← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر، كما أن النذير من أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير، فإن سميتم ذلك تقليدًا فليس الشأن في الأسماء، ونحن لا [٣٧/أ] ننكر التقليد بهذا المعنى، فسمُّوه ما شئتم، وإنما ننكر نصْبَ رجل معين يُجعل قوله عِيارًا على القرآن والسنن؛ فما وافق قولَه منها قُبِل وما خالفه لم يُقبَل، ويقبل قوله بغير حجة، ويُردّ قول نظيره أو أعلمَ منه والحجة معه، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يعلن بإنكاره وذمه وذم أهله. الوجه السابع والخمسون: قولكم: «إن ابن الزبير سئل عن الجد والإخوة فقال: أما الذي قال رسول الله ﷺ : لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتُه خليلًا ــ يريد أبا بكر ﵁ ــ فإنه أنزله أبًا» (١)، فأيّ شيء في هذا مما يدل على التقليد بوجه من الوجوه؟ وقد تقدم من الأدلة الشافية التي لا مطمع في دفعها ما يدل على أن قول الصديق في الجد أصحُّ الأقوال على الإطلاق، وابن الزبير لم يخبر بذلك تقليدًا، بل أضاف المذهب إلى الصديق لينبِّه على جلالة قائله، وأنه ممن (٢) لا يقاس غيره به، لا لِيُقبل قوله بغير حجة وتُترك الحجة من القرآن والسنة لقوله؛ فابن الزبير وغيره من الصحابة كانوا أتقى لله، وحجج الله وبيناته أحبّ إليهم من أن يتركوها لآراء الرجال أو لقول أحدٍ كائنًا من كان. وقول ابن الزبير: «إن الصديق أنزله أبًا» (٣) متضمن للحكم والدليل معًا.

стр. 1297

الوجه الثامن والخمسون: قولكم: «وقد أمر الله بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له»، فلو لم يكن في آفات التقليد غيرُ هذا الاستدلال لكفى به بطلانًا، وهل قبلنا قول الشاهد إلا بنص كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع الأمة على قبول قوله؛ فإن الله سبحانه نصبه حجة يحكم الحاكم بها كما يحكم بالإقرار، وكذلك قول المقرِّ أيضًا حجة شرعية، وقبوله تقليدٌ له كما سمَّيتم قبول شهادة الشاهد تقليدًا، فسمُّوه ما شئتم فإن الله سبحانه أمرنا بالحكم بذلك، وجعله [٣٧/ب] دليلًا على الأحكام؛ فالحاكم بالشهادة والإقرار منفِّذ لأمر الله ورسوله، ولو تركنا وتقليد الشاهد لم نُلزِم به حكمًا، وقد كان النبي ﷺ يقضي بالشاهد (١) وبالإقرار (٢)، وذلك حكم بنفس ما أنزل الله لا بالتقليد؛ فالاستدلالُ بذلك على التقليد المتضمن للإعراض عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وتقديمِ آراء الرجال عليها، وتقديمِ قول الرجل على من هو أعلم منه، واطِّراحِ قول من عداه جملةً= من باب قلب الحقائق وانتكاس العقول والأفهام. وبالجملة فنحن إذا قبلنا قول الشاهد لم نقبله لمجرد كونه شهد به، بل لأن الله سبحانه أمرنا بقبول قوله، فأنتم معاشرَ المقلّدين إذا قبلتم قول من قلَّدتموه قبلتموه لمجرد كونه قاله أو لأن الله أمركم بقبول قوله وطَرْح قول من سواه؟ الوجه التاسع والخمسون: قولكم: «وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوِّم والحاكمَينِ بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض»، أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم أو

стр. 1298

تقليد لهم فيما يخبرون به؟ فإن عنيتم الأول فهو باطل، وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بطلانه، وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المخبر والشاهد، لا من باب قبول الفتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها (١)، بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه، فأين قبول الأخبار والشهادات والأقارير إلى التقليد في الفتوى؟ والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسّي طريقُ العلم به إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة، وقد أمر الله سبحانه بقبول خبر المخبر به إذا كان ظاهر الصدق والعدالة. وطَرْدُ [٣٨/أ] هذا ونظيره: قبول خبر المخبر عن رسول الله ﷺ بأنه قال أو فعل، وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك، وهلمَّ جرًّا؛ فهذا حق لا ينازع فيه أحد. وأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه فليس فيه أكثر من العلم بأن ذلك ظنه واجتهاده؛ فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته وسماعه وإدراكه، فأين في هذا ما يوجب علينا أو يسوِّغ لنا أن نفتي بذلك أو نحكم به وندين الله به، ونقول: هذا هو الحق وما خالفه باطل، ونترك له نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عداه من جميع أهل العلم؟ ومن هذا الباب تقليد الأعمى في القبلة (٢) ودخول الوقت لغيره، وقد كان ابن أم مكتوم لا يؤذِّن حتى يقلِّد غيره في طلوع الفجر، ويقال له: أصبحتَ أصبحتَ (٣)، وكذلك تقليد الناس للمؤذّن في دخول الوقت،

стр. 1299

وتقليد من في المطمورة (١) لمن يُعلِمه بأوقات الصلاة والفطر والصوم وأمثال ذلك، ومن ذلك التقليدُ في قبول الترجمة والرسالة والتعريف والتعديل والجرح. كل هذا من باب الأخبار التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلًا صادقًا، وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهديَّة (٢) وإدخال الزوجة على زوجها، وقبول خبر المرأة ذميةً كانت أو مسلمةً في انقطاع دم حيضها لوقته (٣) وجواز وطئها وإنكاحها بذلك، وليس هذا تقليدًا في الفتيا والحكم، وإذا كان تقليدًا لها فإن الله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلِّدها فيه (٤)، ولم يشرع لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله، فضلًا عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من أهل العلم ونقدِّم قوله على قول من عداه من الأمة. الوجه الستون: قولكم: «وأجمعوا على جواز شراء اللُّحمان والأطعمة والثياب وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلّها اكتفاءً بتقليد أربابها»، جوابه: أن هذا ليس تقليدًا [٣٨/ب] في حكم من أحكام الله ورسوله من غير دليل، بل هو اكتفاء بقبول قول الذابح والبائع، وهو اقتداء واتباع لأمر الله ورسوله، حتى لو كان الذابح والبائع يهوديًّا أو نصرانيًّا أو فاجرًا اكتفينا بقوله في ذلك، ولم نسأله عن أسباب الحلّ، كما قالت عائشة: يا رسول الله، إن ناسًا يأتوننا باللحمان لا ندري أذَكروا اسم الله عليها أم لا، فقال: «سمُّوا أنتم

стр. 1300

وكلوا» (١)، فهل يسوغ لكم تقليدُ الكفّار والفسّاق في الدين كما تقلّدونهم في الذبائح والأطعمة؟ فدَعُوا هذه الاحتجاجات الباردة وادخلوا معنا في الأدلة الفارقة بين الحق والباطل؛ لنعقد معكم عقد الصلح اللازم على تحكيم كتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما وترك أقوال الرجال لهما، وأن ندورَ مع الحق حيث كان، ولا نتحيَّز إلى شخص معين غير الرسول: نقبل قوله كله، ونردُّ قول من خالفه كله، وإلا فاشهدوا بأنا أول منكرٍ لهذه الطريقة وراغبٍ عنها داعٍ إلى خلافها، والله المستعان. الوجه الحادي والستون: قولكم: «لو كُلِّف الناس كلهم الاجتهادَ وأن يكونوا علماء ضاعت مصالح العباد، وتعطَّلت الصنائع والمتاجر، وهذا مما لا سبيلَ إليه شرعًا وقدرًا»، فجوابه من وجوه: أحدها: أن من رحمة الله سبحانه بنا ورأفتِه أنه لم يكلِّفنا بالتقليد، فلو كلَّفنا به لضاعت أمورنا، وفسدت مصالحنا، لأنا لم نكن ندري من نقلِّد من المفتين والفقهاء، وهم عدد فوق المئتين، ولا يدري عددهم في الحقيقة إلا الله، فإن المسلمين قد ملأوا الأرض شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، وانتشر الإسلام بحمد الله وفضله وبلغ ما بلغ الليل، فلو كلّفنا بالتقليد لوقعنا في أعظم العَنَت والفساد، ولكلّفنا بتحليل الشيء وتحريمه وإيجاب الشيء وإسقاطه معًا إن كلّفنا بتقليد كل عالم، وإن كلّفنا بتقليد الأعلم فالأعلم

стр. 1301

فمعرفة [٣٩/أ] ما دل عليه القرآن والسنن من الأحكام أسهل بكثير كثير من معرفة الأعلم الذي اجتمعت فيه شروط التقليد، ومعرفة ذلك مشقة على العالم الراسخ فضلًا عن المقلد الذي هو كالأعمى. وإن كلّفنا بتقليد البعض ــ كأنْ (١) جعل ذلك إلى تشهِّينا واختيارنا ــ صار دين الله تبعًا لإرادتنا واختيارنا وشهواتنا، وهو عين المحال؛ فلا بدّ أن يكون ذلك راجعًا إلى من (٢) أمر الله باتباع قوله وتلقِّي الدين من بين شفتيه، وذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله وأمينه على وحيه وحجته على خلقه، ولم يجعل الله هذا المنصب لسواه بعده أبدًا. الثاني: أنّ بالنظر والاستدلال صلاحَ الأمور لا ضياعها، وبإهماله وتقليد من يخطئ ويصيب إضاعتها وفسادها، كما الواقع شاهد به. الثالث: أن كل واحد منا مأمور بأن يصدِّق الرسول فيما أخبر به (٣)، ويطيعه فيما أمر، وذلك لا يكون إلا بعد معرفة أمره وخبره. ولم يوجب الله سبحانه من ذلك على الأمة إلا ما فيه حفظُ دينها ودنياها وصلاحها في معاشها ومعادها، وبإهمال ذلك تضيع مصالحها وتفسد أمورها، فما خراب العالم إلا بالجهل، ولا عمارته إلا بالعلم، وإذا ظهر العلم في بلد أو محلّةٍ قلّ الشر في أهلها، وإذا خفي العلم هناك ظهر الشر والفساد. ومن لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعل الله له نورًا. قال الإمام أحمد (٤): لولا العلم كان

стр. 1302

الناس كالبهائم، وقال (١): الناس أحوجُ إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلم يحتاج إليه كل وقت. الرابع: أن الواجب على كل عبد أن يعرف ما يخصُّه من الأحكام، ولا يجب عليه أن يعرف ما لا تدعوه الحاجة إلى معرفته، وليس في ذلك إضاعة لمصالح الخلق ولا تعطيل لمعايشهم؛ فقد [٣٩/ب] كان الصحابة ﵃ قائمين بمصالحهم ومعايشهم (٢)، وعمارة حُروثهم، والقيام على مواشيهم، والضرب في الأرض لمتاجرهم، والصفق بالأسواق (٣)، وهم أهدى العلماء الذين لا يُشَقُّ في العلم غبارُهم. الخامس: أن العلم النافع هو الذي جاء به الرسول دون مقدّرات الأذهان ومسائل الخرص والألغاز، وذلك بحمد الله تعالى أيسرُ شيء على النفوس تحصيله وحفظه وفهمه، فإنه كتاب الله الذي يسّره للذكر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. قال البخاري

стр. 1303

في «صحيحه» (١): قال مطر الوراق: هل من طالب علمٍ فيُعَان عليه؟ ولم يقل: فتضيع عليه مصالحه وتتعطّل عليه معايشه. وسنة رسوله ــ وهي بحمد الله تعالى مضبوطة محفوظة ــ أصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث، وفرشها وتفاصيلها نحو الأربعة آلاف، وإنما الذي هو في غاية الصعوبة والمشقة (٢) مقدّرات الأذهان وأغلوطات المسائل والفروع والأصول، التي ما أنزل الله بها من سلطان، التي كلُّ ما لها (٣) في نمو وزيادة وتوليد، والدين كلُّ ما له (٤) في غربة ونقصان، والله المستعان. الوجه الثاني والستون: قولكم: «قد أجمع الناس على تقليد الزوج لمن يُهدِي إليه زوجته ليلة الدخول، وعلى تقليد الأعمى في القبلة والوقت، وتقليد المؤذّنين، وتقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة، وتقليد الزوجة في انقطاع دمها ووطئها وتزويجها». فجوابه ما تقدم أن استدلالكم بهذا من باب المغاليط، وليس هذا من التقليد المذموم على لسان السلف والخلف في شيء، ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء لكونهم أخبروا بها، بل لأن الله ورسوله أمر بقبول قولهم وجعله دليلًا على ترتُّب الأحكام؛ فإخبارهم [٤٠/أ] بمنزلة الشهادة والإقرار، فأين

стр. 1304

في ذلك ما يسوِّغ التقليدَ في أحكام الدين، والإعراضَ عن القرآن والسنن، ونصْبَ رجل بعينه ميزانًا على كتاب الله وسنة رسوله؟ الوجه الثالث والستون: قولكم: «أمر النبي ﷺ عقبة بن الحارث أن يقلّد المرأة التي أخبرته بأنها أرضعته وزوجته» (١)، فيا لله العجب! فأنتم لا تقلّدونها في ذلك، ولو كانت إحدى أمهات المؤمنين، ولا تأخذون بهذا الحديث، وتتركونه تقليدًا لمن قلّدتموه دينكم، وأيُّ شيء في هذا مما يدل على التقليد في دين الله؟ وهل هذا إلا بمنزلة قبول خبر (٢) المخبر عن أمر حسي يخبر به، وبمنزلة قبول الشاهد؟ وهل كان مفارقة عقبة لها تقليدًا لتلك الأمة أو اتباعًا لرسول الله (٣) حيث أمره بفراقها؟ فمن بركة التقليد أنكم لا تأمرونه بفراقها، وتقولون: هي زوجتك حلال وطؤها، وأما نحن فمن حقوق الدليل علينا أن نأمر من وقعت له هذه الواقعة بمثل ما أمر به رسول الله ﷺ لعقبة بن عامر (٤) سواء، ولا نترك الحديث تقليدًا لأحد. الوجه الرابع والستون: قولكم: «قد صرّح الأئمة بجواز التقليد كما قال سفيان: إذا رأيت الرجل يعمل العمل وأنت ترى غيره فلا تتَّهمْه (٥) (٦). وقال

стр. 1305

محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد مثله (١). وقال الشافعي في غير موضع: قلتُه تقليدًا لعمر، وقلته تقليدًا لعثمان، وقلته تقليدًا لعطاء» (٢). جوابه من وجوه: أحدها: أنكم إن ادّعيتم أن جميع العلماء صرّحوا بجواز التقليد فدعوى باطلة، فقد ذكرنا من كلام الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في ذم التقليد وأهله والنهي عنه ما فيه كفاية، وكانوا يسمُّون المقلد الإمَّعَة ومُحقِبَ دينِه، كما قال ابن مسعود: الإمَّعة الذي (٣) يُحقِب دينَه الرجالَ، [٤٠/ب] وكانوا يسمُّونه الأعمى الذي لا بصيرة له (٤)، ويسمُّون المقلدين أتباعَ كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٥)، وكما سمّاه الشافعي حاطبَ ليل، ونهى عن تقليده وتقليد غيره (٦)؛ فجزاه الله عن الإسلام خيرًا، لقد نصح لله ورسوله والمسلمين، ودعا إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأمر (٧) باتباعهما دون قوله، وأمرنا بأن نعرضَ أقواله عليهما فنقبلَ منها ما وافقهما

стр. 1306

ونردَّ ما خالفهما؛ فنحن نناشد المقلدين الله: هل حفظوا في ذلك وصيتَه وأطاعوه، أم عصوه وخالفوه؟ وإن ادعيتم أن من العلماء من جوَّز التقليد فكان ما رأى (١) أن هؤلاء الذين حكيتم عنهم أنهم جوّزوا التقليد لمن هو أعلم منهم هم من أعظم الناس رغبةً عن التقليد واتباعًا للحجة ومخالفةً لمن هو أعلم منهم، فأنتم مقرُّون أن أبا حنيفة أعلم من محمد بن الحسن ومن أبي يوسف، وخلافهما له معروف، وقد صحّ عن أبي يوسف أنه قال: لا يحلُّ لأحدٍ أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا (٢). الثاني: أنكم منكرون أن يكون من قلّدتموه من الأئمة مقلدًا لغيره أشدَّ الإنكار، وقمتم وقعدتم في قول الشافعي: قلته تقليدًا لعمر، وقلته تقليدًا لعثمان، وقلته تقليدًا لعطاء، واضطربتم في حمل كلامه على موافقة الاجتهاد أشد الاضطراب، وادعيتم أنه لم يقلّد زيدًا في الفرائض، وإنما اجتهد فوافق اجتهادُه اجتهادَه، ووقع الخاطر على الخاطر، حتى وافق اجتهاده في مسائل المعادة (٣) حتى في الأكدرية، وجاء الاجتهاد حذوَ القُذَّة بالقذَّة، فكيف نصبتموه مقلدًا ههنا؟ ولكن هذا التناقض جاء من بركة التقليد، ولو اتبعتم العلم من حيث هو واقتديتم بالدليل وجعلتم الحجة إمامًا لما تناقضتم هذا التناقض [٤١/أ] وأعطيتم كلَّ ذي حق حقَّه.

стр. 1307

الثالث: أن هذا من أكبر الحجج عليكم؛ فإن الشافعي قد صرَّح بتقليد عمر وعثمان وعطاء مع كونه من أئمة المجتهدين، وأنتم ــ مع إقراركم بأنكم من المقلدين ــ لا ترون تقليد واحدٍ من هؤلاء، بل إذا قال الشافعي: وقال عمر وعثمان (١) وابن مسعود ــ فضلًا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن ــ تركتم تقليد هؤلاء وقلّدتم الشافعي، وهذا عين التناقض؛ فخالفتموه من حيث زعمتم أنكم قلّدتموه، فإن قلدتم الشافعي فقلِّدوا من قلَّده الشافعي، فإن قلتم: بل قلّدناهم فيما قلّدهم فيه الشافعي، قيل: لم يكن ذلك تقليدًا منكم لهم، بل تقليدًا له، وإلا فلو جاء عنهم خلاف قوله لم تلتفتوا إلى أحدٍ منهم. الرابع: أن من ذكرتم من الأئمة لم يقلِّدوا تقليدكم، ولا سوَّغوه البتَّةَ، بل غاية ما نُقِل عنهم من التقليد في مسائل يسيرة لم يظفَروا فيها بنص عن الله ورسوله، ولم يجدوا فيها سوى قولِ من هو أعلم منهم فقلَّدوه، وهذا فعلُ أهل العلم، وهو (٢) الواجب؛ فإن التقليد إنما يباح للمضطر. وأما من عدَل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكُّنه منه إلى التقليد فهو كمن عدلَ إلى الميتة مع قدرته على المذكَّى؛ فإن الأصل أن لا يقبل قول الغير إلا بدليل إلا عند الضرورة، فجعلتم أنتم حال الضرورة رأس أموالكم. الوجه الخامس والستون: قولكم: «قال الشافعي: رأي الصحابة لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا (٣)، ونحن نقول ونصدِّق: رأي الشافعي والأئمة لنا خير من

стр. 1308

رأينا لأنفسنا»، جوابه من وجوه: أحدها: أنكم أولُ مخالفٍ لقوله، ولا ترون رأيهم لكم خيرًا من رأي الأئمة لأنفسهم، بل تقولون: رأي الأئمة لأنفسهم خير لنا من رأي الصحابة لنا، فإذا جاءت الفتيا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسادات الصحابة وجاءت الفتيا عن الشافعي وأبي حنيفة [٤١/ب] ومالك تركتم ما جاء عن الصحابة وأخذتم بما أفتى به الأئمة، فهلَّا كان رأي الصحابة لكم خيرًا من رأي الأئمة لكم لو نصحتم (١) أنفسكم. الثاني: أن هذا لا يوجب صحة تقليدِ مَن سوى الصحابة؛ لما خصَّهم الله به من العلم والفهم والفضل والفقه عن الله ورسولهم، وشاهدوا الوحي، والتلقي عن الرسول بلا واسطة، ونزول الوحي (٢) بلغتهم وهي غضَّة محضة لم تُشَبْ، ومراجعتهم رسول الله ﷺ فيما أشكل عليهم من القرآن والسنة حتى يُجلِّيه لهم؛ فمن له هذه المزية بعدهم؟ ومن شاركهم في هذه المنزلة حتى يقلَّد كما يقلَّدون فضلًا عن وجوب تقليده وسقوط تقليدهم أو تحريمه كما صرَّح به غُلاتهم؟ وتالله إن بين علم الصحابة وعلم من قلَّدتموه من الفضل كما بينهم وبينهم في ذلك. قال الشافعي في «الرسالة القديمة» (٣) بعد أن ذكرهم وذكر من

стр. 1309

تعظيمهم وفضلهم: وهم فوقنا في كل علمٍ واجتهاد وورع وعقل وأمرٍ استُدرِك به عِلمٌ (١)، وآراؤهم لنا أحمدُ وأولى بنا من رأينا. قال الشافعي: وقد أثنى الله على الصحابة في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم من الفضل على لسان نبيهم ما ليس لأحد بعدهم. وفي «الصحيحين» (٢) من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ : «خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبِقُ شهادةُ أحدهم يمينَه ويمينُه شهادتَه». وفي «الصحيحين» (٣) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه». وقال ابن مسعود: «إن الله نظر في قلوب عباده فوجد قلبَ محمدٍ خيرَ قلوب العباد، ثم نظر في قلوب الناس بعده فرأى قلوب أصحابه خيرَ قلوب العباد، فاختارهم لصحبته، وجعلهم أنصار [٤٢/أ] دينه ووزراء نبيه، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح» (٤). وقد أمرنا رسول الله ﷺ باتباع سنة خلفائه الراشدين، وبالاقتداء

стр. 1310

بالخليفتين (١). وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ (٢). وشهد رسول الله ﷺ لابن مسعود بالعلم (٣)، ودعا لابن عباس بأن يفقِّهه الله في الدين ويعلِّمه التأويل (٤)، وضمَّه إليه مرةً وقال: «اللهم علِّمه الحكمة» (٥). وناولَ عمرَ في المنام القدحَ الذي شرب منه حتى رأى الرِّيَّ يخرج من تحت أظفاره وأوَّله بالعلم (٦)، وأخبر أن القوم إن أطاعوا أبا بكر وعمر يرشُدوا (٧)، وأخبر أنه لو كان بعده نبيٌّ لكان عمر (٨)، وأخبر أن الله جعل الحقَّ على لسانه وقلبه (٩)، وقال: «رضيتُ لكم ما رضي لكم ابنُ أم عبد» (١٠) يعني عبد الله بن مسعود. وفضائلهم ومناقبهم وما خصَّهم الله به من العلم والفضل أكثر من أن يُذكر، فهل يستوي تقليد هؤلاء وتقليد من بعدهم ممن

стр. 1311

لا يدانيهم ولا يقاربهم؟ الثالث: أنه لم يختلف المسلمون أنه ليس قول من قلّدتموه حجة، وأكثرُ العلماء بل الذي نصَّ عليه من قلدتموه أن أقوال الصحابة حجة (١) يجب اتباعها، ويحرم الخروج منها، كما سيأتي حكاية ألفاظ الأئمة في ذلك، وأبلغُهم فيه الشافعي، ونبيِّن أنه لا يختلف مذهبه أن قول الصحابي (٢) حجة، ونذكر نصوصه في الجديد على ذلك إن شاء الله (٣)، وأن من حكى عنه قولين في ذلك فإنما حكى ذلك بلازمِ قوله لا بصريحه، وإن كان قول الصحابي حجة فقبول قوله حجةً (٤) واجب متعين، وقبول قول من سواه أحسن أحواله أن يكون سائغًا، فقياس أحد القائلين على الآخر من أفسد القياس وأبطله. الوجه السادس والستون: قولكم: «وقد جعل الله سبحانه في فِطَر العباد تقليدَ المتعلمين للمعلّمين والأستاذين في جميع الصنائع والعلوم ... [٤٢/ب] إلى آخره»، فجوابه أن هذا حق ولا ينكره عاقل، ولكن كيف يستلزم ذلك صحة التقليد في دين الله، وقبولَ قول المتبوع بغير حجة تُوجِب قبولَ قوله، وتقديمَ قوله على قول من هو أعلم منه، وترْكَ الحجة لقوله، وترْكَ أقوال أهل العلم جميعًا من السلف والخلف لقوله؟ فهل جعل الله ذلك (٥)

стр. 1312

في فطرة أحد من العالمين؟ ثم يقال: بل الذي فطر الله عليه عباده طلبُ الحجة والدليل المثبت لقول المدعي، فركز سبحانه في فِطَر الناس أنهم لا يقبلون قول من لم يقم الدليل على صحة قوله، ولأجل ذلك أقام الله سبحانه البراهينَ القاطعة والحجج الساطعة والأدلة الظاهرة والآيات الباهرة على صدق رُسله إقامةً للحجة وقطعًا للمعذرة، هذا وهم أصدقُ خلقه وأعلمهم وأبرُّهم وأكملهم، فأتوا بالآيات والحجج والبراهين مع اعتراف أممهم لهم بأنهم (١) أصدق الناس، فكيف يُقبل قول من عداهم بغير حجة توجب قبولَ قوله؟ والله تعالى إنما أوجب قبول قولهم بعد قيام الحجة وظهور الآيات المستلزمة لصحة دعواهم؛ لِما جعل الله في فِطَر عباده من الانقياد للحجة (٢)، وقبول قول صاحبها، وهذا أمر مشترك بين جميع أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم وبَرِّهم وفاجرهم، الانقياد للحجة وتعظيم صاحبها، وإن خالفوه عنادًا وبغيًا ولفَواتِ أغراضهم بالانقياد؛ ولقد أحسن القائل (٣): أبِنْ وجهَ قول الحقِّ في قلب سامعٍ ... ودَعْه فنورُ الحقّ يَسرِي ويُشرِقُ سيُؤنِسُه رِفْقًا وينسى نِفارَه ... كما نسيَ التوثيقَ من هو مُطلَقُ ففطرة الله وشرعته من أكبر الحجج على فرقة (٤) التقليد.

стр. 1313

الوجه السابع والستون: قولكم: «إنه سبحانه فاوتَ بين قوى الأذهان كما فاوتَ بين قوى الأبدان، فلا يليق بحكمته وعدله أن يفرض على كل أحد معرفةَ الحق بدليله في كل مسألة ... إلى آخره»، فنحن لا ننكر ذلك، ولا [٤٣/أ] ندّعي أن الله فرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة من مسائل الدين دِقِّه وجِلِّه، وإنما أنكرنا ما أنكره الأئمة ومن تقدَّمهم من الصحابة والتابعين، وما حدث في الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله ﷺ ، مِن نصْبِ رجلٍ واحد وجعْلِ فتاويه بمنزلة نصوص الشارع، بل تقديمها عليها، وتقديم قوله على أقوال من بعد رسول الله ﷺ من جميع علماء أمته، والاكتفاء بتقليده عن تلقِّي الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة، وأن يضمَّ إلى ذلك أنه لا يقول إلا بما في كتاب الله وسنة رسوله. وهذا مع تضمُّنه للشهادة بما لا يعلم الشاهد، والقول على الله بلا علم، والإخبار عمن خالفه ــ وإن كان أعلمَ منه ــ أنه غير مصيب للكتاب والسنة ومتبوعي هو المصيب، أو يقول: كلاهما مصيب للكتاب والسنة، وقد تعارضت أقوالهما، فيجعل أدلة الكتاب والسنة متعارضة متناقضة، والله ورسوله يحكم بالشيء وضدِّه في وقت (١) واحد، ودينه تبعٌ لآراء الرجال، وليس له في نفس الأمر حكم معيَّن، فهو إما أن يسلك هذا المسلك أو يخطِّئ من خالف متبوعه، ولا بدَّ له (٢) من واحد من الأمرين، وهذا من بركة التقليد عليه. إذا عُرِف هذا فنحن إنما قلنا ونقول: إن الله تعالى أوجب على العباد أن

стр. 1314

يتَّقُوه بحسب استطاعتهم، وأصل التقوى معرفة ما يتّقَى ثم العمل به؛ فالواجب على كل عبدٍ أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله، وما خفي عليه فهو فيه أسوةَ أمثالِه ممن عدا الرسول؛ فكلُّ أحدٍ سواه قد خفي عليه بعض ما جاء به، ولم يخرجه ذلك عن كونه من أهل العلم، ولم يكلِّفه الله ما لا يطيق من معرفة الحق واتباعه. قال أبو عمر (١): وليس أحد بعد رسول الله ﷺ [٤٣/ب] إلا وقد خفي عليه بعض أمره، فإذا أوجب الله سبحانه على كل أحد ما استطاعه وبلغَتْه قواه من معرفة الحقّ وعذَرَه فيما خفي عليه منه، فأخطأه أو قلّد فيه غيره= كان ذلك هو مقتضى حكمته وعدله ورحمته، بخلاف ما لو فوّض إلى العباد تقليد من شاؤوا من العلماء، وأن يختار كل منهم رجلًا ينصِبه معيارًا على وحيه، ويُعرِض عن أخذ الأحكام واقتباسها من مشكاة الوحي؛ فإن هذا ينافي حكمته ورحمته وإحسانه، ويؤدي إلى ضياع دينه وهجر كتابه وسنة رسوله كما وقع فيه من وقع، وبالله التوفيق. الوجه الثامن والستون: قولكم: «إنكم في تقليدكم بمنزلة المأموم مع الإمام والمتبوع مع التابع، والركب خلف الدليل»، جوابه: إنّا والله حولها نُدندِن (٢)، ولكن الشأن في الإمام والدليل والمتبوع الذي فرض الله على الخلائق أن تأتم به وتتبعه وتسير خلفه، وأقسم سبحانه بعزته أن العباد لو أتوه من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لم يفتح لهم حتى يدخلوا خلفه؛

стр. 1315

فهذا لعمر الله هو إمام الخلق (١) ودليلهم وقائدهم حقًّا. ولم يجعل الله منصب الإمامة بعده إلا لمن دعا إليه ودلَّ عليه، وأمر الناس أن يقتدوا به، ويأتمّوا به، ويسيروا خلفه، وأن لا ينصبوا لنفوسهم متبوعًا ولا إمامًا ولا دليلًا غيره، بل يكون العلماء مع الناس بمنزلة أئمة الصلاة مع المصلّين، كل واحد يصلّي طاعةً لله وامتثالًا لأمره، وهم في الجماعة متعاونون متساعدون بمنزلة الوفد مع الدليل، كلهم يحج طاعةً لله وامتثالا لأمره، لا أن (٢) المأموم يصلي لأجل كون الإمام يصلي، بل هو يصلي صلى إمامه أو لا. بخلاف المقلّد؛ فإنه إنما ذهب إلى قول متبوعه لأنه قاله، لا لأن الرسول قاله، ولو كان كذلك لدار [٤٤/أ] مع قول الرسول أين كان ولم يكن مقلدًا. فاحتجاجهم بإمام الصلاة ودليل الحاج من أظهر الحجج عليهم. يوضّحه الوجه التاسع والستون: أن المأموم قد علم أن هذه الصلاة التي فرضها الله سبحانه على عباده، وأنه وإمامه في وجوبها سواء، وأن هذا البيت هو الذي فرض الله حجه على من استطاع إليه سبيلًا (٣)، وأنه هو والدليل في هذا الفرض سواء، فهو لم يحج تقليدًا للدليل، ولم يصلِّ تقليدًا للإمام. وقد استأجر النبي ﷺ دليلًا يدلُّه على طريق المدينة لما هاجر الهجرة التي فرضها الله عليه (٤)، وصلّى خلف عبد الرحمن بن عوف مأمومًا (٥)،

стр. 1316

والعالم يصلّي خلف مثلِه ومن هو دونه، بل خلف من ليس بعالم، وليس من تقليده في شيء. يوضّحه الوجه السبعون: أن المأموم يأتي بمثل ما يأتي به الإمام سواء، والركْب يأتون بمثل ما يأتي به الدليل، ولو لم يفعلا (١) ذلك لما كان هذا متبعًا، فالمتبع للأئمة هو الذي يأتي بمثل ما أتوا به سواء، من معرفة الدليل وتقديم الحجة وتحكيمها حيث كانت ومع من كانت؛ فهذا يكون متبعًا لهم، وأما مع إعراضه عن الأصل الذي قامت عليه إمامتهم ويسلك غير سبيلهم ثم يدعي أنه مؤتمٌّ بهم فتلك أمانيُّهم، ويقال لهم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]. الوجه الحادي والسبعون: قولكم: «إن أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا البلاد، وكان الناس حديثي عهد بالإسلام، وكانوا يفتونهم، ولم يقولوا لأحد منهم: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل»، جوابه: أنهم لم يفتوهم بآرائهم، وإنما بلَّغوهم ما قاله نبيهم وفعله وأمر به؛ فكان ما أفتوهم به هو الحكم وهو الحجة، وقالوا لهم: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، فكان ما يخبرونهم به هو نفس الدليل وهو الحكم؛ فإن كلام رسول الله ﷺ هو الحكم وهو دليل الحكم، وكذلك القرآن، وكان الناس [٤٤/ب] إذ ذاك إنما يحرِصون على معرفة ما قاله نبيهم وفعله وأمر به، وإنما تبلِّغهم الصحابة ذلك. فأين هذا من زمانٍ إنما يحرِص أشباه الناس فيه على ما قاله الآخِر فالآخِر، وكلما تأخَّر الرجل أخذوا كلامه وهجروا أو كادوا يهجرون كلام

стр. 1317

من فوقه (١)، حتى تجد أتباع الأئمة أشدَّ الناس هجرًا لكلامهم، وأهل كل عصر إنما يقضون ويفتون بقول الأدنى فالأدنى إليهم، وكلما بعُدَ العهد ازداد كلام المتقدم هجرًا ورغبة عنه، حتى إن كتبه (٢) لا تكاد تجد عندهم منها شيئًا بحسب تقدُّم زمانه. ولكن أين قال أصحاب رسول الله ﷺ للتابعين: لينصِبْ كلٌّ منكم لنفسه رجلًا يختاره ويقلّده دينه ولا يلتفت إلى غيره، ولا يتلقَّى الأحكام من الكتاب والسنة، بل من تقليد الرجال، فإذا جاءكم عن الله ورسوله شيء وعن من نصبتموه إمامًا تقلّدونه فخذوا بقوله، ودعُوا ما بلغكم عن الله ورسوله؛ فوالله لو كُشِف الغطاء لكم وحقَّت الحقائق لرأيتم نفوسكم وطريقكم مع الصحابة كما قال الأول (٣): نزلُوا بمكةَ في قبائل هاشمٍ ... ونزلتُ بالبيداءِ أبعدَ منزل وكما قال الثاني (٤): سارتْ مشرِّقةً وسرتُ مغرِّبًا ... شتَّانَ بين مشرِّقٍ ومغرِّب وكما قال الثالث (٥):

стр. 1318

أيّها المُنْكِحُ الثّريّا سُهيلًا ... عَمْرَك الله كيفَ يلتقيانِ هي شاميَّةٌ إذا ما استقلَّتْ ... وسهيلٌ إذا استقلَّ يمان الوجه الثاني والسبعون: قولكم: «إن التقليد من لوازم الشرع والقدر، والمنكرون له مضطرون إليه، ولا بدَّ كما تقدم بيانه من الأحكام»، جوابه: أن التقليد المنكر المذموم ليس من لوازم الشرع، وإن كان من لوازم القدر، بل بطلانه وفساده من لوازم الشرع، كما عُرِف بهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها، وإنما الذي من لوازم الشرع المتابعة، [٤٥/أ] وهذه المسائل التي ذكرتم أنها من لوازم الشرع ليست تقليدًا، وإنما هي متابعة وامتثال للأمر، فإن أبيتم إلا تسميتها تقليدًا فالتقليد بهذا الاعتبار حق، وهو من الشرع، ولا يلزم من ذلك أن يكون التقليد الذي وقع النزاع فيه من الشرع، ولا من لوازمه، وإنما بطلانه من لوازمه. يوضّحه الوجه الثالث والسبعون: أن ما كان من لوازم الشرع فبطلان ضدّه من لوازم الشرع؛ فلو كان التقليد الذي وقع فيه النزاع من لوازم الشرع لكان بطلان الاستدلال واتباع الحجة في موضع التقليد من لوازم الشرع؛ فإنّ ثبوت أحد النقيضين يقتضي انتفاء الآخر، وصحة أحد الضدَّين يوجب بطلان الآخر. ونُحرِّره دليلًا فنقول: لو كان التقليد من الدين لم يجز العدول عنه إلى الاجتهاد والاستدلال؛ لأنه يتضمن بطلانه. فإن قيل: كلاهما من الدين، وأحدهما أكملُ من الآخر؛ فيجوز العدول عن المفضول إلى الفاضل. قيل: إذا كان قد (١) انسدَّ باب الاجتهاد عندكم وقُطِعَتْ طريقُه وصار

стр. 1319

الغرض هو التقليد، فالعدول عنه إلى ما قد سُدَّ بابه وقُطِعت طريقه يكون عندكم معصية وفاعله آثمًا، وفي هذا من قطْعِ طريق العلم وإبطال حجج الله وبيناته وخلوِّ الأرض من قائمٍ لله بحججه ما يبطل هذا القول ويدحضه. وقد ضَمِنَ النبي ﷺ أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرُّهم من خذَلَهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة (١)، وهؤلاء هم أولو العلم والمعرفة بما بعث الله به رسوله؛ فإنهم على بصيرة وبينة، بخلاف الأعمى الذي قد شهد على نفسه بأنه ليس من أولي العلم والبصائر. والمقصود أن الذي هو من لوازم الشرع فالمتابعة والاقتداء، وتقديم النصوص على آراء الرجال، وتحكيم الكتاب والسنة [٤٥/ب] في كلّ ما تنازع فيه العلماء. وأما الزهد في النصوص، والاستغناء عنها بآراء الرجال، وتقديمها عليها، والإنكار على من جعل كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة نُصْبَ عينيه وعرضَ أقوال العلماء عليها ولم يتخذ من دون الله ولا رسوله وليجة= فبطلانُه من لوازم الشرع، ولا يتم الدين إلا بإنكاره وإبطاله، فهذا لون والاتباع لون، والله الموفق. الوجه الرابع والسبعون: قولكم: «كل حجة أثرية احتججتم بها على بطلان التقليد فأنتم مقلّدون لحملتها ورواتها، وليس بيد العالم إلا تقليد الراوي، ولا بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، ولا بيد العامي إلا تقليد العالم ... إلى آخره». جوابه: ما تقدَّم مرارًا من أن هذا الذي سميتموه تقليدًا هو اتباع أمر الله ورسوله، ولو كان هذا تقليدًا لكان كل عالم على وجه الأرض بعد الصحابة

стр. 1320

مقلّدًا، بل كان الصحابة الذين أخذوا عن نظرائهم مقلدين. ومثل هذا الاستدلال لا يصدر إلا من مشاغبٍ أو ملبِّس يقصد لَبْس الحقّ بالباطل. والمقلّد لجهله أخذ نوعًا صحيحًا من أنواع التقليد، واستدلّ به على النوع الباطل منه لوجود القدر المشترك، وغَفَل عن القدر الفارق، وهذا هو القياس الباطل المتفق على ذمه، وهو أخو هذا التقليد الباطل، كلاهما في البطلان سواء. وإذا جعل الله سبحانه خبرَ الصادق حجة وشهادة العدل حجة لم يكن متبع الحجة مقلدًا، وإن قيل: إنه مقلّد للحجة فحيَّهلا بهذا التقليد وأهله، وهل نُدندِن إلا حوله؟ والله المستعان. الوجه الخامس والسبعون: قولكم: «أنتم منعتم من التقليد خشيةَ وقوع المقلّد في الخطأ بأن يكون من قلَّده مخطئًا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر [٤٦/أ] والاستدلال في طلب الحق، ولا ريب أن صوابه في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من اجتهاده هو لنفسه، كمن أراد شراء سلعةٍ لا خِبرةَ له بها فإنه إذا قلّد عالمًا بتلك السلعة خبيرًا بها أمينًا ناصحًا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه». جوابه من وجوه: أحدها: أنّا منعنا التقليد طاعةً لله ورسوله، والله ورسوله منع منه، وذمّ أهله في كتابه، وأمر بتحكيمه وتحكيم رسوله وردِّ ما تنازعت فيه الأمة إليه وإلى رسوله، وأخبر أن الحكم له وحده، ونهى أن يتخذ من دونه ودون رسوله وليجة، وأمر أن يعتصم بكتابه، ونهى أن يتخذ من دونه أولياء وأربابًا يُحِلُّ من اتخذهم ما أحلُّوه ويُحرِّم ما حرَّموه، وجعل (١) من لا علم له بما

стр. 1321

أنزله على رسوله بمنزلة الأنعام، وأمر بطاعة أولي الأمر إذا كانت طاعتهم طاعةً لرسوله بأن يكونوا متبعين لأمره مخبرين به، وأقسم بنفسه سبحانه أنّا لا نؤمن حتى نُحكِّم الرسول خاصة فيما شجر بيننا لا نحكِّم غيرَه، ثم لا نجد في أنفسنا حرجًا مما حكم به، كما يجده المقلدون إذا جاء حكمه خلاف قول من قلَّدوه، وأن نسلِّم لحكمه تسليمًا (١)، كما يسلِّم المقلدون لأقوال من قلَّدوه، بل تسليمًا أعظم من تسليمهم وأكمل، والله المستعان. وذمَّ من حاكمَ إلى غير الرسول، وهذا كما أنه ثابت في حياته فهو ثابت بعد مماته، فلو كان حيًّا بين أظهرنا وتحاكمنا إلى غيره لكنّا من أهل الذم والوعيد؛ فسنته وما جاء به من الهدى ودين الحق لم يمت، وإن فُقِد من بين الأمة شخصُه الكريم فلم يُفقَد من بينها سنته ودعوته وهَدْيه، والعلم والإيمان بحمد الله مكانَهما، من ابتغاهما وجدهما. وقد ضمن الله سبحانه حفْظَ الذكر الذي أنزله [٤٦/ب] على رسوله؛ فلا يزال محفوظًا بحفظ الله مَحميًّا بحمايته لتقوم حجة الله على العباد قرنًا بعد قرن؛ إذ كان نبيهم آخر الأنبياء ولا نبيَّ بعده؛ فكان حفظه لدينه وما أنزله على رسوله مُغنِيًا عن رسول آخر بعد خاتم الرسل. والذي أوجبه الله سبحانه وفرضه على الصحابة من تلقِّي العلم والهدى من القرآن والسنة دون غيرهما هو بعينه واجب على من بعدهم، وهو محكم لم يُنسخ، ولا يتطرَّق إليه النسخ حتى ينسخ الله العالَم ويطوي الدنيا. وقد ذمّ الله تعالى من إذا دُعي إلى ما أنزل الله وإلى رسوله صدَّ وأعرض، وحذّره أن تصيبه مصيبة بإعراضه عن ذلك في قلبه ودينه ودنياه،

стр. 1322

وحذّر مَن خالف عن أمره واتبع غيره أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذاب أليم؛ فالفتنة في قلبه، والعذاب الأليم في بدنه (١) وروحه، وهما متلازمان؛ فمن فُتِن في قلبه بإعراضه عما جاء به ومخالفته له إلى غيره أصيب بالعذاب الأليم ولا بدَّ، وأخبر سبحانه أنه إذا قضى أمرًا على لسان رسوله لم يكن لأحد من المؤمنين أن يختار من أمره غيرَ ما قضاه، فلا خِيرَة (٢) لمؤمنٍ بعد قضائه البتَّةَ. ونحن نسأل المقلّدين: هل يمكن أن يخفى قضاء الله ورسوله على من قلّدتموه دينَكم في كثير من المواضع أم لا؟ فإن قالوا: «لا يمكن أن يخفى عليه ذلك» أنزلوه فوق منزلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة كلِّهم؛ فليس أحد منهم إلا وقد خفي عليه بعض ما قضى الله ورسوله به (٣): فهذا الصدّيق أعلمُ الأمة به خفي عليه ميراث الجدّة، حتى أعلمه به محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة (٤).

стр. 1323

وخفي عليه أن الشهيد لا ديةَ له حتى أعلمه به عمر، فرجع إلى قوله (١). وخفي على عمر تيمّم الجنب فقال: لو بقي شهرًا لم يصلِّ حتى يغتسل (٢). وخفي عليه دية الأصابع، فقضى في الإبهام والتي [٤٧/أ] تليها بخمس وعشرين، حتى أُخبِر أن في كتابٍ إلى عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ قضى فيها بعشرٍ عشرٍ؛ فترك قوله ورجع إليه (٣). وخفي عليه شأن الاستئذان حتى أخبره به أبو موسى وأبو سعيد الخدري (٤). وخفي عليه توريث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي ــ وهو أعرابي من أهل البادية ــ أن رسول الله ﷺ أمره أن يُورِث امرأة أشْيمَ الضِّبابي من دية زوجها (٥). وخفي عليه حكم إملاص المرأة حتى سأل عنه، فوجده عند المغيرة بن شعبة (٦). وخفي عليه أمر المجوس في الجزية، حتى أخبره عبد الرحمن بن

стр. 1324

عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هَجَر (١). وخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض، فكان يردُّهن حتى يطهرن ثم يطفن، حتى بلغه عن النبي ﷺ خلاف ذلك، فرجع عن قوله (٢). وخفي عليه التسوية بين دية الأصابع، وكان يُفاضِل بينها حتى بلغتْه السنة في التسوية، فرجع إليها (٣). وخفي عليه شأن متعة الحج، وكان ينهى عنها (٤)، حتى وقف على أن النبي ﷺ أمر بها، فترك قوله وأمر بها (٥). وخفي عليه جواز التسمِّي بأسماء الأنبياء فنهى عنه، حتى أخبره طلحة أن النبي ﷺ كنّاه أبا محمد، فأمسك ولم يتمادَ على النهي (٦)، هذا وأبو موسى ومحمد بن مسلمة وأبو أيوب من أشهر الصحابة، ولكن لم يمرَّ بباله ﵁ أمرٌ هو بين يديه حتى نهى عنه.

стр. 1325

وكما خفي عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، حتى قال: والله كأنّي ما سمعتُها قطُّ قبل وقتي هذا (١). وكما خفي عليه حكم الزيادة في المهر على مهور أزواج النبي ﷺ وبناته، حتى ذكَّرتْه تلك المرأة بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، فقال: كل أحدٍ [٤٧/ب] أفقهُ من عمر حتى النساء (٢). وكما خفي عليه أمر الجد والكلالة وبعض (٣) أبواب الربا، فتمنى أن رسول الله ﷺ كان عهِد إليهم فيها عهدًا (٤). وكما خفي عليه يوم الحديبية أن وعد الله لنبيه وأصحابه بدخول مكة مطلقٌ لا يتعيَّن لذلك العام، حتى بيَّنه له النبي ﷺ (٥). وكما خفي عليه جواز استدامة الطيب للمحرم وتطيبه بعد النحر وقبل

стр. 1326

طواف الإفاضة (١) وقد صحت السنة بذلك (٢). وكما خفي عليه أمر القدوم على محلِّ الطاعون أو الفرار منه، حتى أُخبِر بأن رسول الله ﷺ قال: «إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تدخلوها، وإذا وقع وأنتم بأرضٍ فلا تخرجوا منها فرارًا منه» (٣). هذا، وهو أعلم الأمة بعد الصديق على الإطلاق. وهو (٤) كما قال ابن مسعود: لو وُضِع علم عمر في كِفّة ميزانٍ، وجُعِل علم أهل الأرض في كِفَّة، لرجَحَ علم عمر. قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعةِ أعشارِ العلم (٥). وخفي على عثمان بن عفان أقلُّ مدة الحمل، حتى ذكَّره ابن عباس بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فرجع إلى ذلك (٦).

стр. 1327

وخفي على أبي موسى الأشعري ميراث بنت الابن مع البنت السدس، حتى ذُكِر له أن رسول الله ﷺ ورَّثها ذلك (١). وخفي على ابن عباس تحريم لحوم الحُمُر الأهلية، حتى ذُكِر له أن رسول الله ﷺ حرَّمها يوم خيبر (٢). وخفي على ابن مسعود حكم المفوّضة، وتردَّدوا إليه فيها شهرًا فأفتاهم برأيه، ثم بلغه النصُّ بمثل ما أفتى به (٣). وهذا باب لو تتبعناه لجاء سِفْرًا كبيرًا، فنسأل حينئذٍ فرقةَ التقليد: هل يجوز أن يخفى على من قلَّدتموه بعضُ شأن رسول الله ﷺ كما خفي ذلك على سادات الأمة أو لا؟ فإن قالوا: «لا يخفى عليه» وقد [٤٨/أ] خفي على الصحابة مع قرب عهدهم= بلغوا في الغلوّ مبلغَ مدَّعي العصمة في الأئمة، وإن قالوا: «بل يجوز أن يخفى عليهم» وهو الواقع، وهم مراتبُ في الخفاء في القلة والكثرة= قلنا (٤): فنحن نناشدكم الله الذي هو عند لسان كل (٥) قائل وقلبه، إذا قضى الله ورسوله أمرًا خفي على من قلّدتموه: هل تبقى لكم الخيرةُ بين قبول قوله وردِّه، أم تنقطع خِيرتُكم وتوجبون العمل بما قضاه الله ورسوله عينًا لا يجوز سواه؟ فأعِدُّوا لهذا السؤال جوابًا، وللجواب صوابًا؛ فإن السؤال واقع، والجواب لازم.

стр. 1328

والمقصود أن هذا هو الذي مَنَعَنا من التقليد، فأين معكم حجة واحدة تقطع العذر تسوِّغ لكم ما ارتضيتموه لأنفسكم من التقليد؟ الوجه الثاني: أن قولكم: «صواب المقلّد في تقليده لمن هو أعلم منه أقربُ من صوابه في اجتهاده» دعوى باطلة؛ فإنه إذا قلّد من قد خالفه غيره ممن هو نظيره أو أعلم منه لم يدْرِ: على صوابٍ هو من تقليده أم على خطأ، بل هو ــ كما قال الشافعي ــ حاطبُ ليلٍ (١)، إما أن يقع بيده عودٌ أو أفعى تلدغه. وأما إذا بذل اجتهاده في معرفة الحق فإنه بين أمرين: إما أن يظفَر به فله أجران، وإما أن يخطئه فله أجر، فهو مصيب للأجر ولا بدّ، بخلاف المقلّد المتعصب فإنه إن أصاب لم يؤجر، وإن أخطأ لم يسلَمْ من الإثم، فأين صواب الأعمى من صواب البصير الباذل جهده؟ الوجه الثالث: أنه إنما يكون أقربَ إلى الصواب إذا عرف أن الصواب مع من قلَّده دون غيره، وحينئذٍ فلا (٢) يكون مقلدًا له، بل متبعًا للحجة. وأما إذا لم يعرف ذلك البتَّةَ فمن أين لكم أنه أقرب إلى الصواب من باذلٍ جهدَه ومستفرغٍ وُسعَه في طلب الحق؟ الوجه الرابع: أن الأقرب إلى الصواب عند تنازع العلماء من امتثل أمر الله فردَّ ما تنازعوا فيه إلى القرآن [٤٨/ب] والسنة، وأما من ردَّ ما تنازعوا فيه إلى قول متبوعه دون غيره فكيف يكون أقربَ إلى الصواب؟ الوجه الخامس: أن المثال الذي مثَّلتم به من أكبر الحجج عليكم؛ فإن من أراد شراء سِلْعة أو سلوكَ طريق حين اختلف عليه اثنان أو أكثر، وكل

стр. 1329

منهم يأمره بخلاف ما يأمره به الآخر، فإنه لا يُقدِم على تقليد واحد منهم، بل يبقى مترددًا طالبًا للصواب من أقوالهم؛ فلو أقدمَ على قبول قول أحدهم، مع مساواة الآخر له (١) في المعرفة والنصيحة والديانة، أو كونه فوقه في ذلك= عُدَّ مخاطرًا مذمومًا، ولم يُمدَح إن أصاب. وقد جعل الله في فِطَر العقلاء في مثل هذا أن يتوقف أحدهم، ويطلب ترجيح قول المختلفين عليه من خارجٍ، حتى يستبين له الصواب، ولم يجعل في فطرهم الهَجْمَ على قبول قول واحد واطِّراحَ قول من عداه. الوجه السادس والسبعون: أن نقول لطائفة المقلدين: هل تسوِّغون تقليد كل عالم من السلف والخلف أو تقليد بعضهم دون بعض؟ فإن سوَّغتم تقليد الجميع كان تسويغكم لتقليد من انتميتم إلى مذهبه كتسويغكم لتقليد غيره سواء، فكيف صارت أقوال هذا العالم مذهبًا لكم تفتون وتقضون بها وقد سوّغتم من تقليد هذا ما سوّغتم من تقليد الآخر؟ فكيف صار هذا صاحب مذهبكم دون هذا؟ وكيف استجزتم أن تردُّوا أقوال هذا وتقبلوا أقوال هذا وكلاهما عالم يسوغ اتباعه؟ فإن كانت أقواله من الدين فكيف ساغ لكم دفع الدين؟ وإن لم تكن أقواله من الدين فكيف سوَّغتم تقليده؟ وهذا لا جواب لكم عنه. يوضّحه الوجه السابع والسبعون: أن من قلّدتموه إذا روي عنه قولان أو روايتان سوَّغتم العمل بهما، وقلتم: مجتهد له قولان؛ فيسُوغ لنا الأخذ بهذا [٤٩/أ] وهذا، وكان القولان جميعًا مذهبًا لكم، فهلّا جعلتم قول نظيره من المجتهدين بمنزلة قوله الآخر وجعلتم القولين جميعًا مذهبًا لكم، وربما كان

стр. 1330

قولُ نظيره ومن هو أعلمُ منه أرجحَ من قوله الآخر وأقربَ إلى الكتاب والسنة؟ يوضّحه الوجه الثامن والسبعون: أنكم معاشرَ المقلدين إذا قال بعض أصحابكم ممن قلّدتموه قولًا خلافَ قول المتبوع أو خرَّجه على قوله جعلتموه وجهًا، وقضيتم وأفتيتم به، وألزمتم بمقتضاه، فإذا قال الإمام الذي هو نظير متبوعكم أو فوقه قولًا يخالفه لم تلتفتوا إليه ولم تعدُّوه شيئا، ومعلوم أن واحدًا من الأئمة الذين هم نظير متبوعكم أجلُّ من جميع أصحابه من أولهم إلى آخرهم، فقدِّروا أسوأ التقادير أن يكون قوله بمنزلة وجهٍ في مذهبكم. فيا لله العجب! صار من أفتى أو حكم بقول واحد من مشايخ المذهب أحقَّ بالقبول ممن أفتى بقول الخلفاء الراشدين وابن مسعود وابن عباس (١) وأبي بن كعب وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل، وهذا من بركة التقليد عليكم. وتمام ذلك بالوجه التاسع والسبعين: أنكم إن رمتم التخلُّص من هذه الخطّة، وقلتم (٢): بل يسوغ تقليد بعضهم دون بعض، وقالت كل فرقة منكم: يسوغ أو يجب تقليد من قلّدناه دون غيره من الأئمة الذين هم مثله أو أعلم منه= كان أقلّ ما في ذلك معارضة (٣) قولكم بقول الفرقة الأخرى في ضرب هذه الأقوال بعضها ببعض. ثم يقال: ما الذي جعل متبوعكم أولى بالتقليد من متبوع الفرقة الأخرى؟ بأي كتاب أم بأية سنة؟ وهل تقطَّعت الأمة أمرَها (٤) بينها زُبرًا

стр. 1331

وصار كل حزب بما لديهم فرحون إلا بهذا السبب؟ فكل طائفة تدعو إلى متبوعها وتَنْأَى عن غيره وتنهى عنه، وذلك يُفضي (١) إلى التفريق بين الأمة، وجَعْلِ دين الله تابعًا للتشهّي والأغراض وعُرضةً للاضطراب والاختلاف، وهذا كله يدلّ على أن [٤٩/ب] التقليد ليس من عند الله للاختلاف الكثير الذي فيه. ويكفي في فساد هذا المذهب تناقضُ أصحابه ومعارضة أقوالهم بعضِها ببعض، ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليدَ صاحبهم وتحريمُهم تقليدَ الواحد من أكابر الصحابة كما صرّحوا به في كتبهم. الوجه الثمانون: أن المقلّدين حكموا على الله قدرًا وشرعًا بالحكم الباطل جِهارًا المخالفِ لما أخبر به رسوله، فأخلَوا الأرض من القائمين لله بحججه (٢)، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة؛ فقالت طائفة: ليس لأحدٍ أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي. وهذا قول كثير من الحنفية (٣). وقال بكر بن العلاء القُشيري المالكي: ليس لأحدٍ أن يختار بعد المائتين من الهجرة (٤). وقال آخرون: «ليس لأحدٍ أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجرّاح وعبد الله بن المبارك (٥). وقالت طائفة: ليس لأحدٍ أن يختار بعد الشافعي (٦).

стр. 1332

واختلف المقلّدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه ويكون له وجه يفتي ويحكم به، ومن ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث مراتب: طائفة أصحاب وجوه كابن سُريج والقفّال وأبي حامد، وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه كأبي المعالي، وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات كأبي حامد وغيره. واختلفوا متى انسدَّ باب الاجتهاد على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، وعند هؤلاء أن الأرض قد خلتْ من قائمٍ لله بحججه (١)، ولم يبقَ فيها من يتكلّم بالعلم، ولم يحلَّ لأحدٍ بعدُ أن ينظر في كتاب الله ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منها، ولا يقضي ويفتي بما فيها حتى يعرضه على قول مقلَّده ومتبوعه، فإن [٥٠/أ] وافقه حكم به وأفتى به، وإلا ردَّه ولم يقبله. وهذه أقوال ــ كما ترى ــ قد بلغتْ من الفساد والبطلان والتناقض، والقولِ على الله بلا علم، وإبطالِ حججه، والزهدِ في كتابه وسنة رسوله، وتلقِّي الأحكام منهما= مبلغَها، ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره ويصدِّق قول رسوله: إنه لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحججه (٢) (٣)، ولن تزال طائفة من أمته على محض الحق الذي بعثه به (٤)، وأنه لا يزال يبعث على رأس كلِّ مائة سنةٍ لهذه الأمة من يجدِّد لها دينها (٥).

стр. 1333

ويكفي في فساد هذه الأقوال أن يقال لأربابها: فإذا لم يكن لأحدٍ أن يختار بعد من ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ وكيف حرّمتم على الرجل أن يختار ما يؤديه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب الله وسنة رسوله، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلّدتموه، وأوجبتم على الأمة تقليده، وحرّمتم تقليد من سواه، ورجحتموه على تقليد من سواه؟ فما الذي سوَّغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليلَ عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب، وحرَّم اختيارَ ما عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة؟ ويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا عند غيرك، فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك، دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو من هو مثله من فقهاء الأمصار أو ممن جاء بعده؟ وموجَبُ هذا القول أن أشهب وابن الماجشون ومطرِّف بن عبد الله وأصبغ بن الفرج وسَحنون بن سعيد (١) وأحمد بن المعذَّل ومن في طبقتهم من الفقهاء كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مائتين، فلما استهلَّ هلال (٢) المحرّم من سنة إحدى ومائتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم

стр. 1334

في الوقت بلا مهلةٍ ما كان مطلقًا [٥٠/ب] لهم من الاختيار! ويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزُكم الاختيارَ والاجتهاد والقول في دين الله بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم، ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفَّاظ الإسلام وأعلمِ الأمة بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم، كأحمد (١) بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري وداود بن علي ونظرائهم، على سعة علمهم بالسنن، ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم، وتحريهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين، ودقة نظرهم، ولطف استخراجهم للدلائل. ومن قال منهم بالقياس فقياسه من أقرب القياس إلى الصواب، وأبعده عن الفساد، وأقربه إلى النصوص، مع شدة ورعهم وما منحهم الله من محبة المؤمنين لهم وتعظيم المسلمين علمائهم وعامتهم لهم. فإن احتجّ كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه التراجيح من: تقدُّم زمانٍ، أو زهدٍ، أو ورعٍ، أو لقاءِ شيوخ وأئمة لم يلْقَهم مَن بعده، أو كثرةِ أتباعٍ لم يكونوا لغيره= أمكن الفريقَ الآخر أن يُبدوا لمتبوعهم من الترجيح بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه، وأمكن غيرَ هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميعًا: نفوذ قولكم هذا إن لم تأنفوا من التناقض يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين وأعلم وأورع وأزهد وأكثر اتباعًا وأجلُّ، فأين أتباع ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل بل أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة؟ وهذا

стр. 1335

أبو هريرة قال البخاري: حمل العلم عنه ثمانمائة رجل ما بين صاحب وتابع (١). وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحابه عبد الله بن عباس، وأين في أتباع [٥١/أ] الأئمة مثلُ عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وجابر بن زيد؟ وأين في أتباعهم مثل السعيدَين (٢) والشعبي ومسروق وعلقمة والأسود وشُريح؟ وأين في أتباعهم مثلُ نافع وسالم والقاسم وعروة وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن؟ فما الذي جعل الأئمة بأتباعهم أسعدَ من هؤلاء بأتباعهم؟ ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم، فعِظَمُهم وجلالتهم وكِبَرُهم منع المتأخرين من الاقتداء بهم، وقالوا بلسان قالهم وحالهم: هؤلاء كبار علينا لسنا من زَبونهم، كما صرَّحوا وشهِدوا على أنفسهم بأنّ أقدارهم تتقاصر عن تلقّي العلم من القرآن والسنة، وقالوا: لسنا أهلًا لذلك، لا لقصور الكتاب والسنة، ولكن لعَجْزِنا نحن وقصورنا، فاكتفينا بمن هو أعلم بهما منّا. فيقال لهم: فلِمَ تُنكرون على من اقتدى بهما وحكَّمهما وتحاكم إليهما، وعرضَ أقوال العلماء عليهما فما وافقهما قَبِلَه وما خالفهما ردَّه؟ فهَبْ أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود فلِمَ تنكرون على من وصل إليه وذاق حلاوته؟ وكيف تحجَّرتم الواسعَ من فضل الله الذي ليس على قياس عقول العالمين ولا اقتراحاتهم، وهم وإن كانوا في عصركم ونشأوا معكم وبينكم وبينهم نسبٌ قريب فالله يمنُّ على من يشاء من عباده.
следующие страницы →