← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

يُؤمِنك أن يكون قد أخطأ فيما قلَّدتَه فيه وخالفه فيه غيره؟ فإن قال: وإن أخطأ فهو مأجور، قيل: أجل هو مأجور لاجتهاده، وأنت غير مأجور لأنك لم تأتِ بموجب الأجر، بل قد فرَّطتَ في الاتباع الواجب، فأنتَ إذًا مأزور. فإن قال: كيف يأجره الله على ما أفتى به ويمدحه عليه ويذمُّ المستفتيَ على قبوله منه؟ وهل يُعقل هذا؟ قيل: المستفتي إن قصَّر وفرَّط في معرفة الحق مع قدرته عليه لحِقَه الذمُّ والوعيد، وإن بذل جهده ولم يقصر فيما أمر به واتقى الله ما استطاع فهو مأجور أيضًا، وأما المتعصب الذي جعل قول متبوعه عِيارًا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزِنها بها (١)، فما وافق قولَ متبوعه منها قبله وما خالفه ردَّه، فهذا إلى الذمّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والثواب. وإن قال ــ وهو الواقع ــ: اتبعتُه وقلّدته ولا أدري أعلى صواب هو أم لا، فالعهدة على القائل، وأنا حاكٍ لأقواله، قيل له: فهل تتخلَّص بهذا من الله عند السؤال لك عما حكمت به بين عباد الله وأفتيتهم به، فوالله إن للحكّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلَّص فيه إلا من عَرَف الحقّ وحكم به وعرفَه وأفتى به، وأما من عداهما فسيعلم عند [٢٦/ب] انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء. الوجه الحادي والثلاثون: أن نقول: أخذتم بقول فلان؛ لأنّ فلانًا قاله أو لأن رسول الله ﷺ قاله؟ فإن قلتم: «لأن فلانا قاله» جعلتم قول فلان حجة، وهذا عين الباطل، وإن قلتم: «لأن رسول الله ﷺ قاله» كان هذا أعظم وأقبح؛ فإنه مع تضمُّنه للكذب على رسول الله ﷺ وتقويلكم عليه (٢) ما لم يقله، وهو أيضًا كذبٌ على المتبوع فإنه لم يقل: هذا قول رسول الله ﷺ ؛ فقد دار

стр. 1262

قولكم بين أمرين (١) لا ثالث لهما: إما جعْلُ قول غير المعصوم حجة، وإما تقويلُ المعصوم ما لم يقله، ولا بدَّ من واحدٍ من الأمرين. فإن قلتم: «بل منهما بدٌّ، وبقي قسم ثالث، وهو أنا قلنا كذا؛ لأن رسول الله ﷺ أمرنا أن نتبع من هو أعلم منا، ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم، ونردّ ما لم نعلمه إلى استنباط أولي العلم؛ فنحن في ذلك متبعون ما أمرنا به نبينا». قيل: وهل نُدندِن إلا حول اتباع أمره ﷺ ، فحيَّهلا بالموافقة على هذا الأصل الذي لا يتمُّ الإيمان والإسلام إلا به، فنناشدكم بالذي أرسله إذا جاء أمره وجاء قول من قلَّدتموه هل تتركون قوله لأمره ﷺ ، وتضربون به الحائط، وتحرّمون الأخذ به والحالة هذه حتى تتحقق المتابعة كما زعمتم، أم تأخذون بقوله وتفوّضون أمر الرسول إلى الله، وتقولون: هو أعلم برسول الله ﷺ منا، ولم يخالف هذا الحديث إلا وهو عنده منسوخ أو معارَضٌ بما هو أقوى منه أو غير صحيح عنده؟ فتجعلون قولَ المتبوع محكمًا وقول الرسول متشابهًا؛ فلو كنتم قائلين بقوله لكون الرسول أمركم بالأخذ بقوله لقدَّمتم قول الرسول أين كان. ثم نقول في الوجه الثاني والثلاثين: [٢٧/أ] وأين أمركم الرسول بأخذ قولِ (٢) واحدٍ (٣) من الأمة بعينه، وترك قول نظيره ومن هو أعلم منه وأقرب إلى الرسول؟ وهل هذا إلا نسبة لرسول الله ﷺ إلى أنه أمر بما لم يأمر به قطُّ؟

стр. 1263

يوضحه الوجه الثالث والثلاثون: أن ما ذكرتم بعينه حجة عليكم، فإن الله سبحانه أمر (١) بسؤال أهل الذكر، والذكر هو القرآن والحديث الذي أمر الله نساء نبيه أن يذكرنه بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، فهذا هو الذكر الذي أمرنا الله باتباعه، وأمر من لا علم عنده أن يسأل أهله، وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر الذي أنزله على رسوله ليخبروه به، فإذا أخبروه به لم يَسَعْه غير اتباعه. وهذا كان شأن أئمة أهل العلم، لم يكن لهم مقلَّد معيَّن يتبعونه في كل ما قال؛ فكان عبد الله بن عباس يسأل الصحابة عما قاله رسول الله ﷺ أو فعله أو سنَّه (٢)، لا يسألهم عن غير ذلك، وكذلك الصحابة كانوا يسألون أمهات المؤمنين خصوصًا عائشة عن فِعْلِ رسول الله ﷺ في بيته (٣)، وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن شأن نبيهم فقط، وكذلك أئمة الفقه، كما قال الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله، أنت أعلم بالحديث مني؛ فإذا صح الحديث فأعلِمْني حتى أذهب إليه شاميًّا كان أو كوفيًّا أو بصريًّا (٤)، ولم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه ومذهبه فيأخذ به وحده ويخالف له ما سواه.

стр. 1264

الوجه الرابع والثلاثون: أن النبي ﷺ إنما أرشد المفتين (١) لصاحب الشجَّة بالسؤال عن حكمه وسنته، فقال: «قتلوه، قتلَهم الله» (٢)، فدعا عليهم [٢٧/ب] حين أفتوا بغير علم. وفي هذا تحريم الإفتاء بالتقليد؛ فإنه ليس علمًا باتفاق الناس، فإن ما دعا رسول الله ﷺ على فاعله (٣) فهو حرام، وذلك أحد أدلة التحريم؛ فما احتجّ به المقلّدون هو من أكبر الحجج عليهم، والله الموفق. وكذلك سؤال أبي العَسِيف الذي زنى بامرأةِ مستأجرِه لأهل العلم؛ فإنهم لما أخبروه بسنة رسول الله ﷺ في البكر الزاني أقرَّه على ذلك ولم ينكره (٤)؛ فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم. الوجه الخامس والثلاثون: قولهم: إن عمر قال في الكلالة: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر، وهذا تقليد منه له، فجوابه من خمسة أوجه: أحدها: أنهم اختصروا الحديث وحذفوا منه ما يبطُل استدلالهم به، ونحن نذكره بتمامه. قال شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي: إن أبا بكر قال في الكلالة: «أقضي فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله منه بريء، هو ما دون الولد والوالد»، فقال عمر بن الخطاب ﵁: «إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر» (٥). فاستحيا

стр. 1265

عمر من مخالفة أبي بكر في اعترافه بجواز الخطأ عليه، وأنه ليس كلامه كله صوابًا مأمونًا عليه الخطأ، ويدلُّ على ذلك أن عمر بن الخطاب أقرَّ عند موته أنه لم يقضِ في الكلالة بشيء، وقد اعترف أنه لم يفهمها (١). الوجه الثاني: أن خلاف عمر لأبي بكر أشهرُ من أن يُذكر، كما خالفه في سَبْي أهل الردة فسباهم أبو بكر وخالفه عمر، وبلغ خلافه إلى أن ردَّهن حرائر إلى أهلهن (٢) إلا من ولدت لسيدها منهن، ونقض حكمه (٣)، ومن جملتهن خولة الحنفية أم محمد بن علي، فأين هذا من فعل المقلِّدين بمتبوعهم؟ وخالفه في أرض العنوة، [٢٨/أ] فقسمها أبو بكر ووقفها عمر. وخالفه في المفاضلة في العطاء، فرأى أبو بكر التسوية ورأى عمر المفاضلة (٤). ومن ذلك مخالفته له في الاستخلاف، وصرّح بذلك فقال: إن أستخلِفْ فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلِفْ فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف. قال ابن عمر: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ ، فعلمتُ أنه لا يَعدِلُ برسول الله ﷺ أحدًا، وأنه غيرُ مستخلف (٥). فهكذا يفعل أهل

стр. 1266

العلم حين تتعارض عندهم سنة رسول الله ﷺ وقول غيره، لا يعدِلُون بالسنة شيئًا سواها، لا كما يصرِّح به المقلّدون صُراحًا، وخلافه له في الجد والإخوة معلوم أيضًا (١). الثالث: أنه لو قُدِّر تقليدُ عمر لأبي بكر في كل ما قاله لم يكن في ذلك مُستراحٌ لمقلّدي من هو بعد الصحابة والتابعين ممن لا يداني الصحابة ولا يقاربهم، فإن كان كما زعمتم لكم أسوة بعمر فقلِّدوا أبا بكر واتركوا تقليد غيره، والله ورسوله وجميع عباده يحمدونكم على هذا التقليد ما لا يحمدونكم على تقليد غير أبي بكر. الرابع: أن المقلِّدين لأئمتهم لم يستحيوا مما استحيا منه عمر؛ لأنهم يخالفون أبا بكر وعمر معه ــ ولا يستحيون من ذلك ــ لقول من قلَّدوه من الأئمة، بل قد صرَّح بعض غلاتهم (٢) في بعض كتبه الأصولية أنه لا يجوز (٣) تقليد أبي بكر وعمر، ويجب تقليد الشافعي. فيا لله العجب! الذي (٤) أوجبَ تقليد الشافعي حرّم (٥) عليكم تقليد أبي بكر وعمر! ونحن نُشهِد الله علينا شهادة نُسأل عنها يوم نلقاه أنه إذا صحّ عن الخليفتين الراشدين اللذين أمرنا رسول الله ﷺ باتباعهما والاقتداء بهما (٦) قولٌ، وأطبقَ

стр. 1267

أهل الأرض على خلافه= لم نلتفتْ إلى أحد منهم. ونحمد الله على أن عافانا مما ابتلى به من حرَّم تقليدهما وأوجب تقليد متبوعه من الأئمة. وبالجملة فلو [٢٨/ب] صحَّ تقليد عمر لأبي بكر لم يكن في ذلك راحةٌ لمقلِّدي من لم يأمر الله ولا رسوله بتقليده، ولا جعله عِيارًا على كتابه وسنة رسوله، ولا هو جعل نفسه كذلك. الخامس: أن غاية هذا أن يكون عمر قد قلَّد أبا بكر في مسألة، فهل في هذا دليل على جواز اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع، لا يُلتفَت إلى قول من سواه بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت قولَه؟ فهذا واللهِ هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرَّم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة. الوجه السادس والثلاثون: قولهم: إن عمر قال لأبي بكر: رأْيُنا لرأيك تَبَع؛ فالظاهر أن المحتج بهذا سمع الناس يقولون كلمة تكفي العاقلَ، فاقتصر من الحديث على هذه الكلمة، واكتفى بها، والحديث من أعظم الأشياء إبطالًا لقوله؛ ففي «صحيح البخاري» (١) عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بُزاخَة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألون الصلح، فخيَّرهم بين الحرب المُجْلِية والسلم المُخْزِية (٢)، فقالوا: هذه المُجْلِية قد عرفناها فما

стр. 1268

المُخْزِية؟ قال: ننزِع منكم الحَلْقة والكُراع (١)، ونغنَم ما أصبنا منكم (٢)، وتردُّون علينا ما أصبتم منّا، وتَدُون لنا قتلانا، وتكون قتلاكم في النار، وتتركون أقوامًا يتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرًا يعذرونكم به. فعرضَ أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيتَ رأيًا، وسنُشير عليك، أما ما ذكرتَ من الحرب المجلية والسلم المخزية فنِعْم ما ذكرتَ، وأما ما (٣) ذكرتَ من أن نغنم ما أصبنا منكم وتردُّون ما أصبتم منا فنِعْم ما ذكرتَ، وأما ما ذكرت تَدُون (٤) قتلانا وتكون قتلاكم في النار، فإن قتلانا قاتلتْ فقُتِلت على أمرِ الله، أجورُها [٢٩/أ] على الله ليس لها دياتٌ. فتتابع القوم على ما قال عمر. فهذا هو الحديث الذي في بعض ألفاظه: «قد رأيتَ رأيًا، ورأيُنَا لرأيك تَبَع» (٥) فأيُّ مستراحٍ في هذا لفرقة التقليد؟ الوجه السابع والثلاثون: قولهم: «إن ابن مسعود كان يأخذ بقول عمر»، فخلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يُتكلَّف إيراده، وإنما (٦) كان يوافقه كما يوافق العالم العالم، وحتى لو أخذ بقوله تقليدًا لعمر (٧) فإنما ذلك في نحو أربع مسائل نعدُّها، أو كان من عُمَّاله وكان عمر أمير المؤمنين. وأما مخالفته

стр. 1269

له ففي نحو مائة مسألة: منها: أن ابن مسعود صح عنه أن أم الولد تُعتَق من نصيب ولدها (١)، ومنها: أنه كان يُطبِّق في الصلاة (٢) إلى أن مات، وعمر كان يضع يديه على ركبتيه (٣)، ومنها: أن ابن مسعود كان يقول في الحرام: هي يمين (٤)، وعمر يقول: طلقة واحدة (٥)، ومنها: أن ابن مسعود كان يحرِّم نكاح الزانية على الزاني أبدًا (٦)، وعمر كان (٧) يتوِّبهما ويُنكِح أحدَهما الآخر (٨)، ومنها: أن ابن مسعود كان يرى بيع الأمة طلاقها (٩)، وعمر يقول: لا تَطلُق بذلك (١٠)، إلى قضايا كثيرة. والعجب أن المحتجّين بهذا لا يرون تقليد ابن مسعود ولا تقليد عمر،

стр. 1270

وتقليدُ مالك وأبي حنيفة والشافعي أحبُّ إليهم وآثرُ عندهم، ثم كيف يُنسَب إلى ابن مسعود تقليد الرجال وهو يقول: لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلَمُهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلتُ إليه. قال شقيق: فجلستُ في حلقة من أصحاب رسول الله ﷺ فما سمعتُ أحدًا يردُّ ذلك عليه (١). وكان يقول: والذي لا إله إلا هو ما من كتاب الله سورةٌ إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أُنزِلتْ، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني تبلُغه الإبل لركبتُ إليه (٢). وقال أبو موسى الأشعري: [٢٩/ب] كنَّا حينًا وما نرى ابن مسعود وأمّه إلا من أهل بيت النبي ﷺ ، من كثرة دخولهم ولزومهم له (٣). وقال أبو مسعود البدري وقد قام عبد الله بن مسعود: ما أعلمُ رسول الله ﷺ ترك بعده أعلمَ بما أنزل الله من هذا القائم، فقال أبو موسى: لقد كان يشهد إذا غِبْنا، ويُؤذَن له إذا حُجِبْنا (٤). وكتب عمر ﵁ إلى أهل الكوفة: إني بعثتُ إليكم عمّارًا أميرًا وعبد الله معلّمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد رسول الله ﷺ من أهل بدر، فخذوا عنهما، واقتدوا بهما؛ فإني آثرتُكم بعبد الله على نفسي (٥).

стр. 1271

وقد صح عن ابن عمر (١) أنه استفتى ابن مسعود في «البتّة» وأخذ بقوله (٢)، ولم يكن ذلك تقليدًا له، بل لما سمع قوله فيها تبيَّن له أنه الصواب. فهذا هو الذي كان يأخذ به الصحابة من أقوال بعضهم بعضًا (٣)، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: اغْدُ عالمًا أو متعلمًا، ولا تكوننَّ إمَّعَةً (٤)، فأخرجَ الإمّعة ــ وهو المقلّد ــ من زمرة العلماء والمتعلمين، وهو كما قال ﵁؛ فإنه لا مع العلماء ولا مع المتعلمين للعلم والحجة، كما هو معروف ظاهر لمن تأمَّله. الوجه الثامن والثلاثون: قولهم: «إن عبد الله كان يدَع قوله لقول عمر، وأبو موسى كان (٥) يدع قوله لقول علي، وكان زيد (٦) يدع قوله لقول أبي بن كعب» (٧)، فجوابه أنهم لم يكونوا يدَعون ما يعرفونه من السنة تقليدًا لهؤلاء الثلاثة كما تفعله فرقة التقليد، بل من تأمّل سيرة القوم رأى أنهم كانوا إذا ظهرت لهم السنة لم يكونوا يدعونها لقول أحدٍ كائنًا من كان، وكان ابن عمر يدع قول عمر إذا ظهرت له السنة (٨)، وابن عباس ينكر على من يعارض ما

стр. 1272

بلغه من السنة بقوله: قال أبو بكر وعمر، ويقول: [٣٠/أ] يُوشِك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون (١): قال أبو بكر وعمر (٢). فرحم الله ابن عباس ورضي عنه، فوالله لو شاهد خلفنا هؤلاء الذين إذا قيل لهم: قال رسول الله؛ قالوا: قال فلان وفلان، لمن لا يداني الصحابة ولا قريبًا من قريب. وإنما كانوا يدَعون أقوالهم لأقوال هؤلاء؛ لأنهم يقولون القول ويقول هؤلاء؛ فيكون الدليل معهم فيرجعون إليهم ويدعون أقوالهم، كما يفعل أهل العلم الذين هو أحب إليهم مما سواه، وهذا عكس طريقة فرقة التقليد من كل وجه، وهذا هو الجواب عن قول مسروق: ما كنتُ أدعُ قول ابن مسعود لقول أحد من الناس (٣). الوجه التاسع والثلاثون: قولهم: إن النبي ﷺ قال: «قد سنَّ لكم معاذٌ فاتبعوه» (٤). فعجبًا لمحتجٍّ بهذا على تقليد الرجال في دين الله، وهل صار ما

стр. 1273

سنَّه معاذ سنةً إلا بقوله ﷺ : «فاتبعوه»، كما صار الأذان سنةً بقوله ﷺ وإقراره وشرعه (١)، لا بمجرد المنام. فإن قيل: فما معنى الحديث؟ قيل: معناه أن معاذًا فعل فعلًا جعله الله لكم سنة، وإنما صار سنة لنا حين أمر به النبي ﷺ ، لا لأن معاذًا فعلَه فقط، وقد صحَّ عن معاذ أنه قال: كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلَّة عالم، وجدال منافقٍ بالقرآن؟ فأما العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينكم، وإن افْتُتِن فلا تقطعوا منه إياسَكم فإن المؤمن يُفتَتَن ثم يتوب، وأما القرآن فإنّ له منارًا كمنار الطريق لا يخفى على أحدٍ، فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحدًا، وما لم تعلموه فكِلُوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليستْ بنافعتِه دنياه (٢). فصدعَ ﵁ بالحق، ونهى عن التقليد في كل شيء، وأمر باتباع ظاهر القرآن، وأن لا يُبالَى بمن خالف [٣٠/ب] فيه، وأمر بالتوقُّف فيما أشكل، وهذا كلُّه خلاف طريقة المقلّدين، وبالله التوفيق. الوجه الأربعون: قولكم: «إن الله سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء، وطاعتُهم تقليدهم فيما يفتون به»؛ فجوابه أن أولي الأمر قد قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد. والتحقيق: أن

стр. 1274

الآية تتناول الطائفتين، وطاعتهم من طاعة الرسول، لكن خفي على المقلّدين أنهم إنما يُطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله ورسوله؛ فكان العلماء مبلِّغين لأمر الرسول، والأمراء منفِّذين له، فحينئذٍ تجب طاعتهم تبعًا لطاعة الله ورسوله، فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله ﷺ وإيثارُ التقليد عليها؟ الوجه الحادي والأربعون: أن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم، وأعظمها إبطالًا للتقليد، وذلك من وجوه: أحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه. الثاني: طاعة رسوله، ولا يكون العبد مطيعًا لله ورسوله حتى يكون عالمًا بأمر الله ورسوله، ومن أقرَّ على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر الله ورسوله (١) وإنما هو مقلّد فيها لأهل العلم= لم يُمكِنْه تحقيقُ طاعة الله ورسوله البتةَ. الثالث: أن أولي الأمر قد نَهوا عن تقليدهم، كما صحَّ ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة، وذكرناه نصًّا عن الأئمة الأربعة وغيرهم (٢)، وحينئذٍ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبةً بطل التقليد، وإن لم تكن واجبةً بطل الاستدلال. الرابع: أنه سبحانه قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ

стр. 1275

وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ [٣٠ مكرر/أ] بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وهذا صريح في إبطال التقليد، والمنعِ من ردِّ المتنازَعِ فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد. فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصَّة بهم؟ إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم. قيل: وهذا هو الحق، وطاعتهم إنما هي تَبَعٌ لا استقلال، ولهذا قرنَها بطاعة الرسول ولم يُعِدِ العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل، لئلّا يُتوهَّم أنه إنما يطاع تبعًا كما يطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالًا، كان ما أمر به ونهى عنه في القرآن أو لم يكن. الوجه الثاني والأربعون: قولهم: «إن الله ــ ــ أثنى على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وتقليدهم هو اتباعهم بإحسان»، فما أصدقَ المقدمةَ الأولى، وما أكذبَ الثانية! بل الآية من أعظم الأدلة ردًّا على فرقة التقليد؛ فإن اتباعهم هو سلوك سبيلهم ومنهاجهم، وقد نهوا عن التقليد وكون الرجل إمَّعةً، وأخبروا أنه ليس من أهل البصيرة، ولم يكن فيهم ــ ولله الحمد ــ رجل واحد على مذهب هؤلاء المقلدين، وقد أعاذهم الله وعافاهم مما ابتلى به من يردّ النصوص لآراء الرجال وتقليدها؛ فهذا ضدُّ متابعتهم، وهو نفس مخالفتهم؛ فالتابعون لهم بإحسانٍ حقًّا هم أولو العلم والبصائر، الذين لا يقدِّمون على كتاب الله وسنة رسوله رأيًا ولا قياسًا ولا معقولًا ولا قولَ أحد من العالمين، ولا يجعلون مذهب رجلٍ عِيارًا على القرآن والسنن؛ فهؤلاء أتباعهم حقًّا، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته.

стр. 1276

يوضِّحه الوجه الثالث والأربعون: أن أتباعهم لو كانوا هم المقلدين الذين هم مُقرّون على أنفسهم وجميعُ أهل العلم أنهم ليسوا من أولي العلم (١)، [٣٠ مكرر/ب] لكان سادات العلماء الدائرون مع الحجة ليسوا من أتباعهم، والجهّال أسعدُ بأتباعهم منهم، وهذا عين المحال، بل من خالف واحدًا منهم للحجة فهو المتبع له، دون من أخذ قوله بغير حجة، وهكذا القول في أتباع الأئمة ﵃، معاذَ الله أن يكونوا هم المقلدين لهم الذين يُنزِلون آراءهم منزلة النصوص، بل يتركون لها النصوص؛ فهؤلاء ليسوا من أتباعهم، وإنما أتباعهم من كان على طريقتهم واقتفى منهاجَهم. ولقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي (٢) وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له. ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلّدونهم، فأتبعُ الناس لمالك ابنُ وهب وطبقته ممن يُحكِّم الحجة وينقاد للدليل أين كان، وكذلك أبو يوسف ومحمد أتبعُ لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة مخالفتهما له، وكذلك البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتبعُ له من المقلدين المحض

стр. 1277

المنتسبين (١) إليه، وعلى هذا فالوقف على أتباع الأئمة أهلِ الحجة والعلم أحقُّ به من المقلدين في نفس الأمر. الوجه الرابع والأربعون: قولهم: يكفي في صحة التقليد الحديثُ المشهور: «أصحابي كالنجوم، بأيِّهم اقتديتم اهتديتم» (٢) جوابه من وجوه: أحدها: أن هذا الحديث قد روي من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر، ولا يثبت شيء منها (٣). قال ابن عبد البر (٤): حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد أن أبا عبد الله بن مفرِّج (٥) حدّثهم ثنا محمد بن أيوب [٣١/أ] الصَّموت قال: قال لنا البزار: وأما ما يُروى عن النبي ﷺ «أصحابي كالنجوم، بأيّهم اقتديتم اهتديتم» فهذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ . الثاني: أن يقال لهؤلاء المقلدين: فكيف استجزتم ترك تقليد النجوم التي يُهتدى بها وقلّدتم من هو دونهم بمراتب كثيرة؟ فكان تقليد مالك

стр. 1278

والشافعي وأبي حنيفة وأحمد آثرَ عندكم من تقليد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فما دلَّ عليه الحديث خالفتموه صريحًا، واستدللتم به على تقليد من لم يتعرض له بوجه. الثالث: أن هذا يوجب عليكم تقليدَ من ورَّث الجدَّ مع الإخوة (١) منهم ومن أسقط الإخوةَ به معًا (٢) (٣)، وتقليدَ من قال: الحرام يمين (٤)، ومن قال: هو طلاق (٥)، وتقليدَ من حرَّم الجمع بين الأختين بملك اليمين (٦) ومن أباحه (٧)، وتقليدَ من جوّز للصائم أكل البَرَد (٨) ومن منعَ منه، وتقليدَ من قال: تعتدُّ المتوفَّى عنها بأقصى الأجلين (٩)، ومن قال: بوضع الحمل (١٠)، وتقليدَ من قال: يحرم على المحرم استدامة الطِّيب (١١)، وتقليدَ من

стр. 1279

أباحه (١)، وتقليد من جوَّز بيع الدرهم بالدرهمين (٢)، وتقليدَ من حرَّمه (٣)، وتقليدَ من أوجب الغسل من الإكسال (٤)، وتقليدَ من أسقطه (٥)، وتقليد من ورَّث ذوي الأرحام (٦) ومن أسقطهم (٧)، وتقليدَ من رأى التحريم برضاع الكبير (٨) ومن لم يره (٩)، وتقليد من منعَ تيممَ الجنب (١٠) ومن أوجبه (١١)، وتقليد من رأى الطلاق الثلاث واحدةً (١٢) ومن رآه ثلاثًا (١٣)، وتقليد من

стр. 1280

أوجب فسخَ الحج إلى العمرة (١) ومن منع منه (٢)، وتقليد من أباح لحوم الحُمر الأهلية (٣) ومن منع منها (٤)، وتقليد من رأى النقض بمسّ الذكر (٥) ومن لم يره (٦)، وتقليد من رأى بيعَ الأمة طلاقها (٧) ومن لم يره (٨)، وتقليد من وقف المُولِيَ عند الأجل (٩) ومن لم يَقِفْه (١٠)، وأضعاف أضعاف ذلك مما اختلف فيه أصحاب رسول الله ﷺ . فإن سوَّغتم هذا [٣١/ب] فلا تحتجُّوا لقولٍ على قول، ومذهبٍ على مذهب، بل اجعلوا الرجل مخيَّرًا في الأخذ بأي قول شاء من أقوالهم، ولا تنكروا على من خالف مذاهبكم واتبع قول أحدهم، وإن لم تسوِّغوه فأنتم أول مُبطلٍ لهذا الدليل ومخالف له، وقائل بضدّ مقتضاه، وهذا مما لا انفكاكَ لكم منه. الرابع: أن الاقتداء بهم هو اتباع القرآن والسنة، والقبول من كل من دعا إليهما منهم؛ فإن الاقتداء بهم يحرِّم عليكم التقليد، ويوجب الاستدلال وتحكيمَ الدليل، كما كان عليه القوم ﵃، وحينئذٍ فالحديث من أقوى

стр. 1281

الحجج عليكم، وبالله التوفيق. الوجه الخامس والأربعون: قولكم: قال عبد الله بن مسعود: «من كان مستنًّا منكم (١) فليستنَّ بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد» (٢)، فهذا من أكبر الحجج عليكم من وجوه: فإنه نهى عن الاستنان بالأحياء، وأنتم تقلّدون الأحياء والأموات. الثاني: أنه عيَّن المستنَّ بهم بأنهم خير الخلق وأبرُّ الأمة وأعلمهم، وهم الصحابة ﵃، وأنتم ــ معاشرَ المقلِّدين ــ لا ترون تقليدهم ولا الاستنانَ بهم، وإنما ترون تقليد فلان وفلان ممن هو (٣) دونهم بكثير. الثالث: أن الاستنان بهم هو الاقتداء بهم، وهو بأن يأتي المقتدي بمثل ما أتوا به، ويفعل كما فعلوا، وهذا يُبطل قبول قول أحد بغير حجة كما كان الصحابة عليه. الرابع: أن ابن مسعود قد صح عنه النهيُ عن التقليد، وأن لا يكون الرجل إمَّعةً لا بصيرةَ له (٤)؛ فعلم أن الاستنان عنده غير التقليد. الوجه السادس والأربعون: قولكم: قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (٥)، وقال:

стр. 1282

«اقتدُوا باللذين من بعدي» (١)، فهذا من أكبر حُججنا عليكم [٣٢/أ] في بطلان ما أنتم عليه من التقليد؛ فإنه خلاف سنتهم، ومن المعلوم بالضرورة أن أحدًا منهم لم يكن يدع السنة إذا ظهرت لقول غيره كائنًا من كان، ولم يكن له معها قول البتةَ، وطريقةُ فرقةِ التقليد خلاف ذلك. يوضّحه الوجه السابع والأربعون: أنه ﷺ قرن سنتهم بسنته (٢) في وجوب الاتباع، والأخذُ بسنتهم ليس تقليدًا لهم، بل اتباعًا لرسول الله ﷺ ، كما أن الأخذ بالأذان لم يكن تقليدًا لمن رآه في المنام، والأخذ بقضاء ما فات المسبوقَ من صلاته بعد سلام الإمام لم يكن تقليدًا لمعاذ، بل اتباعًا لمن أمرنا بالأخذ بذلك، فأين التقليد الذي أنتم عليه من هذا؟ يوضحه الوجه الثامن والأربعون: أنكم أول مخالف لهذين الحديثين؛ فإنكم لا ترون الأخذ بسنتهم ولا الاقتداء بهم واجبًا، وليس قولهم عندكم حجة، وقد صرَّح بعض غُلاتكم (٣) بأنه لا يجوز تقليدهم، ويجب تقليد الشافعي، فمن العجائب احتجاجكم بشيء أنتم أشدُّ الناس خلافًا له، وبالله التوفيق. يوضحه الوجه التاسع والأربعون: أن الحديث بجملته حجة عليكم من كل وجه، فإنه أمرَ عند كثرة الاختلاف بسنته وسنة خلفائه، وأمرتم أنتم برأي فلان ومذهب فلان.

стр. 1283

الثاني: أنه حذّر من محدثات الأمور، وأخبر أن كلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، ومن المعلوم بالاضطرار أنّ ما أنتم عليه من التقليد الذي تُرِك له كتاب الله وسنة رسوله، ويُعرض القرآنُ والسنة عليه، ويُجعل معيارًا عليهما= من أعظم المحدثات والبدع التي برَّأ الله سبحانه منها القرونَ الثلاثة (١) التي فضّلها وخيّرها على غيرها. وبالجملة فما سنَّه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدولُ عنها، فأين هذا من قول فرقة التقليد: ليست سنتهم [٣٢/ب] حجة، ولا يجوز تقليدهم فيها؟ يوضّحه الوجه الخمسون: أنه ﷺ قال في نفس هذا الحديث: «فإنه مَن يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا» (٢)، وهذا ذمٌّ للمختلفين، وتحذيرٌ من سلوك سبيلهم، وإنما كثر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد، وأهلُه هم الذين فرَّقوا الدين وصيّروا أهله شِيَعًا، كل فرقة تنصر متبوعها وتدعو إليه، وتذمُّ من خالفها ولا يرون العمل بقولهم، حتى كأنهم ملة أخرى سواهم، يدأبون ويكدحون في الرد عليهم، ويقولون: كتبُهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا. هذا، والنبي واحد والقرآن واحد والدين واحد والرب واحد؛ فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواءٍ بينهم كلهم: أن لا يطيعوا إلا الرسول، ولا يجعلوا (٣) معه من تكون أقواله كنصوصه، ولا يتخذَ بعضهم

стр. 1284

بعضًا أربابًا من دون الله. فلو اتفقت كلمتهم على ذلك، وانقاد كلٌّ منهم لمن دعاه إلى الله ورسوله، وتحاكموا كلُّهم إلى السنة وآثار الصحابة= لقلَّ الاختلاف وإن لم يُعدَم من الأرض؛ ولهذا تجد أقلَّ الناس اختلافًا أهل السنة والحديث؛ فليس على وجه الأرض طائفة أكثر اتفاقًا وأقلّ اختلافًا منهم لما بَنَوا على هذا الأصل، وكلما كانت الفرقةُ عن الحديث أبعدَ كان اختلافهم في أنفسهم أشدَّ وأكثر، فإن من ردَّ الحق مرِجَ عليه أمرُه واختلطَ عليه، والتبس عليه وجه الصواب، فلم يدرِ أين يذهب، كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]. الوجه الحادي والخمسون: قولكم: إن عمر كتب إلى شُريح: «أن اقضِ بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة (١) رسول الله، فإن لم يكن في سنة رسول الله فبما [٣٣/أ] قضى به الصالحون» (٢)، فهذا من أظهر الحجج عليكم على بطلان التقليد؛ فإنه أمره أن يقدِّم الحكم بالكتاب على كل (٣) ما سواه، فإن لم يجده في الكتاب ووجده في السنة لم يلتفت إلى غيرها، فإن لم يجده في السنة قضى بما قضى به الصحابة. ونحن نناشد الله فرقة التقليد: هل هم كذلك أو قريبًا من ذلك؟ وهل إذا نزلت بهم نازلةٌ حدَّث أحد منهم نفسَه أن يأخذ حكمها من كتاب الله ثم ينفِّذه، فإن لم يجدها في كتاب الله أخذها من سنة رسول الله، فإن لم يجدها

стр. 1285

في السنة أفتى فيها بما أفتى به الصحابة (١)؟ والله يشهد (٢) عليهم وملائكته، وهم شاهدون على أنفسهم بأنهم إنما يأخذون حكمها من قول من قلّدوه، وإن استبان لهم في الكتاب أو السنة أو أقوال (٣) الصحابة خلافُ ذلك لم يلتفتوا إليه، ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلَّدوه؛ فكتاب عمر من أبطل الأشياء وأكسرِها لقولهم، وهذا كان سَيْر السلف المستقيم وهَدْيهم القويم. فلما انتهت النوبة إلى المتأخرين ساروا عكس هذا السير، وقالوا: إذا نزلت النازلة بالمفتي أو الحاكم فعليه أن ينظر أولًا: هل فيها اختلاف (٤) أم لا؟ فإن لم يكن فيها اختلاف لم ينظر في كتاب ولا سنة، بل يفتي ويقضي فيها بالإجماع، وإن كان فيها اختلاف اجتهد في (٥) أقرب الأقوال إلى الدليل فأفتى به وحكم به. وهذا خلاف ما دلَّ عليه حديث معاذ وكتاب عمر وأقوال الصحابة، والذي دلَّ عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة أولى فإنه مقدور مأمور (٦)، فإن عِلْم المجتهد بما دلّ عليه القرآن والسنة أسهلُ عليه بكثير من عِلْمه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم. وهذا إن لم يكن متعذرًا فهو أصعب شيء وأشقُّه إلا فيما هو من لوازم الإسلام، فكيف يُحيلنا الله

стр. 1286

ورسوله على ما لا وصول لنا إليه ويترك الحوالة على [٣٣/ب] كتابه وسنة رسوله اللذين هدانا بهما، ويسّرهما لنا، وجعل لنا (١) إلى معرفتهما طريقًا سهلة التناول من قرب؟ ثم ما يُدرِيه فلعلَّ الناس اختلفوا وهو لا يعلم، وليس عدم العلم بالنزاع علمًا بعدمه، فكيف يقدِّم عدم العلم على أصل العلم كله؟ ثم كيف يسوغ له ترك الحق المعلوم إلى أمر لا علم له به، وغايته أن يكون موهومًا، وأحسن أحواله أن يكون مشكوكًا فيه شكًّا (٢) متساويًا أو راجحًا؟ ثم كيف يستقيم هذا على رأي من يقول: انقراض عصر المجمعين شرط في صحة الإجماع؟ فما لم ينقرض عصرهم فلمن نشأ (٣) في زمنهم أن يخالفهم، فصاحب هذا السلوك لا يُمكِنه أن يحتجّ بالإجماع حتى يعلم أن العصر انقرض ولم ينشأ فيه مخالف لأهله؟ وهل أحال الله الأمة في الاهتداء بكتابه وسنة رسوله على ما لا سبيلَ لهم إليه ولا اطلاعَ لأفرادهم عليه؟ وترك إحالتهم على ما هو بين أظهرهم حجةٌ عليهم (٤) باقية إلى آخر الدهر متمكّنون من الاهتداء به ومعرفة الحق منه، هذا من أمحل المحال. وحين نشأت هذه الطريقة تولَّد عنها معارضةُ النصوص بالإجماع المجهول، وانفتح باب دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلّدين إذا احتُجَّ عليه بالقرآن والسنة قال: هذا خلاف الإجماع. وهذا هو الذي أنكره

стр. 1287

أئمة الإسلام، وعابوا من كل ناحية على من ارتكبه، وكذّبوا من ادعاه؛ فقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: من ادّعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغه (١). وقال في رواية المرّوذي (٢): كيف يجوز للرجل أن يقول: [٣٤/أ] أجمعوا؟! إذا سمعتهم يقولون: «أجمعوا» فاتَّهِمْهم، لو قال: إني لم أعلم مخالفًا كان (٣). وقال في رواية أبي طالب: هذا كذب، ما عِلْمُه أن الناس مجمعون؟ ولكن يقول: ما أعلمُ فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس (٤). وقال في رواية أبي الحارث: لا ينبغي لأحدٍ أن يدّعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا (٥). ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة، والسنة على الإجماع، وجَعْلِ الإجماع في المرتبة الثالثة، قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة (٦).

стр. 1288

وقال في كتاب «اختلافه مع مالك» (١): والعلم طبقات، الأولى: الكتاب والسنة الثابتة (٢)، ثم الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة (٣)، الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يُعلم له مخالف من الصحابة، الرابعة: اختلاف الصحابة، الخامسة: القياس (٤). فقدَّم النظر في الكتاب والسنة على الإجماع، ثم أخبر أنه إنما يصير إلى الإجماع فيما لم يعلم فيه كتابًا ولا سنة، وهذا هو الحق. وقال أبو حاتم الرازي (٥): العلم عندنا ما كان عن الله تعالى من كتاب ناطق ناسخٍ غير منسوخ، وما صحّت به الأخبار عن رسول الله ﷺ مما لا معارضَ له، وما جاء عن الألبّاء (٦) من الصحابة ما اتفقوا عليه، فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم، فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين، فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم، مثل أيوب السختياني وحماد بن زيد وحماد بن سلمة (٧) وسفيان ومالك والأوزاعي والحسن بن

стр. 1289

صالح، ثم ما لم يوجد عن أمثالهم فعن مثل عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس ويحيى بن آدم وابن عيينة ووكيع بن الجراح، ومن بعدهم محمد بن إدريس الشافعي ويزيد بن هارون والحميدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي [٣٤/ب] وأبي عبيد القاسم. انتهى. فهذا طريقُ أهل العلم وأئمة الدين، جَعْلُ أقوال هؤلاء بدلًا عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة بمنزلة التيمم، إنما يصار إليه عند عدم الماء؛ فعَدلَ هؤلاء المتأخرون المقلّدون إلى التيمم، والماءُ بين أظهرهم أسهلُ من التيمم بكثير. ثم حدثت (١) بعد هؤلاء فرقة هم أعداء العلم وأهله، فقالوا: إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم نازلة لم يجزْ أن ينظر فيها في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أقوال الصحابة، بل إلى ما قال مقلَّده ومتبوعه ومَن جعله عِيارًا على القرآن والسنة؛ فما وافق قولَه أفتى به وحكم به، وما خالفه لم يجز له أن يفتي به ولا يقضي به، وإن فعل ذلك تعرَّض لعَزْله عن منصب الفتوى والحكم، واستُفْتِي عليه: ما تقول السادة الفقهاء فيمن ينتسب إلى مذهب إمام معين يقلّده دون غيره، ثم يفتي أو يحكم بخلاف مذهبه، هل يجوز له ذلك أم لا؟ وهل يقدح ذلك فيه أم لا؟ فيُنْغِض المقلِّدون رؤوسهم، ويقولون: لا يجوز له ذلك، ويقدح فيه. ولعل القول الذي عدل إليه هو قول أبي بكر وعمر وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأمثالهم؛ فيجيب هذا الذي انتصب للتوقيع

стр. 1290

عن الله ورسوله بأنه (١) لا يجوز له مخالفة قول متبوعه لأقوال (٢) من هو أعلم بالله ورسوله (٣) منه، وإن كان مع أقوالهم كتاب الله وسنة رسوله. وهذا من أعظم جنايات فرقة التقليد على الدين، ولو أنهم لزموا حدَّهم ومرتبتهم وأخبروا إخبارًا مجردًا عما وجدوه من السواد في البياض من أقوال لا علم لهم بصحيحها (٤) من باطلها لكان لهم عذرٌ مّا عند الله، ولكن هذا مبلغهم من العلم، وهذه معاداتهم لأهله وللقائمين لله بحججه، وبالله التوفيق. الوجه [٣٥/أ] الثاني والخمسون: قولكم: «منع عمر من بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة، وألزم بالطلاق الثلاث وتبعوه أيضًا» (٥)، جوابه من وجوه: أحدها: أنهم لم يتبعوه تقليدًا له، بل أدّاهم اجتهادهم في ذلك إلى ما أدّاه إليه اجتهاده، ولم يقل أحد منهم قط: إني رأيت ذلك تقليدًا لعمر. الثاني: أنهم لم يتبعوه كلهم، فهذا ابن مسعود يخالفه في أمهات الأولاد، وهذا ابن عباس يخالفه في الإلزام بالطلاق الثلاث (٦)، وإذا اختلف الصحابة وغيرهم فالحاكم هو الحجة.

стр. 1291

الثالث: أنه ليس في اتباع قول عمر بن الخطاب في هاتين المسألتين وتقليد الصحابة لو فُرِض له في ذلك ما يسوِّغ تقليدَ من هو دونه بكثير في كل ما يقوله وترْكَ قولِ من هو مثله ومن هو فوقه وأعلم منه، فهذا من أبطل الاستدلال، وهو تعلُّقٌ ببيت العنكبوت، فقلِّدوا عمر واتركوا تقليد فلان وفلان، فأما وأنتم تصرِّحون بأن (١) عمر لا يقلَّد وأبو حنيفة والشافعي ومالك يقلَّدون فلا يمكنكم الاستدلال بما أنتم مخالفون له، فكيف يجوز للرجل أن يحتج بما لا يقول به؟ الوجه الثالث والخمسون: قولكم: «إن عمرو بن العاص قال لعمر لما احتلم: خذْ ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلتُ صارت سنة» (٢)، فأين في هذا من الإذن من عمر في تقليده والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله؟ وغاية هذا أنه تركه لئلا يقتدي به من يراه يفعل ذلك، ويقول: لولا أن هذا سنة رسول الله ﷺ ما فعله عمر؛ فهذا هو الذي خشيه عمر ﵁، والناس مقتدون بعلمائهم شاؤوا أو أبوا، فهذا هو الواقع وإن كان الواجب فيه تفصيل. الوجه الرابع والخمسون: قولكم: «قد قال أُبيّ: ما اشتبه عليك فكِلْه إلى عالمه» (٣)، [٣٥/ب] فهذا حق، وهو الواجب على من سوى الرسول؛ فإن كل أحد بعد الرسول لا بدَّ أن يشتبه عليه بعض ما جاء به، وكل من اشتبه عليه شيء وجب (٤) عليه أن يَكِلَه إلى مَن هو أعلم منه، فإن تبين له صار عالمًا به مثله،

стр. 1292

وإلا وكَلَه إليه، ولم يتكلّف ما لا علم له به، فهذا هو الواجب علينا في كتاب ربنا وسنة نبينا (١) وأقوال أصحابه، وقد جعل الله سبحانه فوق كل ذي علم عليمًا؛ فمن خفي عليه بعض الحق فوكَلَه إلى من هو أعلم منه فقد أصاب، فأيُّ شيء في هذا من الإعراض عن القرآن والسنن وآثار الصحابة، واتخاذِ رجلٍ بعينه معيارًا على ذلك، وتركِ النصوص لقوله وعرْضِها عليه، وقبولِ كل ما أفتى به وردِّ كل ما خالفه؟ وهذا الأثر نفسه من أكبر الحجج على بطلان التقليد، فإن أوله: «ما استبان لك فاعمَلْ به، وما اشتبه عليك فكِلْه إلى عالمه». ونحن نناشدكم الله إذا استبانت (٢) لكم السنة هل تتركون قولَ من قلَّدتموه لها وتعملوا بها وتفتوا أو تقضوا (٣) بموجبها، أم تتركونها وتعدِلون عنها إلى قوله وتقولون: هو أعلم بها منا؟ فأبيٌّ ﵁ مع سائر الصحابة على هذه الوصية، وهي مبطِلة للتقليد قطعًا، وبالله التوفيق. ثم نقول: هل وَكَلْتم ما اشتبه عليكم من المسائل إلى عالمها من أصحاب رسول الله ﷺ إذ هم أعلم الأمة وأفضلها؟ بل تركتم أقوالهم وعدلتم عنها، فإن كان من قلَّدتموه ممن يوكل ذلك إليه فالصحابة أحقُّ أن يوكل ذلك إليهم. الوجه الخامس والخمسون: قولكم: «كان الصحابة يفتون ورسول الله ﷺ حيٌّ بين أظهرهم، وهذا تقليد للمستفتين (٤) لهم»، فجوابه أن فتواهم إنما

стр. 1293

كانت تبليغًا عن الله ورسوله، [٣٦/أ] وكانوا بمنزلة المخبرين فقط، لم تكن فتواهم تقليدًا لرأي فلان وفلان وإن خالفت النصوص؛ فهم لم يكونوا يقلِّدون في فتواهم، ولا يفتون بغير النصوص، ولم تكن المستفتون (١) لهم تعتمد (٢) إلا على (٣) ما يبلِّغونهم إياه عن نبيهم، فيقولون: أمر بكذا، وفعل كذا (٤)، ونهى عن كذا، هكذا كانت فتواهم؛ فهي حجة على المستفتين كما هي حجة عليهم، ولا فرق بينهم وبين المستفتين لهم في ذلك إلا في الواسطة بينهم وبين الرسول وعدمها، والله ورسوله وسائر أهل العلم يعلمون أنهم وأن مستفتيهم لم يعملوا إلا بما علموه عن نبيهم وشاهدوه وسمعوه منه، هؤلاء بواسطة وهؤلاء بغير واسطة، ولم يكن فيهم من يأخذ قول واحد (٥) من الأمة يحلّل ما حلله ويحرّم ما حرمه ويستبيح ما أباحه. وقد أنكر النبي ﷺ على من أفتى بغير السنة منهم، كما أنكر على أبي السنابل وكذَّبه (٦) (٧)، وأنكر على من أفتى برجم الزاني البكر (٨)، وأنكر على

стр. 1294

من أفتى باغتسال الجريح حتى مات (١)، وأنكر على من أفتى بغير علم كمن يفتي بما لا يعلم صحته، وأخبر أن إثم المستفتي عليه (٢)، فإفتاء الصحابة في حياته نوعان: أحدهما: كان يبلُغه ويُقِرُّهم عليه، فهو حجة بإقراره لا بمجرد إفتائهم، الثاني: ما (٣) كانوا يفتون به مبلِّغين له عن نبيهم فهم فيه رواة، لا مقلِّدون ولا مقلَّدون. الوجه السادس والخمسون: قولكم: «وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فأوجب قبول نذارتهم، وذلك تقليد لهم»، جوابه من وجوه: أحدها: أن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم عن النبي ﷺ في الجهاد، فأين في هذا حجة لفرقة التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي؟ الثاني: أن الآية حجة عليهم ظاهرة؛ فإنه سبحانه نوَّع عبوديتهم وقيامهم بأمره [٣٦/ب] إلى نوعين: أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء، أهل الجهاد وأهل العلم؛ فالنافرون يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون يحفظون العلم للنافرين، فإذا رجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار من سمعه من رسول الله ﷺ .

стр. 1295

وهنا (١) للناس في الآية قولان: أحدهما أن المعنى: «فهلّا نفرَ من كل فرقة طائفةٌ تتفقه وتنذر القاعدة»، فيكون المعنى في طلب العلم، وهذا قول الشافعي (٢) وجماعة من المفسّرين، واحتجوا به على قبول خبر الواحد؛ لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدد التواتر. والثاني أن المعنى: «فلولا نفر من كل فرقة طائفةٌ تجاهد لتتفقه القاعدةُ، وتُنذِر النافرةَ للجهاد إذا رجعوا إليهم، ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي» وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح (٣)؛ لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد كما قال النبي ﷺ : «وإذا استُنفِرتم فانْفِروا» (٤). وأيضًا فإن المؤمنين عام في المقيمين مع النبي ﷺ والغائبين عنه، والمقيمون مرادون ولا بدَّ فإنهم سادات المؤمنين، فكيف لا يتناولهم اللفظ؟ وعلى قول أولئك يكون المؤمنون خاصًّا بالغائبين عنه فقط، والمعنى: وما كان المؤمنون لينفروا إليه كلهم، فلولا نفر إليه من كل فرقة منهم طائفة. وهذا خلاف ظاهر لفظ المؤمنين، وإخراجٌ للفظ النفير عن مفهومه في القرآن والسنة. وعلى كلا القولين فليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد المذموم، بل هي حجة على فساده وبطلانه؛ فإن الإنذار إنما يقوم بالحجة،

стр. 1296

فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر، كما أن النذير من أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير، فإن سميتم ذلك تقليدًا فليس الشأن في الأسماء، ونحن لا [٣٧/أ] ننكر التقليد بهذا المعنى، فسمُّوه ما شئتم، وإنما ننكر نصْبَ رجل معين يُجعل قوله عِيارًا على القرآن والسنن؛ فما وافق قولَه منها قُبِل وما خالفه لم يُقبَل، ويقبل قوله بغير حجة، ويُردّ قول نظيره أو أعلمَ منه والحجة معه، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يعلن بإنكاره وذمه وذم أهله. الوجه السابع والخمسون: قولكم: «إن ابن الزبير سئل عن الجد والإخوة فقال: أما الذي قال رسول الله ﷺ : لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتُه خليلًا ــ يريد أبا بكر ﵁ ــ فإنه أنزله أبًا» (١)، فأيّ شيء في هذا مما يدل على التقليد بوجه من الوجوه؟ وقد تقدم من الأدلة الشافية التي لا مطمع في دفعها ما يدل على أن قول الصديق في الجد أصحُّ الأقوال على الإطلاق، وابن الزبير لم يخبر بذلك تقليدًا، بل أضاف المذهب إلى الصديق لينبِّه على جلالة قائله، وأنه ممن (٢) لا يقاس غيره به، لا لِيُقبل قوله بغير حجة وتُترك الحجة من القرآن والسنة لقوله؛ فابن الزبير وغيره من الصحابة كانوا أتقى لله، وحجج الله وبيناته أحبّ إليهم من أن يتركوها لآراء الرجال أو لقول أحدٍ كائنًا من كان. وقول ابن الزبير: «إن الصديق أنزله أبًا» (٣) متضمن للحكم والدليل معًا.

стр. 1297

الوجه الثامن والخمسون: قولكم: «وقد أمر الله بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له»، فلو لم يكن في آفات التقليد غيرُ هذا الاستدلال لكفى به بطلانًا، وهل قبلنا قول الشاهد إلا بنص كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع الأمة على قبول قوله؛ فإن الله سبحانه نصبه حجة يحكم الحاكم بها كما يحكم بالإقرار، وكذلك قول المقرِّ أيضًا حجة شرعية، وقبوله تقليدٌ له كما سمَّيتم قبول شهادة الشاهد تقليدًا، فسمُّوه ما شئتم فإن الله سبحانه أمرنا بالحكم بذلك، وجعله [٣٧/ب] دليلًا على الأحكام؛ فالحاكم بالشهادة والإقرار منفِّذ لأمر الله ورسوله، ولو تركنا وتقليد الشاهد لم نُلزِم به حكمًا، وقد كان النبي ﷺ يقضي بالشاهد (١) وبالإقرار (٢)، وذلك حكم بنفس ما أنزل الله لا بالتقليد؛ فالاستدلالُ بذلك على التقليد المتضمن للإعراض عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وتقديمِ آراء الرجال عليها، وتقديمِ قول الرجل على من هو أعلم منه، واطِّراحِ قول من عداه جملةً= من باب قلب الحقائق وانتكاس العقول والأفهام. وبالجملة فنحن إذا قبلنا قول الشاهد لم نقبله لمجرد كونه شهد به، بل لأن الله سبحانه أمرنا بقبول قوله، فأنتم معاشرَ المقلّدين إذا قبلتم قول من قلَّدتموه قبلتموه لمجرد كونه قاله أو لأن الله أمركم بقبول قوله وطَرْح قول من سواه؟ الوجه التاسع والخمسون: قولكم: «وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوِّم والحاكمَينِ بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض»، أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم أو

стр. 1298

تقليد لهم فيما يخبرون به؟ فإن عنيتم الأول فهو باطل، وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بطلانه، وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المخبر والشاهد، لا من باب قبول الفتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها (١)، بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه، فأين قبول الأخبار والشهادات والأقارير إلى التقليد في الفتوى؟ والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسّي طريقُ العلم به إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة، وقد أمر الله سبحانه بقبول خبر المخبر به إذا كان ظاهر الصدق والعدالة. وطَرْدُ [٣٨/أ] هذا ونظيره: قبول خبر المخبر عن رسول الله ﷺ بأنه قال أو فعل، وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك، وهلمَّ جرًّا؛ فهذا حق لا ينازع فيه أحد. وأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه فليس فيه أكثر من العلم بأن ذلك ظنه واجتهاده؛ فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته وسماعه وإدراكه، فأين في هذا ما يوجب علينا أو يسوِّغ لنا أن نفتي بذلك أو نحكم به وندين الله به، ونقول: هذا هو الحق وما خالفه باطل، ونترك له نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عداه من جميع أهل العلم؟ ومن هذا الباب تقليد الأعمى في القبلة (٢) ودخول الوقت لغيره، وقد كان ابن أم مكتوم لا يؤذِّن حتى يقلِّد غيره في طلوع الفجر، ويقال له: أصبحتَ أصبحتَ (٣)، وكذلك تقليد الناس للمؤذّن في دخول الوقت،

стр. 1299

وتقليد من في المطمورة (١) لمن يُعلِمه بأوقات الصلاة والفطر والصوم وأمثال ذلك، ومن ذلك التقليدُ في قبول الترجمة والرسالة والتعريف والتعديل والجرح. كل هذا من باب الأخبار التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلًا صادقًا، وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهديَّة (٢) وإدخال الزوجة على زوجها، وقبول خبر المرأة ذميةً كانت أو مسلمةً في انقطاع دم حيضها لوقته (٣) وجواز وطئها وإنكاحها بذلك، وليس هذا تقليدًا في الفتيا والحكم، وإذا كان تقليدًا لها فإن الله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلِّدها فيه (٤)، ولم يشرع لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله، فضلًا عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من أهل العلم ونقدِّم قوله على قول من عداه من الأمة. الوجه الستون: قولكم: «وأجمعوا على جواز شراء اللُّحمان والأطعمة والثياب وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلّها اكتفاءً بتقليد أربابها»، جوابه: أن هذا ليس تقليدًا [٣٨/ب] في حكم من أحكام الله ورسوله من غير دليل، بل هو اكتفاء بقبول قول الذابح والبائع، وهو اقتداء واتباع لأمر الله ورسوله، حتى لو كان الذابح والبائع يهوديًّا أو نصرانيًّا أو فاجرًا اكتفينا بقوله في ذلك، ولم نسأله عن أسباب الحلّ، كما قالت عائشة: يا رسول الله، إن ناسًا يأتوننا باللحمان لا ندري أذَكروا اسم الله عليها أم لا، فقال: «سمُّوا أنتم

стр. 1300

وكلوا» (١)، فهل يسوغ لكم تقليدُ الكفّار والفسّاق في الدين كما تقلّدونهم في الذبائح والأطعمة؟ فدَعُوا هذه الاحتجاجات الباردة وادخلوا معنا في الأدلة الفارقة بين الحق والباطل؛ لنعقد معكم عقد الصلح اللازم على تحكيم كتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما وترك أقوال الرجال لهما، وأن ندورَ مع الحق حيث كان، ولا نتحيَّز إلى شخص معين غير الرسول: نقبل قوله كله، ونردُّ قول من خالفه كله، وإلا فاشهدوا بأنا أول منكرٍ لهذه الطريقة وراغبٍ عنها داعٍ إلى خلافها، والله المستعان. الوجه الحادي والستون: قولكم: «لو كُلِّف الناس كلهم الاجتهادَ وأن يكونوا علماء ضاعت مصالح العباد، وتعطَّلت الصنائع والمتاجر، وهذا مما لا سبيلَ إليه شرعًا وقدرًا»، فجوابه من وجوه: أحدها: أن من رحمة الله سبحانه بنا ورأفتِه أنه لم يكلِّفنا بالتقليد، فلو كلَّفنا به لضاعت أمورنا، وفسدت مصالحنا، لأنا لم نكن ندري من نقلِّد من المفتين والفقهاء، وهم عدد فوق المئتين، ولا يدري عددهم في الحقيقة إلا الله، فإن المسلمين قد ملأوا الأرض شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، وانتشر الإسلام بحمد الله وفضله وبلغ ما بلغ الليل، فلو كلّفنا بالتقليد لوقعنا في أعظم العَنَت والفساد، ولكلّفنا بتحليل الشيء وتحريمه وإيجاب الشيء وإسقاطه معًا إن كلّفنا بتقليد كل عالم، وإن كلّفنا بتقليد الأعلم فالأعلم
следующие страницы →