← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

جوابنا أنّا حلّلنا وحرّمنا وقضينا بما في كتاب «الأصل» لمحمد بن الحسن مما رواه عن أبي حنيفة وأبي يوسف من رأيٍ واختيار، وبما في «المدونة» من رواية سَحْنون عن ابن القاسم من رأيٍ واختيار، وبما في «الأم» من رواية الربيع من رأيٍ واختيار، وبما في جوابات غير هؤلاء من رأيٍ واختيار، وليتَكُم اقتصرتم على ذلك أو صعدتم إليه أو سَمَتْ هِمَمُكم نحوه، بل نزلتم عن ذلك طبقاتٍ، فإذا سُئِلتم: هل فعلتم ذلك عن أمري أو أمر رسولي؟ فماذا يكون جوابكم إذًا؟ فإن أمكنكم حينئذٍ أن تقولوا: فعلْنا ما أمرتَنا به وأمرنا به رسولُك، فُزتم وتخلَّصتم، وإن لم يمكنكم ذلك فلا بدَّ أن تقولوا: لم تأمرنا بذلك ولا رسولك ولا أئمتنا، ولا بدَّ [١٦/أ] من أحد الجوابين، وكأنْ قَدْ (١). ويقال خامس عشر: إذا نزل عيسى ابن مريم إمامًا عدلًا وحكمًا مُقسِطا (٢)، فبمذهبِ مَن يحكم؟ وبرأيِ مَن يقضي؟ ومعلوم أنه لا يحكم ويقضي (٣) إلا بشريعة نبينا ﷺ التي شرعَها لعباده؛ فذلك الذي يقضي به أحقُّ، وأولى الناسِ به عيسى ابن مريم هو الذي أوجب عليكم أن تَقضُوا وتُفتوا به (٤)، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يقضي ولا يفتي بشيء سواه البتَّةَ.

стр. 1227

فإن قلتم: نحن وأنتم في هذا السؤال سواء، قيل: أجلْ، ولكن نفترق في الجواب، فنقول: يا ربنا إنك لتعلم أنّا لم نجعلْ أحدًا من الناس عِيارًا على كلامك وكلام رسولك، ونَرُدَّ (١) ما تنازعنا فيه إليه، ونتحاكَمْ إلى قوله، ونُقدِّمْ أقواله على كلامك وكلام رسولك وكلام أصحاب رسولك، وكان الخلق عندنا أهْوَن أن نقدِّم كلامَهم وآراءَهم على وحيك، بل أفتينا بما وجدناه في كتابك، وبما وصل إلينا من سنة رسولك، وبما أفتى به أصحابُ نبيك، وإن عَدَلْنا عن ذلك فخطأٌ منا لا عَمْدٌ، ولم نتخذ من دونِك ولا رسولِك ولا المؤمنين وليجةً، ولم نفرِّق ديننا ونكون شِيَعًا، ولم نتقطَّعْ أمرَنا بيننا زُبرًا. وجعلنا أئمتنا قدوةً لنا، ووسائطَ بيننا وبين رسولك في نقلهم ما بلَّغوه إلينا عن رسولك (٢)، فاتبعناهم في ذلك، وقلَّدناهم فيه، إذ أمرتَنا أنت وأمرنا رسولك بأن نسمع منهم، ونقبلَ (٣) ما بلَّغوه عنك وعن رسولك، فسمْعًا لك ولرسولك وطاعةً. ولم نتخذْهم أربابًا نتحاكمُ إلى أقوالهم، ونُخاصِم بها، ونُوالي ونُعادي عليها، بل عرضنا أقوالَهم على كتابك وسنة رسولك، فما وافقهما قبِلناه، وما خالفهما أعرضْنا عنه وتركناه، وإن كانوا أعلمَ منّا بك وبرسولك، فمن وافق قولُه قولَ رسولك كان أعلمَ منهم في تلك المسألة. فهذا جوابنا، ونحن نُناشِدكم الله: هل أنتم كذلك حتى يُمكِنكم هذا الجواب بين يدي مَن لا يُبَدَّلُ القولُ لديه، ولا يَرُوجُ الباطل [١٦/ب] عليه؟

стр. 1228

ويقال سادس عشر: كل طائفة منكم ــ معاشرَ طوائف المقلّدين ــ قد أنزلتْ جميعَ الصحابة من أولهم إلى آخرهم وجميعَ التابعين من أولهم إلى آخرهم وجميع علماء الأمة من أولهم إلى آخرهم إلا من قلَّدوه= في مكانِ مَن (١) لا يُعتَدُّ بقوله، ولا يُنظر في فتاواه، ولا يُشتَغل بها، ولا يُعتَدُّ بها، ولا وجهَ للنظر فيها إلا للتمحُّل (٢) وإعمالِ الفكر وُكْدَه في الردّ عليهم إذْ خالف قولُهم قولَ متبوعهم، وهذا هو المسوِّغ للردّ عندهم، فإذا خالف قولُ متبوعهم نصًّا عن الله ورسوله فالواجب التمحُّلُ والتكلُّف في إخراج ذلك النص عن دلالته، والتحيُّلُ لدفعه بكل طريق حتى يصح قولُ متبوعهم. فيا لله لدينه وكتابه وسنة رسوله ولبدعةٍ كادت تَثُلُّ (٣) عرشَ الإيمان وتَهُدُّ (٤) ركنَه، لولا أن الله ضمِنَ لهذا الدين أن لا يزال فيه من يتكلّم بأعلامه ويذبُّ عنه. فمَن أسوأُ ثناءً على الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين، وأشدُّ استخفافًا بحقوقهم، وأقلُّ رعايةً لواجبهم، وأعظم استهانةً بهم، ممن لا يلتفت إلى قول رجل واحد منهم ولا إلى فتواه، غير صاحبه الذي اتخذه وليجةً من دون الله ورسوله؟ ويقال سابع عشر: من عجيب (٥) أمركم أيها المقلّدون أنكم اعترفتم وأقررتم على أنفسكم بالعجز عن معرفة الحق بدليله من كلام الله ورسوله، مع سهولته وقُرب مأخذه، واستيلائه على أقصى غايات البيان، واستحالةِ التناقض والاختلاف عليه؛ فهو نَقْل مصدَّق عن قائل معصوم، وقد نصبَ الله

стр. 1229

سبحانه الأدلة الظاهرة على الحق وبيَّن لعباده ما يتقون، فادَّعيتم العجز عن معرفة ما نصبَ عليه الأدلة وتولَّى بيانه، ثم زعمتم أنكم قد عرفتم بالدليل أن صاحبكم أولى بالتقليد من غيره، وأنه أعلم الأمة [١٧/أ] وأفضلها في زمانه وهَلُمَّ جرًّا، وغلاة كل طائفة منكم توجب اتباعَه وتحرِّم اتباع غيره كما هو في كتب أصولهم. فعجبًا كلّ العجب لمن خفي عليه الترجيح فيما نصب الله عليه الأدلة من الحق، ولم يهتدِ (١) إليها، واهتدى إلى أن متبوعه أحقُّ وأولى بالصواب ممن عداه، ولم يَنْصِب الله على ذلك دليلًا واحدًا. ويقال ثامن عشر: أعجبُ من هذا كله من شأنكم معاشرَ المقلّدين أنكم إذا وجدتم آية من كتاب الله توافق رأي صاحبكم أظهرتم أنكم تأخذون بها، والعمدة في نفس الأمر على ما قاله، لا على الآية، وإذا وجدتم آيةً نظيرَها تخالف قوله لم تأخذوا بها، وتطلَّبتم لها وجوه التأويل وإخراجها عن ظاهرها حيث لم توافق رأيه، وهكذا تفعلون في نصوص السنة سواء (٢)، إذا وجدتم حديثًا صحيحًا يوافق قوله أخذتم به، وقلتم: لنا قوله (٣) ﷺ كيتَ وكيتَ، وإذا وجدتم مائة حديث صحيح بل أكثر تخالف قوله لم تلتفتوا إلى حديث (٤) منها، ولم يكن لكم منها حديث واحد فتقولون: لنا قوله ﷺ كذا وكذا، وإذا وجدتم مرسلًا قد وافق رأيه أخذتم به وجعلتموه حجة هناك، فإذا وجدتم مائة مرسلٍ تخالف رأيه اطَّرحتُموها كلّها من أولها إلى آخرها، وقلتم: لا نأخذ بالمرسل.

стр. 1230

ويقال تاسع عشر: أعجبُ من هذا أنكم إذا (١) أخذتم بالحديث (٢) مرسلًا كان أو مسندًا لموافقته رأيَ صاحبكم، ثم وجدتم فيه حكمًا يخالف رأيه لم تأخذوا به في ذلك الحكم، وهو حديث واحد، وكأنّ الحديث حجة فيما وافق رأيَ من قلّدتموه، وليس بحجة فيما خالف رأيه. ولنذكر من هذا طرفًا (٣) فإنه من عجيب (٤) أمرهم: فاحتج طائفة منهم على سلب طهورية الماء المستعمل في رفع الحدث بأن النبي ﷺ [١٧/ب] نهى أن يتوضأَ الرجلُ بفضلِ وضوء المرأةِ أو المرأةُ (٥) بفضلِ وضوءِ الرجلِ (٦). وقالوا: الماء المنفصل عن أعضائهما هو فضل وضوئهما. وخالفوا نفس الحديث؛ فجوَّزوا لكلٍّ منهما أن يتوضأ بفضل طَهور (٧) الآخر، وهو المقصود بالحديث، فإنه نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلَتْ بالماء، وليس عندهم للخلوة أثر، ولا لكون

стр. 1231

الفضلة فضلةَ امرأةٍ أثر، فخالفوا نفس الحديث الذي احتجُّوا به، وحملوا الحديث على غير محمله؛ إذ فضل الوضوء بيقين هو الماء الذي فَضَلَ منه، ليس هو الماء المتوضَّأ به، فإن ذلك لا يقال له فضل الوضوء، فاحتجوا به فيما لم يُرَدْ (١) به، وأبطلوا الاحتجاج به فيما أريد به. ومن ذلك احتجاجهم على نجاسة الماء بالملاقاة وإن لم يتغيَّر بنهيه ﷺ أن يُبالَ في الماء الدائم (٢)، ثم قالوا: لو بال في الماء الدائم لم ينجِّسه حتى ينقص عن قلَّتين. واحتجوا على نجاسته أيضًا بقوله ﷺ : «إذا استيقظَ أحدكم من نومه فلا يَغمِسْ يده في الإناء (٣) حتى يغسلها ثلاثًا» (٤). ثم قالوا: لو غمَسَها قبل غَسْلها لم ينجس الماء، ولا يجب عليه (٥) غسلها، وإن شاء أن يغمسها قبل الغسل فعلَ. واحتجوا في هذه المسألة بأن النبي ﷺ أمر بحفْرِ الأرض التي بال فيها البائل وإخراجِ ترابها (٦)، ثم قالوا: لا يجب حَفْرها، بل لو تركت حتى

стр. 1232

يَبِسَتْ (١) بالشمس والريح طهرتْ. واحتجوا على منع الوضوء بالماء المستعمل بقوله ﷺ : «يا بني عبد المطلب، إن الله كرِهَ لكم غُسالةَ أيدي الناس» (٢)، يعني الزكاة. ثم قالوا: لا تحرم الزكاة على بني عبد المطلب. واحتجوا على أن السمك الطافي إذا وقع في الماء لا ينجِّسه، بخلاف غيره من ميتة البرّ فإنه ينجِّس الماء، بقوله ﷺ في البحر: «هو الطَّهور ماؤه الحِلُّ ميتتُه» (٣). [١٨/أ] ثم خالفوا هذا الخبر نفسه، وقالوا: لا يحلُّ ما مات في البحر من السمك، ولا يحلُّ شيء مما فيه أصلًا غير السمك. واحتج أهل الرأي على نجاسة الكلب وولوغه بقول النبي ﷺ : «إذا وَلَغَ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسِلْه سبع مرّات» (٤). ثم قالوا: لا يجب غَسْله سبعًا، بل يغسل مرةً، ومنهم من قال ثلاثا. واحتجوا على تفريقهم في النجاسة المغلَّظة بين قدر الدرهم وغيره

стр. 1233

بحديث لا يصح، من طريق [ابن] غُطَيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه: «تُعاد الصلاةُ من قَدْرِ الدرهم» (١). ثم قالوا: لا تُعاد الصلاة من قدر الدرهم. واحتجوا بحديث علي بن أبي طالب في الزكاة في زيادة الإبل على عشرين ومائة أنها تُرَدُّ إلى أول (٢) الفريضة فيكون في كل خمسٍ شاةٌ (٣)، وخالفوه في اثني عشر موضعًا منه، ثم احتجوا بحديث عمرو بن حزم: «أن ما زاد على مائتي درهم فلا شيء فيه، حتى يبلغ أربعين فيكون فيها درهمٌ» (٤)، وخالفوا الحديث نفسه في نصّ ما فيه في أكثر من خمسة عشر موضعًا.

стр. 1234

واحتجوا على أن الخيار لا يكون أكثر من ثلاثة أيام بحديث المصرَّاة (١)، وهذا من إحدى العجائب؛ فإنهم من أشدّ الناس إنكارًا له، ولا يقولون به، فإن كان حقًّا وجب اتباعُه، وإن لم يكن صحيحًا لم يَجُزِ (٢) الاحتجاج به في تقدير الثلاث، مع أنه ليس في الحديث تعرُّضٌ لخيار الشرط؛ فالذي أريدَ بالحديث ودلَّ عليه خالفوه، والذي احتجوا عليه به لم يدلَّ عليه. واحتجوا لهذه المسألة أيضًا بخبر حَبّان بن مُنقِذ الذي كان يُغْبَن في البيع، فجعل له النبي ﷺ الخيار ثلاثة أيام (٣). وخالفوا الخبر كلَّه، فلم يثبتوا الخيار بالغَبْن ولو كان يساوي عُشُرَ معشارِ ما بذله فيه، وسواء قال المشتري «لا خِلابة» أو لم يقل، وسواء غُبِن قليلًا أو كثيرًا، لا خيار له في ذلك كله. واحتجوا في إيجاب الكفّارة على من أفطر في نهار رمضان بأن في

стр. 1235

بعض [١٨/ب] ألفاظ الحديث: أن رجلًا أفطر فأمره النبي ﷺ أن يكفِّر (١). ثم خالفوا هذا اللفظ بعينه فقالوا: إن استفَّ دقيقًا أو بلَعَ عجينًا أو إهْلِيْلَجًا (٢) أو طِيبًا أفطر، ولا كفارة عليه. واحتجوا على وجوب القضاء على من تعمَّد القيء بحديث أبي هريرة (٣)، ثم خالفوا الحديث بعينه فقالوا: إن تقيَّأ أقلَّ من مِلْء فيه فلا قضاء عليه. واحتجوا على تحديد مسافة الفطر والقصر بقوله ﷺ : «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرةَ ثلاثة أيام إلا مع زوجٍ أو ذي مَحْرمٍ» (٤). وهذا مع أنه لا دليلَ فيه البتةَ على ما ادَّعَوه فقد خالفوه نفسه، فقالوا: يجوز للمملوكة والمكاتَبة وأم الولد السفرُ مع غير زوج ومَحْرم. واحتجوا على منع المُحرِم من تغطية وجهه بحديث ابن عباس في الذي وَقَصَتْه ناقته وهو مُحرِم، فقال النبي ﷺ : «لا تُخَمِّروا رأسَه ولا وجهَه، فإنه يُبعَث يوم القيامة ملبيًا» (٥). وهذا من العجب، فإنهم يقولون: إذا مات

стр. 1236

المحرم جاز تغطية رأسه ووجهه، وقد بطل إحرامُه. واحتجوا على إيجاب الجزاء على من قتل ضَبُعًا في الإحرام بحديث جابر أنه أفتى بأكلها وبالجزاء على قاتلها، وأسند ذلك إلى رسول الله ﷺ (١). ثم خالفوا الحديث نفسه فقالوا: لا يحلُّ أكلها. واحتجوا فيمن وجبت عليه ابنةُ مخاضٍ فأعطى ثُلُثَي ابنة لَبونٍ تساوي بنتَ مخاض أو حمارًا يُساويها أنه يُجزِئه، بحديث أنس الصحيح وفيه: «من وجبتْ عليه ابنةُ مخاضٍ وليست عنده، وعنده ابنةُ لَبونٍ؛ فإنها تؤخذ منه، ويردُّ عليه الساعي شاتينِ أو عشرين درهمًا» (٢). وهذا من العجب، فإنهم لا يقولون بما دلَّ عليه الحديث من تعيين ذلك، ويستدلّون به على ما لم يدلَّ عليه بوجهٍ ولا أُرِيدَ به. واحتجوا على إسقاط الحدود في دار الحرب إذا فعل المسلم [١٩/أ] أسبابها بحديث: «لا تُقطع الأيدي في الغزو» (٣)، وفي لفظ: «في السفر» (٤). ولم يقولوا بالحديث؛ فإنّ (٥) عندهم لا أثرَ للسفر ولا للغزو في ذلك.

стр. 1237

واحتجوا في إيجاب الأضحية بحديث أن النبي ﷺ أمر بالأضحية، وأن يُطعم منها الجار والسائل (١). فقالوا: لا يجب أن يُطعَم منها جار ولا سائل. واحتجوا في إباحة ما ذبحه غاصب أو سارق بالخبر الذي فيه أن رسول الله ﷺ دُعِي إلى طعام مع رَهْطٍ من أصحابه، فلما أخذ لقمةً قال: «إني أجد لحمَ شاةٍ أُخِذتْ (٢) بغير حقّ» فقالت المرأة: يا رسول الله، إني أخذتُها من امرأة فلان بغير علم زوجها، فأمر رسول الله ﷺ أن تُطعم الأسارى (٣). وقد خالفوا هذا الحديث، فقالوا (٤): ذبيحة الغاصب حلال، ولا تحرم على المسلمين. واحتجوا بقوله ﷺ : «جَرح العَجْماء جُبَار» (٥) في إسقاط الضمان بجناية المواشي، ثم خالفوه فيما دلَّ عليه وأُرِيد به، فقالوا: من ركبَ دابةً أو قادها أو ساقها فهو ضامن لما عَضَّتْ بفمها، ولا ضمانَ عليه فيما أتلفَتْ

стр. 1238

برجلها. واحتجوا على تأخير القَوَد إلى حين البُرْء بالحديث المشهور أن رجلًا طعن آخر في ركبته بقَرْنٍ، فطلب القَوَد، فقال له (١) رسول الله ﷺ : «حتى يبرأ»، فأبى، فأقاده قبل أن يَبْرأ ... الحديث (٢). وخالفوه في القصاص من الطعنة، فقالوا: لا يُقْتصُّ منها. واحتجوا على إسقاط الحد عن الزاني بأمة ابنه أو أم ولده بقوله ﷺ : «أنتَ ومالُك لأبيك» (٣)، وخالفوه فيما دلَّ عليه فقالوا: ليس للأب من مال ابنه شيء البتةَ، ولم يبيحوا له من مال ابنه عودَ أَراكٍ فما فوقه، وأوجبوا حَبْسَه في دَينه، وضمانَ ما أتلفَه عليه. واحتجوا على أن الإمام يكبِّر إذا قال المقيم: «قد قامت الصلاة» بحديث بلال أنه قال لرسول الله ﷺ : «لا تسبقني بآمين» (٤)، وبقول أبي

стр. 1239

هريرة لمروان (١): [١٩/ب] «لا تسبقني بآمين» (٢). ثم خالفوا الخبر جِهارًا فقالوا: لا يؤمّن الإمام ولا المأموم. واحتجوا على مسح ربع الرأس بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ مسحَ بناصيته وعمامته (٣). ثم خالفوه فيما دلَّ عليه فقالوا: لا يجوز المسح على العمامة، ولا أثر للمسح عليها البتةَ؛ فإن الفرض سقط بالناصية، والمسح على العمامة غير واجب ولا مستحبّ عندهم. واحتجوا لقولهم في استحباب مُساوَقة (٤) الإمام بقوله ﷺ : «إنما جُعِل الإمام لِيؤتمَّ به» (٥)، قالوا: والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله سواء. ثم خالفوا الحديث فيما دلَّ عليه، فإن فيه: «فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون» (٦). واحتجوا على أن الفاتحة لا تتعيَّن في الصلاة بحديث المسيء في صلاته، حيث قال له: «اقرأْ ما تيسَّر معك من القرآن» (٧). وخالفوه فيما دلّ عليه صريحًا في قوله: «ثم اركَعْ حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفَعْ حتى تعتدلَ

стр. 1240

قائمًا، ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا» (١)، وقوله: «ارجعْ فصَلِّ فإنك لم تصلِّ» (٢)، فقالوا: من ترك الطمأنينة فقد صلّى، وليس الأمر بها فرضًا لازمًا، مع أن الأمر بها وبالقراءة سواء في الحديث. واحتجوا على إسقاط جلسة الاستراحة بحديث أبي حميد (٣) حيث لم يذكرها فيه، وخالفوه في نفس ما دلَّ عليه من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. واحتجوا على إسقاط فرض الصلاة على النبي ﷺ والسلام في الصلاة، بحديث ابن مسعود: «فإذا قلتَ ذلك فقد تمّتْ صلاتك» (٤). ثم خالفوه في نفس ما دل عليه، فقالوا: صلاته تامة قال ذلك أو لم يقله. واحتجوا على جواز الكلام والإمام على المنبر يوم الجمعة بقوله ﷺ

стр. 1241

للداخل: «أصلَّيتَ قبل أن تجلس (١) [٢٠/أ] يا فلانُ؟» قال: لا، قال: «قُمْ فاركع ركعتين» (٢). وخالفوه في نفس ما دلَّ عليه، فقالوا: من دخل والإمام يخطب جلسَ ولم يصلِّ. واحتجوا على كراهية رفع اليدين في الصلاة بقوله ﷺ : «ما بالُهم رافعي أيديهم كأنها أذنابُ خيلٍ شُمْسٍ» (٣). ثم خالفوه في نفس ما دلَّ عليه؛ فإن فيه: «إنما يكفي أحدَكم أن يسلِّم على أخيه من عن يمينه وشماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» (٤)، فقالوا: لا يحتاج إلى ذلك، ويكفيه غيره من كلِّ منافٍ للصلاة. واحتجوا في استخلاف الإمام إذا أحدث بالخبر الصحيح أن رسول الله ﷺ خرج وأبو بكر يصلّي بالناس، فتأخَّر أبو بكر، وتقدَّم النبي ﷺ فصلّى بالناس (٥). ثم خالفوه في نفس ما دلَّ عليه، فقالوا: مَن فعلَ مثل ذلك بطلتْ صلاته، وأبطلوا صلاة من فعلَ مثل فعلِ النبي ﷺ وأبي بكر ومن حضر من الصحابة، فاحتجوا بالحديث فيما لم يدلَّ عليه، وأبطلوا العملَ به في نفس ما دلَّ عليه. واحتجوا لقولهم إن الإمام إذا صلَّى جالسًا لمرضٍ صلَّى المأمومون خلفه قيامًا، بالخبر الصحيح عن النبي ﷺ أنه خرج فوجد أبا بكر يصلّي

стр. 1242

بالناس قائمًا، فتقدّم النبي ﷺ وجلس فصلّى بالناس؛ وتأخر أبو بكر (١). ثم خالفوا الحديث في نفس ما دلّ عليه، وقالوا: إن تأخَّر الإمام لغير حَدَثٍ وتقدَّم الآخر، بطلتْ صلاة الإمامين وصلاة جميع المأمومين. واحتجوا على بطلان صوم مَن أكل يظنُّه ليلًا فبان نهارًا، بقوله ﷺ : «إنّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم» (٢). ثم خالفوا الحديث في نفس ما دلّ عليه، فقالوا: لا يجوز الأذان للفجر بالليل، لا في رمضان ولا في غيره. ثم خالفوه من وجه آخر، فإنّ في نفس الحديث: «وكان ابن أمّ مكتوم رجلًا أعمى لا يؤذِّن حتى يقال له: [٢٠/ب] أصبحتَ أصبحتَ» (٣)، وعندهم من أكل في ذلك الوقت بطل صومه. واحتجوا على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالغائط بقول النبي ﷺ : «لا تستقبلوا القبلةَ بغائطٍ ولا بولٍ ولا تستدبروها» (٤). وخالفوا الحديث نفسه، وجوَّزوا استقبالها واستدبارها بالبول. واحتجوا على شرط الصوم في الاعتكاف بالحديث الصحيح عن عمر أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلةً في المسجد الحرام، فأمره النبي ﷺ أن يوفي بنذره (٥). وهم لا يقولون بالحديث؛ فإن عندهم أن نذر الكافر لا ينعقد، ولا يلزم الوفاء به بعد الإسلام.

стр. 1243

واحتجوا على الردّ (١) بحديث: «تَحُوزُ المرأةُ ثلاثَ مواريثَ: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنتْ عليه» (٢). ولم يقولوا بالحديث في حيازتها مالَ لقيطِها، وقد قال به عمر بن الخطاب (٣) وإسحاق بن راهويه (٤)، وهو الصواب. واحتجوا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه: «التمسوا له وارثًا أو ذَا رحمٍ» فلم يجدوا، فقال: «أعطوه الكُبْرَ (٥) من خُزاعة» (٦). ولم يقولوا

стр. 1244

به في أن من لا وارثَ له يُعطى مالُه للكُبْر من قبيلته. واحتجوا في منع القاتل ميراثَ المقتول بخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «لا يَرِث قاتل» (١) و «لا يُقتَل مؤمن بكافر» (٢). فقالوا بأول الحديث دون آخره (٣). واحتجوا على جواز التيمم في الحضر مع وجود الماء للجنازة إذا خاف فوتها، بحديث أبي جَهْم بن الحارث في تيمُّم النبي ﷺ لردّ السلام (٤). ثم خالفوه فيما دلّ عليه في موضعين: أحدهما أنه تيمَّم بوجهه وكفَّيه دون ذراعَيه، والثاني أنهم لم يكرهوا ردَّ السلام للمُحْدِث، ولم يستحبوا التيمّم لردّ السلام. واحتجوا في جواز الاقتصار في الاستنجاء على حجرين بحديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ ذهب لحاجته، وقال له: «ائتِني [٢١/أ] بأحجار»، فأتاه بحجرين ورَوثةٍ، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «هذه رِكْسٌ» (٥). ثم خالفوه فيما هو نصٌّ فيه، فأجازوا الاستجمار بالروث، واستدلّوا به على

стр. 1245

ما لا يدل عليه من الاكتفاء بحجرين. واحتجوا على أن مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء بصلاة النبي ﷺ حاملًا أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع، إذا قام حملَها وإذا ركع أو سجد وضعَها (١)، ثم قالوا: من صلَّى كذلك بطلتْ صلاته وصلاة من ائتمَّ به. قال بعض أهل العلم (٢): ومن العجب إبطالهم هذه الصلاة وتصحيحهم الصلاة بقراءة ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] بالفارسية، ثم يركع قدر نفس، ثم يرفع قدر حدّ السيف، أو لا يرفع بل يخِرُّ كما هو ساجدًا، ولا يضع على الأرض يديه ولا رجليه، وإن أمكن أن لا يضع ركبتيه صحَّ ذلك، ولا جبهته، بل يكفيه وضع رأس أنفه كقدر نفس واحد، ثم يجلس مقدار التشهد، ثم يفعل فعلًا ينافي الصلاة من فُساء أو ضُراط أو ضحكٍ أو نحو ذلك.

стр. 1246

واحتجوا على تحريم (١) وطء المَسْبيَّة والمملوكة قبل الاستبراء بقول النبي ﷺ : «لا تُوطأ حاملٌ حتى تضعَ، ولا حائلٌ حتى تُستبرأ بحيضة» (٢). ثم خالفوا صريحَه فقالوا: إن أعتقها وزوَّجها وقد وطئها البارحةَ حلَّ للزوج أن يطأها الليلة. واحتجوا في ثبوت الحضانة للخالة بخبر بنت حمزة وأن رسول الله ﷺ قضى بها لخالتها (٣). ثم خالفوه فقالوا: لو تزوجت الخالة بغير محرم للبنت كابن عمها سقطت حضانتها. واحتجوا على المنع من التفريق بين الأخوين بحديث علي في نهيه عن التفريق بينهما (٤). ثم خالفوه فقالوا: لا يُردُّ المبيع إذا وقع كذلك، وفي الحديث الأمرُ بردِّه. واحتجوا على جريان القصاص بين المسلم والذمي بخبر رُوي أن النبي ﷺ أقادَ يهوديًّا من مسلمٍ لطَمَه (٥). ثم خالفوه فقالوا: [٢١/ب] لا قَوَد في

стр. 1247

اللطمة والضربة، لا بين مسلمين ولا بين مسلم وكافر. واحتجوا على أنه لا قصاص بين العبد وسيده بقوله ﷺ : «من لَطمَ عبدَه فهو حرٌّ» (١). ثم خالفوه فقالوا: لا يعتق بذلك. واحتجوا أيضًا بالحديث الذي فيه: «من مثَّل بعبده عَتَقَ عليه» (٢)، فقالوا: لم يوجب عليه القَود. ثم قالوا: لا يعتق عليه. واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه [عن جده] (٣): «في العين نصفُ الدية» (٤). ثم خالفوه في عدة مواضع (٥): منها قوله: «وفي العين القائمة السادَّة لموضعها ثلثُ الدية» (٦)، ومنها قوله: «في السّن السوداء ثلثُ الدية» (٧).

стр. 1248

واحتجوا على جواز تفضيل بعض الأولاد على بعض بحديث النعمان بن بشير، وفيه: «أَشْهِدْ على هذا غيري» (١). ثم خالفوه صريحًا فإن في الحديث نفسه: «إن هذا لا يَصلُح» (٢)، وفي لفظ: «إني لا أَشهدُ على جَوْر» (٣)، فقالوا: بل هذا يصلُح وليس بجور، ولكل أحدٍ أن يشهد عليه. واحتجوا على أن النجاسة تزول بغير الماء من المائعات بحديث: «إذا وطئ أحدُكم الأذى بنعلَيْه فإنّ الترابَ لهما طَهورٌ» (٤). ثم خالفوه فقالوا: لو وطئ العَذِرةَ بخفَّيه لم يُطهِّرهما التراب. واحتجوا على جواز المسح على الجبيرة بحديث صاحب الشجَّة (٥). ثم خالفوه صريحًا فقالوا: لا يجمع بين الماء والتراب، بل إما أن يقتصر على غسل الصحيح إن كان أكثر ولا يتيمم، وإما أن يقتصر على التيمم إن كان الجريح أكثر ولا يغسل الصحيح. واحتجوا على جواز تولية أمراء أو حكّام أو متولّين مرتَّبين واحدًا بعد واحدٍ بقول النبي ﷺ : «أميركم زيد، فإن قُتِل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فجعفر» (٦). ثم خالفوا الحديث نفسه فقالوا: لا يصح تعليق الولاية بالشرط،

стр. 1249

ونحن نشهد بالله أن هذه الولاية من [٢٢/أ] أصحِّ ولايةٍ على وجه الأرض، وأنها أصحُّ من كل ولاياتهم من أولها إلى آخرها. واحتجوا على تضمين المُتْلِف ما أتلفَه ويملك (١) هو ما أتلفه بحديث القَصْعة التي كسَرَتْها إحدى أمهات المؤمنين، فردَّ النبي ﷺ على صاحبة القَصْعة نظيرها (٢). ثم خالفوه جهارًا فقالوا: إنما يُضمن بالدراهم والدنانير، ولا يُضمن بالمثل. واحتجوا على ذلك أيضًا بخبر الشاة التي ذُبحت بغير إذن صاحبها، وأن النبي ﷺ لم يردَّها على صاحبها (٣). ثم خالفوه صريحًا، فإن النبي ﷺ لم يُملِّكها الذابحَ، بل أمر بإطعامها الأُسارى. واحتجوا في سقوط القطع بسرقة الفواكه وما يُسرِع إليه الفساد بخبر: «لا قطْعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ» (٤). ثم خالفوا الحديث نفسه (٥) في عدة مواضع:

стр. 1250

أحدها أن فيه: «فإذا آواه إلى الجَرِين ففيه القطع» (١)، وعندهم لا قطْعَ فيه آواه إلى الجرين أو لم يُؤوِه. الثاني: أنه قال: «إذا بلغ ثمنَ المِجَنّ» (٢)، وفي «الصحيح» (٣) أن ثمن المجنّ كان ثلاثة دراهم، وعندهم لا يقطع في هذا القدر. الثالث: أنهم قالوا: ليس الجرين حرزًا؛ فلو سرق منه تمرًا يابسًا ولم يكن هناك حافظ لم يقطع. واحتجوا في مسألة الآبق يأتي به الرجل أن له أربعين درهمًا، بخبرٍ فيه أن من جاء بآبقٍ من خارج الحرم فله عشرة دراهم أو دينار (٤). وخالفوه جهرةً فأوجبوا أربعين. واحتجوا على (٥) أن خيار الشفعة على الفور بحديث ابن البيلماني: «الشفعة كحلِّ العِقالِ، ولا شُفعةَ لصغيرٍ ولا لغائبٍ، ومن مثّل بعبده فهو حرٌّ» (٦). فخالفوا جميع ذلك إلا قوله: «الشفعة كحلِّ العِقال».

стр. 1251

واحتجوا على امتناع القَوَد بين الأب والابن والسيد والعبد بحديث: «لا يُقاد والد بولده ولا سيّدٌ بعبده» (١). وخالفوا الحديث نفسه، فإن تمامه: «ومن مثّل بعبده فهو حرّ». [٢٢/ب] واحتجوا على أن الولد يُلحَق بصاحب الفراش دون الزاني بحديث ابن وليدة زمعة، وفيه: «الولد للفِراش» (٢). ثم خالفوا الحديث نفسه صريحًا (٣) فقالوا: الأمة لا تكون فراشًا وإنما كان هذا القضاء (٤) في أمة،

стр. 1252

ومن العجب أنهم قالوا: إذا عقد على أمه وابنته وأخته ووطئها لم يُحَدَّ للشبهة، وصارت فراشًا بهذا العقد الباطل المحرَّم، وأم ولده وسُرِّيته التي يطؤها ليلًا ونهارًا ليست فراشًا له. ومن العجائب أنهم احتجوا على جواز صوم رمضان بنيةٍ يُنشِئها من النهار قبل الزوال بحديث عائشة أن النبي ﷺ كان يدخل عليها فيقول: «هل من غَداءٍ؟» فتقول: لا، فيقول: «فإني صائم» (١). ثم قالوا: لو فعل ذلك في صوم التطوُّع لم يصحَّ صومه، والحديث إنما هو في التطوع (٢) نفسه. واحتجوا على المنع من بيع المدبَّر بأنه قد انعقد فيه سبب الحرية، وفي بيعه إبطالٌ لذلك، وأجابوا عن بيع النبي ﷺ المدبَّر (٣) بأنه باع خدمته. ثم قالوا: لا يجوز بيع خدمة المدبّر أيضًا. واحتجوا على إيجاب الشفعة في الأراضي والأشجار التابعة لها بقوله: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شِرْكٍ في رَبْعَةٍ أو حائطٍ (٤). ثم خالفوا نصَّ الحديث نفسه، فإن فيه: «ولا يحلُّ له أن يبيع حتى يُؤذِن شريكه، فإن باع ولم يُؤذِنه فهو أحقُّ به»، فقالوا: يحلّ له أن يبيع قبل إذنه، ويحلّ له أن يتحيَّل لإسقاط الشفعة، وإن باع بعد إذن شريكه فهو أحقُّ أيضًا بالشفعة، ولا أثر للاستئذان ولا لعدمه.

стр. 1253

واحتجوا على المنع من بيع الزيت بالزيتون إلا بعد العلم بأن ما في الزيتون من الزيت أقلُّ من الزيت المفرد، بالحديث الذي فيه النهي عن بيع اللحم بالحيوان (١). ثم خالفوه نفسه، فقالوا: يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه وغير [٢٣/أ] نوعه. واحتجوا على أن عطية المريض المنجزة كالوصية لا تنفذ إلا في الثلث، بحديث عمران بن حُصين: «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين عند موته لا مال له سواهم، فجزَّأهم النبي ﷺ ثلاثة أجزاء وأقرعَ بينهم، فأعتقَ اثنين وأرقَّ أربعة» (٢). ثم خالفوه في موضعين؛ فقالوا: لا يُقرَع بينهم البتةَ، ويعتق من كل واحدٍ سدسُه. وهذا كثيرٌ جدًّا، والمقصود أن التقليد حكمَ عليكم بذلك، وقادكم إليه قهرًا، ولو حكَّمتم الدليلَ على التقليد لم تقعوا في مثل هذا؛ فإن هذه الأحاديث إن كانت حقًّا وجب الانقياد لها والأخذُ بما فيها، وإن لم تكن صحيحة لم يؤخذ بشيء مما فيها، فأما أن تُصحَّح ويُؤخذ بها فيما وافق قولَ المتبوع، وتُضعَّف أو تُردّ إذا خالفتْ قوله أو تُؤوَّل= فهذا من أعظم الخطأ والتناقض. فإن قلتم: عارضَ ما خالفناه منها ما هو أقوى منه، ولم يعارض ما وافقناه منها ما يوجب العدولَ عنه واطِّراحَه. قيل: لا تخلو هذه الأحاديث وأمثالها أن تكون منسوخة أو محكمةً، فإن كانت منسوخة لم يُحتجَّ بمنسوخٍ البتةَ، وإن كانت محكمةً لم يجز

стр. 1254

مخالفةُ شيء منها البتةَ. فإن قيل: هي منسوخة فيما خالفناها فيه، ومحكمة فيما وافقناها فيه. قيل: هذا مع أنه ظاهر البطلان يتضمّن ما لا (١) علمَ لمدَّعيه به، قائلٌ ما لا دليلَ عليه، فأقلُّ ما فيه أن معارضًا لو قَلَبَ عليه هذه الدعوى بمثلها سواءً، لكانت دعواه من جنس دعواه، ولم يكن بينهما فرقٌ، وكلاهما مدَّعٍ ما لا يمكنه إثباته؛ فالواجب اتباع سنن (٢) رسول الله ﷺ وتحكيمها والتحاكم إليها حتى يقوم الدليل القاطع على نسخ المنسوخ منها، أو تُجمِع الأمة على العمل بخلاف شيء منها، وهذا الثاني محالٌ قطعًا، فإن الأمة ولله الحمد لم تُجمِع على ترك [٢٣/ب] العمل بسنة واحدة، إلا سنةً ظاهرة النسخ معلومٌ للأمة ناسخها، وحينئذٍ يتعيَّن العمل بالناسخ دون المنسوخ، وأما أن تُترك السننُ لقول أحدٍ من الناس فلا، كائنًا من كان، وبالله التوفيق. الوجه العشرون: أن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفةَ أمر الله وأمر رسوله وهَدْي أصحابه وأحوال أئمتهم، وسلكوا ضدَّ طريق أهل العلم: أما أمر الله فإنه أمر بردّ ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله، والمقلّدون قالوا: إنما نردُّه إلى من قلَّدناه. وأما أمر رسوله فإنه ﷺ أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين (٣)، وأمر أن يُتمسَّك بها، ويُعَضّ عليها بالنواجذ (٤)،

стр. 1255

وقال المقلّدون: بل عند الاختلاف نتمسّك بقول من قلّدناه، ونقدِّمه على كل ما عداه. وأما هَدْي الصحابة فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن فيهم شخص واحد يقلِّد رجلًا في جميع أقواله، ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا يردُّ من أقواله شيئًا، ولا يقبل من أقوالهم شيئًا، وهذا من أعظم البدع وأقبح الحوادث. وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نَهَوا عن تقليدهم وحذَّروا منه، كما تقدَّم ذكرُ بعضِ ذلك عنهم (١). وأما سلوكهم ضدَّ طريق أهل العلم فإن طريقهم طلبُ أقوال العلماء وضبطها والنظر فيها وعرضُها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ وأقوال خلفائه الراشدين، فما وافق ذلك منها قبلوه، ودانوا الله به، وقضَوا به، وأفتَوا به، وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردُّوه، وما لم يتبيَّنْ لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغةَ الاتباع لا واجبةَ الاتباع، من غير أن يُلزِموا بها أحدًا، ولا يقولوا: إنها الحقُّ دون ما خالفها، هذه طريقة أهل العلم [٢٤/أ] سلفًا وخلفًا. وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق، وقلبوا أوضاعَ الدين، فزيَّفوا (٢) كتاب الله وسنة رسوله وأقوال خلفائه وجميع أصحابه، فعرضوها على أقوال من قلَّدوه، فما وافقها منها قالوا لنا وانقادوا له مُذعِنين، وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: احتجّ الخصم بكذا وكذا، ولم يقبلوه، ولم يدينوا به.

стр. 1256

واحتالَ فضلاؤهم في ردِّها بكل ممكن، وتطلَّبوا لها وجوه الحِيَل التي تردُّها، حتى إذا كانت موافقةً لمذاهبهم وكانت تلك الوجوه بعينها قائمةً فيها شنَّعوا على مُنازعِهم، وأنكروا عليه ردَّها بمثل تلك الوجوه بعينها، وقالوا: لا تُردُّ النصوص بمثل هذا. ومَن له همةٌ تسمو إلى الله ومرضاته ونَصْرِ الحق الذي بَعَثَ به رسولَه أين كان ومع من كان، لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخُلُق الذميم. الوجه الحادي والعشرون: أن الله سبحانه ذمّ ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، وهؤلاء هم أهل التقليد بأعيانهم، بخلاف أهل العلم؛ فإنهم وإن اختلفوا لم يفرِّقوا دينهم ولم يكونوا شِيَعًا، بل شيعة واحدة متفقة على طلب الحق، وإيثارِه عند ظهوره، وتقديمِه على كلّ ما سواه، فهم طائفة واحدة قد اتفقت مقاصدهم وطريقهم؛ فالطريق واحد، والقصد واحد، والمقلّدون بالعكس: مقاصدهم شتَّى، وطُرُقهم مختلفة، فليسوا مع الأئمة في القصد ولا في الطريق. الوجه الثاني والعشرون: أن الله سبحانه ذمَّ الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زُبرًا، كل حزبٍ بما لديهم فرحون. والزُّبر: الكتب المصنَّفة التي رَغِبوا بها عن كتاب الله وما بعث الله به رسوله، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا [٢٤/ب] أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٣] فأمر تعالى الرسلَ بما أمر به أُممَهم: أن يأكلوا من الطيبات، وأن يعملوا صالحًا، وأن يعبدوه وحده، ويطيعوا أمره وحده، وأن لا يتفرَّقوا في الدين؛

стр. 1257

فمضت الرسل وأتباعهم على ذلك، ممتثلين (١) لأمر الله، قابلين لرحمته، حتى نشأت خلوفٌ قطعَّوا أمرهم بينهم زُبُرًا كلُّ حزب بما لديهم فرحون. فمن تدبَّر هذه الآيات ونزَّلها على الواقع تبيَّن له حقيقة الحال، وعَلِم من أيّ الحزبين هو، والله المستعان. الوجه الثاني والعشرون (٢): أن الله سبحانه قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فخصّ هؤلاء بالفلاح دون من عداهم، والداعون إلى الخير هم الداعون إلى كتاب الله وسنة رسوله، لا الداعون إلى رأي فلان وفلان. الوجه الثالث والعشرون: أن الله سبحانه ذمّ من إذا دُعِي إلى الله وإلى رسوله أعرض ورضي بالتحاكم إلى غيره، وهذا شأن أهل التقليد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، فكل من أعرض عن الداعي له إلى ما أنزل الله ورسولِه إلى غيره فله نصيبٌ من هذا الذمّ؛ فمستكثِرٌ ومستقِلٌ. الوجه الرابع والعشرون: أن يقال لفرقة التقليد: دين الله عندكم واحد أو هو في القول وضدِّه، فدينُه هو الأقوال المختلفة المتضادّة التي يُناقِض بعضُها بعضًا، ويُبطِل بعضها بعضًا، كلها دين الله؟ فإن قالوا: بلى، هذه الأقوال المتضادّة المتعارضة التي يناقض بعضها بعضا كلُّها دين الله خرجوا

стр. 1258

عن نصوص أئمتهم؛ فإن جميعهم على أن الحق في واحد من الأقوال، كما أن القبلة في جهة من الجهات، وخرجوا عن نصوص القرآن والسنة والمعقول الصريح، [٢٥/أ] وجعلوا دين الله تابعًا لآراء الرجال. وإن قالوا: الصواب الذي لا صواب غيره أن دين الله واحد، وهو ما أنزل الله به كتابه وأرسل به رسوله وارتضاه لعباده، كما أن نبيه واحد وقبلته واحدة، فمن وافقه فهو المصيب وله أجران، ومن أخطأه فله أجر واحد على اجتهاده لا على خطئه. قيل لهم: فالواجب إذًا طلبُ الحقّ، وبذلُ الاجتهاد في الوصول إليه بحسب الإمكان؛ لأن الله سبحانه أوجب على الخلق تقواه بحسب الاستطاعة، وتقواه فِعلُ ما أمر به وترك ما نهى عنه؛ فلا بدَّ أن يعرف العبد ما أُمر به ليفعله وما نُهي عنه ليجتنبه وما أبيح له ليأتيه. ومعرفة هذا لا تكون إلا بنوع اجتهاد وطلبٍ وتحرٍّ للحق، فإذا لم يأت بذلك فهو في عهدة الأمر، ويلقى الله ولما يَقْضِ (١) ما أمره. الوجه الخامس والعشرون: أن دعوة الرسول ﷺ عامة لمن كان في عصره ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة، والواجب على من بعد الصحابة هو الواجب عليهم بعينه، وإن تنَّوعت صفاته وكيفياته باختلاف الأحوال. ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة لم يكونوا يَعرِضون ما يسمعون منه ﷺ على أقوال علمائهم، بل لم يكن لعلمائهم قول غير قوله، فلم يكن أحد منهم يتوقَّف في (٢) قبول ما سمعه منه على موافقة موافق أو رأيِ ذي رأي أصلًا،

стр. 1259

وكان هذا هو الواجب الذي لا يتمُّ الإيمان إلا به، وهو بعينه الواجب علينا وعلى سائر المكلَّفين إلى يوم القيامة. ومعلوم أن هذا الواجب لم يُنسَخ بعد موته، ولا هو مختصٌّ بالصحابة؛ فمن خرج عن ذلك فقد خرج عن نفس ما أوجبه الله ورسوله. الوجه السادس والعشرون: أن أقوال العلماء وآراءهم لا تنضبط ولا تنحصر، ولم تُضمَن لها العصمة إلا إذا اتفقوا ولم يختلفوا؛ [٢٥/ب] فلا يكون اتفاقهم إلا حقًّا، ومن المحال أن يُحِيلنا الله ورسوله على ما لا ينضبط ولا ينحصر، ولم يَضْمَن لنا عصمته من الخطأ، ولم يُقِم لنا دليلًا على أن (١) أحد القائلين أولى بأن نأخذ قولَه كلَّه من الآخر، بل يُترك قول هذا كلّه ويؤخذ قول هذا كله، هذا محال أن يشرعه الله أو يرضى به، إلا إذا كان أحد القائلينِ رسولًا والآخر كاذبًا على الله، فالفرض حينئذٍ ما يعتمده هؤلاء المقلدون مع متبوعهم ومخالفيهم (٢). الوجه السابع والعشرون: أن النبي ﷺ قال: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ» (٣)، وأخبر أن العلم يقلُّ، فلا بدَّ من وقوع ما أخبر به الصادق، ومعلوم أن كتب المقلِّدين قد طبَّقتْ شرقَ الأرض وغربَها، ولم تكن في وقتٍ قطُّ أكثر منها في هذا الوقت. ونحن نراها كلَّ عامٍ في ازدياد وكثرة، والمقلّدون يحفظون منها ما يمكن حفظه بحروفه، وشهرتها في الناس خلاف الغربة، بل هي المعروف الذي لا يعرفون غيره؛ فلو كانت هي العلم

стр. 1260

الذي بعث الله به رسوله لكان الدين كل وقت في ظهور وزيادة والعلم في شهرة وظهور، وهو خلاف ما أخبر به الصادق. الوجه الثامن والعشرون: أن الاختلاف كثير في كتب المقلدين وأقوالهم، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه، بل هو حق يصدِّق بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. الوجه التاسع والعشرون: أنه لا يجب على العبد أن يقلِّد زيدًا دون عمرو، بل يجوز له الانتقال من تقليد هذا إلى تقليد الآخر عند المقلدين، فإن كان قول من قلَّده أولًا هو الحق لا سواه فقد جوَّزتم له الانتقال عن الحق إلى خلافه، وهذا محال. وإن كان الثاني هو الحق وحده فقد جوَّزتم [٢٦/أ] الإقامة على خلاف (١) الحق. وإن قلتم: القولان المتضادان المتناقضان حقٌّ، فهو أشدُّ إحالةً، ولا بدَّ لكم من قسم من هذه (٢) الأقسام الثلاثة. الوجه الثلاثون: أن يقال للمقلّد: بأي شيء عرفتَ أن الصواب مع من قلّدته دون من لا تقلّده؟ فإن قال: «عرفته بالدليل» فليس بمقلّد، وإن قال: «عرفته تقليدًا له؛ فإنه أفتى بهذا القول ودان به، وعلمُه ودينُه وحسنُ ثناء الأمة عليه يمنعه أن يقول غير الحق»، قيل له: فمعصومٌ هو عندك أم يجوز عليه الخطأ؟ فإن قال بعصمته أبطلَ، وإن جوَّز عليه الخطأ قيل له: فما

стр. 1261

يُؤمِنك أن يكون قد أخطأ فيما قلَّدتَه فيه وخالفه فيه غيره؟ فإن قال: وإن أخطأ فهو مأجور، قيل: أجل هو مأجور لاجتهاده، وأنت غير مأجور لأنك لم تأتِ بموجب الأجر، بل قد فرَّطتَ في الاتباع الواجب، فأنتَ إذًا مأزور. فإن قال: كيف يأجره الله على ما أفتى به ويمدحه عليه ويذمُّ المستفتيَ على قبوله منه؟ وهل يُعقل هذا؟ قيل: المستفتي إن قصَّر وفرَّط في معرفة الحق مع قدرته عليه لحِقَه الذمُّ والوعيد، وإن بذل جهده ولم يقصر فيما أمر به واتقى الله ما استطاع فهو مأجور أيضًا، وأما المتعصب الذي جعل قول متبوعه عِيارًا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزِنها بها (١)، فما وافق قولَ متبوعه منها قبله وما خالفه ردَّه، فهذا إلى الذمّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والثواب. وإن قال ــ وهو الواقع ــ: اتبعتُه وقلّدته ولا أدري أعلى صواب هو أم لا، فالعهدة على القائل، وأنا حاكٍ لأقواله، قيل له: فهل تتخلَّص بهذا من الله عند السؤال لك عما حكمت به بين عباد الله وأفتيتهم به، فوالله إن للحكّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلَّص فيه إلا من عَرَف الحقّ وحكم به وعرفَه وأفتى به، وأما من عداهما فسيعلم عند [٢٦/ب] انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء. الوجه الحادي والثلاثون: أن نقول: أخذتم بقول فلان؛ لأنّ فلانًا قاله أو لأن رسول الله ﷺ قاله؟ فإن قلتم: «لأن فلانا قاله» جعلتم قول فلان حجة، وهذا عين الباطل، وإن قلتم: «لأن رسول الله ﷺ قاله» كان هذا أعظم وأقبح؛ فإنه مع تضمُّنه للكذب على رسول الله ﷺ وتقويلكم عليه (٢) ما لم يقله، وهو أيضًا كذبٌ على المتبوع فإنه لم يقل: هذا قول رسول الله ﷺ ؛ فقد دار

стр. 1262

قولكم بين أمرين (١) لا ثالث لهما: إما جعْلُ قول غير المعصوم حجة، وإما تقويلُ المعصوم ما لم يقله، ولا بدَّ من واحدٍ من الأمرين. فإن قلتم: «بل منهما بدٌّ، وبقي قسم ثالث، وهو أنا قلنا كذا؛ لأن رسول الله ﷺ أمرنا أن نتبع من هو أعلم منا، ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم، ونردّ ما لم نعلمه إلى استنباط أولي العلم؛ فنحن في ذلك متبعون ما أمرنا به نبينا». قيل: وهل نُدندِن إلا حول اتباع أمره ﷺ ، فحيَّهلا بالموافقة على هذا الأصل الذي لا يتمُّ الإيمان والإسلام إلا به، فنناشدكم بالذي أرسله إذا جاء أمره وجاء قول من قلَّدتموه هل تتركون قوله لأمره ﷺ ، وتضربون به الحائط، وتحرّمون الأخذ به والحالة هذه حتى تتحقق المتابعة كما زعمتم، أم تأخذون بقوله وتفوّضون أمر الرسول إلى الله، وتقولون: هو أعلم برسول الله ﷺ منا، ولم يخالف هذا الحديث إلا وهو عنده منسوخ أو معارَضٌ بما هو أقوى منه أو غير صحيح عنده؟ فتجعلون قولَ المتبوع محكمًا وقول الرسول متشابهًا؛ فلو كنتم قائلين بقوله لكون الرسول أمركم بالأخذ بقوله لقدَّمتم قول الرسول أين كان. ثم نقول في الوجه الثاني والثلاثين: [٢٧/أ] وأين أمركم الرسول بأخذ قولِ (٢) واحدٍ (٣) من الأمة بعينه، وترك قول نظيره ومن هو أعلم منه وأقرب إلى الرسول؟ وهل هذا إلا نسبة لرسول الله ﷺ إلى أنه أمر بما لم يأمر به قطُّ؟

стр. 1263

يوضحه الوجه الثالث والثلاثون: أن ما ذكرتم بعينه حجة عليكم، فإن الله سبحانه أمر (١) بسؤال أهل الذكر، والذكر هو القرآن والحديث الذي أمر الله نساء نبيه أن يذكرنه بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، فهذا هو الذكر الذي أمرنا الله باتباعه، وأمر من لا علم عنده أن يسأل أهله، وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر الذي أنزله على رسوله ليخبروه به، فإذا أخبروه به لم يَسَعْه غير اتباعه. وهذا كان شأن أئمة أهل العلم، لم يكن لهم مقلَّد معيَّن يتبعونه في كل ما قال؛ فكان عبد الله بن عباس يسأل الصحابة عما قاله رسول الله ﷺ أو فعله أو سنَّه (٢)، لا يسألهم عن غير ذلك، وكذلك الصحابة كانوا يسألون أمهات المؤمنين خصوصًا عائشة عن فِعْلِ رسول الله ﷺ في بيته (٣)، وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن شأن نبيهم فقط، وكذلك أئمة الفقه، كما قال الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله، أنت أعلم بالحديث مني؛ فإذا صح الحديث فأعلِمْني حتى أذهب إليه شاميًّا كان أو كوفيًّا أو بصريًّا (٤)، ولم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه ومذهبه فيأخذ به وحده ويخالف له ما سواه.

стр. 1264

الوجه الرابع والثلاثون: أن النبي ﷺ إنما أرشد المفتين (١) لصاحب الشجَّة بالسؤال عن حكمه وسنته، فقال: «قتلوه، قتلَهم الله» (٢)، فدعا عليهم [٢٧/ب] حين أفتوا بغير علم. وفي هذا تحريم الإفتاء بالتقليد؛ فإنه ليس علمًا باتفاق الناس، فإن ما دعا رسول الله ﷺ على فاعله (٣) فهو حرام، وذلك أحد أدلة التحريم؛ فما احتجّ به المقلّدون هو من أكبر الحجج عليهم، والله الموفق. وكذلك سؤال أبي العَسِيف الذي زنى بامرأةِ مستأجرِه لأهل العلم؛ فإنهم لما أخبروه بسنة رسول الله ﷺ في البكر الزاني أقرَّه على ذلك ولم ينكره (٤)؛ فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم. الوجه الخامس والثلاثون: قولهم: إن عمر قال في الكلالة: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر، وهذا تقليد منه له، فجوابه من خمسة أوجه: أحدها: أنهم اختصروا الحديث وحذفوا منه ما يبطُل استدلالهم به، ونحن نذكره بتمامه. قال شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي: إن أبا بكر قال في الكلالة: «أقضي فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله منه بريء، هو ما دون الولد والوالد»، فقال عمر بن الخطاب ﵁: «إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر» (٥). فاستحيا

стр. 1265

عمر من مخالفة أبي بكر في اعترافه بجواز الخطأ عليه، وأنه ليس كلامه كله صوابًا مأمونًا عليه الخطأ، ويدلُّ على ذلك أن عمر بن الخطاب أقرَّ عند موته أنه لم يقضِ في الكلالة بشيء، وقد اعترف أنه لم يفهمها (١). الوجه الثاني: أن خلاف عمر لأبي بكر أشهرُ من أن يُذكر، كما خالفه في سَبْي أهل الردة فسباهم أبو بكر وخالفه عمر، وبلغ خلافه إلى أن ردَّهن حرائر إلى أهلهن (٢) إلا من ولدت لسيدها منهن، ونقض حكمه (٣)، ومن جملتهن خولة الحنفية أم محمد بن علي، فأين هذا من فعل المقلِّدين بمتبوعهم؟ وخالفه في أرض العنوة، [٢٨/أ] فقسمها أبو بكر ووقفها عمر. وخالفه في المفاضلة في العطاء، فرأى أبو بكر التسوية ورأى عمر المفاضلة (٤). ومن ذلك مخالفته له في الاستخلاف، وصرّح بذلك فقال: إن أستخلِفْ فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلِفْ فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف. قال ابن عمر: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ ، فعلمتُ أنه لا يَعدِلُ برسول الله ﷺ أحدًا، وأنه غيرُ مستخلف (٥). فهكذا يفعل أهل
следующие страницы →