← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وصار كل حزب بما لديهم فرحون إلا بهذا السبب؟ فكل طائفة تدعو إلى متبوعها وتَنْأَى عن غيره وتنهى عنه، وذلك يُفضي (١) إلى التفريق بين الأمة، وجَعْلِ دين الله تابعًا للتشهّي والأغراض وعُرضةً للاضطراب والاختلاف، وهذا كله يدلّ على أن [٤٩/ب] التقليد ليس من عند الله للاختلاف الكثير الذي فيه. ويكفي في فساد هذا المذهب تناقضُ أصحابه ومعارضة أقوالهم بعضِها ببعض، ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليدَ صاحبهم وتحريمُهم تقليدَ الواحد من أكابر الصحابة كما صرّحوا به في كتبهم. الوجه الثمانون: أن المقلّدين حكموا على الله قدرًا وشرعًا بالحكم الباطل جِهارًا المخالفِ لما أخبر به رسوله، فأخلَوا الأرض من القائمين لله بحججه (٢)، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة؛ فقالت طائفة: ليس لأحدٍ أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي. وهذا قول كثير من الحنفية (٣). وقال بكر بن العلاء القُشيري المالكي: ليس لأحدٍ أن يختار بعد المائتين من الهجرة (٤). وقال آخرون: «ليس لأحدٍ أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجرّاح وعبد الله بن المبارك (٥). وقالت طائفة: ليس لأحدٍ أن يختار بعد الشافعي (٦).

стр. 1332

واختلف المقلّدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه ويكون له وجه يفتي ويحكم به، ومن ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث مراتب: طائفة أصحاب وجوه كابن سُريج والقفّال وأبي حامد، وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه كأبي المعالي، وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات كأبي حامد وغيره. واختلفوا متى انسدَّ باب الاجتهاد على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، وعند هؤلاء أن الأرض قد خلتْ من قائمٍ لله بحججه (١)، ولم يبقَ فيها من يتكلّم بالعلم، ولم يحلَّ لأحدٍ بعدُ أن ينظر في كتاب الله ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منها، ولا يقضي ويفتي بما فيها حتى يعرضه على قول مقلَّده ومتبوعه، فإن [٥٠/أ] وافقه حكم به وأفتى به، وإلا ردَّه ولم يقبله. وهذه أقوال ــ كما ترى ــ قد بلغتْ من الفساد والبطلان والتناقض، والقولِ على الله بلا علم، وإبطالِ حججه، والزهدِ في كتابه وسنة رسوله، وتلقِّي الأحكام منهما= مبلغَها، ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره ويصدِّق قول رسوله: إنه لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحججه (٢) (٣)، ولن تزال طائفة من أمته على محض الحق الذي بعثه به (٤)، وأنه لا يزال يبعث على رأس كلِّ مائة سنةٍ لهذه الأمة من يجدِّد لها دينها (٥).

стр. 1333

ويكفي في فساد هذه الأقوال أن يقال لأربابها: فإذا لم يكن لأحدٍ أن يختار بعد من ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ وكيف حرّمتم على الرجل أن يختار ما يؤديه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب الله وسنة رسوله، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلّدتموه، وأوجبتم على الأمة تقليده، وحرّمتم تقليد من سواه، ورجحتموه على تقليد من سواه؟ فما الذي سوَّغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليلَ عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب، وحرَّم اختيارَ ما عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة؟ ويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا عند غيرك، فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك، دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو من هو مثله من فقهاء الأمصار أو ممن جاء بعده؟ وموجَبُ هذا القول أن أشهب وابن الماجشون ومطرِّف بن عبد الله وأصبغ بن الفرج وسَحنون بن سعيد (١) وأحمد بن المعذَّل ومن في طبقتهم من الفقهاء كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مائتين، فلما استهلَّ هلال (٢) المحرّم من سنة إحدى ومائتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم

стр. 1334

في الوقت بلا مهلةٍ ما كان مطلقًا [٥٠/ب] لهم من الاختيار! ويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزُكم الاختيارَ والاجتهاد والقول في دين الله بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم، ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفَّاظ الإسلام وأعلمِ الأمة بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم، كأحمد (١) بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري وداود بن علي ونظرائهم، على سعة علمهم بالسنن، ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم، وتحريهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين، ودقة نظرهم، ولطف استخراجهم للدلائل. ومن قال منهم بالقياس فقياسه من أقرب القياس إلى الصواب، وأبعده عن الفساد، وأقربه إلى النصوص، مع شدة ورعهم وما منحهم الله من محبة المؤمنين لهم وتعظيم المسلمين علمائهم وعامتهم لهم. فإن احتجّ كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه التراجيح من: تقدُّم زمانٍ، أو زهدٍ، أو ورعٍ، أو لقاءِ شيوخ وأئمة لم يلْقَهم مَن بعده، أو كثرةِ أتباعٍ لم يكونوا لغيره= أمكن الفريقَ الآخر أن يُبدوا لمتبوعهم من الترجيح بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه، وأمكن غيرَ هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميعًا: نفوذ قولكم هذا إن لم تأنفوا من التناقض يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين وأعلم وأورع وأزهد وأكثر اتباعًا وأجلُّ، فأين أتباع ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل بل أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة؟ وهذا

стр. 1335

أبو هريرة قال البخاري: حمل العلم عنه ثمانمائة رجل ما بين صاحب وتابع (١). وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحابه عبد الله بن عباس، وأين في أتباع [٥١/أ] الأئمة مثلُ عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وجابر بن زيد؟ وأين في أتباعهم مثل السعيدَين (٢) والشعبي ومسروق وعلقمة والأسود وشُريح؟ وأين في أتباعهم مثلُ نافع وسالم والقاسم وعروة وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن؟ فما الذي جعل الأئمة بأتباعهم أسعدَ من هؤلاء بأتباعهم؟ ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم، فعِظَمُهم وجلالتهم وكِبَرُهم منع المتأخرين من الاقتداء بهم، وقالوا بلسان قالهم وحالهم: هؤلاء كبار علينا لسنا من زَبونهم، كما صرَّحوا وشهِدوا على أنفسهم بأنّ أقدارهم تتقاصر عن تلقّي العلم من القرآن والسنة، وقالوا: لسنا أهلًا لذلك، لا لقصور الكتاب والسنة، ولكن لعَجْزِنا نحن وقصورنا، فاكتفينا بمن هو أعلم بهما منّا. فيقال لهم: فلِمَ تُنكرون على من اقتدى بهما وحكَّمهما وتحاكم إليهما، وعرضَ أقوال العلماء عليهما فما وافقهما قَبِلَه وما خالفهما ردَّه؟ فهَبْ أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود فلِمَ تنكرون على من وصل إليه وذاق حلاوته؟ وكيف تحجَّرتم الواسعَ من فضل الله الذي ليس على قياس عقول العالمين ولا اقتراحاتهم، وهم وإن كانوا في عصركم ونشأوا معكم وبينكم وبينهم نسبٌ قريب فالله يمنُّ على من يشاء من عباده.

стр. 1336

وقد أنكر الله سبحانه على من ردَّ النبوة بأن الله صرَفَها عن عظماء القرى ورؤسائها وأعطاها لمن ليس كذلك، بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقد قال النبي ﷺ : «مَثلُ أمتي كالمطر، لا يُدرَى أولُه خير أم آخره» (١). وقد أخبر الله سبحانه عن السابقين بأنهم ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤]، وأخبر سبحانه [٥١/ب] أنه ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ثم (٢) أخبر أن ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤]. وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من (٣) مآخذهما وحجج أصحابهما وما لهم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتابٍ من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به (٤) في غير هذا

стр. 1337

الكتاب أبدًا، وذلك بحول الله وقوته ومعونته وفتحه؛ فله الحمد والمنّة، وما كان فيه من صوابٍ فمن الله، هو المانُّ به (١)، وما كان فيه من خطأ فمنّي ومن الشيطان، وليس الله ورسوله ودينه في شيء منه، وبالله التوفيق. * * * *

стр. 1338

فصل في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف (١) النصوص وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص وذكر إجماع العلماء على ذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]

стр. 1339

وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ [٥٢/أ] وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. فأكّد هذا التأكيد وكرّر هذا التكرير في موضع واحد، لعظم مفسدة الحكم بغير ما أنزله، وعموم مضرَّته، وبليَّة الأمة به. وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وأنكر تعالى على من حاجَّ في دينه بما ليس له به علم، فقال: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦]. ونهى أن يقول أحد: هذا حلال وهذا حرام، لما لم يحرِّمه الله ورسوله نصًّا، وأخبر أن فاعل ذلك مفترٍ عليه الكذب، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 1340

وأما السنة ففي «الصحيحين» (١) من حديث ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته بشَريك بن سحماء عند النبي ﷺ ، فذكر حديث اللعان، وقولَ النبي ﷺ : «أبصِروها؛ فإن جاءت به أكحلَ العينين سابغَ الأليتين خَدلَّجَ الساقين فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية»، فجاءت به على النعت المكروه، فقال النبي ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن». يريد ــ والله ورسوله أعلم ــ بكتاب الله قولَه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، ويريد بالشأن ــ والله أعلم ــ أنه كان يحدُّها لمشابهة ولدها للرجل الذي رُمِيتْ به، ولكن كتاب الله [٥٢/ب] فصلَ الحكومة، وأسقط كلَّ قول وراءه، ولم يبقَ للاجتهاد بعده موقع. وقال الشافعي (٢): أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب ﵁ إلى شيخ من زُهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر، فسأله عن وِلادٍ من وِلادِ الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان؛ فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله ﷺ قضى بالفراش.

стр. 1341

قال الشافعي (١): وأخبرني من لا أتَّهم (٢) عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مَخْلد بن خُفاف قال: ابتعتُ غلامًا، فاستغللتُه، ثم ظهرتُ منه على عيب، فخاصمتُ فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي بردّه، وقضى عليَّ برد غلَّته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: أروحُ إليه العشيةَ فأُخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فعجِلتُ إلى عمر فأخبرته ما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله ﷺ ، فقال عمر: فما أيسرَ عليَّ من قضاءٍ قضيته، اللهم إنك تعلم أني لم أرِدْ فيه إلا الحق؛ فبلغتْني فيه سنةٌ عن رسول الله ﷺ ، فأردُّ قضاءَ عمر وأُنفذ سنةَ رسول الله ﷺ . فراح إليه عروة؛ فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به عليَّ له. قال الشافعي (٣): وأخبرني من لا أتَّهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال: قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضيةٍ برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن النبي ﷺ بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي ﷺ بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك، فقال [٥٣/أ] سعد: واعجبا،

стр. 1342

أُنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأردُّ قضاء رسول الله ﷺ ! بل (١) أردُّ قضاء سعد بن أم سعد وأُنفذ قضاء رسول الله ﷺ ، فدعا سعد بكتاب القضية فشَقَّه، وقضى للمقضيِّ عليه. فلْيوحِشْنا المقلّدون ثم أوحشَ الله منهم. وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: حدثنا محمد بن أبي راشد عن عبدة بن أبي لبابة عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلًا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب، فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر، ألها أن تَنْفِر قبل أن تطهر؟ فقال عمر: لا، فقال له الثقفي: إن رسول الله ﷺ أفتاني في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيتَ به، فقام إليه عمر يضربه بالدِّرة ويقول له: لِمَ تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله ﷺ (٢). ورواه أبو داود بنحوه (٣). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا صالح بن عبد الله ثنا سفيان بن عامر عن عتّاب بن منصور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا رأيَ لأحدٍ مع سنةٍ سنَّها رسول الله ﷺ (٤).

стр. 1343

وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانتْ له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعَها لقول أحدٍ (١). وتواتر عنه أنه قال: إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائطَ (٢). وصحّ عنه أنه قال: إذا رويتُ عن رسول الله ﷺ حديثًا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب (٣). وصحّ عنه أنه قال: لا قول لأحدٍ مع سنة رسول الله ﷺ (٤). وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعد بن إياس عن ابن مسعود أن رجلًا سأله عن رجل تزوّج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلّق (٥) امرأته ليتزوج أمها، فقال: لا بأس. فتزوّجها الرجل، وكان عبد الله على بيت المال؛ فكان يبيع [٥٣/ب] نُفَاية (٦) بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل، حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد ﷺ ، فقالوا: لا تحلُّ لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصلح الفضة إلا وزنًا بوزن، فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم

стр. 1344

يجده، ووجد قومه فقال: إن الذي أفتيتُ به صاحبكم لا يحل، وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة إن الذي كنتُ أبايعكم لا يحلّ، لا تحلّ الفضة إلا وزنًا بوزن (١). وفي «صحيح مسلم» (٢) من حديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وابن عباس وأبا سلمة تذاكروا المتوفَّى عنها الحامل تضع عند وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتدّ آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: تحلّ حين تضع، فقال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: قد وضعتْ سُبيعة بعد وفاة زوجها بيسيرٍ، فأمرها رسول الله ﷺ أن تتزوّج. وقد تقدَّم من ذكر رجوع عمر ﵁ وأبي موسى وابن عباس عن اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية. وقال شدّاد بن حكيم عن زفر بن الهذيل: إنما نأخذ بالرأي ما لم يجئ الأثر، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي وأخذنا بالأثر (٣). وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قولَ لأحدٍ مع رسول الله ﷺ إذا صحّ الخبر عنه (٤). وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى له أصحاب ينتحلون مذهبه، ولم يكن مقلّدًا، بل إمامًا

стр. 1345

مستقلًّا كما ذكر البيهقي في «مدخله» عن يحيى بن محمد العنبري، قال: طبقات أصحاب الحديث خمسة: المالكية، والشافعية، والحنبلية، والراهوية (١)، والخزيمية أصحاب ابن خزيمة (٢). وقال الشافعي: إذا حدّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو [٥٤/أ] ثابت، ولا يُترك لرسول الله ﷺ حديثٌ أبدًا، إلا حديث وُجِد عن رسول الله ﷺ آخر يخالفه (٣). وقال في كتاب «اختلافه مع مالك» (٤): ما كان الكتاب والسنة موجودَين فالعذر على من سمعهما مقطوع إلا بإتيانهما. وقال الشافعي (٥): «قال لي قائل: دُلَّني على أن عمر عمل شيئا ثم صار إلى غيره بخبرٍ نبوي، قلت له: حدثنا سفيان عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة الضبابي من ديته فرجع إليه عمر. وأخبرنا ابن عيينة عن عمرو وابن طاوس أن عمر قال: أذكِّر الله امرأً سمع من النبي ﷺ في الجنين شيئا، فقام حَمَل بن مالك بن النابغة فقال: كنتُ بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمِسْطح، فألقتْ جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغُرَّة، فقال عمر: لو لم نسمع فيه

стр. 1346

هذا لقضينا فيه بغير هذا، أو قال: إن كِدنا لنقضي (١) فيه برأينا. فترك اجتهاده ﵁ للنص. وهذا هو الواجب على كل مسلم؛ إذ اجتهاد الرأي إنما يُباح للمضطر كما تُباح له الميتة والدم عند الضرورة، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وكذلك القياس إنما يُصار إليه عند الضرورة. قال الإمام أحمد ﵁: سألت الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورة، ذكره البيهقي في «مدخله» (٢). وكان زيد بن ثابت لا يرى للحائض أن تَنْفِر حتى تطوف طواف الوداع، وتناظر في ذلك هو وعبد الله بن عباس، فقال له ابن عباس: إمّا لا فَسَلْ فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ، فرجع زيد يضحك ويقول: [٥٤/ب] ما أراك إلا قد صدقتَ، ذكره البخاري في «صحيحه» (٣) بنحوه. وقال ابن عمر: كنا نُخابِر ولا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافع أن رسول الله ﷺ نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك (٤). وقال عمرو بن دينار: عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة، فقالت عائشة: طيَّبتُ رسول الله

стр. 1347

- ﷺ بيدي لإحرامه قبل أن يحرم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت، وسنةُ رسول الله ﷺ أحقُّ (١). قال الشافعي: فترك سالم قول جدّه لروايتها. قلت: لا كما تصنع فرقة التقليد. وقال الأصم: أخبرنا الربيع بن سليمان [قال: قال الشافعي]: لنعطينَّك جملةً تُغنيك إن شاء الله، لا تَدَعْ لرسول الله ﷺ حديثًا أبدًا، إلا أن يأتي عن رسول الله ﷺ خلافُه فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفتْ (٢). قال الأصم: وسمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلافَ سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودَعُوا ما قلت (٣). وقال أبو محمد الجارودي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم سنة من (٤) رسول الله ﷺ خلافَ قولي فخذوا بالسنة ودَعُوا قولي، فإني أقول بها (٥).

стр. 1348

وقال أحمد بن علي بن عيسى بن ماهان الرازي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة تكلَّمتُ فيها صحّ الخبر فيها عن النبي ﷺ عند أهل النقل (١) بخلاف ما قلت فأنا راجعٌ عنها في حياتي وبعد موتي (٢). وقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: ما قلتُ وكان النبي ﷺ قد قال بخلاف قولي مما يصحّ فحديثُ النبي ﷺ [٥٥/أ] أولى، ولا تقلِّدوني (٣). وقال الحاكم: سمعت الأصم يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: وروى حديثًا، فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: متى رويتُ عن رسول الله ﷺ حديثًا صحيحًا فلم آخذ به فأُشهِدكم أن عقلي قد ذهب، وأشار بيده على رؤوسهم (٤). وقال الحميدي: سأل رجلٌ الشافعيَّ عن مسألة، فأفتاه وقال: قال رسول الله ﷺ كذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال: أرأيتَ في وسطي زُنّارًا؟ أتُراني خرجتُ من الكنيسة؟ أقول قال النبي ﷺ وتقول لي: أتقول بهذا؟ أروي عن النبي ﷺ ولا أقول به! (٥).

стр. 1349

وقال الحاكم: أنبأني أبو عمرو بن (١) السمّاك مشافهةً أن أبا سعيد الجصاص حدّثهم قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول، وسأله رجل عن مسألة فقال: رُوي عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد الله أتقول بهذا؟ فارتعدَ الشافعي واصفرّ وحالَ لونُه، وقال: ويحَكَ، أيُّ أرضٍ تُقِلُّني وأي سماءٍ تُظِلُّني إذا رويتُ عن رسول الله ﷺ شيئًا فلم أقلْ به؟ نعم على الرأس والعينين، نعم على الرأس والعينين (٢). قال: وسمعت الشافعي يقول: ما من أحدٍ إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ وتعزُب عنه، فمهما قلتُ من قولٍ أو أصَّلتُ من أصلٍ فيه عن رسول الله ﷺ خلافُ ما قلت فالقول ما قال رسول الله ﷺ ، وهو قولي، وجعل يردِّد هذا الكلام (٣). وقال الربيع: قال الشافعي (٤): لم أسمع أحدًا نسبتْه عامةٌ أو نسبَ نفسَه إلى علم يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله ﷺ والتسليم لحكمه، فإن الله لم يجعل لأحدٍ بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قولُ رجل قال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله، وأن ما سواهما تبعٌ لهما، وأنّ [٥٤/ب] فرضَ الله علينا

стр. 1350

وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحدٌ لا يختلف فيه الفرض، وواجبٌ قبول الخبر عن رسول الله ﷺ = إلا فرقةً (١) سأصِفُ قولها إن شاء الله. قال الشافعي (٢): ثم تفرَّق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول الله ﷺ تفرقًا متباينًا، وتفرَّق عنهم (٣) ممن نسبته العامة إلى الفقه تفرقًا أتى بعضهم فيه أكثر من التقليد أو التحقيق (٤) من النظر والغفلة والاستعجال بالرياسة. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح عندكم الحديث عن النبي ﷺ فقولوا لي حتى أذهبَ إليه (٥). وقال الإمام أحمد: كان أحسنُ أمرِ الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله (٦). وقال الربيع: قال الشافعي: لا نترك الحديث عن رسول الله ﷺ بأن

стр. 1351

يدخله (١) القياس، ولا موضعَ للقياس لموقعِ السنة (٢). قال الربيع (٣): وقد رُوي عن النبي ﷺ ــ بأبي هو وأمي ــ أنه قضى في بَرْوَع بنت واشق ونكحت بغير مهر، فمات زوجها، فقضى لها بمهر نسائها؛ وقضى لها بالميراث (٤)، فإن كان ثبت (٥) عن النبي ﷺ فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحدٍ دون النبي ﷺ ، ولا في قياسٍ، ولا شيءَ إلا طاعة الله بالتسليم له. وإن كان لا يثبت (٦) عن النبي ﷺ لم يكن لأحد أن يُثبِت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه من وجه يثبت مثله، هو مرةً عن معقِل بن يسار، ومرةً عن معقِل بن سنان، ومرةً عن بعض أشجع لا يُسمَّى. وقال الربيع (٧): سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة، فقال: يرفع المصلّي يديه إذا افتتح الصلاة حذوَ منكبيه، وإذا أراد أن [٥٦/أ] يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولا يفعل ذلك في السجود. قلت له:

стр. 1352

فما الحجة في ذلك؟ فقال: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ مثل قولنا (١). قال الربيع (٢): فقلت: فإنا نقول: يرفع في الابتداء ثم لا يعود، قال الشافعي: أنا مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك (٣). قال الشافعي (٤): وهو ــ يعني مالكًا ــ يروي عن النبي ﷺ أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك. ثم خالفتم رسول الله ﷺ وابن عمر، فقلتم: لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة. وقد رويتم عنهما أنهما رفعاها في الابتداء وعند الرفع من الركوع. أفيجوز لعالمٍ أن يترك فعل النبي ﷺ وابن عمر لرأي نفسه أو فعْلَ النبي ﷺ لرأي ابن عمر، ثم القياس على قول ابن عمر، ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن عمر ما روى عن النبي ﷺ ؟ فكيف لم ينْهَه بعضُ هذا عن بعض؟ أرأيتَ إذا جاز له أن يروي عن النبي ﷺ أن يرفع يديه في مرتين أو ثلاثًا وعن ابن عمر فيه اثنتين أنأخذ بواحدة ونترك (٥) واحدة؟ أيجوز لغيره تركُ الذي أخذ به وأخذُ الذي ترك؟ أو يجوز لغيره ترك ما روي عن النبي ﷺ ؟

стр. 1353

فقلت له (١): فإن صاحبنا قال: فما معنى الرفع؟ قال: معناه تعظيم لله واتباع لسنة النبي ﷺ ، ومعنى الرفع في الأولى معنى الرفع الذي خالفتم فيه النبي ﷺ عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي ﷺ وابن عمر معًا، ويروي ذلك عن النبي ﷺ ثلاثة عشر رجلًا أو أربعة عشر رجلًا، ورُوي عن [٥٦/ب] أصحاب النبي ﷺ من غير وجه (٢)، ومن تركه فقد ترك السنة (٣). قلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه تارك للسنة، ونصَّ أحمد على ذلك أيضًا في إحدى الروايتين عنه. وقال الربيع (٤): سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام وبعد رمي الجمرة والحلاق وقبل الإفاضة؛ فقال: جائز، وأحبُّه، ولا أكرهه؛ لثبوت السنةِ فيه عن النبي ﷺ ، والأخبارِ عن غير واحد من الصحابة. فقلت: وما حجتك فيه؟ فذكر الأخبار فيه والآثار. ثم قال (٥): أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال: قال عمر

стр. 1354

- ﵁: من رمى الجمرة فقد حلّ له ما حرم عليه إلا النساء والطيب (١). قال سالم: وقالت عائشة: طيَّبتُ رسول الله ﷺ بيدي. وسنة رسول الله ﷺ أحقُّ أن تُتبع (٢). قال الشافعي (٣): وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم، فأما ما تذهبون إليه من ترْكِ السنة وغيرها (٤) وترْكِ ذلك الغير لرأي أنفسكم (٥) فالعلم إذًا إليكم، تأتون منه ما شئتم وتدَعون ما شئتم. وقال في الكتاب القديم (٦) رواية الزعفراني في مسألة بيع المدبّر في جواب من قال له: إن بعض أصحابك قد قال خلاف هذا، قال الشافعي: فقلت له: من تبع سنة رسول الله ﷺ وافقتُه، ومن غلطَ فتركَها خالفتُه، صاحبي الذي لا أفارِق اللازمُ الثابت مع رسول الله ﷺ وإن بعُد، والذي أفارق من لم يقل بحديث رسول الله ﷺ وإن قرُب. وقال في خطبة كتابه «إبطال الاستحسان» (٧): الحمد لله على جميع نعمه بما هو أهله وكما ينبغي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، [٥٧/أ] وأن محمدًا عبده ورسوله، بعثه بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من

стр. 1355

خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فهدى بكتابه ثم على لسان نبيه ﷺ ، ثم (١) أنعم عليه، وأقام الحجة على خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩] وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وفرض عليهم اتباع ما أنزل إليهم وسنَّ رسول الله ﷺ لهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فأعلَمَ أن معصيته في ترك أمره وأمر رسوله، ولم يجعل لهم إلا اتباعه. وكذلك قال لرسول الله ﷺ : ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] مع ما علّم الله نبيه، ثم (٢) فرض اتباع كتابه فقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. وأعلمَهم أنه أكمل لهم دينهم فقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. إلى أن قال (٣): ثم منَّ عليهم بما آتاهم من العلم فأمرهم بالاقتصار عليه، وأن لا يقولوا (٤) غيره إلا ما علّمهم، فقال لنبيه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ

стр. 1356

رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال لنبيه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقال لنبيه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، ثم أنزل على نبيه أن غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، يعني ــ والله أعلم ــ ما تقدّم من ذنبه قبل الوحي وما تأخّر أن يعصِمه فلا يذنب، فعلم ما يفعل به من رضاه عنه، وأنه [٥٧/ب] أول شافعٍ ومشفَّعٍ يوم القيامة، وسيّد الخلائق، وقال لنبيه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وجاءه ﷺ رجل في امرأة رجل رماها بالزنا، فقال له يرجع، فأوحى الله إليه آية اللعان فلاعنَ بينهما (١). وقال: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وقال لنبيه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٣]، فحجب عن نبيه علمَ الساعة، وكان مَن عدا (٢) ملائكة الله المقرّبين وأنبياءه المصطفين من عباد الله أقصرَ علمًا من ملائكته وأنبيائه، والله فرض على خلقه طاعة نبيه، ولم يجعل لهم من الأمر شيئًا. وقد صنَّف الإمام أحمد ﵁ كتابًا في «طاعة الرسول» (٣)، ردّ فيه

стр. 1357

على من احتجّ بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول الله ﷺ وتَرْك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته (١): إن الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدالّ على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصّه وعامّه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب. فكان رسول الله ﷺ هو المعبِّر عن كتاب الله الدالّ على معانيه، شاهدَه في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلمَ الناس برسول الله ﷺ ، وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم ما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبِّرين عن ذلك بعد رسول الله ﷺ . قال جابر: ورسول الله ﷺ بين أظهُرنا، عليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمِلَ به من شيء [٥٨/أ] عمِلنا به (٢). ثم ساق الآيات الدالة على طاعة الرسول، فقال: قال جلّ ثناؤه في آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [١٣١ - ١٣٢]، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [٣٢]. وقال في النساء: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ

стр. 1358

بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [٦٥]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [٦٩]، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [٧٩، ٨٠]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [٥٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [١٣ - ١٤]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [١٠٥]. وقال في المائدة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [٩٢]. وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ (١) وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ [٥٨/ب] رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ

стр. 1359

اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥١ - ٥٢]، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 1360

وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]، فكان الحسن يقول: لا تذبحوا قبل ذبحه (١)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ [٥٩/أ] فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥]. وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧]، وقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ١ - ٥]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]، وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ

стр. 1361

وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩]، وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ ــ قال ابن عباس: هو جبريل (١)، وقاله مجاهد (٢) ــ ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]. ثم ذكر حديث يعلى بن أمية: طفتُ مع عمر، فلما بلغنا الركن الغربي الذي يلي الأسود جررتُ بيده ليستلم، فقال: ما شأنك؟ فقلت: ألا تستلم؟ فقال: ألم تطف مع النبي ﷺ ؟ فقلت: بلى، قال: أفرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين؟ قلت (٣): لا، قال: أليس لك فيه أسوة حسنة؟ قلت: بلى، قال: فانفذ عنك (٤). [٥٩/ب] قال: وجعل معاوية يستلم الأركان كلَّها، فقال له ابن عباس: لِمَ تستلمُ هذين الركنين ولم يكن رسول الله ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية:

стр. 1362

ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فقال معاوية: صدقتَ (١). ثم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن وردَّها بذلك. وهذا فِعْل الذين يستمسكون بالمتشابه في ردّ المحكم، فإن لم يجدوا لفظا متشابهًا غير المحكم يردّونه استخرجوا من المحكم وصفًا متشابهًا وردُّوه به، فلهم طريقان في ردّ السنن؛ أحدهما: ردُّها بالمتشابه من القرآن أو من السنن، الثاني: جعلُهم المحكم متشابهًا ليعطِّلوا دلالته. وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ــ كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق ــ فعكس هذه الطريق، وهي أنهم يردُّون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسِّر لهم المتشابه ويبيِّنه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدّق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره. ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدّة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب:

стр. 1363

المثال الأول: ردُّ الجهمية النصوصَ المحكمة غاية الإحكام المبيَّنة بأقصى غاية البيان أن الله موصوف بصفات الكمال، من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك [٦٠/أ] والرحمة والحكمة، وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى سماء الدنيا ونحو ذلك. والعلمُ بمجيء الرسول بذلك وإخبارِه به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب فليس يقصُر عنه، فالعلم الضروري حاصل بأن الرسول أخبر عن الله بذلك، وفرض على الأمة تصديقَه فيه، فرضًا لا يتمُّ أصل الإيمان إلا به. فردَّ الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ومن قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، ومن قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، ثم استخرجوا من هذه النصوص المحكمة (١) المبينة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه. المثال الثاني: ردُّهم المحكمَ المعلوم بالضرورة أن الرسل جاؤوا به من إثبات علوِّ الله على خلقه واستوائه على عرشه، بمتشابه قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] ونحو ذلك، ثم تحيَّلوا وتمحَّلوا حتى ردُّوا نصوص العلو والفوقية بمتشابهه.

стр. 1364

المثال الثالث: ردُّ القدرية النصوصَ الصريحة المحكمة في قدرة الله على خلقه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، بالمتشابه من قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، و ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧]، ثم استخرجوا لتلك النصوص المحكمة وجوهًا أُخَر أخرجوها به من قسم المحكم وأدخلوها في المتشابه. المثال الرابع: ردُّ الجبرية النصوصَ المحكمة في إثبات كون العبد قادرًا مختارًا فاعلًا بمشيئته، بمتشابه قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام: ٣٩] وأمثال ذلك، ثم [٦٠/ب] استخرجوا لتلك النصوص من الاحتمالات التي يقطع السامع أن المتكلم لم يُرِدْها ما صيَّروها به متشابهة. المثال الخامس: ردُّ الخوارج والمعتزلة النصوصَ الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشفاعة للعصاة وخروجهم من النار، بالمتشابه من قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] ونحو ذلك، وفعلوا فيها كفعل من ذكرنا سواء. المثال السادس: ردُّ الجهمية النصوصَ المحكمة التي قد بلغت في صراحتها وصحتها إلى أعلى الدرجات في رؤية المؤمنين ربهم ﵎ في عَرَصات القيامة وفي الجنة، بالمتشابه من قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾

стр. 1365

[الأنعام: ١٠٣]، وقوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] ونحوها، ثم أحالوا المحكم متشابهًا وردُّوا الجميع. المثال السابع: ردّ النصوص الصريحة الصحيحة التي تفوت العدَّ على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب سبحانه وقيامها به، كقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، وقوله: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾ [النمل: ٨]، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله: «ينزل ربنا كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا» (١)، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: «إن ربي قد غضب [٦١/أ] اليوم غضبًا لم يغضب الله قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» (٢)، وقوله: «إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي» الحديث (٣)، وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص التي تزيد على الألف،

стр. 1366

فردُّوا هذا كله مع إحكامه بمتشابه قوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]. المثال الثامن: ردُّ النصوص المحكمة الصريحة التي هي في غاية الصحة والكثرة على أن الرب سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة وُجودُها خيرٌ من عدمها، ودخول لام التعليل في شرعه وقدره أكثر من أن يُعدّ، فردُّوها بالمتشابه من قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ثم جعلوها كلَّها متشابهة. المثال التاسع: رد النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على ثبوت الأسباب شرعًا وقدرًا، كقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقوله: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [المؤمنون: ١٩]، وقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وقوله في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وفي القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ

стр. 1367

الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، إلى أضعاف ذلك من النصوص المثبتة للسببية. فردُّوا ذلك كلَّه بالمتشابه من قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧]، ﴿وَمَا رَمَيْتَ [٦١/ب] إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وقول النبي ﷺ : «ما أنا حَملتُكم، ولكن الله حَمَلكم» (١) ونحو ذلك، وقوله: «إني لا أعطي أحدًا ولا أمنعه» (٢)، وقوله للذي سأله عن العزل عن أَمته (٣): «اعزِلْ عنها فسيأتيها ما قُدِّر لها» (٤)، وقوله: «لا عدوى ولا طِيَرة» (٥)، وقوله: «فمن أعدى الأولَ؟» (٦)، وقوله: «أرأيتَ إن منعَ الله الثمرةَ» (٧)، ولم يقل: منعها البرَدُ والآفة التي تصيب الثمار، ونحو ذلك من المتشابه الذي إنما يدلّ على أن مالك السبب وخالقه يتصرَّف فيه: بأن يسلُبه سببيتَه إن شاء، ويُبقيها عليه إن شاء، كما سلبَ النارَ قوةَ الإحراق عن الخليل، ويالله العجب! أترى من أثبت الأسباب وقال إن الله خالقها أثبت خالقًا غير الله؟

стр. 1368

وأما قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فغاب عنهم فقه الآية وفهمها، والآية من أكبر معجزات النبي ﷺ ، والخطاب بها خاص لأهل بدر. وكذلك القبضة التي رمى بها النبي ﷺ فأوصلها الله سبحانه إلى جميع وجوه المشركين (١)، وذلك خارج عن قدرته ﷺ ، وهو الرمي الذي نفاه عنه، وأثبت له الرمي الذي هو في محلّ قدرته وهو الخَذْف، وكذلك القتل الذي نفاه عنهم هو قتل لم تباشره أيديهم، وإنما باشرته أيدي الملائكة، فكان أحدهم يشتدُّ في أثر الفارس وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك، ولو كان المراد ما فهمه هؤلاء الذين لا فقه لهم في فهم النصوص لم يكن فرقٌ بين ذلك وبين كل قتلٍ وكل فعلٍ من شربٍ أو زنا أو سرقة أو ظلم، فإن الله خالق الجميع، وكلام الله يُنزَّه عن هذا. وكذلك قوله: «ما أنا حملتُكم ولكن الله حملَكم»، لم يُرد أن الله (٢) حملهم بالقدر، وإنما كان النبي ﷺ متصرّفًا بأمر الله منفِّذًا له (٣)، [٦٢/أ] فالله سبحانه أمره بحملهم فنفّذ أوامره، فكأن الله هو الذي حملهم. وهذا معنى قوله: «والله إني لا أُعطي أحدًا شيئًا ولا أمنعُه»، ولهذا قال: «وإنما أنا قاسم»،

стр. 1369

فالله سبحانه هو المعطي على لسانه، وهو يَقسِم ما يقسمه (١) بأمره. وكذلك قوله في العزل: «فسيأتيها ما قُدِّر لها»، ليس فيه إسقاط الأسباب؛ فإن الله سبحانه إذا قدَّر خلق الولد سبق من الماء ما يخلق منه الولد ولو كان أقلَّ شيء، فليس من كل الماء يكون الولد، ولكن أين في السنة أن الوطء لا تأثير له في الولد البتةَ وليس سببًا له، وأن الزوج أو السيد إن وطئ أو لم يطأ فكلا الأمرين بالنسبة إلى حصول الولد وعدمه على حدٍّ سواء كما يقوله منكرو الأسباب؟ وكذلك قوله: «لا عدوى ولا طِيَرة» لو كان المراد به نفي السبب كما زعمتم لم يدلَّ على نفي كل سبب، وإنما غايته أن هذين الأمرين ليسا من أسباب الشر، كيف والحديث لا يدلُّ على ذلك؟ وإنما ينفي ما كان المشركون يثبتونه من سببية مستمرة على طريقة واحدة لا يمكن إبطالها ولا صرفُها عن محلّها ولا معارضتُها بما هو أقوى منها، لا كما يقوله من قصر علمُه: إنهم كانوا يرون ذلك فاعلًا مستقلًّا بنفسه. فالناس في الأسباب لهم ثلاثة طرق: إبطالها بالكلية. وإثباتها على وجهٍ لا يتغير، ولا يقبل سلب سببيتها ولا معارضتها بمثلها أو أقوى منها، كما يقوله الطبائعية والمنجِّمون والدهرية. والثالث ما جاءت به الرسل ودلَّ عليه الحس والعقل والفطرة: إثباتها أسبابًا، وجوازُ ــ بل وقوعُ ــ سلْبِ سببيتها عنها إذا شاء الله، ودفْعها بأمور

стр. 1370

أخرى نظيرها أو أقوى منها، مع بقاء مقتضى السببية فيها، كما تُصرَف كثير من أسباب الشر بالتوكل والدعاء والصدقة والذكر والاستغفار والعتق والصلة، وتُصرَف كثير من أسباب الخير بعد انعقادها بضدِّ ذلك، فللّه [٦٢/ب] كم من خير انعقد سببه ثم صُرِف عن العبد بأسبابٍ أحدثَها منعت حصولَه وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد؟ وكم من شر انعقد سببه ثم صُرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصولَه؟ ومن لا فقه له في هذه المسألة فلا انتفاع له بنفسه ولا بعلمه، والله المستعان وعليه التكلان. المثال العاشر: ردّ الجهمية النصوصَ المحكمة الصريحة التي تفوت العدَّ على أن الله سبحانه تكلّم ويتكلّم، وكلّم ويكلّم، وقال ويقول، وأخبر ونبَّأ، وأمر ويأمر، ونهى وينهى، ورضي ويرضى، ويعظ (١) ويبشِّر وينذر ويحذّر، ويوصِّل لعباده القولَ ويبيّن لهم ما يتقون، ونادى وينادي، وناجى ويناجي، ووعد وأوعد، ويسأل عباده يوم القيامة ويخاطبهم ويكلِّم كلًّا منهم ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب، ويراجعه عبده مراجعة، وهذه كلها أنواع للكلام (٢) والتكليم، وثبوتها بدون ثبوت صفة التكلم له ممتنع. فردَّها الجهمية ــ مع إحكامها وصراحتها وتعيُّنها للمراد منها بحيث لا تحتمل غيره ــ بالمتشابه من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. المثال الحادي عشر: ردُّوا محكم قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله: ﴿نَزَّلَهُ
следующие страницы →