتنقل الأموال وتَضْرِب الأَبْشَار (٣) بقول مَن أنت مقِرٌّ بجواز كونه مخطئًا؟ ويقال حادي عشر: هل تقول [١٥/أ] إذا أفتيتَ وحكمتَ بقول من قلّدته: إن هذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله، وأنزل به كتابه وشرعه لعباده، ولا دينَ له سواه؟ أو تقول: إنّ دين الله الذي شرعَه لعباده خلافُه؟ أو تقول: لا أدري؟ ولا بدَّ لك من قولٍ من هذه الأقوال. ولا سبيل لك إلى الأول قطعًا؛ فإن دين الله الذي لا دينَ له سواه لا تَسُوغ مخالفته، وأقلُّ درجات مخالفه أن يكون من الآثمين، والثاني لا تدَّعيه (٤)، فليس لك ملجأٌ

стр. 1224

إلا الثالث. فيا لله العجب! كيف تُستباح الفروج والدماء والأموال والحقوق وتُحلَّل وتُحرَّم بأمرٍ أحسنُ أحواله وأفضلُها «لا أدري»؟ فإن كنتَ لا تَدرِي فتلك مصيبةٌ ... وإن كنتَ تَدرِي فالمصيبةُ أعظم (١) ويقال ثاني عشر: على أي شيء كان الناس قبل أن يولَد فلان وفلان وفلان (٢) الذين قلّدتموهم وجعلتم أقوالهم بمنزلة نصوص الشارع؟ وليتَكم اقتصرتم على ذلك، بل جعلتموها أولى بالاتباع من نصوص الشارع، أفكان الناس قبل وجود هؤلاء على هُدًى أو على ضلالة؟ فلا بدَّ من أن تُقِرّوا بأنهم كانوا على هدى، فيقال لهم: فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن والسنن والآثار، وتقديم قول الله ورسوله وآثار الصحابة على ما يخالفها، والتحاكم إليها دون قول فلان ورأي فلان؟ وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعدَ الحقّ إلا الضلال فأنى تؤفكون؟ فإن قالت كلُّ فرقةٍ من المقلّدين، وكذلك يقولون: صاحبنا (٣) هو الذي ثبتَ على ما مضى عليه السلف، واقتفى منهاجَهم، وسلك سبيلَهم، قيل لهم: فمَن سواه من الأئمة هل شارَك صاحِبَكم في ذلك أو انفرد صاحبُكم بالاتباع وحُرِمَه مَن عداه؟ فلا بدَّ من واحدٍ من الأمرين، فإن قالوا بالثاني فهم أضلُّ

стр. 1225

سبيلًا من الأنعام، وإن قالوا بالأول فيقال: فكيف [١٥/ب] وُفِّقتم لقبول قول صاحبكم كلِّه، وردِّ قولِ من هو مثله أو أعلمُ منه كله، فلا يُرَدُّ لهذا قول، ولا يُقبَل لهذا قول، حتى كأنّ الصواب وقفٌ (١) على صاحبكم والخطأ وقفٌ على من خالفه، ولهذا أنتم موكَّلون بنصرته في كلّ ما قاله، وبالرد على من خالفه في كلّ ما قاله، وهذه حال الفرقة الأخرى معكم. ويقال ثالث عشر: فمن قلّدتموه من الأئمة قد نهوكم عن تقليدهم، فأنتم أولُ مخالفٍ لهم. قال الشافعي: مثلُ الذي يطلب العلم بلا حجةٍ كمثل حاطبِ ليلٍ، يَحمل حُزْمةَ حطبٍ، وفيه أفعى تلدغُه (٢)، وهو لا يدري. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يحلُّ لأحدٍ أن يقول بقولنا، حتى يعلمَ من أين قلناه. وقال أحمد: لا تقلِّدْ دينَك أحدًا (٣). ويقال رابع عشر: هل أنتم موقنون بأنكم غدًا (٤) موقوفون بين يدي الله، وتُسألون عما قضيتم به في دماء عباده وفروجهم وأَبْشارهم وأموالهم، وعما أفتيتم به في دينه محرّمين ومحلّلين ومُوجِبين؟ فمن قولهم: «نحن موقنون بذلك»، فيقال لهم: فإذا سألكم مِن أين قلتم ذلك؟ فماذا جوابكم؟ فإن قلتم:

стр. 1226

جوابنا أنّا حلّلنا وحرّمنا وقضينا بما في كتاب «الأصل» لمحمد بن الحسن مما رواه عن أبي حنيفة وأبي يوسف من رأيٍ واختيار، وبما في «المدونة» من رواية سَحْنون عن ابن القاسم من رأيٍ واختيار، وبما في «الأم» من رواية الربيع من رأيٍ واختيار، وبما في جوابات غير هؤلاء من رأيٍ واختيار، وليتَكُم اقتصرتم على ذلك أو صعدتم إليه أو سَمَتْ هِمَمُكم نحوه، بل نزلتم عن ذلك طبقاتٍ، فإذا سُئِلتم: هل فعلتم ذلك عن أمري أو أمر رسولي؟ فماذا يكون جوابكم إذًا؟ فإن أمكنكم حينئذٍ أن تقولوا: فعلْنا ما أمرتَنا به وأمرنا به رسولُك، فُزتم وتخلَّصتم، وإن لم يمكنكم ذلك فلا بدَّ أن تقولوا: لم تأمرنا بذلك ولا رسولك ولا أئمتنا، ولا بدَّ [١٦/أ] من أحد الجوابين، وكأنْ قَدْ (١). ويقال خامس عشر: إذا نزل عيسى ابن مريم إمامًا عدلًا وحكمًا مُقسِطا (٢)، فبمذهبِ مَن يحكم؟ وبرأيِ مَن يقضي؟ ومعلوم أنه لا يحكم ويقضي (٣) إلا بشريعة نبينا ﷺ التي شرعَها لعباده؛ فذلك الذي يقضي به أحقُّ، وأولى الناسِ به عيسى ابن مريم هو الذي أوجب عليكم أن تَقضُوا وتُفتوا به (٤)، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يقضي ولا يفتي بشيء سواه البتَّةَ.

стр. 1227

فإن قلتم: نحن وأنتم في هذا السؤال سواء، قيل: أجلْ، ولكن نفترق في الجواب، فنقول: يا ربنا إنك لتعلم أنّا لم نجعلْ أحدًا من الناس عِيارًا على كلامك وكلام رسولك، ونَرُدَّ (١) ما تنازعنا فيه إليه، ونتحاكَمْ إلى قوله، ونُقدِّمْ أقواله على كلامك وكلام رسولك وكلام أصحاب رسولك، وكان الخلق عندنا أهْوَن أن نقدِّم كلامَهم وآراءَهم على وحيك، بل أفتينا بما وجدناه في كتابك، وبما وصل إلينا من سنة رسولك، وبما أفتى به أصحابُ نبيك، وإن عَدَلْنا عن ذلك فخطأٌ منا لا عَمْدٌ، ولم نتخذ من دونِك ولا رسولِك ولا المؤمنين وليجةً، ولم نفرِّق ديننا ونكون شِيَعًا، ولم نتقطَّعْ أمرَنا بيننا زُبرًا. وجعلنا أئمتنا قدوةً لنا، ووسائطَ بيننا وبين رسولك في نقلهم ما بلَّغوه إلينا عن رسولك (٢)، فاتبعناهم في ذلك، وقلَّدناهم فيه، إذ أمرتَنا أنت وأمرنا رسولك بأن نسمع منهم، ونقبلَ (٣) ما بلَّغوه عنك وعن رسولك، فسمْعًا لك ولرسولك وطاعةً. ولم نتخذْهم أربابًا نتحاكمُ إلى أقوالهم، ونُخاصِم بها، ونُوالي ونُعادي عليها، بل عرضنا أقوالَهم على كتابك وسنة رسولك، فما وافقهما قبِلناه، وما خالفهما أعرضْنا عنه وتركناه، وإن كانوا أعلمَ منّا بك وبرسولك، فمن وافق قولُه قولَ رسولك كان أعلمَ منهم في تلك المسألة. فهذا جوابنا، ونحن نُناشِدكم الله: هل أنتم كذلك حتى يُمكِنكم هذا الجواب بين يدي مَن لا يُبَدَّلُ القولُ لديه، ولا يَرُوجُ الباطل [١٦/ب] عليه؟

стр. 1228

ويقال سادس عشر: كل طائفة منكم ــ معاشرَ طوائف المقلّدين ــ قد أنزلتْ جميعَ الصحابة من أولهم إلى آخرهم وجميعَ التابعين من أولهم إلى آخرهم وجميع علماء الأمة من أولهم إلى آخرهم إلا من قلَّدوه= في مكانِ مَن (١) لا يُعتَدُّ بقوله، ولا يُنظر في فتاواه، ولا يُشتَغل بها، ولا يُعتَدُّ بها، ولا وجهَ للنظر فيها إلا للتمحُّل (٢) وإعمالِ الفكر وُكْدَه في الردّ عليهم إذْ خالف قولُهم قولَ متبوعهم، وهذا هو المسوِّغ للردّ عندهم، فإذا خالف قولُ متبوعهم نصًّا عن الله ورسوله فالواجب التمحُّلُ والتكلُّف في إخراج ذلك النص عن دلالته، والتحيُّلُ لدفعه بكل طريق حتى يصح قولُ متبوعهم. فيا لله لدينه وكتابه وسنة رسوله ولبدعةٍ كادت تَثُلُّ (٣) عرشَ الإيمان وتَهُدُّ (٤) ركنَه، لولا أن الله ضمِنَ لهذا الدين أن لا يزال فيه من يتكلّم بأعلامه ويذبُّ عنه. فمَن أسوأُ ثناءً على الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين، وأشدُّ استخفافًا بحقوقهم، وأقلُّ رعايةً لواجبهم، وأعظم استهانةً بهم، ممن لا يلتفت إلى قول رجل واحد منهم ولا إلى فتواه، غير صاحبه الذي اتخذه وليجةً من دون الله ورسوله؟ ويقال سابع عشر: من عجيب (٥) أمركم أيها المقلّدون أنكم اعترفتم وأقررتم على أنفسكم بالعجز عن معرفة الحق بدليله من كلام الله ورسوله، مع سهولته وقُرب مأخذه، واستيلائه على أقصى غايات البيان، واستحالةِ التناقض والاختلاف عليه؛ فهو نَقْل مصدَّق عن قائل معصوم، وقد نصبَ الله

стр. 1229

سبحانه الأدلة الظاهرة على الحق وبيَّن لعباده ما يتقون، فادَّعيتم العجز عن معرفة ما نصبَ عليه الأدلة وتولَّى بيانه، ثم زعمتم أنكم قد عرفتم بالدليل أن صاحبكم أولى بالتقليد من غيره، وأنه أعلم الأمة [١٧/أ] وأفضلها في زمانه وهَلُمَّ جرًّا، وغلاة كل طائفة منكم توجب اتباعَه وتحرِّم اتباع غيره كما هو في كتب أصولهم. فعجبًا كلّ العجب لمن خفي عليه الترجيح فيما نصب الله عليه الأدلة من الحق، ولم يهتدِ (١) إليها، واهتدى إلى أن متبوعه أحقُّ وأولى بالصواب ممن عداه، ولم يَنْصِب الله على ذلك دليلًا واحدًا. ويقال ثامن عشر: أعجبُ من هذا كله من شأنكم معاشرَ المقلّدين أنكم إذا وجدتم آية من كتاب الله توافق رأي صاحبكم أظهرتم أنكم تأخذون بها، والعمدة في نفس الأمر على ما قاله، لا على الآية، وإذا وجدتم آيةً نظيرَها تخالف قوله لم تأخذوا بها، وتطلَّبتم لها وجوه التأويل وإخراجها عن ظاهرها حيث لم توافق رأيه، وهكذا تفعلون في نصوص السنة سواء (٢)، إذا وجدتم حديثًا صحيحًا يوافق قوله أخذتم به، وقلتم: لنا قوله (٣) ﷺ كيتَ وكيتَ، وإذا وجدتم مائة حديث صحيح بل أكثر تخالف قوله لم تلتفتوا إلى حديث (٤) منها، ولم يكن لكم منها حديث واحد فتقولون: لنا قوله ﷺ كذا وكذا، وإذا وجدتم مرسلًا قد وافق رأيه أخذتم به وجعلتموه حجة هناك، فإذا وجدتم مائة مرسلٍ تخالف رأيه اطَّرحتُموها كلّها من أولها إلى آخرها، وقلتم: لا نأخذ بالمرسل.

стр. 1230

ويقال تاسع عشر: أعجبُ من هذا أنكم إذا (١) أخذتم بالحديث (٢) مرسلًا كان أو مسندًا لموافقته رأيَ صاحبكم، ثم وجدتم فيه حكمًا يخالف رأيه لم تأخذوا به في ذلك الحكم، وهو حديث واحد، وكأنّ الحديث حجة فيما وافق رأيَ من قلّدتموه، وليس بحجة فيما خالف رأيه. ولنذكر من هذا طرفًا (٣) فإنه من عجيب (٤) أمرهم: فاحتج طائفة منهم على سلب طهورية الماء المستعمل في رفع الحدث بأن النبي ﷺ [١٧/ب] نهى أن يتوضأَ الرجلُ بفضلِ وضوء المرأةِ أو المرأةُ (٥) بفضلِ وضوءِ الرجلِ (٦). وقالوا: الماء المنفصل عن أعضائهما هو فضل وضوئهما. وخالفوا نفس الحديث؛ فجوَّزوا لكلٍّ منهما أن يتوضأ بفضل طَهور (٧) الآخر، وهو المقصود بالحديث، فإنه نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلَتْ بالماء، وليس عندهم للخلوة أثر، ولا لكون
следующие страницы →